Полный текст (7 040 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
تسلية الله لنبيه ورفع معنوياته بالقصص والإسراء والمعراج
لقد كان النبي ﷺ بما حصل عليه من الأذى يسليه ربه، ويخفف عنه، وينعش فؤاده وقلبه، فيخبره أن ما أصابك قد أصاب الرسل من قبلك، فلا تبتئس بما كانوا يعملون: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢] يقول له: هذا يوسف انظر إليه! ماذا جرى عليه من حسد إخوته وكيدهم له، وإلقائه في الجب وبيعه واسترقاقه وسجنه وبعده عن أبيه وأخيه واتهامه وهو بريء، وفي نهاية الأمر يظهر الله براءته ويمكن له في الأرض, ويجمع له أهله, ويجمعه بأبويه وإخوانه! خذ قصة موسى يتلو عليه جبريل الآيات، انظر ماذا فيها من البلاء الذي حصل والفتنة، وما كان عليه الأمر من الشدة حتى في أوله، ويلقى في اليم وهو صغير، وينجو من القتل، ويفر من البلد بعد ذلك، ويعمل أجيراً في رعي الغنم، ثم يمكن الله له ويجعله في أمنٍ، وينصره على فرعون بعدما ذاق منه خوفاً وتهديداً وأذىً شديداً، وهكذا يصيبه من بني إسرائيل ما يصيبه بعدما عبروا البحر، ولكنه يصبر لأمر الله .
وعندما يصاب النبي ﵊ بأمرٍ شنيع من الأذى، تأتي حادثة الإسراء والمعراج لإنعاش النفوس ورفع المعنويات, وما حصل له ﵊ من التسلية العظيمة بسببها، فمات عمه الذي كان ينصره، وماتت زوجته الوفية خديجة، وضيق عليه وحوصر وقتل من أصحابه من قتل، وأغارت قريش بالغارات الإعلامية عليه بأنه: ساحر، كذاب، مجنون، شاعر، به جنة، يريد مُلكاً، ويريد ويريد، ويقول ﵊ لـ عائشة لما سألته: (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي, فلم أستفق إلا وأنا بـ قرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني) بعد هذا الهم والغم يرسل الله له أمراً لرفع المعنويات.
الملائكة تسأله: ماذا يريد؟ ماذا يأمر لينفذوا؟ بعث الله إليه ملك الجبال ليأمره بما شاء فيجيب وينفذ في كفار قريش.
وتكون رحلة المواساة العظيمة إلى السماوات العلى, بعدما صلى بالأنبياء في بيت المقدس ليرى سدرة المنتهى، والبيت المعمور، ويرى جبريل على صورته الحقيقية.
стр. 1752
التذكير بمصير الشهداء
كانت آيات الله تعالى بمصير المؤمنين الشهداء ترفع معنويات المجتمع الذي أصيب بهمّ في بئر معونة لما قتل سبعون من خيار المسلمين؛ يصومون النهار ويقومون الليل، من الحفاظ الزهَّاد العبَّاد، من أهل الصفة، من أهل المسجد، من أصحاب القناديل المعلقة فيه، ماذا أنزل الله؟ قرآناً كان يتلى حتى رفع ونسخ: (بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا رضي الله وأرضانا).
كانت البشائر من النبي ﷺ لأصحابه في مكة في الاضطهاد لرفع المعنويات، يأتي خباب مصاباً بإحباطٍ وبشدة يقول: (يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ ألا ترى ما نزل بنا؟! قال ﵊: كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه).
إذاً: هذا حصل لمن قبلكم، فخذوا العبرة، الطريق واحد، فيه أذى وخاصة في بدايته.
ثم يأتيه بالبشارة ويقول: (والله ليتمن هذا الأمر, حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
(قد كان من قبلكم): تسلية وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدرة من الله ، والمسلمون تحت الشدة والحصار والبأس الشديد, لكنكم تستعجلون، ويبشرهم بأن الله معهم لرفع المعنويات.
أبو بكر الصديق في الغار كيف كان حاله؟ كيف كان وضعه النفسي؟ يصف التأزم الشديد الذي كان فيه ويقول: (يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فيقول النبي ﷺ : ما ظنك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثهما) رواه البخاري.
والنبي ﷺ ينقل لأصحابه البشارة، ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً أمام نحوٍ من ألف من المشركين هم أكثر عدةً وعدداً منهم، يقول: (أبشر يا أبا بكر! أتاك نصر الله، هذا جبريل على ثناياه النقع).
وبعد هزيمة أحد لماذا أصر النبي ﵊ على الرجوع لتحدي قريش؟! رفعاً لمعنويات المسلمين.
ويذهب إلى حمراء الأسد بالمسلمين الذين فيهم جراحات، لماذا؟! إظهاراً لقوة المسلمين، وإلقاءً للرعب في صفوف الأعداء.
قال الطبري: إنما خرج رسول الله ﷺ مرهباً للعدو، وليبلغهم أنه قد خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
стр. 1753
مشاركة الرسول ﷺ لأصحابه في حفر الخندق
كان من رفع المعنويات: مشاركة القائد للجنود، كان ينقل معهم التراب في الخندق ويقول:
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
عمل ودعاء! كان هناك جهد وسؤال وطلب من الله في بناء المسجد، ترتفع المعنويات بمشاركته ﵊ لهم وهو يقول معهم:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
حتى شعارات المسلمين في معاركهم كانت تنبئ عن معنويات مرتفعة، ولذلك ورد في سنن أبي داود في الحديث الصحيح أنه ﵊ قال لأصحابه في معركة من المعارك قبل أن تحدث وهو يخشى عليهم من العدو: (إن بُيِّتُمْ -يعني: قصدوكم بالليل ليقتلوكم وليأخذوكم على حين غرَّة- بغتة -وحصل اختلاط- فاجعلوا شعاركم حم لا ينصرون؛ ليميز المسلم أخاه) هذه الكلمة التي تقال، ثم فيها الفأل أن الكفار لا ينصرون.
стр. 1754
عدم نشر الأخبار السيئة وإشاعتها
كانت المعنويات يحافظ عليها بعدم نشر الأخبار السيئة وإشاعتها في لحظات الشدة، ولذلك يقول ابن هشام في قصة غزوة الأحزاب: أن النبي ﷺ لما بعث السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، قال: (انطلقوا حتى تنظروا أحقٌ ما بلغنا عن هؤلاء القوم من نكث العهد -اليهود- فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس).
وكان التفاؤل بتغيير الحال وتغيره، وأن الأمر لم يعد مثلما كان من قبل ليبث الأمل في النفوس، بعد غزوة الأحزاب ماذا قال ﵊: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم).
عندما يخبر النبي ﵊ أن هوازن قد جمعوا له في حنين، وخرجوا عن بكرة أبيهم بضعنهم ونعمهم وشائهم حتى الغنم والنساء والأولاد، ماذا يقول ﵊ وهو يتبسم؟ (تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله) صحيح أبي داود.
стр. 1755
ثناء الرسول على المحسنين من أصحابه
كان ﵊ يثني على المحسنين من أصحابه، ويبث الأمل في نفوسهم ويرفع من معنوياتهم، ويقول لـ عمار وهو ينقل لبنتين لبنتين (يمسح عن رأسه، ويح عمار -كلمة ترحم لحاله- تقتله الفئة الباغية، عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار) وهكذا كان يقول لـ علي ﵁ عندما مسح عنه الوجع الذي كان في عينيه، ويقول كذلك للأنصار لما ذهب الناس بالشاء والبعير: (أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم -تذهبون به معكم-؟ قالوا: بلى.
قال: لو سلك الناس وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم).
стр. 1756
الإيمان بالقدر وتصبير الرسول لأصحابه
كان الإيمان بالقضاء والقدر مما يرفع المعنويات، حتى عند المصائب الشديدة، يقول الله للمؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران:١٤٥] وكانت عقيدة الثواب أن الله يثيب الطائعين ويعطيهم الأجر العظيم، هذا مما كان يدفع إلى العمل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١].
ما الذي كان يرفع معنويات آل ياسر، ياسر زوجته سمية أم عمار وهم يضطهدون على بطحاء مكة الحارة وعلى الحصى والرمل والصخر الحار؟ ماذا كان يثبتهم ويرفع معنوياتهم وهم في استضعاف تحت التعذيب؟! كلمات (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
إذاً: الوعد بالثواب من الله هو الذي كان يصبرهم.
ما الذي كان يصبر المؤمنين على القتال في صفوف المعركة؟ أيها الإخوة! إن الشهداء كانوا يقتلون في سبيل الله، يضحي الإنسان بنفسه في المعارك تحت ظلال السيوف؛ لأجل أن النبي ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله, ثم أحيا ثم أقتل, ثم أحيا ثم أقتل) وهكذا ﵊ يخبرهم عما ينال المجاهد من الأجر؛ ليصبروا عند اللقاء.
وهكذا كان يصبر المصابين في أبنائهم وأهاليهم وأصحابهم، هذا حارثة لما قتل يوم بدر بسهم طائش لا يدرى من رماه، ماذا جاءت أمه تقول؟ ماذا قالت أم الربيع بنت البراء وأم حارثة بن سراقة؟ تقول: (يا رسول الله! إن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء -فكانت الكلمات كافية في تثبيتها وإشاعة الأمل في نفسها- يا أم حارثة! إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى).
стр. 1757
قوة الله وضعف الكفار
إن قوة الله وضعف الكفار هو المبدأ الذي كان يرفع من معنويات المسلمين، ويقال للنبي ﷺ : ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ [النساء:٨٤] ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠].
وهكذا كان ما أصاب المسلمين مع ما أصاب الكفار، وإن تماثل في الصورة لكن الفرق يرفع معنويات المسلمين, وقال لهم ربهم: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء:١٠٤] لكن ما هو الفرق؟ ﴿وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ [النساء:١٠٤] كانت قضية التثبيت في المعارك, ورفع المعنويات بالرغم من قلة عدد المؤمنين وكثرة عدد الكفار، عندما يقول المؤمنون للمرجفين المخذلين الذين يقولون: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] ماذا قال لهم أولئك؟ ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩].
стр. 1758
مواقف الثابتين ترفع المعنويات
إن المواصلة وعدم القعود بالرغم من حجم المصيبة ترفع المعنويات، هذا المبدأ الذي مثله أنس بن النضر وهو يقول للمسلمين عندما أشيع قتل النبي ﵊، فقعد بعضهم محبطاً يائساً قال: [ما تنتظرون؟ قالوا: قُتل رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده، قوموا فموتوا على ما مات عليه] فوجد الرجال الذين يَثبتون ويُثبتون.
لما فرَّ من فرَّ من المسلمين في حنين والنبي ﵊ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان آخذٌ بلجامها، والنبي ﵊ يستصرخ العباس لكي يصرخ بالمسلمين ليرجعوا وهو يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) وهكذا فإن مواقف الثابتين ترفع المعنويات.
стр. 1759
من ذاكرة التاريخ الإسلامي في رفع المعنويات
стр. 1760
الملك المظفر قطز مع التتار
إذا نظرنا في تاريخ المسلمين في أحوال الشدة التي كانت مسلَّطة عليهم من قبل التتر، الذين اجتاحوا العالم الإسلامي وقتلوا الملايين من المسلمين، ولما اجتمعت العساكر الإسلامية في الديار المصرية؛ ألقى الله تعالى في قلب الملك المظفر قطز الخروج لقتالهم بعد أن كانت القلوب قد أيست من الانتصار على التتار؛ لكثرة عددهم، واستيلائهم على معظم بلاد المسلمين، معظم بلاد المسلمين في فترة من الفترات كانت تحت حكم التتر الذين اجتاحوا أكثر العالم الإسلامي، وما قصدوا إقليماً إلا فتحوه، ولا عسكراً إلا هزموه، لم يبق خارجاً عن حكمهم في الجانب الشرقي من العالم الإسلامي إلا الديار المصرية والحجاز واليمن، وهربت جماعة من المغاربة الذين كانوا بـ مصر إلى المغرب وهرب جماعة من الناس إلى اليمن، والباقون في وجلٍ عظيم وخوفٍ شديد، يتوقعون دخول العدو وأخذ البلاد.
وصمم الملك المظفر ﵀ على لقاء التتر، وخرج بالجحافل الشامية والمصرية وسافر إلى بلاد الشام للقائهم، ونزل بـ الغور بـ عين جالوت وفيه جموع التتر في يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان.
اصطف الفريقان، والتحم الجيشان، وتقاتلا قتالاً شديداً لم ير مثله، حتى قتل من الطائفتين جماعة كثيرة، وانكسرت ميسرة المسلمين كسرة شنيعة -كما يقول صاحب النجوم الزاهرة في وصف المعركة- فحمل الملك المظفر ﵀ بنفسه في طائفة من عساكره، وأردف الميسرة حتى تحايوا ورجعوا، واقتحم المظفر القتال وباشره بنفسه، وأبلى في ذلك اليوم بلاءً حسناً، وعظمت الحرب وثبت كلٌ من الفريقين مع كثرة التتر، والمظفر يشجع أصحابه، ويحسن إليهم الموت، ويكرُّ بهم كرة بعد كرة، حتى نصر الله الإسلام وأعزه، وانكسرت التتر، وولوا الأدبار على أقبح وجهٍ بعد أن قتل معظم أعيانهم، وأصيب قائدهم كتبغانيين فإنه لما عظم الخطب باشر القتال بنفسه فأخزاه الله، وقتل شر قتلة، وكان الذي حمل عليه وقتله الأمير جمال الدين آقوش الشمسي ﵀.
وولى التتار الأدبار لا يلوون على شيء، واعتصمت طائفة منهم في التلِّ المجاور لمكان الوقعة، فأحدقت بهم عساكر المسلمين، وصابروهم حتى أفنوهم قتلاً، ونجا من نجا، وتبعهم الأمير ركن الدين بيبرس البندقاري في جماعة من الشجعان المسلمين إلى أطراف البلاد، واسترجعوا البلاد والضياع التي أخذها التتر، وقتل منهم مقتلة عظيمة جداً.
وهكذا كانت الحال عندما يثبت المسلمون أمام الكفار.
ومما لا شك فيه أنه لا يقدر على الجهاد كل الناس، فيبقى أناس من المعذورين أصحاب العاهات، وربما كان عندهم شيء من القنوط والهم والغم الذي ركبهم، وكانت الآية: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبل الله) فجاء ابن أم مكتوم يقول: [يا رسول الله! لو أستطيع الجهاد لجاهدت] وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [النساء:٩٥] ثلاث كلمات من أجل أصحاب العاهات؛ حتى لا تكون معنوياتهم منخفضة، وإنما: (إن بـ المدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم).
стр. 1761
ثبات الدعاة والعلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية
للعلماء للدعاة للخطباء للمربين دورٌ كبيرٌ في رفع المعنويات، لما قال بنو إسرائيل: ﴿لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ [المائدة:٢٤] ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤] ماذا قال الرجلان من أولئك: ﴿مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة:٢٣] اقتحموا والله يأتي بالنتائج وبالنصر، افعلوا ما طلب منكم وما أمرتم به، قاتلوا واقتحموا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
دورٌ عظيم يقوم به العلماء.
كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: أبو عمر البزار: كان من أشجع الناس وأقواهم قلباً.
يا إخوان! لا بد أن نأخذ العبرة من هذا، لا ندري متى تكون مواجهتنا مع العدو، فإذا واجهناهم فلا بد أن يكون هناك في المسلمين من يوقد الحمية في القلوب للقتال, ويكون عنصراً مثبتاً لهؤلاء في المواجهة.
كان أثبت الناس جأشاً، ولا أعظم عناءً في جهاد العدو منه، يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم.
وأخبر غير واحد أن الشيخ ﵁ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم واقيتهم وقطب ثباتهم، إن رأى من بعضهم هلعاً أو رقةً أو جبناً شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة، وبين له فضل الجهاد والمجاهدين، وإنزال الله عليهم السكينة، كان إذا ركب الخيل يتحنك, ويجول في العدو كأعظم الشجعان, ويثبت ويقوم كأثبت الفرسان, ويكبر تكبيراً أنكى في العدو من كثيرٍ من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت.
وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أموراً من الشجاعة يعجز الواصفون عن وصفها، ولقد كان السبب في تملك المسلمين عكة بفعله ومشورته وحسن نظره كما ذكر في الأعلام العلية وقال: ولما ظهر السلطان غازان على دمشق جاءه ملك الكرج وهو ملك كافر معه كفار يطلب من غازان أن يملكه من رقاب المسلمين ليفتك بهم، ووصل الخبر إلى الشيخ؛ فقام من فوره، وشجع المسلمين، ورغبهم في الشهادة، ووعدهم على قيامهم بالنصر والظفر والأمن وزوال الخوف، وانتدب منهم رجالاً من وجوههم وكبرائهم فخرجوا إلى غازان، فلما رآهم السلطان قال: من هؤلاء؟ قيل: إنهم رؤساء دمشق.
فأذن لهم، وحضروا بين يديه، ثم تقدم الشيخ أولاً، فلما أن رآه السلطان أوقع الله له في قلبه هيبة عظيمة، حتى أدناه من مجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام أولاً في عكس رأيه عن تسليط المخذول ملك الكرج على المسلمين، يريد ألا يوافق على هذا، وأخبره بحرمة دماء المسلمين، وذكره ووعظه، فأجابه إلى ذلك طائعاً، وحقنت بسببه دماء المسلمين، وصين حريمهم.
وكان ﵀ لما وقع الخوف في دمشق وقال الناس: لا طاقة لجيش الشام مع هؤلاء المصريين بلقاء التتر لكثرتهم، يعني: لو اجتمعت العساكر المصرية والشامية لن تقف أمام التتر، وأن عليهم الانسحاب، وتحدث الناس بالأراجيف، واجتمع الأمراء يوم الأحد بالميدان، وتحالفوا على لقاء العدو، وشجعوا أنفسهم، ونودي بالبلد ألا يرحل أحد منه، فسكن الناس، وجلس القضاة بالجامع، وحلف جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وحلفوهم عليه، وتوجه الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم فأعلمهم بما تحالف عليه الناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم.
وكان الشيخ تقي الدين ﵀ يحلف للأمراء والناس: إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج:٦٠] وهكذا كان يدور على الجيش ويفتيهم، وكانت المعركة في رمضان فيفتي بالفطر مدة قتالهم، ويأكل هو بنفسه أمام الناس أشياء ويقول: أفطروا فالفطر أقوى لكم، ويستدل لهم بحديث النبي ﷺ .
ولما صارت سنة سبعمائة للهجرة، وحصلت الفتنة في دمشق وهرب أكثر الناس من البلد، وجرت خبطة قوية، ووردت الأخبار بقصد التتر بلاد الشام، وأنهم عازمون على دخول مصر أيضاً، انزعج الناس، وازدادوا ضعفاً على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب إلى بلاد مصر والكرج والشوبك والحصون المنيعة، حتى بلغ ثمن الحمار الذي يوصل إلى مصر خمسمائة دينار، وبيع الجمل بألف دينار والحمار بخمسمائة، وبيعت الأمتعة والثياب بأرخص الأثمان، لأن الناس تبيع متاعها وتهرب من البلد.
أما الشيخ تقي الدين بن تيمية فقد جلس بمجلسه في الجامع وحرض الناس على القتال، وساق لهم الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في إنفاق الأموال في الذب عن المسلمين وبلادهم وأموالهم، وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيراً، وأوجب جهاد التتر حتماً، وتابع المجالس في ذلك، كما ذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية.
هذا دور العلماء، هذا دور طلبة العلم، إذا جد الجد وحصل الالتحام مهما كان الكفار أكثر عدداً وعدةً فعند ذلك لا بد من نفخ روح الحمية للقتال في الناس والصبر وعدم الهرب.
стр. 1762
أثر التوحيد على الثبات في زمن الفرقة
كانت قدرة المسلمين على التوحد بالرغم من الخلافات التي تكون بين بعضهم في عدد من المواقف هي الأمر الذي كان يرد الكفار.
يكتب معاوية إلى ملك الروم الذي أوشك على اقتحام بلاد المسلمين؛ انتهازاً للفرصة بالخلاف بين علي ومعاوية ﵄، فقال له معاوية في رسالته: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين! لأصطلحن أنا وابن عمي عليك، ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت؛ فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف، وبعث يطلب الهدنة.
هكذا كان التوحد في زمن الفرقة عاملاً مهماً من عوامل الثبات، فـ المعتمد بن عباد يرسل إلى يوسف بن تاشفين: أيها السلطان! ناشدتك الله إن سقطت إشبيليا لم يبق للإسلام في تلك الجزيرة في الأندلس اسم ولا رسم؛ فالحق بنا وأنقذنا.
يقول له وزيره وهو يكتب الرسالة: أيها السلطان! كيف ترسل إلى يوسف بن تاشفين فغداً إذا جاء وانتصر وصار الملك، تصير أنت عنده أجيراً، أترضى بذلك وأنت السلطان؟! فنظر المعتمد بن عباد إليه وقال له: يا هذا! أنت وزيري تنصحني بما يملأني وزراً، والذي نفسي بيده لأن أكون راعياً للجمال عند مسلم اسمه يوسف بن تاشفين خير من أن أرعى الخنازير للفونسو غداً.
وهكذا يكون التفاؤل أيضاً باعثاً على رفع المعنويات.
стр. 1763
حسن الظن بالله
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥] الذي يقول: إن الله لا ينصر المسلمين؛ يأخذ حبلاً يعلقه في السقف -في سماء الغرفة- ويربطه حول عنقه ويشنق نفسه.
إذاً فالله ينصر المؤمنين، وقد توعد بنصرهم، وأخبر أن نصره قريب، وأن نصره ينزل عليهم، إذا رجعوا إليه سبحانه.
لماذا كان التفاؤل من السنة؟! لماذا كان ﵊ يتفاءل بالاسم الحسن؟! إن التفاؤل يشحذ الهمم للعمل، ويغذي القلب بالطمأنينة والأمل، ولا شك أن هذا من أهم عوامل النجاح, لما يقبل الإنسان على القيام بعمل ما وهو متفائل، النتيجة تختلف تماماً عما إذا قام يعمل وهو متشائم.
ووسط هذا الظلام الدامس الذي يعيش فيه المسلمون اليوم يلتفتون يمنة ويسرة، وتثور في النفوس تساؤلات كثيرة: أما آن لهذا الليل أن ينجلي، ولهذه الغمامة أن تنقشع؟ متى يأتي نصر الله؟ ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤].
وإذا تأملت ما يكون من أنواع النصر من الله لوجدت شيئاً عجيباً! فقد نصر رسله: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠] فنصره الله، وهكذا انتقم من المكذبين ولو بعد حين.
الله قد يمكن للكفار مدة من الزمن، لكن بعد ذلك لا بد أن ينكسروا.
والذين حاولوا قتل عيسى وصلبه انتقم الله منهم بتسليط الروم عليهم فساموهم أشد العذاب.
عندما ترى صور انتصار الموحدين انتصار المبدأ انتصار المنهج كما في قصة الغلام مع الملك في أصحاب الأخدود، كان ثبات المؤمنين إلى النهاية هو نصر بحد ذاته.
إبراهيم يقذف في النار وهو يقول: حسبي الله ونعم الوكيل.
هذا قمة الانتصار.
بلال عندما كان تحت الصخرة يقول: [أحدٌ أحدْ] ولا يتراجع.
هذا انتصار.
آل ياسر عندما يصبرون على الرمضاء.
انتصار.
الإمام أحمد عندما يصبر على القول: بأن القرآن كلام الله.
ولا يجيب إلى القول بخلقه، مع كون الحديد في رجليه، والضرب الشديد الذي يقول فيه السلطان للجندي: اضرب، شدّ يدك قطع الله يدك.
ومع ذلك يصبر، هذا انتصار؛ لأن الحق عند الناس في المجتمع ظاهر لم ينهزم، لم يرضخ فلان، لم يسكت فلان، لم يتراجع فلان عن مبدئه، هذا انتصار، انتصار الحجة مهم جداً: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام:٨٣].
لما قال إبراهيم للنمرود: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] هذا انتصار، ولو كان النمرود عنده الجنود والسلاح والسلطان والهيلمان.
هذا انتصار.
لا بد أن نعرف معنى الانتصار الشرعي، وليس فقط أنه انتصار السلاح.
стр. 1764
مبشرات للأمة وأسباب هلاك الأعداء
هناك مبشرات كثيرة للأمة بأن الله لا يمكن أن يبقي الكفار في تمكين وإلا تفسد الأرض، لكن مداولة للأيام بين الناس.
وهكذا نقول اليوم لأنفسنا: متى تنكسر شوكة هؤلاء اليهود والصليبين؟!
стр. 1765
غطرسة الأمم الكافرة
إنهم ينفقون الأموال الطائلة والمخططات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] هل الغلبة ستكون في الدنيا، أو في الآخرة فقط؟ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [آل عمران:٥٦] لقد استوفت الأمة الظالمة اليوم المستكبرة في الأرض أسباب الهلاك، لقد ادعوا دعاوى الألوهية، وتغطرسوا كثيراً، ومارسوا طريقة فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ولكن ماذا كانت نتيجة فرعون؟ ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧].
تألوا على الله، وزعموا أنه أخرجهم لقيادة العالم، وكذبوا على الله، وزعموا أنه اختارهم ليخلصوا البشرية ويقودوها في مطلع القرن الحادي والعشرين، وقالوا: فليباركنا الرب.
وألف فوكوياما كتابه نهاية التاريخ مغروراً يعني: أن هذه الأمة عندهم (الكفرة) وصلت إلى القمة وليس هناك بعدها شيء.
هذه هي النهاية، والسيطرة، والتمكين، والغلبة لهم، (نهاية التاريخ) بكل غرور قالوها، فلذلك حققوا عدداً من أسباب الهلاك والله يقصم ظهور هؤلاء ولا بد.
стр. 1766
كثرة الذنوب والمعاصي عند الغرب الكافر
ومن أسباب ذلك: الذنوب والمعاصي.
لقد صاروا قادة العالم في الموبقات، والجنس والقذارة، وأنواع الفواحش، والآراء الضالة التي فرضوها، والسياسة والاقتصاد والثقافة، وعالم السينما والإعلان، وغير ذلك، والله يأخذ المذنبين، ألم يقل: ﴿فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١١]؟ هذه الأمة الغربية التي صالت وجالت في العالم, قال عن قوم لوط: ﴿وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] فهو يهلك الظلمة، كفروا النعمة، جحدوها، استعملوها في الطغيان، والله قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨].
ألم يقعوا في الترف والإسراف في المآكل والمشارب والمساكن والمراكب والأثاث وصناعة الترفيه والسياحة والرياضة والأفلام؟! إن ذلك مؤذنٌ بتدمير دولتهم.
ألم يقل الله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦]؟! ألم يغتروا بقوتهم ويقولوا كما قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]؟ ماذا فعل الله بعاد؟! ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٦].
هذه الأمة الغربية المجرمة اليوم بيت الجريمة في العالم فيها وتصدره لغيرها، أجرموا، وسفكوا الدماء، وقتلوا الأبرياء، ودنسوا حرمات المساكين، وهؤلاء الأطفال الذين يموتون من جرَّاء جرائمهم، الله وعد بأنه سيجزي القوم المجرمين وأنه سيهلكهم، وسنته ماضية: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنْ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة:٥٩] إن الله لا يصلح عمل هؤلاء؛ لأنهم مفسدون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١].
أليسوا أصحاب مكر، وحيل، وخداع، وخطط، ودهاء، وأساليب، سيناريوهات وإخراجات لضرب أهل الإسلام؟! يتشدقون اليوم، ويتبجحون ويقولون: سنحتل وننصب منا رجلاً، هؤلاء لا شك أن مكرهم سيكون دماراً عليهم، والدليل قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [فاطر:٤٣] ينتظرون ﴿إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣] ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥٠ - ٥١] هؤلاء كل أسباب إهلاك القرى في القرآن اجتمعت في هذه الأمة الملعونة، فماذا ينتظرون إلا أن يأتي أجلهم: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤].
стр. 1767
شهادة أعدائنا بتفوق هذا الدين
ولنعلم بأن مما يرفع نفوسنا، ويقوي هممنا، ويشحذ عزائمنا؛ أن هؤلاء الكفرة بأنفسهم قد شهدوا لنا بالتفوق، ولديننا بالعلو، يقول لورنس براون: إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوروبي.
ويقول جلادستون: ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين, فلن تستطيع أوروبا السيطرة على المشرق.
قال الشيوعيون وهم في سدة الحكم: من المستحيل تثبيت الشيوعية قبل سحق الإسلام نهائياً.
أشعايا بومن في مقالٍ نشره قال: لم يتفق قط أن شعباً مسيحياً دخل في الإسلام ثم عاد نصرانياً.
بن جوريون اليهودي يقول: إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد.
ونحن نعرف أن محمداً ﵊ آخر الأنبياء، لكنه يقصد قائداً جديداً.
وهكذا يقول إرل بورجر الكاتب الصهيوني: إن المبدأ الذي قام عليه وجود إسرائيل منذ البداية هو أن العرب لا بد أن يبادروا ذات يوم إلى التعاون معها، ولكي يصبح هذا التعاون ممكناً, فيجب القضاء على جميع العناصر التي تغذي شعور العداء ضد إسرائيل في العالم العربي وهي عناصر رجعية، تتمثل في رجال الدين والمشايخ.
وهكذا يقول إسحاق رابين: إن مشكلة الشعب اليهودي هي أن الدين الإسلامي ما زال في دور العدوان والتوسع، وليس مستعداً للمواجهة، وأن وقتاً طويلاً سيمضي قبل أن يترك الإسلام سيفه.
وقد مات وهلك والإسلام لن يترك سيفه.
يقول براون: كان قادتنا يخوفوننا بشعوبٍ مختلفة، لكننا بعد الاختبار لم نجد مبرراً لمثل تلك المخاوف، خوفونا بـ اليابان الأصفر، والخطر البلشفي، وإلى آخره! وتبين لنا أن هؤلاء حلفاؤنا وهؤلاء أصدقاؤنا وهؤلاء! لكننا وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام, وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته المدهشة! هانوتر الفرنسي يقول: لا يوجد مكان على سطح الأرض إلا واجتاز الإسلام حدوده وانتشر فيه، فهو الدين الوحيد الذي يميل الناس إلى اعتناقه بشدة تفوق كل دين آخر.
ألبرن شاذر يقول: من يدري ربما يعود اليوم الذي تصبح فيه بلاد الغرب مهددة بالمسلمين، يهبطون إليها من السماء لغزو العالم مرة ثانية، وفي الوقت المناسب، يقول: لست متنبئاً لكن الأمارات الدالة على هذه الاحتمالات كثيرة، ولن تقوى الذرة ولا الصواريخ على وقف تيارها، إن المسلم قد استيقظ، وأخذ يصرخ: هأنذا، إنني لم أمت، ولن أقبل بعد اليوم أن أكون أداةً تسيرها العواصم الكبرى.
ويقول أشعايا بومن أيضاً: إن شيئاً من الخوف يجب أن يسيطر على العالم الغربي من الإسلام, لهذا الخوف أسباب: منها: أن الإسلام منذ ظهر بـ مكة لم يضعف عددياً، بل إن أتباعه يزدادون باستمرار.
من أسباب الخوف: أن هذا الدين من أركانه الجهاد.
هكذا قال في مقالة نشرها في مجلة العالم الإسلامي التبشير والاستعمار.
أنطوني ناتنج يقول في كتابه العرب: منذ أن جمع محمد ﷺ أنصاره في مطلع القرن السابع الميلادي وبدأ أول خطوات الانتشار الإسلامي, فإن على الغرب أن يحسب حساب الإسلام كقوة دائمة صلبة تواجهنا عبر المتوسط.
يقول سالازار في مؤتمر صحفي: إن الخطر الحقيقي على حضارتنا هو الذي يمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيرون نظام العالم.
ويقول آخر: إن العالم الإسلامي عملاق مقيد، عملاق لم يكتشف نفسه حتى الآن اكتشافاً تاماً، فهو حائر وقلق وكاره لانحطاطه وتخلفه، وراغب رغبة يخالطها الكسل والفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر.
وهكذا يقول مورو برجر: إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر بيسر في القارة الأفريقية.
ويقول هانوتو: رغم انتصارنا على أمة الإسلام وقهرها, فإن الخطر لا يزال موجوداً في انتفاض المقهورين الذين أتعبتهم النكبات التي أنزلناها بهم؛ لأن همتهم لم تخمد بعد.
ويقول: مرمديوك باكتل: إن المسلمين يمكن أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقاً بشرط: أن يعودوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها حين قاموا بدورهم الأول؛ لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح حضارتهم.
وهكذا يقولون: إنه إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر قوةً عظمى في العالم مرةً أخرى.
ويقول جب: إن الحركات الإسلامية تتطور عادةً بصورةٍ مذهلة تدعو إلى الدهشة! تنفجر انفجاراً مفاجئاً قبل أن يتبين المراقبون من أماراتها ليدعوهم إلى الاستراب في أمرها، فهذه لا ينقصها إلا ظهور صلاح الدين جديد.
стр. 1768
دراسات غربية تدل على قوة انتشار الإسلام والمسلمين
هناك أشياء كثيرة درسوها هم وتبينت لهم تدل على قوة المسلمين القادمة.
فمن الدراسات التي أعدت شارلز ويليم أنه في دراسته بعنوان الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين لمعهد الشرق الأوسط بـ واشنطن، ويهيمن عليه اليهود ويؤثر في توجيه سياسات القوم هناك: كان المسلمون يشكلون في عام (١٩٨٠م) حوالي (١٨%) من سكان العالم، وبحلول نهاية الربع الأول من القرن القادم من المتوقع أن يشكلوا أكثر من (٣٠%) وفي الشرق الأوسط نفسه من المتوقع أن يستمر هذا المعدل السريع في النمو، وهكذا فإن مصر من المتوقع أن تصعد من مستوى سكان أقل من سبعين مليون نسمة اليوم إلى قرابة مائة وعشرين مليوناً بحلول منتصف القرن القادم، ومن المتوقع أن تزيد السعودية ثلاثة أضعاف في حجم السكان, فتزيد من واحد وعشرين مليوناً إلى واحد وستين مليون نسمة، وسوف تصبح سوريا قوة سكانية كبرى حيث سيصل سكانها إلى خمسين مليوناً تقريباً عام (٢٠٥٠م) إن هذه التحولات الديموجرافية السكانية المهمة ستبدل تاريخ المنطقة.
وفي كثير من تلك الدول هناك ملمح مميز للسكان وهو: تضخم أعداد الشباب الذين يشكلون بحماستهم ضغوطاً شديدة.
ويواصل كاتب الدراسة التركيز على زيادة شريحة الشباب في الدول الإسلامية التي تشكل مزيداً في قوة المسلمين المستقبلية.
وهذا صمويل هنتكتن الذي يقول في كتابه صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي: بأن الشباب في الثقافات الإسلامية يتسمون بعنف زائد في نوعه.
وهكذا فإنه من غير المطمئن ما سيجده هؤلاء من التضخم في عدد الشباب في العشرين سنة الأولى من القرن القادم.
وإذا أضفنا إلى ذلك انتشار الإسلام في بلادهم، وتمعنا ماذا سينتج عن ذلك؟ وماذا يمكن أن يكون الوضع في المستقبل؟ إنه أمر مخيف لهم أيضاً! فيقولون بأن الإحصائيات في عام (١٩٧٠م) كان عدد المسلمين في أمريكا خمسمائة ألف, أي: نصف مليون فقط، الآن قرابة تسعة ملايين مسلم، بل إن عددهم يفوق عدد اليهود الأمريكيين وهم في زيادة.
ثم يرصدون أنه بعد (١١ سبتمبر) تضاعف عدد الداخلين في الإسلام ثلاثة أضعاف من أهل البلاد الأصليين، وهذا يعني بأن الناس هناك يريدون التعرف على الإسلام والقراءة عنه، هناك دهشة لما يحصل في بوسطن كان يوجد فقط في عام (١٩٨٢م) مسجد واحد فقط، يوجد الآن في بوسطن (٣٠) جامعاً تصلى فيه صلاة الجمعة، ومصليات في مستشفيات هناك، وفي ثانويتين توجد مصليات، قضايا الحجاب ترفع بعضها فيكسبها أهلها المسلمون, وبعضها لا يكسبونها، لكنها تنبئ عن تحدٍ واستمرار على الدين وتمسك به.
يقول أحد خبرائهم: أحد إغراءات الإسلام أن أخلاقهم صارمة، الكثير من الناس الذين يعيشون حياة الفسق يريدون تغيير حياتهم, لكنهم يحتاجون للمساعدة، ثم يجدون المساعدة في دين الإسلام.
واضطرت هيلاري كلينتون إلى الاعتراف بأن الإسلام هو الأسرع انتشاراً في أمريكا، وبدأ المسلمون يتحركون بشكل إيجابي في بعض النواحي، ومما يؤكد على قضية الإغراء الخاص لهذا الدين بما ينتزعه من عدد من الناس من الطبقة الوسطى ويصهر الأعراق في بعضها، في المساجد أكثر من ثمانين ألفاً من المسلمين الأمريكيين هم من أصول أوروبية.
стр. 1769
انتشار الكتب الإسلامية ونُسخ ترجمة القرآن
وهكذا إذا وجدنا أيضاً من الأمور أنه قد حصل إقبال كبير بعد الأحداث الأخيرة على تفسير القرآن الكريم، ويقدر بعض الخبراء في أمريكا أن الذين يعتنقون الإسلام سنوياً فيها خمسة وعشرون ألف شخص، وأن معدلات اعتناق الإسلام تضاعفت أربع مرات بعد الأحداث الأخيرة؛ ويعود ذلك إلى سعة انتشار الكتب الإسلامية، ونسخ القرآن الكريم المترجمة (ترجمة المعاني) وتزايد الإقبال على شرائه في المكتبات، معارض كتب تنتهي فيها الكتب الإسلامية، تنتهي فيها ترجمات معاني القرآن العظيم، وصارت الكتب الإسلامية تحتل مكانة في قائمة الكتب العشرة الأكثر مبيعاً لدى شركة بيع الكتب عبر الإنترنت: amazon.
com ثم تجد بعد ذلك الإقبال على مواقع الإنترنت الإسلامية من قبل الكفار أنفسهم، والإقبال على المواقع الإسلامية بالملايين سنوياً.
وهكذا صار الإسلام هو الدين الأسرع نمواً لديهم، ونجد إقبالاً من الغربيين على القراءة في كتب الإسلام، والمكتبات أعلنت أنه نفدت عندها النسخ من بعض الكتب الإسلامية، وتقول مديرة إحدى المكتبات في فرنسا: إننا نشهد حالياً بروز جمهور فرنسي جديد تماماً علينا، يبدي اهتماماً خاصاً بشراء ترجمات القرآن الكريم باللغة الفرنسية، ويقبل بكثرة على الكتب المبسطة من نوع: اكتشف الإسلام، أو ما هو الإسلام؟ أو تاريخ الإسلام.
المواطنون الألمان في الجهة الأخرى فضلوا ألا يكونوا بدورهم أسرى لأجهزة الإعلام -بعضهم على الأقل- ونفدت في مكتبة بوفيث في بون الكتب الإسلامية عندما أقبل عليها الناس وانتشرت ثلاثة أضعاف عن الأيام العادية، وصار من الكتب المرغوبة جداً تفاسير القرآن الكريم باللغة الألمانية، وما يتعلق بالحياة اليومية للمسلم، وما يخص المرأة والعائلة والحياة في الإسلام.
وعشرات من المواطنين يتصلون يومياً بالمراكز الإسلامية ويطرحون أسئلة واستفسارات، ويتصلون على مواقع الإنترنت ليسألوا عن أشياء عن الإسلام.
مدارس ابتدائية ومتوسطة في بعض الولايات المتحدة تطلب من بعض الطلاب العرب الموجودين في الجامعات هناك أن يأتوا ويتكلموا ساعة عن الإسلام.
وهكذا اعترافات المحللين الغربيين، والمؤرخين المستشرقين، بأن المستقبل لهذا الدين، وأن طبيعته في الانتشار عجيبة.
стр. 1770
انتصار الإسلام في كافة المواجهات العقدية
ثم نلاحظ أيضاً انتصار الإسلام في كافة المواجهات العقدية كما حصل بين ديدات وسوقر على سبيل المثال، ليس هناك منازلة دخلها عالم مسلم، أو فقيه مسلم، أو طالب علم متمكن، أو داعية متمكن إلا هزم الذي أمامه، مهما كان من القوة والخبرة والسن والإمكانات والبلاغة إلى آخره، لا توجد معركة حجة وبيان دخلها مسلم متمكن إلا وانتصر فيها، فما معنى ذلك؟!! ثم إن هناك مطالبة بالزي الإسلامي، والذبح الحلال، وانتشار الحجاب، واسترجاع الهويات الإسلامية، حتى من أناس قد كانوا ضاعوا هناك، ترتفع شعبيات إذاعات القرآن الكريم، إقبال في مواسم الطاعة عجيب، امتلاء المساجد، الإسلام دين الفطرة، إنه لأمر غريب جداً أن تقبل أبعد النساء عن الدين إلى التوبة مثل الفنانات والممثلات! إنه شيء غريب فعلاً، هذا التحول الكبير! حتى صار يخشى على حلبات الفن ألا يوجد فيها أحد يمثل أو يغني، ولا بد من دفع أناس جدد كثيرين كما تقتضي الخطة العفنة لسد فراغ الفنانات التائبات والمغنيات.
وتناقش قضية حجاب المذيعات في القنوات، وتضطر القنوات الفضائية إلى استضافة مزيد من المشايخ، وفتح مزيد من البرامج عن الإسلام.
стр. 1771
اعتراف الأعداء بصحة الأحكام الإسلامية
نجد كذلك من الأشياء التي ترفع معنوياتنا وتعطينا الثقة أكثر: أنهم يعترفون من خلال أبحاثهم وكتاباتهم بصحة أحكام الشريعة الإسلامية، حتى إن جوستاف لوبون يقول: إن مبدأ تعدد الزوجات الشرقي نظام طيب يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم، ويزيد الأسر ارتباطاً، لا تعدم امرأة من الأمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجاً يتكفل بشئونها، والمتزوجات عندنا -هو يقول- نفر قليل وغيرهن لا يحصين عدداً، تراهن بغير كفيل بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهي هائمة متحسرة، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلى يتجشمن المشاق، ويتحملن مشاق الأعمال، وربما ابتذلن فيعشن تعيسات متلبسات بالخزي والعار، قد سفك دم شرفهن على مذبحة الزواج الذي لا يحصل.
اعترفوا حتى بالأشياء التي حرمت عندنا في شريعتنا ونسخت كل الشرائع: أن لحم الخنزير ضار؛ لاحتوائه على البوليك بشكل مكثف، وأنه عسير الهضم، وأن من كل مائة رطل من لحم الخنزير يوجد خمسون رطلاً من الدهن، بينما في الضأن (١٧%) وفي العجول (٥%) وثبت بالتحليل احتوائه على نسب كبيرة من الأحماض الدهنية المعقدة، ومن الكليسترول الضار أيضاً.
اعترفوا بمنافع السواك، اعترفوا أن الوضوء والاستنشاق حلٌ لقضية التهاب الجيوب الأنفية، وأن الوضوء يقي من الأمراض الجلدية، وأن الصوم فيه صحة، وأن كثرة تعرض جسد المرأة للشمس وانكشافه للجو يزيد نسبة سرطان الجلد عندها، وهناك كتب عندهم: التداوي بالصيام لـ شلتن، الصوم الطبي النظام الغذائي الأمثل ألن كوت، هناك لوحة كبيرة في مستشفى ألماني مكتوب باللغة الألمانية: (ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه، فإن كان لا بد فاعلٌ فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه) بعد قوله: (بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه).
وهكذا اكتشفوا بأن الاختلاط ضار، وأن منع الاختلاط هو الصحيح، وتبنى الرئيس الأمريكي قرار البروفيسور إميليو إفانيو رجل القانون المتخصص في النظام التربوي في أمريكا بالدراسات العديدة التي تؤكد أن الفصل بين الجنسين في المجال الدراسي يساعد على اجتياز الفتيات والفتيان بصورة أفضل، وأن الأولاد يفضلون الدراسة في الفصول غير المختلطة، وكذلك الفتيات يفضلن هذا الأمر؛ حتى لا يضطررن إلى التزين قبل الذهاب إلى المدرسة؛ لأنه يضيع وقتهن، ويعرقل تقدمهن الدراسي.
وهكذا قامت كليات ومدارس مدعومة من قبل الحكومة لديهم على أساس الفصل بين الجنسين؛ لأنه ثبت لديهم أنه يعطي نتائج أفضل في المستوى التعليمي للذكور والإناث.
стр. 1772
فزع الكفار ورعبهم من أبناء المسلمين
ثم ماذا نجد بعد ذلك من إقبال على الشريط الإسلامي، والكتاب الإسلامي، والمدارس الإسلامية.
إن هذه القضية أيها الإخوة توضح لدينا بجلاء بأن الإسلام قادم وقادم بقوة، وعندما نجد حتى حوادث لدى الضعفاء المساكين من المسلمين في فلسطين ضد اليهود تضحك جداً.
وعندما يقوم واحد من المسلمين بقتل عشرة من اليهود كل واحد برصاصة، ويجرح خمسة وهو واحد ببندقية قديمة، حتى قالوا: إنها فضيحة كبيرة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
وأعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية أنها ستعترف بمرض جندي إسرائيلي قال إنه أصيب صحياً خلال خدمته العسكرية, عندما تعرض لصدمة نفسية؛ بسبب حمار فلسطيني -طبعاً الحمير لها جنسيات- وكان الجندي قد تولى مهمة حراسة خلال نشاط الوحدة العسكرية التي يخدم فيها، وهي وحدة مختارة من شعبة الاستخبارات في أغسطس عام (١٩٩٩م).
يقول الجندي اليهودي: في ساعة متأخرة من الليل أنه سمع صوتاً فاشتبه في الأمر واعتقد أن فدائيين فلسطينيين اكتشفوا وجوده فقال: انخفضت دقات قلبي، وشعرت أنني جمدت في مكاني دقائق طويلة، واتضح فيما بعد أن الصوت صادر عن حمار فار من الحظيرة التي أعدها له صاحبها الفلسطيني، ولكنه كان مخيفاً -كما يقول الجندي اليهودي، لا أدري كيف شكل هذا الحمار- ويضيف: ومنذ ذلك الحين وأنا أشعر بجفاف في لساني وفمي وبحاجة دائمة للشرب، فتوجهت إلى طبيب فقال: إنني مصاب بالسكري، وعند تسريحه من الجيش توجه الجندي إلى السلطات العسكرية طالباً الاعتراف به كمعوق أمني، لكن الوزارة رفضت ذلك وقالت: إنه لا علاقة له بمرض السكري، فاعترض وقدم إثباتات على أن السكري ينجم أيضاً عن حالات خوفٍ شديد أو غضب، وتوجه إلى المحكمة طالباً هذا الاعتراف وما ينجم عن ذلك من تعويضات مالية وحقوق أخرى، وعندما شعر ممثل النيابة العسكرية أن المحكمة تميل لقبول الدعوى, أعلن انسحابه وتعهد بالاعتراف بأن الجندي معوق أمنياً ودفع كامل حقوقه له.
والقصة نشرتها وكالات الأنباء أيضاً.
وقريباً قبل أيام نشر الخبر التالي: أثناء التوغل الإسرائيلي أمس في قطاع غزة، قفز الجنود الإسرائيليون فجأةً وأخذوا يترجلون من سياراتهم ويشهرون السلاح في وجوه المواطنين، ويجبرونهم على الرجوع إلى الخلف، فيما قام جنود آخرون بتمشيط المكان، والاستعانة بخبراء المتفجرات إثر سقوط بعض المواد من سيارة فلسطينية، وبعد قضاء عدة ساعات من عمليات التمشيط والتفتيش تبين أنها حزمة سبانخ وليست أية مواد متفجرة، وكان المزارع أبو فتحي من سكان خان يونس قد اعتاد في ساعات الصباح الأولى أن يحمل كمية كبيرة من السبانخ لبيعها في سوق دير البلح، ونظراً لصعوبة الطريق وكثرة الاهتزازات وقعت حزمة سبانخ على الأرض إثر ارتطام سيارته بأخرى على مدخل حاجز المطاحن، وتحديداً بجوار الجدار الإسمنتي الموجود في منتصف شارع صلاح الدين.
الجيش اليهودي يعيش حالة رعب وفزع كثيرة إثر عمليات المقاومة الفلسطينية.
إذاً: رعب أعدائنا منا رعب! الرعب هذا يعني: (نصرت بالرعب) وهو للأمة عموماً وليس خاصاً بزمن النبي ﵊ فقط كما ذكر العلماء، إنهم يعيشون والله العظيم رعباً من المسلمين.
وإذا رأوا واحداً أراد أن يأخذ شنطته في الطائرة تقافزوا نحوه.
رعب كبير يعيشونه، فما معنى ذلك؟!!
стр. 1773
مصير الإسلام ليس مربوطاً برجال معينين
إن الإسلام كالشمس إن غربت في جهة طلعت من جهة أخرى، فلا تزال طالعة، وإن مات فرد من أفراده أقام الله من المسلمين من يجبر النقص ويسد الثغرة: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
إن هذه الأمة قادرة بإذن الله على تعويض النقص الذي يطرأ عليها، ولقد تبدلت أحوال وبقيت هذه الأمة، لو أن أمةً أخرى شنت عليها الغارات التي شنت على هذه الأمة لاندثرت منذ زمن بعيد، ومع ذلك فإن مصير الإسلام غير مربوط برجال أو أفراد معينين، ولا جماعات معينة، إنه دين أنزله الله ليبقى لا ليندثر ولا لينمحي، وقد يموت شخص فتحيا أمة:
إذا مات فينا سيد قام سيد قئول لما قال الكرام فعول
إن هذه الأمة معطاءة ولود, إذا سكت منها صوت خلفه أصوات، وإذا مات خطيب خلفه خطباء، وإذا استشهد مجاهدٌ خلفه من يحمل الراية ويهاجم الأعداء، وهذا وعد الله على لسان رسوله ﷺ : (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) حديث صحيح، يحيي ما اندرس من الدين ويعيده صافياً نقياً.
وقال عليه الصلاة مبيناً أن الله يجعل في الأجيال من يقوم بالدين: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته) رواه الإمام أحمد، وهو حديث صحيح.
(لا يزال) إذن هناك توالي في العملية، وهناك شباب قادمون وأجيال ستأتي، غرس يغرسه الله : ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] الطائفة المنصورة منصورة باقية لا تهزم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله) إنها أمة عجيبة مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره، كله نافع للزرع، المطر المتقدم والمطر المتأخر، نعم.
إن المتقدم كالصحابة والسلف أهمَّ، لكن المتأخر مفيد أيضاً، ومن المعلوم أن الله يعلم أيهما خير، ولكن في آخر الأمة هناك أناس يقاربون في الفضل وإن لم يصلوا إلى ذلك الفضل.
وإذا نظرنا في شواهد التاريخ، أتى الصليبيون بلاد المسلمين في القرن الخامس، احتلوا أكثر مدن الشام أكثر من مائتي عام، وسقطت القدس في أيديهم (٩٢) سنة، وقتلوا فيها تسعين ألفاً من المسلمين، وشابت الولدان من أهوال جرائمهم، ولكن رجعت مرةً أخرى إلى المسلمين، وقام نور الدين محمود الملك العادل ليث الإسلام، وحامل رايتي العدل والجهاد، أظهر السنة وقمع أهل البدعة، شجاع وافر الهيبة، فقاد الجموع، انتزع من الكفار نيفاً وخمسين مدينةً وحصناً، قال: لما التقينا بالعدو خفت على الإسلام فانفردت ونزلت ومرغت وجهي على التراب وقلت: يا سيدي! -يخاطب الله من محمود؟! الدين دينك والجند جندك، وهذا اليوم افعل ما يليق بكرمك، قال: فنصرنا الله عليهم.
قال الفقيه الشافعي النيسابوري يوماً: بالله لا تخاطر بنفسك، فإنك لو قتلت قتل جميع من معك، وأخذت البلاد، وفسد حال المسلمين.
قال: اسكت يا قطب الدين! إن قولك إساءة أدب على الله، ومن هو محمود؟! من كان يحفظ الدين والبلاد قبلي غير الذي لا إله إلا هو؟! ومن هو محمود؟! فبكى من كان حاضراً ﵀.
ثم مرت الأمة بشدة أعظم وأدهى وأمر، عندما اكتسحها في أوائل القرن السابع التتر وفعلوا ما لا يصفه قلم، ملايين القتلى، ومع ذلك كما تقدم انتصر المسلمون، ورجعت القوة لأهل الإسلام مرة أخرى، وعقر جواد قطز في المعركة وبقي ثابتاً راجلاً والقتال دائر، ولامه من معه: لم لا تركب فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء قتلك هلك الإسلام.
قال: أما أنا فكنت أروح إلى الجنة إن شاء الله، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه ولن يضيع الإسلام.
وهكذا حمل الراية الظاهر بيبرس وغيره، وجاء الأشرف خليل ليقضي على آخر إمارة للصليبيين في عكا سنة (٦٩٠) للهجرة ويخرجهم منها، صمد الإسلام أمام أعنف الضربات وأقساها وحشية، ولكن بعث الإسلام وطلائعه كانت تأتي حيناً بعد حين، ولا زال الله يقيض لهذه الأمة من يقوم بأمره .
هذه أمة عظيمة، أليست هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؟! أليست هذه الأمة أمة مرحومة؟! أليست هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة؟! أليست هذه الأمة محفوظة بحفظ الله لا تهلك بغرقٍ عام، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستأصلهم عن آخرهم؟! أليست هذه الأمة من أول الأمم دخولاً الجنة؟! ألسنا الآخرين السابقين يوم القيامة، الآخرون زماناً السابقون يوم القيامة؟! ألسنا فضلنا بيوم الجمعة، والتأمين خلف الإمام، والتحية بالسلام، وأن صفوفنا على صفوف الملائكة؟! ألسنا ثلثي أهل الجنة؟! أليس يبعث الله على كل رأس مائة سنة واحداً منا يجدد لنا الدين، أو جماعة يجددون الدين يعدهم بالنصر والتمكين؟! أليس الوعد من النبي ﵊ حاصلاً: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين, بعز عزيزٍ أو بذل ذليلٍ، عزاً يعز الله به الإسلام وذلاً يذل به الكفر) (بشر هذه الأمة بالسناء والتمكين والرفعة)؟! إذاً: لا يمكن أن تجتث ولا أن تهزم، ولو ضربوها بالقنابل الذرية والنووية، ولو مسحوا مدناً وأبادوا أهلها، ولو هجَّروا أهل فلسطين منها كما يريدون في مخططهم الجديد المزعوم.
فإن الله تعالى سيقيض من هذه الأمة من يهزمهم حتماً، ومن يموت على نية حسنة يموت شهيداً ويذهب إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، ومن يبقى وهو ملازم لأمر الله ؛ فإنه يعيش كبيراً ويموت كبيراً لأجل عظم الغاية التي يعيش من أجلها.
أيها الإخوة! إن هذه الكلمات هي لرفع المعنويات والإثبات بالأدلة الشرعية، وبالواقع العملي أن الإسلام هو القوة القادمة، وأن النصر له لا شك ولا ريب.
وفي هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم في الظلمات والظلم, يصاب الكثيرون باليأس والإحباط فنقول لهم: كلا كلا.
لكن لا يجوز الاتكال على الشرف، ونقول: سننصر بدون سبب، فلا بد من العمل: (اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له) اعملوا: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
أيها الإخوة والأخوات! نسأل الله أن يرد المسلمين إليه رداً جميلاً، وأن يجعلنا من عباده المتقين الذين يقولون الحق وبه يعدلون، وأن يجعلنا ممن نصر بهم دينه، إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1774
إغلاق منافذ الشر
باب سد الذرائع له أهمية في الشريعة الإسلامية، والكتاب والسنة مليئان بالأدلة التي توضح أهمية هذا الباب، وقد ذكر الشيخ عدة أدلة من الكتاب والسنة على ذلك، كما تحدث عن كثير من القضايا في باب سد الذرائع، وأتى أيضاً بعدة فتاوى للعلماء المعاصرين تدخل تحت هذا الباب.
стр. 1775
مقدمة في باب سد الذرائع
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها الإخوة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنحمد الله أن عدنا جميعاً إلى هذا المكان وإلى هذا الدرس، نسأل الله أن يجعله عوداً حميداً وقولاً سديداً، وأن يشملنا وإياكم برحمة منه ومغفرة، وأن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً وتفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا شقياً ولا محروماً.
أيها الإخوة هذا الدرس -إن شاء الله- سيكون من الآن وحتى الحج أو إجازة الحج درس أسبوعي في كل يوم أربعاء لقلة الأسابيع المتبقية وما سيعقب الإجازة من توقف لظروف الامتحانات وغيرها.
وموضوعنا في هذه الليلة موضوع مهم، موضوع من مباني هذه الشريعة، ومما يدل على عظمتها وتماسكها، ومما يدل على إحكامها وإتقانها من لدن حكيم خبير ، وهذا الموضوع الذي أشير إليه بعنوان "إغلاق منافذ الشر" هو في الحقيقة كلام عن باب سد الذرائع في الشريعة، وسد الذرائع من الأمور المهمة جداً، ولهذا المفهوم تطبيقات كثيرة في الواقع نحتاج إليها، نحتاج أن نستلهم من الشريعة طريقتها، نحتاج أن نستلهم من الشريعة طريقتها في معالجة الأمور وفي أحكامها؛ لأن الإنسان إذا اهتدى بهدي الشريعة في واقعه فإنه يصل إلى خير كثير بإذن الله.
أما الذرائع: فإنها المنافذ والسبل، وفي اللغة: الذريعة هي السبب الموصل إلى الشيء، والطريق المؤدي والباب والوسيلة، الوسيلة إلى شيء تسمى ذريعة، وهي تحمل معنى التحرك والانتقال من شيء إلى آخر، والذريعة في اللغة: كل ما يتخذ وسيلة إلى غيره.
وفي الشرع إن كان المقصود مصلحة فينبغي فتح الذرائع إليه، وإن كان محرماً ينبغي سد الذرائع، إذاً هناك في الشريعة فتح ذرائع وسد ذرائع، الشريعة جاءت لسد الذرائع وفتح الذرائع، سد الذرائع إلى المحرمات وفتح الذرائع إلى الخير والبر كما قال الناظم:
سد الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم
وهو الواجب حتم أيضا.
قال ابن القيم ﵀: إذا حرم الرب شيئاً وله طرق تفضي إليه وتؤدي إليه فإنه يحرم هذه الطرق والوسائل تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له ومنعاً من الاقتراب من حماه.
وفي المقابل إذا أمر الله بشيء وأوجبه فإن الشريعة جاءت لفتح الطرق إليه، لفتح الذرائع إلى هذا الأمر وهذا الخير الذي أمر الله به، انظر مثلاً إلى النظر إلى المرأة الأجنبية، لما كان ذريعة إلى الزنا صار محرماً، والسعي إلى البيت الحرام لما كان ذريعة للحج وأداء الفرض صار مأموراً به يوصل إلى الحج المشروع، فالمنع من النظر إلى الأجنبية سد للذريعة، والسعي إلى البيت الحرام فتح للذريعة.
والأشياء التي جاءت الشريعة بتحريمها قد تكون حراماً لذاتها كالخمر، وقد يكون حراماً إذا أدى إلى حرام مثل بيع العنب لمن يعصره خمراً، وهناك أمور قد أجمع العلماء على عدم سدها، وأمور قد أجمع العلماء على سدها، وأمور قد حصل فيها الخلاف، فمن الأمور التي أجمع العلماء على عدم سدها مثل: منع زراعة العنب، لا يمنعون من زراعة العنب بحجة أنه يُتخذ منه الخمر؛ لأن العنب فيه فوائد كثيرة، فإنه يؤكل بالحلال ويؤخذ منه الزبيب وغير ذلك من الأشياء المباحة.
التجاور في البيوت والسكنى في العمائر قد يؤدي إلى الوقوع في المحرمات، ودخول الجار على زوجة جاره بالحرام، لكن لم يمنع منه العلماء؛ لأن فيه فوائد عظيمة للناس، والناس يحتاجون للازدحام والسكن، يحتاجون إلى السكنى في العمائر والبيوت المتجاورة، فلم تحرم عند العلماء من أجل أنها تؤدي إلى مفاسد؛ لأن المصالح التي فيها أعظم لا تقارن بالمفاسد، وكذلك بيع السكاكين في الأحوال العادية ليس محرماً، السكين فيها منافع كثيرة، فبها تذكى بهيمة الأنعام، ويستخدمها الناس في أشياء متعددة، فهل يقال بمنع بيع السكاكين لأنه ربما يستخدمها بعض الناس في الإجرام؟
الجواب
لا.
لكن إذا صار وقت فتنة فلا يباع السلاح في وقت الفتنة.
هناك إذاً مفاسد مهدرة لا يلتفت إليها بجانب حاجة الناس والمصالح العظيمة، وهناك أمور أجمع العلماء على سدها مثل: سب الأصنام إذا كان يؤدي إلى أن يسب المشرك الله ، إذا سببت إلهه وصنمه سب الله، فلا يجوز لك أن تسب صنمه؛ لأنه يفضي إلى أمر أعظم.
وكذلك المنع من شهادة الخصم على خصمه لأنه يخشى الشهادة بالباطل، وهناك أشياء اختلفوا فيها كبيع الأجل.
стр. 1776
الأدلة على مفهوم سد الذرائع
إن قال إنسان: ما هي الأدلة على هذا المفهوم -يعني: سد الذرائع وإغلاق منافذ الشر-؟ ولعلنا سنركز على هذا الجانب وهو سد الذرائع، مع أن فتح الذرائع موضوع مهم جداً أيضاً لعلنا نذكر منه طرفاً.
стр. 1777
الأدلة من القرآن
أما الأدلة من القرآن على هذه القاعدة كثيرة، فمنها: قول الله : ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨] فنهينا عن سب آلهة المشركين إذا كان سبها يؤدي إلى سب الله.
ومنع المسلمون من مخاطبة النبي ﷺ بكلمة (راعنا) حتى لا يستعملها اليهود والمنافقون شتيمة للنبي ﵊ لأنهم كانوا يقولون: يا محمد! راعناً -يعني: من الرعونة والطيش- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة:١٠٤] لأن كلمة "انظرنا" لا تحتمل معنى سيئاً بخلاف الكلمة الأولى: ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤] ومنع الله آدم وحواء من الاقتراب من الشجرة.
أيها الإخوة! أرجو أن نتفطن لهذا المفهوم، هذا المفهوم دقيق ويحتاج إلى تفكير وتركيز، وفهمه يسهل فهم أشياء كثيرة جداً، ويسهل عليك اتخاذ إجراءات كثيرة في حياتك، ويسهل عليك معرفة أحكام شرعية كثيرة، ويسهل عليك فهم فتاوى العلماء في كثير من الأحيان.
مفهوم "سد الذرائع" هذا له ارتباطات اجتماعية ودعوية واقتصادية وغيرها كثير في الواقع، هذا المفهوم "سد الذريعة".
منع الله آدم وحواء من الاقتراب من الشجرة حتى لا يكون ذلك ذريعة إلى الأكل منها، فقال الله : ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة:٣٥] الأصل المنع من أكلها، لكن سداً لذريعة قد يتوصل بها إلى الأكل نهياً عن الاقتراب: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥] وغير ذلك من الأمثلة الكثيرة في القرآن.
стр. 1778
أدلة من السنة على باب سد الذرائع
وأما في السنة فإن الأدلة قد جاءت أيضاً بمفهوم سد الذرائع التي توصل إلى المحرمات، وعلى رأسها الشرك، فمثلاً: نهى النبي ﷺ أن يقول: ما شاء الله وشاء محمد، للشخص حسماً لمادة الشرك وسداً لذريعة التشريك في المعنى، وقال لمن قال له: ما شاء الله وشئت قال: (أجعلتني لله نداً؟) ونهت الشريعة عن رفع القبور، أكثر من شبر، وتعليتها لا تجوز، ونهت عن تجصيصها وإنارتها والكتابة عليها حتى لا تكون ذريعة إلى عبادة الموتى وتعظيمهم وصرف أنواع من العبادة لهم كما حدث للكثيرين من المسلمين في هذا الزمان وغيره نتيجة بناء الأضرحة على القبور وتشييد المباني عليها وجعل الخدام والسدنة لها وهكذا.
نهت الشريعة عن تعليق التمائم حتى لا يكون ذريعة للشرك، يعتقد الناس أن النفع من التميمة، وأن التميمة تؤثر بذاتها، والأمثلة كثيرة في كتاب التوحيد للشيخ/ محمد بن عبد الوهاب ﵀، فإنه عقد في كتابه هذا فصلاً خاصاً بعنوان "باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك" لاحظ وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وساق فيه حديث (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبري عيداً) وفي الشرح لهذا الحديث ذكروا حديث النبي ﵊: (لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) فمنعنا من شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، فلا يجوز شد الرحال لزيارة مسجد آخر غير هذه الثلاثة.
وكذلك أتى بالأبواب في كتابه العظيم مثل: لبس الحلقة والخيط والرقى والتمائم والذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، والعبادة في القبور، نهينا عن الصلاة في المقبرة؛ لأنها ذريعة إلى عبادة الموتى، لا يجوز الذهاب إلى العرافين والكهان ولو كان الإنسان غير معتقد أنهم يعلمون الغيب، لا يجوز إلا إذا كان للإنكار عليهم أو لإفحامهم وإقامة الحجة، أو لأخذهم وإقامة التعزير ورفع أمرهم إلى القاضي ونحو ذلك.
لماذا نهينا عن سب الدهر؟ لأنه يؤدي إلى سب الله الذي خلق الدهر، الدهر ليس له تصرف، لا يضر ولا ينفع، الله الذي خلقه، يقلب الأيام والليالي .
لماذا نهي السيد أن يقول: عبدي وأمتي، وإنما يقول: فتاي وفتاتي وغلامي؟ نهينا عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها حتى لا يكون ذريعة إلى مشاركة المشركين الذين يعبدون الشمس في ذلك الوقت، حتى في الأمور المتعلقة بالتطير وهذا له اتصال وثيق بالتوحيد، مثلاً: جاء النهي عن التسمي بأفلح ويسار ورباح ونجيح، لأنه ذريعة إلى التطير والتشاؤم الذي كان موجوداً عند كثير من العرب في ذلك الوقت، فإذا جاء وقال: بركة موجودة أو موجود؟ قالوا: ما في بركة.
تطير وتشاءم، ونحو ذلك من الأسماء، فإذا كان يخشى التطير والتشاؤم عند قوم فلا يجوز التسمي بها بينهم.
وكذلك جاءت الشريعة بسد الذرائع المؤدية إلى الوقوع في البدعة، ففكر معي الآن لماذا نهينا عن تقدم صيام رمضان بيوم أو يومين إلا إذا وافق صوم الإنسان؟ لماذا نهينا عن صيام يوم الشك وحرم علينا صيام يوم العيد، واستحب لنا تعجيل الفطر وتأخير السحور، والأكل قبل عيد الفطر؟ والمصلي إذا خرج من الفريضة لا يصلي وراءها مباشرة قد ورد النهي عن ذلك، يفصل بينها وبين النافلة إما بكلام أو قيام، تغيير المكان أو الخروج من المسجد ويصلي في بيته، لا يصل صلاة الجمعة بصلاة وراءها حتى يتكلم أو يخرج، نهينا عن الوصال في الصوم، نهينا عن الرهبانية والتبتل كل ذلك سداً لذريعة البدعة والزيادة في العبادة.
نهانا الشارع عن تصديق أهل الكتاب وتكذبيهم فيما لم يوافق شرعنا أو يخالفه، لأنه إذا وافق شرعنا صدقنا وإذا خالف شرعنا كذبنا، لكن إذا لم يخالف ولا وافق فلا نصدق ولا نكذب؛ لأنه قد يكون حقاً فنكذبه أو يكون باطلاً فنصدقه.
стр. 1779
سد ذريعة الفواحش
وتأمل طريقة الشارع الحكيم -طريقة الشريعة- في سد أبواب الفواحش فإن الشريعة لم تحرم الزنا مثلاً فقط وإنما حرمت كل طريق، وسدت كل منفذ يؤدي إلى الوقوع في الفاحشة، تأمل قول الله مثلاً: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] قول الله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] قول الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] النهي عن خروج المرأة متعطرة تمر على رجال فهي زانية، سفر المرأة وحدها بغير محرم فيطمع فيها الفسقة، النظر إلى العورات، النهي عن الجلوس في الطرقات خشية النظر إلى العورات، ولذلك أمر بغض البصر إذا كان لا بد من الجلوس؛ لأنه ليس له مجلس.
الخلوة بالأجنبية: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وصف المرأة المرأة لزوجها، وإفشاء أسرار العلاقة الزوجية، التفريق بين الأولاد في المضاجع.
إذاً الشريعة فيها حكمة من الحكيم الخبير، كل من منفذ يؤدي إلى الشر سدته، وهذا الكلام مهم جداً في هذه الأيام التي عمت فيها سبل الفاحشة من أفلام وتسهيل السفريات وغير ذلك من الأشياء، لو قلت: ما حكمها في الشريعة؟ نقول: انظر إلى ما تؤدي إليه.
قد تكون في الأصل مباحة كالسفر، لكن لما كان يؤدي إلى المحرمات صار حراماً؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد، إذا كان المقصد حراماً فالوسيلة حرام، إذا كان المقصد مكروهاً فالوسيلة مكروهة، إذا كان المقصود واجباً فالوسيلة واجبة، وذلك هو ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إذا كان المقصد مستحباً فالوسيلة مستحبة، إذا كان المقصد مباحاً فالوسيلة مباحة.
وتأمل لماذا لا تؤذن المرأة بين الرجال، ولا تكون المرأة إمامة للرجال؟ صفوف النسوة خلف صفوف الرجال، لا يرفع النساء أبصارهن إلا بعد رفع الرجال، يعني: لا يرفعن من السجود إلا بعد رفع الرجال حتى لا تظهر العورات، لأن الرجال كانوا يلبسون الأزر.
وكذلك لو قالوا: ما حكم أن تدرس النساء عند رجل أحكام التجويد؟ قلنا: إذا كانت المرأة تُحسِّن صوتها وتزينه بحيث يؤدي إلى فتنة، فإن كان هناك من النسوة من يُعلم ولو كان هؤلاء النسوة لا يتقنها كل الإتقان، يعني: لا يأتين بالأشياء الدقيقة فنقول: يكفين في تعليم النساء.
وكذلك لو راجعنا ما جاء في الشريعة في مجال اجتناب مواطن التهم، ألا يكون الإنسان في موضع تهمة يُظن به ظن سوء، النبي ﵊ لما كان مع زوجته صفية ورآه رجلان من المسلمين يمشي معها أسرعا المشي، قال ﵊: (على رسلكما، إنها صفية) قالا: سبحان الله يا رسول الله! يعني: استعظما ذلك، فأخبرهم ﵊ أن الشيطان يجري في ابن آدم مجرى الدم، فإذاً الإخبار أنها زوجته وأي واحدة من زوجاته؟ صفية، وحددها بالاسم سداً لذريعة إلقاء الشيطان الشبهة أو الشك في نفس هذين الرجلين.
стр. 1780
أبواب متفرقة في سد الذرائع
لماذا يُنهى عن الخروج من المسجد بعد الأذان وقبل الصلاة؟ إذا أذن المؤذن لا تخرج من المسجد حتى تصلي إلا لحاجة أو ضرورة مثل أن يحتاج إلى الوضوء، أو صار له ظرف طارئ، لكن الأصل النهي ورد عن خروج الرجل من المسجد بعد الأذان وقبل الصلاة حتى لا يظن به ظن سوء.
وكذلك إذا جئت إلى مسجد وهم يصلون وأنت قد صليت هل تجلس وراء الصفوف تتفرج عليهم؟ لا.
كما ورد الأمر بذلك في الصلاة ولو صليت في رحلك وصليت في مسجد آخر ثم أتيت مسجد جماعة فوجدتهم يصلون فصل معهم؛ لأن جلوسك وحدك وراءهم يسبب الشك والشبهة والظن السيئ بك، كما قال النبي ﵊ -الحديث في الصحيح- لرجل: (ألست من المسلمين؟) واحد أتى ما صلى معهم، أقيمت الصلاة قاموا يصلون وهو ما صلى معهم، قال: (ألست من المسلمين؟ قال: بلى يا رسول الله) لكن أنا صليت.
فأخبره ﵊ أنه إذا جاء مسجد جماعة وهم يصلون فليصل معهم ولو كان صلى، تحسب له نافلة والأولى هي الفريضة.
وهذا الباب يحتاجه الناس الآن، الإنسان لا بد أن يجلي موقفه، يستفيد من طريقة الشريعة في توضيح الأمور سداً لطريق الشيطان من إلقاء الظنون السيئة في نفوس الآخرين، أولاً: يجتنب أن يكون في مواضع التهم، فلو أن واحداً قال: أكون واقفاً مع الفسقة في الشارع، أو في مكان معروف أنه يرتاده الفساق، نقول: إن جلوسك معهم ووقوفك معهم ذريعة للظن بك ظن السوء، فإذا لم يكن هناك مصلحة راجحة من وقوفك، أو أن تستطيع توضيح موقفك للآخرين فلا تقف هذه الوقفة، ولا تجلس هذه الجلسة، ولا تغش هذا المكان، وأماكن الشر التي يتردد عليها الفساق كثيرة، مثلاً: هل يليق بشاب مسلم يخاف الله أن يذهب إلى مقهى من المقاهي التي تكون فيها الشيشة، ولعب الورق، والطاولة وغير ذلك ويجلس فيها، يكون معهم؟ لا.
والشريعة كذلك تحرص على معالجة النفوس وسد كل طريق من طرق الشحناء والبغضاء، لماذا نهينا عن تخطي المسجد المجاور على فرض ثبوت حديث الذي فيه كلام للعلماء؟ لكن لو ثبت الحديث النهي عن تخطي المسجد المجاور والانتقال إلى المسجد الآخر.
فذلك حتى لا يكون في ذلك ذريعة لهجر المسجد، لأن الناس إذا تخطوا المسجد المجاور وذهبوا إلى مساجد أخرى هجروا مسجدهم، فبقي المسجد بلا رواد، وكذلك قد يكون فيه إيحاش للإمام يقول: هذا لماذا لا يصلي ورائي؟ هل يظن بي سوءاً في ديني، أو خللاً في عقيدتي؟ لماذا لا يصلي ورائي؟ وكذلك يكون فيها تهمة للشخص؛ لأنه من الحارة ومن الحي ومع ذلك لا يرى في المسجد، فأين هو؟ هل هو نائم في بيته؟ لماذا يتخلف عن الصلوات؟ فيظن به ظن سوء؛ ولذلك على الإنسان أن يصلي من الصلوات ما يكون به ساداً لذريعة ظن السوء به.
وكذلك نهى النبي ﷺ عن الحديث بعد العشاء إلا في طاعة أو مجلس علم أو إكرام ضيف حتى لا يؤدي هذا السهر إلى تفويت قيام الليل أو إلى تفويت صلاة الفجر.
ثبت في الحديث النهي عن النوم قبل صلاة العشاء حتى لا يؤدي إلى ترك صلاة العشاء أو تفويت وقتها، ولذلك الآن أصحاب الأعمال والدوام والنوبات الذين يعملون في الشركات، كمجال الطيران وغيره، هؤلاء قد يداومون في الليل ويحتاجون إلى نوم في النهار، فينبغي عليهم الانتباه إلى ألا يؤدي نومهم إلى تضييع الصلاة.
وكذلك الطلاب في أوقات الامتحانات بعضهم يسهر في الليل للمذاكرة وينام في النهار مما يؤدي إلى تضييع صلاة الظهر والعصر أحياناً، وهذا حرام لا يجوز، فإذا كان العمل أو النوم مباحاً لكن إذا كان يؤدي إلى تضييع الصلاة لا يجوز أن ينام حتى يصلي، أو يتخذ من الإجراءات ما يوقظه للصلاة.
نهى الشارع أن يمدح الشخص أخاه المسلم في وجهه؛ لأنه يؤدي إلى فتنته وإدخال العجب والغرور في نفسه.
النهي عن الاحتباء في الجمعة حتى لا يؤدي إلى خروج الريح، أو انكشاف العورة، أو إلى النوم، أو هذه الجلسة تؤدي إلى جلب النعاس.
ومنعت المعتدة من وفاة زوجها من الزينة والطيب، ولا يجوز أن يصرح إنسان بخطبتها، لأن النكاح محرم في العدة، فنهيت عن كل ما كان ذريعة إليه من التطيب والتزين والتصريح بالخطبة.
هذه قاعدة أيضاً معناها موجود في كثير من الأدلة في العلاقة الزوجية مثل الحائض فإنه لا يأتيها إلا إذا ائتزرت بإزار، ويستمتع بها ما فوق السرة وما تحت الركبة، ولا تجوز المباشرة في الفرج مطلقاً لأنه يؤدي إلى الوقوع في الجماع في الحيض وهذا محرم.
فنقول: أحياناً يكون الشيء مباحاً، ولكن يؤدي إلى شيء مذموم، هب أن إنساناً قدم بلداً وهو ما زال مسافراً سيمكث فيها يوماً أو يومين في نهار رمضان، فإنه يجوز له الإفطار، لكن لا يجوز له أن يفطر أمام الناس لئلا يظنوا به ظن السوء، ما أدراهم أنه مسافر؟ سيجلب التهمة إلى نفسه.
وكذلك ما ذكره العلماء من عدم وضع السم في الطعام للفئران إذا كان في مكان تصل إليه يد الأطفال مثلاً، ونحو ذلك.
стр. 1781
سد ذريعة الفحشاء والبغضاء
أما في العلاقات الأخوية فإن سد الذرائع قاعدة موجودة واضحة في النصوص، فإن النبي ﷺ نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، إذا كان الواحد يساوم البائع فلا يجوز لإنسان أن يدخل بينه وبين البائع حتى تستقر الأمور على شيء، إما أن تصل إلى طريق مسدود أو يتفقا، لا يجوز إذاً أن تدخل في المساومة -طبعاً هذا غير بيع المزايدة، بيع الحراج هذا أمر آخر، هذا جائز في الشريعة- لكن شخص يتفاوض مع البائع في الدكان على سلعة لا يجوز لآخر أن يدخل بينه وبين البائع، إذا كان اتفق وإياه على السعر ولم يبق إلا العقد والاستلام والتسليم فلا يجوز أن يدخل بينه وبين البائع، إذا تم العقد وهما في خيار المجلس -يعني: في الدكان ما غادراه- يحق لكل منهما الرجوع ولا يجوز أن يأتي بائع آخر يقول من بعيد: تعال، أنا أعطيك بأقل، افسخ البيع وتعال.
أو إذا كانا في خيار الشرط، كأن يقول: أشتريتها منك فإن لم تناسبني أرجعتها إليك بعد يوم، فلا يجوز أن يأتي شخص آخر يقول: بكم اشتريتها؟ ردها إليه، وأنا أعطيك بأقل، كما أنه لا يجوز لمشتر آخر أن يأتي إلى البائع ويقول: افسخ البيع مع المشتري وأنا أشتريها منك بأكثر.
وإنما نهي المسلم عن البيع على بيع أخيه والسوم على سوم أخيه سداً لذريعة البغضاء والشحناء بين المسلمين.
لا يخطب على خطبة أخيه، لو علمت أن فلاناً من إخوانك المسلمين تقدم لخطبة فتاة، فلا يجوز لك أن تتقدم إليهم تخطب البنت وأنت تعلم أن فلاناً قد تقدم، حتى يردوه أو أنهم يصرفوه ولو بالسكوت بمعنى: أنهم لم يركنوا إليه، فإذا ركنوا إليه لا يجوز أن تدخل بينه وبينهم، إذا لم يركنوا إليه فهم مترددون أو ردوه ورفضوه فيجوز لك أن تتقدم أو استأذنت منه فهذا جائز، قلت: يا أخي! ائذن لي أن أخطب هذه، أنت ستجد غيرها، أنت إنسان معروف وأنا غير معروف وما عندي إلا هذه الفتاة التي أتوقع أن يوافقوا لي عليها، فهل تأذن لي أن أتقدم وأخطبها؟ فإن أذن جاز لك، وإن لم يأذن لا يجوز سداً لذريعة الشحناء والبغضاء.
النهي عن تناجي اثنين دون الثالث، لأن ذلك يحزنه، هذه فيها ذريعة إلى البغضاء بين المسلمين، النهي عن الجلوس بين اثنين إلا بإذنهما.
كل ذريعة تؤدي إلى قطع الرحم فهي حرام، وقد منعت الشريعة نكاح المرأة على عمتها والمرأة على خالتها؛ لأن ذلك يؤدي إلى قطع الرحم، لأن كلاً منهما ستغار من الأخرى، هذه عمتها وهذه خالتها وستغار منها، وستكون القطيعة، فلا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها.
أما في المعاملات والبيوع مثلاً، هذا ذكرنا طرفاً منه فيما يتعلق بآداب الأخوة، وأيضاً الشريعة تسد كل ذريعة إلى الربا، وكل طريق يوصل إليه، ولذلك لا يجوز بيع العينة: وهي أن تبيع سلعة إلى أجل -إلى سنة- بعشرة آلاف ثم تقول: تبعنيها نقداً بثمانية آلاف هذا حرام، لا يجوز لأنه ذريعة إلى الربا.
كذلك نهى النبي ﷺ عن سلف وبيع، مع أن الشريعة تجيز السلف لوحده وتجيز البيع لوحده، لاحظ معي الشريعة تجيز السلف لوحده وتجيز البيع لوحده، لكن حرمت السلف والبيع في آن واحد، لأنه إذا اجتمع سلف وبيع كان ذلك طريقة إلى القرض الذي يجر نفعاً، فإذا قال: أقرضك عشرة آلاف على أن تبيعني ساعتك بكذا.
فلا يجوز، لكن القرض لوحده جائز والبيع لوحده جائز، هذا من الشواهد في السنة.
стр. 1782
عمل الصحابة في باب سد الذرائع
أما في عمل الصحابة رضوان الله عليهم فالشواهد كثيرة وكثيرة جداً، فمن ذلك أن الصحابة قتلوا الجماعة بالواحد، اجتمع جماعة على واحد فقتلوه، لئلا يكون ذريعة إلا ضياع دماء المسلمين، كلما أرادوا قتل واحد جاءت جماعة فقتلوه وضاع دمه، فالصحابة قضوا بقتل الجماعة بالواحد.
وكذلك نفى عمر من كان سبباً في فتنة النساء بجماله؛ سَمع عمر أن فلاناً يذكر على أنه أجمل أهل المدينة فقال: عليَّ به.
أتى به فحلق رأسه لعل الفتنة تزول، فازداد الرجل حسناً لما زال شعره وظهرت جبهته كاملة، فقيل إنه عممه بعمامة فلا زال جميلاً! فقرر عمر أن يبعده إلى بلدة أخرى حتى لا يكون سبباً لفتنة المسلمات في هذا البلد، وزوجه وأحسن إليه، لأنه رجل ليس بمذنب، فليس ذنبه أن يكون جميل الخلقة فإن الله قد كتب أن يكون جميلاً، لكن سداً لذريعة فتنة النساء مادام أن خبره واسمه وذكره منتشر بين النساء ومتداول أبعده عمر.
قطع عمر ﵁ شجرة بيعة الرضوان التي تبايع الصحابة عندها في غزوة الحديبية لأجل ألا يكون اجتماع الناس عليها ذريعة إلى الشرك.
ولما وجد الصحابة قبر دانيال ﵇ -هذا أحد الأنبياء- في الفتوحات، وجدوه عند قوم كان يستسقون به، يخرجون جسده وقت القحط، وأجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض، قالوا: مات منذ مئات السنين لكن ما تغير جسمه.
قالوا: فحفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان بالليل دفنوه في واحد منها وسووا القبور كلها لتعميته على الناس حتى لا ينبشوه، كل هذا من حرص الصحابة على سد ذرائع الشرك وتعظيم الموتى.
لماذا عزل عمر خالداً ﵄؟ أخبر عمر أنه ما عزله عن سخط ولا عن كره ولا عن خيانة، لكن قال: ولكن الناس فُتنوا به فِخفت أن يوكلوا إليه -بدلاً أن يتوكلوا على الله يقولون: مادام أن الجيش فيه خالد فنحن منصورون- فتنوا به فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، هو الذي يصنع النصر وهو الذي يقدر النصر .
من يخبرني لماذا أمر عمر ببناء الكوفة والبصرة؟ خاف عمر على المسلمين إذا سكنوا في بلاد الفرس والروم أن يختلطوا ويتأثروا بعاداتهم وأخلاقهم، وقد يؤدي إلى الوقوع في شيء من المحرمات، أراد عمر أن يجعل بلداناً خاصة للمسلمين، يكون المسجد في الوسط وحوله المساكن، ويجعل له قاضياً وإماماً، فـ عمر خشي من اختلاط المسلمين إذا سكنوا في بلدان الكفرة أن يتفرق المسلمون فيها ويتأثرون بهم، فمصَّر للمسلمين أمصاراً خاصة.
هذه بعض من أفعال الصحابة في مسألة سد الذرائع، ولا زال العلماء يفتون بقاعدة سد الذرائع، وهذا مشهور في المذاهب ومن أعظمها مذهب الإمام مالك ﵀ فإن المالكية يعتمدون كثيراً على هذا الباب، لكن ينبغي أن يعلم أنه لا بد أن تكون الذريعة واضحة للتحريم والمنع، لا متوهمة ولا قليلة.
стр. 1783
فتاوى عصرية في مسائل سد الذرائع
ولنضرب أمثلة من فتاوى العلماء المعاصرين في مسائل سد الذريعة:
стр. 1784
فتاوى في حكم الاعتناء بالآثار
قام واحد من الكتاب في إحدى الجرائد فذكر جواباً، وذكر فيه أن الدعوة إلى إعادة الآثار وصيانة هذه الآثار وتسهيل الطرق إليها وجعل المرشدين والمصاعد وغير ذلك فيه مشابهة للكفار في تعظيم آثار عظمائهم، وإنفاق الأموال في غير وجهها الشرعي، وغير ذلك، وذكر من ضمن الأسباب أنها من وسائل الشرك لأنها تؤدي إلى تعظيم الأماكن، ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلاماً في عدم مشروعية صعود جبل الرحمة ودخول القبة التي في أعلاه المسماة بقبة آدم، وعدم مشروعية إتيان المساجد التي عند الجمرات وزيارة المساجد غير المسجدين مثل المسجد الذي تحت الصفا سابقاً، وفي سفح جبل أبي قبيس، والمساجد السبعة في المدينة، بعض الناس يقول: نذهب لنرى الآثار، ونذهب لزيارة المساجد السبعة ونحو ذلك، ومعلوم ما نقل عن الصحابة في المنع من إتيان جبل الطور مع أن جبل الطور جبل عظيم كلم الله عليه موسى، لكن الصحابي نصح الآخر قال: لو علمت أنك ستذهب منعتك، وكذلك فعل عمر في قطع الشجرة التي في بيعة الرضوان، لو كان الاحتفاظ بهذه الآثار الإسلامية مشروعاً لاحتفظ بها الصحابة وسيجوها وسوروها وأصلحوا ما انهدم منها ونحو ذلك، فإذاً: هي من ذرائع الشرك والبدع والوسائل المفضية إليها.
стр. 1785
فتوى في عدم جواز إظهار النصراني لدينه في الجزيرة
وكذلك من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء ملخصات سريعة: عدم جواز تمكين الكافر من إلقاء محاضرات في المسائل الدينية في محافل المسلمين على مسمع من العامة.
لا يجوز أن يقام مهرجانات يحضر فيها عوام المسلمين أو مؤتمرات يحضر فيها عوام المسلمين يقوم فيها نصراني بالكلام عن صحة دين النصرانية، وأصل دين النصرانية، والدفاع عن دين النصرانية، لأنه قد يؤدي إلى تأثرهم.
стр. 1786
فتوى في عدم جواز التجنس بجنسية الدولة الكافرة
وكذلك المنع من التجنس بجنسية الدولة الكافرة في غير الضرورة، وأن هذا التجنس وسيلة إلى موالاتهم والموافقة على ما هم فيه من الباطل والإقامة عندهم ونحو ذلك، قلنا: في غير الضرورة، المنع من التجنس بجنسية الدولة الكافرة.
стр. 1787
فتوى في تحريم تمثيل أدوار الصحابة في الأفلام وغيرها
وكذلك الفتوى التي جاءت في منع تمثل أدوار الصحابة في المسلسلات والأفلام أنه لا يجوز، هذه الفتوى من هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للإفتاء أيضاً، لأنه يؤدي إلى امتهانهم والاستخفاف بهم والتعريض للنيل منهم، ولاحظ أن الذي يمثل دور الصحابي يكون قد دخل الاستديو الذي قبله ومثل في فلم حب وغرام، هو نفسه الممثل! يمثل دور صحابي وهو من أفسق وأفجر الناس، وتخرج امرأة تمثل دور سمية أو دور إحدى أمهات المؤمنين وهي من أفسق وأفجر الممثلات، فلا يجوز تمثيل أدوار الصحابة.
стр. 1788
فتوى في تحريم قيادة المرأة للسيارة في المدن
كذلك الفتوى التي صدرت بتحريم قيادة المرأة للسيارات في المدن.
ذكر الشيخ/ عبد العزيز في فتواه: معلوم أنها تؤدي إلى مفاسد وذكر منها: الخلوة والاختلاط والسفور والزينة، وكشف الوجه وترك البيوت، ونحو ذلك من الأسباب التي تؤدي إليها قيادة المرأة للسيارة، يعني: لو أنها قادت في بر بعيد وما حولها أحد لا تقل إنه حرام، القيادة بحد ذاتها ليست بحرام، إمساك المرأة للمقود وتبديل الناقلة في المحرك والدوس على دواسة البنزين والكابح ليس محرماً بحد ذاته، لكن لو أنه سمح به في المدينة فلا يجوز، النساء اليوم كثير منهن (مفلوتات) من غير قيادة فكيف لو قادت بنفسها وذهبت إلى من تشاء، وواعدت الشاب، لا يحتاج إلى أن يذهب هو إليها، هي تأتي إليه وهي تمشي، وإذا واحد أشار إليها وقفت، وإذا بنشر إطار نزلت وحسرت وغيرت وبدلت، وإذا خالفت المخالفات المرورية تقف ويحاسبها شرطي المرور! المهم تصير المسألة امتهاناً، وفيها مساعدة على انتشار الرذيلة والفساد والاختلاط المحرم.
стр. 1789
فتوى في تحريم دراسة المرأة لبعض التخصصات
وكذلك ما صدر من فتوى عن الشيخ بتحريم دراسة المرأة لبعض التخصصات التي يعلم أنها ستتوظف بعدها في مجال محرم، يعني مثلاً: ما حكم دراسة المرأة لتخصص في أعمال السكرتارية؟ الطباعة والمراسلات والمقابلات، واختزال الاجتماعات ونحو ذلك، دراسة المرأة لهذا الحقل ماذا يؤدي إليه؟ ليس حراماً أن تتمرن عليه وتفتحه وتدرس المقررات فيها، لكن فكروا يا جماعة، لأن أعداء الإسلام يخططون، وهذا الباب مهم جداً "سد الذرائع" في إفشال مخططاتهم، ووعي المسلم بعظمة دينه وشريعته، ومن مباني الشريعة سد الذرائع، وهو مهم في الرد عليهم وفي إفحام أهل الباطل، فدراسة المرأة لبعض التخصصات التي يُعلم أنها لو درستها بعد التخرج ستتوظف في الأماكن المحرمة لا يجوز دراسة التخصصات هذه أصلاً، وهناك تخصصات مباحة وجائزة مثل أن تتخصص في التدريس أو الخياطة ونحو ذلك، وهناك تخصصات يمكن أن تؤدي إلى محرمات، كأن تختلط وتكشف، وهذا حرام، وممكن أنها تكون في مستوصف نسائي مثلاً تداوي النساء، أو مستشفى نسائي، أو ما تختلط بالرجال ولا تكشف ولا تلمس رجلاً أجنبياً ونحو ذلك، فنقول: هذا مباح.
وهناك أعمال واضح جداً أنها بعد التخرج منها ستشتغل في الأعمال المحرمة، في تخصصات مثل تخصص السكرتارية مثلاً.
стр. 1790
فتوى بخصوص الزواج من الكتابيات
وكذلك ما صدر من الفتوى بالزواج بالأجنبيات -الكتابيات- هو مباح أم لا؟ الزواج بالكتابية ليس مباحاً على إطلاقه، وإنما المحصنات من أهل الكتاب، إذا كانت معروفة بالعفة، وأما إذا كان لها أصدقاء وتخرج وتذهب لتعاشر من شاءت فهذه لا يجوز الزواج منها، لكن افرض أنها محصنة في ألمانيا والقانون الألماني يعطي الحق للزوجة في الأولاد، لو اختلفت أنت وإياها، أنت المسلم وهي الكافرة لو اختلفت فلجأت للقانون يأخذون منك الأولاد بالقوة، وبسبب هذا تنصر كثير من أبناء المسلمين، عمدتهم في الكنيسة وذهبت وصاروا نصارى، كبروا هناك وصاروا نصارى، هذه حالات كثيرة، والذين درسوا في الخارج واشتغلوا في الخارج وأقاموا في الخارج يعلمون هذا جيداً.
فإذاً هل يقال: هيا تزوج من الكتابية وهو معلوم أنه سيتسبب في أن يلحق أولاده بـ النصرانية أو يكون عليه تسلط من الكفار؟ والآن في حياتنا الاجتماعية لو قلت لي: ما حكم نزول الأولاد إلى الشارع؟ ينزل الأولاد يلعبون في الشارع، ما حكم لعب الأولاد في الشوارع؟ في الأصل أنه مباح لكن إذا كنت أو علمت بالتجربة وبالعلم وبالخبر أن نزول الأولاد إلى الشارع يسبب تعلم أولادك التدخين والمخدرات والألفاظ البذيئة والفاحشة والوقوع في اللواط والخطف إلخ، وأنت تعلم هذا من الواقع ومن الشواهد، فهل تترك أولادك ينزلون إلى الشوارع ويقضون الساعات في الشوارع؟ هذا باب سد الذرائع باب مهم جداً.
وكذلك لو قلنا: ما حكم فتح وكالة سفريات؟ جاء واحد يسأل قال: أنا سأفتح وكالة سفريات، ما رأيكم؟ فتح وكالة سفريات إذا كان يؤدي إلى محرمات مثل المشاركة في نقل الناس إلى عواقب الفساد في الصيف إلى مانيلا وإلى بانكوك وغيرها، وإركابهم الطائرات في خطوط أجنبية تحمل الخمر والخنزير، وذهاب المسلمين إلى بلاد الكفار وغير ذلك، إذاً لا يجوز فتحها، صار هذا عملاً محرماً، أنت تساعد على الفساد.
وكذلك لو قلت: ما حكم فتح محلات الكوافيرات؟ ما حكم تزيين المرأة لشعر امرأة أخرى؟
الجواب
مباح جائز، إلا إذا حصل فيه محرم مثل النمص، والصبغ بالسواد إلخ، أو أنها تجعل شعرها على قصة قصيراً جداً مثل الرجل أو مثل الكافرات إلخ المحاولات الكثيرة الموجودة عند الكوافيرات.
إذا لاحظ الإنسان أن الكوافيرة ستفتح مرتع فساد، وأنه سيكون من عملها نزع شعر المرأة والكشف عن عورتها أو عن جزء أو شيء من العورة، وهذا معلوم، هذا ليس مبالغة، والذي يعرف أخبار الكوافيرات يعلم أكثر من هذا بكثير جداً، فإذا لاحظ أن هذا هو الذي سيحدث أو إذا فتح -مثلاً- معمل خياطة نسائي إذا كان يعلم أنه يؤدي إلى أن يكون مكان فساد فعدم فتحه من باب سد الذرائع.
اتخاذ محلات ألعاب مثلاً يضعون فيها ألعاباً ويأتي إليها هؤلاء الشباب الذين يرتادون محلات الألعاب العامة عادةً ماذا يكون حالهم؟ إذا لاحظ الإنسان أن المكان صار مكان فساد، وتواعد على مواعيد اللواط؟ وهذا صار شيئاً معروفاً فما حكم فتح المحل؟ وما حكم الاستمرار في المحل؟ هو يرى أمامه أن هذا هو الحاصل.
انظر هذا باب سد الذرائع والله باب عظيم جداً من أبواب الشريعة، ولو أن الناس فقهوا فيه والذين يعملون المشاريع وغير ذلك من الناس فهموه لكفينا شراً كثيراً جداً.
مدينة ملاهي، تعمل لك مدينة ملاهي، ثبت لك بالتجربة والواقع أن مدينة الملاهي يعني تبرج النساء والاختلاط ومواعدة الشباب للفتيات في هذه الأماكن مثلاً، نقول: إذا غلب على ظنك أن هذا هو الذي سيحدث فمنعهم لا شك فيه.
следующие страницы →