Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
حديث البخاري في حكم النبي بحد الزنا
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
إخواني في الله: روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه في باب الشروط التي لا تحل في الحدود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أنهما قالا: (إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر- وهو أفقه منه-: نعم.
فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل؟ قال: إن ابني كان عسيفاً عند هذا، فزنا بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني مائة جلدة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله.
الوليدة والغنم ردٌ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فرجمت).
هذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه يخبرنا عن حادثة من الحوادث التي وقعت على عهد رسول الله ﷺ ، فكيف حَكَمَ فيها رسول الله ﵊؟ هذان الرجلان جاءا من الأعراب إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما- يشتكي-: (يا رسول الله! أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله) يلح على الرسول ﷺ أن يقضي له بكتاب الله، وهذا من قلة فقهه؛ إذ أن قضاء رسول الله ﷺ بكتاب الله لا يحتاج إلى إلحاح ولا إلى زيادة في الطلب، فإنه ﵊ لا يقضي بغير كتاب الله مطلقاً.
قال الخصم الآخر- وكان أفقه منه-: (نعم.
فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي) كان مؤدباً في سؤال رسول الله ﷺ ، قال له: نعم أوافق خصمي على ما قال، اقض بيننا بكتاب الله، ولكن أرجو أن تسمح لي أن أتكلم وأفصل لك في الموضوع، و (حسن السؤال نصف العلم) فلذلك قال الرسول ﷺ لهذا الرجل الثاني: قل؟ قال: (إن ابني كان عسيفاً- يعني: أجيراً، أو خادماً- عند هذا الرجل- الخصم: ابني كان خادماً عند خصمي -فزنا بامرأته- ابني الشاب الأعزب زنا بامرأة هذا الرجل وهو خادم عنده -وإني أخبرت، وفي رواية أخرى: فسألت من لا يعلم- سألت أناساً جهالاً لا يعلمون بأحكام الدين -فقالوا: إن على ابني الرجم، فلما علمت هذا الحكم ذهبت إلى هذا الرجل زوج المرأة، فحاولت أن أرضيه بشيء من المال، فأرضيته، فاصطلحنا واتفقنا على أن أعطيه مقابل الزنا الذي حصل بامرأته، أعطيه مائة شاة ووليدة -أي: جارية- بعد ذلك سألت أهل العلم بكتاب الله فأخبروني أن ما على ابني هو مائة جلدة وتغريب عام) أن يذهب به بعيداً عن وطنه وبلدته لمدة عام زائداً الجلد مائة جلدة، وهذا هو حد الزاني غير المحصن الأعزب الذي لم يتزوج، وأن على امرأة هذا الرجل الآخر الرجم -لا بد أن ترجم لأنها محصنة ومتزوجة- فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله -يعني: بحكم الله تعالى سواءً في القرآن أو في السنة- الوليدة والغنم ردٌ عليك) يأيها الخصم! أرجع المائة شاة والجارية إلى الرجل فهذا شيء باطل، وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام، ثم التفت رسول الله ﷺ إلى أحد الصحابة الذين كانوا يوكلون بإقامة الحدود، وقال: (اغد يا أنيس إلى امرأة هذا الرجل -اذهب عليها وقررها- فإن اعترفت، فارجمها.
قال: فغدا عليها أنيس فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ ، فرجمت).
стр. 1717
فوائد من حديث حكم النبي ﷺ في حد الزنا
هذا الحديث- أيها الإخوة- يشتمل على أصول عظيمة من أصول الإسلام، وعلى فوائد مهمة، وعلى تحذيرات ينبغي للمسلمين أن يتنبهوا إليها ويعوها ويعرفوها حق المعرفة، ويرعوها حق الرعاية.
стр. 1718
الانتباه لقضية الخدم ومن في البيت
أولاً: لقد كان ولد هذا الرجل خادماً عند رجلٍ آخر، فزنا بامرأته.
مشكلة الخدم- أيها الإخوة- مشكلة عويصة وكبيرة وخطيرة جداً، ومهدمةٌ لأخلاق البيوت، وقاضية على العفة والطهارة، إذا لم يلتزم فيها بآداب الدين وأحكامه، ومشكلة الخدم في عصرنا هذا أضحت من المشاكل العظيمة التي احتار فيها الناس، وبعضهم أودت بهم وببيوتهم إلى مهاوي من الرذيلة والفساد، وفتحت على المسلمين أبواباً من الشرور لا زالت تستفحل حتى الآن.
ترى الرجل عنده خادمة في البيت شابةٌ جميلةٌ، وعنده أولادٌ بالغون كبار عزاب يختلطون بهذه الخادمة، وتجد كذلك خادماً، أو سائقاً شاباً موجوداً في البيت بهي الطلعة مفتول العضلات، يخالط الفتيات من البنات في هذا البيت، ويخالط الزوجة في البيوت، هذه- أيها الإخوة- من الطامات والبلايا التي ابتلينا بها في هذا العصر، فنشأ عن هذا مشاكل كبيرة، وبلايا عظيمة، وانتهاك لحرمات الله، وجرائم أخلاقية تتنافى مع شرع الله لا أول لها ولا آخر، وأصبح أولاد الزنا مشكلة من المشاكل المتولدة عن قضية الخدم، ونحن في هذا المقام لن نناقش هذه القضية، لأن الوقت لا يسمح لها الآن، ولعل الفرصة تتاح لهذا في المستقبل.
стр. 1719
الاختلاط سبب الفتن
ما هو السبب في الفتنة؟ لماذا تحدث الطامة، وتحدث البلية من هؤلاء الخدم؟ أحد الأسباب لهذه الجرائم التي تحصل- ما أشار إليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح هذا الحديث فقال-: وإنما وقع له- يعني: للشاب- ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس والإدلال، فيستفاد منه: الحث على إبعاد الأجنبي عن الأجنبية مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويتوصل بها الشيطان إلى الإفساد، المرأة بطبيعة الحال إذا رأت رجلاً أجنبياً أمامها فجأة، فإنها تنفر منه وتهرب عنه، هذا لو كان في قلبها إيمان واعتراف بحدود الله ومحارمه، فإذاً: لماذا نجد الفاحشة -أحياناً- تقع بين هذا النوع من النساء والخدام والسائقين في البيوت؟ السبب- أيها الإخوة- طول الملازمة المقتضية لمزيد من التأنيس والإدلال العشرة والمعاشرة كثرة المخالطة والمعايشة مع هذا السائق، أو هذا الخادم هي التي تفضي إلى المحرم المقابلة الأولى قد لا توقع إلى محرم، وقد لا تفضي إلى شيء، ولكن زيادة الخلطة والمخالطة والمعاشرة تجعل الجو طبيعياً جداً، وتجعل وجود هذا الأجنبي في البيت بين النساء أمراً عادياً لا ينقد، هذا هو بداية الفساد، وهذا هو الجو المهيأ لوقوع الرذيلة والفاحشة.
стр. 1720
إيجاد الحلول لوجود الخدم والسائقين في البيوت
أيها الإخوة: إن وجود الخدم والسائقين داخل البيوت يعاشرون نساءنا ويتجولون بينهن من الخطورة بمكان؛ لأنه سيزيل حاجز الكلفة بين هذا السائق، أو هذا الخادم وهذه المرأة، سيصبح هذا الرجل كأنه من أهل البيت لا فرق بينه وبين الزوج أو الابن أو الأخ، يدخل متى شاء ويخرج متى شاء، يدخل والمرأة في حالة من التكشف كأنها أمام زوجها، وكأنه لا يوجد عندها رجل أجنبي، وهذه المخالطة وهذه الإزالة للحاجز هي التي توقع في الجريمة، وهي التي تهيئ أسباب الفساد، لذلك كان لا بد من إبعاد الأجنبي عن الأجنبية مهما أمكن؛ لأن العشرة هي التي تفضي إلى الفساد، مَن مِن الناس اليوم الذين يوجد عندهم خدم وسائقون يفصلون بين بيت الخدم وبيت النساء؟ مَن مِن اليوم يمنع السائق من الدخول إلى داخل البيت، ويبقي السائق في حجرة خارجية خارج سور البيت، أو له باب آخر مختلف عن باب البيت؟ من الذي يحرص على منع الاختلاط؟ إنهم قلة من الناس جداً، بل إن هذا الفصل غير واقعٍ تقريباً في أحوال البيوت اليوم، ولذلك- يا إخواني- نسمع بالمآسي، ونسمع بالطامات، ونسمع بمواليد يولدون لا يمتون بصلة إلى الأب، أو الزوج في البيت.
هذه مشاكل- أيها الإخوة- نشأت عن إهمال حدود الله تعالى، وعدم تعظيم حرمات الله.
فالحذر الحذر من هذه الفتنة العظيمة، والطامة الكبيرة، التي عمت ودخلت كل بيت، فأصبحت من الفتن.
الله الله في بيوتكم الله الله في نسائكم الله الله في محارم الله الغيرة الغيرة- أيها الإخوة- على حدود الله ومحارمه جنب أولادك ونفسك ونساء بيتك هذه المحرمات التي شاعت بسبب تعود الناس عليها وعدم إنكارها.
стр. 1721
وجوب التحاكم إلى شرع الله
هناك قضية أخرى من القضايا الأصولية العظيمة في هذا الحديث وهي: وجوب التحاكم إلى القرآن والسنة: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً﴾ [الزمر:٢٣] وأوحى إلى رسوله ﵊ وحياً -قرآناً وسنةً- لا لتبقى على الرفوف معزولة عن واقع الناس وحياتهم، وإنما ليحكم بين الناس بما أنزل الله، ويحكم من بعده ﵊ بما أنزل الله تعالى.
يجب التحاكم إلى الكتاب والسنة، ونبذ أي مصدر آخر للتشريع غير القرآن والسنة، وأي مصدر من المصادر يُتحاكم إليه غير الكتاب والسنة فهو طاغوت من الطواغيت، ومحادة لله تعالى، وإشراكٌ به شركاً أكبر يخرج عن الملة، وينقل من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر- والعياذ بالله- وكثيرٌ من الناس اليوم يتحاكمون إلى الهوى، أو إلى العادات والتقاليد، أو إلى شرائع شرعوها بينهم- ما أنزل الله بها من سلطان- فيقعون في الكفر- والعياذ بالله- وقد لا يعذرون بجهلهم، وهذا الرجل في هذا الحديث مثالٌ على الجاهل الذي ظن بأن هذا الحد الذي وقع فيه ابنه من الأشياء التي يمكن أن يصالح عليها بالمال فجاء إلى هذا الرجل، وقال له: ما يرضيك؟ كيف أرضيك؟ هذا ابني زنا بزوجتك.
ماذا يرضيك؟ فدفع له مائة شاة وجارية؛ لكي يرضا ذلك الرجل عن الزنا الذي حصل بزوجته- والعياذ بالله- هذا تحاكمٌ إلى عادات أو تقاليد أو أعراف أو أهواء موجودة في المجتمع، نسف ﷺ هذا الحكم من أصوله واجتثه، وقال: (المائة شاة والوليدة ردٌ عليك) ارجع ما دفعت إليه هذا باطل لا يجوز.
стр. 1722
خطر التحاكم إلى غير شرع الله
كثيرٌ من الناس اليوم يجعلون القرآن والسنة في جانب، ويتحاكمون إلى العادات والتقاليد، أو الأشياء التي شرعت من دون الكتاب والسنة، أو الأهواء التي اتبعت ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠].
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥].
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧] ثلاثة أوصاف في سورة المائدة بينت قضية الحكم، يجب أن يكون الحكم لله، لا تُحكِّم عادة، ولا تقليد، ولا عرف من الأعراف، ولا هوى من الأهواء، ولا أشياء شرعها البشر من عند أنفسهم، لا يجوز تحكيم إلا القرآن والسنة وإلا فلسنا بمسلمين.
ولذلك- أيها الإخوة- حكم رسول الله ﷺ بحكم الله من فوق سبع سماوات أن يجلد هذا الشاب مائة جلدة، وأن ترجم المرأة؛ لأنها زانية محصنة قد تزوجت، ثم زنت بعد إحصانها وزواجها، فوجب أن ترجم بالحجارة حتى تموت، وأقيم الحد عليها بعد اعترافها.
стр. 1723
حدود الله لا يساوم عليها ولا يتراضى فيها
لم يرض الرسول ﷺ بهذا الحكم الجاهلي الذي ابتدعه هذا الرجل، واتفق عليه هو وصاحبه، وكثير من الناس اليوم يتراضون فيما بينهم بأحكام لم ينزل الله بها من سلطان، ويعرضون عن القرآن والسنة، وينسون حق الله بالحدود.
رجل يزني بامرأة رجل آخر، ثم يقول له: ما الذي يرضيك حتى أدفعه لك؟! أين حكم الله؟ هل هذا هو حكم الله؟!! التعويضات المالية في عملية الزنا هي حكم الله؟! لا والله.
لذلك كان من محادة الله تعالى ومعاداته ما يقع في تشريعات كثيرٍ من البشر اليوم أنهم قالوا: لو أن رجلاً زنا بامرأة وهي راضية برضاها وهو راضٍ، فلا شيء عليهما، لماذا؟ قالوا: لأنهما رضيا كل منهما راضٍ بالزنا، فلا شيء عليهما، تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً.
ويأتي رجلٌ آخر يقول: أنا أتفق مع البنك على الربا أنا راضٍ وهو راضٍ بالربا، كلنا راضين، لا أحد مكره على هذا، إذاً الربا حلال، لماذا؟ لأنني أنا راضٍ والطرف الآخر راضٍ أيضاً، هذا هو عين الكفر هذا هو عين الوقوع في محرمات الله تعالى، إذا كنت أنت راضٍ وهي راضية، فهل رضي الله عن هذا الأمر الذي ستقدم عليه وتفعله؟ كثيرٌ من الناس يحتجون بمبدأ الرضا في العقود حتى ولو كانت مخالفة لشرع الله تعالى، وهذا- أيها الإخوة- خطرٌ عظيمٌ جسيمٌ يهدد الأمة ويسلخها سلخاً عن دين الله، ويبعدها إبعاداً كبيراً عن أحكام الله وشرائعه.
إذا كنت راضياً والطرف الآخر راضٍ، والله لم يرض عن هذا العمل، وقال الله في كتابه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النساء:٢٢] أو قال في كتابه أنه يحارب من يفعل هذا الفعل، ثم أنت تقول: أنا راضٍ والطرف الآخر راضٍ، فنحن نقدم على هذا الفعل، ما دام أنه لا أحد مكره، فإن الله لا بد أن يحاربك، ولا بد أن ينتقم منك، وقد ينتقم في الدنيا قبل الآخرة.
لا بد- أيها الإخوة- من الاحتكام إلى القرآن والسنة وتطبيق الحدود، وعدم المساومة عليها بالأموال، وعدم التراضي، إذا وصل الحد إلى القاضي أو الإمام، فلا يجوز التراجع عنه مطلقاً، لا بد من الاحتكام إلى كتاب الله تعالى.
أين حق الله الذي ضيع في كثيرٍ من الحدود التي يقع فيها الناس اليوم؟ الحدود والمحرمات التي يقترفونها يتحاكمون فيها إلى من؟ يجب العودة إلى الكتاب والسنة.
أيها الإخوة المسلمون! وفقني الله وإياكم لتحكيم شرع الله في أنفسنا، والعودة إلى القرآن والسنة، تطبيقهما في واقعنا، ونسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الإشراك به، أو تحكيم غير كتابه وسنة نبيه ﷺ ، والله تعالى أعلم.
стр. 1724
الرجوع إلى أهل العلم في مسائل الشرع
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
كان من الفوائد غير ما تقدم في هذا الحديث العظيم الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى فائدة عظيمة جليلة، وهي: الرجوع إلى أهل العلم العالمين بالكتاب والسنة، فإن هذا الرجل سأل بادئ ذي بدء أناساً غير عالمين بكتاب الله، فقالوا له: إن على ابنك الرجم، وليس على الولد الرجم؛ لأنه أعزب غير متزوج وزنا، ففي هذه الحالة ليس عليه الرجم، فأخبروه بهذا الحكم المخالف لحكم الله تعالى مما جعله يفتدي ولده من هذا الرجل بتلك الأموال العظيمة التي دفعها إليه، فلما سأل أهل العلم أخبروه.
قال في الحديث: (ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم) ثم إني سألت أهل العلم، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣] وهذه من المصائب التي وقع فيها الناس اليوم، فإذا أرادوا أن يسألوا عن حكم من الأحكام، فإنهم لا يسألون المحققين من العلماء، ولا يسألون من عرف بالعلم والتقوى من العلماء، وإنما تجد أحدهم يسأل جاهلاً مثله أو أقل منه، وتجد أحدهم يسأل كبيراً في بيته، أو في عشيرته، ثم يحتكم إلى قوله، وتجد أحدهم يسأل قاصاً من القصاصين، أو أديباً من الأدباء، أو مؤرخاً من المؤرخين ممن لا علاقة له بفقه الكتاب والسنة مطلقاً، فترى الناس لا يميزون اليوم بين أهل العلم وغيرهم، فيسألون من شاءوا ممن واجهوا وممن سمعوا عنهم وحتى ولو كانوا ليسوا من أهل العلم.
لابد أن نتحرى من هم العلماء الصالحون، ولابد من السؤال عنهم ثم سؤالهم، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٩] لابد من الرجوع إلى الخبراء بالكتاب والسنة.
الناس اليوم إذا مرضوا اختاروا أحسن الأطباء والمتخصصين في هذا المرض، فإذا وقعوا في مرض من الدين لم يرجعوا إلى المختص بهذا المرض، وإنما سألوا أي واحد من الناس.
أنتم ونحن مسئولون جميعاً عمن نسأل في ديننا، ستسأل أمام الله تعالى هذه المسألة التي وقعت لك من سألت فيها؟ لماذا سألت فلاناً من الناس فيها؟ ستسأل يوم القيامة لماذا انتخبت فلاناً من الناس وسألته؟ هل لأنك تعرف بأنه يصدر الفتاوى السهلة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ هل لأنه يقول ويحكم بالأسهل -بغض النظر عن كونه حقاً أو غير حق- فأنت تسأله لمجرد أنه يفتيك بالأسهل؟ أم لمجرد أنك توهمت أن عنده شيئاً وليس عنده شيء، أو لمجرد أنه قد نفخ نفسه أمام الناس بالعلم، وادعى به ثم أنت تسأله؟ لابد أن تتحرى -يا أخي المسلم- من تسأل، لا تسأل أي أحد، ارجع إلى العلماء الأجلاء، ونحن والحمد لله -أيها الإخوة- في مجتمعنا هذا يوجد عندنا علماء أجلاء من كبار العلماء في العالم، لكن للأسف معطلين لا يرجع إليهم الناس ولا يسألونهم ولا يتصلون عليهم هاتفياً أو يكاتبونهم أو يسافرون إليهم.
الواحد إذا أراد أن يستورد بضاعةً أو يجلب عاملاً أو سائقاً سافر من أجله آلاف الأميال، أما إذا وقع له شيء في الدين فإنه لا يكلف نفسه السفر ولو لبضع مئات من الأميال، مع أن هذا دين وليس تجارة ليس مالاً ليس عرضاً دنيوياً.
الناس يسافرون إلى أعراض دنيوية المسافات الشاسعة، ثم لا يكلف نفسه مطلقاً لا بالاتصال ولا بالكتابة ولا بالسفر إلى العلماء الأجلاء وهم موجودون في بلده ليسوا ببعيدين عنه، لا يكلف نفسه الاتصال بهم وسؤالهم، ويسأل أي واحد من الناس أو يحكم هواه هو، فيقول: لعل هذه المسألة ما فيها شيء، لعل هذه القضية حلال إن الله غفور رحيم هذه فاتت وماتت، وهي لم تمت بل هي مسطرة عند الله تعالى.
فلابد من الرجوع إلى العلماء لا أدعياء العلم ولا الجهلة، ولا تسأل قاصاً أو مؤرخاً أو أديباً عن مسألة شرعية تتعلق بالكتاب والسنة، أو تسأل واعظاً.
هناك فرق بين الواعظ والعالم الواعظ قد يذكرك بالله والجنة والنار، لكن قد لا يستطيع أن يحكم، أو يفتيك في مسألة تتعلق في الفقه أو تتعلق بالحلال أو الحرام، يجب أن تفرق بين الواعظ الذي يبكيك وتشعر بأن كلامه يطري القلب فقط، وبين العالم الذي تعلَّم العلم وأفنى فيه عمره وطبقه وخشع لله من أجل هذا العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] العلماء الحقيقيون هم الذين يخشون الله، لابد من الرجوع إليهم وسؤالهم، والتحري عنهم والتثبت، تسأل من؟ وما هو دليله على كلامه الذي يقوله لك؟ عند ذلك تكون على صراط مستقيم.
اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله الواحد الأحد الفرد الصمد الديان، أن ترينا الحق حقاً وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلاً وترزقنا اجتنابه.
اللهم إنا نسألك التحاكم إلى القرآن والسنة، اللهم وفقنا العودة للقرآن والسنة والتحاكم إليهما ونبذ الشرائع الضالة التي اخترعها البشر.
اللهم إنا نسألك أن تحمي بلدك هذا وبلاد المسلمين من شر كل ملحد وطاغوت.
اللهم من أراد ببلدنا هذا أو بلاد المسلمين سوءاً فاردد كيده في نحره، واجعله عبرةً لمن يعتبر.
اللهم من أراد دينك بسوءٍ فاقطع يده وشتت شمله، ودمره تدميراً، وانصر دينك وكتابك ورسولك على سائر الأديان والملل.
اللهم واجعل دينك عاماً منتصراً على سائر الأديان، واجعل عقيدة التوحيد مهيمنة على سائر العقائد والبدع.
اللهم واجعلنا من أهل السنة والجماعة الذين اتبعوا نبيك ﷺ وما حرفوا دينك وما بدلوه تبديلاً.
اللهم واجعلنا من المتمسكين بسنة نبيك ﷺ العاضين عليها بالنواجذ، وجنبنا الإحداث والبدع.
اللهم واجعلنا من المتمسكين بشرعك الحافظين لحدودك.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر اليهود والكفرة والملحدين وسائر أعداء الدين.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا نوراً من الإيمان تقذفه في قلوبنا نرى به طريق الحق.
اللهم وارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعذنا من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم وأظللنا بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
اللهم واجعلنا ممن سلمتهم على الصراط يوم الفزع الأكبر، اللهم سلمنا على الصراط، اللهم سلمنا على الصراط واجعلنا ممن يجوز عليه إلى جنة عرضها السماوات والأرض.
وصلوا على نبيكم الرحمة المهداة، سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1725
الصبر على طاعة الله
الصبر من أعظم الأسباب التي أعانت الأنبياء ﵈ على نشر دعوتهم؛ لأنهم بصبرهم استطاعوا أن يتحملوا كل ما يواجهونه من قومهم من تكذيب لهم وسخرية منهم ومما يدعون إليه.
فالصبر يعين السالك إلى طريق الله ، فيصبر على طاعة الله وعلى ما يأمره الله من الأوامر المختلفة التي يحتاج فيها إلى الصبر والتحمل.
стр. 1726
تعريف الصبر
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيله القويم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: أيها الإخوة! الموضوع الذي سنتحدث عنه موضوع مهم جداً، وإذا تأملت معي -يا أخي المسلم- أهمية هذا الموضوع في الحياة التي نحياها الآن، لوجدته أمراً ذا بال، وأمراً خطيراً جداً.
نحن الآن -أيها الإخوة- عندما نؤدي هذه الأركان وهذه العبادات لله ، يشعر الإنسان المسلم أحياناً بأنه متثاقل وهو يؤدي هذه العبادات يشعر بأن عليه مشقة كبيرة جداً لأداء صلاة الفجر أو أداء صلاة الجماعة في المسجد.
وعندما يخرج الصدقات والزكوات يحس بأنه يجاهد نفسه لكي يخرج هذه الأموال، فيشعر بمشقة.
وكذلك إذا دعا داعي الجهاد في سبيل الله وجدت الأمر صعباً.
وكذلك إذا جاء الإنسان المسلم الذي هداه الله ليستقيم على شرع الله، ويلتزم بأحكام الله، وجد المجتمع يؤذيه من كل جانب، ووجد أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه يؤذونه ويثبطونه عن المضي في هذا الطريق.
وامرأة مسلمة هداها الله إلى الإسلام تريد أن تلتزم بالحجاب تحس بأن الالتزام بالحجاب صعب جداً.
وتاجر مسلم يريد أن يطهر أمواله من الربا، وينقيها من الحرام، يحس بأن هذا العمل شاق وصعب وشديد.
الإنسان مع إخوانه في الله وهو يعيش معهم قد ينزغ الشيطان بينه وبينهم في أشياء كثيرة، وتعاملات عديدة، فلا يعجبه تصرف من هذا، أو قولة من ذلك إلى آخر تلك الأمور التي تحدث، مما يجعل الإنسان -أحياناً- يفكر في أن يترك إخوانه في الله -مثلاً- فكونه يجلس معهم ويجاهد نفسه للبقاء معهم أمرٌ عسير وشاق؛ هذه الأمور وغيرها -أيها الإخوة- مزاولتها تحتاج إلى صبر شديد؛ هذا الصبر الذي سنتحدث عنه، هو الذي يسهل هذه الأمور ويذلل الصعاب أمام الإنسان المسلم وهو يسير في طريقه إلى الله تعالى.
فتعالوا بنا لنتعرف على هذه الكلمة العظيمة (كلمة الصبر) ونعرف معناها في اللغة والشرع؟ وكيف أتت في القرآن والسنة؟ وما هي أقسام الصبر؟ وما هي الأسباب الجالبة له؟ وما هي أنواعه من حيث تعلقه بأشياء كثيرة؟
стр. 1727
اشتقاقات كلمة الصبر في اللغة
اعلموا -رحمكم الله- أن أصل هذه الكلمة -كلمة الصبر- معناها في اللغة: المنع والحبس.
يقال: صبر يصبر صبراً، وصبر نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] معنى ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ [الكهف:٢٨] أي: احبس نفسك، وامنعها عن تركها هؤلاء، اصبر نفسك معهم واحبسها.
ويقال: "الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والقلب عن السخط".
وكلمة الصبر لها اشتقاقات كثيرة في اللغة تتعلق بما نحن بصدده، من بيان معنى الصبر، فمن اشتقاقاتها -مثلاً- صبر، وتصبر، واصطبر، وصابر، وغيرها من الاشتقاقات، وكثير من هذه الألفاظ وردت في القرآن الكريم، بحيث يحتاج المسلم أن يعرف ما هي الفروق بين هذه الألفاظ؟ يقال للإنسان: صبر إذا أتى بفعل الصبر، وإذا تصبر الإنسان المسلم يقال: تصبر إذا تكلف الصبر واستدعاه، تكلف إحضار الصبر إلى نفسه، واستدعى هذا الصبر، فيسمى عندئذٍ تصبر، أي: جلب الصبر واستدعاه وتكلف حضوره، وهذه اللفظة كما يقول شيخ الإسلام ﵀ في الفتاوى: هي المعنى الوارد في قول الله : ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [البقرة:١٧٧] فقال: البأساء: هو الفقر، والضراء: كل الأذى الذي يحدث في البدن، مثل: المرض وغيره فالصابرين في البأساء والضراء، أي: المتصبرين على البأساء والضراء.
الذي يصبر ويستدعي الصبر ويتكلف الصبر، وهو يعيش في جو البأساء ومرارة الحاجة، هذا يسمى متصبر؛ لأنه قد جلب الصبر واستدعاه وتكلف حضوره.
وكذلك يقال في اللغة: اصطبر، أي: تعلم الصبر واكتسبه، فالإنسان إذا كان يتعلم الصبر، ويحاول أن يكتسب الصبر، فإنه يسمى: مصطبراً.
وهذه اللفظة تقودنا إلى شيء مهم جداً: هل الصبر خلق يكتسب؟ أم هو خلق فطري يولد مع الإنسان ولا يمكن الزيادة فيه ولا النقصان منه؟ الصحيح في هذه المسألة: أن الصبر من الفطر التي يفطر الناس عليها، فترى بعض الناس من طبيعتهم أنهم يصبرون، وبعض الناس لا يصبرون، لكن الصبر بالإضافة إلى هذا الكلام يمكن تعلمه واكتسابه، بمعنى: يمكن أن يكون الإنسان غير صابر، فيتعود على أشياء معينة، ويتعلم أشياء معينة تصل به إلى اكتساب الصبر.
ما هو الدليل؟ يقول رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري: (ومن يتصبر يصبره الله).
إذاً: الرسول ﷺ يقرر بأن الإنسان يمكن أن يتصبر -يعلم نفسه الصبر- ويكافح حتى يصل إلى مرحلة يكتسب فيها هذه الخصلة وهي الصبر، فإن المزاولات -مزاولة الشيء- تعطي الملكات ومن زاول شيئاً واعتاده وتمرن عليه صار ملكاً له، وسجيةً، وطبيعة كما يقول ابن القيم ﵀.
وقد جعل الله في الإنسان قوة القبول والتعلم لهذه الطبائع- بالرغم من أنها طبائع إلا أنه من الممكن تعلم هذه الطبائع واكتسابها- غير أن العبد أحياناً إذا كان نزقاً لا يصبر، ثم حاول أن يكتسب الصبر ويتعود ويتطبع بالصبر، فقد يكون انتقاله هذا من عدم الصبر إلى الصبر ضعيفاً، فيعود العبد إلى طبعه الأصلي بأدنى فاعل؛ فأدنى وقعة تجعله يعود إلى عدم الصبر الذي كان سجيةً له.
أحياناً يكون التصبر فيه قوة، بحيث لا يعود إلى سجيته الأولى التي هي عدم الصبر والحدة إلا بباعث قوي، فقد يكون في موقف قوي بحيث يخرجه عن هذا التصبر إلى السجية الأولى التي كان عليها، وأحياناً يكون التعلم والاكتساب للصبر قوياً جداً، بحيث يملك على الإنسان نفسه، ولا يعيده إلى ما كان عليه في الماضي.
وإذا جئنا إلى اللفظة الأخرى من اشتقاقات الصبر وهي كلمة صابر؛ فإن لفظة صابر تفيد وقوف الإنسان مع خصمه في عملية الصبر، ولذلك فلفظة: صابر، على وزن فاعل؛ وهذه اللفظة تعني: أنه لا بد من وقوعها بين اثنين على الأقل، مثل: شاتم، هذا شتم فلاناً وفلان شتمه، كذلك صابر، أي: هذا صبر وهذا صبر، كل واحد يصبر من جهة، فأيهم الذي يكون صبره أكثر من صبر الآخر؟ عملية التسابق في الصبر تسمى مصابرة؛ والمصابرة أعلى مرتبة من الصبر، لأن الإنسان يمكن أن يصبر لكن لا يصابر، قد يصبر لفترة معينة لكن لا يصبر مع خصمه إلى النهاية، فيفقد الصبر في منتصف الطريق، فلا يقال: صابر، وإنما يقال: صبر.
الآن بعد أن عرفنا هذه الأشياء تأمل قول الله تعالى في آخر سورة آل عمران، تتضح لك معانٍ لم تكن متضحة من قبل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
قد يقول إنسان قبل أن يتعلم هذه الألفاظ: ما هو الفرق بين صبر وصابر؟ كيف يأمر الله الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] ما هو الفرق؟ فالآن المقام مقام كلام على المرابطة والجهاد، يأمر الله الناس أن يصبروا ويصابروا الأعداء؛ لأن الأعداء قد يصبرون، فالمؤمنون يجب أن يصابروا عدوهم، حتى يفوقوهم في الصبر والجلد في مجال المعركة ﴿وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
فالمصابرة: هي حال الإنسان في الصبر مع خصمه، فإن العبد قد يصبر لكنه لا يصابر.
стр. 1728
تعريف الصبر شرعاً
أما تعريف الصبر من ناحية الشرع: فقد ذكر بعض العلماء: "أنه خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به الإنسان الصابر من فعل ما لا يحسن ولا يجمل شرعاً".
هذا الخلق الذي يحمل النفس على الامتناع عن الأشياء التي لا تجمل ولا تحسن شرعاً، هذا هو الصبر.
وكذلك قال بعض السلف: "الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب".
والصبر والجزع ضدان، ولهذا يقابل أحدهما الآخر، ولذلك قال الله عن أهل النار: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] أهل النار يوم القيامة عندما يطبق عليهم العذاب من كل جانب، يقول بعضهم لبعض: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا﴾ [إبراهيم:٢١] أي: فقدنا الصبر على هذا العذاب ((أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم:٢١] على هذا العذاب ليس هناك فائدة، كله واحد ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] أي: ليس هناك مهرب ولا مفر؛ لأنهم لو صبروا على العذاب أو جزعوا فإن النتيجة واحدة، وهي أن العذاب مستمر، فإن صبرهم لن يفيدهم شيئاً.
أيها الإخوة: الصبر إذا كان صبراً عن شهوة الفرج، فإنه يصبح عفة، تأمل في الصبر كيف أنه يداوي ويقلب الصفات الذميمة إلى صفات حسنة، فإذا كان صبراً على شهوة الفرج، فإنه يسمى عفة، وضدها الفجور والزنا.
وإن كان صبراً على شهوة البطن وعدم التسرع في الطعام، أو تناول ما لا يحسن الإنسان أن يتناوله، فإنه يسمى شرف نفس، وشبع نفس، ليس شبع بطن، وضده الشره والدناءة.
وإن كان صبراً على إظهار ما لا يحسن إظهاره من الكلام، فإنه يسمى: كتمان سر.
وعكسه إذاعة السر وإفشائه، أو اتهام الناس، أو فحشهم وسبهم، والكذب عليهم وقذفهم والافتراء عليهم، هذا كله ضد صبر النفس وصبر اللسان عن التكلم بما لا يحسن التكلم به شرعاً.
وإن كان صبراً على فضول الدنيا، فإنه يسمى: زهداً.
وإن كان صبراً على قدرٍ يكفي من الدنيا؛ فإنه يسمى: قناعة.
وإن كان صبراً عن إجابة داعي الغضب في النفس، فإنه يسمى: حلماً.
وإن كان صبراً عن إجابة داعي العجلة والتسرع، فإنه يسمى: وقاراً وثباتاً.
وإن كان صبراً عن إجابة داعي الفرار والهرب، فإنه يسمى: شجاعةً.
وإن كان صبراً عن داعي الانتقام، فإنه يسمى: عفواً وصفحاً.
فتأمل معي كيف أن هذا الصبر هو الذي يقلب الأخلاق السيئة في النفس إلى أخلاق حسنة، وهو الذي يداوي الأمراض النفسية ويجعلها تصل بالنفس إلى مراحل عليا.
وعرف بعض العلماء الصبر: "بأنه الثبات على أحكام الكتاب والسنة".
وقال بعضهم: هو الاستعانة بالله.
стр. 1729
أنواع الصبر
اعلموا -أيها الإخوة- أن الصبر ينقسم إلى نوعين: ١ - صبر بدني.
٢ - صبر نفساني.
وكذلك فإنه ينقسم إلى نوعين آخرين من جهة أخرى: ١ - صبر اختياري.
٢ - صبر اضطراري.
ولو جمعنا هذين النوعين إلى هذين النوعين لأصبح عندنا أربعة أنواع: الصبر البدني الاختياري: وهو صبر يتعلق بالبدن لكنه اختياري، يمكن أن يفعله الإنسان ويمكن ألا يفعله، مثل: الصبر على تعاطي الأعمال الشاقة، كالذي يصبر على حمل الأشياء الثقيلة؛ فهذا صبر بدني اختياري.
٢ - الصبر البدني الاضطراري، كشخص أخذ وعذب وضرب، فهو الآن يضرب من قبل الذي يعذبه، فهذا صبر بدني اضطراري.
٣ - الصبر النفساني الاختياري: كصبر الإنسان على حبس النفس عن الغضب.
٤ - الصبر النفساني الاضطراري: كصبر النفس عن محبوبها قهراً إذا حيل بينها وبينه، مثلاً: شخص أراد أن يهاجر في سبيل الله، ولكنه حبس أن يهاجر إلى أقوام صالحين، أو حبس عن إتيان شيء من الأشياء المحمودة شرعاً.
فهذه الأنواع الأربعة بعضها يجتمع في الحيوان، وبعضها لا يكون إلا في الإنسان، هناك نوعان لا يكونان إلا في الحيوان، والنوعان وهما: البدني والاضطراري؛ وهذا من صبر الحيوان؛ لأن الحيوان ليس له اختيار.
إذاً: بعض الناس عندهم صبر بدني، كأن يكون جسمه قوي فيستحمل، وهذا النوع من الناس لا يكون محموداً دائماً، لأنك تجد بعض الكفرة أو بعض الناس الذين يجرون وراء الماديات، عنده استعداد أن يصبر في العمل والكد ويشتغل في اليوم اثنا عشر ساعة أو أربعة عشر ساعة، كسائق الشاحنة الذي يذهب ويرجع على الخطوط ويتنقل ويصبر على هذا التعب؛ فهذا الصبر ليس محموداً دائماً، هذا الصبر فيه من صبر الحيوانات، بل إن بعض الحيوانات تصبر في الصبر البدني أكثر من الإنسان.
وكذلك الصبر الاضطراري، فإن الحيوان يصبر على الآلام اضطراراً، فما هو يا ترى النوع الذي يفترق فيه الإنسان عن الحيوان؟ الصبر الذي يفترق فيه الإنسان عن الحيوان هو الصبر النفساني والصبر الاختياري؛ هذه الأشياء التي يفترق فيها الإنسان عن الحيوان.
ولذلك تجد بعض الناس يعمل بكد ويتعب نفسه ويصبر على هذا التعب البدني؛ لكي يحصل الأموال، فهذا مثل الحيوان ولا يوجد فرق بينهما، وإذا صار فيه مرض صابر غصباً عنه؛ لأنه لا يمكن أن يزيل المرض بالقوة، فيصبر على هذا المرض.
فهذه الأنواع من الصبر ليست هي الأنواع التي ترفع الإنسان إلى المكانة العليا إلا إذا قصد بها وجه الله.
الأشياء التي تحتاج إلى مصابرة فعلاً هي: المصابرة النفسية على أشياء النفس وهواها، وكذلك على الأشياء الاختيارية التي يمكن للإنسان أن يفعلها أو لا يفعلها، وهو مع ذلك يفعلها في الخير؛ هذه الأشياء التي تفرق بين الإنسان والحيوان؛ فالإنسان إذا صابر باعث الهوى ودفعه صار مثل الملائكة في هذا الجانب، وإذا غلبه باعث الهوى والشهوة فإنه يصبح مثل الشياطين، وإذا غلبه طبع الأكل والشرب والجماع فقط فإنه يصبح مثل البهائم.
الصبر ينقسم إلى ثلاثة أنواع: ١ - صبر على طاعة الله.
٢ - صبر عن معصية الله -أي: يصبر عن المعصية فلا يرتكبها.
٣ - صبر على أقدار الله.
وكلامنا سوف يتركز على النوعين الأوليين: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية.
هذه الثلاثة الأشياء اجتمعت في آية واحدة، وهي قول لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧].
فإن في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان:١٧] فعل الطاعة والصبر على الطاعة.
﴿وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [لقمان:١٧] ليس من المعقول أن ينهى عن المنكر وهو يفعل المنكر، فمعنى هذا: أن لقمان يوصي ابنه بالصبر عن المعصية.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] الصبر على أقدار الله التي تصيب الإنسان.
فهذه الأشياء: الصبر على الطاعات، والصبر عن المحرمات، والصبر على الأقدار.
هل هي واجبة، أو مستحبة، أو مكروهة، أو محرمة؟
الجواب
يجب على الإنسان أن يصبر على هذه الأشياء؛ يصبر على الطاعة يصبر على الصلاة، يصبر على الزكاة، وكذلك الصبر عن المحرمات، مثل: الصبر عن الشهوات، فلذلك يقول ابن تيمية ﵀ في الفتاوى، في مسألة الاستمناء: من فعل الاستمناء تلذذاً، أو تذكراً، أو عادةً، بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كان يجامعها، فهذا كله محرم، لا يقول به أحمد ولا غيره؛ لأن المشهور من مذهب الحنابلة: أن الاستمناء مباح، فيقول شيخ الإسلام ﵀: وهذا لا يقول به أحمد ولا غيره، والصبر عن هذا من الواجبات لا من المستحبات.
والصبر عن المحرمات واجب وإن كانت النفس تشتهيه وتهواه، قال تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٣] ما هو الاستعفاف؟ ترك المنهي عنه، وقد سبق أن ذكرنا الشيء الذي إذا صبرت عليه فإنك تصبح عفيفاً.
стр. 1730
التفاضل بين أنواع الصبر
إذاً: هذه الأشياء واجبة وليست مستحبة، أو مكروهة.
إن سألت: هل الصبر الاضطراري أفضل أم الصبر الاختياري؟ أي: هل الصبر على الفعل الذي يفعله الإنسان باختياره أفضل أم الصبر على الشيء الذي وقع بدون اختيار؟ هل الصبر على الطاعة التي يمكن أن تفعلها ويمكن ألا تفعلها، أو الصبر عن المعصية التي يمكن أن تفعلها ويمكن ألا تفعلها أفضل؟ أم الصبر على مرض أصابك، أو على بلية حلت بك؟ وهذا كله واجب، فيجب أن تصبر في كل الحالات، لكن أيهما أفضل؟ يقول ابن تيمية ﵀: والصبر الاختياري أكمل من الاضطراري، ولهذا كان صبر يوسف الصديق ﷺ عن مطاوعة امرأة العزيز أكمل وأفضل من الصبر على ما ناله من الحبس، أو على ما ناله من إلقاء إخوته له في الجب؛ لأن الصبر فيهما صبر اضطراري، لا يمكن ليوسف أن يدفعه عن نفسه، لكن لما صمد أمام امرأة العزيز، وهذا صبر اختياري، لأنه كان يستطيع أن يقع في المحرم لكنه منع نفسه منها، فلهذا صار صبره من هذه الناحية أفضل، وهو وقع في الحالتين -يوسف ﵇ فإن صبره على امرأة العزيز صبر اختياري وإيثار ومحبة لله .
وكذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام على ما أمرهم الله من الأوامر وأعطاهم من الشريعة؛ صبرهم باختيارهم وفعلهم ومقاومتهم لأقوامهم أكمل من صبر أيوب على ما ناله في الله من ابتلاء، فكان صبر هؤلاء أكمل من صبر أيوب.
وكذلك كان صبر إسماعيل الذبيح، وصبر أبيه إبراهيم على تنفيذ أوامر الله بالذبح، أكمل من صبر يعقوب على فقد ولده.
لماذا؟ لأن صبر إبراهيم وإسماعيل صبر اختياري، كان يمكن أن ينفذ الذبح ويمكن ألا ينفذ، ويمكن أن يعترض إسماعيل وممكن ألا يعترض، ولكنهما أسلما لله وصبرا صبراً اختيارياً، صبر إيثار ومحبة لله ، بخلاف صبر يعقوب على فقد ابنه يوسف، فإنه صبر اضطراري؛ فقد ابنه فماذا بإمكانه أن يفعل؟ يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهكذا إذا أوذي المسلم على إيمانه، وطلب منه الكفر أو الفسوق أو العصيان، فإذا لم يفعل أوذي وعوقب فاختار الأذى والعقوبة على فراق دينه، أو الحبس والخروج من بلده، كما جرى للمهاجرين حيث اختاروا فراق الأوطان على فراق الدين، وكانوا يعذبون ويؤذون؛ هذا كله من أنواع الصبر الاختياري العظيم الأجر، وقد أوذي النبي ﷺ بأنواع من الأذى فكان يصبر عليها صبراً اختيارياً، فإنه إنما يؤذى لئلا يفعل ما يفعله باختياره، كان يمكنه أن يتوقف عن الدعوة إلى الله ، لكنه آثر واختار أن يسير في مشوار الدعوة اختياراً، صبر على هذا صبر اختيار، فكان هذا أعظم من الصبر الاضطراري.
وكذلك فقد حبس المشركون النبي ﷺ وأصحابه في شعب أبي طالب، ولما مات أبو طالب اشتدوا عليه.
إذاً -أيها الإخوة- هذه الأنواع من الصبر أنواع عظيمة جداً؛ لأن أصحابها قد اختاروا الصبر في ذات الله اختياراً من أنفسهم، وهذا هو الذي يحمل الإنسان على المجاهدة في سبيل الله ، ولذلك كان الأمر الموجه للرسول ﷺ موجه لنا أيضاً ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] ما قال: فاصبر كما صبر أيوب، إنما قال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] لأن صبرهم كان قمة صبر الاختيار، وهؤلاء أولو العزم هم الذين صار عليهم مدار الشفاعة يوم القيامة، حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله، وصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وعلى محمد ﷺ .
إن قال إنسان: هل الصبر على فعل المأمور أفضل أم عن فعل المحظور؟ أي: الصبر على الطاعة أفضل أم الصبر عن المعصية؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: بأن الصبر على فعل الطاعة أعلى من الصبر عن فعل المعصية؛ لأن الأصل المأمور، وما جاء النهي عن المحظور إلا تكملة وحفظاً للمأمور، صار الصبر على فعل المأمور أعلى.
ويقول ابن القيم ﵀: يكون الصبر في وقت المأمور وفي الوقت المحظور هو الأفضل، فإذا حضرك شيء محظور كان الصبر عنه هو الأفضل في ذلك الوقت، وإذا حضرك شيء مأمور به صار الصبر عليه هو الأفضل في وقته.
стр. 1731
أنواع الصبر عند ابن القيم
وقسم بعض العلماء كما يقول ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين: الصبر إلى ثلاثة أنواع: ١ - صبر لله.
٢ - صبر مع الله.
٣ - صبر بالله.
- فأما الصبر الذي بالله: فإن الله إذا لم يصبرك لم تصبر، فلذلك يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] لأن الله إذا ما صبرك لا تصبر، لأن الصبر آتي من الله ؛ لأنه هو الذي يرزقك الصبر.
وأما الصبر لله: فهو أن يكون لوجه الله، فإن بعض الناس قد يصبرون عن أشياء لكن ليس لوجه الله، -مثلاً- على فعل الصلاة رياء، فيجب أن يكون صبره لله، إنسان يصلي أمام الناس من أول الصلاة إلى آخر الصلاة وهو يصبر نفسه ويحبسها على أفعال الصلاة، ولكن ليس صبراً لله وإنما لمراءاة الناس، فهذا لا يكون صبراً لله.
- وأما الصبر مع الله: فبعض الصوفية يعرفونه بتعريفات منحرفة، ولكن يوجه ابن القيم ﵀ هذه القضية، فيقول: الصبر مع الله، أي: مع أوامر الله بحيث يدور الإنسان المسلم معها حيث ما دارت، فأينما توجهت به الأوامر توجه معها، فهذا الإنسان يكون صبره دائماً مع الله ، حيث ما كانت مرضاة الله فهو يصبر.
стр. 1732
صبر النعمة
هناك أشياء في الصبر لا بد للإنسان المسلم منها، أحياناً يتصور الإنسان أن الصبر هو على قضية البلاء، لكن -أيضاً- لا بد أن يتصور الإنسان المسلم أن الصبر على النعماء لا يقل شدة عن الصبر على البلاء، ولذلك يقول بعض السلف: "ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر".
أحياناً الإنسان في مواجهة التحدي والمصاعب يصمد ويصبر، لكن إذا فتح عليه من زهرة الدنيا وزينتها لا يصبر.
ويقول بعض السلف أيضاً: "البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر، ولا يصبر على العافية إلا الصديقون".
فعلاً! قد تجد بعض الكفار يصبرون على البلاء، قد تجد كافراً لا يتسخط ولا يشتكي، لكن لا يصبر على العافية إلا المخلصون والصديقون، فإذا جاءتك نعمة من الله فكيف يكون صبرك عليها؟ أولاً: ألا تركن إليها ولا تغتر بها؛ هذا من الصبر في حال النعمة.
ثانياً: ألا تنهمك في نيلها وتبالغ في استقصائها، كمن يبالغ في الأكل والشرب والجماع، حتى يؤدي ذلك إلى ضد ما يتمنى، فيؤدي به الإفراط في الأكل والشرب إلى التخمة، وإلى أن يضطر إلى أن يحمي نفسه عن الأكل والشرب، ويؤدي به الإفراط في الجماع إلى استنزاف قواه، وخور قواه العقلية أيضاً، ولذلك لا بد أن يحفظ الإنسان نفسه ولا يفرط في هذه الأشياء.
ثالثاً: الصبر على أداء حق الله في هذه النعم، حتى لا يضيع الإنسان هذه الأشياء فيسلبها الله منه.
رابعاً: أن يصبر عن صرف هذه الأشياء في الحرام؛ هذا كله من صبر النعمة.
وكان بعض الصالحين يحمل في جيبه رقعة يخرجها كل ساعة فيطالعها إذا غفل، وكان مكتوب فيها: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] فإن الإنسان قد يصبر في الضراء لكن لا يصبر في السراء، فيجب أن يكون الصبر مصاحباً له في جميع الأحوال.
стр. 1733
الصبر وقوة الإقدام والإحجام
والصبر -أيها الإخوة- من أشق الأشياء على النفوس، وهذه المسألة التي سنذكرها الآن مهمة جداً.
النفس فيها قوتان: ١ - قوة إقدام.
٢ - قوة إحجام.
النفس فيها قوة تجعل الإنسان يقدم في مواطن، وكذلك فيها قوة تجعل الإنسان يحجم.
فيجب على الإنسان بعملية الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى الأشياء التي تنفعه، وقوة الإحجام يجعلها بالصبر إحجاماً عما يضره.
ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به أقوى من صبره على ما يضره، فلذلك تجد بعض الناس يصبرون على مشقة الطاعة ولكنهم لا يصبرون عن المعصية، فهو قد تحكم في قوة الإقدام ففعل الطاعة، لكنه ما تحكم بصبره في قوة الإحجام فيقع في المعصية، فيقول ابن القيم ﵀: "فكثير من الناس -وهذه حالة عجيبة موجودة عند بعض الناس فعلاً- يصبر على مكابدة قيام الليل - يقوم في الليل ويكابد ويصبر على الطاعة- في الحر والبرد، ويصبر على مشقة الصيام ويصوم ولكنه لا يصبر على نظرة محرمة".
فعلاً قد تجد بعض الناس يصلي الفجر في المسجد ويواظب على الصلاة ويصوم صيام النفل، لكنه إذا رأى امرأةً تعبر الطريق لم يتمالك نفسه عن النظر إليها.
وكثير من الناس له صبر عن المعاصي، لكن ليس له صبر على الطاعات، فقد تجد بعض الناس يصبر على الشهوات؛ ولا ينظر إلى المرأة الأجنبية، ولا يتلذذ بالمحرمات، لكنه لا يستطيع أن يصبر نفسه عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين؛ وهذا أيضاً حاصل، ما هو السبب في حدوث هذه الصورة المتناقضة؟ السبب يرجع إلى أمرين: ١ - القوة التي تدعوك: الجاذبية التي تدعوك لعمل هذا العمل.
٢ - سهولة عمل هذا الفعل بالنسبة للإنسان.
فإذا اجتمع في الفعل هذان الأمران كان الصبر عنه أشق شيء على الصابر، فلو كانت قوة الداعي إلى فعل هذا الأمر قوية جداً، مثلاً: إنسان شهوته قوية جداً، وقضاؤها ميسر له، فعند ذلك يكون الصبر في هذا الموقف في أعلى الدرجات، وإن فقدا معاً إذا لم تكن هناك قوة تدفعك إلى فعل هذا الأمر المحرم، وأيضاً هذا الأمر صعب جداً لا يكاد يوجد -نادر- فيكون الصبر في هذه الحالة سهل؛ لأنه ليس هناك قوة تدفعك إلى هذا العمل، وفي نفس الوقت هذا العمل صعب جداً أن يتوفر، فلذلك يكون الصبر سهل جداً، وبحسب تفاوت العامل الأول والثاني يتفاوت الصبر.
وقد يوجد أحدهما ويفقد الآخر، فمثلاً: هناك أناس ليس عندهم دافع إلى القتل والسرقة، وفي نفس الوقت القتل والسرقة قد يكون صعب فعلهما، ففي هذه الحالة يكون صبره على القتل والسرقة سهلاً.
وقد يكون الداعي إلى هذا العمل أحياناً قوياً وسهلاً، فيكون الصبر عليه شديداً، ولذلك كان صبر السلطان عن الظلم، وصبر الشاب عن الفاحشة، وصبر الغني عن اللذات والشهوات، صبره عند الله بمكان عظيم؛ لأن الإنسان عندما يكون في السلطة والمنصب يكون الداعي إلى ظلم الناس كبير الداعي لهم بفعل التسلط والتجبر والارتفاع عليهم، وكذلك العملية سهلة، فكونه يصبر نفسه ويكون إماماً عادلاً صار هذا الصبر عظيماً.
لذلك كان من السبعة الذين يظلهم الله، الشاب الذي يصبر على الفاحشة، داعي العمل، الرجل الذي (دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله) هذا الرجل الشاب داعي الفاحشة في نفسه قوي؛ لأنه شاب.
والداعي الثاني: أن المرأة متيسرة، فلما صبر عن هذه القضية صار من السبعة الذين يظلهم الله، فصار صبرهم عند الله بمكان؛ لأن الداعي قوي، والفعل سهل ومتيسر، ومع ذلك صبروا.
وهاتان المسألتان -أيها الإخوة- مهمتان، لماذا؟ لأنهما تعللان لنا لماذا الناس -أحياناً- يصبرون على طاعات كثيرة، لكنهم لا يصبرون على آفات اللسان.
لماذا كان الصبر عن آفات اللسان شديداً؟ لأنه متيسر؛ حركة اللسان سهلة جداً، فلذلك أصبح الكلام في عيوب الناس من فاكهة الإنسان، فكثير من الناس يقعون في الغيبة، والنميمة، والكذب، والثناء على النفس، وتزكيتها، مع أنهم يصلون مع الناس في المساجد، ويؤدون الزكاة، ويصبرون في الصيام، ويفعلون أشياء كثيرة جداً، بل قد يدعون إلى الله، وقد يصبرون على المشاق، لكن آفات اللسان عندهم متفشية؛ لماذا؟ لأن قضية اللسان سهلة متيسرة؛ فلذلك يقع فيها الإنسان، فكان الصبر في هذه الحالة قوياً جداً.
فإذا اعتاد العبد على المعاصي اللسانية فإنه يعز عليه الصبر عنها؛ ولهذا يقول ابن القيم ﵀: ولهذا تجد الرجل يقوم الليل، ويصوم النهار، ويتورع عن استناده إلى وسادة حرير لحظة واحدة -أي: لو أعطيته وسادة حرير لا يمكن أن يستند عليها ولو لحظة واحدة- وكذلك يتورع عن الدقائق من الحرام، والقطرة من الخمر، ومثل رأس الإبرة من النجاسة؛ ولو أصابه قليل منها ذهب يغسل ويحتاط، لكنه إذا جاء إلى مسائل الغيبة والنميمة والتفكه في أعراض الخلق أطلق فيها لسانه؛ لسهولة العملية، بل وصل الأمر ببعضهم كما يقول ابن القيم ﵀ إلى حالة عجيبة، فيقول: وكما يُحكى أن رجلاً خلا بامرأة أجنبية، فلما أراد مواقعتها قال: يا هذه! غطي وجهك فإن النظر إلى وجه الأجنبية حرام.
فالدافع للشهوة عنده قوي!! النظر إلى وجه الأجنبية حرام، ثم يقع عليها ويواقعها.
هذا كله من الورع الفاسد، وهذا الورع يشبه ورع ذلك الرجل الذي جاء في الحج إلى ابن عمر يسأله عن دم البعوض في الإحرام؟ فقال ابن عمر: من أين أنت؟ فقال: من أهل العراق، فقال ابن عمر: (تسألني عن البعوض وقد قتلتم ابن بنت رسول الله ﷺ وإني سمعته ﷺ يقول: هما ريحانتاي من الدنيا) السبب أن هناك أناساً عندهم هذا الانحراف فعلاً، وهذه الازدواجية العجيبة، وعندهم مثل هذا الورع الفاسد، ما هو السبب؟ السبب يعود إلى قوة الدافع، وسهولة حصول الأمر.
стр. 1734
أهمية الصبر
الصبر له أهمية عظيمة، فالذي يتدبر آيات الكتاب العزيز يجد جانباً كبيراً من هذه الأهمية، فتجد أن الله ، كما يقول الإمام أحمد ﵀: عظم أمر الصبر في القرآن جداً، فأمر به في قوله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل:١٢٧] ونهى عن ضده، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩]، وقال: ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف:٣٥] نهى عن ضد الصبر، وعلق الفلاح على الصبر، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وأخبر عن مضاعفة الأجر للصابرين بأضعاف مضاعفة وبغير حساب، فقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤] بل إنه يضاعف بغير حساب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
قال أحد السلف: كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر؛ لأن الله قال: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] ولذلك كان أجر الصوم غير مقدر، كما يقول الله في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) لأن الصوم يتعلق أساساً بالصبر؛ وهو عبارة عن حبس النفس ومنعها عن الطعام والشراب والجماع والغيبة إلى آخره، بل إن الله علَّق الإمامة في الدين، على الصبر واليقين، كما قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ فإن الله جعل طائفة من الناس أئمة؛ يأتم بهم الناس ويقتدون بهم ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] فإذا أراد أحد منا أن يكون إماماً للناس يقتدى به، فعليه أن يأخذ بالصبر بالدرجة الأولى ﴿وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] ولذلك كان من أقوال ابن تيمية ﵀: "بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين".
بل إن الله جعل للصابرين ظفراً ليس مثله ظفر، وهو: الظفر بمعيته ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣].
وجمع للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم، وهي: ١ - صلاة منه عليهم.
٢ - رحمته لهم.
٣ - هدايته إياهم.
ما هو الدليل؟ ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧] فجمع لهم ثلاثة أشياء ما جمعها لأحد غيرهم: صلوات من ربهم، ورحمة، واهتداء.
وكذلك جعل الله الصبر عوناً لنا، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] فجعله عوناً وزاداً وسلاحاً.
وعلق النصر على الصبر، فقال : ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥]، ولذلك يقول رسول الله ﷺ : (واعلموا أن النصر مع الصبر).
وأخبر أن الملائكة تسلم على المؤمنين في الجنة لصبرهم، فقال سبحانه: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤] صبرتم على ماذا؟ صبرتم على الطاعة، وعن المعصية، وعلى أقدار الله تعالى، وعلى المصائب.
وكذلك جعل الله أهل محبته هم أهل الصبر، فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦].
وأخبر أن خصال الخير لا تجتمع ولا تعطى ولا تلقى إلا للصابرين، جاء في موضعين في القرآن، يقول الله في قصة العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل وكانوا صالحين وهم من قوم قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠].
وكذلك قال عمن صار بينه وبين أحدٍ عداوة فعامله بالحسنى، قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥].
إذاً: خصال الخير كلها تجتمع في الصابرين.
وأخبر بأنه لا ينتفع بآياته إلا أهل الصبر، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥].
والله قرن بين الصبر وبين أشياء عظيمة، عندما تجده مقترناً بشيء عظيم فإن هذا يدل على عظمته هو، فقرن الله الصبر بالتقوى، وقرن الصبر بالعمل الصالح، وقرن الصبر بالمرحمة، فمن اقتران الصبر بالتقوى قوله : ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف:٩٠]، وكذلك قرن الله الصبر بالوحي، فقال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس:١٠٩]، وقرن بين الرحمة والصبر فقال : ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧].
وبالنسبة للصبر والرحمة فهذه الأشياء لو اجتمعت فيكون أنواع الناس في الصبر والرحمة أربعة أنواع: ١ - أن يصبر ولا يرحم.
٢ - أن يرحم ولا يصبر.
٣ - أن يصبر ويرحم.
٤ - ألا يصبر ولا يرحم.
يقول ابن تيمية ﵀ في الفتاوى كلاماً جميلاً عن هذه الآية: إذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والفساد، فهم يصبرون ويجالدون لكنهم لا يرحمون.
ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين، مثل كثير من النساء ومن يشبههن.
أي: أن من طبيعة النساء أنهن يرحمن ولكن لا يصبرن؛ فقد تجد المرأة فاسقة والعياذ بالله، لكن إذا رأت طفلاً يحتاج إلى إرضاع وجائع رحمته وأرضعته، وقد تكون ممن لا تصبر على الفواحش؛ وهذه خصلة في المرأة أكثر من الرجل ينبغي على المرأة الانتباه إليها أنها قد ترحم ولكن لا تصبر، فلا تعتبر نفسها إذا رحمت أنها بخير إذا كانت من غير أهل الصبر، يجب عليها أن تجمع إلى رحمتها الصبر.
ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع.
أناس عصاة يصبرون لأن عندهم جلد لكن عندهم هلع لا يصبرون أيضاً.
قال: والمحمود هو الذي يصبر ويرحم.
والصبر -أيها الإخوة- هو زادٌ في طريق الدعوة إلى الله ﵎، كما قال صاحب الظلال ﵀.
الصبر على أشياء كثيرة، الصبر على شهوة النفس ورغباتها وأطماعها ومطامحها وضعفها ونقصها وعجلتها ومللها من القريب، أي: أن النفس تميل بسرعة.
الصبر يكون في مجالات كثيرة من أعظمها: الصبر عن شهوة النفس، وكذلك: الصبر عن شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصورهم وانحراف طبعهم وأثرتهم وغرورهم والتوائهم واستعجالهم الثمار.
إذا كنت داعية تدعو إلى الله لا بد أن تصبر على ما تواجهه من الناس؛ لأنك ستواجه أشياء كثيرة، منها: الشهوات: رجل عنده شهوة المال، فإذا دعوته لا يستجيب، وآخر عنده شهوة محرمة فلا يستجيب لك، ويصمم على النظر إلى المرأة الأجنبية والاستمتاع والتلذذ بالمحرمات، وإنسان عنده شهوة منصب لا يستجيب لك؛ وشهوة المنصب تحمله على الغرور، وعلى التعسف، وعلى رفض الحق الذي تدعو إليه، وهم عندهم جهل، تأتي تناقش بعضهم بأشياء فتجده في غاية الجهل، فتجد مِنْ نفسك أنه لا بد أن تقطع مشواراً طويلاً حتى توصل هؤلاء الناس إلى جانب من العلم لا بد لهم منه، فإذا ما صبرت على جهلهم وأحياناً يفعلون أشياء عجيبة جداً، فإذا ما صبرت نفسك على جهل هؤلاء، فإنك ستيئس من دعوة أولئك الناس.
وكذلك سوء تصورهم: الناس عندهم سوء في التصور؛ تصوراتهم في العقيدة تصوراتهم في القضاء والقدر تصوراتهم في مغفرة الله ورحمته تصورات سيئة في أشياء كثيرة جداً، فلا بد من الصبر على سوء تصور الناس، وبعضهم عندهم غرور، والتواءات نفسية، ومزالق، تأتي للواحد من اليمين يذهب في الشمال، تأتي من هنا فيذهب من هناك، يروغ منك كروغان الثعلب، لا بد من الصبر على التواءات الناس.
وكذلك الصبر على تنفش الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الهوى، وعلى تصعير الغرور والخيلاء، فإن الإنسان إذا رأى انتفاشة الباطل ولم يكن عنده صبر، فإن هذا الأمر سوف يُؤدي به إلى اليأس والقنوط، وفقد الأمل تماماً في الوصول بالأمة إلى المرتبة التي يريدها الله .
والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووسواس الشيطان في ساعات القرب والضيق؛ وكل كلمة من هذه الكلمات تحتاج إلى دروس كاملة.
الصبر على قلة الناصر، هذه الأشياء التي يحس بها الدعاة إلى الله وهم يدعون الناس؛ الناس كثرة في الشر، وهؤلاء الدعاة قلة من أهل الخير، فلا بد من الصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق؛ طريق الشر قصير وسهل، وطريق الخير طويل وشاق وصعب.
يعتريه وسواس الشيطان، شيء من النفس الأمارة بالسوء، وشيء من القرين ال
стр. 1735
أشياء مناقضة للصبر
من الأشياء المقابلة والمعاكسة للصبر: عملية الاستعجال: كثير من الناس وحتى الدعاة إلى الله يستعجلون الثمرة، يريدون من الناس أن يلتزموا بالإسلام بسرعة، ويريدون من الناس أن يتمسكوا بسرعة، ويريدون من الناس أن يتركوا المنكرات بسرعة وبدون صبر على هؤلاء الناس، وهذا لا يحصل، بل إنه حتى لو التزم هؤلاء الناس فإنهم يريدون منهم أن يترقوا في مدارج العلم ومدارج التربية بسرعة، يريد منه أن يصل في لحظة من مرحلة ترك المعصية، والبعد عن المنكرات إلى مرحلة العلم، وإلى مرحلة التصورات الصحيحة، وإلى مرحلة العمل للإسلام بسرعة كبيرة، يريد أن ينقله نقلة بعيدة في وقت قصير جداً؛ هذه العملية دون صبر لا تصلح، ولذلك ترى ثمرات هؤلاء العاملين الذين عدموا الصبر في هذه المواقف ثمراتٍ ناشفة غير ناضجة لماذا؟ لعملية الاستعجال المنافية للصبر.
أحياناً الإنسان يتسرع فيحكم على الناس بالخطأ، وأحياناً يتسرع فلا يعذرهم، ولو أنه صبر لكان خيراً له؛ حتى طالب العلم يحتاج إلى الصبر في أشياء كثيرة، أحياناً الإنسان يتسرع فيأخذ علماً من العلوم وهناك ما هو أهم منه، فلا بد أن يصبر ويتريث، وأحياناً يقرأ الإنسان ثم يزهق ويمل فلا بد أن يصابر نفسه.
كيف وصل العلماء الكبار إلى حالات عجيبة من الصبر على طلب العلم؟ كيف كان بعضهم له خمسة دروس في اليوم والليلة متواصلة غير وقت الطلب الخاص به الذي يبحث فيه بنفسه ويقرأ فيه، كما كان النووي ﵀، فقد كان معه عشرة دروس متواصلة، وكذلك الشنقيطي ﵀ كان له أكثر من خمسة دروس متواصلة غير وقت الطلب الخاص به، وكيف صبر علماء الحديث، على طلب الحديث وقد كانوا يسافرون في طلب الحديث الواحد الشهور حتى يصلوا إلى مبتغاهم، وهذا الشيخ ناصر ﵀ من علماء الحديث المعاصرين كان يجلس في المكتبة الظاهرية ليبحث عن حديث، فتراه ينتقل من رف إلى رف يجلس على السلم قرابة خمس ساعات متواصلة وهو يبحث في المجلدات، ويقرأ المخطوطات وهي بهذا الخط الدقيق الصعب القراءة وهو يبحث ليصل إلى نتيجة ما.
تخيل: يجلس على السلم خمس ساعات متواصلة وينظر في الرفوف، ويسحب كتاباً وينزل آخر، ويفتح المخطوطة ويدقق، ويقرأ قراءة تكاد العين تعمى منها فكيف وصل هؤلاء إلى هذه المرتبة؟ لم يصلوا إليها إلا بالصبر الصبر على طلب العلم ومجاهدة النفس.
اصبر على ما كرهت تحظ بما تهوى فما جازع بمعذور
إن اصطبار الجنين في ظلم الـ أحشاء أفضى به إلى النور
والمسلم الداعية الذي لا يعرف الصبر داعية فاشل لا يعلم سنن الله تعالى، فإذا استحكمت الأزمات، وتعقدت في حبالها، وترادفت الضوائق، وطال الليل، فالصبر على الهدى والحق هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط والهداية الواقية من القنوط.
وكذلك أيها الإخوة: عاش السلف ﵏ في أجواء التربية، يتنقلون من مرحلة إلى مرحلة، وكان رديفهم الصبر دائماً، ولذلك وصلوا إلى هذه المرحلة العالية، فقال عمر بن الخطاب ﵁: [وجدنا خير عيشنا بالصبر] أحسن العيش أحسن أوقات الحياة التي عشناها كانت بالصبر؛ فلا بد من هذا الدواء الذي أوله مر، ولكن في النهاية يكون حسن الطعم جداً.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم هذا الأمر العظيم من أمور الدين، وأن يجعلنا من الصابرين المصابرين المصطبرين في ذات الله تعالى، وأن يجعل صبرنا لله وبالله ومع الله.
هذا آخر ما تيسر ذكره من الكلام على مسألة الصبر، ومن شاء الزيادة فليرجع إلى كتاب: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، وكذلك تكلم ابن تيمية ﵀ كلاماً جيداً على الصبر في المجلد العاشر من مجموع الفتاوى، وكذا تكلم ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين عن منزلة الصبر، وغيرهم من علماء السلف، فمن شاء الزيادة فليرجع إلى مثل هذه المراجع وغيرها، وأفضل ما يمكن للإنسان أن يعلم به حقيقة الصبر هو: المعايشة اليومية للمشاكل التي تواجهه مشاكل كثيرة جداً مشاكل اجتماعية مشاكل مع نفسه مع الشهوات مصارعات لهذه الشهوات، مع الناس، في الدعوة إلى الله، امرأة تصبر على الحجاب وزوجها يثنيها عنه، وامرأة تريد أن تطلب العلم وتريد أن تجعل من بيتها بيتاً مستقيماً وقد لا توفق بزوج صالح، فلا بد أن تصبر نفسها على هذا البلاء الذي حل بها، الإنسان الداعية في جميع مواقفه، والمجاهد الذي يجاهد في سبيل الله يحتاج إلى الصبر.
فأحسن قضية يمكن أن يتعلم الإنسان فيها الصبر قضية الممارسة والمعايشة اليومية لأحداث الحياة، ولا تكاد تتأمل حادثة من حوادث الحياة التي تمر بك إلا وتحس بأن الصبر هو المفتاح لما أغلق، وهو الدواء والحل لجميع المشاكل التي تواجهها.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله أولاً وآخراً.
стр. 1736
التعاون بين المسلمين
الإنسان محتاج إلى المعاونة في كافة أمور الحياة، والشرع قد أمر بالتعاون على البر ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وفي هذه المادة بيان للتعاون المشروع وغيره مقروناً بالأمثلة، وتوجيه للتعاون لكي يكون على الخير.
стр. 1737
التعاون على البر والتقوى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الاستعانة بالله ركن التوحيد، كما قال الله تعالى وكما نقولها في الصلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وكان ﵊ يستعين بربه على قومه، فروى البخاري ﵀ عن ابن مسعود (أن رسول الله ﷺ لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال: اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسبع يوسف، فأصابتهم سنَةٌ -أي: قحط- حصت كل شيء حتى كانوا يأكلون الميتة).
وقال يعقوب ﵇ لما ذكر له أولاده الكذب في فقد يوسف، ثم قالوا له ما حصل في فقد أخيه الأصغر، قال: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨].
وكذلك قالها عثمان رضي الله تعالى عنه عندما أخبره أبو موسى بكلام النبي ﷺ : (افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه.
قال: فقمت ففتحت له وبشرته بالجنة، فأخبرته بالذي قال ﷺ فقال عثمان: الله المستعان!) رواه البخاري.
وذكر لنا ربنا في محكم تنزيله قاعدة عظيمة جداً تحوي أموراً لا يمكن حصرها، فقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] قال ابن كثير ﵀: يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم، ففعل الخيرات هو البر نتعاون فيه، وترك المنكرات هو التقوى نتعاون عليه كذلك، ولا نتعاون على إثم كالباطل، ولا على محرم؛ لأن المعاون فيه شريك في الإثم.
стр. 1738
عمل النبي ﷺ بمبدأ التعاون وحثه عليه
عباد الله: إن النبي ﷺ قد طبق في السيرة العملية هذا الأمر، فقام يعاون ويتعاون في بناء المسجد: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٧] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة:١٨] فقام النبي ﷺ وأصحابه بالتعاون على بناء المسجد، كما قاموا بالتعاون على إقامة الجهاد وحفر الخندق؛ إنفاذاً لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].
وأوصى النبي ﷺ بالمعاونة على المستوى الفردي، كما قام هو وأصحابه بالتعاون على المستوى الجماعي؛ فقال ﷺ : (كل سُلامَى عليه صدقة، كل يوم يعين الرجل في دابته يحامله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة) وقال البراء: (أمرنا رسول الله ﷺ بسبعٍ ومنها: وعون المظلوم) رواهما البخاري ﵀.
وكذلك قال ﵊: (على كل مسلمٍ صدقة، فقالوا: يا نبي الله! فمن لم يجد؟ قال: يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف) فهذه الإعانة صدقة عظيمة لمن لم يستطع أن يستقل بعملٍ بنفسه، فيعين غيره فيكون شريكاً في الأجر.
وأمرنا ﵊ بإعانة العبيد فيما كلفناهم به، فقال: (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) رواه البخاري.
والإعانة إذا كانت في أمرٍ نفيسٍ وشيءٍ عظيمٍ ذي مرتبةٍ في الدين، فإن المعاون فيها له أجر عظيم.
قال الإمام مسلم ﵀: باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوبٍ وغيره وخلافته في أهله بخير.
وقال البخاري ﵀: قال مجاهد: [قلت لـ ابن عمر: الغزو، قال: إني أحب أن أعينك بطائفة من مالي، قلت: أوسع الله علي، قال: إن غناك لك، وإني أحب أن يكون من مالي في هذا الوجه] أي: لا تحرمني من المعاونة والأجر.
وعلى المستوى الاجتماعي بين الرجل والمرأة كلٌ منهما يعين الآخر في البيت، قال البخاري في صحيحه: باب عون المرأة زوجها في ولده، وأخذ ذلك من حديث جابر ﵁ أنه تزوج ثيباً لتعينه على القيام بأخواته، وهذا من شيمة المرأة الصالحة أنها تعين زوجها حتى فيما لا يجب عليها، كخدمة أهله وأخواته، هي مكلفةٌ ببيتها، ولكن إذا تعدت الإعانة إلى أهل زوجها وأخواته فإن ذلك من جميل العشرة، ولها فيه أجرٌ عظيم.
هذه نماذج من الإعانات على سائر المستويات، وهكذا يفهم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢].
стр. 1739
النهي عن التعاون على الإثم والعدوان
وأما التعاون على الإثم والعدوان فإنه حرام ولا يجوز وقد نهانا الله عنه، فلا نعين على محذور، وقد فهم الصحابة ذلك حتى في الأمور الدقيقة، فعن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه، قال: (انطلقنا مع النبي ﷺ عام الحديبية، فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأنبأنا بعدوٍ فتوجهنا نحوهم، فبصر أصحابي بحمار وحشٍ، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض، فنظرت فرأيته، فحملت عليه الفرس فطعنته فأثبته، فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني، فأكلنا منه، ثم لحقنا النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! إن أصحابك أرسلوا يقرءون عليك السلام ورحمة الله وبركاته، وإنهم قد خشوا أن يقتطعهم العدو دونك فانظرهم ففعل، فقلت: يا رسول الله! إنا اصطدنا حمار وحشٍ، وإن عندنا فاضلةً، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: كلوا، وهم محرمون)، وفي رواية: (أن هذا الرجل استعان أصحابه، فقالوا: لا نعينك عليه بشيء، فإنَّا محرمون)، وفي رواية أيضاً عنه رضي الله تعالى عنه قال: (كنا في منزلٍ في طريق مكة، والقوم محرمون وأنا غير محرم، فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا في أنفسهم لو أني أبصرته، والتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط والرمح، فقلت لهم: ناولوني السوط والرمح، فقالوا: لا والله لا نعينك عليه بشيءٍ، وفي القصة أنه خبَّأ عضداً، ولما أدرك النبي ﷺ سأله عن الحكم؟ قال: معكم منه شيءٌ، فقلت: نعم، فناولته العضد فأكلها حتى نفذها وهو محرم) كل الروايات في صحيح الإمام البخاري ﵀.
فلم يعينوه على المحظور، وأما الأكل مما صاده الحلال غير المحرم فهو جائزٌ للمحرم.
وقال ﵊ لمَّا أقيم حدٌ على إنسان مسلم وأقامه الصحابة قالوا: فمنَّا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله -لهذا المحدود- فقال ﵊: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)، وفي رواية: (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم) رواهما البخاري.
فإذا كان المحدود قد جُلِد والحد كفَّارة له؛ فلأي شيء يُدعى عليه، ولأي شيء يَشْعُر أنَّ إخوانه أعداؤه، فيكونون عوناً للشيطان عليه، بل الواجب تسهيل المشوار عليه بعد التوبة، واستقباله بعد تطهيره بالحد استقبالاً حسناً.
وعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: (خرج رسول الله ﷺ قِبلَ بدر، فلما كان بـ حرة الوبرة -وهو مكان بعد المدينة - أدركه رجلٌ يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه -أي: رأوا هذا المشرك الشجاع المحارب جاء يلتحق بهم- فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعك وأصيب معك، فقال رسول الله ﷺ له: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة: ارجع فلن أستعين بمشرك، ثم رجع فأدركه بالبيداء؛ فقال له كما قال أول مرة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم.
فقال له رسول الله ﷺ : فانطلق وادخل في الجيش نستعين بك الآن) الحديث في صحيح مسلم.
فإذاً قد يكون الحرام في الاستعانة في الشخص المستعان به، وقد يكون الحرام في موضوع الاستعانة؛ ولذلك لا بد أن يكون التعاون على البر والتقوى بالشروط الشرعية، وألا نتعاون على الإثم والعدوان.
وفقنا الله لفعل الخيرات، وترك المنكرات، والتعاون على البر والتقوى، إنه سميعٌ مجيب قريب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 1740
نماذج من الاستعانة
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأشهد أن محمداً رسول الله، الرحمة المهداة، البشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: إن من الاستعانة والتعاون ما يكون واجباً، ومنه ما يكون مستحباً، ومنه ما يكون مباحاً، ومنه ما يكون مكروهاً، ومنه ما يكون محرماً.
فمثل الواجب: إعانة المضطر على الطعام والشراب بإعطائه ما يحفظ عليه حياته، وكذلك إنقاذ كل معصومٍ من غرقٍ أو حرقٍ أو نحو ذلك، فإذا كان الإنسان قادراً عليه وجبت الإعانة عليه وجوباً عينياً، وكذلك إعانة الصغير لإنقاذه من مهلكة واجبة، وتجب الإعانة لتخليص المال المحترم -أي: الذي له حرمة في الشريعة- قليلاً كان أم كثيراً، حتى أن الصلاة تقطع لأجل ذلك.
والإعانة في دفع الضرر العام عن المسلمين أو الخاص عن مسلم واجبةٌ أيضاً: (المسلم أخو المسلم)؛ بل إن إعانة البهائم واجبة إذا كانت عند الإنسان، ولذلك دخلت امرأة النار في هرةٍ حبستها ولم تطعمها، بينما دخل الجنة رجلٌ في كلبٍ أعانه على شربٍ في مهلكة وعطش، فسقاه فشكر الله له فغفر له، وقال ﵊: (في كل ذات كبدٍ رطبٍ أجر) فهذا إذا كان مستحباً فإن الإعانة مستحبة.
والمباحة تعامل الناس في التجارات وغيرها في الحلال.
والإعانة على المكروه مكروهة؛ كالإعانة على إسراف لا يصل إلى درجة التحريم.
وينبغي الانتباه لعدم الوقوع في الإعانة المحرمة وهي كثيرةٌ جداً في هذا الزمان، فإن عدداً من الناس يعينون على الحرام؛ كتوفير الخمور والإتيان بها، أو الإعانة على الزنا وتسهيل طريقه، أو الدلالة عليه، أو على مكانه، أو على البغي، وكذلك الإعانة على الخصومات المحرمة، وإعانة الظالم مصيبة عظيمة، والنبي ﷺ لما أخبر عن الظلمة ذكر أن من صدَّقهم في كذبهم وأعانهم في ظلمهم فليس مني ولست منه.
وكذلك الإعانة على غير الحق أمر مذموم ومحرم؛ ضرب له النبي ﷺ مثلاً كما جاء عند ابن حبان: (مثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثلٍ بعيرٍ تردى في بئرٍ فهو ينزع منها بذنبه) فكيف يخرج إذاً من هذه الورطة التي ورط نفسه فيها، بإعانته على الإثم والعدوان وعلى غير الحق، يعين قومه تعصباً لهم، وعدد من الناس يعينون في استيلاء من ليس له حقٌ على أرضٍ، ويعينون في شهادة زورٍ، ويعينون في اعتداء شخصٍ على وظيفة لا يستحقها، ويسهلون دفع الرشاوي، وكل ذلك من الإعانة على الإثم والعدوان، ويدلون على ذلك.
وصور التعاون على المحرم -مع الأسف- في هذا العصر قد كثرت، ولذلك كان لا بد من التنبه لهذه المصيبة العظيمة، حتى صار الناس يدل بعضهم بعضاً على الشر والعياذ بالله؛ في رؤية أماكن معينة، أو قنواتٍ معينة، أو الذهاب إلى أمكنةٍ معينة محرمة.
إنه حرام أن توصله بسيارتك إلى ذلك المكان، أو تدله على العنوان، أو غير ذلك من وسائل الإعانة.
إن المتبصر في الواقع -أيها الإخوة- ليرى أن عدداً من المسلمين قد ضربوا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] عرض الحائط! فلا يستجيبون إلى ذلك؛ فيشاركون في الإثم والعدوان يشاركون في الحرام والاعتداء، وبعضهم يقول: أنا لم أفعله ولم أرتكبه، نقول: ولكنك ساعدت غيرك عليه دللته عليه سهلت طريقه إليه، إذاً أنت شريك في الإثم، ولو أن إنساناً أمسك شخصاً لآخر كي يقتله اقتص منهما جميعاً، فإذاً المشارك في الإثم له نصيبٌ منه، وكل بحسبه والله لا يظلم أحداً.
اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا ممن يخافك ويتقيك يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعلنا ممن يتعاونون على البر والتقوى، ولا تجعلنا ممن يتعاونون على الإثم والعدوان.
اللهم اجعلنا دعاةً إلى سبيلك، مستمسكين بسنة نبيك ﷺ .
أيها المسلمون: ما أعظم النعمة عندما يتعاون عباد الله تعالى على الدعوة إلى الله عندما يتعاونون على هداية شخص، فيكلِّمه هذا بأسلوب، ويأتيه هذا بأسلوبٍ آخر، ويزورانه جميعاً، أو يجعلون له بيئة خيرٍ تجذبه إلى الخير وأهله إنهم شركاء في الأجر العظيم، ما أعظم النعمة على قومٍ تعاونوا على طلب العلم! فهذا يوصل بسيارته، وهذا يدل على مكان الدرس وموعده، وهذا يعطي آخر ما فاته من الدرس إنه تعاونٌ على البر والتقوى، هذه أشكال المعاونة التي نريدها على صعيد التربية والدعوة وطلب العلم وفعل الخيرات عموماً.
إن التعاون بالشفاعة الحسنة -وليست الواسطة المحرمة- والتدخل الحميد؛ لإيصال حقٍ إلى صاحبه، أو إعانته على زواجٍ -مثلاً- يعفُّ به نفسه، فيدله على امرأة صاحبة دين أو بيت صلاحٍ يخطب منه، ويعين المسلمون أخاهم في تجميع المهر، أو يأتي الواحد بشاةٍ أو غيرها يعينونه على الوليمة؛ طوبى لهم وأجرٌ عظيم -إن شاء الله- بهذا التعاون المبارك، فلا بد من إحياء هذه الشعيرة التعاون على البر والتقوى فيما بيننا.
نسأل الله أن يحسن خاتمتنا، وأن يتوب علينا، وأن يستر عيوبنا، ويقضي ديوننا، ويشفي مرضنا، ويرحم موتانا، والحمد لله رب العالمين.
стр. 1741
حفظ الدين
من أهم مقاصد الشريعة حفظ الدين، وهذا الدين لاشك أن له أعداءً كثيرين من داخله ومن خارجه.
ولقد تعهد الله بحفظه وبشر رسوله بانتشاره، فوضع سبحانه وسائل لحفظه: فالعمل به أولاً والجهاد لإقامته ثانياً، والدعوة إليه ثالثاً، والحكم به رابعاً، ورد كل ما يخالفه خامساً، من أهم وسائل حفظ الدين.
стр. 1742
حفظ الدين أول مقاصد الشريعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن المقصد الأول من مقاصد هذه الشريعة هو حفظ دين الله حفظ الدين الذي أنزله الله وجعله مهيمناً على سائر الأديان، ولم يرتضِ من عباده غيره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]، ولذلك تكفل الله بحفظه، وأما بقية الأديان فلم يبقَ منها دينٌ إلا وهو محرفٌ، أو مشوَّهٌ، أو مختلطٌ بآراء البشر.
لقد جاءت هذه الشريعة -أيها الإخوة- بوسائل متعددة لحفظ الدين ينبغي أن نتمعن فيها، لأننا إذا عرفنا طريقة الشريعة لحفظ الدين التزمنا هذه الطريقة، وحرصنا عليها، ووجب علينا أن نسلك السبل التي جاءت بها الشريعة لحفظ الدين.
إن الناس بدون دين كوحوش في الغابة، قويهم يأكل ضعيفهم، وظالمهم مسيطرٌ على مظلوهم، والناس بدون دين أموات ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢].
الناس بدون دين بهائم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:١٢] ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] وطرق الشريعة لحفظ الدين: العمل به أولاً، والجهاد من أجل إقامته ثانياً، والدعوة إليه ثالثاً، والحكم به رابعاً، ورد كل ما يخالفه خامساً.
стр. 1743
حفظ الدين بالعمل به وإقامة أركانه
لقد حفظت الشريعة الدين، وجاءت بالوسائل الكفيلة لحفظه من جهتين أولهما: المحافظة على ما يقيم أركانه ويثبِّت قواعده.
ثانيهما: درء الفساد الواقع، أو المتوقع عليه، والمحافظة بدرء ما يحرفه أو يزيله.
فأما العمل بالدين -وهو الطريقة الأولى لحفظه وإقراره في الواقع- فإنه من المعلوم أن الله ما شرعه إلا ليُعمَل به، لا لتحفظ ألفاظه فحسب، ولا ليحفظ الكتاب رسماً فحسب، ولا لتحفظ السنة حروفاً وكلمات فحسب، وإنما شرع الله الدين لإقامته والعمل به، ولو حُفِظَت نصوصه وضيعت معانيها ولم يُلتزم بها؛ فلا نُعتَبر قد قمنا بشيء هو المطلوب منا، ولذلك كان حفظ الدين فرضاً علينا لا في نصوصه فقط، وإنما بالعمل به أيضاً، وبعض أعداء الدين يناسبهم أن يحفظ بعض الأطفال القرآن، ولذلك تراهم يتباهون به، لكن أن يُطَبَّق القرآن فهذا شيءٌ آخر.
والمسلم معنيٌّ بتطبيق الدين في واقع الحياة، ومن أقام الدين في نفسه فهو معين على إقامة الإسلام في الأرض، فإذا أقامه كل واحد قام الدين، والشريعة فيها واجبات عينية، وواجبات كفائية، فالواجبات العينية لا بد على كل إنسان أن يقيمها؛ كالصلاة مثلاً، والواجبات الكفائية لا بد أن تقوم بها الأمة بأجمعها، بحيث إذا أخلَّت به، أثم جميع أفرادها، فإذا كان الجهاد في الأصل فرض كفاية، فإذا حقق سلمت الأمة من الإثم، وإذا ضُيِّع أثم المسلمون جميعاً.
وحفظ الدين واجبٌ على كل إنسان مكلفٍ بإقامة أركانه وواجباته؛ كإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصوم، والحج، وغير ذلك من فرائض الإسلام العينية التي يجب أن يقام بها، ولأجل تكميل ذلك شرعت الشريعة المندوبات استحباباً للقيام بها، وترك المكروهات -أيضاً- من الدين للمحافظة على أصوله وخطوطه وقواعده.
ومن هنا ندرك -أيها الإخوة- الفرق بين المسلمين والإسلام، فأعمال المسلمين في ذاتها قد تكون صواباً، وقد تكون خطأً قد تكون حقاً، وقد تكون باطلاً، وأما الإسلام فلا يكون إلا حقاً غير محتملٍ للباطل، والعمل بالدين يؤثر في حياة الناس، وعندما يحصل الاختلال في التطبيق، والتغاير بين العمل والدين؛ فإن ذلك العامل بالخطأ لا يقال عنه: إنه عاملٌ بالدين، وكم شوهت هذه الأعمال من الدين، وكم منعت من الدخول فيه، وكل من يمارس عملاً خاطئاً متعمداً معلناً به فهو من الذين يصدون عن سبيل الله بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، حتى الذين يظلمون العمال الكفرة -مثلاً- فيظن هؤلاء الكفرة أن هذا هو الإسلام، فإن كل ظالمٍ لهم آثمٌ وصادٌ عن سبيل الله، وهكذا الذين يذهبون إلى بعض الأقطار من المسلمين يمارسون الفواحش، وبعضهم يمارسونها بين المسلمين، فهؤلاء الذين يعطون الصورة السيئة عن الإسلام بممارساتهم الخاطئة الآثمة هم من الذين يصدون عن سبيل الله هذا من جهة العمل به.
وأما الحكم به فهو ضرورة من ضرورات حفظه؛ لأنه لا يمكن أن يكون الدين محفوظاً إلا إذا صار هو الحاكم في الأرض، والله قد قيض العلماء ليبينوا للناس الإسلام، فيكون الدين محفوظاً من جهة بيانه ومعرفته، فإنه في كثير من الحالات لا يوجد دين عند بعض الناس، أو في بعض المجتمعات؛ لأنه لا يوجد علماء صدقٍ يُبينون الدين، ويُعلنون حلاله وحرامه، ويُظهرونَه، ويفتون في مسائله لماذا يضيع الدين عند بعض الناس؟ لأنه لا يوجد من أولي العلم من يقوم به ويبينه، ولذلك كان لا بد من الحكم بالدين، فالقاضي والعالم والمفتي الذي يحكم بالدين هو مقيم له في الأرض، ومبين له، ومعلنٌ به، والله تعالى يريد ذلك، وعندما يُحكَم بغير الإسلام فإن هذا إقصاءٌ للدين عن الحياة، وإحلالٌ للأهواء والآراء الشخصية محل دين الله، وأي تضييعٍ للدين أعظم من هذا؟! وأي جنايةٍ عليه أكبر من هذا؟! فعندما يحكم الإنسان بالإسلام ويحكم المسلمون به؛ فإنهم يكونون مطبقين وقائمين بالأمر، لأن الله قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]؛ ولأن الله قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
فحفظ الدين في المجتمع بإظهار أحكام الإسلام وشعائره، وإقامه حدوده إقامة الحدود أمرٌ مهمٌ في بقاء الدين الحكم بالإسلام التراجع إلى المحاكم الشرعية إعادة القضايا إلى قضاة الشريعة، كل ذلك أمرٌ مهمٌ في إقامة الدين، والذين لا يعملون ذلك فهم مضيعون للدين، وإنما يخفى الدين بين الناس وبين العوام، لأن القضايا لا ترد إلى الشريعة.
والحكم بالدين وتطبيق أحكامه يسد الباب على أهل الكفر والضلال والانحراف عندما يحاولون نشر مذاهبهم؛ لأنهم لا يتمكنون من ذلك عند إقامة حد الردة في الأرض وفي المجتمع، لا يتمكنون من نشر كفرهم لا تحت ستار البحث العلمي، ولا تحت ستار الحرية الفكرية، وكثيرٌ من الكفر المعلن اليوم في الأرض يعلن تحت ستار البحث العلمي والرسائل الأكاديمية، أو تحت ستار الحرية الفكرية حرية اعتناق المذاهب والأديان والأفكار.
стр. 1744
حفظ الدين عن طريق الدعوة إليه
الوسيلة الثانية لحفظ الدين وهذا أمرٌ كلنا مأمورون به: أننا -جميعاً- معنيون بإقامة الدين أفراداً وجماعات عن طريق الدعوة إلى الله، فإن الدعوة إلى الله وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومن أجلها تحملوا المتاعب، وصبروا على الأذى، وقَاتَلوا وقُتِلوا في سبيل الله ، لا يمكن أن يتصور قيام دين وانتشاره بدون دعوة إليه، وبيانٍ لمحاسنه، وتوضيحٍ لأحكامه وآدابه، وكشف الشبهات عنه.
إن كل صاحب فكرة يريد نشرها يقوم بالدعوة إليها، ويفعله أعداء الإسلام كثيراً، ويضحي بعضهم ويتفانى لأجل ذلك، فيعلنه، وينشره، ويعتمد الأموال لأجل ذلك والأفراد، وتُستَغل سائر الوسائل لنشر الأفكار من القلم إلى الإنترنت وهكذا يقومون بنشر الأفكار، وهكذا تقام المعاهد، وتقام دورات الإقناع، وهذا الجهد النصراني مثالٌ واضحٌ على ذلك، فهم يدرسون مقررات (كيف تقنع مسلماً بـ النصرانية) ونادراً ما تسمع أن مسلماً درس مقرراً، أو تدرب على الدعوة إلى الله بشكلٍ مخططٍ له يكافئ الواجب الملقى على عواتقنا في سبيل نشر الدين، بل كثيراً ما نجد المسلمين في غاية التراخي والإهمال والتفريط في واجب الدعوة، أفلا يكون أولى بدعاة الحق الذين يعلمون صدق ما يدعون إليه، وأنه هو الدين الوحيد الصحيح أن يقوموا بالدعوة إلى الله ، خصوصاً وهم يرون أن الكفار ينشرون الدعوات المغرضة عن الدين بكل وسيلة ممكنة، ويحاولون غرس المفاهيم التي تناقض مفاهيم الدين، ويشوهونه باستخدام الوسائل المختلفة المسموعة والمقروءة والمرئية كل ذلك تشويهاً للدين، ثم نحن نتقاعس عن الدعوة، والرد، وبيان حقيقة الدين! أليس هذا تفريطاً ما بعده تفريط؟! إن ترك الدعوة تهديدٌ واضحٌ لوجود الدين، وطمسٌ لمعالم الدين، وإن ترك الدعوة هو ترك المجال للكفر للظهور، وإفساح المجال للكفرة لتشويه الإسلام عند الآخرين، ويفعلونه في وسائل كثيرة يشوهون الدين وأهل الدين، ولذلك كانت الدعوة إلى الله من أعظم الوسائل وأنفعها لحفظ الدين، والله قد قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] فأول صفتهم أنهم يدعون إلى الخير ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] وهذه من الدعوة، وقال : ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٧]، وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، وقال ﷺ : (بلَّغو عني ولو آية).
ماذا قام كل واحد منا بهذا الشأن؟ سؤالٌ يوجهه كل إنسان إلى نفسه: هل دعوت غيرك إلى الإسلام يوماً ما؟ إن كان كافراً دعوته إلى اعتناق الدين الجديد، وإن كان مسلماً مفرطاً دعوته للتوبة والعودة والتمسك بالدين الذي هو عليه، فالدعوة تشمل تعليم الدين، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرد على المخالفين، وكشف الشبهات، وفضح المخططات، ليكون الدين واضحاً للناس، فهذا شيءٌ أساسيٌ أنزله الله تعالى في صميم هذا الدين.
إن هذا الدين يعلو ولا يعلى عليه، فكيف سيعلو ولا يعلى عليه إذا لم يقم أهله وأصحابه وأبناؤه بالدعوة إليه؟ الدعوة الدعوة يا عباد الله! فإن فيها تعليماً للجاهل، والذي لم يسمع بالدين من قبل، وكذلك فيها كشف للشبهات، وإظهارٌ للحقائق الواضحات، وتفويت للفرصة على أعداء الإسلام، وتحقيقٌ لشمول الدين وعمومه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ:٢٨].
стр. 1745
حفظ الدين بالجهاد في سبيل الله
شرعت هذه الشريعة الجهاد في سبيل الله لحفظ الدين؛ لأنَّ الدعوة تقابل في كثير من الأحيان بالرفض والجحود والإنكار، فيقبلها من يقبلها، وتحصل المنفعة من الدعوة، فإذا رفضها من رفضها فما هو الحل إذاً؟ ما هو الحل في حجر العثرة في الحواجز القوية في السدود المنيعة التي توضع في سبيل انتشار الدين؟ لا حل لذلك إطلاقاً إلا بفل الحديد بالحديد، ومواجهة القوة بالقوة؛ إرغاماً لأنوف المعاندين، وكسراً للحواجز، وأن يخلَّى بين الناس وبين دين الله، وكذلك انقاذاً للمستضعفين من المؤمنين الذين سيذوبون بغير الجهاد، وقد تسلط عليهم الأعداء.
والجهاد لأمرين واضحين الأول: جهاد لنشر الدين، ولتحطيم كل الحواجز التي تعيق نشره بالقوة.
الثاني: جهاد للدفاع عن الدين، وعن المسلمين والمستضعفين، وعن بلاد المسلمين؛ حتى لا يتسلط عليها الكفار، والذين يقصرون الجهاد على الجهاد الدفاعي أغبياء وجهلة، فإن الله شرع لرسوله قتال الكفار، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة:١٢٣] ﴿قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦] فإذا قدر المسلمون فلا بد من جهاد الهجوم، وإذا لم يقدروا فالشكوى إلى الله ليقوموا بجهاد الدفع إذاً، وكثيراً ما لا يستطيعون في هذا الزمان لا جهاد الهجوم، ولا جهاد الدفاع، ولكن لا بد حينئذٍ من الاستعداد للجهاد، وإعداد النفس لذلك؛ بحملها على الدين، وتربيتها عليه؛ استعداداً للقيام بالواجب.
إن الجهاد ضروري لإنقاذ الأماكن التي يعبد الله فيها، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الحج:٤٠] الدفع: دفعٌ بالقوة، قوة المجاهدين الذين يدفعون الأعداء، فيدفع الله بعض الناس الكفرة ببعض الناس المؤمنين: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] لولا ما شرعه الله لأنبيائه وللمؤمنين من قتال الأعداء؛ لاستولى أهل الشرك، وعطلوا ما بنى المؤمنون من بيوت الله في الأرض، ولذلك الكفرة إذا هاجموا بلاد المسلمين أول ما يتسلطون عليه المساجد، فيحولوها إلى حانات للخمور، أو صالات لعرض سينمائية، أو إسطبلات للخيول، أو كنائس للكفار، أو يهدموها ويحرقوها ويزيلوها من الوجود، فضاعت كثيرٌ من أوقاف المسلمين، وضاعت كثيرٌ من الأماكن التي يُعبد الله فيها في الأرض؛ بسبب التخاذل عن إقامة هذا الفرض العظيم.
ثم إن في الجهاد تمكيناً لإقامة الشعائر والحكم بما أنزل الله في الأرض، والمعركة بين أهل الإسلام وأهل الكفر قائمة إلى قيام الساعة (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين يقاتلون من خالفهم) لم يترك أعداء الإسلام للمسلمين شأناً يقومون به في عبادة الله، فلا بدَّ أن يقاتلوهم، وهذه قضية أذن الله بها وشاءها وقضاها، وأخبرنا عنها، فقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧].
ولم يترك الله أهل الحق والإيمان عُزلاً، وإنما شرع لهم الأخذ بالأسباب الدينية الشرعية والمادية الإيمانية القلبية، والمادية التي يستطيعون بها إرغام أنوف العدو، وقد أمر الله تعالى بإعداد العدة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] وهذا الإعداد يتضمن أموراً كثيرةً منها: إعداد النفس الذي يقصر فيه الكثير منّا، قال ﵊: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو) هذا هو الإعداد النفسي، فمن الذي حدث نفسه بالغزو؟ بل البعض يقول: أنا غير قادر على الغزو، وقد يكون محقاً حقيقة في ذلك، لكن هل حدث نفسه به؟ وهل انطوت نفسه على أنه متى ما قامت القوة والقدرة للمسلمين أنه سيجاهد في سبيل الله () ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق).
أيها الإخوة: لابد من إعداد النفس إعداداً إيمانياً وعلمياً، ولقد مكث المسلمون في مكة ثلاثة عشر عاماً لا تنقصهم جرأة، ولا شجاعة، ولكن لأن الله لم يأذن بالجهاد لأنه لم يأت وقته بعد، كانوا يعدون أنفسهم ليوم بدر وأحد والخندق والحديبية وحنين والفتح الأعظم، ولذلك جاءت النتائج باهرة؛ لما أخذوا بالقوة الكافية، واختاروا التوقيت السليم.
فالجهاد في سبيل الله يمنع من تسلط الكفار على المسلمين، ويحرر الأماكن لعبادة الله فيها، ويخرج الناس من عبادة الشيطان إلى عبادة الرحمن، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام يخرجهم حتى لا يكونوا عُبَّاداً للعباد، وإنما ليصبحوا عباداً لله تعالى.
هذا شيء مما جاءت به الشريعة لحفظ الدين ينبغي على المسلمين فهمه والعمل به.
اللهم إنَّا نسألك أن تجعلنا من القائمين بأمرك، الناصرين لدينك، المحافظين على حدودك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 1746
حفظ الدين بإقامة الحدود
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو ولي المتقين، وأشهد أن محمداً رسول الله إمام المجاهدين، وقائد الغر المحجلين، والشفيع المشفَّع يوم الدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
يا عباد الله: لقد شرع الله من الحدود ما يكفل حفظ الدين، وهو حد الردة الذي يحفظ به جانب الإسلام من الهدم يُكَبتُ فيه الباطل والمتقولون بالباطل، والرافعون لرايات الكفر الذين يتفوهون به ويتشدقون، هكذا إذاً شُرِع حد الردة، لقول النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) والمقصود بالدين -ولا شك- هو الإسلام، وإلا فمن بدل من النصرانية إلى الإسلام فلا يقتل، بل يصبح أخاً في الإسلام ويقول ﵊: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) جماعة المسلمين الذين هم على منهاج الصحابة، وعلى دين النبي ﷺ وأصحابه.
فلو لم يقتل المرتد لكان الداخل في الدين يخرج منه بكل سهولة، وهذا الحد العظيم الذي عطله أكثر المسلمين في هذا الزمان، بل لم يكد يعد يُسمع في الأرض مطلقاً، بأي سببٍ أيها الإخوة؟ مع كثرة المرتدين، وكثرة المتشدقين بالكفر، الذين لا يشهد على ردتهم واحدٌ أو اثنان، وإنما يشهد على ردتهم وعلى كفرهم وزندقتهم ألوف من المشاهدين، فيعرض الكفر والإلحاد -الآن- في قصة تطبع وتروج، أو فيلم ينشر في القاعات ليشاهده الناس، أو في مناظرة تلفزيونية بزعمهم، يسمح للمرتد بعرض دينه الكفري، وعقيدته الباطلة، وزندقته وانحلاله، وهجومه على شريعة الله ورسوله، وطعنه في هذا الإسلام، ويشهد على ردته عشرات الآلاف من الناس، أو أكثر!! إذاً: حد الردة بضرب عنق المرتد بالسيف هو أمرٌ شرعه الله لحفظ دينه ذهب أبو موسى الأشعري إلى اليمن، ثم اتبعه معاذ بن جبل، فلما قدم عليه، ألقى عليه وسادة، وقال: انزل.
وإذا برجلٌ عنده موثقٌ، قال معاذ: ما هذا؟ قال: كان يهودياً، فأسلم ثم تهود قال: - أبو موسى لـ معاذ - اجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قضاء الله ورسوله قضاء الله ورسوله.
فضربت عنقه.
رواه البخاري.
لماذا؟ لأن النبي ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: (أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيّما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها) قال ابن حجر ﵀: سنده حسن.
هذا حكم الله ورسوله فيمن يرتد عن الدين، ويخرج منه ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧].
كم واحد يسب الرب من المسلمين! وكم واحد يسب الرسول ﷺ ! وكم واحد يسب الدين! وكم واحد ينتقد القرآن! وكم واحد يعيب الحدود الشرعية! وكم واحد يحل ما حرم الله من الربا وغيره! وكم واحد يقوم بالسحر والشرك والاتصال بالشياطين والتكهن! كل هؤلاء ما هو حدهم؟ حدهم ضربة بالسيف تقطع رقبتهم، هذا إجماع أمة محمد ﷺ منذ أن ارتد المرتدون من العرب، فقام لهم الصديق ﵁ وأرضاه قومةً لله ، وجيَّش الجيوش لقتال المرتدين الذين خرجوا عن الدين، وهكذا فعلوا ببني حنيفة وبـ مسيلمة، وبغيره من الكفار، فقتلوا من قتلوا حتى رجع إلى الدين صاغراً من كان قد خرج عنه، وهكذا قام علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه فيمن اعتقدوا فيه الإلهية لما دخل الكوفة، فسجدوا له، فدعاهم إلى التوبة فأبوا، فخدَّ لهم الأخاديد، وملأها حطباً، وأضرم فيها النيران، وقذفهم فيها، وقال:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً أججت ناري ودعوت قمبرا
وهو مولى علي ﵁ وأرضاه، ولم يعترض ابن عباس على هذا الحكم إطلاقاً، وإنما كان رأيه ألا يحرقوا وإنما يقتلوا قتلاً.
وهكذا حصل ما حصل في عهد من بعدهم من المسلمين، وفي عهد التابعين قام أميرهم على المنبر في يوم الأضحى خالد بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس! ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بـ الجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر شَكَر الضحية كل صاحب سنة.
هكذا يرتدع كل من تسول له نفسه الخروج من الدين، أو التهجم على الدين، وما أكثرهم في هذا الزمن! هذه هي الوسائل التي جاءت بها الشريعة لحفظ الدين فما أحكمها! وما أعدلها! وما أقواها! وما أحزمها! وما أشدها على من بغى وطغى! نسأل الله تعالى أن يعاملنا بلطفه، وأن ينقلنا إلى رحمته، اللهم إنا نسألك أن تخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، قائمين بشرعك يا رب العالمين.
اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم إنَّا نسألك أن تحرر بلاد المسلمين من الكفرة المغتصبين، اللهم ادرأ عن إخواننا المسلمين كيد المعتدين، اللهم أنزل بأسك وسطوتك باليهود والنصارى والمرتدين يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1747
رفع المعنويات
إذا تلفت المسلم حوله، ورأى ما حل بالأمة الإسلامية من ذل وهوان، وكيف صار تعامل الأعداء مع أمة الإسلام، وامتهانهم لها في تجبر واستكبار، فحينئذ يتسرب اليأس إلى قلبه، وهذا ليس هو المنهج الذي ينبغي للمسلم أن ينتهجه في حياته، بل الأجدر به أن يستعرض حياة أسلافه، مستنيراً خلال ذلك بالكتاب والسنة؛ حتى يستلهم من تلك السِّيّر ما يقوي عزيمته في مواجهة هذه التحديات.
стр. 1748
حال الأمة اليوم وواجب الدعاة في رفع المعنويات
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: غربتنا شديدة لا يعلمها إلا الله، يتلفت المسلم حوله فيرى كفراً مسيطراً، وشراً مستطيراً، وعدواً متجبراً.
الأعداء كثير، والتخطيط محكم، سلاحهم قوي، حاملات، وطائرات، وصواريخ، وقنابل، وأقمار ترقب، وعدو يترقب، حاملات يهودية وأخرى صليبية، أحاطوا بالأمة إحاطة السوار بالمعصم، ووضعوا حبال مكرهم وبطشهم حول رقبتها، وشدوا الحبل ليخنقوها، يتلفت المسلم فيرى حوله في بلاد المسلمين خراباً ودماراً، أيتاماً وأيامى، أرامل ومفجوعين، بيوت تهدم، وأعراض تنتهك، وحمىً يستباح، وثروات تنهب، وهيمنة وتسلط واستبداد، وظلم وتحكم القوي على الضعيف، والجبار على الأسير.
وهكذا يرى المسلم هذا الظلم المنتشر والأمة متخبطة متفرقة متناحرة، يرى قلة الناصر وضعف المعين فيقول: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] وأن الهلاك هو العقوبة.
وهذه الكلمات ليست للتخدير ولا لمحاولة نسيان الواقع المر، وإنما هي للنهوض بالنفوس لئلا تقع فريسة لليأس القاتل والقنوط المقعد عن العمل، بل لتنطلق بهذه المبشرات إلى الجد والاجتهاد، يحدوها حادي الرجاء في وعد الله القادم.
إن من واجب الدعاة إلى الله في ظل الظلمات الواقعة اليوم أن يشيعوا نور الأمل، ويخبروا الناس بحقيقة الفجر السَّاطع الذي لا يأتي إلا بعد شيوع ظلمة الليل.
إن هذه الكلمات انطلاقة من قول النبي ﷺ : (بشِّروا ولا تنفروا) هكذا كان حال الرعيل الأول من المؤمنين لا تزيدهم الفتن والبلاء إلا ثباتاً وإيماناً: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٢٢] وذلك أنهم مهما وقع عليهم من البلاء والضيم فهم الأعلون كما قال الله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
المؤمن يعرف كيف يتصرف، كيف ينهض ويعمل؛ ليصل بالواقع المتدني إلى المستوى المطلوب، وليس من الصحيح أن يصدر الحكم على الأمة بالهزيمة، وأنها تنتظر رصاصة الرحمة، وأنها قاعدة بلا حولٍ ولا قوة، كلا.
إنه يترفع عن ذلك، ولا يطلق عليها وصف الهلاك؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكُهم) (فهو أهلكَهم) رواه مسلم، هاتان الروايتان على الرفع: (أهلكُهم) معناها: أشدهم هلاكاً، وعلى النصب (أهلكَهم) فمعناها: هو جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا في الحقيقة.
فأما ما في هذا الحديث فإن معناه: أن الرجل لا يزال يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول: فسدوا وهلكوا ونحو ذلك، فإذا فعل فهو أهلكهم أي: أسوأ حالاً منهم؛ لما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم، فلا يدخل في هذا من قالها تحزناً لما يرى في نفسه وفي واقع الناس من نقص أمر الدين.
стр. 1749
صور من القرآن والسنة في رفع معنويات الأمة
أيها المسلمون! أيها الإخوة! إن المسلم عندما يرى هذا البلاء المسيطر فإنه بالرغم من ذلك ينظر إلى بصيص الأمل، ويعلم أن الأيام يداولها الله بين الناس، وأن الاستضعاف مرحلة لا بد أن تأتي بعدها القوة، فهو وإن نظر إلى انتشار الفواحش والمعاصي فلا يحكم على الناس جميعاً بالهلاك، ولا يقول: لا مخرج ولا فائدة، فإن هذا من سوء الظن بالله، وإحباطٍ لمعنوياتِ الأمة والدعاة والمصلحين.
إننا نحتاج في هذه الآونة إلى رفع المعنويات كثيراً في غمرة الظلم الذي ربما يزداد، والقتل الذي ربما يكثر، والتهجير والتشريد الذي ربما يحلُّ بالمسلمين في أماكن من الأرض ومنها فلسطين.
إن رفع المعنويات في هذا الزمان مهم جداً لنا للعمل، إنه المتنفس، لقد كان القرآن الكريم يرفع من معنويات المؤمنين بكلام الله الذي ينزل على نفوسهم برداً وسلاماً، حتى في لحظات البلاء والشدائد: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
فعندما نعلم ما أصاب الذين سبقونا نوقن بأن الطريق واحد، وأنه مهما أصاب هذه الأمة فإنه لحكَمٍ يريدها الله .
стр. 1750
وتبشير القرآن بقرب النصر والفرج
من رفع المعنويات في القرآن: أنه كان يبشر بقرب النصر والفرج به إذا حصل، كان ذلك للمؤمنين المضطهدين في مكة تحت الحصار والجوع والقتل والتعذيب والتشويه الإعلامي؛ فكان يقال لهم: ﴿الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:١ - ٥].
لما أصيب المسلمون بالإحباط في غزوة أحد عندما قتل منهم سبعون! مآسٍ حصلت، الدواب تحمل بالجثث منطلقة إلى المدينة، هذه تخبر بأنها قد أصيبت بأبيها وأخيها وزوجها، وهذه بابنها، وتلك بخالها وعمها، أيتام وأرامل، ألمٌ نفسي، وهمٌ عظيم أصاب المسلمين في أحد، ماذا سيقول العرب الذين ينظرون؟ ماذا يجري بينهم وبين كفار قريش؟ وسيقول العرب: هؤلاء هزموا، ودينهم لم ينصرهم، فماذا سيكون من التولي إذن، والقوة للكفار؟ ومع ذلك تأتي الآيات ترفع المعنويات وتحيي الأمل في النفوس، يذكرهم أولاً: بأن نصراً قريباً قد حصل: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:١٢٣] ويعدهم بنصرٍ ومدد فيقول: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران:١٢٤]، بل هناك زيادة: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥].
بعد الغزوة كان الصحابة يحتاجون أحوج ما كانوا إلى رفع المعنويات, بعد الذي لاقوه من الهزيمة والجراحات والقتل؛ فقال الله لهم مخففاً ومسلياً ورافعاً لنفوسهم: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران:١٣٩] وإن هزمتم بالسلاح فأنتم الأعلون منهجاً وديناً أنتم الأعلون شرعةً وشريعةً أنتم الأعلون بما في نفوسكم من الإيمان بالله الذي تضعون به جباهكم لرب العالمين ساجدين: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
ويذكرهم بما لحق الكفار من المصائب ويقول لهم: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران:١٤٠] كما أصابكم ما أصابكم فقد أصاب الكفار أيضاً قتل وجراح، وهذه أشياء نشهدها حتى اليوم في حال المسلمين المستضعفين في فلسطين، بالرغم مما يصيبهم فإنه يصيب اليهود أيضاً قتل ودمار، يصيبهم أيضاً في اقتصادهم وأمنهم، وهكذا يداول الله الأيام بين الناس: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠].
стр. 1751
تسلية الله لنبيه ورفع معنوياته بالقصص والإسراء والمعراج
لقد كان النبي ﷺ بما حصل عليه من الأذى يسليه ربه، ويخفف عنه، وينعش فؤاده وقلبه، فيخبره أن ما أصابك قد أصاب الرسل من قبلك، فلا تبتئس بما كانوا يعملون: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] يقول له: هذا يوسف انظر إليه! ماذا جرى عليه من حسد إخوته وكيدهم له، وإلقائه في الجب وبيعه واسترقاقه وسجنه وبعده عن أبيه وأخيه واتهامه وهو بريء، وفي نهاية الأمر يظهر الله براءته ويمكن له في الأرض, ويجمع له أهله, ويجمعه بأبويه وإخوانه! خذ قصة موسى يتلو عليه جبريل الآيات، انظر ماذا فيها من البلاء الذي حصل والفتنة، وما كان عليه الأمر من الشدة حتى في أوله، ويلقى في اليم وهو صغير، وينجو من القتل، ويفر من البلد بعد ذلك، ويعمل أجيراً في رعي الغنم، ثم يمكن الله له ويجعله في أمنٍ، وينصره على فرعون بعدما ذاق منه خوفاً وتهديداً وأذىً شديداً، وهكذا يصيبه من بني إسرائيل ما يصيبه بعدما عبروا البحر، ولكنه يصبر لأمر الله .
وعندما يصاب النبي ﵊ بأمرٍ شنيع من الأذى، تأتي حادثة الإسراء والمعراج لإنعاش النفوس ورفع المعنويات, وما حصل له ﵊ من التسلية العظيمة بسببها، فمات عمه الذي كان ينصره، وماتت زوجته الوفية خديجة، وضيق عليه وحوصر وقتل من أصحابه من قتل، وأغارت قريش بالغارات الإعلامية عليه بأنه: ساحر، كذاب، مجنون، شاعر، به جنة، يريد مُلكاً، ويريد ويريد، ويقول ﵊ لـ عائشة لما سألته: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي, فلم أستفق إلا وأنا بـ قرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني) بعد هذا الهم والغم يرسل الله له أمراً لرفع المعنويات.
الملائكة تسأله: ماذا يريد؟ ماذا يأمر لينفذوا؟ بعث الله إليه ملك الجبال ليأمره بما شاء فيجيب وينفذ في كفار قريش.
وتكون رحلة المواساة العظيمة إلى السماوات العلى, بعدما صلى بالأنبياء في بيت المقدس ليرى سدرة المنتهى، والبيت المعمور، ويرى جبريل على صورته الحقيقية.
стр. 1752
التذكير بمصير الشهداء
كانت آيات الله تعالى بمصير المؤمنين الشهداء ترفع معنويات المجتمع الذي أصيب بهمّ في بئر معونة لما قتل سبعون من خيار المسلمين؛ يصومون النهار ويقومون الليل، من الحفاظ الزهَّاد العبَّاد، من أهل الصفة، من أهل المسجد، من أصحاب القناديل المعلقة فيه، ماذا أنزل الله؟ قرآناً كان يتلى حتى رفع ونسخ: (بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا رضي الله وأرضانا).
كانت البشائر من النبي ﷺ لأصحابه في مكة في الاضطهاد لرفع المعنويات، يأتي خباب مصاباً بإحباطٍ وبشدة يقول: (يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ ألا ترى ما نزل بنا؟! قال ﵊: كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه).
إذاً: هذا حصل لمن قبلكم، فخذوا العبرة، الطريق واحد، فيه أذى وخاصة في بدايته.
ثم يأتيه بالبشارة ويقول: (والله ليتمن هذا الأمر, حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
(قد كان من قبلكم): تسلية وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدرة من الله ، والمسلمون تحت الشدة والحصار والبأس الشديد, لكنكم تستعجلون، ويبشرهم بأن الله معهم لرفع المعنويات.
أبو بكر الصديق في الغار كيف كان حاله؟ كيف كان وضعه النفسي؟ يصف التأزم الشديد الذي كان فيه ويقول: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فيقول النبي ﷺ : ما ظنك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثهما) رواه البخاري.
والنبي ﷺ ينقل لأصحابه البشارة، ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً أمام نحوٍ من ألف من المشركين هم أكثر عدةً وعدداً منهم، يقول: (أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله، هذا جبريل على ثناياه النقع).
وبعد هزيمة أحد لماذا أصر النبي ﵊ على الرجوع لتحدي قريش؟! رفعاً لمعنويات المسلمين.
ويذهب إلى حمراء الأسد بالمسلمين الذين فيهم جراحات، لماذا؟! إظهاراً لقوة المسلمين، وإلقاءً للرعب في صفوف الأعداء.
قال الطبري: إنما خرج رسول الله ﷺ مرهباً للعدو، وليبلغهم أنه قد خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
стр. 1753
مشاركة الرسول ﷺ لأصحابه في حفر الخندق
كان من رفع المعنويات: مشاركة القائد للجنود، كان ينقل معهم التراب في الخندق ويقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
عمل ودعاء! كان هناك جهد وسؤال وطلب من الله في بناء المسجد، ترتفع المعنويات بمشاركته ﵊ لهم وهو يقول معهم:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
حتى شعارات المسلمين في معاركهم كانت تنبئ عن معنويات مرتفعة، ولذلك ورد في سنن أبي داود في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال لأصحابه في معركة من المعارك قبل أن تحدث وهو يخشى عليهم من العدو: (إن بُيِّتُمْ -يعني: قصدوكم بالليل ليقتلوكم وليأخذوكم على حين غرَّة- بغتة -وحصل اختلاط- فاجعلوا شعاركم حم لا ينصرون؛ ليميز المسلم أخاه) هذه الكلمة التي تقال، ثم فيها الفأل أن الكفار لا ينصرون.
стр. 1754
عدم نشر الأخبار السيئة وإشاعتها
كانت المعنويات يحافظ عليها بعدم نشر الأخبار السيئة وإشاعتها في لحظات الشدة، ولذلك يقول ابن هشام في قصة غزوة الأحزاب: أن النبي ﷺ لما بعث السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، قال: (انطلقوا حتى تنظروا أحقٌ ما بلغنا عن هؤلاء القوم من نكث العهد -اليهود- فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس).
وكان التفاؤل بتغيير الحال وتغيره، وأن الأمر لم يعد مثلما كان من قبل ليبث الأمل في النفوس، بعد غزوة الأحزاب ماذا قال ﵊: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم).
عندما يخبر النبي ﵊ أن هوازن قد جمعوا له في حنين، وخرجوا عن بكرة أبيهم بضعنهم ونعمهم وشائهم حتى الغنم والنساء والأولاد، ماذا يقول ﵊ وهو يتبسم؟ (تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله) صحيح أبي داود.
стр. 1755
ثناء الرسول على المحسنين من أصحابه
كان ﵊ يثني على المحسنين من أصحابه، ويبث الأمل في نفوسهم ويرفع من معنوياتهم، ويقول لـ عمار وهو ينقل لبنتين لبنتين (يمسح عن رأسه، ويح عمار -كلمة ترحم لحاله- تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار) وهكذا كان يقول لـ علي ﵁ عندما مسح عنه الوجع الذي كان في عينيه، ويقول كذلك للأنصار لما ذهب الناس بالشاء والبعير: (أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم -تذهبون به معكم-؟ قالوا: بلى.
قال: لو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم).
следующие страницы →