← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

نصيحة الأخ المسلم وكذلك من الواجبات الأخوية: مسألة النصيحة، يقول الرسول ﷺ (من أفتى بغير علمٍ كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمرٍ يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) رواه أبو هريرة وهو حديث حسن. شخص جاء -مثلاً- يستشيرني هل يتوظف في المكان الفلاني أو الفلاني؟ هل الزواج من بيت فلان أو بيت فلان؟ هل يقدم على الخطوة الفلانية أم لا؟ وأنا أشرت عليه بأمر غير الذي أعتقد أنا أنه الصحيح فقد خنته، والآن يحدث من بعض المسلمين حسد وكيد، يقول له: أذهب إلى الوظيفة الفلانية أم الفلانية؟ يقول: لا. تلك أحسن، بينما الحقيقة غير هذا، لكن حسد، يقول: هذا في الغد يمشي في الوظيفة، ومعه شهادة، فيترقى ويصبح أعلى مني، لا. دعني أدله خطأ، وأوجهه خطأ وشخص يقول للثاني: أريد أن أعمل مشروعاً تجارياً، ما رأيك أفعل كذا أو كذا؟ فيقول: لا. هذا مشروع فاشل، عليك بالأمر الفلاني أحسن، لماذا؟ حسداً من عند نفسه؛ لأنه قد يصير أحسن وأكثر منه مالاً، وهكذا أحياناً: شخص يريد أن يعمل تجارة وأنت قد تفهم من الموضوع أن هذا المشروع طيب ومناسب ولكن تقول: انتبه هذه الأيام الدنيا لا تساعد، وقد تفشل، ويمكن كذا، أي: تثبيط، ليس لأن الأمر مثبط، لا. بل حسداً من عند نفسك، تشير عليه في أمرٍ وأنت تعلم أن الرشد في غيره، فهذه خيانة وقطع للعلاقات الأخوية بسكين الخيانة. والنصيحة -أيها الإخوة- ((إذا استنصحك فانصحه) قال العلماء: هذه واجبة، البدء بالسلام سنة، لكن إذا استنصحك -أي: طلب منك النصيحة- يجب عليك أن تنصحه، وإذا لم تنصحه تأثم. والنصيحة تأخذ عدة أشكال وعدة جوانب: فمن النصائح مثلاً: يقول الرسول ﷺ مبيناً أهمية النصيحة وهو حديثٌ من الأحاديث الصحيحة، وهو في السلسلة الصحيحة برقم [٩٢٦] ((المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف ضيعته، ويحوطه من ورائه) أنت الآن إذا نظرت إلى المرآة ماذا تشاهد؟! أي عيب فيك تشاهده في المرآة. يقول المناوي رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث: فأنت مرآة لأخيك يبصر حاله فيك. كأنه أنت المرآة، فهو يبصر حاله فيك، وهو مرآة لك تبصر حالك فيه. يكف الضيعة، أي: يجمع عليه معيشته ويضمها إليه، فيلبي له احتياجاته في معيشته، إن كان عنده فضل يعود به عليه، ويحوطه من ورائه، يعني: يحفظه ويصونه ويذب عنه ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضرراً، ويعامله بالإحسان والشفقة والنصيحة، هذه من واجبات الأخوة. مثلاً: كنت في مجلس وشخص تكلم على فلان، أقوم أنا وأثور وأتكلم وأرد عن هذا الغائب: (ويحوطه من ورائه) فإذا حدث كلام من ورائه تجد هذا الأخ يذب ويدافع. الشاهد: أن الرسول ﷺ شبه المؤمن للمؤمن بالمرآة، يقول الشارح: فكما يزيل عنك كل أذىً تكشفه لك المرآة فأزل عنه كل أذى فيه عن نفسه، مثلما أنك إذا نظرت إلى المرآة تزيل الأذى عن نفسك، كذلك هذا الأخ المسلم مثل المرآة، هو الذي يدلك على عيوب نفسك، فأنت ترى به عيوبك أنت، فتصلح عيوبك بواسطته هو، ولذلك -أيها الإخوة- الله أمر بالتواصي فقال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣] لا بد من التواصي أي: التناصح مثل: يا فلان! أوصيك بكذا، أي: أنصحك بكذا، لابد من مد جسور النصيحة بين المسلمين؛ لأنك قد لا ترى عيوبك بنفسك لكن الآخرين يرون عيوبك. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: [إلى من يشكو المسلم إذا لم يشكُ إلى أخيه المسلم؟ ومن الذي يُلزمه من أمره مثل الذي يلزمه؟ إن المسلم مرآة أخيه، فيه يبصر عيبه، ويغفر له ذنبه، قد كان من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجل الرجل فيقول: يا أخي! ما كل ذنوبي أبصر -أنا لا أنظر كل ذنوبي- ولا كل عيوبي أعرف، فإذا رأيت خيراً فمرني به، وإذا رأيت شراً فانهني عنه]. والآن إذا جئنا على مستوى هؤلاء الإخوة في الله، قد لا تحدث النصيحة -أيها الإخوة- لأسباب، منها: قد يتهيب الأخ المسلم من نصح أخيه، قد يكون أكبر منه سناً فلا ينصحه، قد يكون أعلى منه قدراً في العلم أو الجاه فيتهيب من نصحه، فتجده يخاف أو يصير عنده نوع من الوجل، فلان أكبر مني كيف أقدم له نصيحة؟ فيسكت، أحياناً قد يمسك عن النصيحة لا يقول لأخيه ماذا يدور في نفسه، شخص -مثلاً- أسلوبه فظ ويعاملني بقسوة، من الخطأ في بعض النفسيات أن تكتم الأساليب الخاطئة التي تعامل بها، نفسية كتومة فتتراكم الأشياء فيها من معاملة خطأ كلمة خاطئة أسلوب عنيف شيء بعد شيء وقطرة بعد قطرة حتى يتدفق السيل الجرار الذي يقطع العلاقات ويهدم الجسور بين هذا الأخ وأخيه، بسبب ماذا؟ بسبب الكتمان، كتمان كتمان ثم يأتي الوقت الذي ينفجر فيه، فإذا انفجر معناه انتهت العملية. فلذلك لا بد -أيها الإخوة- من المصارحة، لا بد أن نتصارح فيما بيننا، إذا وجدتُ خطأً وما استطعت أن أبتلعه تماماً وبقي في نفسي أثر، ليس صحيحاً أن أبقي هذا الأثر؛ حتى لا تتراكم الآثار وتنفجر القضية وتنقطع علاقتي بهذا الأخ، ولا أريد أن أقابله مرة أخرى، لا. لابد أن نتدارك الأخطاء أولاً بأول، ونتصارح فيما بيننا، وإلا ما قمنا بواجب النصيحة والأخوة في الله. ومن أسباب عدم حدوث النصيحة: اللامبالاة، وهي من العوامل المهمة التي تحجب النصيحة، مثلاً: إنسان ما يحس بأهمية النصيحة، ولا بقيمتها، فلا يبالي بإلقائها -النصيحة- فيكون سلبياً يقول: دع غيري ينصحه، لا داعي أن أكلف نفسي بالنصيحة، قد يكون هذا العيب ما رآه أحدٌ إلا أنت، لا بد أن تنصح، وقد يكون كلام واحد غير كافٍ، لكن عندما يجتمع الكلام من عدة مصادر يحدث التأثير، فلا تقل: أنا لا أريد أن أتكلم، لا. انصح وتكلم، قد يكون كلامك في غاية الأهمية: (لا تحقرن من المعروف شيئاً).

стр. 1682

حفظ عرض الأخ المسلم وكذلك -أيها الإخوة- حفظ عرض المسلم، والمحافظة على قيمته وصيانته، من الأمور التي تنتهك الآن غيبة ونميمة سب وشتم انتقاص أشياء كثيرة تقع بسبب عدم استشعار المسلم لحرمة أخيه المسلم، عدم الاستشعار بأن اللحوم مسمومة، قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ [الحجرات:١٢] ولذلك ترى في الوقت الذي نحتاج فيه إلى تطبيق قواعد الأخوة في الله، وصيانة إخواننا المسلمين نجد ألسنة الافتراء والكذب والبهتان تنطلق بلا حدود في تجريح الإخوة المسلمين، وبيان عيوبهم ومثالبهم. إذا كان الكلام عن عيب الأخ في غيبته حرام، فكيف إذا كانت القضية غير موجودة في الأخ، وإنما هي افتراءٌ عليه وبهتانٌ له؟! كيف يكون هذا عند الله ؟ افتراءات تبرر بتبريرات عجيبة، والإسلام بريءٌ منها، بقصد يتوهم صاحبه أنه حسن، أو يتوهم أن هذه مصلحة، فيبدأ يجرح ويتكلم، ولكن المسألة عند الله بخلاف ذلك، كلمة قد تهوي بالإنسان في النار سبعين خريفاً، كلمة واحدة فكيف بشخص منطلق بلا حساب، يكيل التهم والسباب والشتائم والتنقص من إخوانه المسلمين. وبعض الناس من منظار التعصب -أحياناً- لا يعامل بمبادئ الأخوة في الله إلا من هو على شاكلته، وأما إذا اختلف مع شخصٍ آخر في رأيٍ من الآراء، أو منهجٍ من المناهج، أو طريقة من الطرق، فإنه يعامله بالفظاظة والغلظة والقسوة التي لا تليق بالمسلم أبداً. الرسول ﷺ قال () المسلم أخو المسلم) ما دام أنه مسلم لابد أن تؤاخيه وهذه الحواجز التي توضع أحياناً بسبب الخلافات في الآراء يجب أن تزول وألا تكون مانعة من مد جسور الأخوة في الله إلى جميع الأخوة المسلمين في جميع أقطار المعمورة فمتى وصلت إليه فهو أخوك المسلم، الأخ المسلم ليس من الجيران فقط، ولا من القرابة فقط، ولا من البلد فقط، ولا ممن هو على شاكلته، يبقى أخي المسلم هو أخي المسلم ما دام أنه من أهل السنة والجماعة، ما دام أنه على العقيدة الصحيحة، مادام أنه يتمسك بسنة الرسول ﷺ ، ما دام أنه ليس مبتدعاً ولا ظالماً ولا فاسقاً فهو يبقى أخي في الله ، بل إنه حتى لو كان فاسقاً فإن ابن تيمية ﵀ يبين فيقول: وقد يجتمع في المسلم إيمانٌ وفسوق؛ لأن الله يقول في القرآن بإيضاح أنه قد يحصل في المؤمن إيمانٌ وشركٌ أصغر، أو إيمانٌ وفسق، لكن لا يجتمع الإيمان مع الشرك الأكبر ولا مع الكفر، فيقول ابن تيمية ﵀: وكل إنسانٍ نواليه بحسب ما معه من الإيمان، ونبغضه بحسب ما هو عليه من الفسق. فنواليه ونعاديه في نفس الوقت، حتى لو كان فاسقاً فإن له حقاً من الموالاة، ولا بد من الموالاة في الله. فنعود ونقول: إن قصر حقوق الأخوة في الله على طائفة من المسلمين دون الباقي لهو انحراف وقصور في فهم الأخوة التي أمر الله بها، وينبغي -أيها الإخوة- أن تكون هذه قضية واضحة، ينبغي أن تكون هذه المسألة مطبقة في واقعنا وإلا فنحن مقصرون. فإذاً: أيها الإخوة! هذا الافتراء وهذا البهتان الذي ينطلق أحياناً من بعض ألسنة المسلمين ضد إخوانهم الآخرين، هو من الأشياء التي لا تُرضي الله ، وصار شعار بعض المسلمين بدلاً من: تعال بنا نؤمن ساعة، صار شعارهم: تعال بنا نغتب ساعة، فتجد المجالس كلها مؤسسة على الغيبة وعلى القدح والانتقاص. فإذاً: أيها الإخوة! الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، كوني أختلف أنا وأنت في مسألة فقهية، كوني أختلف أنا وأنت في رأي في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -البشر من طبيعتهم الاختلاف- يحصل بيني وبينك اختلاف في الرأي، هذا لا يعني مطلقاً أن أعاديك وأبغضك، أبداً، فإن الصحابة كانت تقع بينهم خلافات. علي بن أبي طالب وقع بينه وبين بعض الصحابة حروب باجتهادات، ماذا كان يقول علي ﵁ عندما يشتم بعض الذين قاتلوه في المجلس؟ كان ينهى نهياً شديداً عن ذلك، وكان يقول عندما يطلب رأيه فيمن قاتله: [إخواننا بغوا علينا] هو بويع على أنه خليفة، فحصلت اجتهادات من بعض الناس الآخرين، منهم المأجور مرة ومنهم المأجور مرتين، منهم مجتهد مخطئ ومنهم مجتهد مصيب، ﵃ أجمعين، كان يقول: إخواننا بغوا علينا، ما أخرجهم عن كونهم إخوة أبداً، إخواننا لكن أخطئوا علينا -بغوا علينا- لكن لا زالوا إخواننا، والله قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] كيف سماهم مؤمنين وهو يقول اقتتلوا؟ ما أخرجهم عن صفة الإيمان، فلذلك هذا الصنف من الناس الذي يشبهه بعض المفكرين المسلمين بالذبابة التي لا تقف إلا على الخبث، وتنقل هذا الخبث من مكان إلى آخر، هؤلاء الذبابيون - إن صحت تسميتهم بذلك- يقفون على الخبث ويتتبعون سقطات الناس وعيوبهم وأخطاءهم وعوراتهم، ثم يجلسون في المجالس ويعيدون ويكررون ما خرجوا به، هؤلاء الناس مثل الذباب لا يقع إلا على الخبائث وينقل هذه الخبائث من مكان إلى آخر: أنسى عداء المجرمين سياسة وأغيظ أهلي من بذيء سبابي للظالمين تحيتي ومودتي ولأهل ديني طعنتي وحرابي هذا جحيمٌ لا يطاق ومنطقٌ يأباه وحشٌ قابعٌ في الغاب مهما كان أيها الإخوة، المسلمون في العالم إخوة لنا في الله ما داموا على طريقة أهل السنة، والإحساس بأحاسيس الإخوة والشعور بمشاعرهم عبادة عظيمة. وذكر عن الشيخ محمد رضا رحمه الله تعالى؛ الداعية المعروف، أنه من فرط اهتمامه بأمور المسلمين ومشاكلهم يكون في حالة يذهل فيها عن نفسه، يعني: يسرح أحياناً وهو في هم عظيم، وهو يفكر في واقع المسلمين، وقد حصل له مرة أن أمه اقتحمت عليه خلوته وهو جالس يفكر في وضع المسلمين، فرأته واجباً فقالت له تمازحه باللهجة العامية، وهو في مصر: (هو في مسلم مات اليوم في الصين) أي: مادام أنك مهموم فأكيد اليوم مسلم مات في الصين. فإذاً: كان الرسول ﷺ قدوتنا في هذا، كان يشارك المسلمين آلامهم وآمالهم، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، وكان يشاركهم. أيها الإخوة: من المؤسف أن تجد أخاً وقع في مشكلة أو مصيبة وهو مغموم والآخر أمامه ينكت ويضحك، وهذا أمامه الآن مغموم وذاك لا يعطي له أي اعتبار ولا يشاركه في أي شعور من مشاعره، فهذا مما يفصم عرى الأخوة في الله.

стр. 1683

التماس الأعذار وكذلك من واجبات الأخوة: أن تلتمس الأعذار لأخيك، والمؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات، ومن روائع كلام الشافعي رحمه الله تعالى أنه كان يقول: من صدق في أخوة أخيه قبل علله -كل واحد فيه عيوب وأخطاء، لا يوجد إنسان كامل- وسد خلله، وعفا عن زللِه. هذا سيخطئ عليك ويزل عليك، فأنت ما هو موقفك؟ أن تعفو عن زلته.

стр. 1684

بعض سلبيات الاجتماعات والمجالس بين الأخوة والآن -أيها الإخوة- سنتكلم عن بعض القضايا الواقعية التي تحدث في أوساط الإخوة في الله، وهذه الأشياء من المشاكل التي تواجهنا، ولا بد من إيجاد الحلول لها.

стр. 1685

الاجتماع والجلوس لغير فائدة الآن نتيجة التقارب الذي يحدث بين المسلمين المتآخين في الله ، فإنهم يكثرون من الجلوس مع بعضهم، وتتعدد مجالسهم، ويجلسون مع بعضعهم كثيراً، وهذا طبيعي؛ لأن الخير لا بد أن ينجذب إليه الأخيار، فسيجلسون مع بعضهم، وهذا الجلوس ليس محموداً في بعض الحالات، بل إنه ينتج عنه مشاكل، ونحن الآن نريد أن نناقش بعض هذه المشاكل. يقول ابن القيم ﵀: اجتماع الإخوان على قسمين: اجتماعٌ على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ وهذا أقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت، والثاني: اجتماعٌ على التعاون على أسباب النجاة؛ وهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها. والآن ليس كل الناس الطيبين إذا اجتمعوا مع بعضهم يخرجون بنتائج طيبة، لا. أحياناً الناس يجتمعون مع بعضهم، لماذا يجتمعون مع بعضهم؟ أحياناً يكون الاجتماع بسبب أن فلاناً فيه توافق وتجانس بين شخصيتي وشخصيته، في مطابقة بين شخصيتي وشخصيته، تآلف هناك أي: أرتاح له ويرتاح لي، المسألة مسألة ارتياح، فنتيجة لذلك نجلس مع بعضنا كثيراً، هذا الجلوس إذا تعدى حداً معيناً فإنه يكون مذموماً، لماذا؟ لأن هذا الجلوس هو عبارة عن استئناس بالجالس، وتفكه ومفاكهة بالحديث معه، وإمضاء للوقت، وهذا الإنسان معاشرته طيبة وحديثه جميل، ونحن نتبادل مع بعض أحاسيس وأخبار، يعني: ارتياح، لا تتعدى المسألة الارتياح، لذلك تجد هذا المجلس ما فيه تواصٍ بالحق والصبر، وليس فيه علم شرعي يطرح، ولا مسائل مفيدة تناقش، وإنما تكون قضايا دنيوية أو أحاسيس وأشياء تقال في هذه المجالس لمجرد الارتياح فقط، هذه الأشياء يقول عنها ابن القيم ﵀: هذا أقل ما فيه أنه يفسد القلب ويضيع الوقت. أما النوع الثاني: فهو الاجتماع على التعاون وعلى أسباب النجاح، التعاون لطلب العلم، التعاون للمشاورة والمناقشة في أوضاع المسلمين، وماذا يصلح لهم، التعاون والجلوس لحل مشكلة معينة واقع فيها إنسان مسلم أو بعض المسلمين، مجالس الوعظ والتذكير وزيادة الإيمان، هذه المجالس التي تزيد الإنسان صلة بالرحمن. أما إذا كان المجلس بسبب الارتياح لا بسبب الذكر ولا طلب العلم، بل لمجرد الارتياح والتوافق النفسي، فإن هذا المجلس سيكون فيه سلبيات، فمن هذه السلبيات بالإضافة إلى ضياع الوقت وفساد القلب تزين بعضهم لبعض. فتجد الناس إذا جلسوا مع بعض كل واحد يداري عيوبه؛ وقد تصبح فيها مجاملات، وكل إنسان يريد أن يظهر أحسن ما عنده من الأخلاق، فلا يظهر لأخيه على حقيقته، فلذلك إذا غادر المجلس تغيرت طباعه، فيسبب تزين بعضهم لبعض، وهذه من آفات المجالس، أن الناس يتزينون لبعضهم، ولا يبدون أمام بعضهم البعض بكل صراحة ووضوح، وإنما يداري العيوب وتنكشف في أماكن أخرى، أحياناً: يجلس الإنسان مع أخيه -مثلاً- في مجلس فيظهر له في غاية البشاشة واللطف، وبغاية الحسن في الأسلوب والأدب، فإذا انقلب إلى بيته وجدت علاقته بزوجته علاقة سيئة جداً، لا فيها لطف، ولا حسن معاملة، ولا أدب، ولا شيء، لماذا؟ بسبب التزين الذي يحدث في المجالس، يتزين بعضهم لبعض. هذه من المشاكل. وتزداد الخلطة بهؤلاء الناس عن مقدارها الذي تحتاج إليه، فتتحول إلى شهوة تلهي عن المقصود، وتعطل الإنسان عن القيام بالواجبات، وهذه حاصلة، تجد بعض الناس يجتمعون مع بعض، ويجلسون مع بعض، وقد يكون فيهم خير وليسوا سيئين، ولا فيهم منكرات ولا فسوق؛ لكن تطول بهم مجالس الاستئناس والارتياح فتلهيهم عن طلب العلم، وعن صلاة النافلة، وعن قراءة القرآن، وعن محاسبة النفس، وتلهيهم عن الدعوة إلى الله. أيها الإخوة: لا بد أن نفكر جدياً أن هناك من يحتاج إلى أوقاتنا من الضائعين من المسلمين الذين يحتاجوننا بشدة أكثر مما يحتاجه فلان وفلان، عندما نجلس مع بعض لمجرد الاستئناس والارتياح، هذه الاستئناسات والارتياحات تفوِّت عليك أشياء عظيمة جداً وواجبات كبيرة، بدل ما تجلس يا أخي تتكلم في كلام ما نقول كلام محرم بل كلام مباح، قم من هذا المجلس واذهب إلى فلان هذا الحائر الضائع، وانصحه وكلمه لعل الله أن يهديه على يديك، بدلاً من أن تجلس أنت وتضيع الوقت في الكلام مع هؤلاء الناس، وأحياناً لأن طابع المجلس طابع إسلامي، فإن هذا الشيء يُغبش على بعض الأنظار فلا ترى هذا الخطأ، فيقول في عين نفسه: أنا أجلس مع إخواني في الله، الحمد لله أنا جالس مع أناسٍ طيبين، ولذلك لا يفكر في تغيير واقعه، وقد يكون فيه خطأ كبير، أقل ما فيه اشتغال بالمفضول عن الفاضل، وهذا مدخل من مداخل الشيطان. الانطلاق في المجتمع أفضل من أن تجلس جلسات الارتياح والمؤانسة، انطلق -يا أخي- فهناك في المجتمع منكرات كثيرة تحتاج إلى تغيير بشتى أنواع التغيير، هناك أناس يحتاجونك بشدة، هناك أقارب لك يعيشون وهم بحاجة إلى شخص ينصحهم، وأحياناً عندما تأتي وتكلم الناس تجد هناك إقبالاً وتعطشاً عند كثير من الناس، لكن هذه الاستئناسات تشغلك عن هذه القضية. كان ابن الجوزي ﵀ يحتال على زائريه، أناس يأتون لتضييع الأوقات، يقولون: هذا ابن الجوزي حسن الكلام والمفاكهة، فيأتونه ويزورونه، وابن الجوزي ﵀ من الناس الذين عندهم عصامية في القراءة وطلب العلم، فإذا كل شخص جاء يريد أن يكلمه، وكل شخص يريد أن يزوره؛ فمتى يقرأ لنفسه؟ ومتى يبحث؟ ومتى يحاسب نفسه؟ ومتى يربي نفسه؟ ومتى يذكر الله؟ ومتى يصلي الصلوات النافلة؟ فكان ابن الجوزي ﵀ يحتال لهؤلاء، فيقول: فكنت أترك لزيارتهم الأشغال التي تحتاج إلى وقت ولا تحتاج إلى تفكير، يعني: كنت أترك الأشياء التي تحتاج إلى وقت ولا تحتاج إلى تفكير هذه أؤخرها إلى أن يجيئني شخص. مثل ماذا؟ مثل بري الأقلام، وتقطيع الأوراق، فهذه كان يخليها عندما يأتي الناس، قال: لأني أقع في مشكلة إذا رددت الناس قالوا: لماذا هذا يردنا؟ هذا متكبر وهذا وهذا وإذا أدخلتهم وجلسوا ضاع الوقت وراحت القضية في كلام لا فائدة فيه، فصار يرجئ قضية بري الأقلام وتقطيع الأوراق إلى أن يأتي الناس، فإذا جاءوا جلس يقطع ويبري ويتكلم معهم حتى ينصرفوا، أي: لا بد من الحكمة في تصريف الأمور، وليس يأتي إنسان فتقول: اليوم لن أجلس معك؛ لأن هذه المجالس كلها كلام لا فائدة فيه. فلا بد من الحكمة والتروي واتخاذ الأسلوب المناسب.

стр. 1686

كيفية التعامل مع الأخ المذنب ومن القضايا كذلك التي تحدث في أوساط الإخوة: قد يستزل الشيطان مسلماً من المسلمين فيوقعه في فاحشة من الفواحش، أو في منكر من المنكرات، أو في خطأ شرعي، قد تضعف نفس هذا الأخ المسلم في وقتٍ من الأوقات فيقع في فاحشة أو منكر أو يرتكب معصية، فيكون وقع هذه المعصية على نفوس إخوانه كبيراً جداً، لأنه من المفترض أنه يبتعد عن هذه الأشياء، لكن الضعف البشري صفة ملازمة للبشر؛ لأن النقص في البشر وفي بني الإنسان مسألة موجودة، فإذا وقع شخص من إخوانك المسلمين في هذا الخطأ أو في هذه المعصية ماذا يحدث؟ في الحقيقة -أيها الإخوة- أن ردود الفعل تتفاوت، فمن ردود الفعل الخاطئة والخطيرة جداً -بل إن عواقبها وخيمة للغاية- أن هؤلاء الناس المحيطين بهذا الرجل إذا عرفوا أنه قد وقع بهذه الخطيئة، أو في هذه المعصية، يتبرءون منه حالاً، وينفضون عنه، لا يجالسونه، ولا يكلمونه ويقاطعونه، ولا يسلمون عليه، ولا يسألون عنه، لأنه في نظرهم قد صار فاسقاً، وهذا التصرف تصرف خطير جداً، بل إنه من أعز أمنيات الشيطان، وأعز أمنياته أن يتصرف المسلمون مع أخيهم المسلم الذي وقع في المعصية هذا التصرف، وود الشيطان أن يصل إلى هذه النتيجة، لماذا؟ لأن ذلك المسلم المخطئ الذي ارتكب هذا المنكر عندما يرى انفضاض إخوانه من حوله ماذا سيحدث؟ سيبتعد عنهم، ومن الذي يجتذبه؟ يجتذبه أعوان الشر وإخوان الشياطين، ويذهب إلى غير ما رجعة، بينما لو كانت الأمور عولجت بأسلوب آخر لكان قد تلافينا الوضع ورجعت المياه إلى مجاريها بغير هذه النتائج الخطيرة. قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في قصة الصحابي الذي أخطأ وعصى الله وشرب الخمر، وقد أتي به ليجلد، فبينما هم يجلدونه أخذوا يسبونه: لعنة الله عليه فقال الرسول ﷺ للصحابة (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم) من المستفيد؟ فأنت الآن عندما تشتمه علناً وتسبه وتلعنه ثم تقاطعه من المستفيد؟ الشيطان هو المستفيد وحزب الشيطان هم المستفيدون الوحيدون من هذه المعاملة، لذلك يقول عبد الله بن مسعود ﵁: [إذا رأيتم أخاكم اقترف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه، كأن تقولوا: اللهم أخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية] لأنك يمكن أن تقع بالخطأ الذي وقع فيه، وأنت لست معصوماً، وربما تزل قدمك في يوم من الأيام وتضعف نفسك لا سمح الله وترتكب هذا الخطأ الذي وقع هو فيه وللآن أنت جالس تنتقص منه وتخاصم وتعاديه وتقطع علاقاتك معه من أجل هذا الخطأ، أنت يبتليك الله بما وقع فيه في يوم من الأيام. فإذاً في هذه الحالة ماذا يكون التصرف الصحيح؟ من قواعد الشريعة -أيها الإخوة- كما قال علماؤنا -وهذا كلام مهم جداً- أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثيرٌ ظاهر فإنه يحتمل منه ما لا يحتمل من غيره، ويعفى عنه مالا يعفى عن غيره -كلام ابن القيم ﵀ كلام جميل- فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث. انظر الاستدلال الجميل جداً، فالماء إذا بلغ قلتين ووقع فيه شيءٌ من النجاسة، هل تظهر فيه النجاسة؟ لا. لأنه ماء كثير، وهذا رجل من إخوانك في الله له محاسن كثيرة، وله فضائل كثيرة، وله جهود مشكورة، فعندما يقع في خطأ، هذا الخطأ السيئ الذي وقع فيه بجانب الحسنات الكثيرة التي عنده: ماذا تكون؟ نقطة في شيءٍ كثير من الماء، فلذلك يقول ابن القيم ﵀: ومن هذا قول النبي ﷺ لـ عمر ((وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!) قالها في أي مناسبة؟ في قصة حاطب بن أبي بلتعة؛ وحاطب بن أبي بلتعة صحابي جليل جداً شهد معركة بدر، وقاتل مع المسلمين، وأهل بدر غفر لهم الله ، وحاطب بن أبي بلتعة فعل خطأً عظيماً، فلقد أرسل رسالة إلى كفار قريش يخبرهم فيها أن رسول الله ﷺ عازمٌ على المسير إليهم في فتح مكة، أليس هذا الخطأ خيانة كبيرة للمسلمين؟ إرسال خبر إلى الكفار لكي يستعدوا ويتأهبوا وتضيع الفرصة على المسلمين خيانة عظيمة، وخطأ كبير جداً، لكن حاطب ﵁ له حسنات هائلة، فهو صحابي جليل، وقد ناصر الرسول ﷺ وناصر الإسلام، وخرج في معركة بدر وقاتل وفي غيرها من المعارك، ونصر الله ورسوله في مواقف كثيرة جداً، ويطلب العلم مع المسلمين ويدعو معهم إلى الله ، ومرة وقع في هذا الخطأ بسبب ضعفٍ نفسي، فكيف عالج النبي ﷺ الأمور؟ عمر ﵁ كان غضوباً، قال: أقتل الرجل، فهذا قد نافق وهو جاسوس، أأضرب عنقه؟ فقال الرسول ﷺ لـ عمر مهدئاً: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!) هذا الكلام لـ عمر. أما ما قال لـ حاطب: فالرسول ﷺ أتى به بهدوء وقال له (ما حملك على هذا) أولاً: معرفة الأسباب، فهذا من أوائل الأمور، كيف نواجه الأمر؟ أولاً: إذا وقع شخص من إخواننا المسلمين في خطأ أو معصية -أيها الإخوة! هذا منهج مهم جداً نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لاتباعه- أولاً: لا نواجه هذا المخطئ أو هذا العاصي الذي وقع في المعصية بالسب والشتم واللعن ونصفه بالفسق والفجور، وثانياً: لا نغير علاقتنا معه ونقطعها، كما ذكرنا قبل قليل. ثالثاً: لا بد أن نعرف عذره، وكيف وقع في هذا الخطأ، وكيف ارتكبه. أحياناً قد يكون الرجل عنده عذر قوي، حاطب ﵁ وأرضاه كان عنده بعض العذر والرسول ﷺ استفهم من حاطب، أجلس حاطباً وقال (ما حملك على هذا) ما حملك على ما صنعت؟ لأنك أحياناً إذا تبين لك عذر الشخص يمكن أن يتلاشى كل ما في نفسك عليه، فقد تعذره في هذا الشيء الذي وقع فيه، فقد يكون وقع فيه بغير إرادته، وقد يكون الشيء الذي أنت تصورته عن وضعه غير صحيح. فلا بد إذاً -أيها الإخوة- من معرفة العذر، ثم بعد ذلك تقدر الأمور وينظر إلى عذر هذا الرجل: ما هي قوته؟ هل يعاتب؟ هل يوبخ؟ والتوبيخ من وسائل التعزير، إذا كانت مقاطعته مفيدة -مثلما فعل الرسول ﷺ مع كعب بن مالك - تُفعل. فـ كعب بن مالك متى قاطعه النبي ﷺ ؟ لما كان مجتمع المدينة كله مسلماً تقريباً، قاطع الرسول ﷺ كعباً، وأفادت القطيعة، لكن إذا قاطعت الآن أحد المسلمين الذين يخطئون، ماذا تكون النتيجة؟ آلاف من أهل الشر ينتظرونه ليتلقفوه. فإذاً مقاطعته في هذه الحالة تكون من عدم الحكمة، فلذلك لا بد من الإحسان إليه، ونعظه في الله موعظة، ونذكره بعقوبة هذا الجرم الذي وقع فيه عند الله، وإذا تاب واستغفر وحسنت حاله فقد يرجع التائب إلى درجة أعلى من الدرجة التي كان فيها قبل الذنب، كما ذكره ابن القيم ﵀، يقول: من التائبين من يعود إلى درجة أعلى مما كان عليه قبل أن يقع في الذنب، ومنهم إلى نفس الدرجة، ومنهم من يرجع إلى أقل منها، بحسب حاله وتوبته وإنابته. لا بد من إحسان الظن بالإخوة، لا بد أن نحسن الظن بإخواننا ونلتمس العذر لهم، وأن نحمل الأمر على أحسن أوجهه، حتى نحصل على أفضل النتائج، ونسد أي ثغرة من الثغرات التي يفتحها الشيطان، يقول أحد السلف: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى. وقال أحدهم لرجل من السلف وقد انقلب صاحبه عن الاستقامة -أي: رجل من السلف له صاحب، وهذا الصاحب انقلب عن الاستقامة، فقيل لهذا الرجل-: ألا تقطعه وتهجره؟ -يعني: هذا الرجل الآن أصبح عاصياً لماذا لا تقطعه وتهجره؟ -فقال: إنه الآن أحوج ما يكون إليَّ. بمعنى: أنه عندما وقع في عثرته فأنا آخذ بيده، عندما يكون الشخص مستقيماً قد لا يحتاج لأحد، لكن عندما يقع في الخطيئة ويقع في المعصية تكون حاجته لإخوانه في الله أكثر من حاجته قبل المعصية بكثير. إذاً لا بد من تقدير هذه النقطة، وإذا ما قدرت ضاع هذا المسكين، حاجة المخطئ لإخوانه بعد الخطيئة أعظم من حاجته إليهم قبل أن يخطئ، فإنه فعلاً يحتاج الآن إلى انتشال، ويحتاج إلى إصلاح، وتغيير حاله وإعادته مرة أخرى. كذلك بعض الناس إذا كانت المناسبة -مثلاً- مناسبة لعب أو حفلة، فإنهم يحضرون كلهم في المجلس، أما إذا كانت مناسبة علم شرعي، فإنك ترى بعضهم يتخلفون، فهؤلاء ليسوا بإخوة في الله حقيقة، ولو كانوا كذلك لحرصوا على ما يرضي الله، ولاجتمعوا عليه وتفرقوا.

стр. 1687

سلبيات وأخطاء في عالم الأخوة في الله

стр. 1688

التعلق بين المتآخين وقد تتحول -وهذه من الممارسات الخاطئة في قضية الأخوة- الأخوة في الله إلى شكلٍ آخر من الأشكال التي لا ترضي الله ، فقد يحصل الغلو في باب الأخوة لدرجة أنها تخرج عن مفهومها الإسلامي الصحيح، وتتحول من أخوةٍ في الله إلى لونٍ من ألوان التعلق القلبي بالمخلوقين وصورهم، فتجد بدلاً من العلاقة الأخوية القائمة على التناصح والاستفادة تنقلب هذه العلاقة إلى علاقة تعلق وتجاذب بين المتجالسين أو المتآخيين، تخرج بها عن حدها الشرعي وتوقع الإنسان في مهاوٍ كثيرة، فتفسد عليه قلبه، فأحياناً يتعلق شخصٍ بشخص آخر تعلقاً مذموماً، لدرجة أنه قد يفكر فيه في الصلاة، فهو في الصلاة لا يدري متى تنتهي الصلاة حتى يذهب يقابل هذا الرجل؛ لأنه تعلق به تعلقاً قلبياً، تعلق بشخصيته وما تعلق بعمله الصالح ولا بمنهجه وطريقته وعلمه، ولا تعلق به كقدوة، ولكن تعلق به كصورة وشكل، أو كظرافة وخفة دم مثلاً، فهنا تنقلب القضية من أخوة في الله إلى أشياء أخرى خطيرة، فتأخذ الأمور مجرىً آخر، ويصبح قلب الإنسان متعلقاً بشخصية هذا الرجل، فدائماً يطرأ على باله فيتذكره ويتعلق قلبه به، ويشتغل قلبه عن حب الله بحب هذا الرجل محبة غير شرعية لا ترضي الله ، وينشغل قلبه عن الصلاة -مثلاً- وعن ذكر الله تعالى، ويكون همه هو الجلوس إلى هذا الرجل والاستئناس إليه، وقد يحدث هذا الأمر في نطاق النساء كثيراً؛ لأن النساء فيهم عاطفة بطبعهم، ولذلك تجد أشكالاً كثيرة من الانجذاب. بعض الناس أحياناً يصل بهم الأمر لدرجة التعلق ولدرجة أنه لا يستطيع فراق الشخص الآخر مطلقاً، فإذا غاب لا يدري متى يرجع إليه، وإذا فقد صوته تجده أحياناً يتصل بالهاتف ليسمع صوته فقط ويكلمه أي كلام، ثم يقفل السماعة، وبعد قليل لأنه لا يقدر على مفارقة صوته يتصل مرة أخرى وما عنده كلام فيقفل التلفون، ثم مرة ثالثة وهكذا تأخذ القضية أشكالاً عجيبة وصوراً لا ترضي الله . فهذه القضايا من التعلق من أحسن من كتب في علاجها ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، فإن السؤال الموجه إليه في هذا الكتاب، هو قضية التعلق، فأجاب عنه ﵀ إجابة شافية وافية، وذكر أشياء كثيرة في النصف الثاني من الكتاب، فليراجعها من شاء، المهم أن نفرق بين الأخوة وبين التعلقات الشخصية، وألا يلبس التعلق الشخصي لبوس الأخوة في الله، ولا يلبس على المسلمين هذا الأمر، فتخرج القضية عن حدودها الشرعية.

стр. 1689

التساهل في احتشام الأهل من الأخ في الله كذلك -أيها الإخوة- من الأشياء الخاطئة التي في أوساط الأخوة في الله: التساهل في العلاقات بأهل الأخ في الدخول عليه وعلى بيته، فأحياناً الإنسان يدخل بيت أخيه وقد لا يكون الأخ موجوداً، قد يكون في البيت نساء ويتساهل الإنسان في الدخول، قد تظهر أمامه أشياء لا يجوز له أن يراها، قد يطلع على عورات لا يجوز له الاطلاع عليها، أحياناً من كثرة الدخول والخروج يكون هناك نوع من الألفة بين الرجل وبين النساء في بيت أخيه، وأحياناً قد يفتحون له الباب فيرى شكل المرأة أو منظرها مثلاً، وهذه قضية لا ترضي الله ، فلا بد من المحافظة على الحدود الشرعية، صحيح أن هذا بيت أخي ولي الحق أن أدخل فيه وأجلس وأستريح، ولكن هذا لا يعني أن أطلع على حرماته ويحصل هذا التساهل وهذه الألفة التي تؤدي إلى انكشاف العورات وأن أرى ما لا يرضي الله تعالى، وأحياناً تحدث قصص ومآسٍ تكون بدايتها هذه القضية. كذلك يحصل التساهل أحياناً بين بعض الإخوة في القعود مع بعضهم ومع أهلهم، مثلاً أناس يذهبون في رحلة إلى البحر، وكل واحد منهم يأخذ زوجته معه، هؤلاء أناس نفكر أنهم إخوان في الله، فماذا يحصل في النهاية؟ اجتماعٌ عام، وتصير القضية خلطة، وتصير المسألة مجلس منكر من المنكرات، ويتداخل الرجال مع النساء، بفعل تطور الأمور، التي قد تكون بدايتها طيبة لكن تكون النهاية مأساوية، فيجب التزام حدود الشرع في فصل النساء عن الرجال فصلاً كاملاً، وعدم نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية. كذلك -أيها الإخوة- الأخوة في الله لا تعني عدم التزام الآداب الإسلامية مع الأخ المسلم، يعني: إهمال قضية السلام، أو إهمال قضية الاستئذان، فمن الآداب الإسلامية أنك تستأذن قبل أن تدخل، أحياناً يصبح الواحد معتاداً على أخيه المسلم فيدخل عليه من غير أن يستأذن، وقد يكون الأخ في حالة غير مستعد فيها لاستقبال الناس، وهذا داخل على غرفته أو داخل على بيته وخارج هذا ليس صحيحاً، نعم هو أخوك في الله وبينكما عشرة عمر، ولكن في نفس الوقت لا بد أن تحافظ على آداب الاستئذان، ولا بد أن تستأذن، ولا تدخل حتى يسمح لك بالدخول، وألا تؤدي العشرة وكثرة الخلطة إلى هذه القضية.

стр. 1690

التصرف بمال الأخ من دون إذنه كذلك -مثلاً- التصرف في ممتلكات الأخ بغير إذنه أو استشارته، أحياناً شخص يقول: هذا أخي في الله، آخذ سيارته وهو لا يعلم، ويأتي هذا الأخ يحتاج السيارة في وقتٍ عصيب وضيق فلا يجد السيارة، من الذي أخذها؟ فلان من الناس، كيف؟ والله أنا وأنت مالي مالك، وسيارتك وسيارتي. يا أخي! مهما كان لا بد أن تستأذن؛ لأن الرسول ﷺ يقول (لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفسٍ منه) واحد يحتاج كتاباً دراسياً أو علمياً أو غيره، يأتي أخ له فيدخل على بيت هذا فيأخذ الكتاب من غير استئذان، وبعد ذلك يأتي هذا المسكين يبحث عن الكتاب فلا يجده، قد يكون عنده امتحان، قد يكون عنده واجب، قد يكون عند شيء، فلا يدري هذا الشيء، هذا غير صحيح، فالأخوة في الله لا تعني أن تأخذ ممتلكات هذا الشخص بغير إذنه.

стр. 1691

إسقاط الاحترام بين الإخوة كذلك مناداته بأحب الأسماء إليه، فبعض الناس يعتاد على أخيه اعتياداً مذموماً، فيسقط الاحترام والهيبة، وهذه مسألة مهمة، أحياناً الناس الذين يعيشون في أجواء الأخوة تسقط فيما بينهم قضية احترام المسلم لأخيه المسلم، فيتعدى عليه بألفاظ، قد يناديه باسمٍ قبيح، قد يغلط عليه في الأسلوب، ثم يقول: لا مشكلة، يعني: أخوة، حسناً: الأخوة لا يعني أن تسقط هيبة أخيك المسلم من نفسك، بل لا بد أن يكون له احترام وتقدير، وأحياناً الشخص حتى أمام الناس -مثلاً- يتكلم مع أخيه المسلم بكلام غير لائق وبكلام غير مناسب، لماذا؟ لأنه أخذ عليه كثيراً، ما أصبح هناك احترام، وهذه من الأشياء الواقعة التي ينبغي الانتباه إليها.

стр. 1692

المزاح الثقيل والتساهل في المواعيد كذلك -أيها الإخوة- المزاح الثقيل، واحد يمزح مع أخيه ويقول: هذا أخي في الله، ويمزح معه مزاحاً قد يؤلمه ويجرح شعوره، بينما لو ذهب ليمزح مع إنسان آخر ستجده لبقاً ويستخدم ألفاظاً مناسبة في مكانها، لكن إذا جلس مع أخيه المسلم الذي تعود عليه أخرج كلاماً غير مناسب. كذلك من الأمور التي تحدث: التساهل في المواعيد، يقول: ما دام أن هذا أخي في الله فإنه مقدر لظروفي، إذاً دعني أتأخر ساعة أو نصف ساعة، ليس مهماً، فيتساهل الإنسان في مواعيده، ولكن إذا واعد رجلاً آخر ما بينه وبينه معرفة كبيرة تجده يأتي بالضبط والدقة والموعد، ويريد أن يعطي الشخص الآخر فكرة مهمة عن احترام المسلم للمواعيد، وأن من إذا وعد أخلف تعتبر فيه صفة من صفات المنافق، لكن إذا جاء مع أخيه يقول: لا يهم، هذا أخي في الله. اتركنا نتأخر ما في مشكلة وهو سوف يسامحنا أصلاً.

стр. 1693

التساهل في تقديم الخدمات كذلك من القضايا التي تحدث: التساهل في تقديم الخدمات لإخوانك المسلمين، بحجة أن هذا أخ مسلم ولا يحتاج أن أبذل معه جهداً وأقدم له، معونة قد أدعو واحداً إلى عشاء وأتكلف له لأنه غريبٌ عني، لكن أخي المسلم القريب مني من الممكن أطعمه أي شيء، أو أن لا أتكلف بأن أدعوه إلى الوليمة، يعني هذا قريب ويحتاج، الرسول ﷺ ماذا قال في الحديث (أو تطرد عنه جوعا) أوليس الأخ المسلم القريب منك والملتزم بالإسلام أكثر من واجبك أن تكرمه؟ ألم يقل الرسول ﷺ (لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي)؟! ما معنى أن يأتي الغريب فتكرمه وتضيفه وعندما يأتي أخوك المسلم تقدم له أي شيء؟

стр. 1694

الحسد كذلك -أيها الإخوة- من المشاكل التي تقع أحياناً بين الإخوة في الله: قضية الحسد، وتنتج هذه المسألة -وسبق أن تكلمنا فيها- نتيجة بروز موهبة عند هذا الأخ، مثلاً: في حسن صوته، أو جمال خطه، أو فصاحته، أو جودة أسلوبه، أو جاذبيته، أو نجاحه في الدعوة إلى الله ، هنا يأتي الشيطان فيثير هذه الأشياء، فيقول: لماذا فلان أحسن مني؟ ولماذا كذا فتنطلق الأحقاد ويحس المسلم بشعور الحسد نحو أخيه، وهذا خطأٌ عظيم! الحسد من الأمراض القاتلة التي تحرق الحسنات، والمفروض أن الإنسان يفرح إذا ظهرت موهبة من أخيه المسلم حتى يستفيد الإسلام منها، والمفروض أن تفرح بهذا الشيء، وأن تفرح لهذه الموهبة التي وهبها الله أخيك. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، والحمد لله أولاً وآخراً.

стр. 1695

أهل النار قد انشغل الناس في هذا العصر بعمران الدنيا وخراب الآخرة، مما أدى إلى صدودهم عن سماع المواعظ، لذلك كان لزاماً على الدعاة تذكير الناس بحال أهل النار، وكان لزاماً على الناس أن يقفوا مع أنفسهم وقفة محاسبة ليجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية.

стр. 1696

أسباب صدود الناس عن سماع المواعظ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الإخوة: هناك ظاهرةٌ منتشرةٌ بين الناس تحتاج إلى تفكير لمعرفة أسبابها وعلاجها، وهذه الظاهرة هي ظاهرة النفور من سماع مواعظ النار والموت، فإن الناس إذا جئت تخبرهم عن هذه الأمور، وجدتهم يصدون عنك صدوداً، ورأيتهم يحبون الكلام عن رحمة الله تعالى، ولا يحبون الكلام عن عذاب الله تعالى وجدتهم يحبون الكلام عن الجنة، ولكنهم لا يرغبون في الكلام -مطلقاً- عن النار وجدتهم يحبون الكلام عن ثواب الطاعات، ولكنهم لا يحبون الكلام مطلقاً عن عذاب القبر وأهواله، ولا شك بأن النصف الأول من هذه الظاهرة طيبٌ وحسنٌ، ولكن المشكلة في النصف الثاني من هذه القضية. لماذا يصد الناس عن سماع المواعظ، وعن التذكرة بالخوف، وعذاب القبر، وعذاب جهنم، وأهوال المحشر والنشور؟ إنهم يصدون عن ذلك لأسباب منها:

стр. 1697

الكلام عن النار يؤلم النفس أولاً: أن الكلام عن النار وعذاب القبر والسيئات ومآلها يسبب ألماً في النفس، والنفس تنفر من كل ما يؤلمها؛ ولذلك فإن الناس لا يحبون الكلام في هذه المواضيع.

стр. 1698

عمران الناس للدنيا وترك الآخرة ثانياً: أن الناس قد عمروا دنياهم وخربوا آخرتهم، فإذا جئت تذكرهم بالموت، فإن هذا يعني الانتقال من العمار إلى الخراب، والانتقال من الدنيا وزينتها وزخِرفها إلى خراب الآخرة الذي لم يعدوا له العدة، ولم يحسبوا له الحساب؛ ولذلك- يا إخواني- كان الخوف من الله من أجلَّ العبادات، وأقربها إلى المولى ، فإن الخوف والرجاء خطان متقابلان من خطوط النفس البشرية، يركز القرآن والسنة عليهما تركيزاً شديداً؛ لأن الناس يتحمسون للعبادة والطاعة إذا اجتمع لهم رحمة الله وثوابه وحسناته وهذا هو الرجاء، واجتمع لهم الخوف من عذابه وجهنم، فإن هذا الخوف هو الذي يبعثهم على ترك المعاصي والازورار عنها، والاقتراب من طاعة الله .

стр. 1699

التذكرة بعذاب الآخرة أيها الإخوة: سبق أن تكلمنا عن جوانب من الرجاء، وتكلمنا عن الجنة، وما فيها من النعيم والحور العين في خطبٍ سابقةٍ، ولعل الوقت مناسبٌ أن نتكلم بعض الشيء عن جهنم، وما أعد الله فيها من العذاب، واعلموا بأن القصد من الحديث عن جهنم ليس هو الحكم على الحاضرين -جميعاً- بأنهم من أهل النار! كلا والله! ولا هو تنفير، أو تشديد كما يفعله بعض الجهلة، وإنما هو تذكيرٌ بعذاب الله ؛ نتذكر فيه -جميعاً- حتى تكون فيه العبرة والعظة، نحن نذكر جهنم في هذا المقام لا لنحكم على الحاضرين بأنهم من أهلها، ولكن لنبعد أنفسنا وأهلينا عن هذه النار، ولنأخذ بأسباب النجاة.

стр. 1700

صفة جهنم إن جهنم عظيمة، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، فاضرب سبعين ألفاً في سبعين ألفٍ لتعرف كم عدد الملائكة العظام الذين يجرون جهنم، كما ورد في حديث الإمام مسلم: (أهلها عميٌ وبكمٌ وصمٌ)، قال : ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠].

стр. 1701

حال أهل النار توضع في أعناقهم حبال النار كامرأة أبي لهب، ويجرون أمعاءهم فيها كـ عمرو بن عامر الخزاعي تسود وجوههم ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ [يونس:٢٨] ((تَلْفَحُ وُجُوهَهُمْ النَّارُ)) [المؤمنون:١٠٤]. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٥٤] ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] فراشهم من النار، ولحافهم من النار، ما طعامهم؟ ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:٦ - ٧] ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦] ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٣] فإذا غصوا بهذا الشوك والزقوم الذي أكلوه، ماذا يكون لهم من الشراب؟ هذا الزقوم- أيها الإخوة- الذي قال فيه ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي عن ابن عباس ﵁ وأرضاه، قال ﵊: (لو أن قطرةً من الزقوم قطرت في دار الدنيا، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم) فكيف بمن تكون طعامه؟ فكيف بمن يكون الزقوم طعامه دائماً وأبداً؟ فإذا غصوا بهذا الزقوم، فما شرابهم الذي يستعينون فيه على بلع اللقم؟ ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] حميماً متناهياً في الحرارة: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] مهلاً كعكر الزيت المغلي، ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص:٥٧] حميمٌ وغساقٌ وما سال من جلود أهل النار من قيحهم وصديدهم، وما يخرج من فروج الزناة والزواني من النتن: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧] ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:١٩ - ٢٠]. فما لباسهم؟ ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] قال إبراهيم التيمي ﵀: [سبحان الله الذي خلق من النار ثياباً قطعت لهم]. فما ظلهم الذي يستظلون به؟ ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات:٣٠] دخانٌ كثيفٌ جداً ينقسم من ضخامته إلى ثلاثة أقسام: ﴿لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣١] هل يظلهم؟ إنه لا يظلهم: ﴿لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات:٣١]. إنها جهنم: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات:٣٢] شررها فقط وليس لهيبها، شررها كالقصور والحصون الضخمة: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٣] أو كأنه إبل سود عظيمة. فإذا تسلقوا جهنم ليخرجوا منها كيف يعادون فيها؟ ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١] مطارق تضربهم بها الملائكة، فيعودون يقعون في جهنم. كيف يسحبون فيها؟ ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر:٤٨] ﴿إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر:٧١] ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيراً﴾ [الإنسان:٤] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢]. كيف صورهم؟ وما هي خلقتهم؟ إن الله يغير خلقة أهل النار بشكل يتناسب مع عذابهم، حتى يشتد ويعظم ويشمل البدن العظيم من بدن هذا العاصي، وهذا الكافر. روى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم مرفوعاً إلى رسول الله ﵊ وهو حديث صحيح- (إن الرجل من أهل النار ليعظم للنار- يضخمه الله ويكبره- حتى يكون الضرس من أضراسه كـ أحد - مثل: جبل أحد) هذا ضرسٌ واحدٌ من أضراسه. وقال ﵊ فيما رواه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة بإسناد صحيح: (وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة) المكان الذي يشغله من جهنم ما بين مكة والمدينة. وقال ﵊ فيما يرويه الإمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة: (ضرسُ الكافر يوم القيامة مثل: أحد، وعرض جلده سبعون ذراعاً، وعضده مثل: البيضاء) وهو جبل من جبال العرب، عضد الرجل في النار مثل: جبل من جبال العرب يسمى البيضاء (وفخذه مثل: ورقان) وهو جبل أسود على يمين المار من المدينة إلى مكة، هذا حجم ضرسه وفخذه وعضده وسمك جلده. وعن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه فيما رواه ابن ماجة بإسناد حسن واصفاً ﵊ بكاء أهل النار، يقول: (يرسل البكاء على أهل النار فيبكون، حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم بدلاً من الدموع، حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيها السفن لجرت) من عظم هذه الأخاديد المملوءة بالدم بعدما انقطعت الدموع. هل يموتون؟ هل يستريحون من عذابهم ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤] ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ليمتنا ربك فنستريح ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧].

стр. 1702

عذاب الدنيا لا يقارن بعذاب الآخرة أيها الإخوة: إذا قارنتم بأعظم عذاب في الدنيا مع عذاب الآخرة، هل يساوي بجنبه شيء؟ كلا والله! في الدنيا إذا اخترق جلد الإنسان، وفني جلده، ماذا يكون بعد ذلك؟ إنه الموت؛ إذ لا جلد بعد ذلك يتعذب به الإنسان، ولكن في جهنم: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] إنها ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٦] تنزع جلد الرأس، ليس العذاب عذاباً حسياً فقط؛ بل إنه عذابٌ معنويٌ كذلك: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] إنه الغم، لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول لهم مبكتاً: ﴿قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]؛ بل إن الاستهزاء من نصيبهم في العذاب، فإن الله يقول مستهزئاً بأهل النار عندما يذيقهم من عذابها: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]. وفقنا الله وإياكم للعمل بطاعته والبعد عن معصيته، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

стр. 1703

العبرة من ذكر جهنم الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا هو يسبح كل شيء بحمده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، دلنا على النجاة وطرقها، ودلنا للبعد عن المهالك وطرقها. أيها الإخوة: هذه الطائفة اليسيرة من أنواع العذاب الواردة في القرآن والسنة لا بد أن تحدث في نفوسنا خوفاً من الله يباعد عن معاصيه، وعن المهالك وسبل الشيطان، ولا بد أن تولد في أنفسنا حناناً واقتراباً من طاعة الله تعالى للفوز بالجانب الآخر من أنواع الجزاء وهو الجنة.

стр. 1704

وقفة محاسبة أيها الإخوة: هذه أنواع العذاب في النار، من يصمد لها ومن يقوى عليها؟ أين الزناة والزواني؟ وأين أهل اللواط والفاحشة؟ أين الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؟ أين أكلة الربا، وأكلة أموال الأيتام؟ أين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً؟ أين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله، ويشرعون للبشر من عند أهوائهم وأنفسهم؟ أين الذين يعقون آباءهم وأمهاتهم؟ أين الذين اتخذوا سبيل الغي وتركوا سبيل الرشد؟ أين الذين يستهزئون بسنن رسول الله ﷺ ؟ أين الذين يتطاولون على عباد الله المؤمنين، فيصفونهم بالتشدد والرجعية؟ أين الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم من الناس؟ أين الذين يزينون للناس سبل الباطل والشيطان؟ أين الذين اتخذوا الكذب والنفاق أخلاقاً، وانعدم من ضمائرهم أي خلق فاضل، وأي صدق، وأي أمانة؟ أين الذين يخونون الله بالليل والنهار؟ وأين الذين يختانون أنفسهم؟ أين الذين زينوا للناس كل وسائل اللهو والعبث التي تلهيهم عن ذكر الله، وعن الصلاة؟ أين الذين جانبوا كتاب الله وسنة نبيه، وغرقوا في أوحال المادة، وحياة الدنيا، يلهون ويلعبون غير مكترثين بما يكون لهم غداً عند الله من العذاب والنكال؟ أين الذين أعرضوا عن القرآن والسنة وأحكامهما؟ أين الذين إذا تليت عليهم آيات الله أغاروا عليها بسهام التأويل والتحريف وسهام الاستهزاء والتأويل بالباطل؛ حتى عادت آيات الله وأحاديث رسوله رسوماً وأطلالاً ليست لها في أنفسهم حرمةٌ، ولا عهد؟ أين الذين خانوا عهد الله؟ أين الذين انكبوا على وجوههم- وينكبون يوم القيامة في جهنم-؟ والنار مثوى لأهل الكفر كلهمُ طباقها سبعةٌ مسودةُ الحفرِ فيها غلاظٌ شدادٌ من ملائكةٍ قلوبهم شدةً أقسى من الحجرِ سوداء مظلمةٌ شعثاء موحشةٌ دهماء محرقةٌ لواحة البشرِ فيها الجحيم مذيبٌ للوجوه مع الأمعاء من شدة الإحراقِ والشررِ فيها السلاسل والأغلال تجمعهم مع الشياطين قسراً جمع منقهرِ والجوع والعطش المضني لأنفسهم فيها ولا جلدٌ فيها لمصطبرِ لها إذا ما غلت فورٌ يقلبهم ما بين مرتفعٍ فيها ومنحدرِ جمع النواصي مع الأقدام سيرهم من القوس محميةً من شدة الوترِ يا ويلهم تحرق النيران أعظمهم بالموت شهوتهم من شدة الضجرِ ضجوا وصاحوا زماناً ليس ينفعهم دعاء داعٍ ولا تسليم مصطبرِ وكل يومٍ لهم في طول مدتهم نزعٌ شديدٌ من التعذيب والسعرِ اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك. اللهم يا من تقي من الشرور، قنا عذابك يوم تبعث عبادك. اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، نجنا من عذاب النيران يا رب العالمين! ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦]. اللهم واجعلنا من الناجين على الصراط، ولا تخدشنا بكلاليب النيران يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نعوذ بك من جهنم من زقومها وغسلينها وحميمها ويحمومها. اللهم أعتق رقابنا من النار، ولا تزل أقدامنا يوم تزل الأقدام، واكتب لنا الجنة برحمتك وعفوك يا أرحم الراحمين. أيها الإخوة: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1705

الحق والباطل لقد ضرب الله في القرآن الكريم الأمثال للناس لعلهم يتفكرون ويعتبرون، وجعل من الأمثلة القرآنية مجالاً للتربية العالية لكل إنسان يتقبل الهدى والعلم، ومن هذه الأمثلة مثالين في سورة الرعد، وقد تكلم الشيخ عن المثالين ومرادهما، ومجال التربية فيهما، وما يحمل كل مثل من العبر والعظات.

стр. 1706

الحكمة من ضرب الأمثال إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. إخواني في الله: لقد ضرب الله في القرآن الكريم الأمثال للناس لعلهم يتذكرون، ويتفكرون، ويعتبرون، وجعل في ضرب الأمثلة تربيةً قرانيةً عاليةً لكل إنسان يتقبل الهدى والعلم النافع.

стр. 1707

المثل المائي: إنزال الماء على الأرض إن من هذه الأمثلة التي ضربها الله تعالى في محكم تنزيله، قوله : ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧] فلما ضربها الله للتذكرة، وللاعتبار، وللتفكر، كان لزاماً على كل مسلم أن يتفكر ويعتبر بهذه الأمثال ويفهمها، ولذلك قال ابن القيم ﵀ في تعليقه على هذا المثل القرآني، بعد أن بيَّن أن فيها مثلين مضروبين للحق والباطل، قال: "ومن لم يفقه هذين المثلين، ولم يتدبرهما، ويعرف ما يراد منهما، فليس من أهلهما". وكما قال بعض السلف الحريصين على فهم القرآن أمثالاً وحكماً وأحكاماً، وتشريعات وتوحيداً وقصصاً، قال هذا الرجل: كنت إذا قرأت مثلاً من القرآن، فلم أفهمه، بكيت على نفسي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣] فأبكي، لأنني لست من العالمين الذين عرفوا هذه الأمثلة، وهذه الآية التي قرأناها نمرُّ بها كثيراً- أيها الإخوة- ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧].

стр. 1708

بيان وجه التشابه بين المطر والوحي في الإحياء لما كانت الأرض الميتة لها ما يحييها من الماء النازل من السماء، فإن الله قد أنزل على القلوب الميتة ما يحييها، ويجعلها روحاً، ويكون لها بمثابة الروح: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢] فالله تعالى يقرن بين إنزال الوحي وبين نزول المطر من السماء في آيات كثيرة؛ لعموم التشابه بينهما، ولذلك إذا تمعنت في سورة الحديد، وجدت الله يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦] ماذا قال الله بعد هذه الآية مباشرةً؟ ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد:١٧] جاء ذكر إنزال الغيث بعد ذكر إنزال الوحي مباشرةً؛ تنبيهاً على ما بينهما من أوجه التشابه في الإحياء وغيره، وكما قال الله في سورة النحل: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل:٦٤]، ثم قال بعدها مباشرة: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل:٦٥] فإنزال المطر مقترن بإنزال الوحي.

стр. 1709

فائدة التعبير بالأودية أيها الإخوة! قال الله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد:١٧] شبه القلوب بالأودية، لما نزل المطر من السماء؛ احتمل كل وادٍ من ماء المطر بحسب سعته وضيقه، فكذلك قلوب العباد عندما ينزل عليها الوحي من السماء، تأخذ منه وتتسع بحسب ضيقها وعظمها، فقلبٌ كبيرٌ يحتمل وحياً عظيماً كما يحتمل الوادي الكبير ماءً كثيراً، وقلبٌ صغيرٌ كوادٍ صغيرٍ احتمل من العلم شيئاً قليلاً كما احتمل من الماء ذاك الوادي الصغير، فاحتملت القلوب هذا العلم بقدرها كما سالت أودية بقدرها.

стр. 1710

آنية الله في الأرض هي القلوب أيها الإخوة: يتفاوت الناس في استقرار العلم في صدورهم، وفي اتساع العلم، وفي اتساع القلوب لهذا العلم تفاوتاً يرتبط ارتباطاً مباشراً بالإيمان، واعلموا بأن الماء النازل من السماء لا يحتمله وادٍ واحد؛ لكثرته، وكذلك الوحي النازل من السماء لا يحتمله كله قلبٌ واحدٌ، وإنما تتفاوت القلوب، لا يحيطون بالله علماً، وهذا من أدلة عجز البشر، وعلى أنهم مهما وصلوا إليه من العلم في العلوم الشرعية، فإنهم لن يحيطوا بعلم الله أبداً، بل ولو حتى بما أنزله عليهم من القرآن، ولذلك لا بد أن نترفق في أخذ العلم، ولا بد أن نجاهد أنفسنا قليلاً قليلاً. وأمر القلوب في اتساعها للوحي والإيمان أمرٌ عظيم جداً، هذا القلب الذي يصفه رسول الله ﷺ بأنه كالمضغة في صغره، والمضغة هي: الشيء اليسير، يستطيع أن يحوي في جنباته إيماناً عظيماً كبيراً جداً، فإن في بعض قلوب العباد- أيها الإخوة- من العلم والإيمان ما لو نزل على جبل، لتركه قاعاً صفصفاً متصدعاً من هذا العلم والإيمان. انظروا إلى عظمة الله في خلقه، خلق قلوب العباد صغيرة في الحجم الحسي، لكنها كبيرةٌ جداً في الحجم المعنوي، تسع علماً كثيراً، وإيماناً عظيماً، وتسع من المعرفة والعلم بالله أشياء كثيرة لمن كان له قلب صحيح أو ألقى السمع وهو شهيد. وكذلك- أيها الإخوة- يصف رسول الله ﷺ ويخبر بأن لله آنيةً في الأرض، والآنية جمع الإناء، فالله تعالى له آنية في الأرض، ما هي هذه الآنية؟ يقول رسول الله ﷺ في الحديث الحسن الذي أخرجه الطبراني عن أبي عنبة ﵁ وأرضاه: (إن لله تعالى آنيةً من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقها) يملؤها الله نوراً وعلماً وإيماناً لمن كان له قلب (وأحبها إليه) أحب هذه الآنية، هذه القلوب (وأحبها إليه ألينها وأرقها) التي إذا سمعت آيات الله تتلى عليها، ترى جلود أصحابها تقشعر من خشية الله ، هذه الآنية التي يملؤها الله من فضله ورحمته ما يوصل إلى خشيته وعبادته. المطر عندما ينزل من السماء، فيغسل الأرض، ويتجمع في هذا الوادي يحمل معه في هذا الوادي الزبد -الغثاء- الذي يطفو على سطح الماء ويتجمع في هذا الوادي عالياً على الماء. هذا الزبد- أيها الإخوة- يكون رابياَ عالياً منتفخاً فوق الماء، ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه، كما يمر عليه السيل فيحتمله، فإن هذا الغثاء بعد فترة من الزمن يفرقه الوادي، ويقذفه إلى جنبيه، ويتعلق بالأشجار، وتتقاذفه الرياح، فتأخذه، ويظهر الماء في الوادي لمّاعاً صافياً يفيد الناس، فيستقون منه ويرعون، فكذلك العلم والإيمان إذا خالط القلوب، أثار ما فيها من الشهوات، عندما ينزل الماء على الأرض فيسيل، يجرف معه من هذه الأرض كل ما هب ودب من النافع وغير النافع حتى يصير زبداً عالياً فوق سطح الماء، هذا العلم عندما يدخل القلوب، وتخالط بشاشته، فإنه يثير ما في القلب من الشبهات والشهوات، يثيرها لا ليبقيها في القلب، وإنما يثيرها ينفض القلب نفضاً فيثير ما فيه من أمراض الشهوات والشبهات، يثيرها ليقلعها، ويذهب بها حتى يُنقي القلب من هذه الأدران والأخلاق الرديئة. وإذا ذهبت الشهوات والشبهات، يبقى القلب صافياً من كل ما علق به وكدّره، ويبقى هذا القلب فيه العلم والإيمان يفيد الناس تعليماً، ويفيد النفس خشيةً وعملاً وعبادةً وتطبيقاً، كما يفيد الماء الذي بقي في الوادي، فإنه ينبت الأشجار على جنبتي الوادي، ويستقي منه الناس، ويشربون، ويسقون أنعامهم بإذن الله. وكذلك هذا العلم إذا نزل في القلوب، ينبت الله به أشجار العبادة والخشية زهية قائمةً على أصولها في قلوب المؤمنين، وكذلك فإن هذا الماء يستقر في الوادي -عبَّر هنا بالوادي ولم يعبر بالنهر حتى يبين الاستقرار الحاصل للماء في هذا الوادي- كما يحصل به الاستقرار للعلم عندما ينزل في القلوب، فإنه يبقى فيها ثابتاً متكاثراً فيه البركة والنفع العظيم، واستقر العلم والإيمان في جذر القلوب، فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاءً ويزول شيئاً فشيئاً، ويبقى العلم والإيمان نافعاً، فكان عباد الله أعلاهم قدراً أكثرهم إحاطةً ووعياً بما أنزل الله تعالى. كان الوادي قبل أن ينزل الماء عليه جافاً منتناً متسخاً، فيه من أكدار الطبائع ما يجعل فيه من الشوائب أشياء كثيرة، فلما نزل الماء، غسل الأودية، ونظفها، وأزال الخشونة والجفاوة التي فيها، فكذلك قلوبنا تكون فيها من مخالطة الحياة المادية قسوةٌ كبيرةٌ، وفيها جفاءٌ كبيرٌ، وجفافٌ عظيم، فعندما ينزل عليها الوحي من السماء يطريها، وينعمها، ويصلحها، وينظفها، يجب أن يفعل الوحي بقلوبنا كما يفعل الماء النازل من السماء بأودية الأرض وطرقاتها.

стр. 1711

الحكمة من تقديم ذكر الزبد على النفع أيها الإخوة: هذا الزبد الذي يزول ويتفرق وتنسفه الرياح، تقدم ذكره في الآية على ذكر ما ينفع الناس، فإن الله قال: ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ [الرعد:١٧]، ثم قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧] فقدم ذكر الزبد على ذكر ما ينفع الناس. من أسباب وحكم هذا التقديم: أن الزبد هو الذي يظهر للناس؛ فأنت إذا نظرت إلى الوادي الممتلئ بالماء، أول ما تنظر إليه عينك إلى الزبد، وقد تغفو العين ولا ترى الماء المتجمع في الوادي. أيها الإخوة: إن الباطل إذا علا في يوم من الأيام، فإن الناس أول ما ينظرون ويرون هو هذا الباطل، وقد يغفلون عن كون الماء النقي الصافي موجود تحته، فلا يرونه، ولكنه موجود، وقد يظنون بأن الماء غير موجود، كذلك يظنون بأن الحق قد مات، أو غاب، أو أنه غير موجود، وأن الباطل هو الذي استقر وعلا، وبقي، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك، فإن من تحت هذا الزبد حقاً يتأجج، ينتظر الفرصة المواتية لكي يستعلي، وينتظر الأسباب التي يهيئها الله لانقشاع الزبد الباطل؛ لكي يظهر الحق لامعاً نظيفاً على صفائه ونقائه الذي أراده الله. وفقنا الله وإياكم لأن نكون من أهل الحق، الصابرين عليه، وألا يجعلنا من المغترين بالباطل وانتفاشه، أسأل الله لي ولكم التوفيق والعلم النافع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 1712

المثل الناري الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا هو ولي الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ هذا الوحي للناس، وأقام الحجة عليهم، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 1713

بيان وجه الشبه بين المثل الناري والوحي أيها الإخوة: لما ضرب الله المثل المائي في الجزء الأول من الآية، أعقبه بذكر المثل الناري، والمثل المائي كان في إنزال الماء على الأرض، والمثل الناري في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ [الرعد: ١٧] الناس إذا أرادوا أن ينقوا المعادن التي يستخرجونها من الأرض من الشوائب؛ ليحصلوا على هذا الذهب الصافي، أو الفضة الصافية، أو النحاس والحديد الصافي، ماذا تراهم يفعلون؟ إنهم يأخذون هذا الخام من المعادن المختلطة، فيوقدون عليها النار إيقاداً شديداً، حتى تذهب الأخلاط، ويبقى المعدن النافع، فيجعلونه على كيفيات تناسبهم في حياتهم العامة. هذا هو المثل الثاني عندما تخالط قلوب العباد المحن والفتن، ويكتوي المؤمن بنارها، فإنها تنقيه، وتهذبه من الشوائب، وتجعل معدنه أصيلاً صافياً. إن في الابتلاءات والمحن والفتن نفعٌ عظيمٌ؛ لإخراج أخلاط الدعة والكسل والركون إلى الحياة الدنيا، والتراجع والجبن إخراج هذه الأخلاط من النفس يحتاج إلى صهرٍ بحرارةٍ عظيمةٍ من حرارات الفتن، والابتلاءات التي تمحص معادن الناس، والتي تزيل الأخلاق والطبائع الرديئة منهم، وتجعل الأخلاق الحسنة والطبائع الجيدة هي التي تبقى كما يبقى معدن الذهب الصافي بعد إيقاد النار تحت الأخلاط التي فيه. يقول الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ [الرعد:١٧] هذان المثلان: المثل المائي، والناري ضربا في القرآن للحق والباطل إذا اجتمعا، فإن الله يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد:١٧] يضربها للحق والباطل، يعني: أن الحق والباطل إذا اجتمعا، فإنه لا ثبات للباطل، ولا دوام له أبداً، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، فالباطل وإن علا في بعض الأحوال -كما يقول القرطبي ﵀ فإنه يضمحل كاضمحلال الذهب والخبث يضمحل ولا يبقى مطلقاً، ولو ظن الناس بأنه طويل العمر والأمد، فإنه لا بد من ذهابه حتى يأذن الله ويشاء، ويخرج الحق عالياً مرفرفاً فوق الأرض، معلناً للناس بأن دين الله موجود، وبأن شرعته باقية، وبأن الطائفة المنصورة موجودة إلى قيام الساعة.

стр. 1714

بيان حكمة الله في مخاطبة الناس حسب أحوالهم انظروا إلى حكمة القرآن في ضرب الأمثلة، فإنه ضرب مثلين. أحدهما: يصلح لأهل البوادي وهو المطر والماء والوادي. والمثل الثاني: يصلح للمتقدمين من أهل الصناعات، هذا القرآن يفهمه كل أحد، فيه من النور ما يكفي بياناً لكل أحد، في آياته نورٌ لكل من أراد الوصول إلى الحق، ولا بد للدعاة إلى الله من اقتفاء أثر القرآن وطريقته ومنهجه في ضرب الأمثلة للناس. ومن عموم الفوائد في هذه الآية- أيها الإخوة- قاعدة عظيمة: أن البقاء للأصلح، والأنفع، وأن البقاء للحق، فهذا الزبد لا ينفع شيئاً، ولكنه يذهب ويبقى الماء من تحته، وهذا الركام يذهب ويبقى الذهب خالصاً نقياً. كذلك يوجد في العالم كثيرٌ من الأمور والطوائف والمذاهب التي ما أنزل الله بها من سلطان، لا تنفع الناس بل تضرهم، لكن ليعلم العالم كله بأن البقاء للأصلح البقاء لدين الله تعالى، مهما تعالت الجاهلية وانتفشت، فإن دين الله عامٌ منتصرٌ، وكثيرٌ من الناس لا يفقهون هذه القضايا، ويظنون الظنون السيئة بالله ، ويتساءلون: ترى متى ينقشع الظلام! ومتى يبزغ نور الفجر من جديد؟ ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٢١]. فالأصلح لا بد له من البقاء والاستمرارية؛ لأن الله قد أذن بهذا وأمر بهذا أمراً كونياً قدرياً لا بد أن يحصل، وهو أمرٌ شرعي كذلك يحبه الله تعالى، يحب الله أن يبقى الإسلام، ويحب الله أن يبقى ما هو الأصلح للناس، لذلك كان لزاماً على كل مسلم موحد أن يفكر جدياً أن يلبس لبوس الإسلام النافع ظاهراً وباطناً؛ حتى ينفع الله به ويبقى وإن لم يبق الجسد، فإن المنهج باقٍ، والناس يتوالدون، والله يحمل في طيات أجيال بني البشر ما يجعل منهم في المستقبل رواداً للحق قاضين به مقيمين لشرعة الله . اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك. اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على دينك ووحيك وشرعتك. اللهم واجعلنا من أهل الحق ورواده، ومن القائمين به شرعةً ومنهاجاً. اللهم وأبعدنا عن الباطل وأهل السوء. اللهم واكتب النصر للحق والسنة، اللهم وانصر أهل السنة على أهل البدعة، واجمع المسلمين على الحق وعقيدة التوحيد الصافية يا رب العالمين. اللهم وثبت الأمن والاستقرار في ربوع بلدنا هذا، وبلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم من أراد دينك ووحيك وسنة نبيك، وبلاد المسلمين بسوء، فاردد كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره يا رب العالمين. عباد الله: إن الله يأمر بالدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1715

تحكيم الشرع إقامة الحدود الشرعية أعظم دليل على تحكيم الشريعة، وإذا لم تتم الحدود خرب الدين، وقد أقام النبي ﷺ الحدود في حياته، وفي هذه المادة شرح حديث من البخاري فيه إقامة حد الزنا، كما تجد في شرحه فوائد عظيمة عن أسباب وحلول لمشاكل عصرية تؤدي إلى تلك الجريمة.

стр. 1716

حديث البخاري في حكم النبي بحد الزنا إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. إخواني في الله: روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في باب الشروط التي لا تحل في الحدود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أنهما قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر- وهو أفقه منه-: نعم. فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل؟ قال: إن ابني كان عسيفاً عند هذا، فزنا بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني مائة جلدة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله. الوليدة والغنم ردٌ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فرجمت). هذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه يخبرنا عن حادثة من الحوادث التي وقعت على عهد رسول الله ﷺ ، فكيف حَكَمَ فيها رسول الله ﵊؟ هذان الرجلان جاءا من الأعراب إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما- يشتكي-: (يا رسول الله! أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله) يلح على الرسول ﷺ أن يقضي له بكتاب الله، وهذا من قلة فقهه؛ إذ أن قضاء رسول الله ﷺ بكتاب الله لا يحتاج إلى إلحاح ولا إلى زيادة في الطلب، فإنه ﵊ لا يقضي بغير كتاب الله مطلقاً. قال الخصم الآخر- وكان أفقه منه-: (نعم. فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي) كان مؤدباً في سؤال رسول الله ﷺ ، قال له: نعم أوافق خصمي على ما قال، اقض بيننا بكتاب الله، ولكن أرجو أن تسمح لي أن أتكلم وأفصل لك في الموضوع، و (حسن السؤال نصف العلم) فلذلك قال الرسول ﷺ لهذا الرجل الثاني: قل؟ قال: (إن ابني كان عسيفاً- يعني: أجيراً، أو خادماً- عند هذا الرجل- الخصم: ابني كان خادماً عند خصمي -فزنا بامرأته- ابني الشاب الأعزب زنا بامرأة هذا الرجل وهو خادم عنده -وإني أخبرت، وفي رواية أخرى: فسألت من لا يعلم- سألت أناساً جهالاً لا يعلمون بأحكام الدين -فقالوا: إن على ابني الرجم، فلما علمت هذا الحكم ذهبت إلى هذا الرجل زوج المرأة، فحاولت أن أرضيه بشيء من المال، فأرضيته، فاصطلحنا واتفقنا على أن أعطيه مقابل الزنا الذي حصل بامرأته، أعطيه مائة شاة ووليدة -أي: جارية- بعد ذلك سألت أهل العلم بكتاب الله فأخبروني أن ما على ابني هو مائة جلدة وتغريب عام) أن يذهب به بعيداً عن وطنه وبلدته لمدة عام زائداً الجلد مائة جلدة، وهذا هو حد الزاني غير المحصن الأعزب الذي لم يتزوج، وأن على امرأة هذا الرجل الآخر الرجم -لا بد أن ترجم لأنها محصنة ومتزوجة- فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله -يعني: بحكم الله تعالى سواءً في القرآن أو في السنة- الوليدة والغنم ردٌ عليك) يأيها الخصم! أرجع المائة شاة والجارية إلى الرجل فهذا شيء باطل، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام، ثم التفت رسول الله ﷺ إلى أحد الصحابة الذين كانوا يوكلون بإقامة الحدود، وقال: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا الرجل -اذهب عليها وقررها- فإن اعترفت، فارجمها. قال: فغدا عليها أنيس فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فرجمت).

стр. 1717

فوائد من حديث حكم النبي ﷺ في حد الزنا هذا الحديث- أيها الإخوة- يشتمل على أصول عظيمة من أصول الإسلام، وعلى فوائد مهمة، وعلى تحذيرات ينبغي للمسلمين أن يتنبهوا إليها ويعوها ويعرفوها حق المعرفة، ويرعوها حق الرعاية.

стр. 1718

الانتباه لقضية الخدم ومن في البيت أولاً: لقد كان ولد هذا الرجل خادماً عند رجلٍ آخر، فزنا بامرأته. مشكلة الخدم- أيها الإخوة- مشكلة عويصة وكبيرة وخطيرة جداً، ومهدمةٌ لأخلاق البيوت، وقاضية على العفة والطهارة، إذا لم يلتزم فيها بآداب الدين وأحكامه، ومشكلة الخدم في عصرنا هذا أضحت من المشاكل العظيمة التي احتار فيها الناس، وبعضهم أودت بهم وببيوتهم إلى مهاوي من الرذيلة والفساد، وفتحت على المسلمين أبواباً من الشرور لا زالت تستفحل حتى الآن. ترى الرجل عنده خادمة في البيت شابةٌ جميلةٌ، وعنده أولادٌ بالغون كبار عزاب يختلطون بهذه الخادمة، وتجد كذلك خادماً، أو سائقاً شاباً موجوداً في البيت بهي الطلعة مفتول العضلات، يخالط الفتيات من البنات في هذا البيت، ويخالط الزوجة في البيوت، هذه- أيها الإخوة- من الطامات والبلايا التي ابتلينا بها في هذا العصر، فنشأ عن هذا مشاكل كبيرة، وبلايا عظيمة، وانتهاك لحرمات الله، وجرائم أخلاقية تتنافى مع شرع الله لا أول لها ولا آخر، وأصبح أولاد الزنا مشكلة من المشاكل المتولدة عن قضية الخدم، ونحن في هذا المقام لن نناقش هذه القضية، لأن الوقت لا يسمح لها الآن، ولعل الفرصة تتاح لهذا في المستقبل.

стр. 1719

الاختلاط سبب الفتن ما هو السبب في الفتنة؟ لماذا تحدث الطامة، وتحدث البلية من هؤلاء الخدم؟ أحد الأسباب لهذه الجرائم التي تحصل- ما أشار إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث فقال-: وإنما وقع له- يعني: للشاب- ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس والإدلال، فيستفاد منه: الحث على إبعاد الأجنبي عن الأجنبية مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويتوصل بها الشيطان إلى الإفساد، المرأة بطبيعة الحال إذا رأت رجلاً أجنبياً أمامها فجأة، فإنها تنفر منه وتهرب عنه، هذا لو كان في قلبها إيمان واعتراف بحدود الله ومحارمه، فإذاً: لماذا نجد الفاحشة -أحياناً- تقع بين هذا النوع من النساء والخدام والسائقين في البيوت؟ السبب- أيها الإخوة- طول الملازمة المقتضية لمزيد من التأنيس والإدلال العشرة والمعاشرة كثرة المخالطة والمعايشة مع هذا السائق، أو هذا الخادم هي التي تفضي إلى المحرم المقابلة الأولى قد لا توقع إلى محرم، وقد لا تفضي إلى شيء، ولكن زيادة الخلطة والمخالطة والمعاشرة تجعل الجو طبيعياً جداً، وتجعل وجود هذا الأجنبي في البيت بين النساء أمراً عادياً لا ينقد، هذا هو بداية الفساد، وهذا هو الجو المهيأ لوقوع الرذيلة والفاحشة.

стр. 1720

إيجاد الحلول لوجود الخدم والسائقين في البيوت أيها الإخوة: إن وجود الخدم والسائقين داخل البيوت يعاشرون نساءنا ويتجولون بينهن من الخطورة بمكان؛ لأنه سيزيل حاجز الكلفة بين هذا السائق، أو هذا الخادم وهذه المرأة، سيصبح هذا الرجل كأنه من أهل البيت لا فرق بينه وبين الزوج أو الابن أو الأخ، يدخل متى شاء ويخرج متى شاء، يدخل والمرأة في حالة من التكشف كأنها أمام زوجها، وكأنه لا يوجد عندها رجل أجنبي، وهذه المخالطة وهذه الإزالة للحاجز هي التي توقع في الجريمة، وهي التي تهيئ أسباب الفساد، لذلك كان لا بد من إبعاد الأجنبي عن الأجنبية مهما أمكن؛ لأن العشرة هي التي تفضي إلى الفساد، مَن مِن الناس اليوم الذين يوجد عندهم خدم وسائقون يفصلون بين بيت الخدم وبيت النساء؟ مَن مِن اليوم يمنع السائق من الدخول إلى داخل البيت، ويبقي السائق في حجرة خارجية خارج سور البيت، أو له باب آخر مختلف عن باب البيت؟ من الذي يحرص على منع الاختلاط؟ إنهم قلة من الناس جداً، بل إن هذا الفصل غير واقعٍ تقريباً في أحوال البيوت اليوم، ولذلك- يا إخواني- نسمع بالمآسي، ونسمع بالطامات، ونسمع بمواليد يولدون لا يمتون بصلة إلى الأب، أو الزوج في البيت. هذه مشاكل- أيها الإخوة- نشأت عن إهمال حدود الله تعالى، وعدم تعظيم حرمات الله. فالحذر الحذر من هذه الفتنة العظيمة، والطامة الكبيرة، التي عمت ودخلت كل بيت، فأصبحت من الفتن. الله الله في بيوتكم الله الله في نسائكم الله الله في محارم الله الغيرة الغيرة- أيها الإخوة- على حدود الله ومحارمه جنب أولادك ونفسك ونساء بيتك هذه المحرمات التي شاعت بسبب تعود الناس عليها وعدم إنكارها.
следующие страницы →