← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الشنقيطي يناقش مسألة الزواج بنية الطلاق ونزلوا على الحاج مكي في محطة فقابلهم بالبشر والترحاب، وأكرمهم فدعا له، قال: جزاه الله خيراً، ثم بعد ذلك جاءوا إلى بعض المراكز -يقتربون الآن من مراكز حدودية وتفتيش- قال: ومما سأله عنه أهل قرية الجنينة، تولية المسلم على المسلم إذا كانت صادرة من غير مسلم متغلب، هل هي منعقدة أم لا؟ -متغلب من هو مثلاً: فرنسي أو إنجليزي، إذا ولى مسلماً على مسلم ولاية، هل تنعقد الولاية؟ هل هي شرعاً صحيحة؟ - ومما سألونا عنه صلاة الجمعة في مسجد جديد بناه رجل من أهل البلد في جانب من جوانب البلد، هل يجوز لمن أراد صلاة الجمعة فيه أن يصليها فيه، أو يرسلهم يصلوا في الجامع الكبير الذي هو مسجد الجمعة العتيق؟ ومما سئلنا عنه: الغريب في بلد يريد التزوج فيه ونيته أنه إن أراد العودة لوطنه ترك الزوجة طالقاً في محلها، فهل تزوجه مع نية الفراق بعد مدة، يجعل نكاحه نكاح متعة، فيكون باطلاً أم لا؟ فالمسألة باختصار هل يجوز الزواج بنية الطلاق؟ بدون أن يشرط عليهم ذلك ولا يخبرهم ولا يكلمهم ولا يتفق معهم في العقد ولا شيء، شخص تزوج امرأة بنية أن يطلقها بعد مدة؟ قول جمهور العلماء الجواز، وأنها فرق بين هذا وبين نكاح المتعة، نكاح المتعة نكاح على أجل معلوم بين الزوجين يُذكر في العقد، وبانتهاء المدة ينتهي العقد، أما هذا نية حديثة في النفس غير مخبر عنها ولا متفق عليها ولا هي في العقد، ثم كما يقول الشيخ عبد العزيز في تبين رجحان الجواز، قال: قد يأتيه منها أولاد وقد يرغب فيها، وقد يمسكها ولا يطلقها، وأن الفراق ظني، فقول جمهور العلماء في هذه المسألة: الجواز. قال: ونزلنا الأبيض بعد ذلك، فنزلنا عند رجل اسمه محمد خير مكثنا في قرية الأبيض ليلتين وصاحبنا الذي نحن في ضيافته، يُرسل لنا في يومينا قبل المغرب قطعة من عصيدة الدخن عليها بعض الإدام، فمرة تركناها وأكلنا من زادنا، ومرة تناولناها، فتذكرت قول الشاعر: الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام تكثر حسرتي ووساوسي والموت سوى حين عدّل قسمه بين الخليفة والفقير البائس يقول: الجوع مطرود بالرغيف اليابس فلماذا أتحسر على طعام لا أشتهيه، أو على طعام ليس بجيد، الجوع يطرد بالرغيف اليابس.

стр. 1647

الشنقيطي في معهد أم درمان ثم ذكر بعد ذلك في الطريق أن بعض الأساتذة المدرسين في معهد أم درمان، وأثنى على أم درمان، وعلى معهد أم درمان، وعلى الطلاب الذين في هذا المعهد الديني، وقال: إنه سأله بعض الأساتذة أن يتكلم له على قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً﴾ [الرعد:٣١] ذكر الجواب في ثلاث صفحات. ثم سألونا عن وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء:١٦] وبينا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف:٢٨] وذكر في تفسيره أضواء البيان كلاماً رائعاً حول هذا، والقراءات في (آمرنا وأمّرنا، أمرنا) أن أمر أو أمِر في اللغة تأتي بمعنى الكثير أي: كثرناهم، ويستشهد بقول أبي سفيان: أمِر أمر ابن أبي كبشة أي: عظم وانتشر. ثم سألني بعض أذكياء الطلبة عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢] في معهد أم درمان سألوه عن تفسيرها، وعن قصة الغرانيق، فأجابهم في تسع صفحات. ثم سألوه عن تحقيق بيتين في ألفية ابن مالك، فأجابهم عن ذلك، وسألوه عن مسائل أخرى لغوية ونحوية، ذكرها ﵀ في كتابه الذي هو رحلة الحج، ثم سألنا بعض الطلبة: هل عثرنا على نص من كتاب أو سنة يُفهم منه وجود دولة لليهود في آخر الزمن؟ فأجاب ﵀ ما ملخصه: إن ذلك قد جاء بالإشارة أن بعض النصوص فيها إشارة إلى هذا، وهو قوله ﷺ : (تقاتلون اليهود) وأن المقاتلة على وزن مفاعلة، والمفاعلة لا بد أن تكون بين طرفين، هم طرف وأنتم طرف، وإذا كان هذا معنى ذلك أنه لا بد أن يكون هناك جيشان، وإذا كان هناك جيش فلا بد أن يكون هناك اجتماع ونظام وأمير لكل من الطرفين. فمعنى ذلك، قال: وفي هذا إشارة إلى أنه يكون لليهود دولة وقوة حتى يقاتلوا، هذا كله أخذه من أين؟ كل الكلام هذا من قوله ﷺ : (تقاتلون اليهود) وذكر أن فيها إشارة فعلاً إلى ذلك وأنه لا يصلح أن يقاتلونا وهم كما قال الله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً﴾ [الأعراف:١٦٨] أنهم مقطعين مشردين فلا بد أن يجتمعوا وتكون لهم قوة ويعملون جيشاً ثم يقاتلون، ولكن ستكون الغلبة في النهاية للمسلمين عليهم. وسأله بعض الطلاب عن الحديث الثابت في قتال الترك: (كأن وجوههم المجان المطرّقة) فما معنى هذا؟ ومن أين أخذ؟ وقال: لم تزل المذاكرة بينا وبين علماء معهد أم درمان الديني حتى جاء حديث الضيافة والإحسان إلى الضيف في قوله ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) ذكروا أن الشعراء ربما هجوا على عدم القِرة -أي: عندما يأتي ضيف فلا يجد أحداً يُضيفه- وذكرت لهم نبذاً من هجاء الشعراء -انظر العالم وميزة العالم، أن كل شيء يأتي تجد أن له فيه إسهاماً، من شعر أو قول فكانت هذه الملح في هذا- قال: وأنهم ربما هجوا على قلة المقدم إليهم، كما قال بعض الأدباء: أبو جعفر رجل عالم بما يصلح المعدة الفاسدة تخوف من تخمة أضيافه فعودهم أكلة واحدة فهذا من بخله، لكن الشاعر، يتندر عليه فيقول: هذا حريص على صحتنا، وعلى عدم تلبك معدتنا. ولما ذكرت لهم بهذه المناسبة بيتي الأديب أحمد بن عبد الله البوحسني الشنقيطي المعروف بالذئب، وقد استضاف أقواماً فلم يضيفوه، رفضوا أن يضيفوه: مات الغداء لدينا أهل ذا الأفق والخطب سهل إذا كان العشاء بقي ولست أحسبه يبقى وقد زعمت عوّاده أنه في آخر الرمق أي: أنهم سيأكلوا الآن العشاء والضيف يبقى بلا شيء، فضحكوا. ثم سألني صديق كبير ذو الشمائل الطيبة، أحد أساتذة المعهد المذكور الشيخ إبراهيم يعقوب فقال: أأنت شاعر أم لا؟ فقلت: أما بالجبلة والطبيعة فنعم، الشعر يجري في نفسي، وأما من حيث التوصل بالشعر إلى الأغراض والأكل به من الملوك والأمراء فلا، فألح عليّ أن أسمعه شيئاً كنت قلته من الشعر فيما مضى، فأخبرته أن عهدي ينسج القريض أيام الصبا، وأكثر ما جرى على لساني في عنفوان الشباب، وأني لما عزمت على ألا أقول شعراً قلت أبياتاً في ذلك مقتضاها أن مقاصد الشعراء ليست لي بمقاصد. المهم أنهم أصروا عليه فأسمعهم بعض الأبيات التي سبق أن نظمها، وسألوه عن آيات أيضاً من القرآن الكريم، ثم قال: لما عزمنا على السفر من أم درمان اجتمع بنا الأخ الفاضل محمد صالح الشنقيطي رئيس لجنة في السودان فأحسن إلينا وأكرمنا غاية الإكرام وجمع بيننا وبين السيد عبد الرحمن فعزيناه في ولد ولده كان متوفى عند ملاقاتنا، ففرح بلقائنا وأظهر لنا البشر والإكرام، وأهدى لنا هدية سنية، وشيعنا بسيارته الخاصة، وأخذ لنا ولجميع من معنا تذاكر السفر في القطار الحديدي؛ كي نسافر.

стр. 1648

الشنقيطي في أرض الحجاز سافرنا في العشر الأواخر من ذي القعدة من سنة (١٣٦٧) هـ متوجهين إلى سواكن، فبتنا دونها، وجئناها من الغد فنزلنا في خيم مبنية للحجاج، وأخذنا جوازات السفر إلى الحجاز، وما توصلنا إلى أخذها حتى تعبنا من الزحام في المركز لكثرة الحجاج المزدحمين لأخذ الجوازات، وكان بواب المركز يُدخل قبلنا كثيراً من أخلاط الناس من أسود وأحمر ونحن جئنا قبلهم، فذكرني ذلك قول عصام بن عبيد الزماني: أدخلت قبلي قوماً لم يكن لهم في الحق أن يدخلوا الأبواب قدّامي أي: هذه شغلة الواسطات، دخل ناس قبلنا ونحن واقفون، ثم بعد أن تحصلنا على أخذ الجوازات وبعد أن سلمنا الرسوم المقررة مكثنا في محل النظر في صحة الحجاج ثلاثة أيام، ثم ركبنا في السفينة متوجهين إلى جدة، فمكثت السفينة بنا يوماً وليلة في البحر، ثم نزلنا من الغد في جدة في بيت لآل جمجوم عمومي لنزول أهل قطرنا -أي: هذا البيت مخصص للشناقطة ينزلون فيه- فمكثنا ليلتين في جدة، ولم نجتمع بأحد من أهلنا، لكن اجتمعنا برجل سوداني موظف في بعض الشركات اسمه أحمد بكري، فأحسن إلينا وحملنا إلى مكة المكرمة بواسطة رجل طيب من موظفي إدارة الحج، فركبنا من جدة بعد صلاة المغرب، محرمين ملبين تلبية النبي ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، وكان إحرامنا بالحج مفرداً. الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان في سورة الحج، تكلم على أنواع النُسك، ونصر القول بالإفراد نصراً عظيماً وأتى له بالأدلة وحشدها حشداً يكاد القارئ له أن تزول قناعته باستحباب التمتع، ولكن مذهب جمهور أهل العلم كما هو معروف أن التمتع هو الأفضل لكن من أراد أن يَنظر في تقرير استحباب الإفراد فعليه بما كتبه الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان. وبعد ذلك نزل ﵀ في منى بجانب بعض الخيام، وسأله بعضهم عن مسائل متعلقة باللغة والشعر، وحصلت مباحثات أيضاً فقهية وغيرها، قال: ثم سافرنا من مكة المكرمة بعد أن اعتمرنا من التنعيم وطفنا وقت السفر طواف الوداع، ودعونا الله ألا يجعل ذلك آخر عهدنا ببيته الحرام، فبتنا ليلة في جدة، وتوجهنا إلى المدينة وركبنا في سيارة ومالكها معنا وهو يحفظ القرآن العظيم وعرض علينا في الطريق أجزاء عديدة من القرآن، أي: حفظاً، هذه قراءة العرض، ولا بأس بقراءته وحفظه، ووقفت بنا السيارة بعد المغرب في محطة اسمها ذُهْبَان، ثم مرت بنا على محطة اسمها: توَل هذه يسمونها الآن البادية، تول بإسكان التاء وغيرهم والحاضر يقولون تُول، ووقفت فيها قليلاً ثم سارت بنا إلى البلدة المعروفة رابغ وذكر قول الشاعر هنا: فلما أجزنا الميل من بطن رابغ بدت نارها قمراء للمتنور ولما أضاء الفجر عنّا بدت لنا ذرى النخل والقصر الذي دون عزور فإذاً هذا موضع آخر عزور هذا في الطريق، وكان كلما جاء إلى مكان، هو يراه لأول مرة، ولكن اسم المكان معروف عنده من شواهد العرب من قبل، فكل ما جاء على بلد وعلى مكان يتذكر ما قيل من الشعر في هذا المكان، قال: ووجدنا غالب الطعام الموجود فيها لحم السمك، وقال: ثم ذهبنا في تلك الليلة من رابغ بعد ظرف قليل من الزمن، صعدت بنا السيارة جبلاً عُبدت فيه الطريق للسيارات فقال لنا صاحب السيارة: هذا الجبل اسمه هرشى، فتذكرت قول الشاعر: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق وأخبرته أنه يُروى، وهذا السفر طبعاً يقطع بمنح وبأشياء وملح وطرائف، فأخبرتهم أنه يروى عن بدوي من الأعراب أنه قرأ سورة إذا زلزلت، وقرأ فيها فمن يعمل مثقال ذرة شراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، فقالوا له: قدمت المؤخر وأخرت المقدم، أي: الآية، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] الخير أولاً ثم الشر، فقال لهم: خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق قال هذا من جهله وجفائه. ثم عرّجنا آخر الليل بين جبال كثيرة وأخذنا هجعة لنستريح، فما استيقظنا حتى اتضح الصبح فتوضأنا، وصلينا الرغيبة وفرض الفجر وركبنا في محطات متعددة، وذكر بعض هذه المحطات إلى أن وصل أبيار علي، حصل للسيارة عائق إلى صلاة العشاء خلصت منه وتقدمت إلى المدينة، وصلوا المسجد النبوي وقد أغلقت أبوابه وانصرف الناس عنه كالعادة، فلم يُقدر لهم صلاة في تلك الليلة في المسجد النبوي. ثم نزلوا عند الشيخ محمد بن عبد الله بن آد، فتلقانا بالبشر والسرور ولم نُدرك ذلك اليوم صلاة الصبح مع الجماعة، لأننا لم نستيقظ من شدة تعب السفر حتى ضاق الوقت، فصلينا الرغيبة وفرض الصبح في محلنا لضيق الوقت، ولما ارتفعت الشمس وحل النفل -وصارت صلاة النفل جائزة- ذهبنا الحرم المدني.

стр. 1649

الشنقيطي يقيم نشاطاً دعوياً وعلمياً في السعودية هذه رحلة الشيخ ﵀ باختصار، والذي يقرأ الكتاب سيجد فيه الفوائد الكثيرة والعظيمة جداً، وحصل في خِلال إقامة الشيخ أشياء، ومن أهم الأشياء التي حصلت من أن الشيخ كان قد سمع دعايات عن الوهابية في بلده، فقد جاء إلى البلد هنا وعنده فكرة أنه سيواجه الآن أناساً من المنحرفين ومن المتعصبين -الوهابية فيهم وفيهم- مع أن الشيخ عقيدته صحيحة، لكن ليست عنده فكرة صحيحة عن الوهابية الذين أطلقت عنهم الدعايات في مواسم الحج وغيره من الضلال وعمموا بها على العالم الإسلامي، ومن ذلك بلد الشيخ. فتعامل بعض أهل علماء البلد معه بحكمة، وقُدم للشيخ كتاب المغني في أصل المذهب، وبعض كتب شيخ الإسلام، كمنهج العقيدة، فقرأها وتعددت اللقاءات مع علماء البلد، فوجد مذهباً معلوماً من مذاهب أهل السنة ومنهجاً سليماً في العقيدة، وقيل له: هذا الذي يُدَّرس، وهذا الذي عليه أهل العلم، فعند ذلك انكشفت القضية للشيخ، وعرف حقيقة الأمر واتضحت له القضية، وزيف الدعايات الباطلة وظهر معدن الحقيقة الصحيحة، وتوطدت العلاقات بينه وبين علماء هذه البلاد، وأعرب عن رغبته بالتفسير.

стр. 1650

تدريس الشنقيطي للتفسير واللغة فقال: ليس من عمل أعظم من تفسير كتاب الله في مسجد رسول الله ﷺ -هذه أمنيته- تحققت أمنية الشيخ وحقق الله مراده، وبلغه أمنيته، وأُقر له درس في المسجد النبوي وفسر القرآن فيه مرتين، وتوفي ولم يكمل المرة الثالثة، كان بداية الدرس في عام (١٣٦٩) هـ وعام (١٣٧٠هـ) على مدار العام، ثم صار مقتصراً على الإجازة الصيفية في عام (١٣٧١) هـ حيث كان يدرس في كلية الشريعة واللغة في الرياض، فإذا نزل إلى المدينة في الإجازة الصيفية درس وأكمل التفسير، استمر على ذلك إلى سنة (١٣٨١) هـ حيث صار الشيخ مدرساً في الجامعة الإسلامية. وكان يخص التفسير في وقت من الأوقات، في شهر رمضان من العصر إلى المغرب، ويُظهر فيه الأعاجيب فظهر علمه للناس، وكان يحرص على ربطه بالواقع ما وجد إلى ذلك فرصة، كربط تكشف النساء اليوم بفتنة إبليس لحواء في الجنة، في قوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٧] وقال: إن فتنة الجاهلية الأولى كانت أن يطوفوا بالبيت عرايا رجالاً ونساء. وهاهو الشيطان في هذا الزمان يستدرجهن في التكشف شيئاً فشيئاً، بدءاً بكشف الوجه ثم الرأس ثم الذراعين إلى آخر كلامه ﵀، ومن أراد أن يرجع إلى كلامه فعليه أن يقرأ أضواء البيان في تفسير هذه الآية، ووصل إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢] فتكلم في القياس كلاماً عجيباً في إثباته، والرد على ابن حزم وغيرهم من نفاة القياس، فعرف الناس منزلة الشيخ وعلمه واجتمعوا عليه وكان درسه حافلاً وكانت له ثلاث مستويات في التفسير، في الشرح الإسهاب والتوسع في المسجد النبوي في شهر رمضان من كل عام، من العصر إلى قريب الغروب. الحالة الثانية: التوسط، وهذا كان في تدريسه في الفصل، والاقتضاب إذا رأى في آخر السنة أن الوقت قد ضاق والمنهج لم يكتمل، فإنه كان يختصره اختصاراً، تولى تدريس التفسير في دار العلوم في المدينة، عام (١٣٦٩) هـ إلى أن انتقل إلى الرياض عام [١٣٧١هـ] ودرس التفسير والأصول بالمعهد العلمي وكليتي الشريعة واللغة، وظل هناك عشر سنين استفاد منه من لا يُحصى في الدروس النظامية وغيرها. كان يتكلم في علم الأصول في الرياض الشيخ عبد الرزاق عفيفي والشيخ محمد خليل هراس رحمهما الله، فلما جاء الشنقيطي إلى الرياض سُلمت الراية إلى صاحبها، وحصلت المناظرات وعقدت المجالس، وكانت تلك المجالس حافلة جداً، لا شك أنه قد فاتنا الخير العظيم، نحن كلنا ما حضرنا هذا ولا رأيناه، فلا شك أن مثل تلك المجالس يتأسف الإنسان وبود كل واحد أنه حضر تلك المجالس. الشنقيطي ﵀ يتكلم في الأصول، لو أنك قلت بأنه لا يُعرف مثل الشنقيطي ﵀ في التفسير والأصول في هذا العصر -أقصد في هذا الزمن الذي نعيش فيه- لكان ذلك صحيحاً واضحاً، تفسير وأصول لا يُعلى على محمد الأمين الشنقيطي ﵀ يُسلم له بذلك، وكان الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد ناصر الدين الألباني يحضران مجلسه في التفسير في المسجد النبوي. وكان أيضاً يعقد له في صحن المعهد في الرياض بين المغرب والعشاء درس، وكلفه الشيخ محمد بن إبراهيم المفتي السابق ﵀ بتدريس أصول الفقه لكبار الطلبة، قال: هو أحق بذلك مني، فعقد درساً خاصاً لنجباء الطلاب بعد صلاة العصر، وأملى وشرح مراقي السعود، وحصل بعد فتح الجامعة الإسلامية عام (١٣٨١) للهجرة انتقال الشيخ إلى المدينة، ليدرس في الجامعة. وفي عام (١٣٨٦) للهجرة عندما افتتح معهد القضاء العالي بـ الرياض وكانت الطريقة استخدام الأساتذة الزائرين، كان من ضمن وأهم من يزور ذلك المعهد هو الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، وصار الشنقيطي في لجان لأهل العلم تفتي في القضايا المعاصرة، وقد شهد له أهل العلم بحسن الإدارة، وبعد النظر في الأمور، وحسن التدبر للعواقب، ولما صارت بعض البعثات من الجامعة الإسلامية إلى بعض الدول الإسلامية، للدعوة والتعليم سافر الشنقيطي رحمه الله تعالى وكان لا شك فيه شوق إلى بلده، فذهب في رحلة من السودان انتهت في موريتانيا، موطن الشيخ، رافقه فيها عدد من أهل العلم، ويوجد الآن عشرة أشرطة تسجيل لدروس الشيخ في رحلة أفريقيا، عشرة أشرطة رحلة الشيخ إلى أفريقيا مسجلة وموجودة، ولا زالت محفوظة.

стр. 1651

الكتب التي ألفها الشنقيطي في بلاد الحرمين وألف الشيخ ﵀ في فترة إقامته في هذه البلاد، كتباً عظيمة جداً منها: أضواء البيان، منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، وحاول أن يرد عليه واحد اسمه عبد العظيم المطعني، ولكنه لا شك أن بين علمه وبين علم الشيخ بوناً شاسعاً، وكذلك فإن الشيخ ﵀ قد ألف كتابه العظيم دافع الإيهام والاضطراب عن آيات الكتاب، الذي بين فيه التوفيق بين الآيات والنصوص التي ظاهرها التعارض؛ لأن القرآن نزل من عند الحكيم العليم، العزيز الكريم، لا يمكن أن يكون فيه تعارض، فإذا ظهر التعارض فلنا نحن. فبين ﵀ أي آيات فيها تعارض، يظهر للشخص وما هو وجه إزالة هذا التعارض، وكذلك فإنه ﵀ كتب رحلة الحج إلى بيت الله الحرام (١٣٦٧) هـ موجود ومطبوع، ورسالة في النسخ، ورسالة لمنهج دراسات الأسماء والصفات الذي تم عرضه مسبقاً، وتفسير سورة الوقعة وخبر الآحاد، وحكم صلاة الجمعة في المسجد الجديد، الفوائد التي حصلت في رحلته، قد دونت أيضاً. وشرح على مراقي السعود لمبتغي الرقي والصعود، شرحه ﵀ شرحاً لا شك أنه شرح نفيس ومهم جداً لهذا الكتاب، وكذلك بيان الناسخ والمنسوخ من الآي والذكر الحكيم، وشرح على سلم الأخضري، ولعل الشيخ عبد العزيز قد أخذه عنه تلميذاً في هذا الفن. وكذلك فإن له رسائل متفرقة في التوحيد والوعظ وتحكيم الشرع، وأحوال الاجتماع بين المجتمع والاقتصاد، وكذلك تسلط الكفار على المسلمين، ومشكلة ضعف المسلمين، ومشكلة اختلاف القلوب بين المجتمع، وله محاضرات مطبوعة، منها: في تفنيد شبه حول الرق وحكم الصلاة في الطائرة، وبين صحة ذلك، وقال: أما بعد: فقد طلب مني بعض فضلاء إخواني أن أقيد لهم حروفاً تظهر بها صحة صلاة من صلى في الطائرة، فأجبناهم إلى ذلك. قلنا: لا شك أن الشيخ كان رحمه الله تعالى سلفي العقيدة، وأنه كان مقاوماً للشرك، ويظهر كلامه في مؤلفاته في رفضه للبدع الشركية والقبور والأضرحة، وتحقيق التوحيد يظهر لمن تأمل تفسيره رحمه الله تعالى، والرد على الصوفية في مسائل الإلهامات والخواطر، والزنادقة والرد عليهم كما في معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] والكلام في مسائل في العقيدة، لأهل الفرق فيها ضلالات، كنزول عيسى وعصمة الأنبياء وغير هذا كثير جداً.

стр. 1652

وفاة الشنقيطي وبعض الأبيات في رثائه لما حج الشيخ ﵀ في آخر عمره جاء للسعي يوم الحج الأكبر سعى شوطاً واحداً على قدميه، ثم أخذت له العربة، فحصل معه ضيق في التنفس من ذلك الشوط الذي طافه على قدميه، ثم تُوفي في اليوم السابع عشر من ذي الحجة، في عام: (١٣٩٣) للهجرة ضحى يوم الخميس، يقول غاسله الشيخ أحمد بن أحمد الشنقيطي وغسلته في بيته في مكة، بشارع المنصور، وصلى عليه الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في الحرم المكي مع من حضر من المسلمين ودفن بمقبرة المعلاة بريع الحجون بـ مكة، حرسها الله تعالى، وقد رثاه عدد من العلماء من طلابه ومحبيه، منهم ابن عمه الشيخ أحمد بن أحمد الجكني الشنقيطي، الذي يقول: أبكي الأمين وليتني من علمه ما عشت فزت بنيل كل بيان أبكي الأمين محمداً وإنني أبكي الأمين لشرعة القرآن من ذا يلومك إن بكيت مفوهاً سمح الخليقة من بني الإنسان إلى آخر الآبيات، وكذلك الشيخ محمد بن عبد الله بن أحمد المزيدي الجكني الشنقيطي رثاه بقصيدة مطلعها: نعى الأمين نعاة قد نعوا علما بحراً خضماً بموج العلم ملتطما أبكته أجيال علم حين عد له ريع الحجون مصيراً بعدما ختما ما كان يرغب في السكنى بذي بلد غير المدينة طابت مسكن الكرما فبنى بها وببيت الله دار سكناً فالخير فيما أراد الله منحتما ثم قال: من للنوازل مثل الشيخ إن نزلت أو للحوادث إن أدمت بنا كلْما أضواؤه كشفت أبعاد مطلبه والدفع يدفع ما في الوحي قد وهما البيت هذا فيه اسم كتابين وهما أضواء البيان، ودافع الإيهام والاضطراب. إن النصوص لها جرح به أثر قد كان يلئمه بالعلم فالتأما معروفه عرفت منه الأرامل ما يغني عن الذكر والمسكين والهما عز العلوم وطلاب العلوم ومن يعرض سؤال علوم أو أصولهما إلى آخر تلك القصيدة، ورثاه عدد من أهل العلم، منهم أيضاً الشيخ محمد بن مدين الشنقيطي بقوله: الله أكبر مات العلم والورع يا ليت ما قد مضى من ذاك يرتجع يبكي الكتاب كتاب الله غيبته كذا المدارس والآداب والجمع مفسر الذكر الحكيم وما من الحديث إلى المختار يرتفع أخلاقه الشهد ممزوجاً بماء صفا وما يغير طبعاً زانه طبع فهو الإمام الذي من غيره تبع له وهل يستوي المتبوع والتبع إذا ما بدا في الدرس تحسب فيضه على الناس صوب المدجنات السحائب كما قال في قصيدة أخرى، محمد الأمين محمد المختار ﵀.

стр. 1653

تواضع الشنقيطي وزهده وحسن أخلاقه أما بالنسبة لسمته وأخلاقه: الإمام أحمد ﵀ نقل عبارة: أصل العلم خشية الله، وبرؤية العالم يُعرف من شكله وسمته، وهكذا قال بعض من واجهوه، وكان من عنايته بالعلم يقول ابنه عنه: قال لي أبي: لا توجد آية في القرآن إلا درستها على حدة، وأخبرني وكذلك قال أحد تلاميذه: كل آية قال فيها الأقدمون شيئاً فهو عندي، هذا لم يتباه به في مجالس أمام الناس بل قاله لولده، وقاله لأحد أصحابه خاصةً، وكان يلهج دائماً بالوصية، يقول ولده: سألت أبي: ما الذي يطرد وساوس الشيطان؟ قال: التدبر في كتاب الله. وبهذه الوصية افتتح كتابه وبه ختمه، الوصية بتدبر القرآن، وفي قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] كلام طويل له ﵀ في هذا، وكان مُتبعاً للسنة، إذا عرف الدليل اتبعه، وكان يقول لبعض الحجاج والزوار من بلده، وكان أهل بلده مذهبهم مالكي، يقول: أنا المالكي لا أنتم، لأني آخذ بالدليل متبعاً في ذلك الإمام مالك ﵀ لا متعصباً له، ولما سأله بعض تلاميذه أن يدرسوا عليه، قال: ادرسوا عليّ البخاري ومسلماً، ما بين أهمية اعتماده على السنة وتمسكه بها، لكن منيته عاجلت فلم يتحقق تدريسه للبخاري ومسلم في ذلك الموقف. وكان يجلس في المجلس فيأتي الضيف ولا يشعر به، حتى ينبهه ابنه إلى قدوم الضيف، لانشغال فكره بتجميع شواهد من كتاب الله تعالى، ومنذ أن كان في بلده معروفاً بكثرة التأمل، والعالِم لا بد أن يتأمل، والتأمل شيء ضروري، يقول هو: جئت للشيخ لقراءتي عليه، فشرح لي كما كان يشرح ولكن لم يشفِ ما في نفسي على ما تعودت، ولم يروِ لي ظمئي -هذا كان وهو يطلب العلم- وقمت من عنده وأنا أجدني في حاجة إلى إزالة بعض اللبس، وكان الوقت ظهراً، فأخذت الكتب والمراجع فطالعت حتى العصر، فلم أفرغ من حاجتي، فعاودت حتى المغرب فلم انتهِ، فأوقد لي خادمي أعواداً من الحطب، أقرأ على ضوئها كعادة الطلاب، وواصلت المطالعة، وأتناول الشاي الأخضر كلما مللت أو كسلت، والخادم بجواري يوقد الضوء حتى انبثق الفجر وأنا في مجلسي لم أقم إلا لصلاة فرض أو تناول طعام، وإلى أن ارتفع النهار، وقد فرغت من درسي وزال عني لبسي، فتركت المطالعة ونمت. هي مسألة واحدة، هكذا جرى فيها من بعد درس شيخه إلى عصر اليوم التالي رحمه الله تعالى، درس فيها في الليل على ضوء المشاعل، وفي النهار في ضوء النهار، وكان ﵀ شديد التباعد عن الفتوى، وإذا اضطر يقول: لا أتحمل في ذمتي شيئاً، العلماء يقولون: كذا وكذا، وقال: إن الإنسان في عافية ما لم يبتل، والسؤال ابتلاء، لأنك تقول عن الله، أن الله حرم وحلل، ولا تدري أنك تصيب حكم الله أم لا، فما لم يكن عليه نص قاطع من كتاب الله وسنة الرسول ﷺ وجب التحفظ فيه، ويستشهد بقول الشاعر: إذا ما قتلت الشيء علماً فقل به ولا تقل الشيء الذي أنت جاهله فمن كان يهوى أن يرى متصدراً ويكره (لا أدري) أصيبت مقاتله وجاءه وفد من الكويت في آخر حياته فسألوه عن مسائل فقال: أجيبكم بكتاب الله، ثم جلس مستوفزاً فقال: الله أعلم، هذا الجواب. قال: أجيبكم بكتاب الله، ثم قال: الله أعلم، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦] لا أعلم فيها عن الله ولا رسوله ﷺ شيء، وكلام الناس لا أضعه في ذمتي، فلما ألحوا عليه، قالوا: فلان قال كذا -أي من العلماء- قال: وأنا لا أقول شيئاً.

стр. 1654

زهد الشنقيطي في الدنيا وكذلك فإنه كان زاهداً في الدنيا عفيفاً عنها، وقال: الذي يُفرحنا أنه لو كانت الدنيا ميتة، لأباح الله لنا منها سد الخُلة، وكان يأخذ من راتبه مصروف الشهر ويوزع الباقي، قال ابنه: كنت أتولى التوزيع على ضعاف طلبة العلم والعجائز الأرامل من القريبات، وكان يقول: والله لو عندي قوت يومي ما أخذت راتباً من الجامعة، ولكنني مضطر لا أعرف أشتغل بيدي، وكان يحذر ولده كثيراً من الدنيا، ويقول: الكفاف منها يكفي، وإن الشيطان ربما سول للإنسان جمعها ليتصدق بها وهو تلبيس، أي: الشيطان يقول: تاجر واربح لأجل أن تتصدق، ثم ينشغل الإنسان بالدنيا ولا يتصدق إلا بالنزر اليسير، وكان لا يُقرض الناس. يقول: إن كنت محتاجاً إلى ما عندي فلا أعطيه؛ لأني محتاج إليه، وإن كنت غير محتاج فأعطيه من غير قرض، هبة، أو صدقة، أو هدية، أما قرض لا يمكن. أصلاً ما عنده شيء يقرضه، يأخذ حاجته ويتصدق بالباقي، وكان لا يبعثر النقود بل يعطيهم شيئاً قليلاً تربية لهم، وقال مرة: أنا مختار وعبد الله لا أعطيهم مالاً؛ لأن الأموال تخرب الرجال، وبعض الناس قد يوزع على أولاده بالآلاف، ثم الولد يفسق ويفجر بها، ويرحل ويسافر بالحرام. وكان الريال والألف عنده سواء، قال: الريال الواحد والألف سواء، المهم أن يكون صرفها سليماً، وأهدي له بيت في الطائف فرده ولم يقبله، وقال: الذي بناه يحتاجه لنفسه أما أنا فلم أبنه ولا أحتاجه، وعندي بيت في المدينة يكفيني، وبيته بناء شعبي سقفها من خشب، وليس من حديد فيه دوران الأول أربع غرف فوق وتحت أربع غرف للطلبة، ويغص بالمغتربين، وكان يشرب من ماء الزير، ويجلس على الحصير، ويكتب في الدهليز ويطالع. ولم تبع كتبه في حياته، وقال: علم نتعب عليه ويباع وأنا حي، لا يمكن هذا، ولكن أنا أدفع وآخر يدفع المال، يقول: يأتي تاجر يطبع لي كتبي يوزعها وأنا مستعد، أما أن أبيع كتبي فلا، ويوزع للناس مجاناً وقال: أنا أعلم أنه سيصل إلى من لا يستحقه لكن سيصل أيضاً إلى من لا يستطيع الحصول عليه بالمال، أي: قيل له: اطبعها وضعها في المكتبات، فكان يرفض أن تباع كتبه، وكان لا يلتفت إلى المظهر حتى أن نعله ربما تكون ذات لونين، مرة يغلط يلبس نعالاً أخضر وآخر أحمر، ما كان يبالي بالدنيا إطلاقاً، ولا ينظر في نعال ولا في لباس رحمه الله تعالى. وقال لبعض طلابه: إني لا أعرف فئات العملة الورقية. لا يعرف أن يميز الخمسين من المائة من العشرة من عزوفه عن الدنيا واشتغاله بالعلم، وقال: جئت من شنقيط، جئت من البلاد ومعي كنز قل أن يوجد عند أحد وهو القناعة، ولو أردت المناصب لعرفت الطريق إليها، فإني لا أوثر الدنيا على الآخرة، ولا أبذل العلم لنيل المآرب الدنيوية. ولما حاول بعض طلابه أن يثنيه عن الحج؛ لأن صحته كان سقيمة في آخر عمره، قال: دع عنك المحاولة إن سفري إلى لندن أريد الشفاء بها، لا بد أن أكفر عنه بحج، قال لهم: أني سافرت إلى لندن للعلاج، هذه لا بد لها من تكفير، مع أنه سفر علاج، قال: تكفير لذلك الحج، ولا طالب بمرتب ولا بترفيع، ولا بمكافأة، ولا بعلاوة، ما جاءه من غير سؤال أخذه، ويوزع ما زاد عن حاجته ولم يخلف ديناراً ولا درهماً إطلاقاً. اتهموه منذ القديم أن رجلاً هجا رجلاً فأعطى المهجو أبيات يرد فيها على الهاجي، فقال: أنا أدخل بين رجلين نزغ الشيطان بينهما لا يمكن أن يكون، ودافع عن نفسه بقصيدة، قال فيها: وتمنعني من ذاك نفس عزيزة غلا سعرها في السوق يوم كساده تهاب الخنا والنقص في كل موطن وقلب يقويها بشدة آبه ولست بمن يغريه من جاء مغرياً ولا من يعادي الدهر من لم يعاده وإني لأكسو الخل حلة سندسٍ إذا ما كساني من ثياب حداده وكائن يغيظ المرء ظن حبيبه به السوء بعض الظن إثم فعاده وكائن أي: وكأين وكم عَادِ ظن السوء وإياك وظن السوء. وكانت المروءة شعاره، وكان يذهب مع ولد له إلى الحرم المدني في صلاة الظهر في حر الصيف في السيارة، يرجع وقد امتلأت السيارة طلبة وجيرانا، فيقول لولده: عيب أن تنزل أحداً قد ركب، اذهب أنت ماشياً، وبعض زوجاته تبكي عليه، لأنه كان في غاية المراعاة للزوجة، وكان يقول: هذه ضيفة، كلمة تخرجها من البيت (أنت طالق) ولذلك ما زال يبكي عليه أهله بعد وفاته ﵀.

стр. 1655

الشنقيطي كان رامياً بارعاً وكان من نوادره أيضاً: من الأشياء العجيبة أنه كان يحرص على الرماية، كان قناصاً لا يخطئ في الرمي، وتُوفي وعنده بندقية شوزن وساكتون، بندقيتان، وكان يصيد خارج حرم المدينة، لا يصيد في حرمها، وكأنه يستحضر قول النبي ﷺ : (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي) أثنى عليه العلماء، كالشيخ عبد العزيز بن باز، وحضر مجالسه وتتلمذ عليه، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، وقال عنه في سعة علومه مدحاً كثيراً، وغيره من أهل العلم، وكان الشيخ محمد بن إبراهيم يقوم له، وما قام لأحد من الباب ليودعه ويرجع، هذه كانت نبذة من سيرة الإمام العلم الكبير فقيد العلم بهذا الزمان، الذي لا يعرف الأكثرون اسمه فضلاً عن أن يقرءوا في كتبه. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1656

كلمة الإخلاص وتحقيق معناها لابن رجب هذه الرسالة على صغر حجمها إلا أنها عظيمة؛ وذلك لما احتوت عليه من كلام النبوة في التوحيد، وهي معينة لمن أراد معرفة حقيقة التوحيد والرجوع إلى طريق الحق. وقد لخص الشيخ هذه الرسالة وأتى فيها بما يدل على أهمية شهادة التوحيد، ليس في الدنيا فقط بل وفي الآخرة يوم يقوم الأشهاد، وبما يدل على فضائل هذه الكلمة في الدنيا والآخرة، وهذا بعد أن ذكر ترجمة جميلة للحافظ ابن رجب رحمه الله

стр. 1657

ترجمة ابن رجب الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فالرسالة التي سنستعرضها وإياكم في هذه الليلة بمشيئة الله تعالى هي: (كلمة الإخلاص وتحقيق معناها) للحافظ ابن رجب ﵀ . ونبذة عن الحافظ ابن رجب ﵀ قبل الشروع في هذه الرسالة:

стр. 1658

بداية نشأته هذا الحافظ الجليل قد عاش في القرن السابع الهجري، وكان وقت ملك دولة المماليك البحرية الذين استلموه بعد الدولة الأيوبية، وكانت ولايتهم على مصر والشام وساحل فلسطين والأردن والحجاز وبلاد الحرمين، ولا شك أنهم ورثوا مسئوليةً عظيمةً في الدفاع عن المسلمين أمام عدوين خطيرين جداً التتار والنصارى. وهم الذين أوقفوا زحف التتار إبان احتلالهم للعراق، وحصلت في عهدهم الوقائع التاريخية الفاصلة كمعركة عين جالوت سنة [٦٥٨هـ] والخزندار سنة [٦٩٩هـ] وشقحب سنة [٧٠٢هـ] وفي هذا الجو عاش الحافظ ابن رجب ﵀. وكان كذلك هناك من أعداء الإسلام الكسرويين الباطنية والدروز في جبال غرب الشام، وكان الحافظ ابن رجب ﵀ من الذين لم يحرصوا على تولي الولايات والمناصب، وكان مشهوراً بالزهد مع كون المناصب موجودة في دولة المماليك تلك إلا أنه ﵀ كان عزوفاً عما في أيدي الناس غير مشتغلٍ بالرياسة، ولكنه في ذلك الوقت كان مطلعاً على ما يدور في عصره، وهو قد ذكر في تقسيم الناس أن بعضهم من المشتغلين بالذكر كانوا ملازمين للذكر بحيث يشغلهم ذلك عن مصالحهم المباحة، وينقطعون عن الخلق. ثم ذكر قسماً ثانياً ممن يذكر الله ويستحضر ذكره وعظمته وثوابه وعقابه، ويدخل في مصالح دنياه من اكتساب الحلال، والقيام على العيال، ويخالط الخلق فيما يُوصل إليهم به النفع مما هو عبادةٌ في نفسه، كتعليم العلم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهؤلاء أشرف القسمين وهم خلفاء الرسل، لعله رحمه الله تعالى كان من هذا القسم الذين قال فيهم النبي ﷺ : (الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم). وكان رحمه الله تعالى قد عاش في دمشق الفترة العظمى من عمره، وكان فيها العلم منتشراً، وكان العلماء كثرة، والمدارس الشامية في تلك البلد متعددة، وكان العلم يُدرس في الجامع الأموي بـ دمشق، وجامع الجراحين في الباب الصغير، وجامع الحنابلة في الجبل، وجامع النحاس في صالحية دمشق، وجامع باب المصلى، وغير ذلك، وكانت المدارس أيضاً منتشرةً والأوقاف محبسةً عليها لكي تدر مقابلاً يعيش منه أهلها، ومن تلك المدارس أو دور الحديث المشهورة: المدرسة الأشرفية، وكذلك دار الحديث السكرية بالقصاعين، وكان القيم عليها عبد الحليم ابن تيمية والد شيخ الإسلام، وتولى شيخ الإسلام بعده، وبعده تولى الحافظ الذهبي ﵀، وقد سكن ابن رجب ﵀ في هذه المدرسة بالذات ودرس فيها الفقه والحديث. ومن المدارس المشهورة في ذلك الوقت أيضاً المدرسة الجوزية التي أنشأ لها الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ودرس فيها آل ابن قدامة المقادسة والمرداوي وابن مفلح، وهذه البيئة التي عاش فيها ﵀ كان فيها انتشار للمذاهب الأربعة وفقهائها، وكانت السيطرة فيها للأشاعرة من جهة المعتقد، ولكن كان هناك مواجهة بينهم وبين أتباع السلف الذين كثيرٌ منهم على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. والأربطة كانت موجودة في ذلك الوقت وهي مأوى الفقراء وطلبة العلم، وكان الإمام ابن رجب ﵀ ممن عاش في تلك الأربطة. أما اسمه فهو: الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، ورجب اسمه عبد الرحمن، من أجداد الحافظ ﵀، وسمي برجب، لأنه ولد في شهر رجب، ابن الحسن السلامي البغدادي الدمشقي الشامي موطناً والحنبلي مذهباً، والسلفي معتقداً، المشهور بـ: ابن رجب ﵀، فرجب إذاً هو أحد أجداد الحافظ الذين تحدثوا عنه. إذاً: اسم مؤلف: كلمة الإخلاص وجامع العلوم والحكم، أو لطائف المعارف أو فتح الباري لابن رجب: عبد الرحمن. إذاً: العالم الذي نتحدث عنه اسمه عبد الرحمن، وأحد أجداده اسمه عبد الرحمن ولقب برجب ونسب الحافظ إليه، فيقال: ابن رجب، أما لقبه، فهو زين الدين، وأما كنيته، فهي أبو الفرج، ويشترك في ذلك مع أبي الفرج ابن الجوزي ﵀، وكذلك الشيخ/ عبد الواحد بن محمد الشيرازي إمام مذهب الحنابلة في الشام، كل هؤلاء الثلاثة كنيتهم (أبو الفرج) ولا يشترط أن يكون له ولد بهذا الاسم، لأن العرب كانت تسابق بالكنية الحسنة حتى لا يُوضع للشخص كنية سيئة ويلقب بلقب سيئ، وهذا من فوائد التكنية عند المسلمين، ومن فوائدها كذلك إظهار الميل إلى الرجولة عند الأطفال كما كان النبي ﷺ يلقب أخا أنس بن مالك الصغير بـ أبي عمير.

стр. 1659

رحلته في طلب العلم ولد الحافظ ابن رجب ﵀ سنة (٧٣٦) هـ على الراجح في بغداد، وصرح بأنه سمع من شيوخ بغداد وهو صغير، وتوفي رحمه الله تعالى سنة (٧٩٥) هـ بـ دمشق، وعلى ذلك يكون قد عمر نحواً من ستين سنة، وقد قال النبي ﷺ : (أعمار أمتي بين الستين والسبعين) دُفن بمقبرة الباب الصغير بجوار قبر إمام المذهب في الشام عبد الواحد الشيرازي، وكان في وفاته عبرة، فقال العالم: ابن نصر الدين، ولقد حدثني من حفر لحد ابن رجب -حفار القبور- أن الشيخ زين الدين ابن رجب جاءه قبل أن يموت بأيام، فقال لي: احفر لي هنا لحداً، وأشار إلى البقعة التي دفن فيها، قال: فحفرت له، فلما فرغت، نزل في القبر واضطجع فيه، فأعجبه، وقال: هذا جيد، قال الحفار: فو الله ما شعرت بعد أيام إلا وقد أتي به محمولاً في نعشه، فوضعته في ذلك اللحد وواريته فيه. فهو لما أحس بدنو أجله ﵀، أمر الحفار أن يحفر له ذلك القبر الذي دُفن فيه، وقال ابن عبد الهادي ﵀: أنه وجد في هامش كتاب القواعد الفقهية لابن رجب أنه قال عند خروج روحه ثلاثين مرة: يا الله العفو. الأسرة التي عاش فيها الحافظ ابن رجب كانت أسرة علم، وجده عبد الرحمن رجب بن الحسن السلامي من علماء بغداد، ثم انتقل مع أهله في آخر حياته إلى دمشق. ويقول ابن رجب: قرأت على جد أبي أحمد بن رجب بن الحسن غير مرة في بغداد وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة، أي: من عمره، لما كان عمره ثلاث سنوات وأربع سنوات وخمس سنوات. وقرأ أيضاً على أبيه وهو أحمد بن رجب ﵀، وقد رحل به أبوه من بغداد إلى دمشق بعد وفاة الجد، فسكنوا دمشق، وكانت للأب رحلات مع ولده الحافظ عبد الرحمن إلى دمشق والقدس من قبل، وأسمعه فيها من المشايخ، ومات أبوه سنة [٧٧٤هـ] وبذلك يكون الابن قد تتلمذ على أبيه وعلى جده، فكانت بيئةً صالحةً نهل منها الحافظ ابن رجب ﵀. ومما يدل على ذلك أنه في صغره كان يحضر الدروس وأنه قال عن درس حضره وعمره خمس سنين وكان لا يفقهه جيداً، ولكنه حضر؛ وذكر في ترجمة شيخه أبي عبد الله محمد المؤذن الوراق أنه حضر عليه وعمره أربع سنوات قراءة كتاب النكاح من صحيح البخاري بكامله. وكذلك حضر قراءة على شيخه الربيع علي بن عبد الصمد البغدادي هو في الخامسة من عمره. فإذاً لا عجب أن تكون هذه الشخصية التي طلبت العلم في هذه المرحلة المبكرة من السن شخصيةً نابغةً، شبَّ في طلب العلم، ورحل مع والده، وحصل السماعات، وسمع ابن القطيعي وأجازه وهو متوفى سنة [٧٣٩هـ] ولقي في دمشق الحافظ أبا القاسم البرزالي وهو قرين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأجاز ابن رجب. ورحل إلى دمشق وسمع فيها، ومصر، ونابلس، والقدس، وفي عام [٧٤٩هـ] سافر إلى الحج مع والده، وكان قد سمع قبل تلك الرحلة ثلاثيات البخاري بالسند على عمر بن علي البغدادي سنة [٧٤٩هـ] بـ بغداد بالحلة اليزيدية. ومن أشهر شيوخ الحافظ ابن رجب ﵀ على الإطلاق هو: الإمام العلم ابن القيم أبو عبد الله الذي لازمه ابن رجب أكثر من سنة، وسمع منه كتابه العقيدة النونية، المسماة: (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)، وكان يثني على ابن القيم جداً، فإنه قد ذكر في ذيل طبقات الحنابلة في ترجمة ابن القيم، قلت: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار والافتقار إلى الله، والانكسار له والانطراح بين يديه، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله، وقد امتحن وأوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين -أي: ابن تيمية - في المرة الأخيرة بالقلعة منفرداً عنه، ولم يُفرج عنه إلا بعد موت الشيخ إلى آخر الكلام. توفي ابن القيم ﵀ سنة [٧٥١هـ] وكان عمر ابن رجب تقريباً [١٥سنة]. إذاً لازم ابن القيم في أوائل شبابه، ولا شك أنها فرصة عظيمة للتأثر من ابن القيم ﵀ في الإيمان والعلم، وقد قرأ عليه مختصر الخرقي من حفظه، وسمع منه أجزاء كثيرة من مصنفاته. فإذاً ابن رجب تلقائياً ينتمي إلى مدرسة ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من السلفيين في ذلك الوقت رحمهم الله تعالى، لكن ابن رجب ﵀ عُني عناية خاصة بالحديث، واستفاد من مدرسة المحدثين من طبقة الحافظ جمال الدين المزي وتلامذته الإمام الذهبي وابن الخباز، ولذلك انصبغ ابن رجب ﵀ بصبغة حديثية، واجتمعت له العقيدة السلفية والمذهب الحنبلي في الفقه مع غيره بطبيعة الحال والاهتمام بالحديث، ولذلك كان شخصاً مثالياً.

стр. 1660

بداية تدريسه لما بلغ مبلغاً من العلم ينتفع به غيره في نظره، تصدر للتدريس، وتولى حلقة الثلاثاء التي كان يقوم بها شيخه ابن قاضي الجبل، تولاها بعد وفاته سنة [٧٧١هـ] وكانت حلقة مشهورة يحضرها أناس كثيرون، ودرس في المدرسة الحنبلية وهي قرب الجامع الأموي، وكذلك في مدرسة تربة الصالحين. تميزت دروس ابن رجب ﵀ بالشمولية بالفقه والحديث وعلوم السنة، وأفتى بفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكان فيه ميزة مهمة جداً وهي: القدرة على الوعظ وتحريك القلوب. أن تجد بعض العلماء قد يُعلم، لكن في تعليمه شيء من الجفاف، ابن رجب ﵀ امتاز مع علمه بوعظه، فقيل في صفة جلسته الوعظية: كانت مجالس تذكيره للقلوب صارعة، وللناس عامة مباركة نافعة، أجمعت الفرق عليه، ومالت القلوب إليه، وواضح جداً تأثر ابن رجب في الوعظ بـ أبي الفرج ابن الجوزي، فإنه يقتبس كثيراً من كلامه، وابن قيم الجوزية رحمهم الله تعالى. خلّف ابن رجب طلبة مشهورين صاروا علماء منهم: الشيخ علي بن محمد البعلي المشهور بـ ابن اللحام صاحب كتاب القواعد الأصولية في المسائل، والأخبار العلمية الفقهية في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية. وكذلك الشيخ عمر بن أحمد بن الملقن والذي بلغت مؤلفاته نحواً من ثلاثمائة، وهو من شيوخ ابن حجر العسقلاني. إذاً ابن رجب من طبقة شيوخ ابن حجر العسقلاني، وكذلك من تلاميذه: أبو ذر عبد الرحمن بن محمد المصري الحنبلي المعروف بـ الزركشي، وكذلك شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي النابلسي.

стр. 1661

زهده في الدنيا بالإضافة إلى ما خلف من التلاميذ فإنه قد خلف سيرةً معطرةً بالزهد والورع، فعزف عن المناصب والولايات، والأشياء التي تولاها تدريسية خيرية، ولم يتولَّ قضاءً، ولم يتولَّ رئاسةً، وكان عزوفاً عن السلاطين، والدخول عليهم والطلب منهم، وهذه مشابهة واضحة لسيرة الإمام أحمد ﵀ في زهده وعزوفه عن الدنيا. والغالب على أكثر أصحاب أحمد العفة والزهادة والنظافة، ومن أسباب عدم انتشار مذهب الحنابلة بشكل كبير: أن كثيراً من فقهاء الحنابلة أخذوا بطريقة أحمد ﵀ في الزهد والبعد عن الرئاسات، ولا شك أن انتشار المذهب في كثير من الأحيان يُعزى إلى تبوء مناصب ورئاسات، فإذا كان كبير القضاة شافعياً، عين القضاة الشافعية، وإذا كان له مكانة عند السلطان، رتب في المساجد أو المدارس أئمة أو علماء من مذهبه، فانتشر المذهب وحملت كتبه ونسخت، وسارت في الأمصار بأمر السلطان، لكن الكثير من الحنابلة كانوا على مذهب إمامهم ﵀ الإمام أحمد في البعد عن الولايات والرئاسات، كانوا يسكنون في المدارس والأوقاف والأربطة، ويكتفون من الدنيا بالقليل، ولكن مع ذلك قد خلفوا علماً عظيماً والحمد لله أن الله نشر فقههم وعلمهم، ولا زالت كتبهم مراجع أساسية لدى كثير من الباحثين. فـ ابن رجب ﵀ بناءً على تأثره بطريقة الإمام أحمد تقتضي أن يكون صاحب عبادة كبيرة، خصوصاً أنه تخرج على يد عباد مثل: ابن القيم ﵀، ولذلك كان ابن رجب ﵀ قواماً لليل، صاحب عبادة وتهجد ومرتبة في العمل والأذكار والأدعية، وأعمال القلوب، وكان يرجى له الإخلاص في أقواله وأعماله إن شاء الله. من ورعه ما حكاه تلميذه ابن اللحام، قال: ذكر لنا مرة الشيخ -أي: ابن رجب - مسألةً فأطنب فيها، فعجبت في ذلك ومن إتقانه لها، فوقعت بعد ذلك بمحبر من أرباب المذاهب وغيرهم، فلم يتكلم فيها الكلمة الواحدة. هو قد شرح لهم المسألة شرحاً مفصلاً مسهباً واسعاً في أحد الدروس، لما جاء ابن رجب ومعه طبعاً تلميذه ابن اللحام والتلميذ يتعلم التواضع من الشيخ، ويتعلم أشياء كثيرة، حضروا بمحضر من أرباب المذاهب، ما تكلم ابن رجب ولا بكلمة، مع أن المسألة قد طرحت هي بذاتها. فلما قام قلت له: أليس قد كلمت فيها بذلك الكلام؟ قال: إنما أتكلم بما أرجو ثوابه، وقد خفت الكلام في هذا المجلس، أي: أن يكون لا لله، ويكون فيه رياء، أو حب لإظهار ما عندي، ولذلك صمت ولم يتكلم بكلمة واحدة، وكان يحفظ كثيراً من سير أعلام السلف، ويسير على منوالهم، وسكن المدرسة السكرية بالقصاعين في دمشق، وكان فقيراً متعففاً غنياً عن الناس رحمه الله تعالى. لا شك أن ابن رجب ﵀ ممن مُدحوا من قبل العلماء، فيقول ابن اللحام: سيدنا وشيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد الحافظ شيخ الإسلام مُحل المشكلات وموضح المبهمات إلى آخر ما مدحه به، وهو مستحقٌ لذلك.

стр. 1662

عقيدته السلفية ومهارته في العلوم لكن من الأشياء المهمة جداً في ابن رجب ﵀ عقيدته السلفية، نظراً لأن السالكين لسبيل تلك العقيدة في ذلك الزمان لم يكونوا هم المسيطرين على الأمور، لأن الغلبة كما قلنا كانت لمذهب الأشاعرة، ولكنهم كافحوا في سبيل تقرير العقيدة السليمة والدفاع عنها مكافحة عظيمة. فنرى في كتب ابن رجب ﵀ الخط الواضح الأصيل للعقيدة السلفية في الأبواب المختلفة، فمثلاً في الأسماء والصفات يقول: والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت لا تكييف، ولا تمثيل إلى آخره. وكذلك في مسألة الرجوع إلى الكتاب والسنة، قال: العلم النافع من هذه العلوم ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والزهد والرقائق والمعارف وغير ذلك، فهو إذاً يضع في رأس العلوم تفسير القرآن ومعاني الحديث، والحلال والحرام، وهذا قمة ما يمكن أن يطمح إليه طالب العلم الشرعي الذي يسير على الطريقة السلفية. ولأنها تمثل عقيدة أهل السنة والجماعة نقل عنه أهل السنة والجماعة، فلذلك تجد كثيراً من أئمة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ينقلون عن ابن رجب كما ينقلون عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والحافظ لم يكن حنبلياً صرفاً، وإنما كان له اطلاع على المذاهب، وكان له إتقان خاص بمذهب الإمام أحمد ﵀ يتابعه من غير تَشَهٍ ولا هوى. وكتاب القواعد الفقهية لـ ابن رجب خير مثال على سعة فقه الرجل وعلمه، وهذه القواعد الكثيرة التي وضعها في هذا المجلد النافع الكبير الذي عُد من عجائب الدهر؛ حتى إن بعض المنتسبين إلى العلم استكثروا على ابن رجب كتاب القواعد، قالوا: هذا ليس من تأليفه، حتى زعم بعضهم إنما وجد قواعد مبددة لـ ابن تيمية ﵀، فجمعها ونسبها لنفسه، يقول ابن عبد الهادي رداً عن هذه الفرية: ليس الأمر كذلك، بل كان ﵀ فوق ذلك. من كتبه المشهورة: كتابه الحافل ذيل طبقات الحنابلة الذي ذيل به على طبقات الحنابلة لـ أبي يعلى، وأكمله وفيه فوائد فقهية وحديثية وعقدية ولغوية غير المعلومات التاريخية التي سطرها ﵀. وكذلك فإنه حصل له باعٌ كبيرٌ في علم الحديث كما قلنا، ورافق زين الدين العراقي في السماع، ومهر في فنون الحديث أسماءً ورجالاً وعللاً وطرقاً واطلاعاً على معانيه، وأتقن الفن، وصار أعرف أهل عصره بالعلل وتتبع الطرق كما يقول ابن حجر ﵀ مادحاً ابن رجب. من أشهر الآثار التي تركها ابن رجب وهي دالةً على سعة اطلاعه في الحديث كتابه العظيم فتح الباري في شرح صحيح البخاري، لكن اخترمته المنية قبل أن يتمه، ومن العجائب أنه توقف فيه، مات وهو يشرح في كتاب الجنائز من صحيح البخاري، تلقف ابن حجر ﵀ اسم كتاب ابن رجب وسمى كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وأتى بالكتاب كاملاً، فالقطعة الموجودة من كتاب ابن رجب فتح الباري في شرح صحيح البخاري شرحٌ نفيسٌ أتى فيه بالعجائب. وكذلك كتاب جامع العلوم والحكم الذي شرح فيه الأربعين النووية شرحاً متقناً، وله على جامع الترمذي شرحٌ كبيرٌ يقع في عشرين مجلداً، وقد أجاد فيه، ولكن هذا الكتاب مع الأسف احترق في دمشق خلال إحدى الفتن التي وقعت فيها، ولم يبق منه سوى وريقات، لكن بقي كتاب اسمه شرح علل الترمذي، شرحه ابن رجب وهو مطبوع في مجلدين، ويظهر فيه سعة علم هذا الرجل، لأن الكلام في العلل لا يُحسنه كل أحد، قمة علماء الحديث هم الذين يتكلمون في العلل، العلل يتلكم فيها الدارقطني، يتكلم فيها الإمام أحمد ﵀، أو البخاري، يتكلم فيها طبقة معينة من علماء الحديث. علم العلل يحسنه طبقة خاصة من الناس وذلك واضح جداً من كتاب ابن رجب في شرح علل الترمذي وأنه أحد هؤلاء، حصلت له محنة في آخر حياته نتيجة إفتائه بفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقام عليه أعداء شيخ الإسلام ابن تيمية، وثربوا عليه وعابوه، وحصل لهم عليه منافرة وشغب مما جعله يمتنع عن الإفتاء بهذه الفتاوى مما سبب له في المقابل شيئاً من عتب التيميين، لكنه ﵀ لعله أراد البعد عن الإشكالات خصوصاً أنه لم يكن صاحب مهاترات وصراعات ودخول في نقاشات تقسي القلب، ولذلك فإنه في آخر عمره آثر شيئاً من الانعزال توفي بعده ﵀. الحافظ ابن رجب له عبارات صوفية، لعل نشأته في بعض الأربطة والأوقاف التي كان يغشاها الصوفية ربما يكون لها أثر في اقتباسه لبعض العبارات، لكنه لم يكن صاحب شطحات وخرافات، لكن في كلامه تأثر ببعض عباراتهم، وعندما ينقل عن بعضهم كـ ذي النون المصري والبسطامي وبشر الحافي ورابعة العدوية ونحوهم، فإنه لا ينقل الأقوال الباطلة والعقائد المنحرفة، وإنما يختار من كلامهم، ويختار من كلام أئمة التصوف ما هو موافق للكتاب والسنة، كقول أبي سليمان: إنه لتمر بي النكتة من نكت القوم، فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين الكتاب والسنة. وقول الجنيد وكان من أئمة الصوفية: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، من لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقتدى به في علمنا هذا وهكذا. لكن الرجل بشر، ووقوع الخطأ منه متصور، ولذلك يمكن أن يكون في بعض عبارات ابن رجب كلمات صوفية لا تُرتضى، أو لا تُقر، فإنما تُحمل على أحسن المحامل، ولو كانت خطأ يقال هي خطأ، ولا إشكال في ذلك، لكن الرجل فيه رقة في أسلوبه لعله أخذ من ابن القيم ﵀ أشياء من هذا، حتى إن بعض عبارات ابن رجب لو قرأتها بدون أن تعرف من الذي قالها، لربما أنك تعزوها لـ ابن القيم ﵀، كما قال ابن رجب في كتاب استنشاق نسم الأنس: الحمد لله الذي فتح قلوب أحبائه من فج محبته، وشرح صدور أوليائه بنور معرفته، فأشرق عليهم النور ولاح، أحياهم بين رجائه وخشيته، وغذاهم بولايته ومحبته، عمَّا هم فيه من السرور والأفراح، فسبحان من ذِكره قوت القلوب، وقرة العيون، وسرور النفوس، وروح الحياة، وحياة الأرواح.

стр. 1663

مؤلفات ابن رجب لقد ترك الحافظ ابن رجب ﵀ مؤلفات كثيرة جداً مثل: أحكام الخواتيم، واختيار الأولى في شرح اختصام الملأ الأعلى، وكتاب الخراج، واستنشاق نسيم الأنس من نفحات رياض القدس وأهوال القبور وأحوال أهلها إلى دار النشور، والبشارة العظمى للمؤمن بأن حظه من النار حمى، وتحقيق كلمة الإخلاص، وهو الذي سنتحدث عنه إن شاء الله، وقد يكون له أسماء أخرى من كتاب التوحيد أو شرح معنى لا إله إلا الله، وكذلك له كتاب في تعليق الطلاق بالولادة، والتخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، وتسلية نفوس الآباء والرجال عند فقد الأطفال، وتفسير سورة الإخلاص وسورة الفلق وسورة النصر، كلها في أجزاء منفصلة، وكتاب جامع العلوم والحكم، والحكم الجديرة بالإذاعة من قوله ﷺ : بعثت بالسيف بين يدي الساعة، والخشوع في الصلاة وهو من أشهر كتيباته أو رسائله الصغيرة، ويُسمى الذل والانكسار للعزيز الجبار، وله كتاب مخطوط ذم قسوة القلوب وذيل طبقات الحنابلة في التاريخ، وسيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، هذا الشاب الذي تُوفي وعمره واحد وعشرون سنة، ابن رجب ﵀ خصص له رسالة خاصة مع كتاب آخر في مختصر سيرة عمر بن عبد العزيز. وشرح حديث أبي الدرداء في طلب العلم، وكذلك أحاديث أخرى متفرقة مثل: (ما ذئبان جائعان) (ويتبع الميت ثلاثة) وغير ذلك، وله كتاب نزهة الأسماع في مسألة السماع في إبطال سماع الغناء، وشرح علل الترمذي في المصطلح، وفتح الباري شرح صحيح البخاري المشار إليه سابقاً، وكتاب الفرق بين النصيحة والتعيير، وصدقة السر وفضلها، وكتاب مهم جداً فضل علم السلف على علم الخلف. وكذلك كتاب القواعد الفقهية، أو قواعد الفقه الإسلامي، وهو من أقوى كتب ابن رجب الفقهية على الإطلاق، وكشف الكربة في وصف حال أهل الغربة، ولطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف، كتاب مهم جداً ينبغي ألا يستغني عنه أي خطيب أو واعظ، وكذلك المحجة في سير الدلجة ونور الاقتباس من مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس. وكذلك قطعة من شرح جامع الترمذي الذي ذهب في الحريق كما تقدم، وله عدة كتب أخرى أيضاً. هذا شيءٌ من تاريخ هذا العلم والإمام الذي ذهب إلى ربه ﵀ .

стр. 1664

أحاديث الشهادة والمقصود بجزاء قائلها أما بالنسبة لكتاب كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، فإن أهمية هذا الكتاب تنبع من أنه يُوضح معنى شهادة لا إله إلا الله، لأن هذه الكلمة التي خفي معناها على الكثيرين، وجعلها بعضهم وسيلة لدخول الجنة بلا تعب، يقولها كلمات دون أن يعقل معناها، أو يعمل بمقتضاها، أو يوفيها حقها، أو يقوم بشروطها، فأراد ابن رجب ﵀ أن يبين عِظم هذه الكلمات، وأن مفتاح الإسلام لا إله إلا الله هذه عبارة عظيمة جامعة لها معاني وفيها شروط ينبغي أن تحقق وأن تطبق، استهلها بعد البسملة بقوله: خرّج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أنس ﵁، قال: (كان النبي ﷺ ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل -ولذلك أحياناً يطلق على هذه الرسالة شرح حديث معاذ - فقال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: ما من عبدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار قال: يا رسول الله ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً). وكذلك جاء في الصحيحين عن عتبان بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) وكذلك حديث: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما، فيحجب عن الجنة). وكذلك في الصحيحين عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، -يقول أبو ذر - قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق، قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: وإن زنا وإن سرق ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر، فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر). وكذلك حديث عبادة بن الصامت في صحيح مسلم أنه قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حرمه الله على النار) وفي رواية: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) رواه مسلم. الآن نأتي إلى قضية ما معنى هذه الأحاديث التي فيها أن قول: لا إله إلا الله يدخل الجنة وينجي من النار؟ هل المقصود هو قول هذه الكلمة فقط كما يفهمه كثير من العامة أنك إذا قلت الكلمة دخلت الجنة بمجرد القول، وتنجو من النار؟ وإذا احتججت على بعضهم، أو ناقشته في معاصيه، أو في فسق فلان وفجوره، أو في كفر فلان، قال: هذا يقول لا إله إلا الله، ومن قال: لا إله إلا الله دخل الجنة. فما هو الكلام في مسألة التلفظ بالشهادتين، ما حقيقة هذا التلفظ؟ وكيف ينبغي أن يُنظر في الأحاديث هذه التي ساق ابن رجب ﵀ طرفاً منها؟ قال: وأحاديث هذا الباب نوعان: أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها، وهذا ظاهر. يقول: هذا لا إشكال فيه، فإن النار لا يخلد فيها أحدٌ من أهل التوحيد الخالص، وقد يدخل الجنة ولا يحجب عنها إذا طُهر من ذنوبه في النار. إذاً أولاً: من قال: لا إله إلا الله، ليس قوله مانعاً من دخوله النار، لكن يدخل الجنة بعد التطهير، وحديث أبي ذر وما في معناه وإن زنا وإن سرق، وإن زنا وإن سرق، ليس معناه أن من قال: إلا إله إلا الله دخل الجنة بدون عذاب وإن زنا وإن سرق، وإن زنا وإن سرق، وإن زنا وإن سرق، لا، وإنما معناه أن الموحد وإن زنا وإن سرق سيكون مصيره في النهاية إلى دخول الجنة، أصابه قبل ذلك ما أصابه، ممكن يحترق في النار مليون سنة على معاصي وكبائر عملها، لكن في النهاية سيدخل الجنة. فإذاً الأحاديث تدل على أن الموحد مصيره في النهاية إلى الجنة، لكن هذه الأحاديث لا تعني إطلاقاً أنه لن يمسه عذاب قبل ذلك، ولذلك ورد في بعض الأحاديث: (من قال: لا إله إلا الله، نفعته يوماً من دهره يصيبه قبل ذلك ما أصابه) وبوضوح أن بعض أهل التوحيد يعذبون، ويصيبهم من النار ما يصيبهم نتيجة كبائر ومعاصي اقترفوها، أو واجبات تركوها، وفي النهاية يخرجون من النار ويدخلون الجنة. إذاً هذا اتجاه، ومعلم واضح في فهم هذه الأحاديث. ثانياً: بعض هذه النصوص، فيها أنه يحرم على النار، لا أن يكون مصيره فقط إلى الجنة بل يحرم على النار، فكيف نفهمها؟ وقد دلت أحاديث وآيات كثيرة على أن أصحاب الكبائر يعذبون والعصاة يعذبون والفجرة يعذبون، فكيف نجمع بين هذه النصوص الكثيرة جداً، والتي فيها أن الله يُعذب من شاء من أهل الكبائر والمعاصي وهم موحدون، وبعض النصوص التي فيها أن شهادة أن لا إله إلا الله تحرم صاحبها على النار، نحن الآن انتهينا من أنها تدخل صاحبها الجنة، قلنا: نجمع أنه يدخل الجنة بعد أن يُعذب إلا إذا عفا الله، فكيف نفهم الآن بعض النصوص التي فيها أن من قال هذه الكلمة فإنه يحرم على النار؟ كيف نجمع بين هذا وبين النصوص التي فيها تعذيب بعض أصحاب الكبائر، أو الآثام والمعاصي؟ الجواب أننا نقول: يحرم الموحد على النار من جهة الخلود فيها، أي: يحرم عليه الخلود في النار لا الدخول والعذاب، أو أنه لا يدخل النار التي فيها خلود، لأن نار جهنم دركات، فالدرك الأعلى يدخله كثيرٌ من العصاة الموحدين بذنوبهم، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين، يدل على هذا حديث الصحيحين: (أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله) فلاحظ هنا الكلام (لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله) إذاً دخلوها، وعذبوا فيها، ثم خرجوا منها. إذاً: الذي امتنع عنهم هو الخلود وليس الدخول والتعذيب. إذاً القاعدة الأولى قلنا: الموحد مصيره إلى الجنة في النهاية، وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه. ثانياً: الموحد لا يخلد في النار، ولا بد أن يخرج منها في يوم من الأيام إذا دخلها، هذا فهم للنصوص قال به أهل العلم. فهمٌ آخر تُفهم به أحاديث: (من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة) (ومن قال لا إله إلا الله، حرم من النار) قالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث: أن (لا إله إلا الله) سببٌ لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، لكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه. أي: نقول: إذا أردنا أن نجري النصوص بجميع ما في معناها، أي: نقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) (من قال لا إله إلا الله حرم من النار). إذا انتفت عنه الموانع، وتوفرت فيه الشروط: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) (من قال لا إله إلا الله حرم على النار) إذن تقول: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) بلا عذاب و (من قال لا إله إلا الله، حرم من النار) ولو لحظة، أي: حرم على النار مطلقاً، فلا بد أن تقول إذاً: إذا قام بشروط لا إله إلا الله وحققها، وانتفت الموانع التي تمنع من دخول الجنة دون عذاب، وانتفت الموانع التي توجب دخول النار والتعذيب فيها، لأن بعض الموحدين قد يتخلف عنهم بعض الشروط، أو توجد فيهم موانع تمنع من دخولهم الجنة مباشرة، وابن رجب ﵀ رجح الثاني وهو قضية الشروط والموانع بأن تفسر النصوص بقضية الشروط والموانع.

стр. 1665

أهمية الشهادة بالنسبة لما بعدها من الأعمال قال: وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: " ما أعددت لهذا اليوم؟ -يذكر الفرزدق - قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن: نِعْمَ العدة، لكن للا إله إلا الله شروطاً، فإياك وقذف المحصنة ". لأن الشعراء قد يقعون في القذف بسهولة ويحصل في شعره قذف، يهجو فيقذف، فيقول الفرزدق: أنا أعددت شهادة أن لا إله إلا الله لأجل يوم القيامة والحساب، قال: نِعْم العدة، ولكن للا إلا إله إلا الله شروطاً، فإياك وقذف المحصنة. إذاً معناها أنه إذا قذف المحصنة، لا يكون قد قام بشروط لا إله إلا الله، فعدته ناقصة. قال: وقيل للحسن: " إن أناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، قال -مفسراً- من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها، دخل الجنة ". وقال وهب بن منبه لمن سأله: " أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان، فتح لك وإلا لم يُفتح لك ". وأسنان مفتاح لا إله إلا الله تحقيق شروطها، وانتفاء موانعها، والقيام بحقها، وقد جاء في الصحيحين عن أبي أيوب: (أن رجلاً قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (أن رجلاً قال: يا رسول الله! دلني على عملٍ إذا عملته، دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان فقال الرجل: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال النبي ﷺ : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا). وفي المسند عن بشير بن الخصاصية وفي السند مجهول، قال: (أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة في الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله! أما اثنتين فوالله لا أطيقهما: الجهاد والصدقة -أي: أضحي بنفسي ومالي! - فإنهم زعموا أن من ولى الدبر، فقد باء بغضبٍ من الله -أي: ولى الأدبار في المعركة، باء بغضبٍ من الله- فأخاف إن حضرت تلك جشعت نفسي وكرهت الموت والصدقة، فوالله ما لي إلا غُنيمة وعشر ذودٍ، أي: من الإبل هنَّ رُسُلُ أهلي وحمولتهُن -أي: هذه عزيزة عليَّ وقليلة- قال: فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حركها، ثم قال: فلا جهاد، ولا صدقة، فبمَ تدخل الجنة إذاً؟ قلت: يا رسول الله أبايعك، فبايعته عليهن كلهن). ففي هذا الحديث أن الجهاد والصدقة شرطٌ في دخول الجنة مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج. ولذلك النبي ﵊ لما قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) ففهم الصديق أن من امتنع عن الزكاة يُقاتل، لأنه ما أدى حق لا إله إلا الله، قالوا: فسر معنى الحديث: (فإذا منعوا ذلك، منعوا مني دماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله) قال أبو بكر: [الزكاة حق المال] فهذا فهم الصديق الصريح الذي فاء إليه الصحابة ووافقوه عليه وساروا وراءه فيه: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. إذاً: لابد من أداء الفرائض مع التوحيد، أي: إذا قال لا إله إلا الله، ولا صلاة، ولا زكاة، يكون من إخواننا في الدين؟ نخلي سبيله؟ لا نقاتله؟ بل نقاتله إذا امتنع عن هذه الفرائض. فإذا عُلم يا إخواني أن عقوبة الدنيا لا تُرفع عمن أدى الشهادتين مطلقاً: لو زنا، يجلد أو يرجم، ولو سرق، تُقطع يده، بل يُعاقب عليها، وإن أدى الشهادتين يعاقب في الدنيا، وتقام عليه الحدود، فكذلك عقوبة الآخرة لا تمتنع على من خالف، بعض العلماء ذكروا شيئاً، قالوا: إن هذه النصوص (من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة) (من قال لا إله إلا الله، حرم من النار) قيلت قبل نزول الحدود، وقبل نزول تحريم الأشياء، وقبل نزول الفرائض، ولكن هذا القول استبعده الحافظ ابن رجب ﵀. وبعضهم قال: تلك الأحاديث التي سبق تصدير الرسالة منسوخة، ولكن الأرجح أن يُقال: أحاديث محكمة وقيلت في الفرائض وبعد الفرائض ونزول تحريم الأشياء، لكن لا إله إلا الله لها شروط إذا توفرت وانتفت الموانع، حصلت النتيجة وهي الفوز بالجنة والنجاة من العذاب. ثم يلفت النظر إلى أن بعض النصوص المطلقة قد جاءت مقيدة، ففي أحاديث: (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قبله) (من قال: لا إله إلا الله مستيقناً بها) (من قال: لا إله إلا الله يصدق لسانه قلبه) (يقولها حقاً من قلبه) وفي رواية: (قد ذل بها لسانه، واطمأن بها قلبه) هذا الذي ينجو، تخيل رجل لا يؤدي الصلاة ولا الزكاة ولا يحج ولا يصوم ويزني ويشرب الخمر ويكذب ويسرق ويفعل ويفعل ثم يكون مستيقناً بلا إله إلا الله، وقال لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه، ممكن؟ لا يمكن أن يكون ذلك. فإذاً لا بد من هذا المفهوم أن يتضح، وهذه المسألة مهمة، لأن الناس العامة يناقشون في هذه القضية، فلابد من تفهيمهم هذه المسألة، وأن تُعقد الخطب والدروس لشرحها، وأن تكون المواعظ من أجلها والمناقشات في المجالس عليها.

стр. 1666

علاقة أعمال القلوب بالشهادة ثم لفت ابن رجب ﵀ النظر إلى مسألة مهمة جداً، وهي أن هذه النصوص التي فيها (مستيقناً بها قلبه) (خالصاً من قلبه) تفيد أهمية أعمال القلوب. فإذاً لا إله إلا الله لها علاقة مباشرة بأعمال القلوب، ما معنى لا إله إلا الله؟ أي: لا يأله القلب غير الله حباً ورجاءً وخوفاً وتوكلاً واستعانةً وخضوعاً وإنابةً وطلباً، وأعمال القلوب كثيرة، فمنها: الوجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]. الإخبات: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤]. الإنابة: ﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]. الطمأنينة: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. التقوى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. الانشراح: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام:١٢٥]. السكينة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٤]. اللين: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]. الخشوع: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٦]. الطهارة: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]. الهداية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]. العقل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦]. التدبر: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. الفقه: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]. الإيمان: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة:٤١]. الرضى والتسليم: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. إذاً: القلوب لها أعمال مرتبطة ارتباطاً مباشراً بلا إله إلا الله، ثم إنه لا يمكن للإنسان أن يحقق لا إله إلا الله إلا إذا حقق محمد رسول الله، هذا الربط مهم جداً، منه نصل إلى قضية اتباع السنة واجتناب البدعة، وأن المبتدع لم يحقق لا إله إلا الله، من قال لا إله إلا الله، وأطاع الله ، يُطاع ولا يُعصى هيبةً له وإجلالاً ومحبةً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً عليه وسؤالاً منه ودعاءً له، هذا الذي إذا حقق تلك المعاني، فإنه يكون محققاً للا إله إلا الله. ومما يدل على أن من مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله: اجتناب المعاصي، أنه قد جاء في وصف بعض المعاصي بالكفر والشرك، وهذه المعاصي إذا كانت دون الكفر فالمقصود بها إذاً الكفر الأصغر، والشرك الأصغر كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله، وعلى قول من قال: ما شاء الله وشاء فلان، وما لي إلا الله وأنت. فإذاً هناك أشياء تقدح في كلمة التوحيد مثل هذه الأمور. فكيف يقال من قال: لا إله إلا الله مجردة تنجيه وتدخله الجنة دون حساب، ولا عذاب؟ ثم هو يقع فيما يناقض لا إله إلا الله بكلامه وأفعاله، وقد وصف بالكفر من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، ووصف كذلك بالشرك بعض الأعمال كما تقدم، وورد إطلاق الإله على الهوى المتبع، قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] وقيل في تفسير هذه الآية: هو الذي لا يهوى شيئاً إلا ركبه، ليس يحجزه عنه شيء، كلما اشتهى شيئاً أتاه، ولا ورع يمنعه من ذلك ولا تقوى. إذاً: ممكن أن يقع في العبودية لغير الله أناس يقولون: لا إله إلا الله كما دل عليه حديث النبي ﷺ : (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش) هذا كله يدل على أن كل من أحب شيئاً وأطاعه وكان هو غايته ومقصوده وطلبه، ووالى لأجله وعادى لأجله فهو عبده، وإن كان يقول: لا إله إلا الله، وقد سمى الله طاعة الشيطان عبادة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]. ومن هذا حاله تكون شهادة أن لا إله إلا الله في حقه مدخولة مخترقة بهذه المعاصي والآثام، وقد قال الخليل لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً﴾ [مريم:٤٤]. فإذاً: الذين حققوا قول لا إله إلا الله هم عباد الله الذين ليس لإبليس عليهم سلطان، فصدقوا قولهم بفعلهم، ولم يلتفتوا إلى غير الله محبةً ورجاءً وخشيةً وطاعةً وتوكلاً، هؤلاء الذين صدقوا في قول لا إله إلا الله هم أهل لا إله إلا الله حقاً، ولا يمكن أن يكون منهم الذي قال لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان واتبع هواه في معصية الله ومخالفته ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]. ثم يقول ابن رجب واعظاً: فيا هذا كن عبد الله لا عبد الهوى، فإن الهوى يهوي بصاحبه في النار: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩] تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار! والله لا ينجو غداً من عذاب الله إلا من حقق عبودية الله وحده، ولم يلتفت إلى شيء من الأغيار -أي: ما أطاع شيئاً آخر غير الله من علم أن إلهه معبوده فرد، فليفرده بالعبودية، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً. فقول لا إله إلا الله تقتضي ألا يحب سواه، فإن الإله هو الذي يطاع، فلا يُعصى مع محبته والخوف منه ورجائه. قال: ومن تمام محبته محبة ما يُحبه، وكراهية ما يُبغضه، فمن أحب شيئاً يكرهه الله، أو كره شيئاً يُحبه الله لم يكمل توحيده، ولا صدقه في قوله: لا إله إلا الله، وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما أحب من الأمور التي يبغضها الله، وبحسب ما أبغض من الأمور التي يحبها الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٢٨]. قال: " قال الليث عن مجاهد في قوله: ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] قال: لا يحبون غيري ". وقال الحسن: " اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته ". ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك، كل من ادعى محبة الله، ولم يوافق الله في أمره، فدعواه باطلة. ونقل أيضاً عن يحيى بن معاذ قوله: ليس بصادقٍ من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده. وقول رويم: " المحبة الموافقة في جميع الأحوال " وهذا من معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]. قال الحسن: " قال أصحاب رسول الله ﷺ : إنا نحب ربنا حباَ شديداً، فأحب الله أن يجعل لحبه علماً -دليل على صدق المحبة المدعاة- فأنزل الله تعالى هذه الآية. ومن هنا يُعلم أن شهادة لا إله إلا الله لا تتم إلا بشهادة أن محمداً رسول الله، فإنه إذا علم أنه لا تتم محبة الله إلا بمحبة ما يحبه وكراهية ما يكرهه. فكيف تعرف الذي يحبه الله والذي يكرهه الله؟ أليس من كتابه ومن سنة نبيه ﷺ المبلغ عن ربه؟ فإذاً: الأخذ بالسنة واجبٌ وحتمٌ، وصارت محبة الله مستلزمة لمحبة النبي ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وهدد وقارن الله بين طاعته وطاعة رسوله ﷺ في مواضع كثيرة، وقال: (ثلاثٌ من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) الحديث. وهذا حال سحرة فرعون لما سكنت المحبة قلوبهم، سمحوا ببذل النفوس، وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] ومتى ما تمكنت المحبة في القلب، لم تنبعث الجوارح إلا إلى طاعة الرب. وهذا معنى الحديث القدسي: (ولا يزال عبدي يتقرب إليًّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها). فإذاً لما استغرقت المحبة قلب العبد واستولت عليه، لم تنبعث جوارحه إلا إلى ما يُرضي الرب، وصارت نفسه مطمئنةً بإرادة مولاها عن مرادها وهواها.

стр. 1667

ومن الناس من يعبد الله على حرف يقول ابن رجب: " يا هذا اعبد الله لمراده منك لا لمرادك منه " ماذا يريد منك؟ اعبده بناءً على ما يريد منك، ولا تعبده بناءً على ما تريده منه، فإذا جئت مضطراً وغرقت في البحر، جئت تعبده لكي ينجيك، وإذا مرضت، صرت تعبده لكي يشفيك، وإذا افتقرت صرت تعبده لكي يغنيك فقط، يقول: هذا خطير، فمن عبده لمراده منه، فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به، لو جاءك المال قلت: هذه العبادة هذا الأثر منها، ولو جاءتك الصحة بعد المرض، قلت: هذا بسبب الدعاء والعبادة. ولو طلبت الغنى بعد الفقر وما أتاك الغنى، وطلبت الصحة في المرض وما أتتك الصحة، هنا ينقلب الذين لم تثبت في طريق الدين أقدامهم. ولذلك قال: " يا هذا اعبد الله لمراده منك، لا لمرادك منه، فمن عبده لمراده منه فهو ممن يعبد الله على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ". كان بعضهم يأتي إلى المدينة، يقول: نجرب الإسلام، إن ولدت المرأة ذكراً، وأنتجت الخيل وجاءت بمهر، فهذا دين خير، وإن جاءت زوجته بأنثى وهذه الخيل ماتت والزرع ضاع، قال: هذا دين سوء، لا رغبة فيه. فإذاً: العبادة على مراد الشخص، وليست على مراد الله، فمن كان يفعل العبادة بناءً على هذا ينتكس وينقلب قال: " وفي بعض الكتب السالفة: من أحب الله لم يكن شيءٌ عنده آثر من رضاه، ومن أحب الدنيا لم يكن شيءٌ عنده آثر من هوى نفسه". قال الحسن: " ما نظرت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي؛ حتى أنظر على طاعة الله أو على معصية، فإن كانت طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت ". البطشة أو الكلمة أو النظرة أو الخطوة إن كان طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت، وهكذا تكون حقيقة العبودية أن ينزل العبد أعمال الجوارح على الآيات والأحاديث ومقاييس طاعة الله ، فإن وافقت مراد الله وما يحبه الله تقدم وعمل، وإن خالفت أحجم ورجع.

стр. 1668

طهارة قلوب المحبين قال: " هذا حال خواص المحبين الصادقين، فافهموا رحمكم الله هذا، فإنه من دقائق أسرار التوحيد الغامضة " ثم استشهد بقول المتنبي: أَرُوحُ وقد ختمت على فؤادي بحبك أن يحل به سواكا فلو أني استطعت غضضت طرفي فلم أنظر به حتى أراكا أحبك لا ببعضي بل بكلي وإن لم يُبق حبك لي حراكا وفي الأحباب مخصوصٌ بوجدٍ وآخر يدعي معه اشتراكا إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ تبين من بكى ممن تباكى فأما من بكى فيذوب وجداً وينطق بالهوى من قد تشاكى فالله أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يرضى أن يزاحم بأصنام الهوى، والحق غيور يغار على عبده المؤمن أن يُسكن في قلبه سواه، أو يكون في قلبه شيء غير ما يرضاه. أردناكم صرفاً فلما مزجتم بَعُدتُم بمقدار التفاتِكُم عنا بحسب الالتفات إلى غير الله يكون البعد عن الله، وإذا كان النظر دائماً إلى الله ، ومراد الله ومطلوب الله وما يحبه الله، صار العبد ملتجئاً إلى الله باستمرار. قال: " لا ينجو غداً إلا من لقي الله بقلب سليم ليس فيه سواه -أي: سوى محبة الله والأنس به ورجائه وخوفه- قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩] ". والسليم من الشبهات والشهوات الطاهر من أدناس المخالفات، أما المتلطخ بشيءٍ من مكروهات الرب، فلا يصلح لمجاورة الله ، ومجاورة الله تكون في الجنة، لأن الجنة هي جوار الله ، فكيف يجاوره غير المتطهر، فلا بد من تطهير، فيمر على النار: (إن الله طيبُ لا يقبل إلا طيباً). قال: " فأما القلوب الطيبة، فتصلح للمجاورة من أول الأمر بدون تطهير، لأنها طاهرةً أصلاً: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل:٣٢].

стр. 1669

الرياء وأثره على الأعمال " ومن لم يُحرق اليوم قلبه بنار الأسف على ما سلف -التوبة والندم- فنار جهنم له أشد حراً، ما يحتاج إلى التطهر بنار جهنم إلا من لم يكمل تحقيق التوحيد والقيام بحقوقه. أول من تُسعر بهم النار من الموحدين العُبّاد المراءون بأعمالهم، وأولهم العالم المرائي بعلمه، والمجاهد والمتصدق للرياء ". لأن يسير الرياء شرك، ما نظر المرائي إلى الخلق بعمله إلا لجهله بعظمة الخالق، لو عنده علم بعظمة الخالق ما نظر إلى الخلق أثناء عمله، كان عمله إلى الله ، وعمل لله تعالى. قال: " المرائي يُزور التوقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ". البراطيل جمع برطيل وهو: الرشوة، وطبعاً هنا العلاقة بين الله هو ملك الملوك، والمرائي ماذا يفعل؟ يزور على اسم الملك ليأخذ البراطيل، فكأنه يتزيا بزي العُبّاد، ويتظاهر بالعبادة ليأخذ نصيبه من الناس ثناءً وشكراً وسمعةً. يزور ليوهم أنه من خاصة الملك، وهو ما يعرفه الملك حقيقةً، وأهل الرياء وأصحاب الشهوة وعبيد الهوى يدخلون النار، الذين أطاعوا هواهم وعصوا مولاهم، أما عبيد الله حقاً، فيقال لهم: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]. ولذلك إذا مرَّ أهل الإخلاص والتوحيد على النار أثناء العبور على الصراط، فإنها تكون عليهم برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى لربما كان للنار ضجيجاً من بردهم، فهذا ميراثٌ ورثه المحبون من حال الخليل ﵇، وأما الذين يمرون على النار وهم ليسوا من أهل التوحيد الخالص، وقد كدروا التوحيد بالمعاصي والفجور، فإنهم يسقطون في النار، وتنالهم النار بمعاصيهم، فينبغي أن يكون الهم كله لله، ومن أصبح وهمه غير الله فليس من الله قال: " وكان داود الطائي يقول: همك عطل عليَّ الهموم وحالف بيني وبين السهاد -منعني النوم مثل قيام الليل- وشوقي إلى النظر إليك أوبق مني اللذات -أخمدها وقتلها- وحال بيني وبين الشهوات. يقول ابن رجب ﵀: إخواني إذا فهمتم هذا المعنى، فهمتم معنى قوله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله صادقاً من قلبه حرمه الله على النار). فأما من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله. من صدق في قول لا إله إلا الله لم يحب سواه، ولم يرج سواه، ولم يخش أحداً إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقيةً من آثار نفسه وهواه، وكلما زلق العبد في هوة الهوى أخذ بيده سبحانه إلى نجوة النجاة، ويسر له التوبة إذا كان من أهل الله، وينبهه على قبح الزلة فيفزع إلى الاعتذار، ويبتليه بمصائب مكفرة تكفر ما جناه، فلا يعني أن أهل التوحيد الصادقين لا يعصون ولا يقعون في المعصية، لكنهم سريعو الفيئة، والله من حبه لهم كلما زلقوا في هوة الهوى أخذ بأيديهم إلى ساحل التوبة والنجاة، وجعلهم يفزعون إلى الاعتذار، ويبتليهم بمصائب ليكفروا آثام المعصية، فيكونوا أنقياء، فيدخلون الجنة أنقياء. ولذلك قال في الحديث: (الحمى تُذهب الخطايا كما يذهب الكير الخبث) رواه مسلم، وجاء عن عبد الله بن مغفل أن رجلاً رأى امرأة كانت بغياً في الجاهلية، ثم أسلما كلاهما، لكن هذا لما لقيها في الطريق تذكر الماضي، وربما أصابه شيءٌ من الرغبة في العودة، فجعل يلاعبها حتى بسط يده إليها أراد أن يلمسها، فقالت: مه! أي: كف، فإن الله قد أذهب الشرك وجاء بالإسلام، فتركها وولى، أي: اتعظ من كلامها وولى، فجعل يلتفت خلفه ينظر إليها حتى أصاب الحائط وجهه وشُج وسال دمه، فأخبر النبي ﷺ بالأمر، فقال: (أنت عبدٌ أراد الله بك خيراً) ثم قال: (إن الله إذا أراد بعبده شراً، أمسك ذنبه حتى يوافي به يوم القيامة). فهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان يدل على أن الله إذا أحب شخصاً في الدنيا، وكان قد عصى، فإن الله إما أن يوفقه إلى توبة، أو يبتليه بمصيبة يُكفر بها ذنبه حتى يلقاه يوم القيامة وهو نقي، لأن من لم تنقه التوبة في الدنيا ولا المصائب، فلا بد من التطهير يوم القيامة، والتطهير لا يكون إلا بالعبور على الصراط وركوب النار وما تأخذه منه بسبب معصيته.

стр. 1670

فضل كلمة الإخلاص وآثارها قال" يا قوم! قلوبكم على أصل الطهارة، وإنما أصابها رشاش من نجاسة الذنوب، فرشوا عليها قليلاً من دموع العيون تطهر ". " اعزموا على فطام النفوس عن رضاع الهوى " هذا من بليغ كلام ابن رجب ﵀ افطم نفسك عنه الهوى، " فالحمية رأس الدواء ". " متى طالبتكم -أي: نفوسكم- بمألوفاتها -أي: بهواها، قالت لك: انظر إلى الحرام، امش إلى الحرام، اسمع الغناء الحرام، كل الربا الحرام- فقولوا مقالة تلك المرأة لذاك الرجل الذي دمي وجهه: قد أذهب الله الشرك وجاء بالإسلام، والإسلام يقتضي الاستسلام والانقياد للطاعة. ذكروها إذا اشتهت المعصية بقول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] لعلها إلى الاستقامة ترجع. عرفوها اطلاع من هو أقرب إليها من حبل الوريد، لعلها تستحي من قربه ونظره: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [لعلق:١٤] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤]. راود رجل امرأة في فلاة ليلاً، فأبت، فقال لها: من يرانا إلا الكواكب؟ قالت: فأين مكوكبها؟ أكره رجل امرأة على نفسها وأمرها بغلق الأبواب، فقال لها: هل بقي بابٌ لم يغلق؟ قالت: نعم، الباب الذي بيننا وبين الله تعالى، فتركها ولم يتعرض لها. رأى بعض العارفين رجلاً يُكلم امرأة في ريبة، فقال: إن الله يراكما، سترنا الله وإياكما ". المراقبة: علم القلب بقرب الرب؛ وصى النبي ﷺ رجلاً أن يستحي من الله كما يستحي من رجل صالح من عشيرته لا يفارقه. وقال بعضهم: استح من الله على قدر قربه منك، وخف من الله على قدر قدرته عليك. وبعد أن انتهى ابن رجب ﵀ من هذه المواعظ والتذكير بمعنى لا إله إلا الله المعنى الحقيقي الذي يغيب عن أذهان الكثيرين، عقد فصلاً في فضل لا إله إلا الله وفضائلها، وقال: إن لها فضائل عظيمة لا يمكن استقصاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها: لأجلها خلق الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. ولأجلها جردت السيوف للجهاد، وهي حق الله على جميع العباد، ما أنعم الله على العباد نعمةً أعظم من أن عرفهم لا إله إلا الله، أعظم نعمة أنه عرفنا لا إله إلا الله. ولا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا، من قالها عصم ماله ودمه، ومن أباها فماله ودمه هدر، وهي مفتاح الجنة ومفتاح دعوة الرسل، وبها كلم الله موسى كفاحاً، من قالها صادقاً أدخله الله الجنة، وهي ثمن الجنة، ومن كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله دخل الجنة. وهي النجاة من النار، سمع النبي ﷺ مؤذناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: (خرج من النار) رواه مسلم. وهي التي توجب المغفرة، وهي أحسن الحسنات، قلت: (يا رسول الله! - أبو ذر - كلمني بعمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها. قلت: يا رسول الله! لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات) رواه الإمام أحمد وسنده حسن. وهي التي تمحو الذنوب وتحرقها رئي بعض السلف بعد موته في المنام فسئل عن حاله فقال: ما أبقت لا إله إلا الله شيئاً، أي: الحمد لله بإخلاصي فيها قد محيت ذنوبي. وهي تجدد ما اندرس من الإيمان، كما في المسند عند عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : (أن نوحاً قال لابنه عند موته آمرك بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة، رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن في حلقة مبهمة، خصمتهن لا إله إلا الله). وفي رواية: (قصمتهن) فهي تنفذ إلى كل شيء، قويةٌ غاية القوة، وبلا إله إلا الله ترجح كفة الحسنات، وترجح صحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة وهو حديث صحيح، وهي التي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله . عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما قال: عبدٌ لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر) رواه الترمذي وحسنه وهو حديث حسن. وقال أبو أمامة: ما من عبدٍ يهلل تهليلة، فينهنهها شيءٌ دون العرش. التهليل لا يحبسه شيء عن الله، يصعد إلى الله مباشرة، وهي التي ينظر الله إلى قائلها: (من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، مخلصاً بها روحه، مصدقاً بها لسانه؛ إلا فتق له السماء فتقاً -الله حتى ينظر إلى قائلها من أهل الأرض، وحق لعبد نظر إليه أن يعطيه سؤله) رواه النسائي ﵀. وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها كما جاء في الحديث الصحيح: (إذا قال العبد لا إله إلا الله، والله أكبر، صدقه ربه). وهي الكلمة التي من يقولها في مرضه، فيموت لا تطعمه النار، وهي أفضل كلمة قالها النبيون كما ورد في دعاء يوم عرفة، وهي أفضل الذكر على الإطلاق كما في حديث جابر المرفوع: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) وهو حديث حسن. وهي أفضل الأعمال، وأكثرها تضعيفاً، وتعدل عتق الرقاب، وهي حرزٌ من الشيطان كما جاء في حديث الصحيحين: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يومه مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك) (ومن قالها عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل) أي: من أنفس الرقاب. وفي حديث السوق: (من قالها -وأضاف فيها-: يحيي ويميت وهو حيٌ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع الله له ألف ألف درجة) حسنه بعض أهل العلم، وهي أمانة من وحشة القبر وهول المحشر، وشعار المؤمنين إذا قاموا من قبورهم، وهي التي تفتح لقائلها أبواب الجنة الثمانية كما جاء في حديث عبادة في الصحيحين: (من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء). وهذا الحديث الصحيح يبين عظمها وفضلها، وأن أهل النار أيضاً الموحدين لو دخلوا النار بتقصيرهم، فلا بد أن يخرجوا منها لأجل هذه الكلمة، كما جاء في حديث الصحيحين، يقول الله : (وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله). ولذلك إذا اجتمع الموحدون العصاة في جهنم مع المشركين، وقال المشركون: أنتم كنتم تقولون: لا إله إلا الله في الدنيا، ماذا أغنت عنكم؟ فيغضب الله لهم، فيخرجهم من النار ويدخلهم الجنة. فإذاً ينجيهم الله بكلمة التوحيد ولو عذبهم فيها ما داموا من الموحدين ليسوا من المشركين. كان بعض السلف يقول في دعائه: اللهم إنك قلت عن أهل النار: إنهم ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة:٥٣]-أي: في الدنيا- ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] ونحن نقسم بالله جهد أيماننا ليبعثن الله من يموت، اللهم لا تجمع بين أهل القسمين في دارٍ واحدةٍ. قال ﵀ في آخر رسالته: " إخواني! اجتهدوا اليوم في تحقيق التوحيد فإنه لا ينجي من عذاب الله إلا إياه " ما نطق الناطقون إذا نطقوا أحسن من لا إله إلا هو

стр. 1671

الأخوة في الله الأخوة في الله لها أهمية عظيمة، ومما يدل على أهميتها أن الله جل وعلا رتب عليها الأجر العظيم، وهي عبادة نتقرب إلى الله بها، بل قد تكون سبباً من أسباب دخول الجنة. والإخوة في الله لهم حقوق وواجبات، فمن هذه الحقوق: الزيارات قضاء حوائجهم النصيحة لهم وغير ذلك. وهناك أخطاء وسلبيات يرتكبها البعض مع إخوانهم في الله منها: كثرة مخالطتهم بغير فائدة عدم التماس الأعذار لهم التعلق المحرم التصرف بأموالهم وممتلكاتهم دون إذنهم إخلاف المواعيد إلخ.

стр. 1672

أهمية الأخوة في الله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. نحمد الله تعالى -أيها الإخوة- أن جمعنا وإياكم في بيتٍ من بيوته نذكره ، ونتذاكر نعمه، ومنها نعمة الأخوة، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]. نسأل الله أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وأن يجعلنا وإياكم من الإخوة في الله المتآخين في سبيل الله ولا يجعل فينا ولا معنا شقياً ولا محروماً. أيها الإخوة: كما سمعنا في الآيات الكريمة قول الله : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٣] لا بأي شيء آخر: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. أيها الإخوة: لا يوجد في دين من الأديان، أو مذهب من المذاهب، أو مكان من الأمكنة شيءٌ اسمه الأخوة التي هي بهذا الطعم إلا في الإسلام، لا يمكن أن يوجد مطلقاً؛ لأن هذا الشعور -شعور الأخوة في الله والتآخي في الله- نعمة عظيمة لا يشعر بها إلا المسلمون، لا يشعر بها إلا الذين جعلهم الله إخوة: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. والمجتمع الإسلامي يقوم على دعامتين أساسيتين: الإيمان والأخوة: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾ [آل عمران:١٠٣]. فلا يمكن أن يقوم المجتمع الإسلامي قياماً صحيحاً على سوقه كما أمر الله إلا بهاتين الدعامتين الأساسيتين: الإيمان والأخوة، ولذلك أمر الله بالتآخي، وعقد من عنده عقد الأخوة بين المؤمنين، فقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] و (إنما) من فوائدها حصر الخبر في المبتدأ، أو المبتدأ في الخبر ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] أي: ليس المؤمنون إلا إخوة، من عظم الأخوة أن الله جعلها هي الوصف الأكمل للمؤمنين، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات:١٠] المؤمنون عبارة عن أي شيء؟ عن إخوة: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] فالأخوة تنبثق من التقوى ومن الإسلام.

стр. 1673

الأخوة في الله عبادة ما هو أساس الأخوة؟ الاعتصام بحبل الله ، وبمنهج الله ، وبطريق الله تعالى. والأخوة عبادة، ولابد أن نعرف أن الأخوة عبادة من العبادات التي نتقرب بها إلى الله ، فهي عبادة نتقرب إلى الله بها مثلما نتقرب إليه بالصلاة أو بالصيام، أو بالحج بالدعاء بالتوكل. فهي عبادة من العبادات الجليلة التي ركب الله تعالى عليها فضلاً عظيماً منه ، وهي نعمة عظيمة جداً، نعمة عظيمة لا يحس بها إلا من توافرت فيه شروط الأخوة، وإلا فأقول لكم بصراحة: إن كثيراً من الناس اليوم تجده يقول: فلان من أعز أصدقائي، أو هذا فلان صديق عزيز، أو هذا فلان كنت أنا معه من السنة الفلانية، أو من المرحلة الابتدائية، أو كنا معاً في حارة واحدة، هذا فلان من أعز أصدقائي، هذا الكلام -أيها الإخوة- لا يعني مطلقاً أن هذين الرجلين متآخيان في الله، لا. فقد تكون العلاقة بينهما هي علاقة تجاذب وتقارب وتوافق نفسي فقط، اثنين يرتاحان لبعض، أما الأخوة في الله فهي مسألة أعلى من ذلك بكثير، فهي مراتب وصفات لا يحس بها إلا من عرفها وذاق طعمها.

стр. 1674

الأخوة والمحبة من سبل النجاة ومن الأدلة على أن الأخوة في الله لها فضلٌ عظيم وأجرٌ جسيم -وهذا يدلك على خطورتها وعلى عظمها ومنزلتها العالية -أن الله وصف أهل الجنة بأنهم إخوة في الله، قال عز من قائل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] إذا دخل أهل الجنة الجنة لا يزال في صدورهم بعض الأشياء العالقة من الدنيا، فإذا دخلوا الجنة نزع الله من صدورهم الغل فصارت عندهم أخوة نقية ما فيها شائبة واحدة. ويقول رسول الله ﷺ من ضمن شروط الإيمان (أن يحب المرء لا يحبه إلا لله) إذا صارت هذه القضية فإن الله تعالى يظل هؤلاء المتحابين تحت ظل عرشه يوم لا ظلَّ إلا ظله ((ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه). إذاً -أيها الإخوة- هذا الحديث الأخير الذي ذكرته الآن يوضح معنى الكلام الذي قلته قبل قليل، وهو أن الأخوة في الله مرتبة عالية، ولها شروط كثيرة، فلذلك ليس أي اثنين تحابا يظلهم الله في ظله، لا. بل لابد أن تكون الأخوة كما فسرها رسول الله ﷺ ، يقول: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه) اجتمعا من أجل الله وعلى منهج الله، والطريق التي ارتضاها الله ، وتفرقا على نفس الشيء، ما تغيرت القضية بالمجلس، لما جلسوا ما تغيروا بل تفرقوا على مثلما جلسوا عليه، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، سواء في المجلس أو في مجالس متفرقة، أو كانت في الدنيا عموماً، اجتمعا عليه وفرق الموت بينهما وهما ما زالا على نفس العهد والميثاق الذي أخذه الله عليهما. أيها الإخوة: نحن أحياناً لا ندقق في العبارات ولا ندقق في الآيات والأحاديث، لكنك لو دققت تجد أشياءً توضح لك لماذا القضية عظيمة (رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه) ويقول رسول الله ﷺ في الحديث الحسن في صحيح الجامع (ما من مسلمين يلتقيان فيسلم أحدهما على صاحبه ويأخذ بيده لا يأخذ بيده إلا لله، فلا يفترقان حتى يغفر لهم) والآن نحن نلتقي كثيراً، وكثيراً ما يسلم بعضنا على بعض، لكن هل توافرت الشروط التي تجعل هذا الالتقاء ينتهي بمغفرة الذنوب لكلا الطرفين: (ما من مسلمين يلتقيان فيسلم أحدهما على صاحبه ويأخذ بيده لا يأخذ بيده إلا لله) لماذا نركز على هذا المفهوم؟ لأن الالتقاءات التي تحدث اليوم بين الناس -أيها الإخوة- ليست لله، ولا في الله، وإنما هي من أجل عرضٍ من الدنيا زائل. الآن الناس يتلاقون فيسلم الواحد على الثاني، ويأخذ بيده ويصافحه، لكن إذا نظرت في الحقيقة لماذا يصاحبه؟ ولماذا يسلم عليه؟ ولماذا يأخذ بيده؟ تجد الغرض من وراء هذا كله مصلحة دنيوية، الآن الناس يلتقون لكن اللقاءات على الماديات الفانية: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فلذلك لا يحس الواحد من هؤلاء طعماً مطلقاً، لا يجدون حلاوةً للقاء؛ لأن القضية فيها مصلحة، مسألة مصالح؛ ولذلك تجد الواحد يسلم على الثاني ويقابله ويبتسم بوجهه ويرحب به ويكيل له ألفاظ الثناء والمديح فإذا انصرفا وتفرقا، نزل فيه سباً وشتماً وغيبة، لماذا؟! من الأسباب: أن أصل اللقاء فاسد، وما بني على فاسد فهو فاسد، فأصل اللقاء فاسد وهو الدنيا، فمن الطبيعي أن يتفرقوا على أشياء كثيرة من البغضاء والشحناء، وهذه الابتسامات والمودة الظاهرة هي من أجل متاع دنيوي، لذلك لا يمكن لهؤلاء الناس أبداً أن يرتاحوا بهذه العلاقة التي تنشأ بينهما.

стр. 1675

أجور عظيمة على المحبة في الله والحب في الله والأخوة في الله عميقة جداً جداً إلى أبعد ما يتصور الإنسان المسلم، وهي عبارة عن محبة متزايدة يدفعها إلى التزايد حديث رسول الله ﷺ : ((ما تحاب اثنان في الله تعالى إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه) انظروا -أيها الأخوة- محاسن الدين الإسلامي، محاسن الإسلام عظيمة جداً! أحياناً لا نتصور، نتكلم: الإسلام أحسن والإسلام أفضل والإسلام لكن فسر كلامك: كيف الإسلام أحسن؟ لا تجد تفسيراً، لكن عندما ندقق في الآيات والأحاديث (إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه) معناه المحب في ازدياد، وكلما أحببت أخاك أكثر كلما ازددت فضلاً عند الله، فمعنى ذلك: أن الأفراد في المجتمع المسلم متلاصقون في غاية التلاصق، ويحب بعضهم بعضاً حباً جماً، هكذا يريد الله من المسلمين، ولذلك المجتمع الإسلامي مجتمع متماسك لا يمكن أن تتخلله الشائعات ولا الأشياء المغرضة ولا وشايات الأعداء ومخططاتهم؛ لأنه إذا كان الأفراد في تلاحم، فمن أين ينفذ الشر؟ وكيف ينفذ؟. ويقول رسول الله ﷺ موضحاً الأجر العظيم للمحبة في الله والأخوة في الله وبعض بنودها، يقول ﵊ عن الله في حديث قدسي (حقت محبتي للمتحابين فيَّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيَّ -صلة زيارة رسالة بالهاتف- وحقت محبتي للمتناصحين فيَّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيَّ -في سبيل الله- وحقت محبتي للمتباذلين فيّ) وقال ﵊ أيضاً: (المتحابون في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقون والشهداء) هذا يبين عظم المحبة وفضلها ومنزلة المتحابين في الله عند الله ، يكونون في منابر مرتفعة من نور يغبطهم على هذا المكان النبيون والصديقون والشهداء، وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ((إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) رواه مسلم. الإخوان -أيها الإخوة- سلعة غالية جداً لا يمكن أن تجد لها بديلاً، ولو بذلت أعلى الأسعار. إخوانكم لا شيء أغلى منهمُ لا شيء يعدلهمْ من الأشياءِ وفعلاً، لا يمكن أن تجد سعراً في الدنيا ولا عرضاً من الدنيا يوازي أو يساوي أخاً واحداً في الله، تتآخى أنت وهو في صدق على منهج الله . لنأخذ حالة من الحالات التي تبين لنا أهمية الإخوة في الله.

стр. 1676

بالأخوة في الله نستطيع مواجهة الحياة المرء -أيها الإخوة- قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، الواحد منا لوحده لا يقوى أبداً على مواجهة الحياة وظروفها ومشاكلها، والعقبات التي تكون في طريقه، فالمشاكل كثيرة جداً، والهموم عظيمة، والمهمات صعبة، فأنت الآن -أيها المسلم- مكلف بمهمات وستواجهك عقبات أثناء الطريق، إذا ما كنت في وسط إخوة في الله ستذوب شخصيتك في هذه الحياة الدنيا الفانية، وستنهال عليك المصائب من كل جانب، ولا من معين. وتظهر أهمية الأخوة في الله بدلائل كبيرة عندما يكون المسلمون في حالة ضعفٍ واضطهاد، وعندما يكون الإسلام متأخراً في نفوس الناس، وعندما ينحسر المد الإسلامي في العالم، ويحس المسلمون بالغربة؛ عند ذلك تنبع أهمية الأخوة في الله. أيها الإخوة: إن ما يمر به المسلمون اليوم من ظروفٍ كالليل الحالك، وكالظلمة الشديدة، في خضم هذه الجاهليات العاتية التي تصدم المسلمين من كل جانب، يحتاج الفرد المسلم إلى تقوية نفسه، وإلى إيجاد شيءٍ يرتكز إليه عندما يواجه هذه المصاعب والتحديات، تحديات كثيرة تواجه المسلمين اليوم، لو لم تكن هناك أخوة في الله تثبت هذا المسلم على الدين لتزلزل بفعل العواصف التي تأتي من أعداء الإسلام. والمسلمون الآن يعيشون في غربة، إذا ما كان هناك أخوة تسهل عليك هذه المصائب، وتزيل عنك هذه الوحشة التي تجدها في قلبك، فكيف يكون لك الاستمرارية في السير في هذا الطريق؟! من هنا كانت الأخوة في الله مهمة جداً، مهمة جداً في طلب العلم، وفي الدعوة إلى الله، مهمة جداً في تربية النفس، مهمة جداً إذا نزلت بك مصائب وواجهتك عقبات. إذا فكر الإنسان -أيها الإخوة- في مواجهة العالم وأعداء الإسلام لوحده يحس أنه لا شيء، ماذا يمكن أن يفعل لكي يغير الواقع، ماذا يمكن أن يفعل بمفرده؟ الجواب لا شيء، عندما يفكر منطلقاً من إخوانه يحس أن هناك قوة كبيرة جداً تدفعه إلى الأمام، وتقوي هذه النفسية حتى تجعلها على مستوى التحديات، فتقاوم هذه التيارات وتشق طريقها بقوة، هذه النفسية التي تدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وبدونها -أي: بدون الأخوة في الله- يشعر الإنسان بالإحباط، ويشعر باليأس ويفقد الأمل في تغيير الواقع. وإذا أخذنا نموذجاً من النماذج التي كانت عليها حياة السلف في باب الأخوة في الله، كيف كانت مجتمعاتهم؟ كيف كانت جماعاتهم؟ كيف كانت بيئاتهم؟ كيف كانت مجالسهم العلمية؟ فاستمع معي لما يقوله الإمام أبو حازم الأعرج رحمه الله تعالى. يقول ﵀: لقد رأيتنا عند زيد بن أسلم - زيد بن أسلم من العلماء- أربعين فقيهاً أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه -هذا الفقيه- متماريين -متجادلين- ولا متنازعين في حديثٍ لا ينفعنا. هكذا كانت مجالس السلف، هذا هو العموم الشائع، لا يعني أنه لم تكن هناك مشاكل ولا أمراض، لكن هكذا كانت مجالسهم، أربعون على قلب رجلٍ واحد، لا توجد مشاكل بينهم.

стр. 1677

ضرورة تطبيق حقوق الأخوة في الواقع الآن -أيها الإخوة- نحن نتكلم عن الأخوة، والأخوة لها واجبات كثيرة، وتعداد الواجبات قد يكون أكثركم على اطلاعٍ بمعظمها، فتعداد الواجبات قد يأخذ منا وقتاً نحتاجه في عرض مشاكل أخرى، لكن عندما نتكلم عن الأخوة حلاوتها وواجباتها يجب -أيها الإخوة- أن نكون كما أمرنا الله ، إن الله ذم أناساً من المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢] يجب أن نرتفع من مستوى الكلام والنظريات؛ لأن الكلام حول الأخوة قد يكون سهلاً وجميلاً ومستساغاً، وعندما تقرأ تنبسط من الكلام الذي تقرؤه في بعض الكتب، والقصص التي تسمعها عن بعض السلف، وأحدهم ذهب فوجد أخاه في الله غير موجود، فسأل الجارية: أين ذهب؟ قالت: غير موجود. قال: دلوني على مكان المال، فدلته الجارية، فأخذ ما يحتاج إليه وانصرف، فلما رجع الأخ المسلم وعرف ما فعل أخوه وأنه أخذ المال الذي يحتاجه ولم يشعر بأي حرج، قال للجارية: إن كنت صادقة فأنت حرة لوجه الله، ففتش المال فوجده قد أخذ منه فعلاً فعتقت الجارية. هذا الكلام جميل جداً، لكن القضية هي الارتفاع من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الواقع العملي والأفعال، هنا النقطة، ليست النقطة في وصف الأخوة والإسهاب في عرض المبادئ النظرية، بل المهم الآن هو التطبيق، لذلك عندما ذكرنا في عنوان المحاضرة: الأخوة في الله بين المفهوم الإسلامي -لأن بعض الناس يعرفون المفهوم الإسلامي- والواقع الحاضر أو التطبيق الحاضر الذي يحدث الآن، المفهوم قد يكون واضحاً لا إشكال فيه، لكن التطبيق كيف؟ كيف نطبق الآن؟ هنا لا بد أن نقف، لكن لا بأس أن نستعرض وإياكم بعض الأحاديث التي ذكرها الرسول ﷺ ، والتي تبين بعض سمات وصفات الأخوة.

стр. 1678

من واجبات الأخوة

стр. 1679

إعانة الأخ المسلم في قضاء حوائجه يقول رسول الله ﷺ -هذا الحديث الحسن الذي رواه الطبراني عن ابن عمر مرفوعاً إلى الرسول ﷺ (أحب الناس إلى الله أنفعهم -الذي ينفع أكثر يحبه الله أكثر- وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة -واقع في مشكلة فتزيلها عنه- أو تقضي عنه ديناً) هذا الأخ عليه ديون وعليه نقود تزوج -مثلاً- وعليه ديون، احتاج لحاجة معينة، صار له حادث سيارة، يبني بيتاً، صار عليه دين- (أو تطرد عنه جوعاً -أحياناً قد يجوع المسلم، قد يجد الطعام أو لا يجده، المهم أن يكون في مناسبة أو في وضع جائع- ولئن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً) المسجد النبوي الصلاة فيه بألف صلاة، وفي بعض الروايات: خمسمائة صلاة، فشخص يعتكف شهراً في المسجد النبوي سيصلي (١٥٠) صلاة تقريباً، والاعتكاف ليس فيه (١٥٠) صلاة فقط، بل فيه تسبيح وتهليل وأجر الاعتكاف نفسه، فكم سيكون الأجر؟ أجر هائل، اعتكاف في المسجد النبوي فيه (١٥٠) صلاه، وتسبيح بعد كل صلاة، وذكر لله، والصلوات التي تكون بين الأذان والإقامة، وأجر الاعتكاف نفسه، وقراءة القرآن، أجر هائل جداً وعظيم لا يُتصور! يقول النبي ﷺ : (ولئن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرا) تمشي مع أخيك المسلم في حاجته، فتأخذ أكثر من أجر الاعتكاف في المسجد النبوي شهراً، فهذه المسألة تحتاج إلى تفكير؛ لأن تصورها صعب. أمشي مع أخي المسلم لأقضي له حاجته: عنده مشكلة، أو عنده شيء يريد مساعدة فيه -أي مساعدة- فأذهب معه حتى أقضي له حاجته وأزيل عنه هذه الكربة أفضل عند الله من الاعتكاف شهراً في المسجد النبوي (ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام) متى تزل الأقدام؟ على الصراط كما قال النبي ﷺ (الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة، مضروب على متن جهنم يعبر عليه الناس فتزل الأقدام) والذي يمشي في حاجة أخيه المسلم حتى يقضيها له يثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام. فلاحظ أن الرسول ﷺ يقول: حتى يقضيها له (ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يقضيها له) لأن بعض الناس -وهذه مشكلة- تأتي تكلمه أن عندك مشكلة، فتقول له: يا أخي! أنا عندي المشكلة الفلانية كذا وكذا، فيقول: أبشر ولا يهمك، أنا مستعد أن أذهب غداً، وهو يعرف أنه لن يفعل شيئاً بالموضوع، ولكن من باب المجاملة وينتهي المشوار على لا شيء، وهو يعلم سلفاً وقد يخبئ في نفسه وسائل أخرى للوصول إلى المقصود، لكن يقول: فلان هذا قد يكون واسطة خير، ولكن أنا أريد أن أبقيه لنفسي؛ يمكن أحتاج للشخص هذا في يوم من الأيام، فما أريد الآن أن أستعمل هذه الورقة وأحرقها من أجل فلان، فأنا أذهب وأتوسط بكلمتين ولا أشد عليه أو ألزم عليه، فيرفض، ولكن من باب رفع الحرج، هذا كل يوم على رأسي، ويعرف أن المشكلة لن تنتهي، فلذلك يقول النبي ﷺ ((حتى يثبتها له) أو على الأقل يتفانى بجهده الكامل حتى لو لم تنتهِ المشكلة لكن بذل جميع ما في قدرته وجميع ما في وسعه. ويقول النبي ﷺ (اتقِ الله، ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط) حديثٌ صحيح رواه ابن حبان عن جابر بن سليم الهجيمي ﵁ ((وأن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط) الآن كثيرٌ من المسلمين يتلاقون فإذا إشارات العبوس، وجبين هذا مقطب، وهذا متجهم الوجه، هذه حال كثير من المقابلات، والرسول ﷺ يقول (ابتسامتك في وجه أخيك المسلم صدقة) ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو هذه الابتسامة؛ لأن الابتسامة هذه تعبر عن أشياء كثيرة.

стр. 1680

التزاور حق من حقوق الأخوة ومن حقوق المسلمين على المسلمين ومن حقوق الأخوة في الله: التزاور، يقول الرسول ﷺ () إن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى -تصور، أي: ذهب من قرية إلى قرية، ليس مثلنا الآن نتكاسل في الذهاب من بيت إلى بيت- فأرصد الله له على مدرجته ملكاً -في الطريق- فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه نعمة تربها؟ -يعني: هل أنت ذاهب إليه تريد منه شيئاً، أي: مصلحة معينة؟ - قال: لا. غير أني أحببته في الله فقال الملك: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) رواه مسلم، وقال ﷺ في الحديث الصحيح () ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ ثم ذكر عدة أصناف من الرجال- ثم قال: والرجل يزور أخاه في ناحية المصر -يعني: في ناحية البلد- في الله) ليس لأنه يحتاج منه شيئاً، لا. في الله فقط، فهذا من أنواع الناس في الجنة. - زيارة المريض: ومن الزيارات المؤكدة -أيها الإخوة- زيارة المريض (وإذا مرض فعده) الآن الواحد منا يمرض أخوه المسلم، ويجلس في المستشفى أياماً، ويشفى من المرض، ويخرج من المستشفى، وبعدها يسمع -كأنه خبر في نشرة أخبار- خبر أخيه هذا كأنه خبر عادي: صار كذا وكذا، وانتهت الحادثة بكذا وكذا، دخل فلان المستشفى فمكث فيها أربعة أيام وأجريت له عملية والآن هو في البيت يأخذ نقاهة مثل الأخبار التي نسمعها للمرضى، هذه حقيقة. أشياء كثيرة تعود إلى التقصير، والزيارات الآن بين المسلمين ليست على المستوى المطلوب، فكثيرٌ من الناس يتعذرون بالأشغال، وغالب الأشغال دنيوية، وتجد الاثنين عندما يتقابلان يقول أحدهما للآخر: يا أخي! أنا أعرف أنك مشغول وأنا مشغول؛ لذلك ومن أجل هذا -أنت مشغول وأنا مشغول- لا داعي أني أشغلك زيادة ولا أنت تشغلني زيادة، فلذلك لا زيارات. وهذا ليس صحيحاً، يعني: هل يوجد شخص مشغول أكثر من النبي ﷺ ، ومع ذلك كان يذهب لزيارة أم أيمن، وهي امرأة كبيرة في السن من الأنصار كان يزورها، وأحدنا الآن قد لا يرجو من وراء هذه المرأة نصر الإسلام ولا الجهاد ولا كذا لكن النبي ﷺ الذي لا يوجد أحد مشغولاً أكثر منه كان يذهب ويزور أم أيمن ويزور غيرها من الصحابة، وكثير من الأحاديث الفعلية، تجد الراوي يقول: وأن الرسول ﷺ ذهب ليزور فلاناً، وأن الرسول ﷺ عاد سعد بن عبادة، وأن الرسول ﷺ ، فزيارات الرسول ﷺ كثيرة. وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى إذا بلغه عن شخصٍ صلاحٌ أو زهدٌ أو قيامٌ بحقٍ أو اتباعٌ للأمر -للسنة- سأل عنه، وأحب أن تجري بينهما معرفة، وأحب أن يعرف أحواله، الإمام أحمد كان حريصاً على جمع أهل السنة وتوحيد جهودهم، وكان حريصاً على زيارتهم في الله، فكان إذا سمع عن رجل فيه خير وفيه اتباع للسنة، أحب أن يجري بينه وبين ذلك الرجل معرفة، ويزوره، ويلتقي به، ويتحدث إليه، ويتعرف على أخباره.

стр. 1681

نصيحة الأخ المسلم وكذلك من الواجبات الأخوية: مسألة النصيحة، يقول الرسول ﷺ (من أفتى بغير علمٍ كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمرٍ يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) رواه أبو هريرة وهو حديث حسن. شخص جاء -مثلاً- يستشيرني هل يتوظف في المكان الفلاني أو الفلاني؟ هل الزواج من بيت فلان أو بيت فلان؟ هل يقدم على الخطوة الفلانية أم لا؟ وأنا أشرت عليه بأمر غير الذي أعتقد أنا أنه الصحيح فقد خنته، والآن يحدث من بعض المسلمين حسد وكيد، يقول له: أذهب إلى الوظيفة الفلانية أم الفلانية؟ يقول: لا. تلك أحسن، بينما الحقيقة غير هذا، لكن حسد، يقول: هذا في الغد يمشي في الوظيفة، ومعه شهادة، فيترقى ويصبح أعلى مني، لا. دعني أدله خطأ، وأوجهه خطأ وشخص يقول للثاني: أريد أن أعمل مشروعاً تجارياً، ما رأيك أفعل كذا أو كذا؟ فيقول: لا. هذا مشروع فاشل، عليك بالأمر الفلاني أحسن، لماذا؟ حسداً من عند نفسه؛ لأنه قد يصير أحسن وأكثر منه مالاً، وهكذا أحياناً: شخص يريد أن يعمل تجارة وأنت قد تفهم من الموضوع أن هذا المشروع طيب ومناسب ولكن تقول: انتبه هذه الأيام الدنيا لا تساعد، وقد تفشل، ويمكن كذا، أي: تثبيط، ليس لأن الأمر مثبط، لا. بل حسداً من عند نفسك، تشير عليه في أمرٍ وأنت تعلم أن الرشد في غيره، فهذه خيانة وقطع للعلاقات الأخوية بسكين الخيانة. والنصيحة -أيها الإخوة- ((إذا استنصحك فانصحه) قال العلماء: هذه واجبة، البدء بالسلام سنة، لكن إذا استنصحك -أي: طلب منك النصيحة- يجب عليك أن تنصحه، وإذا لم تنصحه تأثم. والنصيحة تأخذ عدة أشكال وعدة جوانب: فمن النصائح مثلاً: يقول الرسول ﷺ مبيناً أهمية النصيحة وهو حديثٌ من الأحاديث الصحيحة، وهو في السلسلة الصحيحة برقم [٩٢٦] ((المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف ضيعته، ويحوطه من ورائه) أنت الآن إذا نظرت إلى المرآة ماذا تشاهد؟! أي عيب فيك تشاهده في المرآة. يقول المناوي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: فأنت مرآة لأخيك يبصر حاله فيك. كأنه أنت المرآة، فهو يبصر حاله فيك، وهو مرآة لك تبصر حالك فيه. يكف الضيعة، أي: يجمع عليه معيشته ويضمها إليه، فيلبي له احتياجاته في معيشته، إن كان عنده فضل يعود به عليه، ويحوطه من ورائه، يعني: يحفظه ويصونه ويذب عنه ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان والشفقة والنصيحة، هذه من واجبات الأخوة. مثلاً: كنت في مجلس وشخص تكلم على فلان، أقوم أنا وأثور وأتكلم وأرد عن هذا الغائب: (ويحوطه من ورائه) فإذا حدث كلام من ورائه تجد هذا الأخ يذب ويدافع. الشاهد: أن الرسول ﷺ شبه المؤمن للمؤمن بالمرآة، يقول الشارح: فكما يزيل عنك كل أذىً تكشفه لك المرآة فأزل عنه كل أذى فيه عن نفسه، مثلما أنك إذا نظرت إلى المرآة تزيل الأذى عن نفسك، كذلك هذا الأخ المسلم مثل المرآة، هو الذي يدلك على عيوب نفسك، فأنت ترى به عيوبك أنت، فتصلح عيوبك بواسطته هو، ولذلك -أيها الإخوة- الله أمر بالتواصي فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] لا بد من التواصي أي: التناصح مثل: يا فلان! أوصيك بكذا، أي: أنصحك بكذا، لابد من مد جسور النصيحة بين المسلمين؛ لأنك قد لا ترى عيوبك بنفسك لكن الآخرين يرون عيوبك. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: [إلى من يشكو المسلم إذا لم يشكُ إلى أخيه المسلم؟ ومن الذي يُلزمه من أمره مثل الذي يلزمه؟ إن المسلم مرآة أخيه، فيه يبصر عيبه، ويغفر له ذنبه، قد كان من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجل الرجل فيقول: يا أخي! ما كل ذنوبي أبصر -أنا لا أنظر كل ذنوبي- ولا كل عيوبي أعرف، فإذا رأيت خيراً فمرني به، وإذا رأيت شراً فانهني عنه]. والآن إذا جئنا على مستوى هؤلاء الإخوة في الله، قد لا تحدث النصيحة -أيها الإخوة- لأسباب، منها: قد يتهيب الأخ المسلم من نصح أخيه، قد يكون أكبر منه سناً فلا ينصحه، قد يكون أعلى منه قدراً في العلم أو الجاه فيتهيب من نصحه، فتجده يخاف أو يصير عنده نوع من الوجل، فلان أكبر مني كيف أقدم له نصيحة؟ فيسكت، أحياناً قد يمسك عن النصيحة لا يقول لأخيه ماذا يدور في نفسه، شخص -مثلاً- أسلوبه فظ ويعاملني بقسوة، من الخطأ في بعض النفسيات أن تكتم الأساليب الخاطئة التي تعامل بها، نفسية كتومة فتتراكم الأشياء فيها من معاملة خطأ كلمة خاطئة أسلوب عنيف شيء بعد شيء وقطرة بعد قطرة حتى يتدفق السيل الجرار الذي يقطع العلاقات ويهدم الجسور بين هذا الأخ وأخيه، بسبب ماذا؟ بسبب الكتمان، كتمان كتمان ثم يأتي الوقت الذي ينفجر فيه، فإذا انفجر معناه انتهت العملية. فلذلك لا بد -أيها الإخوة- من المصارحة، لا بد أن نتصارح فيما بيننا، إذا وجدتُ خطأً وما استطعت أن أبتلعه تماماً وبقي في نفسي أثر، ليس صحيحاً أن أبقي هذا الأثر؛ حتى لا تتراكم الآثار وتنفجر القضية وتنقطع علاقتي بهذا الأخ، ولا أريد أن أقابله مرة أخرى، لا. لابد أن نتدارك الأخطاء أولاً بأول، ونتصارح فيما بيننا، وإلا ما قمنا بواجب النصيحة والأخوة في الله. ومن أسباب عدم حدوث النصيحة: اللامبالاة، وهي من العوامل المهمة التي تحجب النصيحة، مثلاً: إنسان ما يحس بأهمية النصيحة، ولا بقيمتها، فلا يبالي بإلقائها -النصيحة- فيكون سلبياً يقول: دع غيري ينصحه، لا داعي أن أكلف نفسي بالنصيحة، قد يكون هذا العيب ما رآه أحدٌ إلا أنت، لا بد أن تنصح، وقد يكون كلام واحد غير كافٍ، لكن عندما يجتمع الكلام من عدة مصادر يحدث التأثير، فلا تقل: أنا لا أريد أن أتكلم، لا. انصح وتكلم، قد يكون كلامك في غاية الأهمية: (لا تحقرن من المعروف شيئاً).

стр. 1682

حفظ عرض الأخ المسلم وكذلك -أيها الإخوة- حفظ عرض المسلم، والمحافظة على قيمته وصيانته، من الأمور التي تنتهك الآن غيبة ونميمة سب وشتم انتقاص أشياء كثيرة تقع بسبب عدم استشعار المسلم لحرمة أخيه المسلم، عدم الاستشعار بأن اللحوم مسمومة، قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] ولذلك ترى في الوقت الذي نحتاج فيه إلى تطبيق قواعد الأخوة في الله، وصيانة إخواننا المسلمين نجد ألسنة الافتراء والكذب والبهتان تنطلق بلا حدود في تجريح الإخوة المسلمين، وبيان عيوبهم ومثالبهم. إذا كان الكلام عن عيب الأخ في غيبته حرام، فكيف إذا كانت القضية غير موجودة في الأخ، وإنما هي افتراءٌ عليه وبهتانٌ له؟! كيف يكون هذا عند الله ؟ افتراءات تبرر بتبريرات عجيبة، والإسلام بريءٌ منها، بقصد يتوهم صاحبه أنه حسن، أو يتوهم أن هذه مصلحة، فيبدأ يجرح ويتكلم، ولكن المسألة عند الله بخلاف ذلك، كلمة قد تهوي بالإنسان في النار سبعين خريفاً، كلمة واحدة فكيف بشخص منطلق بلا حساب، يكيل التهم والسباب والشتائم والتنقص من إخوانه المسلمين. وبعض الناس من منظار التعصب -أحياناً- لا يعامل بمبادئ الأخوة في الله إلا من هو على شاكلته، وأما إذا اختلف مع شخصٍ آخر في رأيٍ من الآراء، أو منهجٍ من المناهج، أو طريقة من الطرق، فإنه يعامله بالفظاظة والغلظة والقسوة التي لا تليق بالمسلم أبداً. الرسول ﷺ قال () المسلم أخو المسلم) ما دام أنه مسلم لابد أن تؤاخيه وهذه الحواجز التي توضع أحياناً بسبب الخلافات في الآراء يجب أن تزول وألا تكون مانعة من مد جسور الأخوة في الله إلى جميع الأخوة المسلمين في جميع أقطار المعمورة فمتى وصلت إليه فهو أخوك المسلم، الأخ المسلم ليس من الجيران فقط، ولا من القرابة فقط، ولا من البلد فقط، ولا ممن هو على شاكلته، يبقى أخي المسلم هو أخي المسلم ما دام أنه من أهل السنة والجماعة، ما دام أنه على العقيدة الصحيحة، مادام أنه يتمسك بسنة الرسول ﷺ ، ما دام أنه ليس مبتدعاً ولا ظالماً ولا فاسقاً فهو يبقى أخي في الله ، بل إنه حتى لو كان فاسقاً فإن ابن تيمية ﵀ يبين فيقول: وقد يجتمع في المسلم إيمانٌ وفسوق؛ لأن الله يقول في القرآن بإيضاح أنه قد يحصل في المؤمن إيمانٌ وشركٌ أصغر، أو إيمانٌ وفسق، لكن لا يجتمع الإيمان مع الشرك الأكبر ولا مع الكفر، فيقول ابن تيمية ﵀: وكل إنسانٍ نواليه بحسب ما معه من الإيمان، ونبغضه بحسب ما هو عليه من الفسق. فنواليه ونعاديه في نفس الوقت، حتى لو كان فاسقاً فإن له حقاً من الموالاة، ولا بد من الموالاة في الله. فنعود ونقول: إن قصر حقوق الأخوة في الله على طائفة من المسلمين دون الباقي لهو انحراف وقصور في فهم الأخوة التي أمر الله بها، وينبغي -أيها الإخوة- أن تكون هذه قضية واضحة، ينبغي أن تكون هذه المسألة مطبقة في واقعنا وإلا فنحن مقصرون. فإذاً: أيها الإخوة! هذا الافتراء وهذا البهتان الذي ينطلق أحياناً من بعض ألسنة المسلمين ضد إخوانهم الآخرين، هو من الأشياء التي لا تُرضي الله ، وصار شعار بعض المسلمين بدلاً من: تعال بنا نؤمن ساعة، صار شعارهم: تعال بنا نغتب ساعة، فتجد المجالس كلها مؤسسة على الغيبة وعلى القدح والانتقاص. فإذاً: أيها الإخوة! الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، كوني أختلف أنا وأنت في مسألة فقهية، كوني أختلف أنا وأنت في رأي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -البشر من طبيعتهم الاختلاف- يحصل بيني وبينك اختلاف في الرأي، هذا لا يعني مطلقاً أن أعاديك وأبغضك، أبداً، فإن الصحابة كانت تقع بينهم خلافات. علي بن أبي طالب وقع بينه وبين بعض الصحابة حروب باجتهادات، ماذا كان يقول علي ﵁ عندما يشتم بعض الذين قاتلوه في المجلس؟ كان ينهى نهياً شديداً عن ذلك، وكان يقول عندما يطلب رأيه فيمن قاتله: [إخواننا بغوا علينا] هو بويع على أنه خليفة، فحصلت اجتهادات من بعض الناس الآخرين، منهم المأجور مرة ومنهم المأجور مرتين، منهم مجتهد مخطئ ومنهم مجتهد مصيب، ﵃ أجمعين، كان يقول: إخواننا بغوا علينا، ما أخرجهم عن كونهم إخوة أبداً، إخواننا لكن أخطئوا علينا -بغوا علينا- لكن لا زالوا إخواننا، والله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] كيف سماهم مؤمنين وهو يقول اقتتلوا؟ ما أخرجهم عن صفة الإيمان، فلذلك هذا الصنف من الناس الذي يشبهه بعض المفكرين المسلمين بالذبابة التي لا تقف إلا على الخبث، وتنقل هذا الخبث من مكان إلى آخر، هؤلاء الذبابيون - إن صحت تسميتهم بذلك- يقفون على الخبث ويتتبعون سقطات الناس وعيوبهم وأخطاءهم وعوراتهم، ثم يجلسون في المجالس ويعيدون ويكررون ما خرجوا به، هؤلاء الناس مثل الذباب لا يقع إلا على الخبائث وينقل هذه الخبائث من مكان إلى آخر: أنسى عداء المجرمين سياسة وأغيظ أهلي من بذيء سبابي للظالمين تحيتي ومودتي ولأهل ديني طعنتي وحرابي هذا جحيمٌ لا يطاق ومنطقٌ يأباه وحشٌ قابعٌ في الغاب مهما كان أيها الإخوة، المسلمون في العالم إخوة لنا في الله ما داموا على طريقة أهل السنة، والإحساس بأحاسيس الإخوة والشعور بمشاعرهم عبادة عظيمة. وذكر عن الشيخ محمد رضا رحمه الله تعالى؛ الداعية المعروف، أنه من فرط اهتمامه بأمور المسلمين ومشاكلهم يكون في حالة يذهل فيها عن نفسه، يعني: يسرح أحياناً وهو في هم عظيم، وهو يفكر في واقع المسلمين، وقد حصل له مرة أن أمه اقتحمت عليه خلوته وهو جالس يفكر في وضع المسلمين، فرأته واجباً فقالت له تمازحه باللهجة العامية، وهو في مصر: (هو في مسلم مات اليوم في الصين) أي: مادام أنك مهموم فأكيد اليوم مسلم مات في الصين. فإذاً: كان الرسول ﷺ قدوتنا في هذا، كان يشارك المسلمين آلامهم وآمالهم، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، وكان يشاركهم. أيها الإخوة: من المؤسف أن تجد أخاً وقع في مشكلة أو مصيبة وهو مغموم والآخر أمامه ينكت ويضحك، وهذا أمامه الآن مغموم وذاك لا يعطي له أي اعتبار ولا يشاركه في أي شعور من مشاعره، فهذا مما يفصم عرى الأخوة في الله.

стр. 1683

التماس الأعذار وكذلك من واجبات الأخوة: أن تلتمس الأعذار لأخيك، والمؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات، ومن روائع كلام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: من صدق في أخوة أخيه قبل علله -كل واحد فيه عيوب وأخطاء، لا يوجد إنسان كامل- وسد خلله، وعفا عن زللِه. هذا سيخطئ عليك ويزل عليك، فأنت ما هو موقفك؟ أن تعفو عن زلته.

стр. 1684

بعض سلبيات الاجتماعات والمجالس بين الأخوة والآن -أيها الإخوة- سنتكلم عن بعض القضايا الواقعية التي تحدث في أوساط الإخوة في الله، وهذه الأشياء من المشاكل التي تواجهنا، ولا بد من إيجاد الحلول لها.

стр. 1685

الاجتماع والجلوس لغير فائدة الآن نتيجة التقارب الذي يحدث بين المسلمين المتآخين في الله ، فإنهم يكثرون من الجلوس مع بعضهم، وتتعدد مجالسهم، ويجلسون مع بعضعهم كثيراً، وهذا طبيعي؛ لأن الخير لا بد أن ينجذب إليه الأخيار، فسيجلسون مع بعضهم، وهذا الجلوس ليس محموداً في بعض الحالات، بل إنه ينتج عنه مشاكل، ونحن الآن نريد أن نناقش بعض هذه المشاكل. يقول ابن القيم ﵀: اجتماع الإخوان على قسمين: اجتماعٌ على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ وهذا أقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت، والثاني: اجتماعٌ على التعاون على أسباب النجاة؛ وهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها. والآن ليس كل الناس الطيبين إذا اجتمعوا مع بعضهم يخرجون بنتائج طيبة، لا. أحياناً الناس يجتمعون مع بعضهم، لماذا يجتمعون مع بعضهم؟ أحياناً يكون الاجتماع بسبب أن فلاناً فيه توافق وتجانس بين شخصيتي وشخصيته، في مطابقة بين شخصيتي وشخصيته، تآلف هناك أي: أرتاح له ويرتاح لي، المسألة مسألة ارتياح، فنتيجة لذلك نجلس مع بعضنا كثيراً، هذا الجلوس إذا تعدى حداً معيناً فإنه يكون مذموماً، لماذا؟ لأن هذا الجلوس هو عبارة عن استئناس بالجالس، وتفكه ومفاكهة بالحديث معه، وإمضاء للوقت، وهذا الإنسان معاشرته طيبة وحديثه جميل، ونحن نتبادل مع بعض أحاسيس وأخبار، يعني: ارتياح، لا تتعدى المسألة الارتياح، لذلك تجد هذا المجلس ما فيه تواصٍ بالحق والصبر، وليس فيه علم شرعي يطرح، ولا مسائل مفيدة تناقش، وإنما تكون قضايا دنيوية أو أحاسيس وأشياء تقال في هذه المجالس لمجرد الارتياح فقط، هذه الأشياء يقول عنها ابن القيم ﵀: هذا أقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت. أما النوع الثاني: فهو الاجتماع على التعاون وعلى أسباب النجاح، التعاون لطلب العلم، التعاون للمشاورة والمناقشة في أوضاع المسلمين، وماذا يصلح لهم، التعاون والجلوس لحل مشكلة معينة واقع فيها إنسان مسلم أو بعض المسلمين، مجالس الوعظ والتذكير وزيادة الإيمان، هذه المجالس التي تزيد الإنسان صلة بالرحمن. أما إذا كان المجلس بسبب الارتياح لا بسبب الذكر ولا طلب العلم، بل لمجرد الارتياح والتوافق النفسي، فإن هذا المجلس سيكون فيه سلبيات، فمن هذه السلبيات بالإضافة إلى ضياع الوقت وفساد القلب تزين بعضهم لبعض. فتجد الناس إذا جلسوا مع بعض كل واحد يداري عيوبه؛ وقد تصبح فيها مجاملات، وكل إنسان يريد أن يظهر أحسن ما عنده من الأخلاق، فلا يظهر لأخيه على حقيقته، فلذلك إذا غادر المجلس تغيرت طباعه، فيسبب تزين بعضهم لبعض، وهذه من آفات المجالس، أن الناس يتزينون لبعضهم، ولا يبدون أمام بعضهم البعض بكل صراحة ووضوح، وإنما يداري العيوب وتنكشف في أماكن أخرى، أحياناً: يجلس الإنسان مع أخيه -مثلاً- في مجلس فيظهر له في غاية البشاشة واللطف، وبغاية الحسن في الأسلوب والأدب، فإذا انقلب إلى بيته وجدت علاقته بزوجته علاقة سيئة جداً، لا فيها لطف، ولا حسن معاملة، ولا أدب، ولا شيء، لماذا؟ بسبب التزين الذي يحدث في المجالس، يتزين بعضهم لبعض. هذه من المشاكل. وتزداد الخلطة بهؤلاء الناس عن مقدارها الذي تحتاج إليه، فتتحول إلى شهوة تلهي عن المقصود، وتعطل الإنسان عن القيام بالواجبات، وهذه حاصلة، تجد بعض الناس يجتمعون مع بعض، ويجلسون مع بعض، وقد يكون فيهم خير وليسوا سيئين، ولا فيهم منكرات ولا فسوق؛ لكن تطول بهم مجالس الاستئناس والارتياح فتلهيهم عن طلب العلم، وعن صلاة النافلة، وعن قراءة القرآن، وعن محاسبة النفس، وتلهيهم عن الدعوة إلى الله. أيها الإخوة: لا بد أن نفكر جدياً أن هناك من يحتاج إلى أوقاتنا من الضائعين من المسلمين الذين يحتاجوننا بشدة أكثر مما يحتاجه فلان وفلان، عندما نجلس مع بعض لمجرد الاستئناس والارتياح، هذه الاستئناسات والارتياحات تفوِّت عليك أشياء عظيمة جداً وواجبات كبيرة، بدل ما تجلس يا أخي تتكلم في كلام ما نقول كلام محرم بل كلام مباح، قم من هذا المجلس واذهب إلى فلان هذا الحائر الضائع، وانصحه وكلمه لعل الله أن يهديه على يديك، بدلاً من أن تجلس أنت وتضيع الوقت في الكلام مع هؤلاء الناس، وأحياناً لأن طابع المجلس طابع إسلامي، فإن هذا الشيء يُغبش على بعض الأنظار فلا ترى هذا الخطأ، فيقول في عين نفسه: أنا أجلس مع إخواني في الله، الحمد لله أنا جالس مع أناسٍ طيبين، ولذلك لا يفكر في تغيير واقعه، وقد يكون فيه خطأ كبير، أقل ما فيه اشتغال بالمفضول عن الفاضل، وهذا مدخل من مداخل الشيطان. الانطلاق في المجتمع أفضل من أن تجلس جلسات الارتياح والمؤانسة، انطلق -يا أخي- فهناك في المجتمع منكرات كثيرة تحتاج إلى تغيير بشتى أنواع التغيير، هناك أناس يحتاجونك بشدة، هناك أقارب لك يعيشون وهم بحاجة إلى شخص ينصحهم، وأحياناً عندما تأتي وتكلم الناس تجد هناك إقبالاً وتعطشاً عند كثير من الناس، لكن هذه الاستئناسات تشغلك عن هذه القضية. كان ابن الجوزي ﵀ يحتال على زائريه، أناس يأتون لتضييع الأوقات، يقولون: هذا ابن الجوزي حسن الكلام والمفاكهة، فيأتونه ويزورونه، وابن الجوزي ﵀ من الناس الذين عندهم عصامية في القراءة وطلب العلم، فإذا كل شخص جاء يريد أن يكلمه، وكل شخص يريد أن يزوره؛ فمتى يقرأ لنفسه؟ ومتى يبحث؟ ومتى يحاسب نفسه؟ ومتى يربي نفسه؟ ومتى يذكر الله؟ ومتى يصلي الصلوات النافلة؟ فكان ابن الجوزي ﵀ يحتال لهؤلاء، فيقول: فكنت أترك لزيارتهم الأشغال التي تحتاج إلى وقت ولا تحتاج إلى تفكير، يعني: كنت أترك الأشياء التي تحتاج إلى وقت ولا تحتاج إلى تفكير هذه أؤخرها إلى أن يجيئني شخص. مثل ماذا؟ مثل بري الأقلام، وتقطيع الأوراق، فهذه كان يخليها عندما يأتي الناس، قال: لأني أقع في مشكلة إذا رددت الناس قالوا: لماذا هذا يردنا؟ هذا متكبر وهذا وهذا وإذا أدخلتهم وجلسوا ضاع الوقت وراحت القضية في كلام لا فائدة فيه، فصار يرجئ قضية بري الأقلام وتقطيع الأوراق إلى أن يأتي الناس، فإذا جاءوا جلس يقطع ويبري ويتكلم معهم حتى ينصرفوا، أي: لا بد من الحكمة في تصريف الأمور، وليس يأتي إنسان فتقول: اليوم لن أجلس معك؛ لأن هذه المجالس كلها كلام لا فائدة فيه. فلا بد من الحكمة والتروي واتخاذ الأسلوب المناسب.
следующие страницы →