Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
طريقة تعامل بعض الناس مع الزمن
يقول ابن الجوزي وهو يتحدث في مدينة بغداد: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، إن طال الليل فبحديثٍ لا ينفع، أو بقراءة كتابٍ في غزاةٍ أو سمر؛ بطولات معارك كلام وأشياء الحروب، أو سمر، ونحن نضيف الآن، أفلام الفيديو، والتلفزيون، والجرائد، والمجلات، والكتب الغثائية التي ترمى يومياً في الأسواق، وتملأ رفوف المكتبات، روايات وقصص مدمرة، سبحان الله! اخترع أهل الباطل كتاباً اسمه كتاب الجيب، لماذا؟ لأنه يدخل في الجيب، قصة أو غيرها، وهناك كتب اسمها مقاس فرنسي صغير بحجم الكف، لماذا؟ لأنه يمكن لأي شخص أن يأخذه معه أينما ذهب.
وقد لا تجد مثل هذه الخدمة في الكتاب الإسلامي، لكن قد بدأت تظهر كتيبات صغيرة تحمل في الجيب وأشياء من الأذكار وغيرها، لكن تأمل أن بعض الناس يقتلون وقتهم قتلاً بهذه الأشياء؛ إن طال الليل فبحديثٍ لا ينفع أو بقراءة كتاب في غزاةٍ أو سمر، وإن طال النهار فبالنوم! وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق، نحن الآن نقول: على الكورنيش أو في الأسواق- فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر- سفينة العمر تجري وسترسو على شاطئ الموت وما عندهم خبر، شرائع الإسلام متكاملة يعضد بعضها بعضاً، ولذلك إذا أمر الشرع بشيءٍ، أمر بتهيئة أسبابه ونهى عما يخالفه ويضاده، فمثلاً: لماذا نهى رسول الله ﷺ عن قيل وقال وكثرة السؤال؟ لأن أقل ما فيها مضيعة الوقت.
ولذلك نهى السلف عن السؤال عن الأشياء التي لم يقع، وهؤلاء الناس دائماً يقولون: أرأيت لو كان كذا، أرأيت لو حصل كذا!! وهذا شيء بسيط، هذا من كثرة السؤال والقيل والقال، بجانب انشغال الناس الآن بالزينات والكماليات ومتاع الدنيا وانشغال النساء بالبهارج، المشكلة أن الناس -أقصد الأغنياء- يظنون أن حالتهم ستستمر كما هي! بعض الناس يقول: المهم النظر في الحالة الراهنة فحسب، فهذه حالة الجهلة الحمقى، مثل أن يرى نفسه معافى وينسى المرض فيستبعده، هل يخطر ببالك الآن وأنت صحيح أنك قد تصاب بمرض شديد جداً؟ الواحد الآن وهو غني وراتبه كبير، وعقاراته تدر، هل يتصور الآن في حال الغنى أنه قد يفتقر؟ لا يتصور؛ لأنه لم ير شيئاً بعينيه مثل الإفلاس أو المرض، ولذلك هو يظن أن حاله سيدوم، كلما أصبح وأمسى معافى زاد الاغترار وطال الأمل!
стр. 2207
استغلال نعمة الصحة والفراغ
الواحد لو ظل معافى خمسة أيام، يمكن أن يخشى المرض، ولو بقي شهراً أو سنة ما أصابه مرض، كل هذا الطول في الزمن هو أيضاً يستبعد بازدياد أن يحدث له مرض، وهذه بالضبط مشكلة الناس عندما يكبرون في السن، فيرى نفسه الآن عاش عشرين سنة، أو أربعين سنة فيقول: إيه باقي! يقول: عشت أربعين، ما دام عاش أربعين بالنظر إلى الماضي يقول: ستين، فأمله يزداد في العيش لأنه عاش وما حدث له شيء، فهو إذاً يأمل يأمل وهذا الذي يقتل الناس فما هو الأمل المحمود والأمل المذموم؟ الأمل المحمود: هو أن يأمل في الخير وهذا جيد، لكن الأمل المذموم هو الذي يدعو إلى التسويف كما سيمر معنا.
فالعاقل الذي يأخذ بالاحتياط، فإذا مرض أو افتقر فعنده رصيد والحمد لله، إذا ما مرض أو افتقر لا يتضرر! الناس أنواع: طالب وموظف، وأعزب ومتزوج، وصغير وكبير، هناك بعض الناس الذين يعيشون في نوع من العافية، لا يفكرون في المستقبل وهذه هي المشكلة، فمثلاً: الطالب يظن أنه في المستقبل إذا تخرج من الجامعة فإنه سيكون لديه وقت أطول، وسيتحرر من الدراسة ومن الامتحانات وأن الوقت سيتسع بالنسبة له، لكن في الغالب لا يكون ذلك، وتمر بالموظف أوقات يتمنى أن يكون فيها في حياة الدراسة، دع الآن موظفاً يدخل الجامعة التي درس فيها قبل عشر سنوات، ماذا سيكون شعوره؟ سيقول: أين أيام زمان! أيام كان الواحد ليس عنده مسئوليات، أيام كان الواحد عنده عطلة الربيع وعطلة صيفية، وعطلة خميس، بالنسبة للناس الذين في وظائفهم عطلة خميس، ويقول: الدراسة -تنتهي- مثلاً الساعة الثانية، لكن العمل يستمر حتى الليل أحياناً.
لكن عندما تذهب إلى الطالب يقول: الآن عندي خطط في طلب العلم، وعندي خطط في الدعوة، وعندي خطط في صلة الرحم، وعندي خطط، انتظر حتى أتخرج وأتفرغ من همّ الدراسة وهمّ الامتحانات، وأتفرغ إن شاء الله وأفعل هذه الأشياء كلها، وأنفذ المخططات، لكن عندما يتخرج تقع الواقعة، فينشغل بالوظيفة، والوظيفة ليست سهلة، الآن الوظائف مع مرور الزمن تتعقد ويحصل فيها من الصعوبة أكثر من ذي قبل! ولذلك لا تفكر أبداً وأنت طالب أنك إذا دخلت حياة الوظيفة، أنك ستدخل عالماً من الفراغ الذي ستستغله في كثيرٍ من الأعمال الصالحة، بل إنك وأنت طالب عندك من الإمكانيات ما ليس عند الموظف، فلا تغتر واغتنم فراغك قبل شغلك.
أنت الآن لم تتزوج بعد، الواحد أحياناً يقول: الآن عزوبية، والأوقات مختلطة، لكن غداً أتزوج وأجلس في بيت وأستقر، وسيصير عندي وقت كبير، لكن فكر الآن في قضية الزواج، الزواج مسئولية وسوف يأتيك أولاد، وتحدث عندك روابط اجتماعية، وستزور أهل الزوجة، وعم الزوجة، وعمتها، وخال الزوجة، وخالتها، وأقرباءك الذين لم تكن تعمل لهم حساباً، ستضطر أن تعمل لهم حساباً بعد الزواج، الإنسان عندما يكون فرداً قد لا يزور بعض أقربائه، لكن عندما يتزوج طبيعة الوضع تفرض عليه، سيأتيه أقرباء له بزوجاتهم ليتعرفوا على زوجته، وهو يضطر لأن يزورهم أيضاً، ويدخل في معمعة من الزيارات العائلية، ويضطر لحضور مناسبات كثيرة، لأنه متزوج، طبعاً، والزواج ليس سيئاً لكن نقول: اغتنم فراغك قبل شغلك، الزواج عبادة، يفتح لك أبواباً من الأجر، لكن هناك أشياء تستطيع أن تفعلها قبل الزواج ولا تستطيع أن تفعلها بعد الزواج، هناك عبادات تستطيع أن تستكثر منها قبل الزواج ما لا تستطيع أن تستكثر منها بعد الزواج.
مثلاً السفر في طلب العلم: الآن إذا تزوجت قد يصعب عليك أن تقوم بهذه العبادة، وعندما يكون لك أولاد كثيرون يصعب عليك دائماً أن تأتي بعمرة وراء عمرة، لكن عندما تكون فرداً يسهل عليك أن تخرج كثيراً، قد تبيت في مكان آخر لتواصل عبادة أو طاعة أو طلب علم؛ لأنه ليس لك زوجة، لكن عندما يصبح عندك زوجة يجب أن ترجع إلى العش وتبيت فيه، وسيصعب عليك أن تترك الغداء عند أولادك وعند أهلك، لكن عندما تكون طليقاً من هذه الناحية يمكن أن تفعل أشياء لا تفعلها في حال الزواج، ستنشغل في بناء بيت! وقد تنشغل في مشروع تجاري إضافي، وقد تنشغل في شراء أغراض، فالذين عندهم أولاد لو فكر أحدهم فقط في قضية تطعيم الأولاد، وكل ما مرض ولد تريد أن تأخذه إلى المستشفى، هذه لوحدها بند كبير في الأوقات المصروفة، وكذلك شراء الأغراض من السوق واستئجار بيت، وتأثيثه، وتوفير مال لشراء سيارة ودفع لفواتير الهاتف والكهرباء، وشراء للملابس، وهناك حاجات كثيرة جداً ستستهلك الوقت، لا تحسب أنك في المستقبل ستتفرغ أكثر، الآن استغل الوقت.
أيضاً من الأشياء الأخرى: الإنسان عندما تكبر مسئولياته الاجتماعية، ويصبح عدد أفراد أسرته أكثر أو -مثلاً- يكبر أبوه ويصبح غير قادر على العمل، وتزداد الرعية واحداً، سيحتاج إلى أن يصرف على بيت ثانٍ، وهناك أناس كانوا يصرفون على بيت، وأصبحوا الآن يصرفون على بيتين، وقد يصرف على ثلاثة بيوت، فيضطر أن يعمل عملاً إضافياً في المساء، أو يشترك في مشروع تجاري غير الوظيفة من أجل أن يلاحق المسئوليات.
لا تظن أنك ستجزم أنك تتفرغ في المستقبل أبداً، الآن قد يكفيك راتب لشراء السلع لكن ما تدري غداً تقل الرواتب أو أن السلع ترتفع أسعارها! مع التضخم الذي يعيشه العالم اليوم، فالشيء الذي ستشتريه الآن بعشرة ريالات في المستقبل قد لا تشتريه إلا بخمسين ريالاً، وستضطر أن تعمل أكثر لتكسب أكثر، لكي تستطيع أن تشتري.
هذا الاضطرار قد يكون مذموماً؛ لأنه انشغال بالدنيا عن الآخرة، لكن أحياناً هناك أشياء ملجئة فعلاً وتعتبر عبادة، أنك تصرف على بطون جائعة، وعلى أناس محتاجين، لكن هذه العبادة قد تشغلك عن عبادة أخرى كنت تستطيع أن تعملها في الماضي!
стр. 2208
استغلال نعمة الشباب
اغتنم فراغك قبل شغلك! الشخص عندما يكون في مقتبل عمره، يكون ذهنه صافياً، لذلك كان عمر بن الخطاب يجعل في مشورته الشباب بالإضافة إلى الشيوخ، نوعية معينة من الشباب، لماذا؟ لصفاء أذهانهم، كان يبتغي حدة عقول الشباب، فكان ابن عباس في مشورة عمر، وكان عمره ثلاث عشرة سنة، لكن ذهنه حاد، قد ينقدح في ذهنه من الأفكار ما لا يأتي في أذهان الشيوخ؛ لأنه ليس عنده مسئوليات، ما عنده أولاد إذا مرضوا اهتم بهم، ولا عنده أولاد إذا تخرجوا من الجامعة يهتم أين سيذهبون ويتوظفون، ولا عنده أولاد إذا كبروا سيبحث للولد عن زوجة، وإذا كان عنده بنت فسيحمل همَّ زواجها، هذه الهموم وهموم المستقبل والأولاد تكدر صفاء ذهن الشخص، ولذلك بعض الشباب يحفظ قرآناً فيريد من أمه أو من أبيه أن يحفظ معه بنفس المعدل، يقول: يا أمي! لماذا لم تحفظي؟ أنا حفظت كذا بفترة، تقول: لكن ذهنك غير ذهنها، والهم الذي عندك غير الهم الذي عندها، ولذلك تجد كثيراً من كبار السن يقولون: يا ولدي! ذهبت علينا أيام، يا ولدي! الآن لا نستطيع أن نحفظ، لا نستطيع أن نصلي مثلكم صلاة التراويح، لأن الإنسان مع الزمن يستهلك، حواسه تضعف، ولذلك كان من الدعاء النبوي: (اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أبقيتنا -ليس فقط هذا- واجعله الوارث منا) يعني اجعله زائداً بحيث كأنه يفيض بعد موتنا، أو ورثه لأولادنا.
فصفاء الذهن نعمة، ينبغي أن تستغلها الآن في طلب العلم وفي الحفظ والتفكير السليم.
الإنسان -أيها الإخوة- لا يدري ماذا تخبئ له الأيام! الآن هو قد يكون صحيحاً، لكن في المستقبل قد يمرض مرضاً مزمناً -نسأل الله العافية- اسأل كثيراً من المرضى، قل للمرضى الذين عندهم أمراض مزمنة، قل لهم: قبل أن تصابوا بهذا المرض كيف كنتم؟ كانوا شباباً وكانوا في صحة، لكن بعد ذلك تجد الواحد منهم مرض مرضاً شديداً؛ الآن إما أنه في المستشفى، أو في الفراش في البيت لا يخرج إلا نادراً، وقد يريد من يحمله لقضاء حوائجه، بعض الناس لا يحسب هذا الحساب، قال الشاعر:
يسر الفتى طول السلامة والبقا فكيف ترى طول السلامة يفعلُ
يُرد الفتى بعد اعتدالٍ وصحةٍ ينوء إذا رامَ القيام ويحملُ
انظر إلى كبيرٍ في السن كيف يقوم! يقوم على مراحل! يمكن على اليد الأولى ثم على الرجل الأولى ثم على اليد الثانية ثم على الرجل الثانية، وربما يحمل حملاً، لكن انظر في شاب تجده يستوفز إذا أراد أن يقوم قام مرةً واحدة.
اغتنم فراغك قبل انشغالك بأمراض، وقبل انشغالك بتعب الشيخوخة وأمراضها، وهؤلاء الشباب الذين لم يقدّروا لهذا السن قدره عليهم أن يتمعنوا جيداً:
أترجو أن تكون وأنت شيخٌ كما قد كنتَ أيام الشبابِ
لقد كذبتك نفسك ليس ثوبٌ دريسٌ كالجديد من الثيابِ
ثوب دريس: بال من الاستعمال ليس مثلك؛ الناس مختلفون، بعض الناس عندهم عقارات تدر عليهم أرباحاً -وصاحب العقار جالس في البيت- ليس عنده شيء إلا أنه يحصل في آخر السنة الأجرة، وهناك رجل أبوه غني قد يصرف عليه وعلى بيته، ورجل أبوه فقير يصرف هو على نفسه وعلى أبيه، وهناك أناس عائلتهم غنية، فإخوانه أغنياء، وأعمامه أغنياء، وأخواله أغنياء، لو أراد أن يستلف لوجد من يسلفه، ولو غاب وجد من يصرف على بيته، لكن بعض الناس قد يضطر أن يصرف على عدة عوائل، وبعض الناس أولادهم في صحة وقد لا يذهب إلى الطبيب أو العيادة إلا في السنة مرة، أو ما يذهب إلا نادراً، وهناك أناس عندهم أولاد مرضى قد يضطر للسفر من أجل علاجهم، ويقضي فترات طويلة يتنقل في مستشفيات! وتخيل أن رجلاً عنده ولد مصاب بمرض من الأمراض، كيف يكون وضعه مع الولد؟ تراه دائماً منشغلاً بالولد، فإذا ارتفعت الحرارة ذهب إلى الدكتور في المستشفى، فإذا لم يجد العلاج ذهب للثاني وذهب للثالث، فإذا لم يجد في الظهران ذهب إلى الرياض أو إلى جدة، وقد يضطر للسفر إلى مصر أو إلى أمريكا بحثاً عن العلاج، والسفر يحتاج إلى تذاكر وإلى أموال تنفق فيها، وإلى جهود وأوقات، وهذا كله من أجل العلاج وليس بالسهل.
стр. 2209
نعمة العافية
وردني سؤال يتعلق بأحكام الطهارة -الوضوء- كأن يكون على اليد حائل -مثلاً مرهم- يمنع وصول الماء.
القصة: أن عائلة فيها ولدان مرضهما أنه ظهر طفح في الجلد ثم أصبح بثوراً، ثم تحولت إلى أورام سرطانية دقيقة أو صغيرة لها جذور في الجلد إلى الداخل، ولا يمكن لهذا المريض أن يرى النور -يعني: النور يضره جداً- فلذلك لا يمكن أن يجلس تحت أنوار، ولا في أشعة الشمس، ولا حتى أمام نور شاشة التلفزيون، ولابد أن يضع نظارة طوال الوقت ما عدا وقت النوم، ولابد أن يدهن الجلد كله بمرهم عازل للضوء (عازل للأشعة أربعة وعشرين ساعة) والمرض لا يعرف له علاج في العالم، وفي المستقبل قد يزداد حتى يضرب في مناطق الأعصاب فيسبب آلاماً رهيبة.
الآن تأمل حال الأم المنشغلة بهؤلاء الأولاد، كيف يكون البيت بلا نور! لابد أن تساعدهم في دهن الجسم بالمرهم دائماً.
تصور بيتاً فيه أولاد فيهم عاهات، أو كبار في السن وفيهم عاهات، يحتاج هذا المريض إلى شخص يأخذه، وآخر يطعمه وآخر يسقيه، ويحتاج إلى من يخرج له الفضلات، وينقله من الحمام إلى الغرفة، وغيرها من الأعمال.
والله له حكمه، ولله في خلقه شئون، لكن نحن بسبب الصحة غافلون، ولو أردت أن تعرف شيئاً من الحقيقة فادخل إلى مستشفى من المستشفيات، وتأمل في حال المرضى في الأقسام المختلفة، سئل الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله هل يجوز زيارات المستشفيات للاعتبار، قال: نعم! يمكن للشخص أن يذهب للمستشفيات ليعتبر، وعندما نعلم هذه الأشياء لا بد أن نتأثر لكي نستغل الصحة التي نحن فيها الآن، لأننا لا نعلم حقيقةً ماذا سيحدث لنا في المستقبل، قد يحدث لنا مرض أو عدة أمراض أو مرض مزمن -نسأل الله العافية- لكن الإنسان عليه أن يتعظ ويأخذ عبرة.
فنعود ونقول: الناس أصناف، منهم من دخله كبير، ومنهم من دخله يحتاج إلى عمل شديد، الإنسان الذي عنده شركات، غير العامل الذي يشتغل في الشمس وفي البناء ساعات طويلة، والشخص الذي في بداية الزواج غير الشخص الذي عنده أولاد، والشخص الذي في بداية الوظيفة، ليس مثل الشخص الذي عنده تطور في الوظيفة ودخل فيها وتشعب، وازدادت مسئولياته الوظيفية، ما هو المقصد من وراء ذكر هذه المسألة؟ أن الله يؤاخذ الناس على حسب النعم التي أعطاهم إياها.
فأنت لا تتخيل -مثلاً- أو لا تظن أن الشخص الذي عنده عقارات تأتيه الإيجارات هكذا في نهاية السنة وهو جالس! لا.
وإنما يتعب ويعمل مثل العامل الذي يضطر أن يشتغل ست عشرة ساعة في اليوم في الشمس وفي البرد أحياناً، لا تتخيل أن الرجل الذي عنده وقت سواء كان طالباً أو أعزب أن حسابه عند الله مثل الرجل المتزوج الذي عنده مسئوليات وأولاد، وهكذا.
وكذلك المرأة -مثلاً- عندما تكون فتاة في مقتبل العمر ليس عندها مسئولية، أمها هي التي تطبخ وهي التي تنظف البيت، أو أن في البيت خادمات -والعياذ بالله من خادمات السوء- هذه المرأة عندما تكبر وتتزوج، وهي متزوجة قبل الأولاد حسابها يتغير عندما يأتيها أول ولد، وحسابها غير ذلك عندما يصير لها ولدان، وحسابها يختلف عندما يصير عندها خمسة أو سبعة أولاد.
ولذلك اغتنم فراغك قبل شغلك، هذه حكم نبوية لها مدلولات عظيمة، لكن أكثر الناس لا يعلمون، وأكثر الناس لا يفقهون، ولا يتفكرون، ولا يتعظون، تستهلكهم الحياة دون أن يخططوا شيئاً للمستقبل ودون أن يحتاط الآن للمستقبل.
كذلك يضاف إلى ما سبق قبل أن ننتقل إلى نقطة أخرى: أن الناس بالنسبة للإجازات مختلفون، مثلاً الطالب قد يكون عنده عدة أنواع من الإجازات كما ذكرنا، إجازة صيفية وأحياناً تكون شهرين أو شهرين ونصف أو ثلاثة شهور، إجازة الربيع أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وقد تكون عنده إجازات مختلفة، بخلاف الموظف فإنه قد لا يكون عنده إلا شهر أو شهر ونصف، وعطلة نهاية الأسبوع.
إن الشاب يختلف عن رب الأسرة، فالطالب عندما تكون عنده إجازة يستغلها فيما يشاء، لكن رب العائلة عندما تصبح عنده إجازة يشغلها في أشياء مختلفة، كأن تكون عنده حاجة تحتاج إلى تصليح أو يريد أن يسافر، وهكذا تجد أن إجازات بعض الناس هي أشغال في الحقيقة، أكثر من أيام الوظيفة، بينما إجازات بعض الناس هي عبارة عن فراغ في فراغ في فراغ.
стр. 2210
الجوانب التي يؤسس الإنسان فيها نفسه في فراغه
فالمقصود الآن: أن المسئولية أمام الله والحساب يوم القيامة ليس الناس فيه سواء.
عندنا الآن
السؤال
ما هي الجوانب التي يحرص الإنسان على أن يؤسس فيها نفسه في فراغه قبل أن ينشغل؟ الآن لو صار عندك فراغ، لو كنت شاباً في مقتبل العمر ما هي الجوانب التي تستغل فيها فراغك، لتؤسس فيها نفسك؟ طبعاً بداية العمر هذه فترة تأسيسية، مثل البناء تضع الأساسات ثم تبني، فترات الشباب هي فترات تأسيس في الحقيقة، للعاقل فترات الشباب فترات تأسيس وبناء، ولذلك ينبغي أن تستغل في عدة أمور، نذكر اثنين منها:
стр. 2211
تعويد النفس على الأعمال الصالحة والعبادات المختلفة
الأول: مجاهدة الشاب المتفرغ لنفسه في تعويدها على الأعمال الصالحة والعبادات المختلفة: وهذه نقطة مهمة جداً، العبادة إذا جاءت في البداية مبكرةً تصادف موقعاً جميلاً، وتدخل فيه وتترسخ وتصبح سجية، يعني: لو أن شاباً تعود على قراءة جزء من القرآن يومياً، وعلى إدراك تكبيرة الإحرام دائماً، وعلى صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فإن هذا التأسيس سيصبح سجية فسيستمر فيه طيلة حياته، لكن لو أتيت بشخص كبير في السن وقلت له: أنت غير متعود على قراءة جزء قرآن في اليوم، نريد أن نعودك على قراءة جزء من القرآن في اليوم؟ وأنت كنت لا تصوم النوافل وسنعودك على أن تصوم النوافل دائماً؟ هل تتوقع أنها ستكون مسألة سهلة؟ لا.
أبداً، العبادة إذا جاءت على شغل لا ترسخ في النفس، لكن لو جاءت العبادة على فراغ في النفس فإنها تصبح عادة وطبعاً وسجية، ولذلك الآن ندرك خطأ الفكرة التي يظنها كثير من الناس حينما يقول: يا أخي! هذا شاب، دعه يتمتع بعمره وبشبابه، تريدون أن تؤذوا الشباب وتنكدوا عليهم، وتريدون أن تضيعوا عليه أحلى أيام عمره وزهرة شبابه، وهؤلاء الذين يفكرون بهذا التفكير مساكين.
إذا أردت الدليل فاستمع معي إلى هذا الحديث: في البخاري ومسلم وغيرهما: عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال له: (بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل فلا تفعل، فإن لجسدك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، أو حظاً -كما في بعض الروايات- صم وأفطر، صم من كل شهرٍ ثلاثة أيام، فذلك صوم الدهر) -الحسنة بعشرة أمثالها، ثلاثة في عشرة بثلاثين كأنه صام الشهر كله، وثلاثة أيام من الشهر الذي بعده، وكأنه صام الشهر الذي بعده، وهكذا حتى كأنه صام الدهر، قلتُ: (يا رسول الله! إن بي قوةً أو إن لي قوةً) وكان عبد الله بن عمرو في فترة شباب؛ فقال: إن لي قوةً، هو أصلاً يستغل شبابه في قيام الليل وصيام النهار، لما أراد الرسول ﷺ منه أن يعتدل في عبادته قال: إن بي قوةً (قال: فصم صوم داود ﵇، صم يوماً وأفطر يوماً- وفي رواية: ذكرتُ للنبي ﷺ الصوم، فقال: صم من كل عشرة أيامٍ يوماً ولك أجر التسعة، قلت: إني أقوى من ذلك، قال: فصم من كل تسعةٍ أيامٍ يوماً ولك أجر الثمانية، فقلت: إني أقوى من ذلك، قال: فصم من كل ثمانية أيام يوماً ولك أجر السبعة، قلتُ: إني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل -يعني يتدرج معه- حتى قال: صم يوماً وأفطر يوماً)، يعني: من كل يومين يصوم يوماً، وفي رواية أن عبد الله قال: (فإني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : لا أفضل من ذلك) يعني: أنك تصوم يوماً وتفطر يوماً لا يوجد أفضل من هذا، أفضل الصيام صيام داود، لكن صيام داود -أيها الإخوة- مشروطٌ بأمرٍ ورد في حديث وهذا الأمر مهم.
والحديث في تكملته أنه ﷺ لما وصف صيام داود قال: (ولكنه كان لا يفر إذا لاقى) كان لا يفر إذا لاقى، يعني: لم يكن هذا الصوم ليعجزه ولا ليضعفه عن الجهاد، فإذا كان صيام يوم وإفطار يوم سيجعلك تضعف عن القيام بالوظائف الأساسية، بيتك، وأهلك، وعملك، وصلاتك، وجهادك، وطلبك للعلم، فإنك قد انشغلت بمفضول عما هو أفضل منه، هذا شرط صيام يوم وإفطار يوم.
السؤال
كيف تعود الأعمش ﵀ على إدراك تكبيرة الإحرام بحيث قال الراوي: أن الأعمش لم تفته تكبيرة الإحرام ستين عاماً؟ معناها: أنه كان متعوداً منذُ الصغر على إدراك تكبيرة الإحرام، فلذلك ينبغي أن يتعود الإنسان في أوقات الفراغ على العبادة، وهذا مهم جداً للشاب، تأسيس نفسه على العبادة وأنواع الأذكار، وأنواع العبادات حتى ينطلق:
اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتك بغته
كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ ذهبت نفسه الصحيحة فلته
ماذا تعني كلمة: وقت الفراغ؟ في وقت الفراغ شيء مهم في مفهوم (أيش معنى وقت الفراغ) بعض الناس يظن أن المعنى: اعمل كل شيء، البعض يظن أن وقت الفراغ هو بعد أن يقوم بكل أعماله ويقول: إذا زاد الوقت طلبنا العلم ودعونا إلى الله.
هذه من الأشياء الأساسية -طلب العلم والدعوة إلى الله- إذا أردت أن تعرف المعنى الصحيح لهذا، تأمل معي في آخر سورة الشرح: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٥ - ٨].
فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب، ما معنى هذا؟ قال أهل العلم كما في تفسير ابن كثير: فإذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها -يعني: الأمور المهمة، مثل البيت والأكل والأهل والأولاد- فانصب في العبادة وقم إليها نشيطاً، قال بعض المفسرين: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وقال بعض المفسرين: فانصب في الدعاء، وقال بعضهم: فإذا فرغت من الجهاد فانصب في العبادة.
وهذا يدلك على شيء مهم جداً، وهو أن أوقات الفراغ هي غير أوقات العبادات المفروضة في أوقات معينة، منها صلاة الجماعة، ومثل الجهاد إذا حان وقته، وهكذا.
стр. 2212
طلب العلم
والأمر الثاني -أيها الأخوة- هو قضية طلب العلم؛ وطلب العلم من الأمور المهمة، التي ينبغي أن يستغل الإنسان وقته فيها، لذلك يقول عمر ﵁: [تفقهوا قبل أن تسودوا] ما معنى قبل أن تسودوا؟ يعني: قبل أن تصبح إنساناً ذا شأن، وصاحب مسئوليات وصاحب منصب، وقبل أن تصبح سيداً متصدراً للناس، تفقه فإنك غداً عندما تصبح منشغلاً بذلك المنصب أو بتلك السيادة، ربما لا تجد وقتاً كافياً لطلب العلم، وأيضاً، فإن السيادة تحتاج إلى فقه، وإلا فكيف يقود الناس إنسانٌ جاهل، لذلك يقول عمر: [تفقهوا قبل أن تسودوا] ولذلك كان علماؤنا ﵏، لا يضيعون وقتاً بغير فائدة، فترى وقتهم مقسوماً بين القراءة والتصنيف، وبين الإفتاء والقضاء، وبين الحفظ والتدبر والعبادة، وإنكار المنكر، والجهاد في سبيل الله، والتدريس، حتى أن بعضهم كان لهم ثلاثة عشر درساً في اليوم، ويقرأ عليهم أحياناً في الطريق، وهم يمشون ويسألون العلماء في الطريق، وربما إذا دخل بعضهم الخلاء أمر القارئ أن يرفع صوته، حتى يستغل وقته وهو في الخلاء، فيسمع العلم، وربما فكروا بالمسألة وعلموها أو تعلموها وهم في النزع الأخير من حياتهم على فراش الموت، وأكل بعضهم الطعام نيئاً لعدم وجود الوقت للطبخ وكان بعضهم يختصر الوجبات، فيقتصر على وجبة في اليوم، وينتقون الأكلات السهلة التحضير، وسهلة المضغ ليوفروا وقتاً لطلب العلم، وإذا انشغل أحدهم ببري القلم وهو يكتب انطلق لسانه بذكر الله أو مراجعة المسائل حتى لا يتوقف عن عمل مفيد، لكن انظر الآن! إذا كان أحدنا يكتب ويستغل وقته، وأراد أن يبري القلم يتأمل في البراية، ويطالع في المرايا التي خلف المبراة.
وكانوا لا ينامون إلا قليلاً؛ حتى ربما خفق رأس بعضهم في كتابه، هكذا كانوا حريصين جداً على طلب العلم، ومن المشاكل الكبرى أن ترى طالب العلم يبرز للناس، ويتصدر قبل أن يتأسس علمياً فينزلق في مزالق، ويقع في مطبات وحفر شيطانية؛ من إفتاء الناس بغير علم -مثلاً- وسيأفل سريعاً ويزوى؛ لأنه تصدر وليس عنده أساس علمي قوي، يعرف كلمتين، فإذا انتهت الكلمتان التي يعرفها انفض الناس من حوله، بعض الخطباء والوعاظ وطلبة العلم يبرز للناس ولم يتأسس بعد، عنده حصيلة قليلة، فإذا ألقى كذا خطبة، أو كذا درساً انتهى الذي عنده، حتى لو كان -مثلاً- مع رفقاء له يعلمهم، فإذا علم فلاناً وفلاناً وفلاناً شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين انتهت الحصيلة، وصاروا مثله في النهاية؛ لأنه لم يستغل وقته في الطلب، والمسلم الجيد هو الذي لا يزال الناس يجدون عنده ما يحتاجون إليه.
ولذلك يجب علينا أن ننظر ونعتبر من بعض العلماء الذين بارك الله في أوقاتهم، سبحان الله -مثلاً- أنت إذا نظرت في حال شيخنا عبد العزيز بن باز حفظه الله، تجد من حاله عجباً، طبعاً هذا الرجل أسس نفسه على العلم منذُ الصغر، أسس نفسه على الأصول، يعني: على القرآن ودواوين السنة، عنده أصول أسس نفسه عليها، وهو لا يزال يراجعها، ولذلك ترى حلقات الشيخ أكثرها قراءة وهو يسمع، يعني: يقرأ عليه أكثر مما يعلق، فهو لا يزال يراجع الأصول، ولذلك عندما تأتي النازلة ليفتي فيها الشيخ، فعنده الأصول وهي قد اختمرت في ذهنه بمرور السنين وتواليها، آيات وأحاديث كثيرة جداً اختمرت في ذهنه، تأسست نفسه في العلم، فلو جاءت نازلة أفتى فيها، لكن لو جاء طالب علم، وجاءت نازلة، سيبحث في الكتب والدواوين وأقوال العلماء، والأشباه والنظائر، ويرى الأمور، ثم بعد ذلك قد تكون فتواه صحيحة وقد تكون عوجاء، ولذلك ترى الآن العلماء الحقيقيين وإن كانوا قلة وندرة، إلا أن عندهم القدرة على الكلام في مستجدات العصر بعلم شرعي، وإلا فهناك أناس يفتون بجهل في مستجدات العصر، ولذلك مثل الشيخ حفظه الله الذي لديه خلفية قوية في أصول الإسلام، لا يحتاج إلى أن يفتش وينقب دائماً في الكتب ويبحث مثل طالب العلم، فإنه إذا أراد أن يفتي في مسألة يبحث فيها! وأيضاً -أيها الإخوة- الداعية إلى الله مهم جداً أن يؤسس نفسه، قبل أن تتراكم عليه المسئوليات -وهذه القاعدة مهمة- قبل أن تتراكم عليه المسئوليات الدعوية والتربوية، فإن الإنسان إذا كان يسير في طريق الدعوة والتربية فإن مسئولياته في ازدياد من يومٍ إلى آخر، وإذا كان مخلصاً عاملاً نشيطاً، فإن مسئولياته ستزداد يوماً بعد يوم، وإن رعيته التربوية ستكبر وتتضخم، فإذا لم يكن عنده أساسٌ قوي، فكيف سيقوم بمواجهة هذه المسئوليات والاضطلاع بها؟ ولذلك تجد بعض المشايخ الكبار، قد لا يجد وقتاً للقراءة أحياناً، لأنه يتنقل من مكان إلى مكان، يلقي محاضرة هنا وهناك، ودرساً هنا وهناك، ويتصل الناس به ويستفتونه.
الشيخ ابن عثيمين قال كلمة جميلة، أقصد في جمال المدلول عندما كان يدرس في الحرم في رمضان، وكانت له حلقة بعد الفجر وحلقة بعد المغرب، وكان الناس يسألونه بعد الصلوات وبعد العصر، وكانت له غرفة مخصصة يتصل عليه الناس قال: والله إني أحياناً لا أجد وقتاً أقرأ فيه القرآن، فأحياناً يكون الإفتاء أفضل من تلاوة القرآن، وذلك بسبب حاجة الناس، خصوصاً للذي لم يهجره، ومن هنا -أيها الإخوة- كان لابد للدعاة الصادقين من إيجاد خطة لتفريغ الدعاة إلى الله، ويجب على أهل الغنى والثراء أن ينظروا في المشاريع الإسلامية، ويحاولوا أن يشاركوا فيها؛ لتفريغ الدعاة إلى الله لكي يتجولوا في بلاد الكفار، ليلقوا الدروس والمحاضرات، وتفريغهم لهذا المجال ولهذا العمل أفضل من أن يعمل أحدهم في شركة أو في مؤسسة يستهلك وقته فيها، وترتيب الرواتب لهم من أعظم أبواب الأجر؛ لأنه سيستطيع أن يعطي، ولذلك كان العلماء في الماضي لهم رواتب من بيت مال المسلمين، العالم ليس عنده عمل إلا طلب العلم، والتعليم، وهذا التفرغ هو الذي أنتج العلماء في الماضي.
стр. 2213
ثلاثة مداخل شيطانية
من الأمور التي نختم بها كلامنا -أيها الإخوة- أن هناك ثلاثة مداخل ربما تكون أحياناً شيطانية.
بعض الناس لو لم يهتد إلى الله إلا بعد فترة من الزمن -مثلاً صار عمره ثلاثين سنة، أو أربعين سنة، ثم هداه الله- فماذا يحصل له؟ يقول: لقد فاتني وقت الطلب، وقت تأسيس نفسي على العبادة، وذهب عليَّ الزمن وذهب عليَّ الوقت، وفاتني القطار.
وتراه دائماً يشتغل بالندم على الوقت الفائت، فيسبب تضييع الوقت الحاضر، وهذه نقطة شيطانية خطيرة جداً، وهذا خطأ كما قال أهل العلم، ولذلك صارت القاعدة الذهبية، "ما لا يدرك كله لا يترك بعضه" أي: إذا لم تستطع أن تأخذ طريق العلم من بداية عمرك، فلا يترك بعضه، وهناك من العلماء من طلب العلم وهو كبير، فهناك من طلب العلم وهو ابن أربعين أو خمسين، وهناك من العلماء من أصبح نابغة في هذا، وهناك عباد وزهاد لم يتعبدوا لله إلا بعد فترة طويلة من حياتهم، وانظر في حال الصحابة، أليس حالهم عجيباً؟! كثير منهم اهتدوا في الأربعين والخمسين عمرو بن الجموح وطأ بعرجته في الجنة، رجل أدركه الإسلام وهو كهل لكن ما فتر، ولذلك أنت تعجب بعض الأحيان عندما تدخل في حلقة شيخ من المشايخ أو عالم من العلماء -مثلاً- في حلقة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله قد تجد رجلاً كبيراً في السن، وتراه جالساً في الحلقة وهو يستمع، هذا الرجل عاقل، ما قال أنا فاتني العلم، وعليَّ أن أجلس في البيت، هذا هو الذي يفرح الشيطان فعلاً.
إياك ثم إياك أن تفكر من هذا المنطلق، وإذا أخلصت النية فإن الله سيبارك لك في وقتك ولو كان ضيقاً، لو شخصاً قال: أنا أصرف على كذا أسرة، أنا إنسان مشغول فكيف أطلب العلم؟ نقول: أنت إذا أخلصت لله يبارك الله لك في وقتك، يا أخي! تأمل في حياة عمر بن عبد العزيز تجد عجباً: عمر بن عبد العزيز: استلم الخلافة وفيها ترف وابتعاد عن الله، وانشغال بالدنيا، والطرب والغناء والرقص في البيوت، وكانت هناك منكرات كثيرة عمت المجتمع، كم حكم عمر بن عبد العزيز؟ حكم سنتين ونيفاً، لكن سبحان الله العظيم! كيف تغير الوضع لما حكم عمر بن عبد العزيز في سنتين ونيف؟ صار هناك انقلاب في المجتمع وتَغيَّر الناس! وازدهرت حلقات العلم والعلماء بشكل أكبر بكثير مما كان قبل ذلك، حتى أن الناس اكتفوا مادياً، وكانوا يبحثون عن فقراء للزكاة فما يجدون، كيف فعل هذا الرجل في سنتين! كيف حدث هذا؟! أليست هذه شبه معجزة، إنما حدث هذا بإخلاص عمر بن عبد العزيز! ﵀، ورضي عنه وأرضاه، كم أدى للإسلام من خدمةً جليلة في هذه الفترة القصيرة التي حكم فيها! وآخر ما نختم به، مرض من أمراض هذه المشكلة -اغتنم فراغك قبل شغلك- مرض التسويف.
بعض الناس، كما يقول ابن القيم ﵀: كلما جاء طارق الخير صرفه بوَّاب (لعل وعسى).
كلما جاء طارق الخير وقال: يا فلان! اطلب العلم، يا فلان اعبد الله، يا فلان ادع إلى الله، يا فلان، صرفه بواب لعل وعسى، وأكثر الناس ضائعون بين السين وسوفَ، والأماني رأس مال المفاليس.
هذا ما سنقف عنده في هذا الموضوع.
стр. 2214
الأسئلة
وهنا وردنا
السؤال
стр. 2215
كيفية استغلال الوقت في العطل
السؤال
نحن شباب استغللنا الوقت في العطلة الصيفية في المراكز الصيفية، والآن قد انتهت المراكز الصيفية فماذا نفعل؟
الجواب
طبعاً هناك أمور كثيرة جداً ينبغي على الشباب أن يتوجهوا إليها في هذه الفترة، الآن كم بقي حتى تأتي الدراسة، عشرون يوماً أو ثمانية عشر يوماً، لا تظن أن هذه فترة سهلة، ثمانية عشر يوماً إذا استغلت استغلالاً جيداً؛ فإنك ستحصل فيها على فوائد كثيرة جداً، لا تحلم بها! إذا استعنت بالله وأخلصت وخططت تخطيطاً جيداً، طبعاً هناك مجالات كثيرة -مثلاً- مكتبات المساجد هذه فرصة للشباب، تبادل الأشرطة والكتب وقراءتها، الزيارات الأخوية في الله، الرحلات العلمية المفيدة، التي يخرج فيها الطالب من أجل أن يغير فيها الجو لكنه يستفيد، وكذلك حلقات العلم، والمواظبة عليها، وحضورها في المساجد، وكذلك زيارة العلماء، وزيارة طلبة العلم والاستفادة منهم، وتبادل الآراء وغيرها، وهناك وسائل كثيرة جداً يمكن أن يستفيد الشباب منها في هذا الوقت.
والمسألة كما قلنا -أيها الأخوة- أولاً وأخيراً هي الإخلاص، وصدق النية، وصدق التوجه، زائداً عليها العزيمة والهمة التي ينتجها هذا الإخلاص، زائداً على ذلك التخطيط الجيد واستشارة أهل الخبرة، سيكون لها أثرٌ كبيرٌ إن شاء الله في استغلال هذا الوقت.
وأخيراً نقول كما قال ﵊: (اغتنم فراغك قبل شغلك).
وصلى الله على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 2216
اقتضاء العلم العمل
أخي: لابد من التعرف على رسائل العلماء وعلى ما احتوته تلك الرسائل من الكنوز والمواعظ والآداب، وهذه رسالة تبين أهمية العمل بالعلم، وقد ترجم الشيخ لمؤلفها، وذكر نشأته ورحلاته في طلب الحديث وتأليفه وإملائه، ثم ذكر سبب تأليف هذه الرسالة، ثم شرع يبين مفاهيمها ومعانيها التي تتحدث عن العلم والغاية من طلبه.
стр. 2217
ترجمة الخطيب البغدادي
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فهذه الرسالة الثانية من سلسلة رسائل أهل العلم التي نتعرف فيها على بعض ما احتوته تلك الرسائل من الكنوز والعلوم والمواعظ والآداب، والرسالة بعنوان اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي رحمه الله تعالى.
واقتضاء العلم للعمل أي: أن العلم يقتضي العمل به، ومؤلفها هو أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي يكنى بـ أبي بكر وقد اشتهر بـ الخطيب البغدادي، وقد ذكر الخطيب رحمه الله تعالى في تاريخ بغداد في ترجمة والده أن أصله من العرب، وأن له عشيرة كانوا يركبون الخيول، وأن مسكنهم بـ الحصّاصة من نواحي الفرات من بلاد العراق، ولم يكن والده من العلماء المشهورين في فنٍ من الفنون، وإنما كان له إلمام بسيط بالعلم، وقد كان يخطب الجمعة والعيدين بقرية قريبة من بغداد اسمها درزيجان.
ولذلك لم يصف الخطيب والده بأنه من العلماء، وإنما وصفه بأنه أحد حفاظ القرآن، فقال في ترجمة والده في تاريخ بغداد: كان أحد حفاظ القرآن، ويبدو أن لقب الخطيب قد استمر من الأب إلى ابنه؛ لأن الخطيب نفسه قد تولى الخطابة، كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية أنه تولى الخطابة وكان خطيباً للجمعة والعيدين في بغداد، ولم ينفرد الخطيب البغدادي بهذا اللفظ (الخطيب) أو بهذا اللقب، وقد لقب به عددٌ من العلماء، منهم: تلميذ الخطيب البغدادي وهو الخطيب التبريزي ﵀ وآخرون.
ولد أبو بكر الحافظ أحمد بن علي بن ثابت يوم الخميس لستة من جمادي الآخر سنة (٣٩٢هـ) ونشأ في كنف أبيه، وكان في نشأته قد وكل به أحد القراء ليعلمه القرآن، فتعلم القرآن وحفظه منه، ولما بلغ الحادي عشر من عمره بدأ بسماع الحديث، ثم درس الفقه، ولما بلغ العشرين من عمره عزم على الرحلة في طلب العلم والحديث.
وكان الذي قد حفظّه القرآن وعلمه الكتابة هو هلال بن عبد الله ﵀، وتأدب منه، وهذا ما يفيد أهمية تأديب الأولاد في المرحلة المبكرة.
стр. 2218
رحلات الخطيب البغدادي في جمع الحديث
في سنة (٤١٢هـ) بدأت المرحلة الثانية من حياة الخطيب وهي إنشاء رحلات لجمع الحديث، وقد قام بثلاث رحلات، زار فيها ثلاث عشرة ناحية ومدينة من أشهر بلاد المسلمين.
стр. 2219
رحلته إلى البصرة
كانت رحلته الأولى إلى البصرة في (٤١٢هـ) والتقى بكبار محدثيها، ومنهم: أبو عمر القاسم، وأبو جعفر بن عبد الله الهاشمي، وسمع منه سنن أبي داود وغيرها، وعاد إلى بغداد في السنة نفسها، وفي الطريق مر بـ الكوفة والتقى بمحدثيها واستفاد فوائد، وقد ذكر ذلك في كتابه: تاريخ بغداد، ولما رجع من هذه الرحلة لم تطل فرحة أبيه به؛ لأن أباه توفي في هذه السنة، وعاجلته المنية يوم الأحد من نصف شوال في السنة ذاتها التي رجع فيها الولد من رحلته.
فتولى ابنه دفنه بنفسه ولم يؤثر ذلك في نيته في الطلب وعزمه عليه، واقتضب الخطيب ﵀ هذه الحادثة في ترجمة والده، فقال: توفي يوم الأحد النصف من شوال سنة (٤١٢هـ) ودفنته من يومه في مقبرة باب حرب، ولم يزد على هذا كلمةً واحدة.
стр. 2220
رحلة الخطيب إلى نيسابور
بعد وفاة والده تابع جمعه للحديث من أفواه المحدثين، وطاف على محدثي بغداد يأخذ عنهم الحديث، وبعد أن رأى بأنه قد أكمل الأخذ عنهم عزم على الرحلة مرة ثانية، وكان عنده اختياران: إما أن يذهب إلى مصر، وإما أن يذهب إلى نيسابور، فتردد فاستشار شيخه البرقاني ﵀ وهو من كبار الحفاظ، وقال له: هل أرحل إلى ابن النحاس في مصر أو أخرج إلى نيسابور إلى أصحاب الأصم؟ فأشار عليه شيخه إلى نيسابور، وعلل ذلك قائلاً: إنك إن خرجت إلى مصر إنما تخرج إلى رجلٍ واحد، إن فاتك ضاعت رحلتك، وإن خرجت إلى نيسابور ففيها جماعة، إن فاتك واحدٌ أدركت من بقي، فخرج إلى نيسابور وزوده شيخه البرقاني ﵀ برسالة لطيفه إلى محدثي أصبهان، وكتب إلى أبي نعيم، ﵀ الحافظ الكبير يوصيه بتلميذه الخطيب البغدادي، ويقول له فيها: قد نفذ إلى ما عندك عمداً متعمداً أخونا أبو بكرٍ أحمد بن علي بن ثابت أيده الله وسلَّمه، ليقتبس من علومك، ويستفيد من حديثك، وهو بحمد الله من له في هذا الشأن سابقةً حسنة، وقدم ثابت، وفهم حسن، وقد رحل فيه وفي طلبه، وقد حصل له منه ما لم يحصل لكثيرٍ من أمثاله الطالبين له، وسيظهر لك منه عند الاجتماع به، مع التورع -هذه المسألة ليست مسألة فقط حفظ روايات- مع التورع والتحفظ وصحة التحصيل -أي: الدقة- ما يحسّن لديك موقعه، ويجبل عندك منزلته، وأنا أرجو إن صحت منه لديك هذه الصفة أن تبين له جانباً، وأن توفر له وتحتمل منه ما عساه يورده من تثقيل في الاستكثار، أو زيادةٍ في الاصطبار، فقديماً حمل السلف عن الخلف ما ربما ثقل.
خرج الخطيب البغدادي ﵀ مع رفيقٍ له اسمه أبو الحسن علي بن عبد الغالب متوجهاً إلى نيسابور، وفي رحلته كان يحصل له من العبادة الشيء الكثير، وقد رآه رفقاؤه الذين معه، وحصلت له في الرحلة من الروايات والأحاديث ما ألهاه عن النساء والطعام والشراب، بل ربما أنساه حاجته للنوم! فمن العجائب التي حصلت له، ويضرب له المثل في سرعة القراءة، وشهد له الحافظ ابن حجر ﵀ بذلك، أنه قرأ صحيح البخاري كاملاً على إسماعيل بن أحمد الضرير في ثلاثة أيام قراءة ضبط على شيخ، ولا يعرف أنه حصل لغيره مثل هذا.
ورجع بعد ذلك إلى بغداد وسمع وقرأ فيها ذلك، ولما استقر بها عكف على كتابه المشهور تاريخ بغداد، ولما اكتملت فصول الكتاب، واجتمعت مادته، عزم على أداء فريضة الحج شكراً لله ، ولتتم النعمة، ولتتم رحلاته في أقطار العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
стр. 2221
رحلة الخطيب إلى دمشق وتوجهه إلى بلد الله الحرام
بدأت الرحلة الثالثة في سنة (٤٤٤هـ) فتوجه من بغداد إلى دمشق وسمع من كثيرٍ من محدثيها، ثم توجه إلى مكة ولم يكن يترك طريقه بدون فائدة، بل كان يشغله بتلاوة القرآن الكريم، فيقول أحد مرافقيه وهو أبو الفرج الأسفرائيني: كان الخطيب معنا في طريق الحج يختم كل يومٍ ختمة، قراءة ترتيل، ثم يجتمع عليه الناس وهو راكب يقولون: حدثنا فيحدثهم، وهكذا قضى الطريق متقرباً إلى الله تعالى بتلاوة القرآن، وإسماع الناس الحديث عن النبي ﷺ ، ولما وصل مكة وطاف ببيت الله الحرام، وصلى ركعتين خلف المقام توجه إلى ماء زمزم وشرب منه ثلاث شربات، وسأل الله ثلاث حاجات، آخذاً بقول النبي ﷺ : (ماء زمزم لما شرب له) وهذه الثلاث هي: الأولى: أن يحدث بـ تاريخ بغداد في بغداد.
الثانية: أن يملي الحديث بجامع المنصور، وكان جامعاً مشهوراً لا يحدث به إلا النوادر ممن يؤذن له من الخليفة.
الثالثة: أن يدفن بجانب بشر الحافي، وهو أحد الورعين الزهاد العباد، فتمنى أن يدفن بجانبه، وبلغه أن كريمة المروزية مجاورة بـ مكة المكرمة، وعندها سماعٌ عالٍ لـ صحيح البخاري؛ لأن كريمة عُمِّرت إلى سن المائة رحمها الله تعالى، فذهب إليها وقرأ عليها صحيح البخاري في خمسة أيام.
وبعد الانتهاء من فريضة الحج والاجتماع بمحدثي مكة، والمشاهدات النافعة التي حصلت له، كما قال الله : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨] قفل راجعاً إلى الشام من الحجاز، فمر بـ البيت المقدس أولى القبلتين ومسرى النبي ﷺ ، واجتمع بعلمائها، مثل: أبي محمد عبد العزيز بن أحمد بن عمر المقدسي وسمع منه الحديث، ولعل هذا الدخول لـ بيت المقدس كان في سنة (٤٤٦هـ).
ثم انتقل بعدها إلى صُوْرٍ وسمع فيها من بعض مشايخها، مثل: عبد الوهاب بن حسين العمر الغزال، وانتهى مكثه بمدينة صُوْر فتوجه راجعاً إلى وطنه بغداد حاملاً معه رواياته الجديدة، ومسموعاته التي تزود بها، وبدخوله بغداد، انتهت المرحلة الثانية من حياته.
стр. 2222
الخطيب ومرحلة التصنيف والكتابة والإسماع والإملاء
بدأت المرحلة الثالثة: وهي مرحلة التصنيف والكتابة والإسماع والإملاء، فجعل يجمع المتفرق، ويرتب المتناثر من الفوائد والمسموعات التي حصلها، ويجعل منها مادة دسمة وغنية بتصانيفه التي كانت بحقٍ من أجود التصانيف خصوصاً في علوم الحديث، ويعتبر الخطيب البغدادي ﵀ مجدداً في علوم الحديث، ويعتبر النقلة التي نقل بها علم الحديث من ناحية التأليف نقلة كبيرة، فكان العلماء في الحديث من بعده كلهم عالة عليه، وكل من أراد أن يؤلف في الحديث لابد أن يرجع إلى كتب الخطيب رحمه الله تعالى.
حتى عدّد بعض أهل العلم كتبه بأربع وخمسين مصنفاً إلى عام (٤٥٣هـ) غير ما صنف بعدها.
وأما الحاجة الأولى التي كان سأل الله إياها: وهي التحديث بـ تاريخ بغداد بـ بغداد، فقد حدثت في هذا الاستقرار، فإنه حدث بـ بغداد بكتاب تاريخ بغداد وأملاه على بعض تلاميذه في حجرةٍ كانت له قرب المدرسة النظّامية.
стр. 2223
الخطيب والتحديث بجامع المنصور
وأما الحاجة الثانية: وهي إملاء الحديث بجامع المنصور، فلم يكن ذلك أمراً سهلاً ويصعب على الخطيب أن يقدم التماسات للسلطان لكي يسمح له بذلك، ولعل قدر الله يجري، وكان يتمنى أن يجري قدر الله بشيءٍ يجعل السلطان من نفسه يأذن له بالتحديث أو يعرف رغبته فيأذن له بالتحديث، فجرت حادثة سنة (٤٤٧هـ) وكان لها الأثر الكبير في رفعة مقام الخطيب البغدادي عند السلطان، ومن كان في ذلك الوقت آخذاً بزمام الأمور، وهذا الحادث هو أن بعض اليهود قد أظهر كتاباً بخط اليد، وادّعى أنه من النبي ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وأن فيه شهادات الصحابة وخط علي بن أبي طالب ﵁، فرئيس الرؤساء في ذلك الوقت أبو مسلم عرضه على الخطيب، وسمع أن الخطيب محقق من المحققين، ومؤرخ ومحدث؛ فعرض عليه الرسالة، فقال الخطيب لما اطلع على الرسالة فوراً: هذا مزوّر، فقال من أين لك هذا؟ وما هو الدليل؟ قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة (٧هـ) وفي هذه الرسالة أيضاً شهادة سعد بن معاذ ﵁، وسعد بن معاذ مات يوم الخندق قبل معركة خيبر، فكيف يشهد سعد بن معاذ الذي مات قبل خيبر على قضية حصلت بـ خيبر، وكيف يوقع معاوية بن أبي سفيان الذي أسلم بعد خيبر على قضية حدثت بـ خيبر! هذه فائدة معرفة التواريخ، وكان ذلك من فطنته وعلمه ﵀، فاستحسن السلطان ذلك جداً، واعتمده وأمضاه، ولم يُجز اليهود على ما في الكتاب؛ لظهور التزوير، ولعله عاقبهم.
وارتفعت منزلته بهذه القصة عند أبي مسلم وكبر في عينه كثيراً، ووثق به وبدقة علمه؛ فقدمه وصار يذكره، وشاع ذكر الخطيب ﵀ بعد تلك القصة جداً، وحُمل إلى الخليفة ومعه جزءٌ من سماع الخليفة الآخر القائم بأمر الله، وأراد أن يحدث الخليفة بجزء الخليفة الآخر، فقال الخليفة: هذا رجلٌ كبيرٌ في الحديث ليس له إلى السماع مني حاجة -ذهب إليه ليستمع حديثه منه، وكان الخليفة قد سمعه هو نفسه، فكان الخطيب قد كتبها عنده لما أدخل على الخليفة ومعه جزء الخليفة، وطلب منه أن يسرد عليه الأحاديث التي سمعها، قال الخليفة متعجباً: هذا رجلٌ كبير القدر في الحديث، فليس له إلى السماع مني حاجة، وعنده من الطرق الأخرى ما يستغني عني وعن سماعي- فما حاجته اسألوه؟ قال: حاجتي أن يأذن لي بالإملاء في جامع المنصور.
فأذن للخطيب بالإملاء، واجتمع الناس في جامع المنصور، وأملى الحديث وتمت له اثنتين مما دعا الله بها عند زمزم، وهذا المسجد الكبير الذي يؤمه الطلاب لا شك أنه كان نافذة كبيرة للخطيب ﵀؛ لكي يملي أحاديثه وينشر علمه من خلال ذلك المنبر.
стр. 2224
فتنة البساسير وخروج الخطيب إلى دمشق
بقي الخطيب طيب النفس قرير العين بما بلغت أمانيه التي استجابها الله له يملي بجامع المنصور، ويصنف ويهذب، إلى أن حدثت فتنة البساسير، وهذا انقلاب خطير جداً صارع الخلافة العباسية السنية من قبل هذا البساسير الرافضي الباطني ومعه عددٌ آخر من الباطنية، ومعهم من الرعاع والأشرار وقطاع الطرق والمجرمين، بحيث أنهم سيطروا على مدينة بغداد فعلاً، واستطار شر هذه الفتنة وكاد الخطيب ﵀ أن يُقتل فيها، لكنه سارع بالخروج من بغداد متخفياً إلى دمشق وهاجر منها وقد صارت موطن كفرٍ بما حكم به ذلك الرافضي الباطني الخبيث، وخلع خليفة المسلمين، وتُتبع أهل العلم والفضل، وقُتل من أهل السنة وعلمائهم خلقٌ كثير في تلك الفتنة بأمورٍ شنيعة، وكيفيات بشعة في القتل جداً، وقد أشار ابن كثير ﵀ إلى هذه الفتنة في كتاب البداية والنهاية، ووصف البساسير بالخبيث.
لقد استتر الخطيب ﵀ وخرج من بغداد في شهر صفر سنة (٤٥١هـ) مصطحباً كتبه وتصانيفه قاصداً دمشق فوصلها سالماً، واتخذ المئذنة الشرقية من الجامع الأموي مسكناً له، وبدأ التدريس في المسجد، وصار له حلقة كبيرة يجتمع الناس فيها ويحدثهم، وكان يخرج أيضاً إلى بساتين ويقرأ كتب الأدب هناك، ولعل كتاب التطفيل وحكاية الطفيليين قد حدث في ذلك الجو والظل الوارف، وبينما كان يقرأ من الكتب في دمشق كتاب فضائل الصحابة الأربعة للإمام أحمد بن حنبل ﵀ سمع بذلك بعض الروافض، وكان لهم شوكةٌ؛ حصلت لهم بسبب حكم الفاطميين في مصر، فثاروا على الخطيب وأرادوا قتله، فأجاره أحد الأشراف في ذلك المكان، وكان مسكنه قريباً من الجامع، فأجاره على أن يخرج من دمشق، فخرج إلى صور، ونفعته الرحلة الأولى التي دخل فيها صور وأقام فيها علاقات مع بعض أهلها، فكان المكان المناسب أن يخرج إلى تلك البلدة، ومن الأسباب التي جعلت هؤلاء يقومون عليه هو صوته ﵀ فقد قال ابن كثير في البداية، عن الخطيب البغدادي: أنه كان جهوري الصوت، يُسمع صوته من أرجاء الجامع كله، فاتفق أن قرأ على الناس في يومٍ من الأيام فضائل العباس فثار عليه الروافض من أتباع الفاطميين وأرادوا قتله، فحصل ما حصل من خروجه إلى صور، وقد خرج في سنة (٤٥٩هـ) وكان فيها بعض أهل العلم وهاجر إليها لا ليسمع كما كان من قبل وإنما ليُسمِع هو ويملي ويحدث في تلك البلدة، وقد قيض الله له من يُنفق عليه في تلك البلدة ويُعطيه مالاً كثيراً، فحصل له به اكتفاء.
стр. 2225
رجوع الخطيب إلى بغداد بعد الفتنة
لما بلغ الخطيب سبعين سنة وشاخ وشعر بقرب أجله حنّ إلى بغداد، وكانت فتنة البساسير قد زالت، وعاد الأمر إلى أهل السنة، ونُصِبَ الخليفة منهم مرةً أخرى، فرجع الخطيب ﵀ في سنة (٤٦٢هـ) سالكاً طريق الساحل ماراً بـ طرابلس ودخل فيها وجلس فيها فترةً يسيرة ناظر في ضمن من ناظره بعض أهل التشيع هناك، وكانت طرابلس تحت حكمهم، وتفوق عليهم، ثم خرج منها قاصداً حلب، وأقام بها أياماً يسيرة يُعلِّم ويحدِّث، وسمع من بعض الشيوخ بـ حلب، ومنهم: أبو الفتح أحمد بن النحاس ﵀، ثم توجه إلى بغداد فوصلها في سنة (٤٦٢هـ) في تلك السنة أيضاً، فاستغرقت الرحلة من صُوْر إلى بغداد أربعة أشهر لم يكن يترك في طريقه الفائدة والعبادة والتقرب إلى الله، فلا زال على طريقته التي عهدوه عليها في رحلة الحج من ختمٍ للقرآن كل يومٍ ختمةً كاملةً.
ولما وصل إلى بغداد وسُر بالوصول إليها بعد فراق دام إحدى عشرة سنة، أراد أن يكافئ أحد من صنع إليه معروفاً في بغداد، فلم يجد ما يكافئه به أعظم من كتابه تاريخ بغداد، وقال: لو كان عندي أعز منه لأهديته له.
وكانت هذه النسخة من تاريخ بغداد بخط الخطيب نفسه، واستأنف الخطيب ﵀ دروسه في بغداد في جامع المنصور بعد أن آل الأمر فيها لـ أهل السنة، والخليفة العباسي القائم بأمر الله، واجتمع إليه الناس، ورجع إليه طلاب الحديث بشوقٍ ولهفة وحنين، فحدَّث بـ سنن أبي داود من روايته وبكتبه وتواريخه.
стр. 2226
مرض الخطيب البغدادي ووفاته
لقد مرض الخطيب ﵀ في نصف رمضان من سنة (٤٦٣هـ) في حجرته، ولما أحس بدنو أجله وكان عنده شيءٌ من المال والثياب أراد أن يوزع ذلك قبل أن يموت، ولم يكن له زوجة ولا أولاد، ولا عقب ولا وارث؛ فلعله أراد أن يختم حياته بالتصدق بما عنده من أموال، ففرقها على أصحاب الحديث، وكانت كل ممتلكاته مائتي دينار، وكّل في توزيعها أبا الفضل بن خيرون، فوزعها في حياة الخطيب، وأوصى بأن يتصدق بجميع ثيابه وما يملكه من أشياء بعد وفاته، وجعل جميع كتبه ومصنفاته وقفاً على المسلمين، واشتد المرض به في أوائل ذي الحجة سنة (٤٦٣هـ) حتى توفي في ضحى يوم الاثنين السابع من ذي الحجة في تلك السنة، رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه، وامتدت فترة مرضه من رمضان إلى سبع ذي الحجة، وكان اشتداد المرض في أوائل ذي الحجة، والوفاة في السابع من هذا الشهر.
بوفاته رحمه الله تعالى طويت صفحة عظيمة من صفحات علم الحديث التي ذهب فيها هذا العالم الكبير إلى ربه ، وكان على أخلاقٍ عظيمة وعبادةٍ كبيرة، وعفةٍ متناهية، فإنه لم يتزلف إلى سلطانٍ، ولم يتولَّى منصباً قط، لا قاضياً ولا مفتياً، مع أنه كان أهلاً لذلك، ولم تكن المناصب لتمتنع عليه، لو أنه سعى إليها وأرادها، لكنه اختار أن يبقى بعيداً عن فتنة الوجاهة، ورضي بالكفاف من العيش، ولم يكن له خدمٌ ولا جوارٍ، ولعلّ الرحلة في طلب العلم لم تسعفه في الزواج، فتوفي ﵀ وخلف أولاداً مخلدين من المصنفات التي ألفها.
стр. 2227
بيان عفة الخطيب البغدادي وبعض سجاياه
لقد ذكر المؤرخون من قصص الخطيب العظيمة في عفته، أنه كان مرةً بـ مرو فحدثت له القصة التالية: أحد أهل مرو حدَّث بالقصة التالية عن الخطيب: عن شخصٍ اسمه عمر النسوي من نسى وهي بلدة معروفة، قال: كنتُ في جامع صور عند الخطيب، فدخل عليه بعض العلوية، وفي كمه دنانير، وقال للخطيب فلانٌ -من بعض الأغنياء- يسلم عليك ويقول: هذا تصرفه في بعض مهماتك، فقال الخطيب: لا حاجة لي فيه، وقطّب وجهه، فقال العلوي: فتصرفه إلى بعض أصحابك؟ قال: قل له يصرفه هو إلى من يريد.
قال العلوي: كأنك تستقله، ونفض كمه على سجادة الخطيب وطرح الدنانير عليها، وقال هذه ثلاثمائة دينار -والدينار أربعة غرامات وربع من الذهب- ووضعها على السجادة، فقام الخطيب محمر الوجه، وأخذ السجادة ونفض الدنانير على الأرض وخرج من المسجد.
قال: الفضل بن أبي ليلى الذي حضر القصة: لا أنسى عز خروج الخطيب وذل ذلك العلوي وهو قاعدٌ على الأرض يلتقط الدنانير من شقق الحصر ويجمعها، قام وترك له هذه الدنيا، وقام ذلك يجمع الدنانير.
стр. 2228
تواضع الخطيب ﵀
ومن تواضعه ﵀ أن أحد المحدثين لقيه، فقال له: أنت الحافظ أبو بكر، قال: انتهى الحفظ إلى الدارقطني، أنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب.
стр. 2229
كرم الخطيب البغدادي
ومن كرمه ﵀ ما حدّث به تلميذه الخطيب التبريزي قال: دخلتُ دمشق فكنتُ أقرأ على الخطيب بحلقته بالجامع كتب الأدب المسموعة له، وكنت أسكن منارة الجامع، فصعد إليّ وقال: أحببت -الشيخ يقول للتلميذ- أن أزورك في بيتك، فتحدثنا ساعةً، ثم أخرج ورقةً، وقال: الهدية مستحبة، اشتر بهذه أقلاماً، ثم نهض فإذا خمسة دنانير مصرية، ثم إنه صعد مرةً أخرى، ووضع نحواً من ذلك، فهذا من إكرامه لتلاميذه رحمهم الله تعالى.
وكان من مميزات الخطيب أنه كان جيد الخط، وتجد أن بعض المخطوطات التي كتبها بعض العلماء قد أتعبت من بعدهم في فك رموزها من سوء خطهم، ولعل بعضهم لم يكن عنده وقت للتدرب على تحسين الخط من ولعهم بالعلم والرحلات، لكن الخطيب ﵀ من ميزاته أنه كان حسن الخط، كثير الضبط، كثير الشكل، وهو الذي عنون عنواناً في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، باب تحسين الخط وتجويده، نصح فيه طلبة العلم بتحسين الخط.
ومن ضمن تلك النصائح: أن الواحد لا يقرنط فيتعب ويتعب من بعده، يقرنط: أي يصغر الخط؛ لأنه إذا كبر وصار بصره ضعيفاً لم يعد يقرأ ما كتب في أيام الشباب، ولو مات وأراد واحد أن ينتفع بما كتبَ فسيتعب جداً في فك هذه الرموز، وكذلك فإنه كان فصيحاً للغاية، كان يقرأ قراءةً معربةً صحيحةً.
قال ابن الجوزي: كان حسن القراءة، فصيح اللهجة، وكان جهوري الصوت، وكان عجيباً في سرعة القراءة، ضرب به المثل في ذلك، وكان حريصاً على الاستفادة من وقته، كان يمشي في الطريق وفي يده جزءٌ يطالعه، يضرب به المثل في سرعة القراءة، وكان عليه هيبة ووقارٌ من عمله بالعلم الذي اكتسبه رحمه الله تعالى، وقد أثنى عليه العلماء ومدحوه للغاية، مثل تلميذه الحافظ ابن ماكولا، والحافظ أبو بكر ابن نقطة الحنبلي وأبو سعد السمعاني وابن عساكر وابن خلكان وابن النجار والسبكي والسِلَفِي وأبو إسحاق الشيرازي، والتاجي، وابن الأثير، والذهبي وغيرهم.
يقول الذهبي ﵀: "ختم به إتقان هذا الشأن".
وقال صاحب وفيات الأعيان: "سنة كذا مات حافظ الدنيا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب صاحب التصانيف".
стр. 2230
مصنفات الخطيب البغدادي ﵀
لقد ترك تصانيفاً كثيرةً جداً قريباً من مائة مصنف صارت عمدةً لأهل الحديث، ومن هذه المصنفات: ١ - تاريخ بغداد وهو أشهرها.
٢ - الكفاية في علم الرواية، وهو موضح أوهام الجمع والتفريق في باب مصطلح الحديث.
٣ - شرف أصحاب الحديث.
٤ - الفقيه والمتفقه.
٥ - التطفيل.
٦ - اقتضاء العلم العمل.
٧ - تقييد العلم.
٨ - نصيحة أهل الحديث.
٩ - الرحلة في طلب الحديث.
١٠ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.
١١ - المتفق والمفترق.
١٢ - السابق واللاحق.
١٣ - المزيد في متصل الأسانيد.
لا يكاد يوجد باب من أبواب المصطلح إلا وتجد فيه للخطيب تأليفاً وتصنيفاً.
١٤ - التفصيل لمبهم الأسانيد.
١٥ - الأسماء المبهمة.
١٦ - روايات الآباء عن الأبناء.
١٧ - من حدث ونسي.
١٨ - غنيمة الملتمس في إيضاح الملتبس.
١٩ - الأسماء المتواطئة.
٢٠ - المؤتلف والمختلف.
هذه كلها أبواب في مصطلح الحديث قد غطاها الخطيب ﵀ تأليفاً وتصنيفاً، وكل من صنَّف في علم الحديث بعد الخطيب عيالٌ على كتبه، وكتبه ليست في الحديث فقط وإنما يوجد منها أشياء أخرى في أبوابٍ من العلم، ومن هذه المنصفات: رسالة لطيفة للخطيب البغدادي ﵀، بعنوان: اقتضاء العلم العمل، وهي التي سنتعرض لها في هذا المقام بمشيئة الله .
стр. 2231
سبب تأليف رسالة اقتضاء العلم العمل
لقد جمع الخطيب البغدادي ﵀ هذه الرسالة ليبين أهمية العلم بالعمل، وقد جمع علماً كثيراً ومرويات متعددة وفيرة، لكنه علم ﵀ أن الغاية من طلب العلم هو العمل به، ولعله لاحظ أن هناك تقصيراً في العلم، وأن بعض الناس في عهده من طلاب الحديث قد رحلوا في طلب الحديث، وجمعوا الروايات والطرق والأسانيد وربما اجتمع عند الواحد منهم أسانيد كثيرة لحديثٍ واحد، فلاحظ أن هناك انشغالاً كبيراً بالجمع وتقصيراً في العمل.
والعصر الذي عاش فيه الخطيب ﵀، كان عصر جمع الأحاديث، وكان انكباب الطلاب على الجمع، والانشغال عن العمل، مما يبين أن هناك سبب وراء تأليف الرسالة يتعلق بالعصر الذي عاش فيه، وهناك السبب العام وهو نصيحة لكل المسلمين بأهمية العمل بالعلم، لأن هذا باب يحتاجه كل مسلم، وهو التركيز على قضية العمل بالعلم.
стр. 2232
أهمية التوازن بين العلم والعمل
لقد صدّر رسالته هذه بقوله: (نشكر الله سبحانه على ما ألهمنا، ونسأله التوفيق للعمل بما علّمنا، فإنّ الخير لا يدرك إلا بتوفيقه ومعونته، ومن يضلل الله فلا هادي له من خليقته، وصلى الله على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين، وعلى من اتبع النور الذي أنزل معه إلى يوم الدين.
ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية في طلبك، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، وقيل: العلم والد والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية) الرواية هي: الأسانيد والمتون، والدراية هي: أن يدري بما يعلم ويفقهه.
(ورأس الفقه العمل بالعلم، فلا تأنس بالعمل ما دمتَ مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصراً في العمل).
هذه نظرية مهمة جداً، وهي قضية التوازن بين العلم والعمل، وتجد بعض الناس عندهم طاقة في العمل لكنه سيقع في البدعة والخطأ، وبعض الناس عنده طاقة في جمع العلم، وليس عنده طاقة في العمل، فيكون علماً نظرياً لا ينفع صاحبه، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم ما دمت مقصراً في العمل (ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما، وما شيءٌ أضعف من عالمٍ ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهلٍ أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته) وهذا فعلاً من الأخطاء التي يقع فيها العامة.
ينظرون إلى واحد يجدون عنده اجتهاد وعبادة كبيرة فيستفتونه ويسألونه وينصبونه عالماً، وهو ليس بعالم إنما هو عابد، وربما يوجد عالم عنده علم لكن ليس عنده عبادة ولا زكاة للعلم، فالناس سيتركونه؛ لأن أخلاقه ليست أخلاق العلماء، وعبادته ليست عبادة العلماء، وعمله ليس عمل العلماء؛ فيتركونه، فتكون النتيجة ضلال الخلق.
والناس يريدون واقعاً عملياً يقتنعون به، فالسيرة والتصرفات، هي التي تقنع الناس.
قال: (والقليل مع هذا) أي: من العلم (مع القليل من هذا) من العمل (أنجى في العاقبة إذا تفضل الله بالرحمة، وتمم على عبده النعمة، فأما المدافعة والإهمال) لا علم ولا عمل (وحب الهوينة والاسترسال، وإيثار الخفض والدعة، والميل إلى الراحة والسعة، فإن خواتم هذه الخصال ذميمة، وعُقباها كريهةٌ وخيمة).
وكثير من شباب الصحوة ابتلوا في هذه الأيام بقضية الميل إلى الدعة والراحة، والكسل واللهو واللعب، فلم يعد في حياتهم نصيبٌ إلى الجد في طلب العلم، وليس عليهم إلا سيما الالتزام في الظاهر، من لحيةٍ، وتقصيرٍ ثوبٍ، ولكن في باطن الأمر لا تجد علماً جيداً، ولا عملاً مجتهداً فيه.
стр. 2233
الغاية من طلب العلم
قال: (والعلم يراد للعمل كما العمل يراد للنجاة! فإذا كان العمل قاصراً عن العلم، كان العلم كلاً على العالم، ونعوذ بالله من علمٍ عاد كلاً، وأورث ذلاً، وصار في رقبة صاحبه غلاً، قال بعض العلماء: العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم) أي: أنت لماذا تتعلم ما هو السر؟ ما هي الغاية من وراء التعلم؟ إنك تتعلم لتعمل.
وتجد بعض الناس عندهم إنخداع وانجذاب لمنهج الغربيين الضلال الكفرة، الذين يقولون: العلم للعلم، والقراءة للقراءة، والثقافة للثقافة، أي: أن العلم لذاته يقصد لذاته، ولذلك تراهم يسلكون سبلاً ليست نافعة في العلم إطلاقاً، ترى الواحد منهم يتخصص وربما يأخذ شهادة الدكتوراه في شيءٍ تافه سخيف جداً، يفني عمره فيه، مثلاً: بعضهم يتخصص في الآثار والتحف الموجودة من الحضارات القديمة، دكتوراه في التحف والآثار، ما هي الفائدة؟ وربما واحد تخصص في اللغة الهيروغلوفية ومعه دكتوراه في اللغة الهيروغلوفية، ما هي الفائدة في لغة انقرضت؟ ويفني عمره فيها، لماذا؟ لأن عند الغربيين مبدأ العلم للعلم.
أما المسلمون فعندهم مبدأ العلم للعمل، وهذا الفرق بيننا وبينهم، فرق كبير، ولذلك تجد كثيراً منهم تضيع أعمارهم في أشياء تافهة، وبعض أبناء المسلمين قلدهم، ذهب إلى بلدانهم وتعلم مثلهم وعلى طريقتهم، ورجعوا بتخصصات تافهة سخيفة، أمضى سنواتٍ طويلة وأبحاث، في ماذا؟ يقول: علم هذا لأجل العلم، فليس عند المسلمين شيء اسمه العلم للعلم، وإنما العلم وسيلة لغايةٍ وهي العمل.
قال الشيخ: (وهل أدرك من السلف الماضيين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد والعمل الصالح، والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا؟! وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا التشييد بالسعي، والرضا بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم؟! وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب؟! وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليها؟ وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها! كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها وقام بواجباتها!!) افترض لو أن واحداً يجهد عمره في جمع المال وكسبه ولا يستفيد منه ولا ينفق، ولا يستمتع به شيئاً فهل هذا عاقل؟ وهل استفاد شيئاً مما جمع؟ لا.
فكذلك الذي يحرص على جمع العلم دون عمل، (فلينظر المرء لنفسه، وليغتنم وقته، فإن الثوى قليل -أي: البقاء في الدنيا قليل- والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]).
стр. 2234
الأحاديث والآثار في بيان أهمية العمل بالعلم
بعد هذا شرع الخطيب ﵀ في إيراد الأحاديث والآثار التي جمعها عن النبي ﷺ ، والصحابة والتابعين والسلف في هذه المسألة، وهي قضية العمل بالعلم، فصدَّره بحديث النبي ﷺ : (لا تزولا قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه) وهذا حديثٌ صحيح أخرجه المصنفون من أهل العلم في كتبهم، وبعض الأحاديث التي ساقها الخطيب ﵀ في هذا الكتاب ضعيفة، وبعضها أكثر من ضعيفة، ولكن كما ذكر العلامة الألباني ﵀، في تعليقه على هذه الرسالة: لعل عُذر الخطيب ﵀ في ذلك أن العالم يسوق الإسناد، والمُحدِّث إذا ساق بالإسناد فإنه يكون قد حمّلك أنت أيها القارئ المسئولية، قال لك: هذا إسنادي فلان عن فلان عن فلان، وأنت تتحمل مسئولية البحث في صحة هذا الحديث.
وكذلك فإن بعض الطرق التي ساقها الخطيب ضعيفة، لكن الحديث له طرق أخرى صحيحة أو يتحسن بها الحديث بمجموع طرقه، ولعل الخطيب ﵀ اشتغل بالجمع فترةً طويلة من عمره، ولم يكن عنده نصيبٌ كافٍ من الوقت لتحقيق ما جمع ونخله والتعليق عليه، والخطيب ﵀ ليس جمّاعاً فقط بل جمّاع ناقد، وأصول النقد عنده واضحة، وتآليفه في المصطلح واضحة، وهي تدل على علو كعبه في علم الحديث، فلا تخفى عليه العلل، لكنه ربما لم يكن عنده الوقت لكي ينخل كل ما جمع ويكتب بجانب كل حديث صحته، أو أن طريقة العلماء أنهم كان يكتبون وطلبة العلم بقراءة الأسانيد يعرفون مدى صحة الحديث لا يحتاج إلى أن يقال له: هذا حسن وهذا ضعيف، أو هذا ضعيف وهذا صحيح، بينما نحن الآن بسبب جهلنا بعلم الحديث ليس عندنا قدرة على التمييز بين الأسانيد إلا من ندر.
ولذلك نحتاج بجانب كل حديث أن يعلق لنا عليه صحيح أو ضعيف، لأن هذا أوان وزمانٌ قد اضمحل فيه العلم، وذهب كثيرٌ منه، وتجد أكثر الناس ليس عندهم قدرة على التمييز بين الصحيح والضعيف.
ولذلك فإن عدداً من العلماء في الفترات المتأخرة بعد أن انتهت فترة جمع الحديث كانت هناك فترة التحقيق والتمحيص، والتصحيح والتضعيف، والتعليق على الأحاديث، وقد ورد عن علي ﵁: [يا حملة العلم! اعملوا به، فإنما العالم من عمل، وسيكون قومٌ يحملون العلم يباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره، أولئك لا تصعد أعمالهم إلى السماء] وهذا يتضح كثيراً في مشايخ الصوفية، فالشيخ يريد أن يكون كل الطلاب مريدين عنده، ومنتسبين إليه، ولا يرضى أبداً أن يذهب أحد تلاميذه إلى شيخٍ آخر، ويجلس عند الشيخ الآخر، والحسد والتقاتل على الدنيا، وتكثير الاتباع والطلاب واضحٌ جداً فيهم، وتجد بين طلابهم أحقاد ومنافسات، وبعض المصابين بالأمراض النفسية، حتى من المنتسبين إلى السنة تجد فيهم هذا الداء، فلا يُعصم منه إلا من عصم الله، وينبغي على الإنسان أن يدل الطلاب على الفائدة والخير، وينصحهم بالذهاب إلى المشايخ والعلماء أينما كانت مجالسهم، عنده أو عند غيره؛ لأن المهم هو فائدة الطالب، وليس المهم أن يستفيد منك أو من غيرك، ثم إن من طبيعة العلم أنه لا يُتلقى عن شخصٍ واحد، فالشخص الواحد يخطئ والطالب قد لا يعرف خطأ الشيخ إلا إذا جلس إلى غيره، وإلى هذا وهذا وهذا، ولذلك كان من وسائل السلامة في طلب العلم: الأخذ عن عددٍ من الأشياخ وليس عن شيخٍ واحد؛ خصوصاً في هذا الزمان الذي قلَّ فيه فقه العلم الموسوعي، أي: منذُ زمن كان العالم يعرف الفقه والحديث، والتفسير واللغة، وأصول الفقه والمصطلح وسائر العلوم، أما الآن مع وجود الجامعات والكليات بدأ التخصص، فصار عندنا طالب يفهم في الأصول فقط، ولا يفهم في الحديث، والآخر يفهم في الحديث ولا يفهم في الفقه، وهذا يفهم في الفقه ولا يفهم في اللغة وهكذا، وذلك بسبب انحصار منهج التعليم الموسوعي والدخول في عالم التخصصات، بل إن البعض أحياناً يأخذ مسألة واحدة يبذل فيها جهده وعمره في رسالة ماجستير أو دكتوراه، وبقية مسائل العلم نفسه التي تحمله كليته بالاسم لا يفقهها كثيراً، ثم يتخرج ويتوظف وينتهي علمه عند هذه المسألة التي بحثها في رسالته، أو في بحثه الذي قدَّمه لنيل شهادةٍ علمية.
قال ابن مسعود ﵁: [تعلموا فإذا علمتم فاعملوا]، وقال: [أيها الناس! تعلموا فمن علمَ فليعمل].
وجاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: [مثل علمٍ لا يعمل به، كمثل كنزٍ لا ينفق منه في سبيل الله ].
وقال الزهري ﵀: [لا يرضّين الناس قول عالمٍ لا يعمل، ولا عاملٍ لا يعلم، فالذي يرضيهم العلم والعمل].
فالعمل والإيمان قرينان، ولا يصلح كل واحدٍ منهما إلا مع صاحبه.
وعن أبي الدرداء ﵁ قال: [إنك لن تكون عالماً حتى تكون متعلماً، ولن تكون متعلماً حتى تكون بما علمت عاملاً].
وقال بعضهم: "الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم"، لماذا؟ لأنه قد لا يختم له بالإخلاص، فقد ينحرف في آخر عمره، فالدنيا جهلٌ ومواتٌ إلا العلم، والعلم كله حجة على الإنسان إلا العمل به، والعمل كله هباءً إلا الإخلاص، والإخلاص على خطرٍ عظيم حتى يُختم به.
وقال الخواص: ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العالم من اتبع العلم واستعمله، واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم".
وقال عباس بن أحمد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
قال: من هم هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]؟ قال: "الذين يعملون بما يعلمون نهديهم إلى ما لا يعلمون، فيعلمونه".
وقال يوسف بن حسين: [في الدنيا طغيانان: طغيان العلم وطغيان المال، والذي ينجيك من طغيان العلم العبادة، والذي ينجيك من طغيان المال -ما هو؟ - الزهد فيه].
وقال يوسف: [بالأدب تفهم العلم، وبالعلم يصح لك العمل، وبالعمل تنال الحكمة، وبالحكمة تفهم الزهد وتوفق له، وبالزهد تترك الدنيا -الترك الشرعي- وبترك الدنيا ترغب في الآخرة، وبالرغبة في الآخرة تنال رضا الله ].
العلم والعمل سلسلة تنتهي برضى الله متى أردت أن تشرُف بالعلم وتنسب إليه وتكون من أهله، قبل أن تُعطي العلم ماله عليك، احتجب عنك نوره وبقي عليك رسمه وظُهوره، مجرد عنوان، ذلك العلم عليك لا لك، وذلك أن العلم يشير إلى استعماله، فإذا لم تستعمل العلم في مراتبه، رحلت بركاته.
قال عوذبادي: من خرج إلى العلم يريد العلمَ لم ينفعه العلم، ومن خرج إلى العلم يريد العمل بالعلم نفعه قليل العلم.
وقال: "العلم موقوفٌ على العمل، والعمل موقوفٌ على الإخلاص، والإخلاص لله يُورث الفهم عن الله ".
وقال مالك بن دينار: "إن العبد إذا طلب العلم للعمل كسره علمه -أي: عرف قيمة نفسه وعرف حقيقة أمره وتواضع لله- وإذا طلبه لغير ذلك، ازداد به فجوراً وفخراً" ازداد بالعلم فجوراً وفخراً وطغياناً على عباد الله وتكبراً.
الآن بعض الناس من المشايخ الذين أخذوا علمهم في بعض الجامعات وأخذوا الدكتوارة، يغضب إذا لم يُقال له: الدكتور فلان أو الشيخ فلان! فلابد أن يصدّر بلقب، وهذا يدل على عيبٍ فيه، وأن علمه لم يزكِ نفسه فيكون متواضعاً.
وورد: "خير العلم ما نفع، وإنما ينفع الله بالعلم من علمه ثم عمل به، ولا ينفع به من علمه ثم تركه" والآن عدد من الشباب الذين انتكسوا وانحرفوا باعوا كتبهم وقد كانوا في أول الأمر مقبلين على العلم والتعلم، والقراءة والبحث، وحضور الدروس، ثم انشغلوا بالدنيا والفتن والأشياء من الشبهات والشهوات ومغريات الدنيا، وفي النهاية باعوا كتبهم؛ للتخلص منها.
ولذلك قيل: "تعلموا العلم واعقلوه وانتفعوا به، ولا تعلموه لتجبلوا به، فإنه يوشك إن طال بكم العمر أن يتجمل بالعلم، كما يتجمل الرجل بثوبه" أي: تصبح القضية مجرد حلية وزينه فقط، وليست حقيقة ولا باطن.
قال أبو سعيد الخراز: "العلم ما استعملك واليقين ما حملك".
وقال أبو قلابة: [إذا أحدث الله لكَ علماً، فأحدث له عبادًة، ولا يكن همك أن تحدث به الناس].
ولذلك قال الحسن البصري ﵀: [همة العلماء الرعاية -رعاية حدود الله، رعاية حق الله، رعاية العلم الذي يحملونه وإعطاء العلم حقه بالعمل- وهمة السفهاء الرواية].
وقال علي بن أبي طالب بإسنادٍ عجيبٍ ذكره الخطيب ﵀ قال: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن وكينة بن عبد الله التميمي من حفظه قال: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبي يقول؛ سمعتُ أبي يقول: سمعتُ أبي يقول: سمعتُ علي بن أبي طالب يقول: [هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل] قال الخطيب: عدد الآباء تسعة، أي: هذا إسناد من النوادر، وكل واحد من أصحاب هذا السند أخذه عن أبيه عن أبيه، وكان أبوهم الكبير قد سمعه من علي بن أبي طالب ﵁.
قال: [هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل] فعلم بدون عمل يُذهب العلم.
стр. 2235
كيفية المحافظة على العلم وتثبيته
كيف يثبت العلم؟ تجد بعض الطلاب يقولون: نحن نقرأ ونقرأ ولكننا ننسى، كيف نحافظ على العلم؟ وكيف يستمر معنا في صدورنا؟ أهم وسيلة للحفاظ عليه هو العمل به، لأنك إذا عملت به ترسخ في نفسك، وإذا صار سجيةً عندك كيف تنساه؟ خذ أي حديثٍ في أي ذكرٍ من الأذكار، أو أي صلاة من الصلوات النافلة، أو أي مسألة من المسائل، فعندما تعمل بها وتصبح مقررة عندك في نفسك وسجية لك في طبعك، وعادة من عاداتك لا تنساه، لكن إذا كان مجرد علم نظري لا تعمل به، فنسيانه سهل.
قال الفضيل ﵀: "لا يزال العالم جاهلاً بما علم حتى يعمل به، فإذا عمل به كان عالماً".
وقال عبد الله بن المعتز: "علمٌ بلا عمل، كشجرةٍ بلا ثمرة! " وقال أيضاً: "علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله".
وأنشد محمد بن أبي علي الأصبهاني لبعضهم أبياتاً لطيفة يقول فيها:
اعمل بعلمك تغنم أيها الرجل لا ينفع العلم إن لم يحسنُ العملُ
والعلم زينٌ وتقوى الله زينته والمتقون لهم في علمهم شغلُ
وحجة الله يا ذا العلم بالغة لا المكر ينفع فيها لا ولا الحيلُ
تعلم العلم واعمل ما استطعت به لا يلهينك عنه اللهو والجدلُ
وعلِّم الناس واقصد نفعهم أبداً إياك إياك أن يعتادكَ المللُ
وعظ أخاك برفقٍ عند زلته فالعلم يعطف من يعتاده الزللُ
وإن تكن بين قومٍ لا خلاق لهم فأمر عليهم بمعروفٍ إذا جهلوا
فإن عصوك فراجعهم بلا ضجرٍ واصبر وصابر ولا يحزنك ما فعلوا
فكل شاةٍ برجليها معلقة عليك نفسك إن جاروا وإن عدلوا
وقال يونس بن ميسرة: "تقول الحكمة: تبتغيني يا بن آدم؟ وأنت واجدني في حرفين: تعمل بخير ما تعلم، وتذر شرُ ما تعلم".
стр. 2236
خوف العلماء من عاقبة عدم العمل بالعلم
وعن أبي الدرداء قال: [إنما أخاف أن يكون أول ما يسألني عنه ربي أن يقول: قد علمته، فما عملت فيما علمته].
وقال: [إن أخوف ما أخاف على نفسي يا عويمر -هذا اسم أبي الدرداء، هل علمتَ؟ فأقول: نعم، فيقال لي: فماذا عملتَ فيما علمتَ؟].
وقال الحسن البصري ﵀: [ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن الإيمان ما وقر في القلب، وصدقته الأعمال] وبعض الناس يروي هذا الأثر حديثاً مرفوعاً، لكنه لا يصح عن النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام الحسن البصري ﵀.
من قال حسناً وعمل غير صالحٍ؛ رده الله على قوله، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفعه العمل، وذلك لأن الله يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] فالعلم الصالح يرفع صاحبه، والعمل الصالح يُرفع إلى الله .
وقالوا في قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء:١٣] ما هو طائره؟ عمله.
وقال حفص بن حميد: [دخلتُ على داود الطائي أسأله عن مسألة وكان كريماً؟ فقال: أرأيت المحارب إذا أراد أن يلقى الحرب أليس يجمّع آلته؟ -يستعد للمعركة والقتال ويجمّع السلاح- أليس يجمّع آلته، فإذا أفنى عمره في جمع الآلة فمتى يحارب؟ إن العلم آلة العمل، فإذا أفنى عمره في جمعه فمتى يعمل؟!] هكذا يكون حال الذي يجمع ولا يعمل.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: [سمعني عبد الله بن إدريس أتلهف على بعض الشيوخ -أي: الذين فاتوني، مات الشيخ فلم يلحق به- فقال: يا أبا عبيد! مهما يفوتك من العلماء فلا يفوتنك العمل] إذا مات الشيخ فنقول: ﵀، لكن علمه باقٍ فلا تتحسر على فواته، واعمل بما تركه من علم تفلح، وهذا هو الخير العظيم والتعويض الكبير.
وقال أبو الدرداء ﵀ ورضي عنه وأرضاه: [ويلٌ للذي لا يعلم، وويلٌ للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات] لماذا هذا الكلام؟ لأن بعض الناس يقول: إذا كان العلم حجة فلماذا نتعلم؟ نبقى في جهلنا أحسن! فنقول: وهل إذا بقيت في جهلك ستكون معذوراً عند الله؟ لأن بعضهم سمع عن مسئولية العلم، وماذا على المتعلم من الوزر إذا لم يعمل، قال: أمكث بلا تعليم أحسن، فنقول له: وماذا ستكون في جهلك؟ غير معذورٍ به، تؤاخذ عند الله، وتقع في الحرام، وتقع في البدع، فأي شيءٍ هذا؟ وقد قال النبي ﷺ : (مثل العالم الذي يُعلِّم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه)، وفي رواية: (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها) فالذي يعلم الناس خير إضاءة، لكن إذا كان لا يعمل فسيكون محرقاً لنفسه، أما الذي هو منطفئٌ خامد لا يضيء للآخرين ولا يضيء لنفسه، فهذا من أشر الناس.
وقال ﵊: (يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيقال: أليست كنت تأمر بالمعروف وتنهى المنكر، قال: كنتُ آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) وهذا حديثٌ صحيح أخرجه البخاري ومسلم وأحمد.
قال منصور بن زاذان: "نبأت أن بعض من يُلقى في النار ليتأذى أهل النار بريحه، فيقال له: ويلك! ما كنتَ تعمل؟ لا يكفينا ما نحن فيه من الشر حتى ابتلينا بك ونتن ريحك؟ فيقول: إني كنتُ عالماً فلم أنتفع بعلمي".
وقال يحيى بن معاذ الرازي: "مسكينٌ من كان علمه حجيجه، ولسانه خصيمه".
وقيل: "كل من لم ينظر بالعلم فيما لله عليه، فالعلم حجةٌ عليه ووبال".
العلم يستفاد منه أن تعلم حق الله عليك فتقوم به:
إذا العلم لم تعمل به كان حجة عليك ولم تُعذر بما أنت حامله.
فإن كنت قد أبصرت هذا فإنما يُصدق قول المرء ما هو فاعله
وبعض السلف تمنَّى أنه لم يحمل من العلم شيئاً؛ وذلك لعظم مسئولية العلم، وما هو مطالب به من العمل، لكنه لا يمكن أن يكون متمنياً للجهل، وأن يبقى جاهلاً، فينبغي التوازن في معاني عبارات بعض العلماء.
كقول الشعبي ﵀: [ليتني لم أكن تعلمتُ من هذا العلم شيئاً] قال الكلام معاتبة لنفسه، وشعوره بالذنب والتقصير، وهذا من تواضعه ﵀.
قال سفيان الثوري وهو من كبار العلماء: [ليتني لم أكتب العلم، وليتني أنجو من علمي كفافاً لا علي ولا لي].
وقال ابن عيينة: "العلم إن لم ينفعك ضرك" ليس في علم ما لا ينفع ولا يضر؛ لأن العلم حجة لك أو عليك، فإما أن تنتفع به وإما أن تتضرر به.
وعن مالك بن دينار قال: إني وجدتُ في بعض الحكمة: لا خير لك أن تعلم ما لم تعلم ولم تعمل بما قد علمت، فإن مثل ذلك مثل رجلٍ احتطب حطباً -الآن يريد أن يضرب مثلاً لمن عنده علم فلم يعمل به ويريد أن يتعلم زيادة، فقال: لا خير لك أن تعلم ما لم تعلم، ولم تعمل بما قد علمت فتضيف علوماً إضافية، ولم تعمل بعد بالعلم الأول، فإن مثل ذلك مثل رجل احتطبَ حطباً -فحزم حزمةً وذهب يحملها فعجز عنها، فضمّ إليها أخرى".
وقال محمد بن علي الصوري -نسبة إلى صور وهي إحدى البلدان التي دخلها الخطيب ﵀:
كم إلى كم أغدو إلى طلب العلم مجداً في جمع ذاك حفياً
طالباً منه كل نوعٍ وفنٍ وغريبٍ ولست أعمل شيئاً
وإذا كان طالب العلم لا يعمل بالعلم كان عبداً شقياً
إنما تنفع العلوم لمن كان بها عاملاً وكان تقياً
стр. 2237
انتزاع العلم ورفعه
جاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁: (أن رسول الله ﷺ نظر إلى السماء يوماً فقال: هذا أوان رفع العلم، فقال له رجلٌ من الانصار يقال له زياد بن لبيد: يا رسول الله! يرفع العلم وقد أثبت ووعته القلوب؟ فقال له رسول الله ﷺ : إني كنتُ لأحسبك من أفقه أهل المدينة، ثم ذكر ضلالة اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، فلقيت شداد بن أوس فحدثته بحديث عوف بن مالك، فقال: صدق عوف، ألا أخبرك بأول ذلك يرفع؟ قلتُ: بلى، قال: الخشوع، فلا ترى خاشعاً) وواضح أن الكلام على العمل بالعلم، أن أول ما يرفع هو بركة العلم، تزول بقلة العمل، ومن ذلك زوال الخشوع، حتى يؤدي ذلك في النهاية إلى أن يكون الناس فيهم من يقول: لا إله إلا الله، ويُسأل الرجل عن معناها فيقول: سمعتها من جدي وأبي ولا يعرف معناها، وفي آخر الزمن تنتهي المسألة إلى أن تصبح كلمة التوحيد طلسم من الطلاسم، لا يُعرف معناه.
وقال بعضهم: خرج رجلٌ يطلب العلم، فاستقبله حجرٌ في الطريق، فإذا فيه خط منقوش "إقلبني ترى العجب وتعتذر" قال: فأقلب الحجر، فإذا فيه مكتوب: أنتَ بما تعلمُ لا تعمل، كيف تطلب ما لا تعلم؟ فرجع الرجل، لعل رجلاً كتبه في طريق طلاب الحديث، وكلما مرَّ عليها واحد قرأها وردها.
وقال عطاء: [كان فتىً يختلف إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ فيسألها وتحدثه، فجاءها ذات يومٍ يسألها، فقالت: يا بني! هل عملتَ بعدُ بما سمعتَ مني؟ قال: لا والله يا أماه، فقالت: يا بني! فبم تستكثر من حجج الله علينا وعليك؟] إذا أخذت نصيباً وعملت به، فتعال خذ غيره.
وقال شعبة: "ما أنا على شيءٍ مقيمٌ أخاف أن يدخلني النار غيره" غير هذا العلم الذي تعلمته، أخشى أن يدخلني النار بعدم عملي به.
وقال ابن مسعود: [إني لأحسب العبد ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها.
فالخطايا تنسي العلوم، وإن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا، أي: إن عدم العمل بالعلم يسبب نفور الناس من العالم، وزوال هيبته من القلوب وبعدهم عنه.
стр. 2238
ذم طلب العلم للمباهاة والمراءاة
عقد الخطيب ﵀ باباً مهماً بعنوان: باب (ذم طلب العلم للمباهاة به والمراءاة فيه ونيل الأغراض وأخذ الأعواض عليه).
مثل الذين يطلبون العلم للشهادات، يريد وظيفة، يقول: لم نقبل في القسم العلمي ولا الجامعة، لم نقبل في الطب والهندسة، ندخل شريعة لنأخذ شهادة، أكون قاضياً أو مدرساً وهكذا يريد شهادة فقط!! وأصبحت عملية الدراسة كلها من أولها إلى آخرها في كلية الشريعة لأجل الشهادة.
قال النبي ﷺ : (من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري بها السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار) هذا الحديث أخرجه الخطيب البغدادي ﵀ بإسناد ضعيفٍ جداً في هذا الكتاب، لكن الحديث رواه ابن ماجة وله طرق أخرى، والحديث حسَّنه الألباني في صحيح الجامع.
وقال رسول الله ﷺ : (من تعلم علماً يُبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) حديث صحيح، أخرجه أحمد وغيره، ومعناه: لو أن واحداً جاء إلى العلم الشرعي الذي يبتغى به وجه الله -علم الشريعة- وتعلمه لأجل أن يصيب به عرضاً من الدنيا فقط، فلا يجد عرف الجنة يوم القيامة، وعرفها هو ريحها.
وقال الحسن: [من طلب العلم ابتغاء الآخرة أدركها، ومن طلب العلم ابتغاء الدنيا، فهو حظه منها].
وضرب مثل العالم السوء، فقيل: مثل عالم السوء كمثل حجرٍ وقع في ساقية، فلا هو يشرب من الماء ولا هو يخلي عن الماء فيحيا به الشجر.
ولو أن علماء السوء نصحوا لله في عباده، فقالوا: يا عباد الله! اسمعوا ما نخبركم به عن نبيكم، وصالح سلفكم فاعملوا به، ولا تنظروا إلى أعمالنا هذه فإنَّا قومٌ مفتونون، كانوا قد نصحوا لله في عباده، ولكنهم يريدون أن يدعوا عباد الله إلى أعمالهم القبيحة فيدخلوا معهم فيها.
وجاء في بعض المواعظ القديمة: "يا علماء السوء! جعلتم الدنيا على رءوسكم، والآخرة تحت أقدامكم، قولكم شفاء، وعلمكم داء، مثلكم مثل شجرة الدفل، تعجب من رأها، وتقتل من آكلها"، شجرة الدفل هذه شجر مر أخضر، حسن المنظر، (من الخارج خلاخل والبلاء من الداخل) فهذا مثل الذي عنده كلام وعلم لكنه لا يعمل.
ويلكم يا عبيد الدنيا، ماذا يغني عن الأعمى سعة نور الشمس وهو لا يبصرها؟ كذلك لا يغني عن العالم كثرة علمه إذا لم يعمل به، ما أكثر أثمار الشجر، وليس كلها ينفع ولا يؤكل، وما أكثر العلماء وليس كلهم ينتفع بما علم، فاحتفظوا -هذه نصيحة للناس أن يحتفظوا وينتبهوا ويحذروا من العلماء الكذبة الذين عليهم لباس الصوف، منكسين رءوسهم إلى الأرض، قولهم مخالف فعلهم، يشتري من الشوك العنب، ومن الحنظل التين، كذلك لا يثمر قول العالم الكذاب إلا زوراً، وإن البعير إذا لم يوثقه صاحبه في البرية، نزع إلى وطنه وأصله، وإن العلم إذا لم يعمل به صاحبه خرج من صدره وتخلَّى عنه وعطّله، وإن الزرع لا يصلح إلا بالماء والتراب، كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل.
стр. 2239
الوعيد الشديد لمن قرأ القرآن للصيت ولم يقرأه للعمل
عقد الخطيب رحمه الله تعالى باباً في هذا الكتاب بعنوان: باب ما جاء من الوعيد والتهديد والتشديد لمن قرأ القرآن للصيت والذكر ولم يقرأه للعمل به واكتساب الأجر، وساق حديث النبي ﷺ ، عن أبي هريرة: (أول الناس يُقضى فيه يوم القيامة رجلٌ أوتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملتَ فيها؟) قال: في الحديث: (ورجلٌ تعلم العلم والقرآن فأتى به الله فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملتَ فيها؟ قال: تعلمت العلم، وقرأت القرآن وعلمته، فقال: كذبت! إنما أردت أن يقال: فلانٌ عالم، وفلانٌ قارئ، فأمر به فسحب على وجه حتى ألقي في النار).
وقال الحسن ﵀: [إنه تعلم هذا القرآن عبيدٌ وصبيان لم يأتوه من قبل وجه، ولا يدرون ما تأويله، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]-ما تدبر آياته؟ اتباعه بالعمل- وإن أولى الناس بهذا القرآن من اتبعه، وإن لم يكن يقرأه].
يقول بعض القراء والحفظة: تعال نتنافس أنا وإياك في القراءة ومن أحفظ ومن أجود ومن أتقن، ولا ينظرون إلى مسألة العمل قال عمر ﵁: [لا يغرنكم من قرأ القرآن إنما هو كلامٌ يتكلم به، ولكن انظروا من يعمل بالقرآن].
ولذلك فإن هناك أناساً قد أقاموا حروف القرآن وعطلوا معانيه وحدوده: (وقد حدَّث النبي ﷺ ليلة أسري به على قومٍ تقرض شفاههم بمقارض من نار، كلما قرضت وفت ورجعت، فقلتُ: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: خطباء من أمتك يقولون ولا يفعلون، ويقرءون كتاب الله ولا يعملون).
ولذلك كانوا يحذرون من القراء الذين لا يعملون بالقرآن، فقال أيوب السختياني: [لا خبيث أخبث من قارئٍ فاجر].
وقال مالك بن دينار: "لأنا للقارئ الفاجر أخوف مني من الفاجر المبرز أو المبرز بفجوره" لماذا؟ لأنه الفاجر المبرز بفجوره تعلم أنه فاجر فتحذر منه، لكن الذي يلبس عليك، يظهر بشكل قارئ وصاحب دين، ولباس أهل العلم، وهو في الحقيقة بخلاف ذلك، فهذا يغتر وينخدع الناس به، فيضلهم.
стр. 2240
ذم السلف لظاهرة الجدل
قال في باب ذم التفقه لغير العبادة: قال الشعبي: "إنا لسنا بالفقهاء، ولكن سمعنا الحديث فرويناه، ولكن الفقهاء من إذا علم عمل".
وقال الأوزاعي: "إذا أراد الله بقومٍ شراً فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل".
فترى الآن بعض المناظرات في مسائل بسيطة، هذا يتكلم وهذا يرد، وهذا يرد على الرد، وهذا ينتصر لرد فلان، وهذا ينتصر لرد فلان، وترى المجادلات في الجرائد والكتيبات والكتب، كل واحد يرد، ويرد على الرد، وينسون قضية العلم، ويتمارون ويتجادلون في أشياء الحق فيها واضح، لكن الرد على أهل البدع والضلال لابد منه، وكذا المنافحة عن الدين، لكن الكلام في قضية تحويل مسائل العلم إلى مجادلات، فإذا أراد الله بعبدٍ خيراً فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبدٍِ شراً فتح له باب الجدل، وأغلق عنه باب العمل.
стр. 2241
ذم الاستكثار من الطلب وترك العمل
قال أبو نعيم: دخلتُ على زفر وقد غرغرت نفسه في صدره -أي: عند الموت- فرفع رأسه إليّ، فقال: يا أبا نعيم: "وددت أن الذي كنا فيه كان تسبيحاً" زفر من الفقهاء ومن تلاميذ أبي حنيفة ﵀، يقول: وددنا أن المسائل التي تكلمنا فيها كانت تسبيحاً.
وقال عائض الله: الذي يتبع الأحاديث ليحدثَ بها -أي: دون أن يعمل- لا يجد ريح الجنة.
ولما بكَّر أصحاب الحديث مرةً على الأوزاعي التفت إليهم، فقال: "كم من حريصٍ جامعٍ جاشعٍ ليس بمنتفعٍ ولا نافعٍ".
وقال الفضيل لشخص جاءه: لو طلبت مني الدنانير كان أيسر إليّ من أن تطلب مني الأحاديث، فقلت له: لو حدثتني بأحاديث -فوائد- ليست عندي كان أحب إليَّ من عددها من الدنانير.
قال: إنك مفتون، أما والله لو عملت بما قد سمعتَ لكان لك في ذلك شغلاً عما لم تسمع، ثم قال: سمعتُ سليمان بن مهران - الأعمش - قال: إذا كان بين يديك طعامٌ تأكله، فتأخذ اللقمة وترمي بها خلف ظهرك -شخص أمامه طعام يأخذ لقمة ويرمي بها خلف ظهره وهكذا- فمتى يشبع؟!! وهكذا الذي يجمع العلم دون أن يعمل، ويجمع ويجمع ويجمع ولا ينتفع بشيء؟ وقال سفيان بن عيينة من ورعه ﵀: "لو قيل لي يوم القيامة: لم طلبت الحديث؟ ما دريت ما أقول".
ولذلك كانوا إذا جاءهم الشخص العامي، أو الشخص الذي لا علاقة له بعلم الأسانيد يسأل عن شيءٍ في دقائق الأمور ليست من شأنه ردوه، وقد سأل رجلٌ ابن عيينة عن إسناد حديث، فقال له ابن عيينة: ما تصنع بإسناده؟ أما أنت فقد بلغتك حكمته، ولزمتك موعظته، اعمل به الآن، جئت تسألني عن الأسانيد والعلة، اعمل به أولاً.
وقال خلاد بن يزيد، وكان من أجل الناس وأعبدهم: أتيت سفيان بن عيينة، جاء يطلب أحاديث، فقال له سفيان: إنما يأتي بك الجهل لا ابتغاء العلم، لو اقتصر جيرانك على علمك كفاهم، ثم كوّم كومةً من حصى، ثم شقها بأصبعية، ثم قال: هذا العلم أخذت نصفه، ثم جئت تبتغي النصف الباقي، فلو قيل: أرأيت ما أخذته هل استعملته؟ فإذا صدقت قلت: لا، فيقال لك: ما حاجاتك إلى ما تزيد به نفسك وِقْراً على وقر، استعمل ما أخذت أولاً.
وسُئل سفيان بن عيينة من العالم؟ قال: "الذي يعطي كل حديثٍ حقه".
وما حق الحديث؟ العمل به، ولذلك كانوا يربون طلابهم على العمل بالعلم، ولذلك قال بعضهم لطلابه لما جاءوا يطلب منه سماع حديثٍ قال: حتى تعملوا بما تعلمون تأتوني فأحدثكم.
وقال شبابة: دخلت على شعبة في يومه الذي مات فيه وهو يبكي، فقلت له: ما هذا الجزع يا أبا بسطام؟ أبشر فإن لك في الإسلام موضعاً، فقال دعني، فلوددت أني وقادُ حمام، وأني لم أعرف الحديث، أي: من ثقل مسئولية العلم عليه، يقول: أنا لا أدري أن العلم الذي أخذته وجمعته قد يكون حجة عليّ، قد لا أكون عملت به، فألقى الله وعليّ حجة هذا العلم الذي تعلمته، ولذلك كانوا يحاربون تكثير الأسانيد، وطلب التكثيف، وعدم العمل بالنافع، وتعلم الشيء الجديد الذي ينفع، ولذلك وأي رجل في المنام علي بن المديني فقال له: جمعت حديثاً من مائة طريق، فانتظر قليلاً: أخشى أن يكون هذا داخل تحت قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١].
فأما الذي يعمل بالحديث فالاستكثار منه جيد، ولذلك وضع الإمام أحمد ﵀ في كتابه المسند فوق أربعين ألف حديث، لكنه عمل بها كلها، قال: ما تركت حديثاً إلا عملت به، ولما قرأ (أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة الحجام ديناراً) قال: احتجمت وأعطيت الحجام ديناراً، والدينار أربعة غرامات وربع من الذهب، لكن لأجل تطبيق الحديث بذلها الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
ولذلك قال العلماء: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكانوا يحاربون فيما يحاربون مسألة التوغل في بعض العلوم التي تشغل عن علم الكتاب والسنة، مثل: الاستكثار من النحو، حتى قال بعضهم: تلقى الرجل وهؤلاء يلحن حرفاً وعمله لحنٌ كله.
وقال بعضهم: رأيت الخليل بن أحمد في النوم، فقلت في منامي: لا يُرى أحد أعقل من الخليل، فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: أرأيت ما كنا فيه، فإنه لم يكن شيءٌ أفضل من سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال بعضهم: رأيت الخليل في المنام فقلت له: نجوت؟ قال: بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قلت: كيف وجدت علمك؟ -علم العروض والأدب والشعر؟ - قال: وجدته هباءً منثوراً:
سيبلى لسانٌ كان يعرب لفظة فيا ليته في وقفة العرض يسلم
وما ينفع الإعراب إن لم يكن تقىً وما ضر ذا تقوى لسانٌ معجم
على أن هذا الكلام لا يهون من أهمية تعلم اللغة العربية، لأن الإنسان لابد أن يتعلم اللغة العربية؛ ليصحح قراءة القرآن والحديث، لكن التوغل في دقائقها وفروعها التي تجعل الإنسان يتباهى بما عنده من النحو، ويؤدي به الأمر إلى التقعر والتكلف، والاختيال على الآخرين وانتقادهم، هذا هو المذموم.
ولذلك لما قيل لبعضهم: يا أبا نصر! أنت رجل قرأت كذا وكذا فلمَ لا تتعلم العربية حتى تصحح لسانك؟ قال: ومن يعلمني يا أبا الفضل؟ قال: أنا يا أبا نصر، قال: فافعل، قال: قل: ضرب زيدٌ عمراً، فقال له: يا أخي! ولمَ ضربه؟ قال يا أبا نصر: ما ضربه، إنما هذا أصلٌ ووضع للتمثيل فقط، قال: هذا أوله كذب لا حاجة لي فيه.
فهذا الكلام ينبغي أن يفهم الفهم الصحيح، وهو: أن تعلم اللغة العربية لابد منه، خصوصاً في هذا الزمان الذي عمَّ فيه الجهل باللغة العربية حتى صار الواحد يفتح القرآن ولا يعرف معناه من ضعف اللغة العربية، فلابد من تعلم اللغة العربية بقدر ما نفهم به القرآن والسنة، لكن الخوض في دقائقها وتفاصيلها الذي يصرف عن علم القرآن والسنة وعن الفقه وعن العمل هذا هو المذموم، ولابد أن يكون الإنسان عاملاً يتخذ من علمه زاداً لمعاده ينفعه يوم القيامة.
قال الحسن ﵀: [يتوسد المؤمن ما قدم من عمله في قبره -أي: رأسك في قبرك موضوع على وسادة؟ ما هي الوسادة؟ العلم- إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً، فاغتنموا المبادرة رحمكم الله في المهلة] هذه المهلة الدنيا.
وقال بعضهم:
فما لك يوم الحشر شيءٌ سوى الذي تزودته قبل الممات إلى الحشر
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ندمت على التفريط في زمنِ البذرِ
إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد بما كان أرصدا
стр. 2242
نعمة الصحة والفراغ
قد يفتن الناس بنعمة الصحة والفراغ، والنبي ﷺ لما قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحية والفراغ) عنده مال؛ بعض الناس ورث عن أبيه عقارات، يأتيه رزقه بكرةً وعشياً، لا ينقصه شيء، تراه في الصباح في نوم، وفي الليل يلعب البلوت إلى الفجر، وعنده عقارات تدر عليه: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح.
ونظم الشاعر المعنى فقال:
بادر شبابك أن يهرمَ وصحة جسمك أن يسقما
وأيام عيشك قبل الممات فما دهر من عاش أن يسلما
ووقت فراغك بادر به ليالي شغلك في بعض ما
وقدم فكل امرئ قادمٌ على بعض ما كان قد قدما
وقال معاوية بن قرة: أكثر الناس حساباً يوم القيامة الصحيح الفارغ، ورأى شريح جيراناً له يجولون مثلما تجد الآن الشباب في الشوارع يتسكعون، فقال: ما لكم؟ قالوا: فرغنا اليوم -أكملنا أشغالنا، والذي عنده حلقة علم أكملها- قال: وبهذا أمر الفارغ؟! أي: هل أمر بأن يتسكع.
ولذلك لمّا قال البخاري ﵀:
اغتنم في الفراغ فضل ركوعٍ فعسى أن يكون موتك بغتة
كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ ذهبت نفسه الصحيحة فلتة
وفعلاً مات البخاري ﵀ فجأةً.
ولما دخلوا على أبي بكر النهشلي وهو في الموت يومئ برأسه يصلي، لأنه لا يستطيع أن يقوم، فقالوا له: سبحان الله! على هذه الحال، فقال: أبادر طي الصحيفة، الآن صحيفتي ستطوى، فأنا أنتهز آخر لحظة من عمري في هذه العبادة:
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله إذا كنت ريحاً مستريحاً
وإذا ما هممت بالنطق في البـ ـاطلِ فاجعل مكانه تسبيحاً.
ولذلك أهل العلم إذا جاء إليه من يجادل بين يديه، قال: سبح سبح، إذا هممت بالنطق بالباطل فاجعل مكانه تسبيحاً، فينبغي اغتنام الصحة والفراغ والحذر من التأجيل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2243
الابتلاء بفتنة النساء
أشد الفتن على المسلم فتنة المرأة، ويكمن الخطر في أنها عندما تخرج من البيت يستشرفها الشيطان، أي: يزينها في نظر الرجال، لذلك حذر الرسول ﷺ من الدخول على النساء والاختلاط، وأمر بالزواج وتيسير الزواج، كما أمر بغض البصر، كما تحدث عن أوصاف الحور العين في الجنة وما أعده الله للذين لا يعملون الفاحشة ولا يلهثون وراءها.
стр. 2244
النساء أشد فتنة على الرجال
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
عباد الله: إن فتن الحياة الدنيا كثيرة، فمنها: فتنة المال، وفتنة الفقر، وفتنة الغنى، وفتنة الأولاد، وفتنة الحرب، وفتنة الاضطهاد والإيذاء، وغير ذلك من أنواع الفتن، ولكن النبي ﷺ قال: (ما تركت بعدي في الناس فتنةً أضر على الرجال من النساء).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: وفي الحديث أن الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران:١٤] فجعلهن من حب الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع قبل الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، وقبل فتنة الأولاد، ومع أنها ناقصة العقل والدين، فإنها تحمل الرجال على تعاطي ما فيه نقص العقل والدين كشغلهم عن طلب أمور الدين، وحملهم على التهالك على طلب الدنيا، وذلك أشد الفساد.
وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوةٌ خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم، وفي رواية للإمام أحمد رحمه الله تعالى: (إن الدنيا خضرة حلوة، فاتقوها واتقوا النساء) ثم ذكر نسوة ثلاثاً من بني إسرائيل (امرأتين طويلتين تعرفان، وامرأة قصيرة لا تعرف، فاتخذت رجلين من خشب- من تحت الثياب لتطول- وصاغت خاتماً، فحشته من أطيب الطيب المسك، وجعلت له غلفاً، فإذا مرت بالملأ أو بالمجلس قالت به، ففتحته ففاح ريحه) هكذا تحايلت لتلفت نظر الرجال إليها، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء.
قال النووي ﵀: ومعناه تجنبوا الافتتان بها وبالنساء، وتدخل في النساء الزوجات وغيرهن، وأكثرهن فتنة الزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن، ولذلك كان السلف ﵏ يحرصون على عدم الافتتان، فقد أرسل بعض الخلفاء إلى الفقهاء بجوائز، فقبلوها وردها الفضيل، فقالت له امرأته: ترد عشرة آلاف وما عندنا قوت يومنا! فقال: مثلي ومثلكم كقوم لهم بقرة يحرثون عليها، فلما هرمت ذبحوها، وكذا أنتم أردتم ذبحي على كبر سني، موتوا جوعاً قبل أن تذبحوا فضيلاً.
стр. 2245
خروج المرأة واستشراف الشيطان لها
ومن أسباب كون المرأة فتنة، ومن أسباب عظم الفتنة بها أمرٌ مهمٌ جداً تفسير للقضية، ذكره النبي ﷺ في قوله في الحديث الصحيح: (المرأة عورة) ولم يستثن وجهاً ولا كفين أمام الرجال (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) فما معنى قول النبي ﷺ : (استشرفها الشيطان)؟ أيها المسلم: فكر في هذه الكلمة: (استشرفها الشيطان) لتعلم من أين أتينا؟ قال المباركفوري رحمه الله تعالى: أي: زينها في نظر الرجال، وقيل: أي: نظر إليها ليغويها ويغوي بها، والأصل في الاستشراف رفع البصر للنظر إلى الشيء، وبسط الكف فوق الحاجب، هذا هو الاستشراف، والمعنى: أن المرأة يستقبح خروجها وظهورها، فإذا خرجت أمعن النظر إليها؛ ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها؛ ليوقعهما أو أحدهما في الفتنة، أو يريد بالشيطان شيطان الإنس من أهل الفسق وسماه به على التشبيه.
إذاً: الشيطان يرفع أنظار الرجال إلى المرأة، والشيطان يزين المرأة في أعين الناظرين، فترى المرأة إذا خرجت إلى الشارع تمشي ارتفعت إليها أبصار الرجال، ذلك لأن الشيطان حريصٌ على تزيينها وعلى رفع الأبصار إليها، فتجد الأبصار تتجه إلى المرأة من حين خروجها إلى الشارع، ومن حين بدوها للرجال، يستشرفها الشيطان، ويجعلها هدفاً منصوباً ملفتاً لينظر إليها الرجال، فهي وسيلته لإغواء الناس، ولذلك كان السلف ﵏ مع عبادتهم وزهدهم وورعهم، يخافون على أنفسهم من فتنة النساء أكثر مما نخاف نحن على أنفسنا مع ضعفنا، ولا مقارنة بيننا وبينهم.
فهذا سعيد بن المسيب وقد أتت عليه ثمانون سنة، منها خمسون سنة يصلي فيها الصبح بوضوء العشاء، وهو قائمٌ على قدمية يصلي، كان يقول: ما شيء أخوف عليَّ من النساء.
وهو ابن ثمانين سنة، يعبد الله تعالى، ويقوم الليالي، ومع ذلك يقول هذا.
следующие страницы →