← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

حرص العلماء على الأدلة من صفات العلماء: الحرص على المسائل بأدلتها، وعلى أن يكون موردهم نبع الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح، لذلك إذا رأيت العالم يقول: قال فلان قال فلان، فقط، فاعلم أنه ليس بعالم، أو الذي يحفظ قول المذهب فقط من غير أدلة، فليس بعالم. قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأمد في عمره: والعلماء الذين يصح أن يقال عنهم علماء هم الذين تفقهوا في الإيمان وأخذوا علمهم من الكتاب والسنة وليس العالم هو المقلد لفلان أو فلان، أو الذي يعرف مختصراً من المختصرات، أو كتاباً من الكتب فيقلد، ولا يدري عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . يقول الشيخ عبد العزيز: فهذا لا يعد من العلماء بإجماع أهل العلم، وقال في موضع آخر في مناسبة أخرى: ليس العالم من حفظ متخصر خليل أو زاد المستقنع، العالم من ورد حوض الكتاب والسنة فنهل منهما.

стр. 1612

أربعة لا يؤخذ العلم عنهم قال الإمام مالك في وصف العلماء المعتبرين: لا تأخذوا العلم عن أربعة وخذوا العلم ممن سواهم، لا يؤخذ من سفيه معلوم بالسفه، وإن كان أروى الناس -أي: أكثر الناس رواية- ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من كذاب يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه بالكذب على رسول الله ﷺ ، ولا من شيخ له عبادة وفضل إذا كان لا يعرف الحديث. هذا الأخير نوع مهم من الواجب معرفته، صاحب العبادة التقي الورع الذي يداوم على الصلاة والصيام، حاله على الرأس والعين، لكن إذا جئنا إلى قضية الأخذ لا نأخذ منه، فرق بين العابد والعالم، العلم لا يؤخذ عن العباد ولكن يؤخذ عن العلماء، وكثير من الناس يغترون بشخصيات من هذا القبيل، فيبدو على رجل ما سمات الصلاح والتقوى، فيأتي إليه أخونا هذا فيسأله وليس هو بمحل للسؤال، ولذلك يقول الإمام مالك في كلام مشهور: من شيوخي من أستسقي بهم -أي: أطلب منهم أن يدعوا الله بالسقيا- لأني أظن أن دعاءهم مستجاب، ولكني لا آخذ حديثهم. فالورع والصلاح شيء والعلم الشرعي شيء آخر، أقصد شيئاً آخر في معرفة ممن يتلقى، لكني لا أعني التفرقة بينهما بحيث أن العالم لا يشترط فيه أن يكون صالحاً ولا ورعاً ولا زاهداً، بل سبق الكلام أنه لا بد أن يكون كذلك. وسئل الشيخ عبد العزيز بن باز: ما حكم الأخذ عن فاسق؟ فقال: ينبغي أن يتحرى الصالحين الطيبين، وإن وجد فائدة عن فاسق أو حتى كافر لا يردها بل يأخذها، فإن الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها. المقصود بالفائدة: أي فائدة صحيحة، لكن هذا لا يعني أن نأخذ العلم عن المبتدعة وأهل الأهواء، كلا وحاشا، وإذا اجتمع اثنان فأكثر فيجب على الإنسان الاجتهاد في أعلمهم، والبحث عن الأعلم والأورع والأوثق ليقلده إن كان لا يحسن البحث في كتب أهل العلم، ولا سؤال العلماء ومعرفة الأدلة.

стр. 1613

الاغترار بطلبة العلم المبتدئين من هذا -أيها الإخوة- نعلم بأن هناك قضية خطيرة منتشرة بين الناس اليوم وهي الاغترار بطلبة العلم الصغار، نظراً لقلة العلماء في هذا الزمان وندرتهم صار كثير من طلبة العلم يبرزون أحياناً بقصد منهم أو بغير قصد، فلا بد من التنبه إلى هذه المسألة، صغار طلبة العلم لا يُسألون، ولا يستفتون أقصد: لا يُعطى لهم مجال للاجتهاد؛ لأنهم ليسوا هم محل الاجتهاد، ومن أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر، فلا يغتر بمثل حال هؤلاء في طلب الفتوى والاجتهاد. يقول الذهبي رحمه الله تعالى في السير: الفقيه المبتدئ والعامي الذي يحفظ القرآن أو كثيراً من السنة لا يسوغ له الاجتهاد أبداً، فكيف يجتهد؟ وما الذي يقول؟ وعلام يبني؟ أي: يبني اجتهاد الفتوى على ماذا؟ ماذا عنده أصلاً؟ وكيف يطير ولما يريش؟ الطائر الذي لم ينبت له ريش هل يطير؟ فكيف يطير هذا ولما يريش، والريش هو أدوات الفتوى والاجتهاد؟ فإن قال قائل: فما وظيفة طلبة العلم إذاً؟ هل طلبة العلم لا نأخذ عنهم وليس لهم مكانة بيننا؟ كلا. فإن لطبلة العلم دوراً مهماً جداً في المجتمع، نظراً لقلة العلماء وعدم تيسر البحث والاتصال بهم في كثير من الأحيان أو الوصول إليهم، خصوصاً لغير العالمين بأحوالهم، فإن طلبة العلم عليهم واجب عظيم ألا وهو تبليغ الناس أقوال أهل العلم وفتاويهم. هم الجسور والقنوات التي تصل بها المعلومات من أهل العلم إلى الناس؛ لأن كثيراً من الناس لا يتصلون بالعلماء ولا يسمعونهم؛ إما لضعف أو هوى أو عدم مقدرة على ذلك، أو جهل بقيمة العالم وهو الغالب، فيبحث عن أي شخص ويسأله، وهذا ما يفعله جهلة الحجاج، تجدهم عندما تعرض لهم مسألة في الحج يستوقف أي رجل عنده لحية ويسأله، يظن أنه يعلم: ما حكم كذا؟ وبعض الجهلة من هؤلاء إذا سئل وهو لا يدري يفتي بغير علم، فيضل ويضل.

стр. 1614

خطورة ظاهرة التعالم وكيفية الوقاية منها هناك ظاهرة خطيرة لا بد أن يفرد لها مجالات للنقاش وهي ظاهرة التعالم، ظهور أناس على السطح ليسوا بعلماء يدعون العلم فيضلون الناس، وينشرون الكتب ويقيمون المحاضرات في الفتاوي ويقررون أشياء خطيرة، في مسائل مهمة واقعية للناس في هذا العصر ولشيخنا بكر بن عبد الله أبو زيد رسالة مهمة سوف تظهر إن شاء الله عن ظاهرة التعالم وأثرها السيئ في العالم الإسلامي، لذلك أيها الإخوة كان لا بد من سؤال أهل الاختصاص. العلماء الآن ليسوا على مرتبة واحدة في جميع درجات وأنواع العلوم، فبعضهم يحسن شيئاً لا يحسنه الآخرون، ويفقه في أشياء من العلم لا يفقه فيها العالم الآخر مثله، لذلك دع كل صانع وصنعته، لا بد من اللجوء إلى أهل الاختصاص، فعندما يكون عندك حديثاً لا تعرف حاله اذهب للعالم بالحديث واسأله عنه، ولا بد إن كان في مسألة فقهية تحتاج إلى فقه اذهب إلى رجل مشهور بالفقه واسأله، وإن كان هناك مسألة أصولية اذهب لأهل الاختصاص في الأصول واسألهم، وإن كان هناك مسألة تتعلق بالواقع المعاصر والمذاهب الهدامة، فاذهب إلى العالمين بقضية المذاهب الهدامة وخطرها على الناس، أو ما يتعلق بالواقع المعاصر واسألهم، فليس كل أحد يجيد أي شيء، وهذا واضح، هذا الكلام الذي أقوله ليس بدعاً، فإن الرسول ﷺ دل في كلامه على بعض أحوال الصحابة في أشياء تشبه هذا، فمن قوله مثلاً: قال: (أرأف أمتي بأمتي أبي بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان -إلى أن قال- وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرأهم أبي بن كعب، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) لذلك يسبق العلماء برتوة يوم القيامة، رمية سهم. فالصحابة كان عندهم تخصص، فمنهم من برع بالفرائض، ومنهم من برع بالحلال والحرام، ومنهم من برع بالقضاء والفصل في الخصومات بين الناس، ومنهم من برع بعلم القراءات، فلا بد من الذهاب إلى أهل الاختصاص قدر الإمكان.

стр. 1615

واجب الأمة نحو علمائها من واجبنا نحو العلماء بالإضافة للذهاب لأهل الاختصاص منهم، نقل الأخبار إليهم، فنذهب إلى المخلصين منهم فنوعيهم بالأمور التي قد لا يدرون عنها، فقد تصدر في المجلات أو الجرائد أو الكتب أشياء قد لا يكون عند العالم الوقت الكافي ليطلع عليها فينقدها أو يبين خطأها أو عوارها، فعند ذلك قد يكون مشغولاً بالقضاء أو بالتعلم، أو التعليم أو قد يكون عاجزاً أو مقعداً أو قليل الحركة أو فيه شيخوخة، أو لا يستطيع الذهاب إلى الأسواق ومعرفة ما نزل من الكتب، لا بد لطلبة العلم أن يذهبوا إلى العلماء ويخبروهم بالأشياء المستجدة وبالقضايا المعاصرة حتى يكون العالم على علم بها، فهؤلاء الطلبة هم بمثابة أدوات الحس للعالم التي يحس بها. ومرة سئل الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى عن هذه الورقة التي ظهرت بين الناس، وموجودة هذه الأيام بكثرة ورقة المحاسبة، هل صليت الفجر في جماعة؟ هل اتبعت جنازة؟ هل زرت مريضاً؟ هل كذا؟ وتضع صح أو خطأ، وبعد ذلك تجمع العلامات وتنظر أنت في أي حالة؟ فأجاب بأن هذه الورقة بدعة، وأن السلف ما كان هذا حالهم في المحاسبة، وقال: والعجيب أن من كتب هذه الورقة صدرها بآية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] فقال هل هذه الآية نزلت في زمن بعد الصحابة والسلف؟ كلا. هل نحن نعلم بها أكثر من الصحابة؟ كلا. فإذاً لماذا لم يفعل السلف هذه القضية؟ قال: ما كانت هذه هي طريقة السلف، وأجاب عن أشياء في نقد هذه الورقة، ثم قال معقباً: وما أحسن ما يأتي به أحد الناس إلى العلماء بمثل هذه الأشياء فيطلعهم عليها، ويقول: ما رأيكم فيها؟ ما رأيكم في مثل هذه الأشياء ومثل هذه الرسائل ومثل هذه الأوراق؟ تشيع بين الناس وتنتشر مثل الوصية المزعومة المكذوبة المنتشرة في هذه الأيام لخادم الحرم النبوي، بأنه من لم يصورها ولم يطبعها يحصل له من المصائب كذا وكذا، وللشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رسالة خاصة في نقد هذه الرسالة والرد وتأثيم من ينشرها بين الناس، وبيان كذب ما يوجد فيه. المقصود: هو الذهاب إلى العلماء في عرض مثل هذه الأشياء. كذلك من واجبنا نحو العلماء الجري ورائهم، والبحث والتنقيب عنهم، هذا موسى ﵇ رحل من أجل أن يلقى الخضر ﵇ ويسأله ويتعلم منه. العلم يؤتى ولا يأتي، قد لا يكون للعالم فرصة في التجوال على الناس على مجالس الناس، لا بد أن نذهب نحن إليهم ونجري وراءهم، نحن نذهب إلى أماكن وجودهم إلى بيوتهم إلى مساجدهم نتصل بهم هاتفياً نكتب إليهم الرسائل، نحن نجري لأننا نحن أصحاب الحاجة، لا بد من الجري وراءهم. لذلك كان عبد الله بن عمر يقول: [قل لطالب العلم يتخذ نعليه من حديد، حتى لا تحفى قدميه في الجري وراء العلماء، وطلب العلم] وكان معاذ بن جبل رحمه ورضي عنه يقول وهو على فراش الموت: [اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل -أي: القيام- ولظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر] لا بد من مزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، فيذهب إليهم الإنسان، لا أقصد المزاحمة، أي: التضييق عليهم؛ لا. لكن نجري وراءهم ونتعلق بهم ونحرص على لقياهم حتى ولو كان في ذلك السفر إليهم، وفي السفر في طلب العلم مصنفات. العلماء أحياناً إذا ما جاءهم الناس ما قصدوهم ولا سألوهم قد يموت العلم عندهم، وقد تبرد الحماسة في نفس العالم، يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في هذا الموضوع: "وقد ظهر في بلاد الإسلام حركات تنشد الحق، وتطلب الدليل، وتعنى بالكتاب والسنة"، هذه المسألة كان الناس في غفلة عنها تقليد وتعصب، وجهل، يقول الشيخ: " وإن وقع تقصير من العلماء فعلى طالب العلم أن يسأل العالم ويشجعه على نشر العلم، فإن العالم إذا سئل واتصل به طلبة العلم فإن هذا يعينه على العناية بالعلم ومراجعة الآيات والأحاديث والاستعداد للإجابة ولإظهار العلم، فإن غفل هذا وغفل هذا -يعني العالم وطالب العلم- فمن يبقى؟ يموت العلم".

стр. 1616

صور من الأدب مع العلماء كذلك من الأدب مع العلماء: عدم ضرب أقوالهم ببعض، كأن تأتي إلى العالم تسأله ثم بعد أن يجبك تقول: لكن فلان يقول بخلاف قولك، تقصد أن تضرب أقوال العلماء بعضهم ببعض، عندهم، وإظهار ما لديك من علم أو متباهياً به مع هذا العالم، هذا خطأ، لا بد أن تظهر التواضع، لا تقل: فلاناً قال كذا، استخفافاً به وبقوله، أو إظهاراً لخطأه أو لإحراجه. كذلك عدم نقل كلام بعضهم إلى بعض لإغارة الصدور، لا تذهب إلى عالم وتقول: قال عنك فلان كذا، قد يكون يجهل ما قال فيه فلان، أو لا يدري عنه، تقول: انظر! فلان يقول عنك: لا أدري عنك ولا سمعت فيك، أنت مجهول بالنسبة إليه، يجب نقل الكلام الطيب، وثناء أهل العلم بعضهم على بعض، حتى يحصل بينهم اتصال قلبي، من ثمرته المحبة، لأن مسألة التحاب بين العلماء هدف سام وخطير وكبير ولكن دور طلبة العلم يعتبر دوراً عظيماً في ذلك. كذلك عدم مجادلتهم وإعنافهم بالسؤال، يقول الماوردي في أدب الدنيا والدين: فربما وجد بعض المتعلمين قوة في نفسه لجودة ذكائه -طالب العلم يكون فيه جودة في ذكائه وحدة في خاطره، فيقصد من يعلمه بالإعناف له، والاعتراض عليه، والازدراء به، فيكون كمن تقدم به المثل السائر: أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني فلا يجوز لطالب العلم الذي عنده ذكاء واجتهاد وحدة خاطر، أن يكون غرضه للقعود في حلقات العلم هو الاعتراض على العلماء، والازدراء بههم، والتنقيب عن أخطائهم، وإظهار جهلهم أمام الناس، هذا مرض خطير، ولكن يذهب إلى العالم ويقول له بالمناصحة بينه وبين نفسه: يا أخي، أنت أخطأت في كذا، أنت قلت كذا، فإن لم يصحح العالم بعد ذلك على الملأ، فإنه يكون له الحق في إظهار الحق، لأنه لا يجوز كتم العلم. وقضية السؤال لوحدها أدب قائم بنفسه في العلاقة بين طلبة العلم والعلماء، قال ﵊: (هلا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال) ما الذي يشفي الجهل ويذهب الحرج؟ سؤال تقع في مسألة أو مأزق، ولا تعرف كيف تتصرف، ما هو الحل؟ السؤال، ولهذا قال بعض السلف: "العلم خزائن، والسؤالات مفاتيحها"، وقيل: "حسن السؤال نصف العلم"، ومع ذلك نهى الرسول ﷺ أناساً آخرين بعدما أمر أناساً بالسؤال، فقال: (أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وقال ﵊: (إياكم وكثرة السؤال، فإنما هلك من قبلكم بكثرة السؤال) هل بين هذه الأحاديث تعارض؟ كلا. فإنما أمر في الحالة الأولى بالسؤال لمن كان قصده بالسؤال علم ما جهل، جاهل يريد أن يتعلم، لا بد أن يسأل، ونهى في الحالة الثانية عن السؤال إذا قصد بالسؤال إعناف من يسمع منه، أو كان السؤال في غير موضعه، أو المقصود بالسؤال إثارة الشبهات والشكوك، فعند ذلك لا يجوز السؤال، وقيل لـ ابن عباس: بم نلت هذا العلم؟ فقال: [بلسان سئول، وقلب عقول]. وكان من الأسئلة التي وجهت إلى الشيخ ابن باز: إذا سألت عالماً فهل يجب عليَّ أن أتبعه ولا أسأل غيره أو أسأل حتى يطمئن قلبي؟ فقال: هذا القول ليس بصحيح، ويجب على طالب العلم أن يتحرى الأعلم فالأعلم، والأورع فالأورع، وأن يسأل حتى يطمئن قلبه، لأنك قد تسأل ولكن الإجابة لا تشفي غليلك ولا تكفيك، ويظل في نفسك شيء وحرج، وهل الشيخ فهم السؤال أو لم يفهم السؤال؟ هل وقع الجواب على مسألة بعينها أو على مسألة أخرى ما فهمها؟ فلا بأس أن تسأل مرة أخرى وثالثة ورابعة، حتى تطمئن نفسك، هذا إذا كان في نفسك شيء من الشك أما من يذهب ويسأل عالماً معتبراً ثم يفتيه في قضية فلا تعجبه لهوى، يقول: والله هذا الجواب صعب، دعنا نسأل آخر ونرى ماذا عنده! أو تأتي تقول: سألت الشيخ فلان، يقول: يا شيخ، دعه فإنه متشدد، اسأل فلاناً الذي في المسجد الفلاني. قال ابن عباس: [إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم] تأخذ علمك ممن؟ تسأل أي واحد؟ ليس كل إمام مسجد أهل للإفتاء والاجتهاد، بل نادر منهم في هذا العصر وهم ندرة جداً، وحسبك أن ينقل إليك أقوال العلماء. وعن حكم افتراض المسائل والسؤال عنها، يقول سماحة الشيخ: إذا سأل عن مسألة يخشى أن يقع فيها فلا بأس بذلك، أما أ، يسأل عن مسائل افتراضية لا يمكن أن تحصل، لإضاعة الوقت، فهذا منهي عنه، فإذا سأل عالماً ثم سأل عالماً آخر وتنبه أحد طلبة العلم إلى خطأ في الجواب فهل يجوز له أن يتكلم؟ يجوز له أن يتكلم إذا كانت الفتوى باطلة، أو يعلم بطلانها، إذا امتنع يعتبر من كتم العلم، أما إذا كانت الفتوى ليست باطلة فعند ذلك لا يجوز له أن يتكلم، إذا كان المفتى به قولاً معتبراً من أقوال أهل العلم معلوم بالدليل الواضح. فالخلاصة أن الذين يسألون تتبعاً للرخص وبحثاً عن المتساهلين من العلماء، ويقلبون الحقائق كما يفعل بعض الناس حين يسأل، فلا يعجبه الجواب، فيذهب لشيخ آخر ويغير السؤال، يريد أن يحصل على جواب يوافق هواه، فإن هذا ضلال وزيغ وفعل محرم.

стр. 1617

عدم المغالاة في اتباع العلماء فمن واجباتنا نحو العلماء: عدم المغالاة في اتباعهم، فلا ينبغي أن يبعث المتعلم معرفة الحق لهم على قبول الشبهة منهم، ولا يدعوه ترك الإعناف لهم على التقليد فيما أخذه عنهم، فإنه ربما غالى بعض الأتباع في عالمهم، حتى يروا أن قوله دليل، بعض الناس من مغالاتهم وتعصبهم للعالم الفلاني يعتبر أن قوله دليل، فإذا سألته: ما حكم الشيء الفلاني؟ يقول لك: جائز والدليل: قال، فلان كذا. لا. قول فلان ليس دليلاً!! الدليل قال الله وقال رسوله وقال الصحابة، هذا هو العلم، هذا هو الدليل، أما قال فلان وفلان فليس بدليل، هذا نقل للفتوى. فإنه ربما غالى بعض الأتباع في عالمهم حتى يروا أن قوله دليل وإن لم يستدل، حتى لو لم يأت لهم بدليل، وأنه اعتقاده حجة وإن لم يحتج، فيفضي به الأمر إلى التسليم له فيما أخذ عنه، هذا نص كلام الماوردي. وهنا طرفة تحضرني الآن: بعضهم يناقش الآخر قال: ما حكم النوم بعد صلاة العصر؟ قال: والله ما فيها شيء، قال: ما هو دليلك على ذلك؟ قال: أنا ذهبت للشيخ ابن باز بعد العصر فوجدته نائماً!! أي: هل أصبح هذا دليلاً على قضية حكم النوم بعد صلاة العصر! فالواجب أن نفرق بين فعل العالم لنفسه والحكم، ولذلك قال بعض العلماء: إنك ترى العالم يفعل لنفسه أشياء، فإذا قلت له: هات الدليل، توقف، لأنه قد يجتهد لنفسه في أشياء لكن لا يجوز لنفسه أن يفتي بها الآخرين. فالعالم ليس رسولاً، يكون تركه حجة، وفعله حجة، وأقواله كلها حجة، لا. كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وهو الرسول ﷺ ؛ كما قال الإمام ذلك مالك وهو في الحرم النبوي. كذلك بعض العلماء عظَّم حق العالم حتى قدمه على حق الوالد، حتى قال بعض الشعراء: من علم الناس كان خير أب ذاك أبو الروح لا أبو النطف الأب أبو النطفة، والعالم أبو الروح، هو الذي يشفي روحك ويسمو بها في عالم القرآن والسنة.

стр. 1618

سؤال الأعلم وليس الأشهر كذلك من الأدب مع العلماء: ألا يطلب الصيت وحسن الذكر باتباع أهل المنازل من العلماء، يعني عالم في منصب معين أو مشهور ولكن هناك غيره ليس له صيت أو ليس له تلك الشهرة، لا تذهب للعالم الفلاني فتقول: والله سألت الشيخ كذا، أو صاحب المنصب الفلاني حتى تشتهر بمنصبه إذا كان هناك غيره أعلم منه، وإنما تذهب للأعلم حتى لو كان أخفى أو متوارياً عن الأنظار، أو غير معروف بين الناس، القضية قضية الأخذ من الأعلم وليست قضية البحث عن الشهرة. إذا قرب منك العلم فلا تطلب ما بعد، وإذا سهل من وجه فلا تطلب ما صعب، وإذا حمدت من خبرته فلا تطلب من لم تختبره، فإن العدول عن القريب إلى البعيد عناء، وترك الأسهل بالأصعب بلاء، والانتقال من المفضول إلى غيره - الذي خبرته - سقط. لا تلح على العالم إذا فتر، أحياناً العالم يفتر مثلاً أو يفتي ويفتي ثم يتعب لا تأتٍ أنت في وقت التعب وفي وقت الراحة وتزعج الرجل، هذا من الأدب مع العالم، لا تأخذ بثوبه إذا نهض، لا تشر إليه بيدك، لا تفش له سراً، لا تمش أمامه، ولا تتبرم منه من طول صحبته، فإنما هو بمنزلة الرحمة فانتظر ما يسقط عليك منه منفعة. حتى صفة القعدة أوضحها أهل العلم، فقالوا: لو قعد كما قعد جبريل ﵇ عندما وضع يديه على فخذيه وانتصب أمام العالم احتراماً وإجلالاً له.

стр. 1619

ستر زلات العلماء وأخطائهم أيضاً من الآداب الواجبة نحو العلماء ستر زلاتهم، وأخطائهم وهذا سنتكلم عنه بعد قليل كلاماً مفصلاً، لكن الذي أقوله الآن: أن بعض الناس -للأسف- مثل الذباب لا يقعون إلا على النجاسات والأوساخ.

стр. 1620

مشاورة العلماء والدعاء لهم والقيام على خدمتهم ومن الأشياء التي يلجأ إليها عند العلماء مشاورتهم حتى في الأمور الخاصة والانقياد لعلمهم والدعاء لهم والترحم عليهم، وحسن الكلام معهم، تقول له: يرحمك الله في القضية الفلانية، أو رضي الله عنك، أو وفقك الله وسددك، عبارات رقيقة تستفتح بها في السؤال. كان أحد السلف يجمع ويحفظ من أخذ عنه من أهل العلم فيدعو لهم كل ليلة واحداً واحداً قبل أن ينام، والتواضع لهم، والقيام على خدمتهم، وقد يكون العالم ما عنده وقت لأن يأتي ببعض الأشياء الضرورية له، وقد يجهل مكانها، فأنت تذهب وتقدم له شيئاً يسهل له شيئاً من أمور حياته القيام على خدمته، هذا من الأدب نحو العلماء والتقرب إلى الله بذلك، والتواضع له. أخذ ابن عباس على جلالة قدره بركاب زيد بن ثابت الأنصاري، وقال: [هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا] كذلك تعظيم حرمتهم والرد على من يغتابهم أو يتكلم فيهم، فإن عجز الإنسان عن ذلك يجب عليه أن يقوم ويفارق المجلس، لا يجلس مع أناس يتكلمون ويلغون في أعراض العلماء. كذلك التحري في إدخال السرور على قلوب العلماء، وإتحاف أولادهم استلطافاً لهم، حتى يتعدى الاحترام التوقير والمنفعة إلى ولد العالم، فتستلطف أولاد العالم مثلاً حتى تتقرب إلى قلب العالم وتنال من محبته.

стр. 1621

معنى مقولة: نحن رجال وهم رجال هناك لفظة شنيعة يقولها بعض الناس عندما يقال له: هذا قول عالم، أو تقول له مثلاً: قال الشيخ فلان كذا، يقول لك: نحن رجال وهم رجال، هذه قولة سخيفة وباطلة يقصد بها احتقار واستنقاص العلماء، تقول له: أليس فلان رجلاً عنده عقل وتفكير؟ يقول: نعم وأنا عندي عقل وتفكير إذاً أنا أفكر على كيفي، وأستنبط من كلام السنة على كيفي، يعني أنا حر!! هذا أيها الإخوة يشبه فعل الخوارج، ويشبه منهج الخوارج. أبو حنيفة على جلالة قدره قال هذه العبارة في أي مناسبة؟ قال: إذا أتى العلم عن الرسول ﷺ أو عن الصحابة أخذنا به، وإذا جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال. نقول: أولاً: ما قالها عن الصحابة ولا عن النبي ﷺ . ثانياً: قالها عمن عاصرهم من التابعين ولحق بآخرهم، لكن أن يأتي الآن بعض الجهلة صغار الناس ويقول: نحن رجال وهم رجال، كيف ذلك؟! أيها الإخوة! يجب الإنكار على قائلها، وهذا ليس في قلبه أدنى احترام للعلماء الذي يقول مثل هذه الكلمة، ومن التأدب مع العلماء عدم الإفتاء بحضرتهم، أحياناً يأتي شخص يسأل الشيخ وتلقى شخص آخر خرج من بين الناس وأعطى الحكم مباشرة، أو يكون هناك زحمة على الشيخ فيأتي أحدهم يريد أن يسأل الشيخ، فيقول له رجل آخر: ماذا تريد؟ وعن أي شيء تسأل؟ فيفتيه مباشرة والعالم موجود، وقال أحدهم: لا يفتى ومالك في المدينة، وكان بعض الصحابة لا يفتي، يقول بعضهم: إن أحدكم يفتي بالمسألة لو أتت على عمر لجمع لها أهل بدر. والإفتاء الآن كل تجد شخصاً يفتي على كيفه، وبحضور العالم للأسف!! وبعض العلماء لقن أحد طلبته درساً طيباً، فكان جالساً في مجلس وسأل أحدهم سؤالاً في اللغة، فقام الطالب مباشرة وأجاب، فقال له عبارة جميلة قال له: تزببت وأنت حسراً، الآن العنب أول ما يكون حامضاً، ثم يصبح في آخر أمره زبيباً، فقال له: تزببت وأنت حسراً، فهذا من مخالفة الأدب أن يتكلم الرجل ويفتي بحضرة العلماء.

стр. 1622

الصبر على جفوة الشيخ الصبر على جفوة الشيخ قد يكون الشيخ مثلاً فيه جفوة أو شدة، والناس خلقوا على طباع مختلفة، فيهم الشديد والسهل واللين، والعلماء من البشر قد يقع عند بعضهم شيء من هذا، قد يكون مثلاً عنده خلق لا يرضى بعض الطلبة أو عنده شدة أو حدة، بعض العلماء كانوا مشهورين بالحدة. قال بعضهم عن شيخ الإسلام ﵀: كان له حدة يقهرها بالحلم حليم يقهر الحدة، وكان له حدة تعتريه حال البحث والسؤال والمناظرة، فيتحمل الطالب إذا شد عليه الشيخ ولا يتركه ويذهب، لا. يصبر على جفوته، بل يبدأ بالاعتذار حتى لو كان الخطأ من العالم، ولا يدخل عليه في مجلسه إلا بالاستئذان، ولا يطلب القراءة عليه في وقت يشق على الشيخ، أو لم تجرِ عادته بالإقراء فيه، ولا يطرق عليه الباب، بل ينتظره حتى يخرج، ولا يوقظه إن كان نائماً، كان ابن عباس يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك، فيقول: لا، وربما طال مقامه وقرعته الشمس في الصباح، وكان يقول: أجلس عند باب أحدهم فتسفني الريح على وجهي ثم يخرج، فيقول زيد: يا ابن عم رسول الله، أنا أحق أن آتيك، فأقول: لا. أنا آتيك، العلم يؤتى ولا يأتي. وعن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه قال: ما دققت على محدث بابه قط، بل كنت أصبر حتى يخرج إلي، وتأولت قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [الحجرات:٥] وروى الخطيب بسنده عن عبيد الله بن عبد الكريم قال: سمعت أحمد بن حنبل وذكر عنده إبراهيم بن طهمان وكان من علماء السلف، وكان متكئاً من علة، الإمام أحمد كان يؤلمه جسده فكان متكئاً فلما ذكر إبراهيم بن طهمان، اعتدل فاستوى جالساً، فقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون ونحن متكئون. وقال الشافعي: "كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً دقيقاً، هيبة لها، لئلا يسمع وقعها"، يعني: حين يقلب أوراق الكتاب أمام مالك -وكان يطلب العلم عند مالك - كان يقلب الورق برفق لئلا يزعج الشيخ بقلب الأوراق، وكانوا كما ذكرنا سابقاً يذهبون ويسافرون من أجل طلب العلماء والبحث عنهم، والعلماء في أوجه من أوجه الشبه مثل الكعبة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء، يكون العالم جالساً بجنبك في نفس البلد فلا تذهب إليه ولا تعرف قدره، لكن الذي يسمع عنه من بعد يأتي ويحرص، مثل الكعبة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء.

стр. 1623

أدب النقاش والمجادلة وكذلك حسن الظن بهم إذا أخطئوا، والهدوء في النقاش معهم وعدم مجادلتهم وممارتهم، قال رسول الله ﷺ : (من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم) حديث صحيح. ولا يكثر الكلام عند العالم من غير حاجة، ولا يحكي ما يضحك منه أو ما فيه بذاءة، أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدب.

стр. 1624

أدب دقة النقل كذلك من الأمور المهمة دقة النقل عنهم في الفتاوي، هذه مسألة على درجة عظيمة من الأهمية، بعض الناس يذكرون لك فتاوي عن بعض العلماء لا تدري أين المستند وأين الأصل؟ وإذا ذهبت وطلبت علو الإسناد أو ذهبت إلى العالم بنفسه وسألته تكشفت لك الدواهي، وتشيع بين الناس فتاوٍ الله أعلم بها، فلا بد من الورع في نقل فتوى العالم والاحتياط، يأتي واحد يقول لك: قال ابن باز، سمعته؟! عمن نقلت أنه قال ابن باز؟! قال ابن عثيمين، قال فلان، من الذي سمعت عنه قال فلان؟ وإذا أتى لك بالحجة والله سمعته بنفسي، سمعته في شريط، سمعته من فلان الذي حضر مجلسه، سمعته من الثقة فلان، عند ذلك تأخذ، أما أن يقول لك: قال فلان، على الماشي، وهناك أشياء تتكشف عندما يذهب الواحد للعالم ويقول له: هل صحيح أنك قلت كذا؟ هل صحيح أنك فعلت كذا؟ فتتكشف أشياء عجيبة جداً.

стр. 1625

آداب الجلوس في الدرس كذلك من الأدب مع العالم، الالتفاف إليه، والانتباه له أثناء إلقاء الدرس، وعدم التشاغل بشيء وهو يتكلم، وعدم إظهار -وهذا من دقيق الأدب- الإنسان أنه يعلم ما يقول الشيخ فلا يكترث، إذا كان يعلم ذلك، يقول عطاء: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه، فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً، وعنه قال: إن الشاب ليتحدث بحديث فأسمع له كأني لم أسمعه من قبل، ولقد سمعته قبل أن يولد. ونقل مثل هذا عن الشافعي رحمه الله تعالى، كان لا يظهر عليه أنه يعرف الأشياء، لذلك من الخطأ أن تجد بعض طلبة العلم في الحلقات يظهر أنه متشاغل وأن هذا كلام معاد ومكرر، فلا يصغي وينشغل ويظهر أنه يعلم الأشياء التي تقال، وبالتدبر قد يظهر للإنسان في الشيء المعاد أشياء لم تظهر له من قبل. كتاب الرسالة للشافعي، قال بعض العلماء: قرأتها قرابة خمسمائة مرة، ما قرأتها مرة إلا وظهر لي فيها أشياء جديدة، هناك ملاحظة: هذا الكلام أيها الإخوة في توقير العلماء وفي الأخذ عنهم كذا إلى آخر ما ذكرناه -وهذا في حدود الشرع- فلو أتى العالم بما يخالف الشرع أو لم يأتِ على كلامه بدليل، أو وجد من كلام العلماء الآخرين ما هو أقوى منه، يترك ويؤخذ بالكلام الأقوى والكلام الذي يوافق الدليل. كذلك هنا نقطة جديرة بالتنبيه أن بعض الناس قد يتكلمون على توقير العلماء والأخذ منهم وو إلى آخره، لكن مدار كلامهم إذا أردت أن تعرف نهاية الكلام ماذا يقصد هذا، تجد أنه يقصد أمراً عجيباً، يقصد التعصب للعلماء، أي: أن التوقير والاحترام للعالم أي التعصب له وعدم الخروج عن رأيه، ونبذ الدليل، وهذا كلام فارغ، واحترام العلماء فيما أتوا به إلينا من الكتاب والسنة، إذا خالفوا أو ببدع أو أتوا بأخطاء فنحن نتبع الحق، فمن كلام علي: [الرجال يعرفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال] أي: الحجة للحق على الرجال وليس الحجة للرجال على الحق.

стр. 1626

الموقف من زلات العلماء قال الذهبي ﵀: إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك. قال سعيد بن المسيب: [ليس من شريف ولا عالم، ولا ذي فضل، إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه]. هناك حديث استشهد منه ابن حجر في الفتح استشهاداً جميلاً جداً في هذا الموضوع، تعليقاً على حديث النبي ﷺ عن أنس ﵁ قال: (كان للنبي ﷺ ناقة تسمى العضباء لا تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه -أي: أن النبي ﷺ عرف هذه المشقة والحرج- فقال: حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه) ما يرتفع شيء إلا وضعه، الكمال لله، فقال الصحابة في رواية أخرى: خلأت القصواء، قيل: القصواء هي العضباء، وقيل: ناقة أخرى، فقال النبي ﷺ : (ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة) قال ابن حجر: وفي الحديث جواز الحكم على الشيء بما عرف من عادته وإن جاز أن يطرأ عليه غيره، فإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد منه مثلها، لا ينسب إليها ويرد على من نسبه إليها. عالم صوابه كثير لكنه أخطأ مرة، نأتي ونشنع عليه بهذا الخطأ.

стр. 1627

كلام الذهبي في الاعتذار للعلماء قال الذهبي ﵀ مستشهداً استشهاداً جميلاً بحديث الرسول ﷺ عندما كان الذهبي يتكلم على العلماء، قال: بعض العلماء صوابهم كثير وخطأهم قليل، ويعذرون فيما لا يعذر فيه غيرهم، ويتسامح معهم فيما لا يتسامح فيه مع غيرهم ممن كثر خطؤه وقل صوابه، فقال: ألم تر أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، فقال عن أحد العلماء لما ذكر خطأه، قال: وهذا الخطأ مغمور في بحر علمه وفضائله، وكان من كلامه الجميل جداً يقول في ترجمة ابن حزم -وأوصي كل طالب علم أن يقرأ ترجمة الذهبي في سير أعلام النبلاء لـ ابن حزم ﵀ قال الذهبي: ولقد وقعت له على تأليف يحث فيه على الاعتناء بالمنطق ويقدمه على العلوم فتألمت له، لأن علم المنطق علم مذموم، وابن حزم كان من أخطائه ﵀ أنه اهتم بعلم المنطق، فتألمت له، فإنه رأس في علوم الإسلام متبحر في النقل، عديم النظير على يبس فيه وفرط ظاهرية في الفروع دون الأصول. كان عنده شيء من الظاهرية وبعض الأخطاء، لكن كيف أثنى عليه؟ ثم قال: فلا نغلو فيه ولا نجفو عنه، وقد أثنى عليه قبلنا الكبار، ثم قال: ولي أنا ميل إلى أبي محمد -أي ابن حزم - لمحبته في الحديث الصحيح ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يكتب من الرجال والعلل، وأقطع بخطأه في غير ما مسألة، ولكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين وأخضع لفرط ذكائه وسعة علمه. انظر الآن كيف تجد الذهبي ﵀ تكلم عن ابن حزم على ما فيه من بعض الأخطاء، كيف أتى بهذا الأسلوب، هل تخرج أنت أيها السامع بالنفور من هذا الرجل؟ وتصد نفسك عن القراءة من أي شيء له؟ لا. بل تجد فيه محاسن، معرفته بالحديث الصحيح واتباعه له في كثير من الأحيان، وكان رأساً في علوم الإسلام إلى آخر هذا الكلام.

стр. 1628

أدب الرد عند ابن القيم وحتى ابن القيم ﵀ -أفادني بهذه الفائدة أحد الإخوة جزاه الله خيراً- قال: لما جاء ابن القيم يرد على ابن حزم في مسألة السعي في الحج، مع العلم ابن حزم له رأي أن الذي يذهب ويعود هذا شوط واحد، ليس العودة شوط والذهاب شوط كما المعروف والصحيح، فيقول ابن القيم ويرحم الله ابن حزم فإنه لم يحج، ولو حج لتبين له خطأ هذا القول. فانظر كيف اعتذر له عن خطأه، لأن ابن حزم كان في الأندلس فما تيسر له أن يقدم إلى مكة ويحج. الخلاصة أيها الإخوة: موضوع العلماء هذا موضوع خطير، والتساهل فيه في الناس كبير، وحقوق العلماء في هذه الأيام ضائعة وللأسف! فيجب علينا القيام بحقوقهم، والقيام على شئونهم وخدمتهم وحسن التلقي عنهم. وفقنا الله وإياكم لعمل الطاعات، والأخذ عن العلماء المعتبرين، وأن يوفقنا للبحث عنهم والجلوس إليهم، وأن يكون علمنا من الكتاب والسنة وألا نرجع فيه إلى أهوائنا وإلى عقولنا القاصرة، نسأل الله حسن الخاتمة، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1629

الأسئلة

стр. 1630

شروط طلب العلم السؤال ما هي شروط طلب العلم؟ الجواب هذا الموضوع يحتاج إلى محاضرة كاملة أو أكثر، وأظن الإجابة عليه الآن هي نوع من القصور وغير مناسبة، ولكن رأس العلم مخافة الله والإخلاص في القول والعمل، هذه هي الوصية الأساسية لكل طالب علم. الإخلاص: أن يكون التعلم لوجه الله، لا للدنيا، وكثير من طلبة العلم يفتقد هذا الأساس، لذلك سأقتصر على ذكر هذه الميزة فقط، وأبقي الموضوع إن شاء الله إلى فرصة أخرى في المستقبل، هناك شريط في الكلام عن صفات طالب العلم للشيخ ابن عثيمين، جزاه الله خيراً.

стр. 1631

حكم صلاة الكسوف إذا لم يره الناس السؤال بعض الإخوان سأل سؤالاً فقهياً عن صلاة الكسوف؟ الجواب سبق البارحة نقاش مع الشيخ عبد العزيز بن باز حول هذا الموضوع، كان السؤال: لو ظهر غيم في السماء فحجب الشمس فما عدنا نرى الشمس ولا نعرف حالها، لكن علمنا من الجرائد ومن الأخبار أنه حدث كسوف اليوم فما هو العمل؟ فقال الشيخ: لا تصلوا حتى تروا الشمس، فإن لم تروها لا تصلوا، طبعاً حتى لو شوهد الكسوف في مكان آخر ما انطبق الحكم على الناس في هذا المكان؛ لأن الرسول ﷺ لما رأى الكسوف خرج فزعاً إلى الصلاة، فالكسوف يحدث في نفس المسلم فزعاً، فإذا لم نر الكسوف كيف نفزع أساساً إلى الصلاة؟ فلذلك كما هي فتوى الشيخ، كما حدث في أغلب المساجد والحمد لله الناس لم يصلوا لأنهم لم يروا، وهذا الذي كلفنا به.

стр. 1632

حكم الخروج من الدرس بدون استئذان السؤال لو نبهت على قيام الناس والعالم يلقي الدرس، وقد أخبرنا القرآن أن الصحابة إذا كانوا مع الرسول ﷺ على أمر جامع لم يقم أحد حتى يستأذنوه؟ الجواب تنبيه طيب جزاك الله خيراً، لكن أنا أحسن الظن بكل من قام أنه قام لحاجة - يتوضأ مثلاً، أو يريد أن يذهب إلى الخلاء لقضاء حاجة- أما ترك الحلق للهوى ففيه خطر عظيم، كما في الحديث أن رجلين حضرا عند الرسول ﷺ ، وذهب الثالث، فقال النبي ﷺ : (وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه) لكن إذا كان الإنسان يريد أن يذهب في حاجة ضرورية، لماذا لا يذهب؟ يذهب إن شاء الله مغفوراً له.

стр. 1633

رحلة حج محمد الأمين الشنقيطي في هذا الدرس نبذة صغيرة عن حياة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وكيف طلب العلم؛ مع ذكر بعض مشايخه، وكذلك رحلته إلى الحج وذكر ما لاقى فيها من الصعاب، ومن لقي فيها من الطلبة والعلماء، وبيان لمناقشات ومباحثات في سفره مع بعض العلماء والطلبة أثناء رحلته إلى الحج. وقد تحدث الشيخ حفظه الله عن دور الشيخ العلمي في السعودية وتدريسه للتفسير واللغة والأصول.

стр. 1634

الشنقيطي وطلبه للعلم وبعض مشايخه الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فأما هذا العلامة فقد تقدم أن اسمه: محمد الأمين فاسمه مركب: الأمين اسمه ومحمد أضيفت، كما كان العامة يضيفون للبركة، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح، من أولاد الطالب هوبك، وهذا من قبيلة جكن الأبرجد، وهي القبيلة الكبيرة المعروفة المشهورة بالجكنين، ويرجع نسبهم إلى حمير. وقد ولد رحمه الله تعالى سنة (١٣٢٥) هـ عند ماء يسمى تنبة، من أعمال مديرية كيفا من القطر المسمى شنقيط في دولة موريتانيا المعروفة الآن، ونشأ ﵀ يتيماً.

стр. 1635

الشنقيطي يبدأ بحفظ القرآن قال: توفي والدي وأنا صغير، أقرأ في جزء عم، وترك لي ثروة من الحيوان والمال، وكانت سكناي في بيت أخوالي -وأمي بنت عم أبي- وحفظت القرآن على خالي عبد الله بن محمد المختار بن إبراهيم، حفظ القرآن وعمره عشر سنوات رحمه الله تعالى، وتعلم رسم المصحف العثماني عن ابن خاله وقرأ عليه التجويد، لقراءة نافع، برواية ورش وكذلك قالون، وأخذ عنه بذلك سنداً إلى النبي ﷺ وكان عمره ست عشرة سنة، ودرس القرآن منهجاً متكاملاً، بما في ذلك رسمه ونوع كتابته، وضبط المتشابه في الرسم والتلاوة، وحفظ في ذلك السن بعض الأراجيز المتعلقة بهذا الفن والعلم، وكذلك درس مختصرات في فقه الإمام مالك ﵀ كرجز الشيخ ابن عاشر، وأخذ مبادئ النحو الآجرومية، وتمرينات واسعة في أنساب العرب وأيامهم والسيرة النبوية، أخذها عن أمه، فكانت أمه إذاً عندها علم واضح بهذا، وهذا كثير عند الشناقطة الاهتمام باللغة العربية، وحفظ المنظومات في هذا، وكذلك في الأصول أخذ نظم الغزوات لـ أحمد البدوي الشنقيطي يزيد على خمسمائة بيت وشروحه لابن أخت المؤلف المعروف بـ حماد، ونظم عمود النسب للمؤلف وهو يُعد بالآلاف، ودرس أشياء في علوم القرآن والأدب والسير والتاريخ. هذا فقط في محيط الأقارب من أخواله وأبناء أخواله وزوجات أخواله، وكذلك درس بقية الفنون، مثل الفقه المالكي على الشيخ محمد بن صالح، قسم العبادات، ثم درس عليه النصف من ألفية ابن مالك ﵀، ودرس على عدد من العلماء الشناقطة الجكنين، كالشيخ محمد بن صالح المشهور بـ ابن أحمد الأفرم، والشيخ أحمد الأفرم بن محمد المختار والشيخ العلامة أحمد بن عمر وغيرهم. قال: وقد أخذنا عن هؤلاء المشايخ كل الفنون، النحو والصرف والأصول والبلاغة، وبعض التفسير والحديث، وأما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلناه بالمطالعة، وكانت طريقة التدريس أن يأتي بعض المشايخ أو بعض العلماء في البوادي يحلون بها، ويتوافد عليهم الطلاب في خيام أو في مبانٍ بدائية تعد لهذا الغرض، وكان الشيخ يُعرف بالمرابط الذي يأتي ويدرس، ولا يأخذ مالاً بل إن كان لديه مال وزعه على الطلبة وأعطاهم، وكانت طريقتهم أنه لا يحق للطالب لديهم أن يجمع بين فنين في وقت واحد، بل يدرس فناً حتى يكمله، كالنحو مثلاً ثم يبدأ في البلاغة، وهكذا، ويبدأ في الفقه ثم بعد ذلك يثني بالأصول ونحو ذلك. يكتب الطالب في لوح خشبي قد لا يستطيع حفظه ثم يمحوه ثم يكتب قدراً آخر حتى يتم المقرر في الفن، مثل: الألفية في النحو يكتبها أبياتاً حتى يحفظها، ويمحو ويكتب الأبيات التي بعدها وهكذا، فإذا حفظ المتن تقدم للدراسة على الشيخ، يشرحه لهم، في مجالس شرحاً وافياً بقدر ما عنده من تحصيل، وليس العادة أن يفتح الشيخ كتباً عندهم، وبعد ذلك يراجعون ما أخذوه عن الشيخ ويستذكرونه ويناقشونه، ويقابلونه لكي يتأكدوا من ضبط ما أخذوه.

стр. 1636

رحلة الشنقيطي في طلب العلم وكان الشنقيطي ﵀ في أول أمره وهو في سن الطفولة ميالاً للهو واللعب كغيره من الأطفال، قال: كنت أميل للهو واللعب أكثر من الدارسة حتى حفظت الحروف الهجائية، وبدءوا يقرءونني إياها بالحركات، بَ فتحة، بِ كسرة، بُ ضمة، وهكذا التاء والثاء، فقلت لهم: أو كل الحروف هكذا؟ إني أستطيع قراءتها كلها على هذه الطريقة، فتركوني فقرأتها، قال: ولما حفظت القرآن وأخذت الرسم العثماني وتفوقت فيه على الأقران، عنيت بي والدتي وأخوالي أشد العناية، وعزموا على توجهي للدراسة في بقية الفنون، فجهزتني والدتي بجملين، أحدهما عليه مركبي وكتبي والآخر عليه نفقتي وزادي، وصحبني خادم ومعه عدة بقرات وقد هيئت لي مركبي كأحسن ما يكون من مركب، وملابسي كأحسن ما تكون فرحاً بي، وترغيباً لي في طلب العلم إلى أن قال: هكذا سلكت سبيل الطلب والتحصيل. فإذاً الدرس العظيم الذي نأخذه من هذه القصة، أن تنشئة الأطفال على طلب العلم وإظهار الفرح بهم إذا حفظوا شيئاً أو نبغوا في شيء، وإعطائهم من الدنيا والأعطيات والهدايا والملابس الجميلة ونحو ذلك، وبيان قدرهم ورفعة شأنهم من الأشياء التي تحمس الولد على الطلب، وهكذا كانوا يعتنون به ولا شك أن مثل هذه الأم في هذه العناية تخرج مثل الشنقيطي رحمه الله تعالى. وبعد ذلك سار في هذا المركب، يطوف على أهل العلم في القرى التي حوله يحصل ويجلس إليهم، وقال: قدمت على بعض المشايخ لأدرس عليه ولم يكن يعرفني من قبل، فسأل عني من أكون في ملأ من تلامذته، فقلت مرتجلاً: هذا فتى من بني جكان قد نزلا به الصبا عن لسان العرب قد عدلا رمت به همة العلياء نحوكم إذ شام برق علوم نوره اشتعلا فجاء يرجو ركاماً من سحائبه تكسو لسان الفتى أزهاره حللا إذ ضاق ذرعاً بجهل النحو ثم أبى ألا يميز شكل العين من فعلا وقلنا: عين الفعل من أكثر المشكلات في دراسة اللغة العربية، وما هي التغيرات التي تطرأ على عين الفعل، وأنواع الأفعال بالنسبة لعين الفعل، قال: وقد أتى اليوم صَبّاً مولعاً كلفاً فالحمد لله لا أبغي له بدلا وهذا إشارة إلى قصيدة لامية الأفعال، المبدوءة بالحمد لله، وقصد بقوله شكل العين دارسة قصيدة لامية الأفعال على هذا الشيخ، ولما لُوحِظت نجابته أذن له مشايخه بأن يقرن بين كل فنين -مع أن العادة عندهم عندما يبدأ الطالب لا يجمع أكثر من فن واحد- تفرساً فيه، وحرصاً على سرعة تحصيله، فانصرف بهمة عالية.

стр. 1637

الزواج في حياة الشنقيطي قال: ومما قلت في شأن طلب العلم وقد كنت في أخريات زمني في الاشتغال بطلب العلم، دائماً اشتغالي به عن التزويج؛ لأنه ربما عاقني عنه، وكان إذ ذاك بعض البنات ممن يصلح لمثلي يرغبن في زواجي ويطمعن فيه، فلما طال اشتغالي بطلب العلم عن ذلك المنوال أيست مني. كانت امرأة تريد أن تتزوج منه، لكنها يئست منه؛ لأنه كان في الطلب طويل الباع. فتزوجت ببعض الأغنياء وقال لي بعض الأصدقاء: إن لم تتزوج الآن، من تصلح لك؟ تزوجت عنك ذوات الحسب والجمال ولم تجد من يصلح لمثلك، يريد أن يصرفني عن طلب العلم، فقلت في ذلك هذه الأبيات: دعاني الناصحون إلى النكاح غداة تزوجت بيض الملاح فقالوا لي تزوج ذات دل خلوف اللخط حائلة والوشاح ضحوكاً عن مؤشرة رقاق تمج الراح بالماء القراح ثم قال: فقلت لهم دعوني إن قلبي من الغي الصراح اليوم صاح ولي شغل بأبكار عذارى كأن وجوهها غرر الصباح أراها في المهالك لابسات براقع من معانيها الصحاح أبيت مفكراً فيها فتضحى لفهم الفدم خافضة الجناح أبحت حريمها جبراً عليها وما كان الحريم بمستباح يقصد مسائل العلم، وأنه قد صار مغرماً بها وأنه اشتغل بها عن النساء، وكما قلنا بأن الشنقيطي ﵀ لم يكن مُتعبداً بترك الزواج، ولم يكن راغباً عنه مخالفةً للسنة، وهو يعلم أن الزواج سنة المرسلين وتزوج وأنجب أولاداً بعد ذلك، ولكن حيثُ أنه لم يكن ممن يجب عليه الزواج، فإنه لم يُسارع إليه، وإلا لو كان يُخشى على الإنسان من الشهوة أو يخشى على نفسه الحرام ويخشى على نفسه العنت فإنه يجب عليه أن يتزوج حالاً، وذكر نص العلماء في كتب النكاح من كتبهم الفقهية، في أوائل كتاب النكاح في كتب الفقه تجد أحكام النكاح الخمسة، يذكرها بعضهم ومنها: الوجوب، وأنه إذا لم يكن له طريق لتحصين نفسه من الزنا إلا بالنكاح، فيجب عليه أن يتزوج. وإذا كان ذا شهوة ويصبر ويضبط نفسه، فيستحب له أن يتزوج، وكذلك المرأة، قالوا: إن كانت محتاجة إلى النفقة وإن كانت تواقة إلى الرجل، وإن كانت تخشى على نفسها من دخول واقتحام الفجرة عليها، فيجب عليها أن تتزوج. المرأة ماذا تفعل؟ تخلي بين الزوج المتقدم وبين النكاح، أي: لا تمتنع، فهي لا تستطيع أن تطوف وتقول: تزوجوني أيها الرجال، لكن ماذا تفعل؟ ما الحل بالنسبة للمرأة؟ إذا وجب عليها النكاح، ألا تمنع من يتقدم إليها، ولا تمتنع عمن يتقدم إليها إن كان ذا خلقٍ ودين. وبرز الشنقيطي ﵀ بعلمه مبكراً، فصار يُدرس ويُستفتى ويستقضى ويطلب قضاؤه، ويُرحل إليه في هذا، وصارت أخبار نجابته شائعةً ذائعةً في القطر الموريتاني.

стр. 1638

الشنقيطي وطريقته في القضاء اشتغل بالتدريس والفتيا عند خروجه من مسقط رأسه للحج، حيث وجد أرضاً متعطشة للعلم، ولذلك أفتى ودرس وحكم في طريق رحلته إلى الحج ماراً بقرية كيفا في موريتانيا، وتامشقط والعيون والنعمة وغيرها. وكان مروره في هذه القرى على بعير ثم باعه في قرية النعمة وركب السيارة، وقلنا: لعله أراد بذلك الاستعجال لإدراك موسم الحج قبل فواته، فالرحلة كانت تأخذ وقتاً طويلاً حتى يصل إلى مكة، وأكمل الطريق إلى قرية فاوى مروراً ببلد بنيامي عاصمة النيجر الفرنساوية في ذلك الوقت، وقرية الجنينة، وبلدة أندرمان في السودان، وسيأتي ذكر بعض فوائد هذه الرحلة العظيمة جداً في رحلة الشنقيطي ﵀ في الحج، وهذا مؤلف مستقل رحلة الحج للشنقيطي ﵀. وطريقته في القضاء أنه إذا أتاه الطرفان استكتب رغبتهما في التقاضي أولاً حتى يذعنا للحكم، يستكتب المدعي دعواه ويكتب جواب المدعى عليه في أسفل كتابة الدعوى، ثم يكتب الحكم مع الدعوة والإجابة، ويقول لهما: اذهبا إلى من شئتم من المشايخ أو الحكام أي: القضاة، فلا تأتي هذه العريضة واحداً من المشايخ إلا أقرها وصدق عليها عندما يرى قضاء الشنقيطي وحكمه فيها ﵀. وكان يقضي في كل شيء إلا في الدماء والحدود، من ورعه ﵀، وقد كُونت لجنة بمسمى لجنة الدماء وطُلب من الشيخ الشنقيطي أن يكون فيها، فكان أحد أعضاء هذه اللجنة ولم يخرج من بلاده حتى علا قدره وعظم تقديره ﵀. ألف في صغره كتاباً أو نظماً في أنساب العرب قبل البلوغ، قال في أوله: سميته بخالص الجمان في ذكر أنساب بني عدنان قبل البلوغ، إن أولادنا الآن يلعبون بالأتاري، وبعد البلوغ يلعبون بالأتاري أيضاً، أما الشنقيطي فكان يؤلف نظماً في أنساب العرب، ولكنه بعد البلوغ دفنه، وقال: لأنه كان على نية التفوق على الأقران، لم يكتبه بنية خالصة، وقد لامه بعض المشايخ على دفنه، وقالوا: كان من الممكن تحويل النية وتحسينها، لكنه لم يفعل ذلك، وكتب رجزاً في فروع مذهب مالك، يختص بالعقود من البيوع والرهون يبلغ آلافاً متعددة، يقول فيها: الحمد لله الذي قد ندبا لأن نميز البيع عن نفس الربا ومنى بالمؤلفين كتبا تطرد أطواد الجهالة هبا تكشف عن عين الفؤاد الحجبا إذا حجاب دون علم ضربا أشار ﵀ إلى هذا النظم في مصنفه في التفسير، وفي قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٦] وعلق ما نصه: وقد كنت حررت مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة، في نظم لي طويل في فروع مالك، بقولي: وكل ما يُذاق من طعام ربا النسي فيه من الحرام مقتاتاً أو مدخراً أو لا اختلف ذاك الطعام جنسه أو ائتلف وكذلك كما قلنا: إن مسائل الأطعمة من المسائل التي اختلف العلماء في علة الربا فيها، الآن الذهب بالذهب مثلاً بمثل والفضة بالفضة مثلاً بمثل، إذا زاد أو لم يحدث تقابض فهو ربا، وكذلك التمر بالتمر، صاع بصاعين ربا، القمح بالقمح والشعير بالشعير والملح بالملح. بقية المطعومات وبقية الأشياء، والرز لم يذكر في الحديث، هل يقاس عليها أم لا؟ وهذه الأشياء كالزبيب والأشياء الأخرى التي لم تذكر مثل اللحوم، هل يجري فيها الربا أم لا؟ وغير ذلك من الثمار ونحوها ما هو الضابط، إذا بعت كيلوين بكيلو هل يصير ربا؟ ما هو الضابط؟ ما هي حدود الأشياء التي يجري فيها الربا؟ قيل الطعام. وقال بعضهم: العلة الوزن، إذا كانت الأطعمة توزن، أما إذا كانت معدودة كتفاحتين بتفاحة، مثلاً فلا بأس وهكذا. والآن صارت بعض الأشياء توزن، وبعض الأشياء كانت تباع بالعدد، البيض مثلاً أو التفاح تباع بالعدد، الآن يباع بالوزن، فهل الآن لما صار الناس يجرون على الوزن تغيرت المسألة الأولى؟ هذه مسألة عويصة فيها نقاش طويل، فقال في المنظومة: وكل ما يذاق من طعام ربا النسي فيه من الحرام مقتاتاً أو مدخراً أو لا اختلف ذاك الطعام جنسه أو ائتلف وإن لم يكن يطعم للدواء مجرداً فالمنع ذو انتفاء إلى آخر الكلام، فكانت هذه إشارة إلى هذه المسألة، المقصود أنه ألف نظماً في هذا، ثم ألف نظماً في الفرائض أولها تركة الميت بعد الخامس بخمسة محصورة عن سادس وحصرها في الخمس بالاستقراء وانبذ لحصر العقل بالعراء إلى آخر القصيدة، وكذلك فإنه رحمه الله تعالى قد ألف منظومات أخرى، ولما عزم على الحج ركب في رحلته المشهورة الزاخرة إلى الحج بأنواع المحاضرات والدروس، والمناظرات، والنكت الأدبية، والعلمية، والفوائد والشروحات التي حصلت وكتابة الفتاوى، وكتابة القضايا، رحمه الله تعالى.

стр. 1639

الشنقيطي وخروجه لأداء حج بيت الله بدأ الرحلة في السابع من شهر جمادى الآخرة، وحط عصا الترحال في العشر الأوائل من ذي الحجة من نفس العام، وصل على الموسم ﵀، وكان الباعث على الخروج كما بين قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:٩٧] لا قول عمر بن أبي ربيعة: إن كنت حاولت دنياً أو أقمت لها ماذا أخذت بترك الحج من ثمن ثم قال: اعلم أنا خرجنا من عند أهلنا بجانب الوادي والبطاح والمياه والنخيل وودعنا كل قريب وخليل، والبين يولج في القلوب الداء الدخيل، فترى ورد الخدود يطله جمود الدموع، والأعين تنكر السنة والهجوع، ماء العيون في الجفن حائر حسبما قال الشاعر: ومما قد شجاني أنها يوم ودعت ولت وماء العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظرة إلي التفاتاً أسلمته المحاجر وخرج لسبع مضين من جمادى الآخرة في سنة (١٣٦٧) هـ، يقول: وكان يوم خروجي لهذه القاعدة الكبيرة لسبع مضين لجمادى الآخرة، ومن سنة (١٣٦٧) هـ أمننا الله مما نخشاه من الأمام والخلف.

стр. 1640

وصول الشنقيطي إلى كيفا فخرجنا من بيتنا يصحبنا بعض تلامذتنا إلى قرية اسمها كيفا فوصلناها في مدة خفيفة، والجمال تسعى بنا في الأودية والرمال، وفي مدة إقامتنا في كيفا، سألتنا كريمة من بنات العم وهي أم الخيرات عن مسألتين فيما يحيك في النفس من عدم الفرق بين علم الجنس واسم الجنس، انظر هذه من النساء تسأل في مسألة لا نعرف معناها، فضلاً عن الراجح فيها، وما هي الأقوال فيها ونحو ذلك. فأجاب ﵀ في أربع صفحات وعن السؤال الثاني في صفحة ونصف، قال: ثم ارتحلنا من كيفا عشية بعد أن توادعنا مع من يعز علينا، يُشيعنا فلان وفلان، فمررنا في الطريق بـ أم البوادي أم الخز، ونزلنا عند حي من قبيلة الأقيال اسمها حلة أهل الطالب جدة، فأحسنوا إلينا غاية الإحسان، ومن جملة من زارنا عالم ذلك الحي ومفتيه، الشيخ الأستاذ محمد فال بن أحمد نوح، فسألنا عن قول الأخضري في سلمه -في كلامه- على القياس الاستثنائي، وذكر البيت وجوابه عن القياس الاستثنائي، وبعد ذلك تابع المسيرة، قال: فصلنا عند قرية تامشقط عند صلاة المغرب، فزارنا جُل من فيها من الأكابر والعلماء، وعاملونا معاملة الكرماء، وذكر الذين نزلوا عنده صاحب البيت، وفلان وفلان، ودارت المذاكرة في البيت، والسؤال عن مسألتين فذكرهما، ومنهما تحقيق الفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، فأجاب عن ذلك في ثلاث صحائف، الأولى والثانية في صحيفة. ثم قال: ثم ذهبنا من قرية تامشقط قبيل غروب الشمس، ونحن على جمالنا في أخريات جمادى الآخرة، وشيعنا جّل من فيها من الأكابر وودعونا وقدم لنا وقت الوداع العالم الأديب الشيخ أحمد بن عبد الرحمن بن جدة بن خليفة القلاوي أبياتاً: مني إلى المعهود ذي الفتح الجلي درع الكماة إذا التقت في الجحفل

стр. 1641

مباحثات علمية في قرية العيون وتمبدرة وذكر قصيدة في مدحه، مشوا وارتحلوا إلى قرية العيون وإلى تمبدرة، وإلى تنبتقة، وهكذا وصلوا إلى ذلك المكان في شهر الله رجب الفرد، قال: في هذه المسألة فتذكرت كل ما مر بي من اسم. أحياناً يمر بأسماء بلدان، فيذكر أبياتاً شعرية ورد فيها هذا الاسم دليلاً على سعة حفظه للشواهد الشعرية والأبيات بشكل عجيب جداً، ربما لا يُعرف له مثيل في عصرنا، لما وصل قال: وصلناها في شهر الله رجب الفرد، تذكرت قول مسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني: ما مر بي رجب إلا نعمت به يا حبذا رجب لو دام لي رجب وحصل هناك مباحثات أيضاً لما نزلوا في ذلك المكان، وكانت من المسائل التي نوقشت النص الفلاني منسوخ بالإجماع، ما حكم قول هذا؟ ودخلوا في مسألة الإجماع، لا يجوز النسخ به شرعاً أم لا؟ وأجاب عن ذلك ودارت مناقشة في مسألة هل يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين؟ لا يجوز الجمع بين الأختين من الحرائر في الزواج من حرائر، أما ملك اليمين إذا اشتريت إماء، هل يجوز أن تشتري أمة وأختها، أم لا؟ هذه مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يشمل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] عموم يدخل في الإماء أو لا يدخل؟ أجاب عنها بسبع صفحات رحمه الله تعالى، وذكر مناقشات حصلت في فروع مذهب مالك ﵀. ومن المسائل: هل يجوز السلم في الكاغد المتعامل به في فلوس النحاس؟ لأن هناك عُملات ورقية وعُملات معدنية، فأجاب عن ذلك، فهناك من علمائنا الآن من يجيز ذلك عشر ورق بتسع معدن، ومنهم من يقول: لا يجوز؛ لأن الكل ريالات، ومادامت العملة واحدة، ولو كانت من عملات مختلفة، يجوز التفاوت، قد تشتري -مثلاً- دولاراً بأربعة ريالات بشرط التقابض، ريال بمائة ليرة بشرط التقابض، فتفاوت العدد إذاً هنا جائز مادام اختلفت العملات؛ لأن اختلاف العملات ينزل منزلة اختلاف الأجناس، لكن لو كان من عملة واحدة هنا ريال معدن بريال ورق فما هو الحكم؟ فبعض أهل العلم قال: إن هذا مثل استلاف الأجناس، وهذا ورق وهذا معدن، ومنهم من قال: لا. الريال واحد، الريال هو الريال، وهذه الأوراق في الحقيقة لا قيمة لها من جهة الورق في الكتابة عليه وما يُضمن به من قِبل الجهات التي تضمنه، فليس في الحقيقة للريال قيمة من جهة الورق ككونه ورقاً بخلاف المعدن، قد يكون له قيمة في نفسه، قد يكون المعدن ثميناً، مثلاً: بعض العملات ذهبية وبعضها فضية، إلى آخره، فالمقصود أنه حصل نقاش في هذه المسألة. وقال: ومما سألونا عنه مذهب أهل السنة في آيات الصفات وأحاديثها كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] وقوله : ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] وقوله ﷺ : (قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمان) ونحو ذلك، فأجابهم في أربع عشرة صفحة، والذي يستدعي الوقوف هنا، أن الشنقيطي ﵀ كان سلفياً منذ أول أمره، في الأسماء والصفات. ولما سُئل عن هذه الأسئلة أجاب عنها بقول السلف، وهذا موجود مسطر في رحلته في الحج أجابه في أربع عشرة صفحة.

стр. 1642

الشنقيطي يحفظ الشواهد الشعرية والطرائف المباحثات العلمية أحياناً تحتاج إلى شيء من الملح والطرائف والنوادر الشعرية للترويح حتى لا تمل النفس ونحو ذلك، وقد حصل في بعض المجالس سؤال عن أيام العرب وأشعارها وملح الأدباء ونوادرهم، وقلنا: إن دروس ابن عباس ﵁ كان فيها درس في التفسير ودرس في الحديث ودرس في كذا، ومنها درس في الشعر، أو في كلام العرب، والشواهد الشعرية هذه مفيدة جداً في تقوية الملكة العربية، والفصاحة ثم معرفة معنى الكلمة، لأن الكلمة عندما توضع في بيت شعر تعطيك معناها حسب السياق تفهم المعنى. فربما تأتي الكلمة في القرآن أو في السنة، فيرجع العلماء إلى الشواهد الشعرية المذكورة فيها هذه الكلمات لمعرفة معناها عند العرب، فالشواهد الشعرية مهمة؛ ولذلك ترى كتاب ابن جرير الطبري ﵀ مليئاً بالشواهد الشعرية، فالشواهد لها فوائد في معرفة معاني الكتاب والسنة. وكذلك ربما كانت تستعمل في الملح والأحماض، لطرد الملل من المجالس، قالوا: ومما وقع السؤال عنه في أثناء المذاكرة، ثناء أدباء الشعراء في قصار النساء، كقول الشاعر: من كان حرباً للنساء فإنني سلم لهن فإذا عثرن دعونني وإذا عثرت دعوتهن وإذا برزن لمحفل فقصارهن ملاحهن قال: معاني القصر جداً وصف مذموم كما يدل عليه قول كعب بن زهير. لا يشتكى قصر منها ولا طول أي: أن من محاسن المرأة أن تكون متوسطة لا مفرطة في الطول ولا في القصر، وكذلك ذكر ﵀ طرفة، قال: إننا لما دخلنا -أي: ذكر عن بعض العامة، جهلهم- لما جاءوا على مدينة خرطوم في السودان، قال: قال لنا واحد بكلامه الدارج ومضمونه، أنه يغبطنا ويغار منا بسبب أننا نمر من أرض السودان التي فيها موضع شريف، قلنا له: وما ذاك الموضع الشريف -يقول: أنا لا أعرف أن في السودان موضعاً جاء فضله في الكتاب والسنة، مثل مكة والمدينة وبيت المقدس - فقال: الخرطوم، قلنا: وأي شرف للخرطوم؟ قال: مذكور في القرآن العظيم في قوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم:١٦] فقلنا له: ذاك خرطوم آخر غير الخرطوم الذي تعنيه، فضحك من يفهم من الحاضرين. وحصل مناقشة في مجلس قال: واستدل بعضهم بدليل هو عليه لا له، وهذه من الأشياء التي يقع فيها حتى بعض الشباب من طلاب العلم ونحوهم فقال بعض الحاضرين وكان عندهم أدب -عندهم الأدب يعني: أنهم يحفظون الأشياء والطرائف- قال: هذا مثل مغني اللصوص، فضحك من له خبرة بقصة مغني اللصوص، وهي قصة مشهورة، ملخصها أن بعض الأمراء أسر لصوصاً كانوا يقطعون الطريق، فقدمهم للقتل واحداً بعد الآخر حتى لم يبقَ منهم إلا واحد، فقال: لا تقتلوني فأنا لست من اللصوص، وإنما كنت مغنياً لهم، أطربهم بالأناشيد والأغاني، فقالوا له: بم كنت تغني لهم؟ ماذا كنت تغني للصوص؟ فقال: أغنيهم بقول الشاعر: عن المرء لا تسل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي فإن كان ذا شر فجانب بسرعة وإن كان ذا خير فقارنه تهتدي فهذا مغني اللصوص الذي جاء بالأشعار يظنها أنها حجة له فإذا هي حجة عليه. وطلب منا قوم من أهل النعمة أن أفسر لهم سورة الواقعة، ففسرتها لهم ليلاً، وسأل بعض طلبة العلم عن الفعل المبني للمفعول، هل هو أصل أو فرع، فأجابه عن ذلك، ودخل في المناقشة في قضية تتعلق بهذه المسألة.

стр. 1643

الشنقيطي في قرية النواري وقال: بتنا في القرية الفلانية بـ النواري ولم نعرف أحداً من أهلها -يقول: البلد هذه النواري ما عرفنا فيها أحداً- فتذكرت قول الشاعر: إن للدهر إن تأملت صرخة يكسب المرء حكمة واعتبارا ها أنا اليوم بـ النواري مقيم أي عهد بيني وبين النواري ليست لي علاقة فيهم، ولا أعرف أحداً منهم، لكن اضطر الحال إلى أن نزلت في هذه البلد، وليس لي فيها معرفة. قال: وجاءت بنا السيارة، بلد بامكوف الليلة الثالثة آخر الليل فنزلنا عند تاجر منا طيب الشمائل والأخلاق اسمه أحمد بن الطالب الأمين، وهو من أخص إخواني وتلاميذي، فبالغ في إكرامنا وأهدى لنا ثياباً ودفع عنا أجرة السيارة إلى بلدة نبتا فابتدرنا السفر إلى هذه الجهة، وركب معنا أخونا المذكور في السيارة، وباتت بنا في تلك الليلة في قرية اسمها سكثو وباتت في الليلة الثانية في قرية اسمها صن، ومررننا في طريقنا على قرى صغيرة مساكنها العرش والأخواص، يزرعون الذرة واللوز، وليس على أبدانهم شيء من الثياب أصلاً، ونساؤهم حالقات الرءوس، عاريات جميع البدن، والواحد منهم ذكراً كان أو أنثى يجعل خرقة صغيرة جداً أو ورقة من أوراق الشجر على سوءة قبله، ولا يستتر بشيء غير ذلك، وهم سود الألوان، سمعت بالاستفاضة أنهم وثنيون يعبدون الشجر، وما نزلنا في شيء من قراهم، ولا كلمنا منهم أحداً مع أن السيارة تمر بنا من بين مزارعهم، وسمعت أنهم ربما أكلوا الناس، ويسمون باللسان الدارجي العرايا وهم تحت حكم فرنسا. ثم جاءت بنا السيارة بلدة مبتى وقت الظهر فنزلنا في دار فيها تجار منا فبالغوا في إكرامنا وبتنا معهم ليلتين، ثم ذهبنا إلى بلدة فاوى ودوينصة، ودخلنا فاوى وقت الضحى، فنزلت عند رجل تاجر من أبناء العلم اسمه الزاوي، وهو رجل طيب الأخلاق والشمائل فأحسن إلينا غاية الإحسان، واجتمع علينا التجار من قبيلتنا الجكنين، كانوا في أرض فاوى فمكثنا معهم أسبوعاً في غاية الإكرام والتبجيل. وزارنا كثير من أهل فاوى، وسألونا عن مسائل منها: امرأة غاب زوجها، فسمعت في غيبته أنه مات، فظنت صدق الخبر فاعتدت وتزوجت، فحملت من الزوج الثاني ثم انكشف الغيب عن حياة الزوج الأول وعدم فراقه لزوجته، ما الحكم في ذلك في مذهب مالك ﵀؟ فأجبناهم بفتوى كتبناها لهم محررة بنصوص فروع مذهب مالك، وذكر صاحبها في صفحة ونصف تقريباً. يعني هل تبين حكم الزواج بالثاني أنه باطل، لماذا؟ لأنها ما زالت في عصمة الأول؛ لأن الأول ما طلق ولا مات لتعتد عدة صحيحة، فإذاً الزواج الثاني باطل. فهل ترجع إلى الأول؟ كيف ترجع إلى الأول وفي بطنها حمل؟ إذاً لا بد أن تنتظر حتى تضع حملها فإذا وضعت حملها وصار الرحم نظيفاً وبعد ذلك يُقال للأول: هل تريدها أم لا؟ فإذا قال: أريدها، رجعت إليه، وإن قال: لا أريدها، نقول: طلقها، فيطلقها فتعتد فيتزوجها الثاني زواجاً صحيحاً. المهم هذه المسألة وفيها مناقشات وأبحاث للفقهاء، على أية حال أجابهم ﵀ عن ذلك.

стр. 1644

الشنقيطي يلقى الترحيب والإكرام في أكثر القرى التي مر بها قال: ولما قدمنا إلى بلدة أنيامي في الضحى بعد الليلة الثانية، نزلنا عند تاجر اسمه الكيدي تورى، وهو رجل كريم السجايا والطبائع، فيه نفع للمار به من عامة المسلمين -جزاه الله عنهم خيراً- ففرح بقدومنا وأكرمنا غاية الإكرام، ورغب جداً في أن نقيم عنده شهر رمضان وقد استهل ونحن عنده، ووعدنا بأن يحملنا من كيسه في طائرة إلى جدة إن أقمنا معه مدة، فقلنا له: لا بد لنا من أن نجد في السير في الوقت الحاضر فأهدى لنا وودعنا. فقد يقول قائل: ولماذا لم يسافروا بالطائرة إلى جدة؟ يقال: إن في سفره فوائد، فهو يريد أن يفيد الناس، وإذا ذهب إلى جدة بالطائرة فاتت كل الفوائد على الناس، وكذلك ربما يريد ﵀ أن يدفع من جيبه أجرة الحج لأنه لا شك أنه كلما بذل الإنسان في حجه من جيبه كان أفضل، فالذي يحج على نفقته، أفضل من الذي يحج على نفقة غيره، مع أن الحج على نفقة الغير صحيح ولو كان فرضاً. في مدة إقامتنا عند الحاج الكيدي تورى جاءنا رجل من أهل العلم من قبيلة تسمى الطلابا اسمه محمد بن إبراهيم وطلب منا أن نبين له معاني سلم الأخضري في فن المنطق بدرس شاف فأجبته، وكان يكتب ما أملي عليه من إيضاح معانيه، ليلاًً ونهاراً خوفاً من معاجلة السفر قبل إتمامه يقول: قبل أن يذهب الشيخ، نكتب ما عنده من العلم ليلاً ونهاراً، يكتب، الطالب قد يتحمل لكن الشيخ جاء من سفر، وفي سفر ومع ذلك بذل نفسه ﵀ في الإملاء والتعليم، فجاء الإملاء شرحاً وافياً وعن غيره كافياً، الحمد لله رب العالمين. ثم سألنا عن تعين الناسخ لآية الوصية للوالدين والأقربين ما الذي نسخها؟ فقلت له: كان هذا مشكلاً عليّ في زمن درسي فن أصول الفقه إشكالاً قوياً -فما الذي نسخ الآية؟ هل هي آية المواريث أم آية من القرآن أخرى، أم الذي نسخها من السنة، وهو حديث: (لا وصية لوارث) وإذا كان هذا فهل السنة تنسخ القرآن؟ وفي ذلك بحث طويل- فالشاهد أنه أجابه وبين له وجه الإشكال في خمس صفحات ورد عليه. قال: ثم بعد ذلك قدمنا إلى بلدة مرادي وفي العشر الأوائل من رمضان أكرمت فيها ونزلت عند أحد أبناء عمي وفي ضيافته خمسة أيام، وقدّمنا فلوساً كانت عندنا إلى فورنلي بطريق الحوالة -يحتاجون إلى إرسال نقود إلى قرية سيأتون عليها، أو بلد سيأتون عليها فأرسلوا لها حوالة -ثم سافرنا من القرية التي تسمى مرادي، إلى بلد اسمها كانو، فلما مشينا قليلاً مررنا على مركز فرنساوي، هو الحدود بين النيجر الفرنسي ونيجيريا الإنجليزية وهذه تحت الاستعمار الفرنسي، وهذه تحت الاستعمار الإنجليزي، فنظر رئيس المركز في جوازات السفر وأمضاها، وبتنا تلك الليلة في بلد اسمها كتنة، ثم من الغد نزلنا وكان آخر النهار فنزلنا عند شريف ظريف، اسمه محمد الأمين الشريف، فأحسن إلينا غاية الإحسان، وبتنا عنده ليلة وبادرنا السفر من صبيحتها متجهين إلى قرية تسمى جص.

стр. 1645

الشنقيطي وبعض الصعوبات التي واجهته أثناء الرحلة ركبنا في قطار الحديد إلى قرية تسمى جص فبتنا دونها ليلة، وجئناها من الغد فوجدناها كما قال الشاعر: ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان غريب الوجه: أي: ما ترى فيها عربي، واليد واللسان، ولا لسان عربي، فلم يفهموا كلامنا، ولم نفهم كلامهم، وبتنا فيها ليلة واحدة، ثم وجدنا واحداً يفهم من العربية قليلاً، فحصل بيننا مفاهمة مع صاحب سيارة ذاهبة إلى بلدة مادثري، فدفعنا لصاحبها أجرتها وركبنا فيها، فلما سارت بنا تسعة وستين ميلاً وقع فيها خلل مانع من الحركة، فمكثنا يومين وليلة في محل واحد موحش، كثير البعوض والندى -الرطوبة- في خلاء من الأرض ثم أصلح فسادها حتى لم يبق بيننا وبين البلدة التي يقصدونها إلا مائة ميل وسبعة عاودها الفساد، فمرت بنا سيارة ذاهبة إلى تلك البلدة، فدفعنا الأجرة لصاحبها وركبنا فيها، فأدخلتنا البلدة في تلك الليلة، فنزلنا على تاجر اسمه عبد المحمود، فأصلح لي خللاً كان في جواز رفيقي عند الحكومة، فشكرت له، وتذكرت قول الشاعر: وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعةً من جاهه فكأنها من ماله ومكثنا في هذه البلدة ليلتين، ثم سافرنا إلى فورنلي، فركبنا بالأجرة في سيارة مشت بنا خمسة أميال ففسدت فساداً مانعاً من الحركة، فبتنا في ذلك المكان، وأرسل الله مطراً كأفواه القرب، فلما كان آخر النهار فعل لها سائقها شبه الإصلاح، وسرنا فيها آخر النهار سيراً ضعيفاً للخلل الواقع بها، فلما سارت بنا ستة أميال راجعها الفساد بأشد من الحالة الأولى فبتنا في ذلك المكان تلك الليلة، ولما ارتفع النهار مرت بنا سيارة، فدفعنا الأجرة إلى صاحبها وركبنا فيها، فسارت بنا بقية اليوم، فلما كان آخر النهار حبسها المطر، في قرية اسمها كنبار، فلما كان من الغد وجاءت بنا آخر النهار إلى بلد اسمها كسرى، فأتعبنا أهل مركزه بتفتيش المتاع، وأخذوا منا جوازات السفر وباتت عندهم. أي: هذا يؤخذ منه، كيف الذي كان يحج البيت العتيق، يعاني من المشاق الشديدة في السفر، والآن ينبغي أن نحمد الله على الوسائل التي هيأها للسفر، فكيف كانوا يعانون لأجل الذهاب إلى البيت العتيق، وتعترضهم هذه الاعتراضات. وذكر قصة أن بعضهم قد أصر على أن يدفع أجرة السيارة عنهم، وأنه دعا له بالخير حيث قال: جزاه الله خيراً، ومعروف حديث النبي ﷺ : (أن من قال لأخيه جزاك الله خيراً فقد أجزل له في العطاء) أي: إذا صنع لك معروفاً ولم تستطع أن تسدي له مثله، فلتدعو لصاحبه، فبأي شيء تدعو له؟ من السنة أن تدعو له بأن يجزيه الله خيراً، فتقول: جزاك الله خيراً. قال بعد ذلك: جميع السيارات التي نحن فيها والتي ترافقنا مشحونة من السوادين الذين لا يفهمون كلامنا ولا نفهم كلامهم، وأكثرهم كالبهائم -أي: لا دين ولا عقل- فذكرتني مرافقتنا معهم أبيات -تصور أن واحداً يرافق أناساً لا دين لهم ولا عقل، كالبهائم- لـ محمد بن السالم الشنقيطي: إذ يطرحوني أرضاً لا يؤانسني إلا لص هريت الشدق نباح فكم تكنفني في ظل مدرسة شم الأنوف لهم كتب وألواح وكم يغازل جماء العظام على أنيابها العنبر الهندي والراح وفي تلك الأيام أغلق الفرنسيون الطريق المعهودة إلى قرية آتيفا، فهاشت بنا السيارة إلى بحر الغزال، فبتنا دونها ليلة وجاء من الغد ورحنا آخر النهار متوجهين إلى قرية آتين في طريق غير معبد، فهو إلى بنيات الطريق أقرب منه إلى الطريق كلما خرجنا من ورطة حبستها أخرى، والأرض هناك رمال لينة جداً، بتنا الليل كله نمشي على أقدامنا، لكن قليلاً قليلاً لكثرة عوائق السيارات من الرمل اللين، فدخلنا وادياً فيه زراعات ومياه، وفيه الفلفل الأحمر بكثرة لا ندري ما اسمه، وقلنا فيه -من القيلولة- ثم رحنا منه آخر النهار. ثم جئنا بعد ذلك إلى القرية فالتمسنا عربياً نبيت عنده، فدعاني رجل عربي -هذه قصة جيدة- والله ما سألته عن اسمه ولا اسم أبيه خوفاً من الغيبة -الآن دخلوا بلداً فأبوا أن يضيفوهم، حتى جاء رجل عربي رضي أن يضيفهم، لكن لما رأى الشنقيطي ﵀ مستوى الضيافة، أو ما عند الرجل أو ماذا سيقدم لهم، ما سأله عن اسمه ولا اسم أبيه، خشية الغيبة، خشية أن يذكره بعد ذلك بشر وهو يعرف اسمه- قال: والله ما سألت عن اسمه واسم أبيه خوفاً من الغيبة، فأنزلنا في مكان يعوي منه الكلب، وأغلقه علينا من الخارج، فبتنا بليلة لا أعاد الله علينا مثلها، أشد من ليلة النابغية وأشد من ليلة المهلهلية، فذكرتني ليلة النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب وليل أقاسيه بطيء الكواكب ليلة مرت علينا طويلة جداً من المشقة في ذلك المكان، واستعار أيضاً من المهلهل يصف ليلة طويلة: كأن كواكب الجوزاء عود معطفة على ربع كسير كأن الجدي أثناه ربق أسير أو بمنزلة الأسير هذا الجدي والجوزاء نجوم في السماء، لها منازل إذا مرت الليلة تمر النجوم، يقول: كأن الجدي هذا مربوط كأنه أسير. كواكبها زواحف لاغبات كأن سماءها بيدي مجير ثم بعد ذلك مضت تلك الليلة، وصُبح تلك الليلة أحب غائب إلينا، فخرجنا من ذلك الضيق أول النهار.

стр. 1646

الشنقيطي يناقش مسألة الزواج بنية الطلاق ونزلوا على الحاج مكي في محطة فقابلهم بالبشر والترحاب، وأكرمهم فدعا له، قال: جزاه الله خيراً، ثم بعد ذلك جاءوا إلى بعض المراكز -يقتربون الآن من مراكز حدودية وتفتيش- قال: ومما سأله عنه أهل قرية الجنينة، تولية المسلم على المسلم إذا كانت صادرة من غير مسلم متغلب، هل هي منعقدة أم لا؟ -متغلب من هو مثلاً: فرنسي أو إنجليزي، إذا ولى مسلماً على مسلم ولاية، هل تنعقد الولاية؟ هل هي شرعاً صحيحة؟ - ومما سألونا عنه صلاة الجمعة في مسجد جديد بناه رجل من أهل البلد في جانب من جوانب البلد، هل يجوز لمن أراد صلاة الجمعة فيه أن يصليها فيه، أو يرسلهم يصلوا في الجامع الكبير الذي هو مسجد الجمعة العتيق؟ ومما سئلنا عنه: الغريب في بلد يريد التزوج فيه ونيته أنه إن أراد العودة لوطنه ترك الزوجة طالقاً في محلها، فهل تزوجه مع نية الفراق بعد مدة، يجعل نكاحه نكاح متعة، فيكون باطلاً أم لا؟ فالمسألة باختصار هل يجوز الزواج بنية الطلاق؟ بدون أن يشرط عليهم ذلك ولا يخبرهم ولا يكلمهم ولا يتفق معهم في العقد ولا شيء، شخص تزوج امرأة بنية أن يطلقها بعد مدة؟ قول جمهور العلماء الجواز، وأنها فرق بين هذا وبين نكاح المتعة، نكاح المتعة نكاح على أجل معلوم بين الزوجين يُذكر في العقد، وبانتهاء المدة ينتهي العقد، أما هذا نية حديثة في النفس غير مخبر عنها ولا متفق عليها ولا هي في العقد، ثم كما يقول الشيخ عبد العزيز في تبين رجحان الجواز، قال: قد يأتيه منها أولاد وقد يرغب فيها، وقد يمسكها ولا يطلقها، وأن الفراق ظني، فقول جمهور العلماء في هذه المسألة: الجواز. قال: ونزلنا الأبيض بعد ذلك، فنزلنا عند رجل اسمه محمد خير مكثنا في قرية الأبيض ليلتين وصاحبنا الذي نحن في ضيافته، يُرسل لنا في يومينا قبل المغرب قطعة من عصيدة الدخن عليها بعض الإدام، فمرة تركناها وأكلنا من زادنا، ومرة تناولناها، فتذكرت قول الشاعر: الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام تكثر حسرتي ووساوسي والموت سوى حين عدّل قسمه بين الخليفة والفقير البائس يقول: الجوع مطرود بالرغيف اليابس فلماذا أتحسر على طعام لا أشتهيه، أو على طعام ليس بجيد، الجوع يطرد بالرغيف اليابس.

стр. 1647

الشنقيطي في معهد أم درمان ثم ذكر بعد ذلك في الطريق أن بعض الأساتذة المدرسين في معهد أم درمان، وأثنى على أم درمان، وعلى معهد أم درمان، وعلى الطلاب الذين في هذا المعهد الديني، وقال: إنه سأله بعض الأساتذة أن يتكلم له على قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] ذكر الجواب في ثلاث صفحات. ثم سألونا عن وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] وبينا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] وذكر في تفسيره أضواء البيان كلاماً رائعاً حول هذا، والقراءات في (آمرنا وأمّرنا، أمرنا) أن أمر أو أمِر في اللغة تأتي بمعنى الكثير أي: كثرناهم، ويستشهد بقول أبي سفيان: أمِر أمر ابن أبي كبشة أي: عظم وانتشر. ثم سألني بعض أذكياء الطلبة عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] في معهد أم درمان سألوه عن تفسيرها، وعن قصة الغرانيق، فأجابهم في تسع صفحات. ثم سألوه عن تحقيق بيتين في ألفية ابن مالك، فأجابهم عن ذلك، وسألوه عن مسائل أخرى لغوية ونحوية، ذكرها ﵀ في كتابه الذي هو رحلة الحج، ثم سألنا بعض الطلبة: هل عثرنا على نص من كتاب أو سنة يُفهم منه وجود دولة لليهود في آخر الزمن؟ فأجاب ﵀ ما ملخصه: إن ذلك قد جاء بالإشارة أن بعض النصوص فيها إشارة إلى هذا، وهو قوله ﷺ : (تقاتلون اليهود) وأن المقاتلة على وزن مفاعلة، والمفاعلة لا بد أن تكون بين طرفين، هم طرف وأنتم طرف، وإذا كان هذا معنى ذلك أنه لا بد أن يكون هناك جيشان، وإذا كان هناك جيش فلا بد أن يكون هناك اجتماع ونظام وأمير لكل من الطرفين. فمعنى ذلك، قال: وفي هذا إشارة إلى أنه يكون لليهود دولة وقوة حتى يقاتلوا، هذا كله أخذه من أين؟ كل الكلام هذا من قوله ﷺ : (تقاتلون اليهود) وذكر أن فيها إشارة فعلاً إلى ذلك وأنه لا يصلح أن يقاتلونا وهم كما قال الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً﴾ [الأعراف:١٦٨] أنهم مقطعين مشردين فلا بد أن يجتمعوا وتكون لهم قوة ويعملون جيشاً ثم يقاتلون، ولكن ستكون الغلبة في النهاية للمسلمين عليهم. وسأله بعض الطلاب عن الحديث الثابت في قتال الترك: (كأن وجوههم المجان المطرّقة) فما معنى هذا؟ ومن أين أخذ؟ وقال: لم تزل المذاكرة بينا وبين علماء معهد أم درمان الديني حتى جاء حديث الضيافة والإحسان إلى الضيف في قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ذكروا أن الشعراء ربما هجوا على عدم القِرة -أي: عندما يأتي ضيف فلا يجد أحداً يُضيفه- وذكرت لهم نبذاً من هجاء الشعراء -انظر العالم وميزة العالم، أن كل شيء يأتي تجد أن له فيه إسهاماً، من شعر أو قول فكانت هذه الملح في هذا- قال: وأنهم ربما هجوا على قلة المقدم إليهم، كما قال بعض الأدباء: أبو جعفر رجل عالم بما يصلح المعدة الفاسدة تخوف من تخمة أضيافه فعودهم أكلة واحدة فهذا من بخله، لكن الشاعر، يتندر عليه فيقول: هذا حريص على صحتنا، وعلى عدم تلبك معدتنا. ولما ذكرت لهم بهذه المناسبة بيتي الأديب أحمد بن عبد الله البوحسني الشنقيطي المعروف بالذئب، وقد استضاف أقواماً فلم يضيفوه، رفضوا أن يضيفوه: مات الغداء لدينا أهل ذا الأفق والخطب سهل إذا كان العشاء بقي ولست أحسبه يبقى وقد زعمت عوّاده أنه في آخر الرمق أي: أنهم سيأكلوا الآن العشاء والضيف يبقى بلا شيء، فضحكوا. ثم سألني صديق كبير ذو الشمائل الطيبة، أحد أساتذة المعهد المذكور الشيخ إبراهيم يعقوب فقال: أأنت شاعر أم لا؟ فقلت: أما بالجبلة والطبيعة فنعم، الشعر يجري في نفسي، وأما من حيث التوصل بالشعر إلى الأغراض والأكل به من الملوك والأمراء فلا، فألح عليّ أن أسمعه شيئاً كنت قلته من الشعر فيما مضى، فأخبرته أن عهدي ينسج القريض أيام الصبا، وأكثر ما جرى على لساني في عنفوان الشباب، وأني لما عزمت على ألا أقول شعراً قلت أبياتاً في ذلك مقتضاها أن مقاصد الشعراء ليست لي بمقاصد. المهم أنهم أصروا عليه فأسمعهم بعض الأبيات التي سبق أن نظمها، وسألوه عن آيات أيضاً من القرآن الكريم، ثم قال: لما عزمنا على السفر من أم درمان اجتمع بنا الأخ الفاضل محمد صالح الشنقيطي رئيس لجنة في السودان فأحسن إلينا وأكرمنا غاية الإكرام وجمع بيننا وبين السيد عبد الرحمن فعزيناه في ولد ولده كان متوفى عند ملاقاتنا، ففرح بلقائنا وأظهر لنا البشر والإكرام، وأهدى لنا هدية سنية، وشيعنا بسيارته الخاصة، وأخذ لنا ولجميع من معنا تذاكر السفر في القطار الحديدي؛ كي نسافر.

стр. 1648

الشنقيطي في أرض الحجاز سافرنا في العشر الأواخر من ذي القعدة من سنة (١٣٦٧) هـ متوجهين إلى سواكن، فبتنا دونها، وجئناها من الغد فنزلنا في خيم مبنية للحجاج، وأخذنا جوازات السفر إلى الحجاز، وما توصلنا إلى أخذها حتى تعبنا من الزحام في المركز لكثرة الحجاج المزدحمين لأخذ الجوازات، وكان بواب المركز يُدخل قبلنا كثيراً من أخلاط الناس من أسود وأحمر ونحن جئنا قبلهم، فذكرني ذلك قول عصام بن عبيد الزماني: أدخلت قبلي قوماً لم يكن لهم في الحق أن يدخلوا الأبواب قدّامي أي: هذه شغلة الواسطات، دخل ناس قبلنا ونحن واقفون، ثم بعد أن تحصلنا على أخذ الجوازات وبعد أن سلمنا الرسوم المقررة مكثنا في محل النظر في صحة الحجاج ثلاثة أيام، ثم ركبنا في السفينة متوجهين إلى جدة، فمكثت السفينة بنا يوماً وليلة في البحر، ثم نزلنا من الغد في جدة في بيت لآل جمجوم عمومي لنزول أهل قطرنا -أي: هذا البيت مخصص للشناقطة ينزلون فيه- فمكثنا ليلتين في جدة، ولم نجتمع بأحد من أهلنا، لكن اجتمعنا برجل سوداني موظف في بعض الشركات اسمه أحمد بكري، فأحسن إلينا وحملنا إلى مكة المكرمة بواسطة رجل طيب من موظفي إدارة الحج، فركبنا من جدة بعد صلاة المغرب، محرمين ملبين تلبية النبي ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، وكان إحرامنا بالحج مفرداً. الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان في سورة الحج، تكلم على أنواع النُسك، ونصر القول بالإفراد نصراً عظيماً وأتى له بالأدلة وحشدها حشداً يكاد القارئ له أن تزول قناعته باستحباب التمتع، ولكن مذهب جمهور أهل العلم كما هو معروف أن التمتع هو الأفضل لكن من أراد أن يَنظر في تقرير استحباب الإفراد فعليه بما كتبه الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان. وبعد ذلك نزل ﵀ في منى بجانب بعض الخيام، وسأله بعضهم عن مسائل متعلقة باللغة والشعر، وحصلت مباحثات أيضاً فقهية وغيرها، قال: ثم سافرنا من مكة المكرمة بعد أن اعتمرنا من التنعيم وطفنا وقت السفر طواف الوداع، ودعونا الله ألا يجعل ذلك آخر عهدنا ببيته الحرام، فبتنا ليلة في جدة، وتوجهنا إلى المدينة وركبنا في سيارة ومالكها معنا وهو يحفظ القرآن العظيم وعرض علينا في الطريق أجزاء عديدة من القرآن، أي: حفظاً، هذه قراءة العرض، ولا بأس بقراءته وحفظه، ووقفت بنا السيارة بعد المغرب في محطة اسمها ذُهْبَان، ثم مرت بنا على محطة اسمها: توَل هذه يسمونها الآن البادية، تول بإسكان التاء وغيرهم والحاضر يقولون تُول، ووقفت فيها قليلاً ثم سارت بنا إلى البلدة المعروفة رابغ وذكر قول الشاعر هنا: فلما أجزنا الميل من بطن رابغ بدت نارها قمراء للمتنور ولما أضاء الفجر عنّا بدت لنا ذرى النخل والقصر الذي دون عزور فإذاً هذا موضع آخر عزور هذا في الطريق، وكان كلما جاء إلى مكان، هو يراه لأول مرة، ولكن اسم المكان معروف عنده من شواهد العرب من قبل، فكل ما جاء على بلد وعلى مكان يتذكر ما قيل من الشعر في هذا المكان، قال: ووجدنا غالب الطعام الموجود فيها لحم السمك، وقال: ثم ذهبنا في تلك الليلة من رابغ بعد ظرف قليل من الزمن، صعدت بنا السيارة جبلاً عُبدت فيه الطريق للسيارات فقال لنا صاحب السيارة: هذا الجبل اسمه هرشى، فتذكرت قول الشاعر: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق وأخبرته أنه يُروى، وهذا السفر طبعاً يقطع بمنح وبأشياء وملح وطرائف، فأخبرتهم أنه يروى عن بدوي من الأعراب أنه قرأ سورة إذا زلزلت، وقرأ فيها فمن يعمل مثقال ذرة شراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، فقالوا له: قدمت المؤخر وأخرت المقدم، أي: الآية، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] الخير أولاً ثم الشر، فقال لهم: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق قال هذا من جهله وجفائه. ثم عرّجنا آخر الليل بين جبال كثيرة وأخذنا هجعة لنستريح، فما استيقظنا حتى اتضح الصبح فتوضأنا، وصلينا الرغيبة وفرض الفجر وركبنا في محطات متعددة، وذكر بعض هذه المحطات إلى أن وصل أبيار علي، حصل للسيارة عائق إلى صلاة العشاء خلصت منه وتقدمت إلى المدينة، وصلوا المسجد النبوي وقد أغلقت أبوابه وانصرف الناس عنه كالعادة، فلم يُقدر لهم صلاة في تلك الليلة في المسجد النبوي. ثم نزلوا عند الشيخ محمد بن عبد الله بن آد، فتلقانا بالبشر والسرور ولم نُدرك ذلك اليوم صلاة الصبح مع الجماعة، لأننا لم نستيقظ من شدة تعب السفر حتى ضاق الوقت، فصلينا الرغيبة وفرض الصبح في محلنا لضيق الوقت، ولما ارتفعت الشمس وحل النفل -وصارت صلاة النفل جائزة- ذهبنا الحرم المدني.

стр. 1649

الشنقيطي يقيم نشاطاً دعوياً وعلمياً في السعودية هذه رحلة الشيخ ﵀ باختصار، والذي يقرأ الكتاب سيجد فيه الفوائد الكثيرة والعظيمة جداً، وحصل في خِلال إقامة الشيخ أشياء، ومن أهم الأشياء التي حصلت من أن الشيخ كان قد سمع دعايات عن الوهابية في بلده، فقد جاء إلى البلد هنا وعنده فكرة أنه سيواجه الآن أناساً من المنحرفين ومن المتعصبين -الوهابية فيهم وفيهم- مع أن الشيخ عقيدته صحيحة، لكن ليست عنده فكرة صحيحة عن الوهابية الذين أطلقت عنهم الدعايات في مواسم الحج وغيره من الضلال وعمموا بها على العالم الإسلامي، ومن ذلك بلد الشيخ. فتعامل بعض أهل علماء البلد معه بحكمة، وقُدم للشيخ كتاب المغني في أصل المذهب، وبعض كتب شيخ الإسلام، كمنهج العقيدة، فقرأها وتعددت اللقاءات مع علماء البلد، فوجد مذهباً معلوماً من مذاهب أهل السنة ومنهجاً سليماً في العقيدة، وقيل له: هذا الذي يُدَّرس، وهذا الذي عليه أهل العلم، فعند ذلك انكشفت القضية للشيخ، وعرف حقيقة الأمر واتضحت له القضية، وزيف الدعايات الباطلة وظهر معدن الحقيقة الصحيحة، وتوطدت العلاقات بينه وبين علماء هذه البلاد، وأعرب عن رغبته بالتفسير.

стр. 1650

تدريس الشنقيطي للتفسير واللغة فقال: ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله ﷺ -هذه أمنيته- تحققت أمنية الشيخ وحقق الله مراده، وبلغه أمنيته، وأُقر له درس في المسجد النبوي وفسر القرآن فيه مرتين، وتوفي ولم يكمل المرة الثالثة، كان بداية الدرس في عام (١٣٦٩) هـ وعام (١٣٧٠هـ) على مدار العام، ثم صار مقتصراً على الإجازة الصيفية في عام (١٣٧١) هـ حيث كان يدرس في كلية الشريعة واللغة في الرياض، فإذا نزل إلى المدينة في الإجازة الصيفية درس وأكمل التفسير، استمر على ذلك إلى سنة (١٣٨١) هـ حيث صار الشيخ مدرساً في الجامعة الإسلامية. وكان يخص التفسير في وقت من الأوقات، في شهر رمضان من العصر إلى المغرب، ويُظهر فيه الأعاجيب فظهر علمه للناس، وكان يحرص على ربطه بالواقع ما وجد إلى ذلك فرصة، كربط تكشف النساء اليوم بفتنة إبليس لحواء في الجنة، في قوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٧] وقال: إن فتنة الجاهلية الأولى كانت أن يطوفوا بالبيت عرايا رجالاً ونساء. وهاهو الشيطان في هذا الزمان يستدرجهن في التكشف شيئاً فشيئاً، بدءاً بكشف الوجه ثم الرأس ثم الذراعين إلى آخر كلامه ﵀، ومن أراد أن يرجع إلى كلامه فعليه أن يقرأ أضواء البيان في تفسير هذه الآية، ووصل إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] فتكلم في القياس كلاماً عجيباً في إثباته، والرد على ابن حزم وغيرهم من نفاة القياس، فعرف الناس منزلة الشيخ وعلمه واجتمعوا عليه وكان درسه حافلاً وكانت له ثلاث مستويات في التفسير، في الشرح الإسهاب والتوسع في المسجد النبوي في شهر رمضان من كل عام، من العصر إلى قريب الغروب. الحالة الثانية: التوسط، وهذا كان في تدريسه في الفصل، والاقتضاب إذا رأى في آخر السنة أن الوقت قد ضاق والمنهج لم يكتمل، فإنه كان يختصره اختصاراً، تولى تدريس التفسير في دار العلوم في المدينة، عام (١٣٦٩) هـ إلى أن انتقل إلى الرياض عام [١٣٧١هـ] ودرس التفسير والأصول بالمعهد العلمي وكليتي الشريعة واللغة، وظل هناك عشر سنين استفاد منه من لا يُحصى في الدروس النظامية وغيرها. كان يتكلم في علم الأصول في الرياض الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ محمد خليل هراس رحمهما الله، فلما جاء الشنقيطي إلى الرياض سُلمت الراية إلى صاحبها، وحصلت المناظرات وعقدت المجالس، وكانت تلك المجالس حافلة جداً، لا شك أنه قد فاتنا الخير العظيم، نحن كلنا ما حضرنا هذا ولا رأيناه، فلا شك أن مثل تلك المجالس يتأسف الإنسان وبود كل واحد أنه حضر تلك المجالس. الشنقيطي ﵀ يتكلم في الأصول، لو أنك قلت بأنه لا يُعرف مثل الشنقيطي ﵀ في التفسير والأصول في هذا العصر -أقصد في هذا الزمن الذي نعيش فيه- لكان ذلك صحيحاً واضحاً، تفسير وأصول لا يُعلى على محمد الأمين الشنقيطي ﵀ يُسلم له بذلك، وكان الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد ناصر الدين الألباني يحضران مجلسه في التفسير في المسجد النبوي. وكان أيضاً يعقد له في صحن المعهد في الرياض بين المغرب والعشاء درس، وكلفه الشيخ محمد بن إبراهيم المفتي السابق ﵀ بتدريس أصول الفقه لكبار الطلبة، قال: هو أحق بذلك مني، فعقد درساً خاصاً لنجباء الطلاب بعد صلاة العصر، وأملى وشرح مراقي السعود، وحصل بعد فتح الجامعة الإسلامية عام (١٣٨١) للهجرة انتقال الشيخ إلى المدينة، ليدرس في الجامعة. وفي عام (١٣٨٦) للهجرة عندما افتتح معهد القضاء العالي بـ الرياض وكانت الطريقة استخدام الأساتذة الزائرين، كان من ضمن وأهم من يزور ذلك المعهد هو الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وصار الشنقيطي في لجان لأهل العلم تفتي في القضايا المعاصرة، وقد شهد له أهل العلم بحسن الإدارة، وبعد النظر في الأمور، وحسن التدبر للعواقب، ولما صارت بعض البعثات من الجامعة الإسلامية إلى بعض الدول الإسلامية، للدعوة والتعليم سافر الشنقيطي رحمه الله تعالى وكان لا شك فيه شوق إلى بلده، فذهب في رحلة من السودان انتهت في موريتانيا، موطن الشيخ، رافقه فيها عدد من أهل العلم، ويوجد الآن عشرة أشرطة تسجيل لدروس الشيخ في رحلة أفريقيا، عشرة أشرطة رحلة الشيخ إلى أفريقيا مسجلة وموجودة، ولا زالت محفوظة.
следующие страницы →