Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
شرح أحاديث العطاس
ونشرع الآن في بيان وشرح هذه الأحاديث، وما يتعلق بآداب العطاس وبعض المسائل التفصيلية في الموضع:
стр. 2557
حكم قول العاطس: الحمد لله
أما قوله ﷺ : (فليحمد الله العاطس) فهذا يدل على وجوب ذلك، أي: ما حكم أن يقول العاطس الحمد لله، ظاهر الحديث يدل على وجوبه، ومعنى ذلك أنه يأثم إن لم يقل، لكن النووي نقل الاتفاق على الاستحباب، ولكن يبقى أن الأحوط للإنسان المسلم ألا يترك ذلك أبداً.
стр. 2558
ماذا يقول العاطس ؟
وأما المسألة الأخرى وهي: ماذا يقول العاطس؟ يقول: الحمد لله، وورد في رواية أخرى: (الحمد لله على كل حال) وورد في رواية أخرى: (الحمد لله رب العالمين) وكل هذه الأحاديث صحيحة وقد روى البخاري في الأدب المفرد: (من قال عند عطسة سمعها: الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان، لم يجد وجع الضرس ولا الأذن أبداً) قال ابن حجر ﵀: هذا موقوف على علي ورجاله ثقات، قال: ومثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع، فإذاً هنا صيغة جديدة وهي الجمع بين الحمد لله رب العالمين وعلى كل حال ونص الحديث: (الحمد لله رب العالمين على كل حال ما كان، وأن من قال ذلك لم يجد وجع الضرس ولا الأذن أبداً) وهذا رأي الحافظ ﵀ في هذا الحديث.
كما روى الطبراني بسند لا بأس به عن ابن عباس قال: (إذا عطس الرجل فقال: الحمد لله، قال الملك: رب العالمين، فإذا قال: رب العالمين؛ قال الملك: يرحمك الله) إذاً العاطس مخير في أن يقول: الحمد لله فقط، أو الحمد لله رب العالمين، أو الحمد لله على كل حال، ووردت رواية عن علي موقوفة في الجمع، وأما أفضل هذه الصيغ، فقد قال بعضهم: إن الحمد لله رب العالمين أفضل، وقال بعضهم: الحمد لله على كل حال أفضل لأنها أعم، وقال بعضهم: إن الصيغة الواردة في الصلاة التي وردت للرجل الذي عطس في الصلاة، قال: [الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما يحب ربنا ويرضى] قالوا: هذه دالة على أفضلية هذه العبارة، وعلى كل حال نقول: هو مخير بين العبارات الثابتة المرفوعة عن النبي ﷺ ، وإن قال هذا تارة وهذا تارة، فلعله يكون قد أصاب السنة إن شاء الله، فهو ينوع فتارة يقول: الحمد لله، وتارة يقول: الحمد لله رب العالمين وتارة يقول: الحمد لله على كل حال.
وإذا عطس فقال في الصلاة كما قال الصحابي والنبي ﷺ أقره على ذلك؛ فهذا أيضاً أمر محمود، لكن هناك أشياء غير مقبولة مثل أن يقول: الحمد لله والصلاة على رسول الله؛ لأن هذا ليس موضعها؛ لأن هذا ذكر من الأذكار، والأذكار توقيفية فإذا أضاف إليها الإنسان أشياء من عنده، وتركيبات لم ترد في الشريعة، فيكون مبتدعاً إذا أتى بهذه الأشياء وواظب عليها، أو اعتقد فضلها.
ولذلك نلتزم بالسنة ونأتي بما ورد في السنة، وقد جاء أيضاً عند البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن مجاهد أن ابن عمر سمع ابنه عطس فقال: آب فقال: وما آب؟ إن (آب) اسم شيطان من الشياطين، جعلها بين العطسة والحمد.
فهذه يمكن أن تصدر من بعض الناس، وفي رواية ابن أبي شيبة: آش (بدل الباء شين) فليحرص المسلم على ألا يصدر حروفاً بعد العطاس إلا الحمد لله رب العالمين.
وكذلك بعضهم يقول عبارات أخرى أو أدعية أخرى، فإذاً علينا التقيد بالسنة، وقد ذكر أهل العلم أنه يتحرر أن كل العبارات الواردة ثلاث: الحمد لله رب العالمين أو الحمد لله على كل حال، وذكر النووي ﵀ أن الحمد لله رب العالمين أحسن من الحمد لله، والحمد لله على كل حال أفضل، قال: يقول عقب عطاسه الحمد لله ولو قال: الحمد لله رب العالمين لكان أحسن فلو قال: الحمد لله على كل حال كان أفضل، وهذه الأحاديث تقتضي التخيير.
стр. 2559
التشميت والتسميت
بالنسبة لتشميت العاطس ورد بلفظ فشمَّت أو سمَّت، بالشين والسين، ومعناهما متقارب، والمقصود به التنبيه على هذه؛ حتى لا يظنها البعض خطأ مطبعياً، فيضيف نقاطاً على السين إذا رآها في بعض الكتب فالسمت: هو القصد والطريق القويم، والتشميت: التبريك، والعرب عندهم معنى شمته: أي: دعا له بالبركة، وشمت عليه: إذا برك عليه، وجاء في حديث علي وفاطمة شمت عليهما، إذا دعا لهما بالبركة، وقيل: إن التسميت أفصح، وعلى أية حال كلاهما بمعنى واحد.
стр. 2560
سبب قول: يرحمك الله للعاطس
ما هو وجه قولنا للعاطس إذا عطس: يرحمك الله؟ قال أهل العلم: إن العاطس إذا عطس ربما ينحل كل عضو في رأسه وما يتصل به من العنق يعني: أن هيئة العطاس وحركته فيها خطورة حتى أن بعضهم قالوا: لا تبقى عضلة في الإنسان إذا عطس إلا وتحركت، فإذا قلنا له: يرحمك الله كان هذا معناه: أن الله أعطاه رحمة يرجع بها كل عضو من الأعضاء التي تحركت إلى موضعها، ويبقى على حاله من غير تغيير، فرحمة الله لصونه لهذا العبد العاطس في رجوعه إلى حال الاعتدال.
وكذلك فإنه في اللغة الشوامت معناها: القوائم، فكأن التشميت أن يعود إلى قوامه الذي كان عليه، وأما بالنسبة لحال الشخص إذا لم يحمد الله ؛ فإنه لا يُشمت، وقد جاء في حديث: (إن هذا ذكر الله فذكرته، وأنت نسيت الله فنسيتك) والنسيان في اللغة يطلق على الترك، نسيتك أي: ترك الحمد للعاطس مناسبته واضحة فيحمد الله أن دفع عنه الأذى، وأذهب عنه الضرر وأعاده إلى حاله، وهذه نعمة والنعم تقابل بالحمد، وخروج الضرر نعمة، وعودته إلى حاله نعمة، ولذلك يقول: الحمد لله أنه ردني إلى صحتي وعافيتي.
стр. 2561
خفض الصوت عند العطاس
ومن آداب العاطس أنه يخفض صوته بالعطاس ويرفع صوته بالحمد، وأن يغطي وجهه كما ورد في الحديث الصحيح السابق ذكره حتى لا يخرج من فمه أو أنفه ما يؤذي الناس من جلسائه.
وقال بعض العلماء: إنه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً؛ لأنه إذا لوى عنقه وعطس تضرر وهذا مجرب، فإنه إذا عطس مع لي العنق تضرر.
стр. 2562
حصول المودة والتآلف بين المسلمين
ومن فوائد تشميت العاطس وقول: يرحمك الله، حصول المودة والتآلف بين المسلمين، وعندما نقول له: يرحمك الله؛ ففيها تأديب له بكسر نفسه عن الكبر، وحمله على التواضع؛ لأن ذكر الرحمة يقترن بالذنب الذي لا يعرى عنه هذا العاطس ولا غيره، فعندما نقول: يرحمك الله نذكره بأنه مذنب وأن عليه أن يتواضع لله ، ونكسر كبرياءه بإشعاره بالحاجة إلى رحمة ربه، وفيه نفع له بالدعاء له بالرحمة، وهذه من محاسن دين الإسلام؛ أنه حتى الحركات الطبيعية النفسية الجسدية التي تصدر من الشخص لها آداب وسنن وأذكار.
ولننظر إلى محاسن هذه الشريعة وجمالها عندما تأتي بهذا التكامل، وبهذا الترابط بين المسلمين، إذا عطس رجل بجانبك تقول له: يرحمك الله، ولو لم يكن بينك وبينه معرفة، فتدعو لشخص ليس بينك وبينه معرفة.
стр. 2563
حكم تشميت العاطس
وبالنسبة لحكم التشميت: ما حكم التشميت وأن نقول للرجل: يرحمك الله؟ الحديث (إذا عطس فحمد الله فشمته) هذا في حق المسلم على المسلم وفي رواية: (خمس تجب للمسلم على المسلم) فنستفيد من لفظة تجب للمسلم على المسلم أن تشميت العاطس واجب، وقولنا له: يرحمك الله واجب، وممن نصر ذلك ابن القيم ﵀ وقال: الوجوب لا مدافع له، ذكر ذلك في الزاد وأما في حواشيه على سنن أبي داود، فقال: جاء بلفظ الوجوب الصريح وبلفظ (الحق) أي: حق المسلم، وبلفظ (على) على المسلم، كل هذه تفيد الوجوب، وجاء بصيغة الأمر يشمته، فليقل له صاحبه: يرحمك الله.
هذه أوامر تفيد الوجوب، وقال بعض العلماء: إنها فرض على الكفاية إذا شمت واحد أغنى عن الجماعة، لكن النص: (حق على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله) يدفع هذا، أي: لا يمكن أن يتوافق.
إذاً هناك فرق بين رد السلام ورد العطاس، فرد السلام يكفي فيه عن الجماعة واحد، لكن رد العطاس بتشميت العاطس واجب على كل من سمع وأن يقول له: يرحمك الله كما في هذا الحديث.
فإذاً الراجح وجوب تشميت العاطس، لكن وجوب التشميت مقيد بما إذا حمد الله، فإذا لم يحمد الله لم يجب التشميت، بل لم يُشرع أصلاً، بل إن المشروع خلافه، وهو عدم التشميت، وهذا الذي فعله ﷺ .
стр. 2564
حكم تشميت الكفار إذا عطسوا
بالنسبة للكفار إذا عطسوا لا نشمتهم وإن قالوا: (الحمد لله) لا أهل الذمة ولا غيرهم، وإنما نقول لهم: يهديكم الله ويصلح بالكم، وهذا يمكن أن يعتبر تشميتاً مخصوصاً بالكفرة، والبال هو الشأن، فأنت تدعو الله له أن يصلح شأنه، وأي شيء أعظم من إصلاح شأنه بدخوله في الإسلام وهدايته، لكن المسلمين أهل للدعاء بالرحمة بخلاف الكفرة.
стр. 2565
استثناءات في عدم التشميت
مسألة: هل هناك استثناءات من التشميت؟ أناس لا نشمتهم أو أحوال لا نشمت فيها: أولاً: إذا ما حمد الله لا نشمته.
ثانياً: إذا كان كافراً لا نشمته.
ثالثاً: المزكوم إذا تكرر منه العطاس فزاد عن الثلاث، قال بعض العلماء: المزكوم إذا زاد عطاسه عن الثلاث لا نشمته بعد الثالثة لأجل الحديث، وقد جاء عن أبي هريرة أنه قال: [شمته واحدة واثنتين وثلاثاً، وما كان بعد ذلك فهو زكام]، وجاء كذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (شمت أخاك ثلاثاً فما زاد فإنما هي نزلة أو زكام) وقال: (يُشمت العاطس ثلاثاً فما زاد فهو مزكوم) فإذاً بعد الثالثة لا نشمته، وبعض العلماء قالوا: ما دام يحمد الله نشمته حتى لو عطس مرات كثيرة، وممن يرى بهذا من المعاصرين الشيخ عبد العزيز بن باز، يقول: إنه لم ينه عن تشميته بعد الثالثة، ولكن وردت رواية عند ابن السني وصححها الشيخ ناصر فيها: (لا يشمت بعد الثالثة) وهذه الرواية تحتاج إلى نظر في إسنادها ففيها علة تحتاج إلى مراجعة ونظر.
فعلى أية حال يمكن أن نقول: إن المزكوم، أو الذي فيه حساسية -بعد العطسة الثالثة- من العلماء من يقول: يشمته إذا حمد الله، وهناك من يقول: إننا لا نشمته، لكن على أية حال لو شمته لا تكون قد ارتكبت أمراً محرماً، فالمسألة واسعة وسهلة إن شاء الله.
إذاً الذي دل عليه حديث مسلم وأبي داود والترمذي عن سلمة بن الأكوع: (أنه سمع النبي ﷺ وعطس رجل عنده فقال له رجل: يرحمك الله، ثم عطس أخرى فقال: الرجل مزكوم) هذه رواية مسلم والرواية عند أبي داود والترمذي من حديث سلمة أيضاً: (عطس رجل عند النبي ﷺ وأنا شاهد، فقال له رسول الله ﷺ : يرحمك الله، ثم عطس الثانية أو الثالثة فقال رسول الله ﷺ : يرحمك الله! هذا رجل مزكوم).
стр. 2566
حكم من عطس والإمام يخطب
ذكروا أيضاً من الحالات إذا عطس والإمام يخطب أنه لا يُشمت، وتقدم أن هذا الرأي هو قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
إذا عطس الخطيب فقال: الحمد لله! فإن سكت بعدما قال الحمد لله شمتناه، وإن واصل الكلام شمتناه في أنفسنا، حتى لا نتكلم وهو يخطب؛ لكن السامع في المسجد إذا عطس يحمد الله في نفسه ولا يشمته أحد من الحاضرين والإمام يخطب، فإن شمته بين الخطبتين حين يسكت الإمام أو بعد إقامة الصلاة أو بعد نزوله من المنبر فلا بأس بذلك.
стр. 2567
حكم من عطس وهو يصلي
وكذلك إذا كان المصلي يصلي فعطس، فلا نقول له: يرحمك الله، ولو سمعته بجانبك يحمد الله؛ لأن النبي ﷺ نهى معاوية بن الحكم عن ذلك، فإنه قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس) وعندما تقول له: يرحمك الله فهي مخاطبة، والمفروض أنه في الصلاة، والخطاب والكلام بينه وبين الله ، فلا تكلم رجلاً أثناء الصلاة، ولا تقل له إلا فيما ورد فيه النص مثل الفتح على الإمام مثلاً.
فإذاً وأنت في الصلاة لا تشمت رجلاً عطس سواء كان في صلاته أو كان في خارج الصلاة، فأنت في الصلاة لا تتكلم.
стр. 2568
حكم قول: الحمد لله للمصلي إذا عطس
وبالنسبة لحمد الله للمصلي إذا عطس، ورد أنه يحمد الله كما دل عليه حديث الشاب، لكن قال بعض العلماء: يشترط أن يكون ذلك في النافلة.
وقال بعضهم: عام في الفرائض والنوافل، لكن لا يكون في الفاتحة حتى لا يقطع الفاتحة بالحمد، ولكي تتسلسل الآيات فيها لفرضيتها ووجوبها هكذا.
стр. 2569
حكم من عطس في الخلاء
وأما إذا عطس وهو في بيت الخلاء، قالوا: لو قال: الحمد لله لا نشمته؛ لأن قولته (الحمد لله) خطأ، فنحن لا نتابعه على خطئه ولا نشمته، وهو مخطئ في حمده وذكره لله في بيت الخلاء.
стр. 2570
حكم تتابع العطاس
أما بالنسبة إذا تتابع العُطاس، عطس الواحد مرة واثنتين وثلاثاً وأكثر، ثم قال: الحمد لله مرة واحدة، نقول له: يرحمك الله، وإذا عطس ثلاث مرات ثم قال: الحمد لله الحمد لله الحمد لله، ذكر ابن حجر ﵀، قال: في فوائد بعض الأحاديث في صحيح البخاري: ويُستفاد منه مشروعية تشميت العاطس ما لم يزد على ثلاث إذا حمد الله، سواءً تتابع عطاسه أم لا، فلو تابع ولم يحمد لغلبة العطاس عليه ثم كرر الحمد بعدد العطاس، فهل يشمت بعدد الحمد؟ فيه نظر، وظاهر الخبر أنك تقول له: يرحمك الله يرحمك الله يرحمك الله إذا قال هو: الحمد لله الحمد لله الحمد لله، وإذا تتابع عطاسه، فإن عطس مثلاً خمس مرات وقال مرة واحدة: الحمد لله تقول له: يرحمك الله.
стр. 2571
حكم التشميت بعد الثالثة أو الرابعة أو الخامسة
ورواية (ولا تشمته بعد ثلاث) قال النووي: فيه رجل لم أتحقق حاله وباقي الإسناد صحيح، وقال ابن حجر: الرجل المذكور هو سليمان بن أبي داود الحراني وهذا الرجل ضعيف وقال النسائي: هذا الرجل ليس بثقة ولا مأمون.
هذا إشارة لما سبق من النهي عن التشميت بعد الثالثة.
أما إذا عطس الرابعة والخامسة فهل هناك نهي أم لا؟ فهذه المسألة تحتاج إلى تدقيق في معرفة صحة هذا الحديث، وكذلك بعد الثالثة، إذا عطس نقول له: (أنت مزكوم) وهذه اللفظة وردت إذا تتابع عطاسه، ونقولها بعد الثالثة، فمعناه أننا نخبره أنك لست أنت ممن يشمت بعد الثالثة لأجل العلة.
فالعطاس المحمود هو الذي يكون ناشئاً عن خفة البدن، فلما صار هذا من أهل العلة، ولما زاد على العطسة الثالثة ففي هذه الحالة لا يشمت، لكن هناك إرشاد بالدعاء له بالعافية، يعني: ليس القضية فقط أن نفرح بأنه مزكوم أو نبشره بأنه مزكوم، والمقصود الإرشاد هنا إلى شيء يحتاج إليه وهو الدعاء له بالعافية.
ولذلك نقل ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه قال: يُكرر التشميت إذا تكرر العطاس إلا أن يُعرف أنه مزكوم فيدعى له بالشفاء.
стр. 2572
العطاس نعمة من الله
ومن المهمات أن يعرف العطاس نعمة من الله كما سبق، وأنه يُفيد الجسم، ويطرد الداء؛ بخلاف التثاؤب الذي هو دليل على امتلاء البدن والكسل، ولذلك فإن العطاس يحبه الله وهو نعمة منه.
стр. 2573
حكم من عطس عنده شخص وهو لا يدري
ومن مسائل العطاس: لو أن العاطس عطس وأنت لا تدري هل حمد الله أو ما حمد الله؟ فعندنا ثلاث حالات: أن تدري أنه حمد الله فتشمته.
أن تدري أنه لم يحمد الله فلا تشمته، لكن هل تذكره؟
الجواب
نعم تذكره بذلك، فقد جاء عن الأوزاعي عن ابن المبارك أنه عطس رجل عنده فلم يقل: الحمد لله فقال له: ماذا يقول الرجل إذا عطس، قال: الحمد لله، قال: يرحمك الله، وهذا من بالغ الأدب والتأديب والتعليم.
الثالث: أنك لا تدري هل حمد الله أم لا؛ وفي هذه الحالة إذا وجدت قرينة تدل على أنه حمد الله، مثل أن قال له بعض الحاضرين: يرحمك الله وكان هؤلاء الحاضرون من طلبة العلم، ليسوا من الجهلة؛ لأن الجاهل يمكن أن يقول له: يرحمك الله؛ حمد أو لم يحمد، فالجهلة لا يستدل بحالهم؛ لكن لو كان هناك من طلبة العلم أو الناس الذين يعرفون السنة، فشمتوه كان ذلك دليلاً على أنه حمد الله، ففي هذه الحالة تشمت، وهناك حلٌ آخر وهو ما رواه البخاري في الأدب المفرد عن مكحول: كنت إلى جنب ابن عمر فعطس رجل من ناحية المسجد فقال ابن عمر: يرحمك الله إن كنت حمدت الله، أي: إن كنت حمدت الله فيرحمك الله، فإذاًَ الأصل أننا نشمت إذا سمعنا.
стр. 2574
ما الذي يقوله العاطس للمشمت ؟
وكذلك من الأشياء أن الرد الذي يقوله العاطس للمشمت: يهديكم الله ويصلح بالكم ولكن هل وردت ألفاظ أخرى؟ جاء في الأدب المفرد بسند صحيح عن أبي جمرة سمعت ابن عباس إذا شُمت يقول: [عافانا الله وإياكم من النار يرحمكم الله].
وفي الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا عطس فقيل له: يرحمك الله، يقول: [يرحمنا الله وإياكم، ويغفر الله لنا ولكم] فإذاً السنة أن تقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، ولو دعوت له بالمغفرة ودعوت له بالرحمة أيضاً فقد ورد ذلك عن الصحابة.
وجاء حديث في الموطأ عن نافع عن ابن عمر: [أنه كان إذا عطس يقول له: يرحمك الله، قال: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر الله لنا ولكم] فجمع في الدعاء بين الرحمة والمغفرة.
وعلى كل حال فهذه الآداب تبين محاسن دين الإسلام، ونعمة الله على العاطس، وقد رتب عليه من الخير أنه شرع له الدعاء، وعلمه إياه، والذكر، وهو أن يحمد الله، ثم شرع الدعاء له بالخير وهو الرحمة، ثم شرع الدعاء منه للذي شمته بالخير أيضاً، وهذه نعم متواليات في زمن يسير، تصور أن رجلاً عطس فخرج منه الداء، ثم حمد الله فأجر، ثم دعي له بالرحمة، ثم دعا هو لمن دعا له، وهكذا في زمن يسير، فما أعظم هذه النعمة وهذه الشريعة! ومن تأمل هذه النعم المتوالية في شيء واحد من الأشياء التي تعرض كثيراً للناس أحب الله تعالى حباً يحدث في نفسه أكثر مما لو عبده أياماً.
وكذلك فيه تنبيه للعاطس على طلب الرحمة والتوبة من الذنب، ولذلك يقول: يغفر الله لنا ولكم.
стр. 2575
فائدة في موضوع العطاس
وكذلك من الأشياء التي تقال في موضوع العطاس، وهي نكتة (بمعنى فائدة) حصلت لـ أبي داود رحمه الله تعالى في مسألة إذا عطس وحمد ولم يشمته أحد؛ فسمعه من بعد عنه وليس عند ذلك العاطس شخص يشمته، أخرج ابن عبد البر بسند جيد عن أبي داود صاحب السنن: أنه كان في سفينة فسمع عاطساً على الشط - أبو داود في البحر في السفينة أو في النهر- فسمع عاطساً على الشط حمد الله ولم يكن عنده أحد يشمته، فاستأجر قارباً بدرهم حتى جاء إلى العاطس فشمته، قال: يرحمك الله ثم رجع، فسئل أبو داود عن ذلك: ما الذي حملك على ما صنعت، وتكلفت، واستأجرت قارباً وذهبت؟ فقال: لعله يكون مجاب الدعوة فيقول لي: يغفر الله لنا ولكم، أو يهديكم الله ويصلح بالكم، فأستفيد، فلما رقدوا سمعوا قائلاً يقول: يا أهل السفينة إن أبا داود اشترى الجنة من الله بدرهم، وجَوَّد إسناده ابن حجر رحمه الله تعالى.
стр. 2576
حكم تشميت المرأة الأجنبية
وبالنسبة لتشميت المرأة الأجنبية قال ابن مفلح ﵀ في كتاب الآداب الشرعية: قال ابن تميم لا يشمت الرجل الشابة ولا تشمته.
وقال في الرعاية الكبرى: للرجل أن يشمت امرأة أجنبية -وقيل: عجوزاً- ولا تشمته هي وقيل: لا يشمتها، وذكروا قصة عن أحمد أنه كان عنده رجل من العباد، فعطست امرأة أحمد فقال لها العابد: يرحمك الله، فقال أحمد ﵀: عابد جاهل، وقال حرب: قلت لـ أحمد: الرجل يشمت المرأة إذا عطست؟ فقال: إن أراد أن يسمع كلامها فلا؛ لأن الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك؛ فلا بأس.
فإذاً هناك من فرق بين الشابة والعجوز، قال: العجوز تشمتها، لأنها سترد عليك وتدعو لك، فالعجوز لا تُشتهى ولا يطمع فيها، وأما الشابة فلا.
وبعضهم قال: إذا قصد المشمت سماع كلامها -وهذه مسألة تتعلق بالنيات- فلا يجوز له أن يشمتها، وإذا لم يقصد فلا بأس، وهي عليها أن تنتبه إلى أنه إذا شمتها رجل أجنبي ألا ترفع صوتها إذا كانت امرأة شابة أو تخشى أن يفتن بصوتها.
وهذه بعض المسائل المتعلقة بالعطاس، ونكمل الكلام عن موضوع العطاس، والتثاؤب، والتجشؤ، والتنخم إن شاء الله هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 2577
الرجوع إلى الحق
الحق هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلهما المكانة والشرف فوق كل الأديان والملل، وقد بين الله لنا حقارة الباطل ودناءته، ووضح لنا شرف الحق وعلو قدره ومكانته.
والله جل وعلا قد وضح لنا حقيقة الدنيا، فبين أنها ظل زائل.
وأنها مجبولة على الابتلاء والمتاعب.
فلا بد من الصبر والالتجاء إلى الله والرجوع إلى الحق وترك المعاصي والحجج الواهية في فعلها مثل قول بعضهم: المعصية مكتوبة عليَّ إلخ.
وكذلك تطرق الشيخ إلى بعض أمثلة اتباع الهوى.
стр. 2578
الحق ومكانته وشرفه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم علي نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فينبغي على كل مسلم أن يتفكر في نفسه، وأن يرى مواقع الخلل ليصلح من عيبه؛ ليسلم قلبه حتى يلاقي ربه بقلبٍ سليم؛ لأنه لا ينفع يوم القيامة إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، ويجب على المسلم أن يفكر في اتباع الحق، وينظر: هل هو يتبع الحق أم لا؟ إن هذه المسألة خطيرة أيها الإخوة وينبغي أن نفكر في أنفسنا، وأن نقوم لله تعالى متفكرين في اتباعنا للحق، هل نحن نتبع الحق أم نتبع الهوى.
ينبغي أن نفكر في شرف الحق، وضعة الباطل، وأن نتفكر في عظمة الله ، وأنه سبحانه اسمه الحق، وأنه يحب الحق ويكره الباطل، وأنه من يتبع الحق ينل رضوان الله، فكان الله وليه في الدنيا والآخرة، يختار له الخير، والأفضل والأنفع، والأشرف والأرفع، حتى يتوفاه راضياً مرضياً، فيرفعه إليه ويقربه لديه، ويحله في جواره مكرماً منعماً في النعيم المقيم والشرف الخالد، ومن أخلد إلى الباطل استحق سخط الله وغضبه وعقابه، فإذا جاء هذا المقيم على الباطل شيءٌ من نعيم الدنيا، فإنما ذلك لهوانه على الله ليزيده بعداً عنه، وليضاعف له عذاب الآخرة الذي لا تبلغ مداه العقول، ولا تستطيع أن تخيله ولا أن تتخيله.
стр. 2579
حقيقة الدنيا
عباد الله: كثيرٌ منا يتبع الباطل ويترك الحق، وذلك لعدم معرفته بمنزلة الحق وحال الباطل؛ ولأنه لا يتفكر فيمن يخالف الحق ويتبع الباطل.
إننا كثيراً ما نغرق في أوحال نعيم الدنيا، ولو فكرنا في نعيم الدنيا بالنسبة إلى رضوان الله ونعيم الآخرة، ولو فكرنا في بؤس الدنيا بالنسبة إلى سخط الله وعذاب الآخرة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣١ - ٣٥].
لولا أن يكون الناس أمةً واحدة لابتلى الله المؤمنين بأمورٍ لم تجر بها العادة؛ من الشدة والفقر، والضر والخوف والحزن، ولأعطى كل كافر كل نعيم، ولجعل كل مسلمٍ مؤمنٍ في عذابٍ وشدة؛ لكن الله يعلم برحمته وعلمه وحكمته أن الناس لا يطيقون ذلك، ولربما كفروا، ولذلك جرت العادة بنعيمٍ في الدنيا وعذابٍ هنا وهنا، ولكن الله يبتلي الصالحين على قدر دينهم، ولذلك ضاعف البلاء على الأنبياء، فالذي يطيق ضاعف عليه البلاء؛ ليجتبيه ويخلصه مما أصابه من آثام وأوزارٍ، وليرفع درجته، وليجعله عنده في المقام العالي.
стр. 2580
ابتلاء المرء على قدر دينه
ولذلك قال ﵊: (يتبلى المرء على قدر دينه؛ إن كان في دينه رقة خفف له في البلاء، وإن كان في دينه قوة ضوعف عليه البلاء) وقد جاء في الصحيحين من حديث كعب بن مالك قال: قال رسول ﷺ : (مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع، تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها مرةً حتى يأتي أجله، ومثل المنافق كمثل الأرزة المجذية التي لا يصيبها شيءٌ حتى يكون انجعافها مرة واحدة) أي كالشجرة الصلبة القوية؛ شجرة الأرز التي لا تنكفئ ولا تنثني حتى يكون انقلابها مرة واحدة.
ولكن لا يعني ذلك أنه يغفل عن الكفار، ولا أنه لا ينعم على المؤمنين، بل ينعم هؤلاء ويبتلي أولئك، ولكن البلاء في أهل الدين أكثر، كما أن النعيم في أهل الشقاء والكفر أكثر، يهذب المسلم فيأنس بالمتاعب والمصاعب، ويتلقاها بالرضا والصبر والاحتساب؛ راجياً أن تكون له خيراً عند ربه، ولا يتمنى ما للآخرين فيحسدهم، ولا يسكن إلى السلامة والنعم، بل لو جاءته يتلقاها في خوفٍ وحذر ويخشى أن تكون استدراجاً من الله، فترغب نفسه في تصريفها في سبيل الله، فلا يبخل ولا يركن إلى الراحة، ولا يعجب بما أوتي، ولا يستكبر ولا يغتر.
стр. 2581
ابتلاء الله لنبيه محمد ﷺ وأصحابه
لما سئل ﷺ : أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل).
وقد ابتلى الله أيوباً بما هو مشهور معروف، وابتلى يعقوب بفقد ولديه، وشدد أثر ذلك على قلبه فكان كما قصه الله في كتابه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف:٨٤].
وابتلى محمداً ﷺ فكلفه أن يدعو قومه إلى ترك ما نشئوا عليه تبعاً لآبائهم، ويصارحهم بذلك سراً وجهاراً، وليلاً ونهاراً، ويدور على نواديهم ومجتمعاتهم، استمر على ذلك ثلاث عشرة سنة وهم يؤذونه أشد الأذى، مع أنه كان قد عاش فيهم من قبل أربعين سنة لم يرد أنه أوذي فيها.
لقد كان من قبيلة شريفة، ونسبٍ محترمٍ موقر، في بيتٍ شريفٍ، نشأ على أخلاقٍ احترمه لأجلها الناس، ووقروه، ولقبوه بالصادق الأمين، وكان في غاية الحياء وعزة النفس، الذي يكون هذا حاله، واشتد عليه أن يؤذى ولو بكلمة، وأن يقال عنه: ساحر، أو كذاب، أو مجنون، أو به جنة، أو شاعر معلَّم علَّمه غيره.
يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى ويشق عليه غاية المشقة الإقدام على ما يعرضه إلى الأذى، لكنه مع ذلك أقدم مع ما لقيه من الأذى، هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وذاك يبصق في وجهه، وهذا يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سلى الجزور وأمعاءه على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنقه، وهذا ينخس دابته حتى تلقيه، وأبو لهب عمه يتبعه يؤذيه ويحذر الناس منه في المجالس، وهو ذاهب يدعو في مواسم الحج يقول: كذاب مجنون لا تصدقوه، وهؤلاء يغرون به السفهاء فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دماً، وهؤلاء يحاصرونه وعشيرته مدةً طويلةٍ في شعبٍ ليموتوا، وهؤلاء أيضاً يعذبون أتباعه، فيضجعونهم على الرمال في شدة الرمضاء، ويمنعونهم الماء.
منهم: من ألقي على أسياخ الحديد لم يطفئها إلا شحم ظهره لما سال عليها، ومنهم: امرأة عذبوها لترجع عن دينها، فلما يئسوا منها طعنها أحدهم بالحربة في مكان عفتها فقتلها، كل ذلك لا لشيءٍ إلا أنهم يدعون إلى الله ؛ ليخرجوا هؤلاء الذين يعذبونهم من الظلمات إلى النور، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى رضوانه، ومن الباطل إلى الحق، ومن عذاب الله إلى نعيمه، ومع ذلك كان هذا هو ما لاقوه.
ابتلى الله نبيه ﷺ بأن قبض أبويه صغيراً، ثم جده، ثم عمه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأته التي كانت تؤنسه وتخفف عنه، ولم يزل البلاء يتعاهده ﷺ ، فتدبر -يا عبد الله- كل هذا وانظر بم تخرج، وأي شيءٍ تستنتج؟ نخرج في أن ما نتنافس عليه من نعيم الدنيا، ونتهالك فيه ليس بشيءٍ إذا ما قورن برضوان الله والنعيم الدائم في جواره؛ لأن معنى ذلك أنه لما حرم الله أناساً من الدنيا وابتلاهم فيها وهم أولياؤه وأصفياؤه، يعني: أن هذا الابتلاء ليس بشيء بجانب ما أعد لهم في الآخرة.
ونخرج أيضاً أن ما نفر منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس بشيء بجانب سخط الله وعذابه في الآخرة، وأن الفقر والدَّين والمرض والوجع والألم، وابتلاء الناس وإيذاءهم ليس بشيء بجانب عذاب الله في الآخرة، ولذلك قال ﵊: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة واحدةً، ثم يقال له: يابن آدم! هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب) غمسة واحدة في النار أنسته كل نعيمٍ في الدنيا مر عليه، وكل حلاوة ذاقها (ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له: يابن آدم! هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا والله يا ربي ما مر بي بؤس قط ولا رأيتُ شدةً قط) إن غمسة واحدة في النعيم قد أنسته كل ما مر به في سنين حياته في الدنيا من أنواع البلاء.
стр. 2582
حال المؤمن مع الطاعات
على العبد أن يفكر في أعماله من الطاعة والمعصية، فالمؤمن يأتي إلى الطاعة راغباً نشيطاً لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فإذا عرضت له رغبة في الدنيا فعلى الله تعالى فيما يرجو عونه على السعي إلى الآخرة، فإن كان ولابد أن يأخذ بشيءٍ من الدنيا كان ذلك بما لا يشغله عن الدار الآخرة، يباشر الطاعة خاشعاً خاضعاً، مستحضراً أن الله يراه، ولذلك فهو يأتي بها على الوجه الذي شرعه، وقد قال الله : ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
فإذا تصدق صدقةً خاف على نفسه من الرياء، وإذا قام الليل خاف على نفسه من العجب، وإذا فعل الطاعات كأن تعلم ودعا خاف على نفسه من الرياء، وأن يكون ذلك لأجل الخلق، فينقي نيته ويصحح قصده باستمرار.
هذا هو حال المؤمن، لا يزال ينقي نيته لأنه يعلم أن الله لا يقبل العمل بلا نية صالحة، وإذا أخذ من نعيم الدنيا شيئاً فإنما هو لكسر شهوةٍ لابد من كسرها، كشهوة الجوع والنكاح، وكذلك من أجل أن تتقوى نفسه على العبادة، يصحح النية في العبادة لكي لا تكون لأجل الناس، ولا يأخذ من الدنيا إلا بقدر ما يعينه على استمراره للدار الآخرة، يجاهد نفسه ضد الشبهات والوساوس مستعيناً بطاعة الله، واقفاً عند حدوده، مبتهلاً إلى الله أن يثبت قلبه ويقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
стр. 2583
الحذر من جعل العبادة عادة
والعبد يحذر أن تكون عبادته عادة، وبعض الناس يصوم ليصح، ويصلي التراويح لينهضم طعامه، ويصلي عادةً وليس عبادةً، فيكون كالذي اعتاد العبث بلحيته يجد نفسه تنازعه إلى ذلك حتى لو كف عن ذلك ومنع منه شق عليه.
يقوم للصلاة عادة لا احتساباً للأجر ولا زيادة في الخشوع، كالذي يأتي الجمعة ليتفرج على الناس ويلقى أصحابه، ويقف على أخبارهم؛ دون أن يكون له حظٌ في زيادة إيمانٍ، أو احتسابٍ للأجر فيمن خرج ومشى، وبكر، وابتكر واقترب ولم يؤذِ.
стр. 2584
الحذر من الرياء في الطاعات
وبعض الناس يفعلون العبادات مراءاةً لينالوا المدح والثناء، وليعظم جاههم عند الخلق، وبعضهن ربما خرجت للصلاة لتلفت أنظار الرجال، كمن تخرج متزينة متعطرةً، وكبعض الذين يدعون صلاحاً ليعظّمهم الخلق، ويشتهر ذكرهم، وكالرئيس الذي يريد أن يتطاول الناس إلى رؤيته، وترتفع أصواتهم بمدحه وغير ذلك، والمؤمن وإن خلصت نيته في نفس الأمر لا يستطيع إلا أن يكمل المشوار عامداً إلى طاعة الله ، ثم يخاف ألا تقبل الطاعة: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] يخشى أن الله لا يقبل منه، ويجتهد في تصحيح العمل، فيعلم أن للصلاة شروطاً وأركاناً وواجبات، فيراعي أن يأتي بها على الوجه المطلوب، ويعلم أن روح الصلاة في الخشوع فيحذر نفسه، ويكون حاضر القلب والذهن وهو يقرأ آيات الله في الصلاة، ويتلو الأذكار التي كان النبي ﷺ يأتي بها.
هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ قال الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢] فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه، قد يطوف به الشيطان فيغفله عن قوة إيمانه، فلا تصفو له لذة، ثم لا يكاد جنبه أن يقع على الأرض حتى يتذكر فيستعيد قوة إيمانه، فيعض أنامله أسفاً وحزناً على غفلته التي أعان بها عدوه على نفسه، وكيف سمح للشيطان أن يجري ولو بفكره وراء وساوس الشيطان.
стр. 2585
احتجاجات باطلة لأجل فعل المعصية
أما إخوان الشياطين فتمدهم الشياطين في الغي، فيمتدون منه، ويمنون أنفسهم الأماني من الغرور الذي غرهم، فتجد العاصي يقول: الله كتب المعصية علينا ولو شاء ما فعلتها، يتهم الله بأنه هو الذي أوقعه في المعصية راضياً عنه، والله قد كتب الطاعات والمعاصي ولا شك، ولكن الله لا يرضى لعباده الكفر، وأعطاهم الإرادة، وأعذر وأنذر، وأنزل الكتب وأرسل الرسل، وبعض العصاة يقول: هذه مسألة اختلف فيها العلماء، هناك من يحللها وقد يكون كلامه هو الصحيح، وبعض العصاة يقول: قد اختلف في كونها كبيرة لعلها صغيرة، والصغيرة أمرها هين، والجمعة إلى الجمعة كفارة ورمضان إلى رمضان كفارة وسنحج في آخر الأمر، أو يقول العاصي: لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب، ألست أصلي؟ وأزكي؟ وأصوم؟ وأتصدق؟ ألست أبر والديَّ؟ وهكذا.
أو يقول أيضاً: لعل الله يغفر لي، أليس الله واسع المغفرة؟ أليس رحيماً بعباده؟ لعلها تنالني شفاعة، أليس يقولون: إن شفاعة النبي ﷺ عظيمة؟ أو يقول: غداً أتوب، وإذا تقدم بي العمر سأحج تلك الحجة التي تمحو جميع الذنوب، ثم أقبل على حالي ونفسي وأصلح ما أفسدت، وهذه فترة شهوة وقوة وغلبة نفس! وأحسنهم من يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، ويرى أنه قد تاب وقبلت توبته ومحي ذنبه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً * لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١١٩ - ١٢٣].
قال عدد من العلماء والسلف: إن هذه أخوف آية في كتاب الله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء:١٢٣ - ١٢٤].
قال ابن مسعود ﵁: [إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مر على أنفه فقال به هكذا] أي: كذبابة وقعت على أنفه فحرك يده وهش الذباب فطار، وانتهى كل شيء، هذا الفرق بين الإحساس بالمعصية من جهة المؤمن ومن جهة الفاسق.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على أنفسنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يعيذنا من الشيطان وشركه وشرّه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2586
محاكمة للنفس في اتباع الهوى واتباع الحق
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.
عباد الله: ينبغي أن نفكر في حال أنفسنا مع الهوى، إلى أي شيءٍ نميل، هل صار ميلنا إلى طاعة الله أم إلى معصية الله؟ إذا كان الميل إلى المعاصي، فمعناه: أن النفس بحاجة إلى إصلاح.
لنفكر في حال أنفسنا مع الهوى من جهة الميل عندما نتدخل لفض نزاعٍ، أو حكمٍ بين اثنين، لو جاء إليك اثنان يختصمان أحدهما قريب والآخر بعيد فإلى من تميل؛ إلى القريب أم إلى صاحب الحق؟ لو جاءك اثنان أحدهما تحبه والآخر لا تعرفه، أو بينك وبينه نفرة بسبب دنيوي، فهل تميل مع من تحب؛ أو تميل مع من معه الحق؟ لو أن شخصاً سب النبي ﷺ ، وآخر سب داود، وآخر سب عمر ﵁ وآخر سبك وسب أباك، فمن الذي تعادي أكثر؟ وكيف ترتبهم في العداوة؟ بعض الناس يثور إذا سبه أحد، ولو سمع أن أحداً سب النبي ﷺ ، أو أن كاتباً قد اتهم أو سب الدين، أو سب الرب، أو سب أولياء الله الصالحين، ربما لم يتحرك أبداً، لكن لو سبه شخصاً لثارت ثورته.
لو سمعت قول عالمين في مسألة أحدهما يقول: هي حلال، والآخر يقول: هي حرام، هل تميل نفسك إلى من يحللها، أو تميل نفسك إلى اتباع الحق والدليل مع أي واحد منهما كان؟ إذا سألت عالماً أو اطلعت على فتوى بتحريم شيءٍ، فهل ترضخ أم أنك تقول: لابد أن أسأل شخصاً آخر، وتظل تتبع المفتين لتصل إلى شخصٍ يقول: إنها حلال، ما هو الموقف؟ لو وقفنا مع أنفسنا حقاً ما هو الموقف؟ هنا يتبين -أيها الإخوة- من الذي يتبع الحق ممن يتبع الهوى، وهل يرضى عاقل لنفسه أن يشتري لذة اتباع هواه بفوات رضا رب العالمين، والحرمان من الزلفى عنده، والقرب منه، والنعيم العظيم في جواره؟ إذا كان كل منا يتجرد لله تبارك فلا يتبع الهوى فليبشر برضوان الله، وإن كان يميل إلى المعاصي والهوى؛ فليصحح نفسه قبل أن يبغته الموت فيقول: ﴿رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون:١٠] أريد ساعة لأتصدق وأكن من الصالحين، ولكن هيهات هيهات إذا نزل الموت: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح:٤] وكما قال الرجل الصالح لنفسه: تصوري أن الموت نزل بكِ الآن، فماذا كنتِ تتمنين؟ فقالت: كنت أتمنى أن أؤخر وأن أمهل، قال: إنك الآن في المهلة فاعملي.
اللهم إنا نسألك أن تعيننا على أنفسنا، وأن تقينا شر أنفسنا، اللهم اجعلنا ممن يخافك ويتقيك يا رب العالمين! اللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك.
اللهم انصر الإسلام وأهله يا رب العالمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر المجاهدين! اللهم ارفع الضر عن المسلمين، اللهم إن في إخواننا المسلمين من البلاء ما لا يعلمه إلا أنت فاكشف عنهم الضر يا رب العالمين، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، وإنهم عراة فاكسهم، وإنهم حفاة فاحملهم.
стр. 2587
وقفة مع كوسوفا
أنتم تسمعون -أيها الإخوة- ما يحل بإخواننا في كوسوفا، وتأتي الأخبار بما يلاقي إخواننا هناك، عشرات الآلاف قد شردوا من بلدانهم، وزرعت الحدود مع ألبانيا بالألغام حتى تنفجر بالنساء والأطفال وهم هاربون شاردون لا يلوون على شيء، يؤخذ الرجال إلى القتل، والنساء للاغتصاب، والأطفال ليمثل بهم.
أورخاتسا آخر الضحايا في الأيام الأربعة القادمة تلك البلدة المسلمة، سكانها عشرون ألفاً، (٨٠%) من بيوتها قد هدمت دكاً بالمدافع الصربية، ومئات القتلى في الشوارع، ورائحة النتن تنبعث من الجثث، ويقول شهود العيان: إنها رفعت بالجرافات، جثث المسلمين ترفع بالجرافات! وهاجر عشرون ألفاً إلى قرية مجاورة تبعد عشرة أميال لينبطحوا هناك على الأرض؛ لا طعام ولا شراب، مياه للشرب غير متوفرة، رعاية صحية لا توجد، ضمادات الجروح غير موجودة، لا منازل ولا مأوى ولا مسكن.
الآن هؤلاء على الأرض مشردون في هذه اللحظات، ونحن نقف هنا في المكيفات نقعد تحت الظل، وأولئك يقعدون في العراء، أخذ الرجال من البيوت وقتلوا في الشوارع إعداماً ورمياً بالرصاص، وخطفت حافلتان من حافلات اللاجئين قبل ساعاتٍ وأُعدم كل من فيها، وآخرون أخذوا إلى جهات مجهولة، واشتركت عصابة النمور الصربية التي كانت تعمل المذابح في البوسنة في إخواننا الآن في كوسوفا مصممين على إنهاء الوجود الإسلامي، وإذا لم يكن أخذوا نصف ديارهم فضموها إلى صربيا وتركوهم محاصرين في النصف الثاني.
اللهم إنا نسألك أن تنجي المستضعفين من المؤمنين، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، اللهم إنهم عراة فاكسهم، اللهم إنهم طريدون فآوهم، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، اللهم إنهم مقهورون فأعزهم إنك أنت العزيز الحكيم.
اللهم أنت الجبار ملك السموات والأرض، أنت على كل شيء قدير أنزل بالصرب والنصارى واليهود بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم فرق شملهم وشتت جمعهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل دائرة السوء عليهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم تضرعنا إليك، واستغثنا بك، ورجوناك ودعوناك، اللهم فلا تخيب رجاءنا، وانصر في هذا الموقف إخواننا، ورد في هذا المقام كيد أعدائنا.
اللهم رد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، واجمع كلمتهم على التوحيد والتقوى، اللهم ألف بين قلوبهم واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم أيقظ في قلوب المسلمين الحمية في قتال اليهود والنصارى، واجعل في قلوبهم الحمية لإخراج أولئك مما أخرجونا يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2588
الرجوع للحق
من الكبر بطر الحق، وذلك مذموم شرعاً، لكن من يهده الله يفتح في قلبه باب التواضع، ولا تستثقل نفسه التراجع إلى الحق، وفي السلف الصالح من الصحابة وأئمة الفقه والحديث خير مثال على ذلك، وقد بين الشيخ هذا الأمر في هذه المحاضرة بما يكفي لطالب الهداية.
стр. 2589
معنى الكبر وفضيلة التواضع
.
стр. 2590
ليس من الكبر التجمل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس) وفي رواية الترمذي: (ولكن الكبر من بطر الحق وغمص الناس) ورواه الإمام أحمد ﵀ عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: يا رسول الله! إني ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلاً، ورأسي دهيناً، وشراك نعلي جديداً -وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه- أفمن الكبر ذاك يا رسول الله؟ قال: لا.
ذاك الجمال، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من سفه الحق، وازدرى الناس).
هذا الرجل مالك بن مرارة الرهاوي ﵁؛ لما سمع أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر خشي أن يكون التجمل بالمباحات وإن كان دون إسراف، وفي حدود الشرع، خشي أن يكون التجمل في المظهر من الكبر، فأخبره النبي ﷺ أنه ليس كذلك، وأن الله جميل؛ جميل في ذاته سبحانه، جميل في صفاته، جميل في أفعاله ، أجمل شيء في الوجود رب العزة سبحانه، ولذلك إذا نظر أهل الجنة إلى ربهم نسوا كل نعيم في الجنة يوم القيامة.
إذاً فما هو الكبر الذي من كان في قلبه مثقال ذرة منه لا يدخل الجنة؟ قال: بطر الحق، أي: دفعه وإنكاره ترفعاً وتجبراً، التجبر على الحق فلا يراه حقاً، التكبر عن الحق فلا يقبله، هذا هو بطر الحق.
وغمط الناس أي: احتقارهم.
وعند هذه المسألة في قوله: (بطر الحق) نقف.
أيها الإخوة! إذا راجعنا أنفسنا يتبين لنا أن مما ابتلينا به أننا ندفع الحق في كثير من الأحيان ولا نقبله، ونجادل بالباطل ونحن نعلم أن ما عرض علينا هو الحق، ونترفع عن قبوله ونصد عنه، هذه ظاهرة خطيرة، وهي أساس كل بلاء، وهي عدم قبول الحق والإذعان له، وقد قال الله عن أخلاق المسلمين: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨] فإذا عرض عليك الكلام وكان فيه حق فاستمع واقبل، وقبول الحق من العدل الذي أمر الله به بقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥] قبول الحق من علامات التواضع.
سئل الفضيل بن عياض ﵀ عن التواضع فقال: يخضع للحق وينقاد له ويقبله ممن قاله، وقال ابن القيم ﵀: إن من أعظم التواضع أن يتواضع العبد لصولة الحق، فيتلقى سلطان الحق بالخضوع له والذل والانقياد، والدخول تحت رقه؛ بحيث يكون الحق متصرفاً فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع.
خضوع العبد لصولة الحق وانقياده له هو التواضع، بل قمة التواضع أن تخضع للحق، فهذا معنى عظيم من معاني التواضع غفل عنه الناس.
стр. 2591
تواضع السلف ورجوعهم إلى الحق
وقال عمر ﵁ في كتابه لـ أبي موسى الأشعري: [ولا يمنعك قضاء قضيت به اليوم فراجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم، ولا يبطل الحق شيء، وإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل] ولذلك أقر موسى ﵇ بخطئه لما ذكره به أعدى أعدائه فرعون لعنه الله، قال فرعون لموسى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩] أي: عندما قتلت ذلك القبطي، قال موسى ﵇: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] فاعترف أنه فعلها على ضلالة، ليس كفراناً بنعمة فرعون، ولكن فعلها على ضلال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] يعني: قبل أن يوحى إلي وأرسل وأنبأ، فعلتها إذاًَ وأنا من الجاهلين، ولما قال الخضر لموسى عندما تسرع موسى، ولم يفِ بعهده للخضر في الصبر على ما يجري قال الخضر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧٢ - ٧٣] فجمع بين الإقرار والاعتذار، وهذا من خلق موسى ﵇.
كلنا يفتقر إلى الحق، خلق الإنسان ظلوماً جهولاً، والنبي ﷺ كان يقوم الليل فيفتتح صلاته بقوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة؛ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) فيجب أن يكون عندنا افتقار إلى الحق، وأن نشعر أننا محتاجون إليه، وأننا لا غنى لنا عن الحق وإلا صرنا في نار جهنم.
وكان الخلفاء الراشدون يلتمسون الحق ويريدون معرفة أخطائهم، وقال عمر بن الخطاب ﵁ عبارته الذهبية: [رحم الله من أهدى إلي عيوبي] وقال عمر بن عبد العزيز لمولاه مزاحم: [يا مزاحم! إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وإني جاعلك عيني على نفسي -جعلتك جاسوساً عليَّ- فإن سمعت مني كلمة تربأ بها عني، أو فعلاً لا تحبه، فعظني عنده، وانهني عنه] وقال عمر بن عبد العزيز لـ عمر بن مهاجر: [إذا رأيتني قد ملت عن الحق، فضع يدك في تلبابي، ثم هزني ثم قل: يا عمر ما تصنع؟] وهذا من حرصهم على الحق ومعرفة أخطائهم، والرغبة في تقويمهم، كل واحد يريد أن يقوم، وأن ينبه، وأن يبين له خطؤه حتى لا يستمر على الضلال.
الرغبة في التقويم: إذا لم تكن عند كل واحد منا الرغبة في التقويم؛ فلن يتعلم ولن يتقدم ولن يهتدي، وكلام الأئمة في تواضعهم، كلام أئمة الفقه والعلم معروف مشهور، قال الشافعي ﵀: كل مسألة تكلمت فيها بخلاف الكتاب والسنة، فإني راجع عن كلامي في حياتي وبعد مماتي، وكذلك قال مالك ﵀، والنبي ﷺ علمنا أن نقبل الحق ولو من الكافر، ولو من اليهودي، عن قتيلة الجهنية قالت: (إن يهودياً أتى النبي ﷺ قال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت) أخرجه الإمام أحمد والنسائي.
إذاً: لم يجد النبي ﷺ أي غضاضة من قبول تنبيه اليهودي لأنه حق، وأخذ به، وأمر أصحابه به واعتمده، وهكذا يقبل الحق من أي مكان جاء، ومن أي شخص مهما كان كبيراً أو صغيراً، وعلى هذا جرى الأئمة.
стр. 2592
تواضع المحدثين
وقال البخاري ﵀: خرجت على الكتاب بعد العشر -بعد أن حفظ القرآن- فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره من المحدثين، فقال يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم، في أحد الأسانيد التي يحدث بها الشيخ في المجلس وحوله الطلاب، فقلت له: إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت أرجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه، دخل فنظر في مكتوبه في البيت، وكان يحدث من حفظه في الحلقة ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ -أمام الناس- كيف هو يا غلام؟ قلت: الزبير بن عدي عن إبراهيم، هكذا أظهر صواب الغلام أمام الناس وهو الشيخ، فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين رددت عليه؟ قال: ابن إحدى عشرة سنة.
وقال محمد بن عمار الموصلي: رددت على المعافى بن عمران حرفاً في الحديث، فسكت، فلما كان الغد جلست في مجلسه من قبل أن يحدث، وقال: إن الحديث كما قال الغلام، قال ابن عمار: وكنت حينئذٍ غلاماً أمرد ما في لحيتي أي شعرة.
وسأل رجل علياً عن مسألة فقال فيها، فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا، فقال علي ﵁: أصبتَ وأخطأتُ، وفوق كل ذي علم عليم.
وقال عبد الله بن وهب المصري: كنا عند مالك، فسئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء وكذلك اليدين، فلم يرَ ذلك، فتركت حتى خف المجلس، فقلت: إن عندنا في ذلك سنة، فذكر حديث: (إذا توضأت خلل أصابع رجليك) فرأيته بعد ذلك يسأل عنه فيأمر بتخليل الأصابع، ويقول: ما سمعت هذا الحديث قط إلا الآن، لكنه رجع إليه وأفتى به ﵁.
وهكذا كانت سنة الأئمة وأهل العلم في قبول الخطأ عند التنبيه عليه، يعترفون به ويرجعون إليه، ويعلنون ذلك كما قال أحدهم: أرجع وأنا صاغر، ولما صنف الإمام عبد الغني كتاباً في أوهام الحاكم، المحدث المشهور، لما وقف الحاكم على هذا الكتاب جعل يقرأه على الناس، ويعترف لـ عبد الغني بالفضل والشكر، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الرد عليه رحمة الله عليهما.
هكذا كانوا إذاًَ في تقبلهم للحق، بل وإكرامهم، حتى قام الكسائي وعانق وأجلس إلى جنبه من نبهه على خطأ في المجلس، وقال إسماعيل بن أبي أويس للبخاري: انظر في كتبي وما أملكه لك، وأنا شاكر لك ما دمت حياً أنك نبهتني.
стр. 2593
الأسباب المعينة على قبول الحق
ما هي الأسباب المعينة على قبول الحق؟ إذا لم يكن عند المرء تقوى فلن يقبل الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال:٢٩] فرقاناً: تفرقون به بين الحق والباطل، وتعرفون به الحق، وتنقادون إليه، فلا بد من التقوى، وأن يعرف الإنسان مقدار علمه، وأنه عرضة للخطأ، وقال ﵊: (كل بني آدم خطاء) قال عبد الرحمن بن مهدي ﵀: من يبرئ نفسه من الخطأ فهو مجنون، الذي يقول: أنا لا أخطئ كذاب: (كل بني آدم خطاء) من الذي لا يخطئ إلا من عصمهم الله .
وأن يعلم الإنسان منا أن الرجوع إلى الحق فيه أجر وثواب، لما حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق على مسطح ولا يعطيه شيئاً؛ لأنه ظلم ابنته عائشة، أنزل الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢] ولا يأتل: أي: لا يمتنع، وكان مسطح قريباً للصديق وقال: والله لا أنفق على مسطح شيئاً بعد الذي قال لـ عائشة، فلما نزلت الآية قال أبو بكر ﵁: [بلى والله، إني لأحب أن يغفر الله لي] فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: [والله لا أنزعها منه أبداً] وكفر عن يمينه، هكذا فعل.
فإذاً ثواب الرجوع إلى الحق هو الذي يدفع المؤمن إلى الرجوع، وهي خصلة عظيمة، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم اجعلنا من أهل الحق، وأقمنا على ملة الحق، وأمتنا على الحق إنك أنت الحق المبين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2594
الرجوع إلى الحق قوة لا ضعف
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: إن بعض الناس يتصور أن الرجوع إلى الحق ضعف، وأن العودة عن قوله أو فعله الخاطئ اهتزاز في شخصيته، ويأتي الشيطان لينفخ فيه فيقول له: إذا تراجعت فأنت ضعيف شخصية، بينما الحقيقة بخلاف ذلك تماماً، فإن الإنسان ولو توهم أن تراجعه ضعف أمام الآخرين، فإنه في الحقيقة رفعة في نظرهم، ويكبر في أعينهم، ولكن المسألة تحتاج إلى شيء من المصابرة والمجاهدة، لقد تلكأ علي ﵁ عن بيعة الصديق لأنه كان يعتقد في زمن أن له في ذلك حقاً؛ كما روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، ثم لما تبين الحق لـ علي ﵁ رجع، وقال لـ أبي بكر: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر على المنبر، رقى على المنبر، فتشهد وذكر شأن علي، أي: فضله ومنزلته، وعذره بالعذر الذي اعتذر إليه، ثم استغفر له، وتشهد علي بن أبي طالب ﵁ فعظَّم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنعه -أي من التأخر عن بيعته- نفاسة على أبي بكر -ليس حقداً ولا حسداً- ولا تقديماً لنفسه على نفس الصديق، ولا إنكاراً للذي فضله الله به، قال: [ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً ونحن آل محمد ﷺ ] ثم عرف أن الحق فيما أجمع عليه الصحابة من بيعة الصديق، فبايع علناً أمام الناس، قال الراوي: فسر المسلمون بذلك وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع المعروف، قال ابن حجر ﵀: أي كان ودهم له قريباً، إذاً ازدادت المودة لـ علي ﵁ لما راجع، لم تهتز شخصيته في أعينهم، لم يصبح ضعيفاً في أعينهم، وإنما ازدادت مودتهم له لما رجع إلى الحق.
وقال عبد الغني الأزدي: لما رددت على أبي عبد الله الحاكم الأوهام التي في المدخل إلى الصحيح في كتابه، بعث إلي يشكرني ويدعو لي، فعلمت أنه رجل عاقل، فإذاً الراجع إلى الحق يزداد في أعين الناس، وإن أوهمه إبليس في البداية أنها ضعف شخصية وأنها إهانة.
والذي لا يراجع الحق كبراً فإن الله يحرمه من معرفة الحق، كما قال الله : ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف:١٤٦] قال ابن جريج ﵀: أي سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها، قال المفسرون: سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم، وهكذا يكون مصير الذي يتكبر على الحق أن يحرم عن معرفته وتبينه، وهذه لا شك كارثة كبيرة ومصيبة عظيمة فادحة تنزل بالإنسان، غضباً من الله، وعقوبة له على تكبره عن الحق، أنه لا يعود ليميزه ولا يعرفه ولا يهتدي إليه.
стр. 2595
بعض العوائق عن قبول الحق
وبعض الناس ربما يسهل عليه أن يرجع إلى الحق إذا اكتشف هو بنفسه الخطأ، لكن إذا بين له من الآخرين لا يسهل عليه الرجوع، ويشق عليه أن يبين له من قبل الآخرين.
وبعض الناس ربما يقبل الحق ممن هو أكبر منه، لكن إذا كان من أقرانه أو ممن هو أصغر منه لا يقبل، وهذه مصيبة أيضاً، وقد تقدم حال السلف ﵏ في قبول الحق من الأطفال؛ لأجل منزلة الحق وعظم الحق في قلوبهم.
ومن الناس من يكون في نفسه عجب يمنعه من قبول الحق.
إذا نصحت لذي عجب لترشده فلم يطعك فلا تنصح له أبداً
فإن ذا العجب لا يعطيك طاعته ولا يجيب إلى إرشاده أحداً
صاحب العجب (المعجب بنفسه) كيف ينقاد للحق؟! وبعض الناس لا يرجعون إلى الحق لجهلهم، وأكثر النفوس على جهل ما لم تعلمه:
وضد كل امرئٍ ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعداءُ
وبعض الناس يرد الحق لأنه يخالف ما ألفه ونشأ عليه:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوده أبوه
وهكذا تتوارث الأجيال كثيراً من العادات والسلوكيات الخاطئة، وتتناقلها جيلاً بعد جيل، حتى تتحول إلى مُسِلَّمة من المُسلَّمات التي لا تقبل النظر والمراجعة، فضلاً عن تركها والبعد عنها، وحينئذٍ يجبن الكثيرون عن التصويب، وهكذا ما ترى من عادات بعض القبائل من الأمور المحرمة التي لا يرجعون عنها، ويعتبرونها قانوناً لا يسعهم التخلف عنه، وحجتهم هي حجة أهل الجاهلية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦١] ماذا يقول هؤلاء وغيرهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] وجدنا آبائنا هكذا، فنحن على ما وجدنا عليه آبائنا، تقول: هذا الحق، وهذا الكتاب، وهذه السنة، فيقولون: نحن على ما نشأنا عليه، وما ألفناه وما عرفناه، ويرفضون الحق.
فيا عبد الله! أيهما ينجيك عند الله: تقليد الآباء والأجداد، أم تقليد الكتاب والسنة؟ وما الذي سيقبله الله منك؛ أن تقول: وجدت أبي وجدي، والمجتمع من حولي، أو أن تعترف بما في الكتاب والسنة، وتراجع ذلك؟ وبعض الناس عندهم كبر تجاه الدعاة إلى الله والناصحين، لا يقبلون منهم نصيحةً، قال ابن مسعود ﵁: [إن من أكبر الذنب، أن يقول الرجل لأخيه اتق الله، فيقول: عليك نفسك أنت تأمرني؟!] وهكذا ازدراء الخلق، وإذا كان هؤلاء الخلق دعاة وفضلاء فإن ازدراءهم أعظم إثماً ولا شك، وهذه مسألة خطيرة -أيها الإخوة- ومبدأ مهم في حياتنا يجب اعتماده، والذي يخالف ذلك سيكون عرضة للهلاك بلا شك، وتأمل في أكثر مصائبنا وسبب انحرافاتنا تجد السبب أننا لا نرجع إلى الحق، وكثير من المشكلات بين الأب وأبنائه، والزوج وزوجته، والأخ وإخوانه، والجار وجاره، وهكذا، وبين المدعو والداعية، تجد أن السبب في المشكلة عدم الرجوع للحق، وعدم قبول الحق، ينبغي أن تقدر القضية حق قدرها، وأن تعطى شأنها، وأن نكون متواضعين للحق.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يخافك في الغيب والشهادة، وممن يقول كلمة الحق في الغضب والرضا، اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، اللهم إنا نشهدك أنك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، وأنك تبعث من في القبور.
ونسألك في مقامنا هذا في هذه الساعة أن تعتق رقابنا من النار، وأن تجعلنا من أهل الجنة الأبرار، اللهم إنك أنت الرحيم فارحم عبادك إنك على كل شيء قدير، اللهم ارفع البأس عن المسلمين، اللهم ارفع البأس عن المسلمين، اللهم ارفع البأس عن المسلمين.
هذه المؤامرات تحاك في بلاد المسلمين أيها الإخوة، وهذه الدوائر تدور عليهم من أعداء الإسلام والمسلمين، وهؤلاء الصرب يهددون أهل كوسوفو عند حصول أي شيء لهم بمذابح رهيبة، وآلاف مؤلفة من عصابات المذابح التي كانت في البوسنة التي يسمونها عصابات أراكان وعصابات النمور تتربص بالمسلمين المزيد من المذابح، بعد أن أنهوا عدداً كبيراً منها في المدة الماضية، والعالم مشغول كما يقولون، وهكذا تحاك حول المسلمين في فلسطين وما حولها في بلاد الشام وغيرها، تحاك الدوائر حولهم، ولكن الله لن يرفع الذل عن الأمة إلا إذا رجعت إليه، وأنابت إليه، والله يخوف الأمة وينذرها بهذه الأحداث والكوارث والقوارع، فمن الذي ينزجر: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد:٣١] ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠] والواجب علينا الاعتبار والاتعاظ ومراجعة الحق والرجوع إلى الله .
اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين، اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والرحمة للعباد، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
следующие страницы →