← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وجه المماثلة مع الخيل والغنم ومن أحمد الطبائع: طبائع الخيل التي هي أشرف الحيوانات نفوساً، وأكرمها طبعاً، وكذلك الغنم، ولذلك أخبر رسول الله ﷺ أن السكينة والوقار في أهل الغنم؛ لأنهم بمعاشرتهم لها قد اكتسبوا شيئاً من صفاتها، وهذا شيء تستغربه بعض العقول، ولكن الواقع يؤكده، وكما يصف ﵊ في الحديث الصحيح: بأن الخيلاء والفخر في أهل الإبل، فإنهم لا يزال الفخر طبيعتهم ولا تزال الكبرياء من سجاياهم.

стр. 2732

وجه المماثلة مع العقرب ومن الناس من نفوسهم نفوس سامة من ذوات الحمات، وهذه السموم الموجودة تثير في النفوس حرارة تدفعها إلى اللدغ بحيث تجد الراحة في إلقاء السم في أجساد الآخرين، وبعض الناس نفوسهم مثل نفوس العقارب قد اشتملت على السم الزعاف، ولا تستريح حتى تلقي سمها في أجساد الناس. مثل ذلك -أيها الإخوة- مثل الحاسد الذي تعتريه حرارة الحسد، فلا يستريح إلا بعد أن يصيب بسمية عينه إنساناً ذا نعمة؛ فيصيبه بالعين حتى تزول النعمة عنه، والعين حق كما أخبر رسول الله ﷺ . فتأمل المشابهة بين الحاسد الذي يصيب بالعين، وبين العقرب التي تحتوي على ذلك السم، وهذا الحاسد العائل يشعر بحرارة في جسده إذا رأى صاحب النعمة، ولا يرتاح حتى يصيبه بعينه فتسكن نفسه.

стр. 2733

وجه المماثلة مع الحمار ومن الناس من نفوسهم نفوس حمارية لم تخلق إلا للكد والعلف، كلما زيد في علفه زيد في كده. أبكم الحيوان وأقله بصيرة هذا الحمار، ولذلك جعله الله مثلاً للعالم الذي يعلم العلم ولا يعمل به ولا يفقهه، وإنما يحمله حملاً بغير تدبر ولا عمل، هذا مثل عالم السوء الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها. ومن الناس من نفوسهم نفوس سبعية غرضية، هِمَتُهُم العدوان على الناس، كما تجد السباع همها العدوان على الناس، وافتراس الفرائس، وبعض الناس هكذا يتوثبون الانقضاض على الآخرين، ويقهرونهم بكل ما وصلت إليه قدرتهم وقوتهم؛ فتصير طبيعتهم مثل طبيعة السبع.

стр. 2734

وجه المماثلة مع الفأر ومن الناس من نفوسهم نفوس فأرية، والفأر معروف بأنه مفسد لما جاوره؛ فيفسد الطعام ويقع فيه، حتى لا يستمتع به صاحبه، ولذلك فإن بعض الناس تشبه نفسياتهم نفسية الفأر يحبون الفساد والإفساد، لسانهم يسبح كأنه يقول: (سبحان من خلقه للفساد).

стр. 2735

وجه المماثلة مع النحلة وإذا تأملت في بعض المجتمعات الحيوانية، لوجدت أن بعض المجتمعات الإنسانية فيها شبه من تلك المجتمعات الحيوانية، فأنت إذا أخذت النحلة، فإن مجتمع النحل مجتمع عجيب، وذلك أن لها أميراً ومدبراً وهو اليعسوب، وهو أكبر النحل جسماً، وأحسنها لوناً وشكلاً، وتجمع الإناث فراخها عند الملك فيخرج بها إلى المرعى من المروج والبساتين والمواقع، في أقصر الطرق وأقربها، فتجتني منها كفايتها، فيرجع بها الملك، فإذا انتهوا إلى الخلايا وقف عند بابها ولم يدع نحلة غريبة تدخلها. فإذا تكامل دخولها، دخل بعدها وتواجدت النحل في مقاعدها وأماكنها؛ فيبتدئ الملك العمل كأنه يعلمها إياه، فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه، ويترك الملك العمل ويجلس في ناحية يشاهد النحل كيف تعمل ويراقبها في عملها، فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق، ثم تنقسم النحل فرقاً، فمنها فرقة تلزم الملك لا تفارقه، ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصفيه، ومنها فرقة تبني البيوت، وفرقة تسقي الماء، وفرقة تحمل على متونها، وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ. وكذلك أيها الإخوة! من عجيب أمر النحل أنها تقتل الملوك الظلمة المفسدة، لا تدين لطاعتها، وتقتل النحل الكسلان، حتى لا يعديها بطبعه، وهكذا بعض المجتمعات البشرية قد أوجدها الله وهيأها، لتسير خلف قائد ومربٍ تتعلم منه، وهو يراقب الأفراد ويعتني بهم، ويكفلهم ويرعاهم، وكذلك يقسمون العمل فيما بينهم حتى يعمل كلٌ منهم فيما يجيد فيه من العمل، مجتمع دءوب مثل مجتمع النحل، مجتمع منظم مثل مجتمع النحل، مجتمع يرفض الكسل ويعمل بدون توانٍ، يخطط وينظم في هندسة جيدة، كما أوجد الله ذلك في النحل، فيكون نتاج هؤلاء الناس عسلاً مصفى من وحي التربية القرآنية، والتربية المحمدية التي هي تطبيق للقرآن، كما خرج نتيجة العمل من ذلك النحل ذلك الشراب المصفى الذي فيه شفاء للناس، ولكن النتاج الذي يكون فيه شفاء القلوب أفضل وأعلى من النتاج الذي يكون فيه شفاء الأبدان.

стр. 2736

وجه المماثلة مع النمل وتأمل في هداية الله للنمل، وما حكاه الله في القرآن عن النملة التي سمع سليمان كلامها وخطابها لأصحابها بقولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل:١٨] فاستفتحت خطابها بالنداء الذي يسمعه من خاطبته، ثم أمرتهم بأن يدخلوا مساكنهم، ويتحصنوا بها من العسكر، ثم أخبرتهم عن سبب هذا الدخول وهو خشية أن تصيبهم مضرة الجيش فيحطمهم سليمان وجنوده، ثم اعتذرت عن نبي الله سليمان وعن جنوده باعتذار حسن، اعتذرت عنهم بحسن الظن بهم، وأخبرت بأنهم لا يشعرون، أي: ولو شعروا لما مروا فأهلكوا النمل من تحتهم، ولذلك تبسم نبي الله سليمان من حسن قولها وجودة منطقها، وما نتج عنها من الكلام الحسن الذي ينم عن جودة في التفكير والأسلوب. ولقد نهى ﷺ عن قتل أنواع من الحيوانات، مثل ما ثبت عنه أنه نهى عن قتل النمل والنحل والهدهد والصرد، وهو نوع من أنواع الطيور، وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: (نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج، وأمر بقرية النمل فأحرقت جزاءً لتلك القرصة، فأوحى الله إليه أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح، فهلا نملة واحدة!) فالعدل مكانه في كل شيء، أمن أجل أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح لله فهلا قتلت نملة واحدة؟ وتأمل لتلك المخلوقة الضعيفة كيف تدرك بالشم ما يدرك غيرها بالبصر، وتحمل من الطعام ما هو أكبر من حجمها، ومثل ذلك مثل بعض الناس الذين هيأهم الله لحمل الأثقال التي تنوء بحملها الجبال، إنها المسئوليات العظيمة في نصرة هذا الدين. وتأمل النملة عندما تعجز عن حمل شيء من الطعام؛ فإنها تذهب وتجيء بمجموعة في صف طويل، حتى تتعاون تلك الفصيلة من النمل في حمل هذا الشيء، وكذلك المشكلات العويصة التي إذا حلت بالمجتمع المسلم لا يستطيع أن يحلها رجل واحد، بل لا بد من تكاتف الجهود واجتماع الناس، وأن يتنادى بعضهم بعضاً، وأن ينتدب بعضهم بعضاً لهذه المهمات الشاقة، فيأتون في صف كالبنيان المرصوص، يحملون تلك التبعات ويجاهدون في الله حق جهاده. وتأمل كيف تجتهد النملة في صلاح العامة منها، غير مختلسة من الحب شيئاً لنفسها، لا توجد نملة في مجتمع النمل تأخذ هذا الطعام لوحدها؛ فتأكله وتعتزل به جانباً، وإنما تجره إلى جحرها حتى يتشارك الجميع في أكله، إن ذلك هو التعاون بعينه الذي يوجد في بعض مجتمعات البشر الذين حباهم الله بتلك النعم.

стр. 2737

وجه المماثلة مع الحمام وأخيراً: من أمثلة المجتمعات الحيوانية التي فيها انطباق ومشابهة كبيرة في حياة الناس: مجتمع الحمام، وهو من أعجب الحيوانات حتى قال الإمام الشافعي ﵀: الحمام أألف الحيوانات وأعقلها، أما أنه أعقل الطير فلأنه يحمل الرسائل والكتب، وربما زاد قيمة الطير منه على قيمة العبد والمملوك؛ لأنه يفعل في بعض الأحيان ما لا يفعله العبد والمملوك، فإنه يذهب ويرجع إلى مكانه من مسيرة ألف فرسخ فما دونها، وتنهي الأخبار والأغراض والمقاصد التي تتعلق بها مهمات الملوك والدول عن طريق هذا النوع من الحمام، ولهم قيمون عليها يعتنون بأنسابها اعتناءً عظيماً، فيفرقون بين ذكورها وإناثها وتنقل الذكور عن الإناث، والإناث عن الذكور، يخافون من فساد أنسابها؛ لأنه لا بد أن تكون أصيلة حتى تستطيع أن تؤدي المهمات. وقال ابن القيم ﵀ في تعليق لطيف في هذا الموضع: والقيمون -الموظفون الذين يقومون برعي هذا الحمام- يحفظون الذكور عن الإناث، حتى لا تختلط أنساب الحمام، ويحفظون أرحام حمامهم ويحتاطون عليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! والحمام موصوف باليمن والألف للناس، وهكذا بعض الناس تجده أليفاً، يحبه الآخرون، ولكن أناساً آخرين فيهم الفصائل الوحشية والنفور، لا يألفهم أحد؛ فهكذا الحيوانات على قسمين: قسم أليف يعيش مع الغير. وقسم وحشي ينفر من الجميع. هذا الحمام يألف المكان، ويثبت على العهد والوفاء لصاحبه، وإن أساء إليه، ويعود إليه من مسافات بعيدة، وربما صُدَّ عن الرجوع فترك وطنه عشر سنين وهو ثابت على الوفاء، حتى إذا استطاع العودة عاد إلى موطنه ذلك، وكذلك البشر منهم من يحفظ لك الوفاء والعهد، ولو أسأت إليه مرة فإنه يرجع إليك ويفيء؛ لأن عنده من تلك الطباع الأليفة ما يجعله يحتمل منك ذلك الخطأ في سبيل ذلك المعروف العظيم الذي أسديته إليه، كما أسدى صاحب الحمام إليها الطعام والمسكن، وهيأ لها وسائل المعيشة، فهي تحبه وترجع إلى المسكن وتألفه؛ ولذلك فإن الوصية كل الوصية لمن كان في ذلك المجتمع المسلم، فحصل له خير عظيم اقتبسه وتعلمه؛ أنه إذا أسيء إليه مرة أو أخطئ عليه أخرى أن يتناسى ذلك الخطأ، وأن يعود ويفيء إلى محضنه التربوي حتى يقتبس منه وينهل ويكتمل. وأسأل الله لي ولكم السداد، وأستغفر الله لي ولكم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو ولي الصالحين والمتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيله ومنهجه القويم. وإذا تأملتم أيها الإخوة! في الواقع الاجتماعي للناس، وموقف الذكور والإناث من بعضهم، فإنكم تجدون بعد البحث والمقارنة مشابهة عجيبة لبعض طباع الحيوانات في ذكورها وإناثها، فإن الحمام كما يقول ابن القيم ﵀: مُشاكل للناس في أكثر طباعه ومذاهبه، فإن من إناثه من لا تريد إلا زوجها -هذا في الحمام- ومنها من لا ترد يد لامس، وأخرى لا تنال إلا بعد طلب حثيث، وأخرى لها ذكر معروف بها ولكن إذا غاب زوجها تخونه في ذكر آخر، ثم تأمل انطباق ذلك في حياة الناس اليوم تجد العجب العجاب، ونسأل الله أن يحصن فروجنا، وأن يجعلنا من الذين لا يخونون، ويحفظون الأمانات. ومن الحمام من إذا باضت بيضة وهي لا تبيض في العادة أفسدت البيض، وتجد كذلك عند بعض الإناث الذين يجهضون ما في أرحامهن من الجنين الذي خلقه الله فيها؛ لأنها لا تريد المسئولية بزعمها، كما أن ذلك النوع من الحمام يفسد بيضه؛ لأنه لا يريد المسئولية. وفي الحمام كذلك طبيعة أن ذكوره وإناثه يتقاسمون المهمات، فتقوم الأنثى بالحمل والوضع ورعاية الفراخ، ويقوم الذكر بالبحث عن الرزق وجلبه إلى العش. والله سبحانه قد جعل بعض الدواب كسوباً محتالاً، وبعضها متوكلاً غير محتال، وكذلك البشر.

стр. 2738

استعراض لبعض طباع بني آدم وبعض الحشرات يدخر لنفسه قوت سنة، وبعضهم يتكل على الله ثقة به مثل الطيور، وكذلك البشر بعضهم يدخرون لسنوات طويلة، وبعضهم إذا كسبوا أنفقوا على أنفسهم بالمعروف، وتصدقوا وعلموا أن الله سيرزقهم في الغد، وهو يرزقهم فعلاً لما صدقوا الله من التوكل. ومن الحيوانات من يعول ولده، وبعضهم لا يعرف ولده، بل يلده ويذهب عنه، وبعض الإناث تكفل ولدها لا تعدوه، وبعضها تضع ولدها وتكفل ولد غيرها، وبعضها لا تعرف ولدها إذا استغنى عنها، وبعضها لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وبعض الحيوانات يعرف الإحسان ويشكره، وبعضها لا يعرف الإحسان ولا يشكره، وبعضها يؤثر على نفسه، وبعضها إذا ظفر بما يكفي أمة من جنسه لم يدع أحداً يدنو منه. وبعضها لا يأكل إلا الطيب، وبعض الحيوانات يأكل الطيب والخبيث. بعض الحيوانات يأكل الطيب فقط، وبعض الحيوانات يأكل الخبيث فقط مثل الخنزير، وكذلك الناس في معايشهم اليوم، من وفقه الله لكسب الحلال لا يأكل إلا طيباً، ومن أغواه الشيطان فولغ في الحرام فكل نفقته حرام في حرام، يضعون نقودهم في البنوك الربوية في الخارج، ويتقاضون من روائها الفوائد الربوية، منها يعيشون، وعليها يتقوتون، ومنها يغذون أطفالهم وأولادهم: (وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به). وبعض الحيوانات لا يؤذي إلا من آذاه، وبعضها يؤذي من لا يؤذيه وهكذا البشر، وبعضهم حقود لا ينسى الإساءة، وبعضهم يستقبح القبيح وينفر منه، وبعضهم لا يستقبح القبيح ولا يعرف الحسن، وبعض الحيوانات تتعلم بسرعة، وبعضها تتعلم ببطء، ولذلك فإن الذي يعاشر هذه الأصناف من الحيوانات فإنه يتأثر بها ولا بد. وبعض الحيوانات يخدع بسهولة، وبعضها لا يخدع بسهولة، كذلك البشر منهم فطن ينتبه، ومنهم من لا ينتبه ويقع في أول فخ ينصب له، قال بعض الصيادين: ربما رأيت العصفور على الحائط فأومئ بيدي كأني أرميه فلا يطير، أتظاهر بأني أرميه وليس في يدي شيء فلا يطير، وربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول شيئاً ولكن لا أتناول شيئاً فلا يتحرك، فإن مسست بيدي أدنى حصاة أو حجر أو نواة طار قبل أن تتمكن منها يدك، وهذا مشاهد في من عرف طبيعة الطيور. وكذلك أيها الإخوة! ينبغي للإنسان المسلم أن لا يكون خبّاً، وأن لا يخدعه الخبّ فلا يكون لئيماً ماكراً، ولكن لا يدع الماكرين الخبثاء ينالون منه في شيء، وهذا باب واسع جداً، ولو ظللنا نسرد ما فيه لطال بنا الوقت، ولكن تأمل -يا أخي- في النهاية إلى تدبر السلف لهذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام:٣٨] الطباع تتشابه: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]. اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لم اختلف فيه من الحق بإذنك. اللهم حسّن أخلاقنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح ذات بيننا، واجعل بلدنا رخاءً سخاءً وسائر بلاد المسلمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 2739

المشي كيف وإلى أين ؟ الإسلام دين شامل يتناول مظاهر الحياة كلها؛ والمشي نشاط إنساني ومظهر من مظاهر تحرك الإنسان على الأرض لعمارتها، وتنظيم علاقات الجنس البشري فيها، ولذلك لم تغفله النصوص الشرعية؛ فقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبوية لتبين آدابه، ولترشد المسلم إلى غايات ينبغي أن يسعى إليها، وتحذره من السعي الذي يبغضه الله ولا يرضاه.

стр. 2740

آداب المشي في القرآن الكريم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: انتهينا -أيها الإخوة- من الكلام عن آداب تلاوة القرآن الكريم، نتحدث اليوم -إن شاء الله- عن أدب إسلامي آخر وهو المشي، وربما يستغرب الإنسان ويقول: ماذا يمكن أن يوجد على المشي في هذه الشريعة؟! والحقيقة أن هناك كلاماً كثيراً في هذه الشريعة ورد في النصوص الشرعية يتعلق بالمشي، فلعلنا نذكر بعضه إن شاء الله في هذا الموضع. أولاً: بالنسبة للقرآن الكريم، فإنه قد جاء ذكر آداب المشي في القرآن الكريم في عددٍ من السور مثل سورة لقمان وسورة الفرقان، قال الله عن وصية لقمان لولده: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٨ - ١٩]. ومعنى قول الله : ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ [الإسراء:٣٧] أي: لا تمش مشية الخيلاء متكبراً جباراً عنيداً؛ فإن فعلت ذلك أبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] والمختال: المعجب في نفسه، والفخور: أي على غيره. وأوصى ولده بقوله: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أي: امشِ مقتصداً ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلاً وسطاً بين بين، هذا ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀، وقال العلامة الألوسي رحمه الله تعالى في تفسيره روح المعاني قال: (ولا تمش في الأرض) التي هي أحط الأماكن منزلةً (مرحاً) أي: فرحاً وبطراً ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] هذا هو التعليل للنهي، والمختال من الخيلاء، وهي التبختر في المشي كبراً، ولذلك قيل: إن اشتقاق اسم الخيل من الخيلاء، لأنه ما ركبها أحدٌ إلا وجد في نفسه خيلاء، فسميت الخيل خيلاً من هذا. وقوله تعالى: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) قال ﵀: بعد اجتناب المرح فيه، توسط فيه بين الدبيب والإسراع، من القصد وهو الاعتدال، وقال ابن مسعود: [كانوا ينهون عن خبب اليهود ودبيب النصارى، ولكن مشياً بين ذلك]. وفي البداية والنهاية أن عائشة نظرت إلى رجلٍ كان يتماوت في مشيته فقالت: ما لهذا؟ فقيل: إنه من القراء، فقالت: [كان عمر ﵁ سيد القراء وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع] فالمراد إذاً بالإسراع فيه ما فوق دبيب التماوت، وعلق في الحاشية بقوله: ورأى عمر ﵁ رجلاً متماوتاً فقال: [لا تمت علينا ديننا أماتك الله تعالى] ورأى رجلاً مطأطئاً رأسه فقال: [ارفع رأسك إن الإسلام ليس بمريض]. فيكره مشي التماوت الذي يخفى فيه الصوت وتقل الحركات ويتزيا صاحبه بزي العباد كأنه يتكلف في صفاته بما يقربه من صفات الأموات، ليُوهم أنه ضعف من كثرة العبادة، وكأن هذا الذي يمشي مشية التماوت يريد أن يقول للناس: من كثرة عبادتي وصيامي أنني متعب في المشي، وهذا من أنواع الرياء، لأن المسلم مطالب بإخفاء عمله، والسلف ﵏ كان بعضهم من كثرة الصيام يصفر لونه، فكانوا يدَّهنون حتى لا يظهر جفاف الشفاه ولصوق الجلد من كثرة الصيام، وكانوا يدهنون في نهار اليوم الذي يصومون فيه، حتى لا يظهر أثر العبادة وأثر الصيام؛ فيكون خفياً، فهو أقرب إلى الله . فمشية التماوت التي يظهر صاحبها أنه عنده تعبٌ شديدٌ من العبادة هي أمرٌ مذموم، وورد في صفته ﷺ إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وقال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان:١٩] وكونه ﵊ كأنه ينحط من صبب لا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] لأن بعض الناس إذا علم أن مشية النبي ﷺ في الأحاديث كأنه ينحط من صبب، وأنه يسير بشيءٍ من الإسراع، وأنه يتقلع تقلعاً: (كان إذا مشى يتقلع) -كما سيأتي معنا بعد قليل- ظن أن هناك تعارضاً بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] فيظن أن الهون في المشي يتنافى مع كونه أنه ينحط من صبب -كأنه ينحط من مكان مرتفع- وأنه يتقلع تقلعاً. فقال الألوسي ﵀: إذ ليس الهون فيه المشي كدبيب النمل، وذكر بعض الأفاضل أن المذموم اعتياد الإسراع بالإفراط فيه، وقال السخاوي: محل ذم الإسراع ما لم يخش من بطء السير تفويت أمرٍ ديني، لكن أنت تعلم أن الإسراع المذهب للخشوع لإدراك الركعة مع الإمام مما لا ينبغي. وعن مجاهد أن القصد في المشي التواضع فيه، وقيل: جعل البصر موضع القدم، فإن من عيوب الإنسان أن يتلفت وهو يمشي يميناً وشمالاً يتفرج، وربما وقعت عيناه على امرأة ونحو ذلك، وقد ذكروا -في مسألة غض البصر- أن رجلاً كان يمشي وينظر إلى امرأة في جانب الطريق فارتطم بعمودٍ فسال دمه من هذه الصدمة؛ فالالتفات يميناً وشمالاً لا إلى الأمام لا شك أنه من عيوب المشي. قال: وقيل جعل البصر موضع القدم، هذا بالنسبة لما ذكره في هذا الموضع. وقال: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) من أَقْصَدَ الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية ووجهه إليها ليصيبها، أي: سدد في مشيك، والمراد: امش مشياً حسناً، وكأنه أُريد التوسط به بين المشيين السريع والبطيء، هذا بالنسبة لما ذكره في هذا الموضع. وذكر الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان في تفسير سورة الإسراء عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧]: نهى الله جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية، (وقُرئ مرَحاً ومرِحاً) إذا قرأنا: (ولا تمش في الأرض مَرِحاً) أي لا تمش في الأرض في حال كونك متبختراً متمايلاً مشي الجبارين، قال: وأصل المرح في اللغة شدة الفرح والنشاط، وأطلق على مشي الإنسان متبختراً لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادةً. ولا شك أن الذي يمشي مشية الخيلاء متبختراً متفاخراً عُرضة لعذاب الله، والدليل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وغيره عن مسلم بن جحاشن عن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: يا بن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد -وهذا مشي الجبارين المتغطرسين- فجمعت ومنعت -جمعت الأموال ومنعت الفقراء- حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنّى أوان الصدقة)؛ لأنه إذا بلغت الروح التراقي فلا توبة ولا تنفع التصرفات المالية، أو لا تنفذ التصرفات المالية في تلك اللحظة. وكذلك جاء عن النبي ﷺ في قصة الرجل الذي كان يمشي متبختراً فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فهناك عقوبة للمتجبرين في مشيتهم، فالذي يمشي مشية الخيلاء متغطرساً مهدد بعقوبة من الله، ويوم القيامة يقول النبي ﷺ : (يحشر المتكبرون كأمثال الذر على صور الرجال يطؤهم الناس بأقدامهم). انتبهوا يا أيها الإخوة! قضية المشي هذه قضية مهمة ورد ذكرها في القرآن في هذه السور الثلاث في لقمان والفرقان والإسراء، فالمسألة مهمة. يقول الله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] أول صفة لعباد الرحمن ذكرها أنهم يمشون على الأرض هوناً قال ابن كثير ﵀: هوناً أي بسكينةٍ ووقار من غير جبرية -أي بدون تجبر ولا استكبار- كما قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء:٣٧]. فأما هؤلاء -أي: المؤمنون عباد الله- فإنهم يمشون من غير استكبارٍ ولا مرح ولا أشرٍ ولابطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعاً ورياءً -يمثلون تمثيلاً ويتظاهرون تظاهراً ويتماوتون تماوتاً- فقد كان سيد ولد آدم ﷺ إذا مشى كأنما ينحط من صبب، هذا في قوة مشيته وسرعته ﵊، فلا تفهم من قوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] أن تلك مشية المتماوت البطيء المتثاقل في الحركة؛ بل لا تبختر ولا تماوت، وامش بين بين، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعفٍ وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شاباً يمشي رويداً فقال: ما بالك أأنت مريض؟! قال: لا يا أمير المؤمنين، فعلاه بالدرة وأمره أن يمشي بقوة، وإنما المراد بالهون هاهنا السكينة والوقار كما قال رسول الله ﷺ : (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون -ركضاً وهرولةً وإسراعاً مفرطاً مبالغاً فيه- وائتوها وعليكم السكينة والوقار -والسكينة والوقار ليس معناها أن نسحب أرجلنا سحباً على الطريق- فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) هذا بالنسبة لما ذكره ﵀ في سورة الفرقان.

стр. 2741

آداب المشي في السنة النبوية لنشرع الآن في ذكر بعض الأحاديث التي وردت في صفة مشي النبي ﷺ ، ورد في الصحيح -والصحيح من الأحاديث إما أن يكون في البخاري أو في مسلم أو في كليهما أو ما ورد مستكملاً لشرط الحديث الصحيح- ففي الصحيح -أي في البخاري ومسلم - من حديث أنس ﵁ وهذا اللفظ لفظ مسلم: (كان رسول الله ﷺ أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفأ). وكان ﷺ أيضاً: (إذا مشى لم يتلفت) رواه الحاكم رحمه الله تعالى وهو حديثٌ صحيح، صححه الألباني في صحيح الجامع، وقال المناوي في شرح الحديث: لم يلتفت لأنه كان يواصل السير ويترك التواني والتوقف. والالتفات للحاجة لا بأس به، الإنسان يحتاج للالتفات إذا مشى من سيارةٍ أتت ونحو ذلك أو ليرى شيئاً؛ لكن ليس تلفت المتفرجين الذي يحصل من الناس اليوم وهم يسيرون في الشوارع وتقع أعينهم على ما لا يرضي الله، وكذلك التلفت يبطئ السير، والنبي ﷺ كان إذا مشى لحاجة مشى ومضى وعزم؛ ولم يكن يتباطأ في مشيته ولم يلتفت؛ لأنه كان يواصل السير ويترك التواني والتوقف، والتلفت في المشي يسبب التواني والتوقف والتلكؤ في المشي، فإذا لم تكن حاجة للتلفت فمن الأدب ألا يتلفت الإنسان في مشيته وهو يمشي: (وكان ﷺ إذا مشى مشى أصحابه أمامه وترك ظهره للملائكة) والملائكة كانوا يحرسونه من أعدائه، والله حسبه. (وكان ﷺ إذا مشى أسرع) وهذا الحديث قد جاء مرسلاً فهو حديث ضعيف، وكذلك مما ورد مما لم يصح وهو مشهور عند الناس حديث الترمذي: (ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه، ولا رأيت أحداً أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ كأنما الأرض تُطوى له، إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث) هذا جاء في الترمذي عن أبي هريرة وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، لكن معناه موجود، أنه ﵊: (كان إذا مشى أقلع) وصححه في صحيح الجامع ومعنى أقلع: مشى بقوة، كأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً قوياً، أقلع: يتقلع في المشي، لا كمن يمشي على طريقة النساء، وجاء في الحديث الصحيح أيضاً: (كان ﷺ إذا مشى كأنه يتوكأ) فهو إذا مشى ﷺ كانت خطواته جادة، كأنما ينحدر من صبب. وجاء عند ابن عساكر عن ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يمشي مشياً يُعرف فيه أنه ليس بعاجزٍ ولا كسلان) حديث صحيح. وكان أشبه الناس بمشية النبي ﷺ ابنته فاطمة؛ فقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم أيضاً عن عائشة قالت: (كنا أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئاً) فكان أشبه الناس مشياً بمشية النبي ﷺ فاطمة عليها رضوان الله.

стр. 2742

مشية النساء ومشية النساء في الشارع تختلف عن مشية الرجال، فلابد أن تمشي المرأة على جانب الطريق والرجال في الوسط، كما أخبر النبي ﷺ ، ثم إن المرأة إذا جاءت إلى رجل أجنبي للحاجة تكون مشيتها ما أخبر الله تعالى به في كتابه في سورة القصص عن بنت الرجل الصالح لما جاءت إلى موسى ﵇، لأن أباها لا يستطيع أن يأتيه بنفسه، قال الله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥] ليست بسلفع خراجة ولاجة، بل تمشي على استحياء، ما جاءت إليه جريئة سليطة، لأن مخاطبة المرأة لرجل أجنبي صعبة على العفيفة، أما الآن فصارت أسهل عندهن من شرب الماء من كثرة المكالمات الهاتفية والاختلاط في العمل، وكثير من الأماكن صار كلام المرأة مع الرجل الأجنبي عادياً جداً، فأصبحت المرأة تأتي الرجل الأجنبي بكل ثقة وجرأة ولم تعد تمشي على استحياء كما يقتضي الأدب الإسلامي في مشية المرأة المسلمة.

стр. 2743

ابن القيم يصف مشية الرسول ﷺ وقد وصف ابن القيم ﵀ مشية النبي ﷺ في كتابه زاد المعاد فقال ﵀: كان إذا مشى تكفأ تكفؤاً، وكان أسرع الناس مشيةً وأحسنها وأسكنها، قال أبو هريرة: (ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله ﷺ كأن الشمس تجري في وجهه) وذكر حديث الترمذي الذي تقدم ذكر ضعفه، وقال علي بن أبي طالب ﵁: (كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفأ تكفؤاً كأنما ينحط من صبب) وقال مرةً: (إذا مشى تقلع) قلت: والكلام لـ ابن القيم ﵀، والتقلع الارتفاع من الأرض بجملته. فلا يسحب رجليه سحباً كما يفعل بعض الناس، بل كان ﷺ يرفعها رفعاً ويضعها وضعاً. فإذاً كان يرتفع من الأرض بجملته كحال المنحط من صبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، وأبعدها من مشية الهوج والمهانة والتماوت، فإن الماشي إما أن يتماوت في مشيه ويمشي قطعة ًواحدة كأنه خشبةٌ محمولة، وهي مشيةٌ مذمومةٌ قبيحة، وإما أن يمشي بانزعاج واضطراب كمشي الجمل الأهوج وهي مشيةٌ مذمومة أيضاً، تجد أن كل شيء يتحرك فيه وهو يمشي، فهذه مشية الأهوج، وهي دالةٌ على خفة عقل صاحبها، أي إذا رأيت من يمشي مشي الأهوج في الشارع، وكل شيء يتحرك فيه، فاعلم أن في عقله خفة، وليس من اللازم أن يكون مجنوناً، لكن في عقله خفة، ولا سيما إذا كان يكثر الالتفات حال مشيه يميناً وشمالاً. وإما هذا الاحتمال الآخر: أن يمشي هوناً، وهي مشية عباد الرحمن كما وصفهم بها في كتابه فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] قال غير واحد من السلف: بسكينة ووقار من غير تكبرٍ ولا تماوت، وهي مشية رسول الله ﷺ ؛ فإنه مع هذه المشية كان كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، حتى كان الماشي معه يجهد نفسه ورسول الله ﷺ غير مكترث، وهذا يدل على أمرين، أن مشيته لم تكن بتماوت ولا بمهانة، بل كانت أعدل المشيات.

стр. 2744

أنواع المشيات ثم قال ﵀: والمشيات عشرة أنواع: منها: هذه الثلاثة التي مضت، وهي: التماوت، والهوجاء، والهون. الرابعة: السعي. الخامسة: الرمل؛ والرمل أسرع من السعي، وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى، ويسمى الخبب أيضاً، وفي الصحيح من حديث ابن عمر: (أن النبي ﷺ خب في طوافه ثلاثاً ومشى أربعاً). السادسة: النسلان، والنسلان هو العدو الخفيف الذي لا يزعج الماشي ولا يكرثه، ولا يسبب الإجهاد الكثير، الهرولة اليسيرة، وفي بعض المسانيد أن المشاة شكوا إلى رسول الله ﷺ من المشي في حجة الوداع -أي: من عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى - شكوا إليه تعب المشي فأوصاهم ﵊ بوصية فيها تخفيف عليهم، تتعلق بسرعة المشي، قال: (استعينوا بالنسلان) وهذا الحديث صحيح، رواه الحاكم وصححه الذهبي، فإذا كنت تمشي مسافة طويلة وأردت أن تستعين بشيءٍ يخفف عنك المشي الطويل فعليك بالنسلان، وهو الهرولة الخفيفة، فعند ذلك ستجد أنك قطعت مسافة أكثر براحة أكثر. السابعة: الخوزلة: وهي مشية التمايل وهي مشيةٌ يقال: إن فيها تكسراً وتخنثاً. الثامنة: القهقرى: وهي المشي إلى الوراء، وسيأتي حديث يتعلق بها. التاسع: الجمزى: وهي مشيةٌ يثب فيها الماشي وثباً، ويقفز قفزاً. العاشر: التبختر، وهي مشية أولي العجب والتكبر، وهي التي خسف الله سبحانه بصاحبها لما نظر في عطفيه وأعجبته نفسه فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، قيل: إنه قارون. وأعدل هذه المشيات مشية الهون والتكفؤ، أما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: دعوا ظهري للملائكة ولهذا جاء في الحديث: (وكان يسوق أصحابه) ومعنى (يسوق أصحابه) أنهم يمشون أمامه ويمشي وراءهم، وكان يمشي حافياً ومنتعلاً. ومما يتعلق بآداب المشي أن النبي ﷺ أمر الصحابة أن يحتفوا أحياناً لأجل أن يتعود الإنسان على الخشونة -يخشوشن- كما قال: (تمعددوا) انتسبوا إلى معد بن عدنان يعني في هيئته وشمائله، (واخشوشنوا) وفي رواية: (واخشوشبوا). إذاً: اعتادوا الخشونة، لأن الإنسان تتعاوره الظروف؛ فلن يكون دائماً في أماكن الترف والأماكن المهيأة، قد يضطر أن ينام أحياناً على الحجارة، وأن يمشي بدون نعال، فإذا كان هذا الإنسان مرفهاً مترفاً فلن يستطيع أن يتحمل، ولذلك تجد أصحاب الترف والميوعة لا يكادون يطيقون الحج، ويقولون: تعبنا وجهدنا ونحو ذلك، لأنه ليس متعوداً على المشقة، وأول ما يقع في شيء من المشقة في الطواف من زحام أو نحو ذلك يتأفف تأففاً عظيماً، وربما قال: ليتني ما حججت، وهذه عبارة سمعناها من بعضهم، قال: لو أدري أن الحج هكذا ما جئت. وكان ﷺ يماشي أصحابه فرادى وجماعات، وكان في السفر ساقة أصحابه؛ أي: يمشي وراءهم: (يزجي الضعيف ويردفه ويدعو له) وهذا الحديث رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيح. وقد ذكر العلامة السفاريني ﵀ في غذاء الألباب شرح منظومة الآداب بعنوان المشيات عشرة أنواع، ونقل كلام ابن القيم ﵀، وأضاف إليه بعض الإضافات، فمن الإضافات التي أضافها السفاريني على كلام ابن القيم، لما عرض أحاديث مشية النبي ﷺ وأنه إذا مشى كأنه ينحدر من صبب وأنه يمشي بنشاط وقوة، قال: فدلت هذه الأحاديث وأمثالها مما لم نذكر أن مشيته ﷺ لم تكن بمماتةً ولا مهانة، والصبب الموضع المنحدر من الأرض، وذلك دليلٌ على سرعة مشيه، لأن المنحدر لا يكاد يثبت في مشيه، والتقطع الانحدار من الصبب، والتقطع من الأرض قريب لبعضه من بعض، وأراد به قوة المشي وأنه يرفع رجليه من الأرض رفعاً قوياً لا كمن يمشي اختيالاً يقارب خطوه، فإن ذلك من مشي النساء. لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء؛ أن يمشي الرجل مشية المرأة. ثم قال متعقباً في قضية المشي إلى الصلاة ومستدركاً: نعم. ينبغي للإنسان أن يقارب خطاه إذا كان ذاهباً إلى المسجد لأجل الصلاة، لأن كل خطوة تكتب حسنة وتمحو سيئة وترفع درجة، فمن أجل هذا استحب بعض العلماء تكثير الخطى بتقاربها حتى تكون أكثر.

стр. 2745

آداب المشي مع الغير وقال ﵀ مضيفاً مطلباً وهو حكم المشي مع الغير: قال الإمام ابن عقيل: من مشى مع إنسانٍ فإن كان أكبر منه وأعلم فعن يمينه، يقيمه مقام الإمام في الصلاة، فهو قد قاس موضعه في المشي على موضع الإمام في الصلاة، وإذا كانا سواءً استحب له أن يُخلي له يساره حتى لا يضيق عليه جهة البصاق والامتخاط فإذا أراد الآخر أن يمتخط ويبصق فلا يكون هو عن يساره. ومقتضى كلامه استحباب مشي الجماعة خلف الكبير، وإن مشوا على جانبيه فلا بأس كالإمام في الصلاة، يعني يكتنفونه وفي صحيح مسلم في حديث يحيى بن يَعْمُر أنه هو وحميد بن عبد الرحمن مشيا عن جانبي ابن عمر ﵄؛ فإذا جاء اثنان إلى عالم اكتنفاه عن يمينه وشماله، وهذا من الأدب معه. وإذا لم يكن له حاجة بكلام معه فتقديمه من الأدب، لكن عليه أن يحذر من أن يصيبه كبر، فإن ابن مسعود لما خرج أصحابه يمشون وراءه قال: [ارجعوا فإنها ذلةٌ للتابع وفتنةٌ للمتبوع] ولذلك كان النبي ﷺ يتواضع ويمشي وراء أصحابه. وقال عبد القادر رحمه الله تعالى: وإن كان دونه في المنزلة يجعله عن يمينه ويمشي عن يساره وقد قيل: المستحب عن اليمين في الجملة، لتخلى اليسار للبصاق وغيره، وقال مالك بن معوذ: كنتُ أمشي مع طلحة بن مصرف، فصرنا إلى مضيق فتقدمني، ثم قال: لو كنتُ أعلم أنك أكبر مني بيومٍ ما تقدمتك، هذا بعض ما يتعلق بمشي النبي ﷺ وأدبه.

стр. 2746

مقاصد المشي بين الطاعة والمعصية أما بالنسبة للمشي فإن المشي لابد أن يكون في طاعة الله تعالى، فإن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود عن أبي هريرة: (والرِّجلان يزنيان فزناهما المشي) أي: المشي إلى ما حرم الله. وقال ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين في عبوديات الجوارح: وأما المشي الواجب فالمشي للجُمعات والجماعات -فهناك مشي واجب ومكروه وجائز ومحرم ومستحب، المشي الواجب هو المشي إلى الجُمعات والجماعات، والمشي حول البيت للطواف الواجب مثل العمرة الواجبة والحج الواجب سواء كان فرضاً أو كان نذراً- والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه، والمشي إلى حكم الله ورسوله إذا دعي إليه -إذا قيل له: تعال إلى القاضي فقد دعي إلى حكم الله ورسوله فلابد أن يجيب- والمشي إلى صلة رحمه وبر والديه، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر لما استحبه بعضهم من حج الماشي، لكن بدون أن يكون من مسافاتٍ بعيدة، فإن النبي ﷺ ركب. والمشي الحرام: المشي إلى معصية الله، والماشي إلى المعصية من رَجْل الشيطان، ما هو الدليل؟ الدليل: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] قال مقاتل: استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم، فكل راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جند إبليس.

стр. 2747

من أحكام المشي وأما بالنسبة لبعض ما يتعلق بالمشي من أبواب الفقه والأدب وغيرها، فمما يتعلق بالطهارة مشي المرأة إذا كانت تمشي فمرت بموضعٍ فيه قذر، وقد رخص لها بأن ترخي جلبابها شبراً أو ذراعاً؛ لأجل ألا تنكشف قدماها إذا هبت ريحٌ ونحو ذلك، ولا شك أن ارتخاء الجلباب أمر مستحب، لكنه صار شيئاً غير موجود في هذه الأيام تقريباً، فلا توجد الآن امرأة تسحب عباءتها شبراً أو ذراعاً بخلاف نساء العهد القريب، ربما بعض الناس إذا دقق في عباءة جدته رأى أنها تسحب وراءها شبراً أو شبرين، حتى إذا هبت الريح لا تنكشف قدماها، أما الآن فقد قصرت العباءات وظهرت الأقدام وأطراف السيقان وغيرها، وظهرت أشياء كثيرة، ليست فقط الأقدام أو الأصابع. ولو أنها مشت في مكانٍ قذر، فما هو الحكم بالنسبة لهذا؟ جاء في النسائي وغيره عن محمد بن إبراهيم عن أم ولدٍ لـ إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي ﷺ فقالت: (إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، فقالت أم سلمة: قال رسول الله ﷺ : يطهره ما بعده) الحديث بهذا السند ضعيف، لأن فيه جهالة أم ولد لـ إبراهيم بن عبد الرحمن. وجاء عند أبي داود بإسنادٍ صحيح: (عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلتُ: يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: أليس بعدها طريقٌ هي أطيبٌ منها، قلتُ: بلى، قال: فهذه بهذه) رواه أبو داود، وصححه في المشكاة. فإذا كان بعده طاهر طهره، لأن التراب مطهر للنجاسة العالقة بالثياب، فهذا حكم فقهي.

стр. 2748

استحباب المشي لصلاة الجمعة كذلك مما يتعلق بالمشي استحباب المشي إلى صلاة الجمعة، فهو أفضل من الركوب، لقوله ﷺ كما ورد في الصحيح: (من اغتسل يوم الجمعة وغسل -وفي رواية: غسل واغتسل- وغدا وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، وأنصت ولم يلغُ، كان له بكل خطوةٍ عمل سنة). إذاً: المشي إلى صلاة الجمعة وإلى العيدين أفضل، فإن كانت المسافة بعيدة جداً ركب إلى الموضع الذي لا يشق عليه المشي منه وأكمل الباقي مشياً، وفي صلاة العيدين إذا ذهب ماشياً من طريق يرجع من طريقٍ آخر. وأيضاً فإن المشي للصلاة من العبادات العظيمة، فقد جاء في الصحيح عن يزيد بن أبي مريم قال: لحقني عباية بن رافع وأنا ماشٍ إلى الجمعة، فقال: أبشر فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله ﷺ : (من اغبرت قدماه في سبيل الله فهو حرامٌ على النار) فالمشي إلى صلاة الجمعة من سبيل الله، فإذا اغبرت القدمان حرمهم الله على النار.

стр. 2749

الوضوء يكفر سيئات المشي المحرم وكذلك فإن الوضوء مما يزيل آثار المعصية التي حدثت في الرجلين، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليه بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء) وقال في آخره: (فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب). إذاً: الاهتمام بالوضوء أمرٌ مطلوب؛ ذلك لأن الوضوء المسبغ على السنة من الأسباب التي تكفر سيئات المشي المحرم الذي مشاه الإنسان برجليه، وكذلك فإن المشي إلى الصلاة من مكفرات الذنوب، كما جاء في عددٍ من الأحاديث كما قال النبي ﷺ : (ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة) أي: بعد خروجه من خطاياه بالوضوء الكامل المسبغ يكون مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة.

стр. 2750

المجيء إلى المسجد بسكينه ووقار وكذلك من الآداب ما تقدم أن الإنسان إذا مشى إلى الصلاة فإنه يمشي وعليه السكينة والوقار، ولا يهرول هرولة ويجري جرياً كما يفعل كثير من الناس إذا سمع الإقامة جاء يجري، يدخل في الصلاة وهو لاهث مضطرب الأنفاس، يضيق صدره ويعلو وينخفض من شدة جريه وسعيه، على أنه قد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مواضع أنه لا بأس أن يسرع أكثر من المعتاد لأجل اللحوق بالركعة، خصوصاً إذا كانت في هذه الركعة إذا فاتت فاتت الصلاة، كما لو جاء قبيل الركوع من الركعة الثانية من صلاة الجمعة، لو فاتته فاتته الجمعة، قال: فلو أنه اشتد لأجل هذه المصلحة الأعلى فإنه لا بأس بذلك. لكن الناس الآن يجرون بكل حال على ركوع الركعة الأولى أو الثانية، وخصوصاً إذا صار المسجد عريض الصف يركضون ويجرون جرياً حتى يشوشوا على الناس وعلى الإمام في الصلاة. وينهى عن ذلك النبي ﷺ بقوله: (فلا تأتوها وأنتم تسعون وائتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة) كما جاء في الصحيح. أما بالنسبة لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] ففسر مجاهد آثارهم بالخطوات والمشي إلى الجمعة والجماعات والصلوات، وكل هذا يكتب عند الله، ولذلك يقول النبي ﷺ كما ورد في الصحيح: (إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصلي مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصليها ثم ينام). فكلما كان بيتك أبعد كان أجرك أعظم، ولذلك لما أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من موضعهم إلى قرب المسجد نهاهم النبي ﷺ عن ذلك وقال: (بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم) أي: الزموا دياركم تكتب آثاركم. وكذلك من الآداب المتعلقة بالمشي أن الإنسان إذا كان مريضاً فأتى الجماعة وهو يحتسب هذه الخطوات فإن أجره عظيم عند الله، قال عبد الله بن مسعود كما في صحيح مسلم: (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة -صلاة الجماعة- إلا منافقٌ قد علم نفاقه؛ إن كان المريض ليمشي بين رجلين حتى يأتي الصلاة) يمشي وهو مريض حتى يأتي إلى الصلاة. وكذلك فإن من الأحكام والآداب أيضاً أن النبي ﷺ قال: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضي فريضةً من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) ولذلك يقول أبي بن كعب: كان رجلٌ لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاةٌ قال: فقلت له: لو اشتريت حماراً تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ : (قد جمع لك الله ذلك كله) رواه مسلم. فإذاً في المشي إلى الصلاة أجرٌ ليس فقط في الذهاب بل حتى العودة.

стр. 2751

فضل المشي إلى عيادة المريض وعيادة المريض أيضاً مما يمشى فيه في طاعة الله، فإنه قد جاء في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالح -أي: مريض، لكنهم يقولون ذلك تفاؤلاً- فقال رسول الله ﷺ : من يعوده منكم؟ فقام وقمنا معه ونحن بضعة عشر، ما علينا نعالٌ ولا خفافٌ ولا قلانس ولا قمصٌ نمشي في تلك السباخ حتى جئناه الحديث). إذاً هؤلاء مشوا لزيارة المريض ما كان عندهم نعال، مشوا في السباخ والأراضي السبخة يكون المشي فيها صعباً- كل ذلك لأجل الأجر، فليحتسب الإنسان المسلم مشيه لعيادة أخيه المسلم.

стр. 2752

الجمع بين الصلاتين في المطر من أحكام المشي أن الصلاة في المطر تُجمع لأجل عدم إرهاق الناس بالمشي في الوحل والطين، ولذلك جاء في الصحيح أن ابن عباس أمر المؤذن في يومٍ مطير، قال: (إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: أتعجبون من ذا؟! قد فعل هذا من هو خيرٌ مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم، فتمشوا في الطين والدحض). فإذا وجد الطين والزلق حتى لو لم يكن هناك مطر فهذا مسوغ لجمع الصلاتين، فإذا نزل المطر فمن باب أولى.

стр. 2753

جواز المشي اليسير أثناء الصلاة لحاجة من أحكام المشي أيضاً مشي المصلي أثناء الصلاة، وهذا قد يكون لسد فرجة، وإذا مشى الإنسان منا مشية فينبغي له أن يحتسبها، والمشي لسد فرجة في الصف هي خطوات أجرها عظيم عند الله كما ورد في الحديث، وإذا كان أمامه صف فيه فرجة أو انكشفت فرجة، فمشى من صفه الخلفي إلى الإمام لسدها فهذه خطوة عظيمة، ومشي المصلي خطوات يسيرة لفتح بابٍ ونحوه أيضاً مما يجوز، فقد بوب النسائي ﵀ في كتابه السنن: باب المشي أمام القبلة خطى يسيرة، أي: بدون أن ينحرف عن القبلة ويتغير اتجاهه، ثم جاء بحديث عائشة قالت: (استفتحت الباب ورسول الله ﷺ يصلي تطوعاً والباب على القبلة -أي: الباب في جهة القبلة- فمشى عن يمينه أو عن يساره، ففتح الباب ثم رجع إلى مصلاه) المشي كان عن يمينه أو عن شماله لأجل فتح الباب الذي على القبلة حسنه الألباني في صحيح سنن النسائي.

стр. 2754

من أحكام المشي في الحج وأما بالنسبة للمشي في الحج فمن أحكامه ما تقدم أن المشي يكون في الأشواط الأربعة الأخيرة، والثلاثة الأشواط الأولى يرمل فيها الطائف رملاً، فقد أمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط لأجل أن يروا المشركين جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا؛ كما جاء في الحديث الصحيح. هل انتهت السنة هذه بفتح مكة وانتهاء الشرك من مكة؟ الجواب لا. بقيت سنة كل طواف قدوم، فالسنة فيه أنك ترمل في الأشواط الثلاثة الأولى وتمشي في الأربعة الباقية، جاء أيضاً في الحديث لما قدم النبي ﷺ مكة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً. وكذلك فإن المشي في السعي من المشي في طاعة الله، كان النبي ﷺ إذا نزل من الصفا مشى، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، والعلم الأخضر الموجود الآن بداية الوادي، هذا الوادي كان موجوداً، والآن بعد أعمال التوسعة انتهى فصار المسعى كله علىمستوى واحدٍ لكن العلم الأخضر الأول ينبئك عن بداية الوادي، والعلم الأخضر الثاني ينبئك عن نهاية الوادي، فجاء في سنن النسائي وهو حديثٌ صحيح: (أن النبي ﷺ كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه) وفي روايةٍ له: (حتى إذا صعدت قدماه مشى حتى أتى المروة). حتى كان مئزره ﵊ يدور من شدة السعي، وبالنسبة لمرمي الجمار فقد جاء في الحديث الصحيح عند الترمذي: (كان ﷺ إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهباً وراجعاً) فالسنة إذاً المشي إلى الجمار ذاهباً وراجعاً.

стр. 2755

المشي إلى مسجد قباء وكذلك فإن من الأحكام المتعلقة بالمشي المشي إلى مسجد قباء، فقد جاء في الصحيح عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ كان يزور قباء راكباً وماشياً) وإذا كان ذلك يوم السبت فهو أفضل، فالذهاب إليه مشياً أو الذهاب إليه راكباً كله ورد في السنة.

стр. 2756

تشييع الجنازة وآدابه أما بالنسبة للجنازة والمشي فيها فقد قال النبي ﷺ : (الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها) رواه الإمام أحمد وأبو داود. إذاً المشيع للجنازة يمشي في أي مكان قريباً منها، والراكب لابد أن يكون خلفها، وقال ﵊: (الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها) حديثٌ صحيح. أما المشي بالجنازة فلابد أن يكون إسراعاً، وقد جاء عند النسائي وهو حديثٌ صحيح عن عيينة بن عبد الرحمن بن يونس قال: حدثني أبي قال: (شهدت جنازة عبد الرحمن بن سمرة، وخرج زياد يمشي بين يدي السرير -أي: سرير الجنازة- فجعل رجالٌ من أهل عبد الرحمن ومواليهم يستقبلون السرير ويمشون على أعقابهم، ويقولون: رويداً رويداً بارك الله فيكم -يريدون أن تمشي الجنازة ببطء- فكانوا يدبون دبيباً حتى إذا كنا ببعض طريق المربد، لحقنا أبو بكرة على بغلة، فلما رأى الذي يصنعون من التباطؤ في المشي حمل عليهم ببلغته وأهوى إليهم بالسوط وقال: خلوا فوالذي أكرم وجه أبي القاسم ﷺ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بها رملاً، فانبسط القوم). فقد قال: نكاد نرمل بها رملاً، فهذه هي السنة في الجنازة، لا شك أن المشي أيضاً في الجنازة فيه أجرٌ عظيم، فقد قال النبي ﷺ : (من مشى مع الجنازة حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان، والقيراط مثل الجبل العظيم).

стр. 2757

النهي عن المشي بالنعال بين القبور ومن أحكام المشي أيضاً: عدم جواز المشي بين القبور بالنعال، لأن النبي ﷺ رأى رجلاً يمشي بين القبور في نعليه فقال: (يا صاحب السبتيتين ألقهما) والسبتية: نوع معين من النعال. وقد أغرب من زعم أن النهي مختص بالنعال السبتية، والصحيح أن النهي عامٌ في كل نعل، لا يجوز المشي به بين القبور، هناك طرقات عريضة في المقبرة واسعة غير القبور، طرقات رئيسية لا بأس بالمشي فيها بالنعال، لكن إذا دخلت في مكان القبور في هذه المربعات أو في هذه الأماكن التي فيها القبور لا يجوز أن تمشي بين القبور بالنعال، ونعني القبور المقبور فيها الناس، أما القبور الفارغة فلا نعنيها. فكثير من الناس وحتى بعض الشباب المتدينين إذا نظرت إليه في المقبرة عند دفن الجنازة تراه يطأ القبر بنعليه ويمشي بين القبور بنعليه، ووطؤه أشد ولا شك.

стр. 2758

اغتنام المشي مع الصالحين وأهل العلم وكذلك فإن السنة المشي مع الصالحين وأهل العلم، لأن المشي معهم مكسب عظيم، فإن الإنسان يكسب علماً وأدباً وفائدة، وقد جاء في الصحيح عن أبي ذر قال: (خرجت ليلةً من الليالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ فقلتُ: أبو ذر، جعلني الله فداءك، قال: يا أبا ذر تعال، قال: فمشيتُ معه ساعة، فقال: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلى أن قال: فمشيتُ معه ساعة، قال: أجلس هاهنا فأجلسني في قاعٍ حوله حجارة) إلى آخر الحديث الذي فيه (رغم أنف أبي ذر) وفي الحديث فضيلة المشي مع أهل العلم والصلاح، وأشار إلى ذلك العلماء.

стр. 2759

المشي مع الضعفاء وأصحاب الحاجات وكذلك فإن من آداب المشي أن يمشي الإنسان مع الضعفاء، فقد جاء في الحديث الصحيح: (كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف -أي لا يستكبر- أن يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضي له الحاجة). وكذلك جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليّ من أن أعتكف في المسجد شهراً) وهذا حديث حسن رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج. والمشي في حاجة أخيك المسلم حتى تثبتها له أجرها أعظم، ولذلك قال: (ومن مشى مع أخيه المسلم حتى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام) لأن الناس يمشون على الصراط، وهناك من يسقطون في النار، ومن يسرعون مثل البرق، ومثل الريح المرسلة، ومثل أجاويد الخيل. فإذاً المشي مع أهل الحاجات ولو لم تنقض الحاجة أحب إلى النبي ﷺ من الاعتكاف في المسجد شهراً، أما إذا انقضت فيثبت الله تعالى قدمه يوم تزل الأقدام.

стр. 2760

حكم الحج ماشياً ومن أحكام المشي أيضاً: أن الإنسان إذا نذر أن يمشي إلى بيت الله لا يلزمه النذر، فقد جاء في الصحيح عن عقبة بن عامر أنه قال: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ فاستفتيته فقال لي: لا تمش ولتركب) لأن المشي إلى الحج حافياً ليس عبادة وقربة في ذاته، فنذره لا يكون نذر طاعة ولا نذر عبادة. ولذلك لما رأى النبي ﷺ شيخاً يهادى بين ابنيه، قال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: (إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني) وأمره أن يركب، وقال: اركب أيها الشيخ فإن الله غنيٌ عنك وعن نذرك.

стр. 2761

إماطة الأذى عن الطريق ومن آداب المشي أن الإنسان إذا كان ماشياً فرأى في الطريق عظماً أو حجراً يؤذي الناس فإنه يميطه وله أجرٌ عظيم، فقد جاء عن أبي هريرة في الحديث الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريقٍ إذ وجد غصن شوكٍ على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له).

стр. 2762

كراهة المشي بنعل واحدة وكذلك فإن من الأشياء المتعلقة بالمشي أن الإنسان إذا فقد إحدى نعليه أو انقطعت فإنه لا يمشي في نعلٍ واحدة، فقد جاء في البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (لا يمش أحدكم في نعلٍ واحدة، لينعلهما جميعاً أو ليخلعهما جميعاً) وهذا يمكن أن يدخل في آداب الانتعال الذي سيأتي معنا إن شاء الله تعالى.

стр. 2763

أحكام سلام الماشي والراكب وكذلك من الآداب المتعلقة بالموضوع قوله ﵊: (يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) فالراكب يسلم على الماشي لأنه أقل منزلة منه، فيبدأ هو بالسلام تواضعاً له، الماشي أرفع منزلة من القاعد، إذاً يسلم الماشي على القاعد، هذا أيضاً من التواضع.

стр. 2764

السلام على الصبيان وكذلك من الآداب أن الإنسان إذا كان يمشي فمر بصبيان أن يسلم عليهم تواضعاً، فقد قال ثابت: (كنت أمشي مع أنس فمر بصبيانٍ فسلم عليهم، وحدّث أنس أنه كان يمشي مع رسول الله ﷺ فمر بصبيانٍ فسلم عليهم).

стр. 2765

الاعتبار بمشي يوم القيامة وينبغي أيضاً أن نعتبر بما يحدث في يوم القيامة من خروج الناس من قبورهم على الهيئة التي وصفها النبي ﷺ : (إنكم ملاقو الله مشاةً حفاةً عراةً غرلاً) فلا يمش إلا إلى ما يرضي الله، فكذلك يكون العباد يوم القيامة ثم يكسون، وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم ﵇. وقد أخبر النبي ﷺ أن هناك أناساً يحشرون على وجوههم فاستغرب بعض الصحابة، فقال النبي ﷺ : (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة).

стр. 2766

جواز مماشاة الجنب للناس وكذلك فإن مما يتعلق بالمشي أن الجنب يجوز له أن يماشي الناس، لذلك قال البخاري: باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، وقال عطاء: يحتجم الجنب ويقلم أظفاره ويحلق رأسه وإن لم يتوضأ.

стр. 2767

احتساب الأجر فيما يصيب الماشي من أذى وكذلك فإن الإنسان إذا كان ماشياً فجرحت قدمه فقد يتعرض لهذا فإنه يحتسب ذلك، وقد كان النبي ﷺ يمشي إذ أصابه حجرٌ فعثر فدميت أصبعه فقال: (هل أنتِ إلا أصبعٌ دميت وفي سبيل الله ما لقيت).

стр. 2768

جواز الإسراع في المشي لحاجة وفي البخاري كتاب الاستئذان عنون البخاري ﵀ بعنوان فقال: باب من أسرع في مشيه لحاجةٍ أو لقصد، ثم ذكر حديث عقبة بن الحارث قال: (صلى النبي ﷺ العصر فأسرع ثم دخل البيت) فإذا أسرع الإنسان في المشي لحاجة فلا بأس في ذلك، فهذا لا ينافي ما تقدم من صفة المشي. وهذا آخر الكلام عن موضوع المشي، وما يتعلق به من الآداب والأحكام التي تيسر جمعها، هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2769

النذير الأخير الموت هو المصير الذي سيناله كل من وطئ هذه البسيطة، فهو حتمي لا شك فيه؛ فعلينا بالإكثار من ذكره، وعدم الغفلة عنه وعن فجأته. وفي هذه المادة يتحدث الشيخ حول هذا الأمر موضحاً هذه الحقيقة بقصص من حياة السلف الصالح ﵃.

стр. 2770

الاستعداد للموت إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. الجواب =٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. إخواني: لقد ألهتنا هذه الدنيا عن الله ، لقد ألهانا ما في هذه الدنيا عن الاستعداد للدار الآخرة. إن هذا البهرج، والزينة، وهذه الألوان والسلع، وهذه التسالي والألعاب، وهذه الأفلام والمسلسلات، وهذه الأسفار والسياحات، وهذه الملابس والصناعات قد ألهتنا عن الله تعالى، وعن الاستعداد للدار الآخرة، ولا يزال أهل الدنيا في غفلة حتى يأتيهم الموت، فإذا ماتوا انتبهوا. عباد الله: الموت الذي حثنا النبي ﷺ على تذكره، وأمرنا بذلك، فقال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) وامتثالاً لأمره ﷺ تعالوا بنا نتذكر شيئاً من الأمر الذي أمرنا به ﷺ وهو تذكر الموت؛ لعل الله تعالى أن ينعش قلوبنا بذكره، وأن يزيل الغفلة عن القلوب الصادئة، وأن يعود من انحراف عن الجادة، وأن يزداد الذي سلك الجادة عبادة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] نَفرُّ من الحوادث، ونفرُّ من الأمراض إلى الأطباء والمستشفيات نفرُّ من الموت والموت ملاقينا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] إنه مجيء أكيد ولا بد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣]. إن هذا الموت -يا عباد الله- آتٍ لا محالة، فكيف بأمر إذا نزل قطَّع الأوصال؟! أمر يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك إنه -حقاً- أمرٌ عظيمٌ، وخطبٌ جسيمٌ، وإن يومه لهو اليوم العظيم. قال ابن مسعود ﵁: [ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله]، وهذا الأمر قد نسيناه، دهانا مجرد ذكر الموت والحديث فيه، والكثير يغضب إذا ذكر الموت، ويقول: تنغص علينا حياتنا وعيشتنا تنغص علينا أكلنا ومعيشتنا، وذكر الموت ليس لتكدير حياة الناس وإفساد مجالسهم، ونزع السعادة منهم، وإنما هو لإصلاح حالهم، وتنوير قلوبهم، وجعلهم مستعدين للقاء الله والقدوم عليه. قيل للحسن ﵀: [يا أبا سعيد! كيف نصنع؟ نجالس أقواماً يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير، فقال: والله إن تخالط أقواماً يخوفونك حتى يدركك أمن خيرٌ من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يدركك الخوف]، وقال ﵀: [كان من كان قبلكم يقربون هذا الأمر كان أحدهم يأخذ ماءً لوضوئه، ثم يتنحى لحاجته مخافة أن يأتيه أمر الله وهو على غير طهارة، فإذا فرغ من حاجته توضأ].
следующие страницы →