← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

جواز مماشاة الجنب للناس وكذلك فإن مما يتعلق بالمشي أن الجنب يجوز له أن يماشي الناس، لذلك قال البخاري: باب الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، وقال عطاء: يحتجم الجنب ويقلم أظفاره ويحلق رأسه وإن لم يتوضأ.

стр. 2767

احتساب الأجر فيما يصيب الماشي من أذى وكذلك فإن الإنسان إذا كان ماشياً فجرحت قدمه فقد يتعرض لهذا فإنه يحتسب ذلك، وقد كان النبي ﷺ يمشي إذ أصابه حجرٌ فعثر فدميت أصبعه فقال: (هل أنتِ إلا أصبعٌ دميت وفي سبيل الله ما لقيت).

стр. 2768

جواز الإسراع في المشي لحاجة وفي البخاري كتاب الاستئذان عنون البخاري ﵀ بعنوان فقال: باب من أسرع في مشيه لحاجةٍ أو لقصد، ثم ذكر حديث عقبة بن الحارث قال: (صلى النبي ﷺ العصر فأسرع ثم دخل البيت) فإذا أسرع الإنسان في المشي لحاجة فلا بأس في ذلك، فهذا لا ينافي ما تقدم من صفة المشي. وهذا آخر الكلام عن موضوع المشي، وما يتعلق به من الآداب والأحكام التي تيسر جمعها، هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 2769

النذير الأخير الموت هو المصير الذي سيناله كل من وطئ هذه البسيطة، فهو حتمي لا شك فيه؛ فعلينا بالإكثار من ذكره، وعدم الغفلة عنه وعن فجأته. وفي هذه المادة يتحدث الشيخ حول هذا الأمر موضحاً هذه الحقيقة بقصص من حياة السلف الصالح ﵃.

стр. 2770

الاستعداد للموت إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. الجواب =٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. إخواني: لقد ألهتنا هذه الدنيا عن الله ، لقد ألهانا ما في هذه الدنيا عن الاستعداد للدار الآخرة. إن هذا البهرج، والزينة، وهذه الألوان والسلع، وهذه التسالي والألعاب، وهذه الأفلام والمسلسلات، وهذه الأسفار والسياحات، وهذه الملابس والصناعات قد ألهتنا عن الله تعالى، وعن الاستعداد للدار الآخرة، ولا يزال أهل الدنيا في غفلة حتى يأتيهم الموت، فإذا ماتوا انتبهوا. عباد الله: الموت الذي حثنا النبي ﷺ على تذكره، وأمرنا بذلك، فقال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) وامتثالاً لأمره ﷺ تعالوا بنا نتذكر شيئاً من الأمر الذي أمرنا به ﷺ وهو تذكر الموت؛ لعل الله تعالى أن ينعش قلوبنا بذكره، وأن يزيل الغفلة عن القلوب الصادئة، وأن يعود من انحراف عن الجادة، وأن يزداد الذي سلك الجادة عبادة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:٨] نَفرُّ من الحوادث، ونفرُّ من الأمراض إلى الأطباء والمستشفيات نفرُّ من الموت والموت ملاقينا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩] إنه مجيء أكيد ولا بد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام:٩٣]. إن هذا الموت -يا عباد الله- آتٍ لا محالة، فكيف بأمر إذا نزل قطَّع الأوصال؟! أمر يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك إنه -حقاً- أمرٌ عظيمٌ، وخطبٌ جسيمٌ، وإن يومه لهو اليوم العظيم. قال ابن مسعود ﵁: [ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله]، وهذا الأمر قد نسيناه، دهانا مجرد ذكر الموت والحديث فيه، والكثير يغضب إذا ذكر الموت، ويقول: تنغص علينا حياتنا وعيشتنا تنغص علينا أكلنا ومعيشتنا، وذكر الموت ليس لتكدير حياة الناس وإفساد مجالسهم، ونزع السعادة منهم، وإنما هو لإصلاح حالهم، وتنوير قلوبهم، وجعلهم مستعدين للقاء الله والقدوم عليه. قيل للحسن ﵀: [يا أبا سعيد! كيف نصنع؟ نجالس أقواماً يخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير، فقال: والله إن تخالط أقواماً يخوفونك حتى يدركك أمن خيرٌ من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يدركك الخوف]، وقال ﵀: [كان من كان قبلكم يقربون هذا الأمر كان أحدهم يأخذ ماءً لوضوئه، ثم يتنحى لحاجته مخافة أن يأتيه أمر الله وهو على غير طهارة، فإذا فرغ من حاجته توضأ].

стр. 2771

الموت وفجأته يا عبد الله: إن ملك الموت إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك، ولا كثرة احتشادك، أما علمت أن ساعة الموت ذات كرب شديد، وغصص وندامة على تفريط؟! رحم الله عبداً عمل لساعة الموت، وما نراه في المقابر أعظم عظةٍ وأكبر معتبر. أيها الإخوة: تمر بنا الأيام وتتابع علينا أخبار الوفيات، والجنازات هذا صديق، وهذا قريب، وهذا جار، قد اختطفهم الموت بأمر الله تعالى، فحامل الجنازة اليوم محمول غداً، ومن يرجع من المقبرة إلى بيته اليوم سيرجع عنه غداً، ويترك وحيداً فريداً، مرتهناً بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. يا أيها الشاب: لا تغرنك الصحة والقوة والعافية، ولا يغرنك الشباب وكلام الأصحاب لا يغرنك عشاءٌ ساكنٌ قد يوافي بالمنيات السحر قد يأخذك على حين غفلة، وأنت لا ترى أن الموت يصل إليك، بل تراه بعيداً.

стр. 2772

نذير الشيب يحض على الاستعداد للموت أيها المسلمون أيها الإخوان يا عباد الله! هذه ذكرى للشاب، أما وخطه الشيب، وأمد الله في عمره، وتخطاه الموت في سن الشباب، فإن شيبه نذير الموت. تقول النفس غير لون هذا عساك تطيب في عمرٍ يسيرِ فقلت لها المشيب نذير عمري ولست مسوداً وجه النذيرِ قال ﷺ : (من شاب شيبةً في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة). إذا جاءنا هذا الأمر من الله، فهل إلى الطبيب من سبيل فيدعى الأطباء؟ أو إلى الشفاء من طريق فيرجى الشفاء؟ ما يقال إلا فلانٌ أوصى، وماله أحصى، قد ثقل لسانه، فلا يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، قد عَرِقَ الجبين، وتتابع الأنين، وثبت اليقين، وصدقت الظنون، وتلجلجت اللسان، وبكى الإخوان، هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، قد منعت من الكلام فلا تنطق، وختم على لسانك فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت النفس من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عُوادك، واستراح حُسَّادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهناً بأعمالك. قال سفيان الثوري ﵀ مبيناً حال شيخ كبير في استعداده للموت: رأيت شيخاً في مسجد الكوفة يقول: أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة، أنتظر الموت أن ينزل بي لو أتاني، ما أمرته بشيء، ولا نهيته عن شيء، ولا لي على أحد شيء، ولا لأحد عندي شيء، أنتظر الموت، أنتظر أمر الله على عبادة وطاعة. أما نحن فلو أتانا الموت فقرع بابنا، واستأذن للولوج -ولن يستأذن- لاحتجنا إلى سنوات طويلة نرتب أمورنا، ونسدد حقوقنا، ولكن السلف كانوا على استعداد دائم. انظر -يا أخي- في غدك، ودنو أجلك، وقلة عملك، فقد كتب بعض أهل الحكمة إلى رجل من إخوانه: يا أخي! احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى الموت فيها فلا تجده، يتمنى الموت في ذلك اليوم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] فلنحذر في هذه الدار قبل أن نصير إلى دار يتمنى فيه الموت فلا يحصل. قال يحيى بن معاذ ﵀: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند الموت، قيل: وما هما؟ قال: يؤخذ منه كله، ويسأل عنه كله. فأي مصيبة في المال أعظم من هذه؟ لو احترق، أو ذهب في الدنيا، فسيأتي البديل، لكن عند الموت يؤخذ منه كله، ولا يأتي البديل، ويسأل عن كل درهم من أين اكتسبه وفيم أنفقه.

стр. 2773

حال السلف عند سكرات الموت قيل لـ عبد الله بن عمر ﵄: [توفي فلان الأنصاري، فقال: ﵀، قالوا: ترك مائة ألف، قال: لكن هي لم تتركه وكيف تتركه وهنالك كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟]

стр. 2774

صور من مواقف السلف عند الموت إن للموت لشكرات، قالها النبي ﷺ وهو يدخل يديه في ركوة ماء، ويمسح بها وجهه الشريف وهو يحتضر يقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات)، ولما رأت فاطمة ﵂ ما برسول الله ﷺ من الكرب الشديد الذي يتغشاه، قالت: (واكرب أباه! فقال لها: ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم). ولما احتضر أبو بكر ﵁ وأرضاه، تمثلت عائشة ببيت من الشعر: لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدرُ فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه: [ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق:١٩]، ثم قال: امضروا ثوبي هذين فاغسلوهما، ثم كفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت]. وهذا عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه لما كان في مرضه الذي مات فيه، قال: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: [أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت، ولكن لا إله إلا الله!] ثم رفع رأسه وأحدّ النظر. وقال معاذ بن جبل عند موته: هل أصبحنا؟ ثم قال: [أعوذ بالله من ليلة صبيحتها إلى النار، مرحباً بالموت زائرٌ مغيبٌ، وحبيبٌ جاء على فاقة، اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن لطول ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر] فكانوا ثابتين عند الموت لما كانوا ثابتين في الحياة؛ فإن الطاعة في الحياة تثمر ثباتاًَ عند الموت، والمعصية في الحياة تثمر الجلجة، والحشرجة، وعدم التوبة، وقلة الثبات عند الموت، ولذلك كان السلف ﵏ أثبت ما يكونون في تلك الساعة، وهي أحوج ما يكون فيها الإنسان إلى الإيمان، وإلى سلامة العقيدة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم هون علينا سكرات الموت، وارزقنا الثبات عند الممات، اللهم إنا نسألك المغفرة والرحمة والعتق من النار. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2775

صور أخرى تبين إشفاق السلف عند الموت الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وأشهد أن لا إله إلا الله الحي القيوم، لا إله إلا هو يحيي ويميت وهو حيٌ لا يموت والجن والإنس يموتون، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله! بكى أبو هريرة في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: [أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي على بعد سفري، وقلة زادي، وأنا أصبحت في صعود مهبطٍ على جنة ونار، ولا أدري إلى أيتهما يؤخذ بي]. وهذا عمر ﵁ وأرضاه لما حضره ابن عباس، فقال له: [أبشر يا أمير المؤمنين! أسلمت مع رسول الله حين كفر الناس، وقاتلت مع رسول الله حين خذله الناس، وتوفي رسول الله ﷺ وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك رجلان، فقال عمر: أعد؟ فأعاد، فقال عمر: المغرور من غررتموه، لو أن لي ما على ظهرها من بيضاء وصفراء من الذهب والفضة، لافتديت به من هول المطلع]. ولما حضرت سلمان الفارسي الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: [ما أبكي جزعاً على الدنيا، ولكن عهد إلينا رسول الله ﷺ أن تكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب] فلما مات سلمان نُظر في جميع ما ترك، فإذا قيمته بضعة عشر درهماً، خاف من بضعة عشر درهماً أن يكون خالف فيها وصية النبي ﷺ . وقد ذكَّر عمر بن عبد العزيز من حوله، فقال: ألا ترون أنكم تجهزون كل يوم غادياً أو رائحاً إلى الله ، وتضعونه في صدع من الأرض، قد توسد التراب، وخلف الأحباب، وقطع الأسباب؟! سفري بعيدٌ وزادي لن يبلغني وقوتي ضعفت والموت يطلبني ولي بقايا ذنوبٍ لست أعلمها الله يعلمها في السر والعلنِ نظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازة إلى قوم قد تلثموا من الغبار والشمس، وانحازوا إلى الظل، فبكى وقال: من كان حين تصيبُ الشمس جبهتهُ أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشتهُ فسوف يسكن يوماً راغماً جدثاً في قعر مظلمةٍ غبراء موحشةٍ يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا تجهزي بجهاز تبلغين به يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا هانحن نمر في الجنائز ونمشي فيها ونحملها، ولا تدمع العيون، ولا تتحرك القلوب، ولا تُرى على الوجوه آثار الخشية من هذا المصير، والله إنها غفلة، وإلا فمن لا يعتبر بميت محمول إلى حفرة ضيقة. قال الأعمش: كنا نشهد الجنازة، ولا ندري من المعزَّى فيها لكثرة الباكين. ليس أهل الميت فقط هم الذين يبكون؛ بل كل الناس يبكون فيها، وإنما كان بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت. وقال ثابت البناني: كنا نشهد الجنازة، فلا نرى إلا باكياً. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يشهدون الجنازة فيرى فيهم ذلك أياماً. وقال أسيد بن حضير: [ما شهدت جنازة وحدثت نفسي بشيء سوى ما يفعل بالميت، وما هو صائرٌ إليه]. وقال إبراهيم النخعي ﵀: كنا إذا حضرنا الجنازة أو سمعنا بميت، عرف فينا أياماً، لأنا قد عرفنا أنه قد نزل به أمرٌ صيره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم في جنازتكم تتحدثون في أمور الدنيا. إنه ليرى في الجنازة من يضحك، ويُرى في المقبرة من يضحك، ويُرون خارجين من المقابر وبأيديهم السجائر يدخنون، ضحك وتدخين في أعظم مكان يمكن أن يتذكر فيه الإنسان في المقبرة غاية الغفلة، فإذا كانت الغفلة في المقبرة، فماذا نتوقع خارج المقبرة؟ ولذلك لا عجب إذاً أن يقعوا في المعاصي المتواليات، ويسهروا الليالي من أجل المعاصي.

стр. 2776

تحذير من السفر إلى بلاد الكفار من الناس اليوم وفي هذا الشهر -شهر الحر- من يريد السفر بأي طريقة إلى بلاد الكفر والمعصية، وهؤلاء بائعو السياحة يتفننون في إغراء المسلمين في قضاء إجازاتهم في بلاد الكفر التي غابت عنها شمس الدين والفضيلة، وهي محاولات للسطو على أماناتنا الأموال والأولاد، لأن الله قال: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨] وهذا وليٌ لا يحفظ ولده، وهذا صاحب مالٍ لا يحفظ ماله. عباد الله: إنهم يقترضون من البنوك للسفر إلى الخارج، وتقول المرأة للأخرى: لماذا لا تسافرون؟ ما عندكم مال؟ اتجهوا إلى البنك يقرضكم، فيقترضون المال بالحرام بالربا؛ لأجل سفر الحرام، والمسألة حرام في حرام، وبعد ذلك يسددون الفواتير، وهناك عوائل تقتر على أنفسها طيلة السنة لكي يجمعوا المال للسفر إلى الخارج، حتى إذا عادوا قالوا لمن حولهم: لماذا ما رأيناكم في لندن ما رأيناكم في باريس ما رأيناكم في كذا هذه أمنيتهم، وهذا غاية ما يتمنونه؛ أن يقولوا: كنا في مكان كذا، ويروا في مكان كذا. أين هؤلاء من الموت؟ أين هؤلاء من القبر؟ أين هؤلاء من الآخرة؟ أقسام الجوازات تعمل ليلاً نهاراً، والناس في غاية الاندفاع إلى السفر إلى بلاد الكفار جاء شهر الحر ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة:٨١] لو كانوا يعملون! لو كانوا يبصرون! لكن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة فلا يرون الحق، ولا يرون الدين، والتقى، وإنما يرون المعاصي والآثام والفجور. هذه المظاهر الاجتماعية السيئة إلى متى ستستمر؟ قالوا: نقصت أموال الناس! فإذا هم يزدادون في السفر، وعوضوا بدلاً من بعض بلاد الكفر الأغلى بلاداً أرخص، وهذه المتع المحرمة التي يسافرون إليها وتضيع فيها الأموال ثلاثة مليون سائح في عشرة أيام، في معدل إنفاق خمسمائة إلى ستمائة ريال، هذا من أدنى المستويات، النتيجة ستكون: مليار وستمائة مليون تصب في جيوب الكفار من أموال المسلمين، والناس في بلاد المسلمين الأخرى يموتون من الجوع، ويبحثون عن حبة طعام تركها بعض موظفي الإغاثة بين التراب ليأكلوها، وهؤلاء يبعثرون أموالهم، ويقترون على أنفسهم، ويستدينون من البنوك، ويسافرون بالأقساط!!! هل تظنون أن الله سيغفل عن هؤلاء أو يتركهم وقد فعلوا ما فعلوا؟! اللهم أصلح أحوال المسلمين، اللهم ردنا إلى الحق رداً جميلاً يا رب العالمين. اللهم بصرنا بعيوبنا، اللهم قوِّ إيماننا في قلوبنا، اللهم ارزقنا الغلبة على فتنة النساء والأولاد، اللهم ارزقنا الصمود أمام هذه الفتن يا رب العالمين. اللهم اجعلنا من القائمين بأمرك في أسرنا وبيوتنا، وفي أولادنا ونسائنا يا رب العالمين. اللهم ارزق المجاهدين نصراً قريباً، اللهم عجل فرجهم يا رب العالمين، اللهم إن لنا إخواناً مستضعفين في الأرض يسامون سوء العذاب، وأنت الحي القوي، وأنت على كل شيء قدير، اللهم ارحم قتلاهم، واشف جرحاهم، اللهم أطعم جائعهم، واكس عاريهم، واحمل حافيهم، اللهم عجل بنصرهم، وعجل بفرجهم، وردهم إلى الإيمان والتوحيد يا أرحم الراحمين. اللهم دمر أعداءنا، اللهم أهلك عدونا، اللهم اجعل الفرقة بينهم، وأفشل خططهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم اللهم خالف بين قلوبهم، وألق فيها الرعب يا رب العالمين، اللهم اضرب بعضهم ببعض، اللهم خيب رميتهم، واجعل دائرة السوء عليهم. اللهم إنك على كل شيء قدير، فارحم إخواننا، واكبت أعداءنا. اللهم اقض ديوننا، واستر عيوبنا، وارحم ميتنا، اللهم إذا وضعنا في قبورنا، فليس لنا إلا رحمتك، اللهم ثبتنا عند السؤال، وباعد بيننا وبين سوء المآل يا رب العالمين، اللهم أحسن وقوفنا بين يديك، ولا تخزنا يوم العرض عليك وأنت الرحمن الرحيم، ونحن عبادك ليس لنا إلا رحمتك، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2777

أنوار الاستغفار إن الاستغفار عبادة جليلة مرتبطة بالتوحيد، ويجدر بكل مسلم أن يتعرف عليها، وعلى أهميتها، وكيفيتها، وصيغتها، ومناسباتها، وثمارها، وأجرها في الدنيا والآخرة هذا ما تحتويه طيات هذه المادة.

стр. 2778

أهمية الاستغفار الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله وخير خلقه ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه. أيها الإخوة: درسنا بعنوان" أنوار الاستغفار" وهذه العبادة العظيمة في غاية الأهمية، ويجدر بكل مسلم أن يتعرف عليها، وعلى أهميتها، وعلى كيفيتها، وعلى مناسباتها، وعلى أجرها وثوابها، وعلى ما قال العلماء فيها، وعلى علاقتها بالتوحيد. أما الاستغفار فإنه طلب المغفرة بالمقال والفعال، وسؤال المغفرة التي هي في الأصل الستر، فغفر أي: ستر. والمراد بها عندما يطلبها العبد من ربه التجاوز عن الذنب وعدم المؤاخذة به، وستره وعدم العقوبة عليه، وعدم الفضيحة به، وعدم التوبيخ. إن الاستغفار عبادة جليلة مرتبطة أشد الارتباط بالتوحيد، وقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارة بصيغة الأمر به كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٣] وتارةً بمدح أهله كقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] وقوله: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥] وتارةً يذكر أنه يغفر لمن استغفره كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠]. وكثيراً ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار طلب المغفرة باللسان، والتوبة هي الإقلاع عن الذنوب بالقلب والجوارح، وتارةً يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما في حديث أنس بن مالك ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ : (يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك) فهذا الاستغفار الذي وعد الله به من استغفره ولم يصر على المعصية، وعندما يقول العبد: اللهم اغفر لي، فإنه يطلب من الله المغفرة، ويدعو بها، ولا سيما إذا صادف قلباً منكسراً، وساعة إجابة، واعترافاً من العبد، فإنه حريٌ أن يجاب صاحبه. قال الحسن ﵀: [أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم وأسواقكم، وفي مجالسكم أينما كنتم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة]. وقال بعض الصالحين لولده موصياً: "يا بني عود لسانك: اللهم اغفر لي، فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلاً" وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ (أن عبداً أذنب ذنباً، فقال: ربِّ أذنبت ذنباً، فاغفر لي، فقال الله : علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنباً آخر، فاستغفر، وقال مثلما قال في الأولى، فقال الله : قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء) لأنه كلما عمل معصية، استغفر منها استغفاراً صحيحاً، وتاب بشروط التوبة الصحيحة، ولذلك فإن الاستغفار المقرون بعدم الإصرار يقبله الله ، وما أصر من استغفر، وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب، فهو دعاء مجرد إن شاء الله أجابه وإن شاء رده، وربما يكون الإصرار مانعاً من الإجابة، ولذلك قال بعض السلف: إن المستغفر من الذنب وهو مقيمٌ مصرٌ عليه كالمستهزئ بربه. فما معنى أن يستغفر بلسانه وهو مقيم بحاله على الذنب؟!! فالاستغفار التام ينبغي ألا يرافقه إصرار على المعصية، حينئذٍ تكون توبةً نصوحاً، وحينئذٍ يكون المستغفر مقلعاً عن الذنب، أما من قال: اللهم اغفر لي وهو مقيم على المعصية، فإنها تسمى توبة الكاذبين، لأن التوبة الصحيحة لا تكون مع الإصرار، فإذا قال العبد أستغفر الله وأتوب إليه، فله حالتان: أن يكون مصراً بقلبه على ذنبه، فهذا كاذب في قوله: وأتوب إليك، لأنه غير تائب، لأن كلمة (أتوب) تقتضي الإقلاع، وهذا غير مقلع وليس بتائب. وكذلك من يعاهد ربه على الإقلاع عن المعصية، ثم هو يصر عليها، أما من أقلع فإنه حريٌ أن يقبل الله توبته. وقد استحب جماعة من السلف أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، لأنه قد جاء عن النبي ﷺ ذلك، فقد ثبت عن عائشة ﵂ كما روى أحمد والبخاري ومسلم أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل موته: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده، فقال: أخبرني ربي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتها، أكثرت من قول سبحان الله وبحمده؛ أستغفر الله وأتوب إليه، وقد رأيتها، وتلا قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجا * ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣]).

стр. 2779

صيغ الاستغفار وصيغ الاستغفار الواردة عن النبي ﷺ كثيرة، منها: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه". والنبي ﷺ كان يقول: (أستغفر الله) كلمة بمفردها. وكذلك فإن من قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم". فإن هذه من صيغ الاستغفار أيضاً. وإذا قال: "اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" فهذه صيغة للاستغفار أيضاً. وقد جاء في السنن الأربع عن ابن عمر ﵄، قال: (كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مائة مرة قول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم) وجاء في صحيح مسلم قوله ﵊ في الدعاء يبن التشهد والتسليم: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت). وكان ﵊ ينوع في طلب المغفرة، ويعدد الذنوب بأنواعها، فيقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير). وهناك دعاء إذا قاله العبد موقناً به فمات من يومه قبل أن يمسي كان من أهل الجنة، وإذا قاله في الليل حين يمسي موقناً به، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة، ما هو هذا الدعاء؟ إنه سيد الاستغفار، ولقب بسيد الاستغفار لأنه أفضل الصيغ التي جاءت عن النبي ﷺ وهو: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبو بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) هذه رأس الصيغ، وأفضل صيغ الاستغفار.

стр. 2780

فضل الاستمرار على الاستغفار لا شك أن الاستغفار مأمور به لقول الله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة:١٩٩] ولا يلزم أن يكون من معصية، فقد يستغفر الإنسان عن أشياء فعلها قديماً، ثم إن الإنسان قد يخطئ وهو غير منتبه أنه قد أخطأ، وقد يذنب وهو غير منتبه أنه أذنب، ولا بد لكل واحد أن يقع في المعصية، لأن الإنسان ظلوم جهول، ومن طبعه العصيان والخطأ، كل بني آدم خطاء، فلماذا إذاً يترك الاستغفار؟ فإذاً: الاستغفار عبادة طيبة تفعل دائماً وباستمرار، وقد قال النبي ﷺ : (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح، وقال النبي ﷺ لـ عائشة ﵂ في قصة الإفك لما دخل عليها، قال: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنبٍ فاستغفري الله، فإن التوبة من الذنب الندم والاستغفار) فإذا فعل الإنسان معصية استغفر، ويستغفر عموماً ولو لم يقترف معصية، ولذلك كان النبي ﷺ يستغفر دائماً، وقد روى الإمام أحمد بسند رجاله ثقات أن حذيفة ﵁ وأرضاه قال: (يا رسول الله! إني ذرب اللسان، وإن عامة ذلك على أهلي -لساني فيه سلاطة وإيذاء، وعامة هذا يقع منصباً على أهلي، يعني: فماذا أفعل؟ - فقال ﷺ : أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فالعبد دائماً بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر، وذنبٍ منه يحتاج فيه إلى استغفار" ولا يوجد حالة تخرج بها عن هذين الحالين، العبد دائماً بين نعمة من الله يحتاج فيها إلى شكر، وذنبٍ منه يحتاج فيه إلى الاستغفار، وهذان من الأمور اللازمة للعبد دائماً، فإنه لا يزال يتقلب في نعم الله وآلائه، ولا يزال محتاجاً إلى التوبة والاستغفار، والتوبة من التقصير في شكر النعمة لا بد منه، فكيف إذا أضيف إلى ذلك ذنب؟ ولذلك يحتاج العبد إلى الاستغفار دائماً حتى في الأعمال الصالحة؛ حتى لا يكون العجب بنفسه، وكلنا ذو تقصير، فمن الذي لا يقصر في صلاته، ولا يقصر في صيامه، ولا يقصر في حجه؟ ولذلك كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في التحفة العراقية، قال: "ولهذا شرع الاستغفار في خواتيم الأعمال، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:١٧] " يعني: بعد قيام الليل، وقت الفجر، في وقت السحر، قبيل الفجر يستغفر مع أنه يوجد قيام ليل. قال بعضهم: أحيوا الليل بالصلاة، فلما كان وقت السحر أمروا بالاستغفار. وفي الصحيح: (أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثاً، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) وهو منصرف من صلاة وليس منصرفاً من معصية أو من ذنب، ولذلك يقال بعد السلام مباشرة: أستغفر ثلاثاً، أستغفر الله من التقصير في الصلاة، أستغفر الله من العجب، أستغفر الله من الرياء، أستغفر الله، من كل تقصير، ومن كل عيب ومن كل شيء يدخل علي. وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] إلى أن قال: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٩] هذا في الحج بعد عرفة مطلوب من الحاج، فلا مجال للعجب بالعمل، ولا ليرى الإنسان أنه في حجه قد عمل شيئاً عظيماً وكفر به سيئاته، وقد ضمن به الجنة، بل إن عليه أن يستغفر ليشعر العبد نفسه أنه لا زال يحتاج إلى رحمة ربه ومغفرته، وبالرغم من عبادته أنه لا زال في تقصير، فهل أدى شكر نعمة البصر بهذا الحج؟ وهل أدى شكر نعمة السمع بهذه الصلاة؟ وهل أدى شكر نعمة اليد بهذا الصيام؟ وقد أمر الله نبيه بعد أن بلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده، بعد هذا العمر الطويل، والحياة المباركة من النبي ﵊ في الدعوة والتعليم والجهاد وإقامة الدين، وبعد العبادات، وبعد التربية التي قام بها الناس يقول له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ [النصر:١ - ٣] فقد أتى ﷺ بما أمره الله تعالى به مما لم يصل إليه أحد غيره، ولا يستطيع أحد أن يفعل مثلما فعل النبي ﵊، ومع ذلك قال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر:٣].

стр. 2781

ملازمة التوحيد للاستغفار إن قوام الدين بالتوحيد والاستغفار، وتأمل التلازم بين هذين الأمرين في الآيات كما قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود:١ - ٢] هذه الآيات عن ماذا تتكلم؟ عن التوحيد، قال بعدها: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً﴾ [هود:٣] وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦] وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. فلا بد للإنسان من ملازمة الاستغفار، وأن يجتهد فيه، ومن لازم الاستغفار واجتهد فيه واستعان بالله تعالى؛ فلا بد أن يأتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا رأى العبد أنه لا ينشرح صدره، ولا يحصل له حلاوة في الإيمان، ونور في الهداية، فليكثر التوبة والاستغفار، ويلازم الاجتهاد -يعني: بالعمل الصالح- قدر الإمكان، فإن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] ". وكذلك فإن الله تعالى قد أمر بالاستغفار مع الصبر، وكان النبي ﷺ يقول: (يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) وقال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة).

стр. 2782

مناسبات الاستغفار إذاً أيها الإخوة: هذا الاستغفار من النبي ﵊ وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يحصل في اليوم أكثر من سبعين مرة، فما بالنا نحن؟ والله قد أمره بذلك, وقال له: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] مع أنه قد غفر له ذنبه، ليعلمنا نحن من باب أولى. والشريعة قد جاءت بمناسبات كثيرة يكون فيها الاستغفار، والله تعالى غفور ورحيم وعفو وتواب، وإذا تاب العبد إليه، فإن الله يقبل منه توبته، ولا يجوز لإنسان أن يقنط من رحمة الله، ولا أن يقنط الناس من رحمة الله، وكذلك فإننا لو نظرنا في هذه المناسبات التي جاءت فيها الشريعة بالاستغفار، لعلمنا أن العبد لا يخلو من الاستغفار في أحوال كثيرة، فمنها:

стр. 2783

عقب الخروج من الخلاء الاستغفار عقب الخروج من الخلاء، كما جاء في جامع الترمذي: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء، قال: غفرانك). ما هي العلاقة بين الاستغفار وبين الخروج من الخلاء؟ قال ابن العربي ﵀: العجز عن شكر نعمة تيسير الغذاء، وإيصال منفعته، وإخراج فضلته. فالآن أنت أكلت ودخلت الخلاء، ويسر لك إخراج فضلة هذه النعم، والعجز عن شكرها حاصل، فكان الاستغفار بعد الخروج من أسباب ذلك.

стр. 2784

بعد الوضوء كذلك أيضاً الاستغفار بعد الوضوء، فإن النبي ﷺ قال: (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقٍّ -أي: كتاب- ثم جعل له طابع يختم عليه، فلا يكسر إلا يوم القيامة) حديث رواته رواة الصحيح. يبين أن هذا الكلام يبقى ذخراً لصاحبه ليجازى عليه يوم القيامة، ويذكر هذا الفقهاء في سنن الوضوء.

стр. 2785

عند دخول المسجد والخروج منه الاستغفار عند دخول المسجد والخروج منه، لما جاء في حديث فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد، صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح أبواب رحمتك، وإذا خرج، صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفر لي وافتح لي أبواب فضلك) وهذا الحديث قد رواه الترمذي وحسنه لكثرة طرقه.

стр. 2786

عند افتتاح الصلاة وكذلك الاستغفار في افتتاح الصلاة فقد جاء عن النبي ﷺ قوله: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت التواب الرحيم) وقد علم النبي ﷺ أبا بكر الصديق أن يقول: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت التواب الرحيم) وقد جاء عن بعض أهل العلم أنه يُجعل في ختام الصلاة قبل السلام. وكذلك فإن النبي ﷺ كان يتأول القرآن في ركوعه وسجوده، يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي) ويقول بين السجدتين: (اللهم اغفر لي) وكذلك فإن النبي ﷺ كان يستغفر ثلاثاً بعد الصلاة، وكذلك في الاستسقاء علمنا الاستغفار، ونوح قد قالها لقومه من قبل: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١١]. وعلمنا النبي ﷺ في الاستسقاء أن نفزع إلى دعاء الله تعالى واستغفاره.

стр. 2787

الاستغفار للأموات ثبت في السنة أن النبي ﷺ لما دفن رجلاً، وقف على قبره، وقال لأصحابه: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل) حديث صحيح رواه أبو داود رحمه الله تعالى، وإذا زار الإنسان قبراً، أو مقبرةً، يستغفر للأموات، وأما الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات عموماً، فإنه قد ذكره الله عن أنبيائه مثل: نوح ﵇ الذي قال في دعائه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] فبدأ بنفسه، وهذه هي السنة، فإذا دعا الإنسان يبدأ بنفسه: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لي﴾ [نوح:٢٨] ثم بأقرب الناس إليه وأعظمهم حقاً عليه وهما والداه: ﴿وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨] ثم لإخوانه في الدين، والمؤمنين، وأصحابه وخاصتهم الذين يدخلون بيته: ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ [نوح:٢٨] ثم لعموم إخوانه المؤمنين والمؤمنات في العالم، السابقين واللاحقين، قال: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح:٢٨] وقد أخبر النبي ﷺ أن من استغفر للمؤمنين والمؤمنات؛ غفر الله له بعددهم.

стр. 2788

الاستغفار في كل حين لا شك أن الاستغفار بالأسحار من المواطن التي يكون الاستغفار فيها عظيم الأثر، لأن النبي ﷺ علمنا أن الله ينزل إلى الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيقول: من يستغفرني فأغفر له، والمجالس تختم بالاستغفار كالذكر الوارد بعد الوضوء، فإن النبي ﷺ كان يقول إذا أراد أن يقوم من المجلس: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك) هذا يكون كفارة لجميع ما مضى في المجلس، وكذلك فإن الإنسان يشرع له الاستغفار بعد كل ذنب، وقد ذكر الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]. وعند التقلب في الفراش ليلاً يسن للإنسان الاستغفار أيضاً كما جاء في البخاري عنه ﷺ قال: (من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا يستجاب له فإن توضأ وصلى، قبلت صلاته). وعند القيام في الليل للتهجد فإن الإنسان يقول أيضاً دعاءً قد ورد فيه الاستغفار: (فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت)، هذا الدعاء المألوف لقوله الصلاة والسلام: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن) وهكذا. الاستغفار عموماً في كل وقت في الليل أو النهار، والله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل، وهذا الاستغفار لا شك أنه يغسل الذنوب، والإنسان إذا كان ثوبه متسخاً يضع عليه الطيب أولاً، أم يغسله؟ يغسله أولاً، فالاستغفار هو بمثابة غسل الثوب، ولذلك إذا أذنب فعليه أن يستغفر قبل أن يقول أي ذكر آخر، فلو قال أحدهم: أقول: أستغفر الله وأقول أذكاراً أخرى، فأقول: الثوب الوسخ يحتاج إلى غسيل قبل أن يطيب، ولذلك فالاستغفار أولاً. وهناك أعمال تحصل بها المغفرة بالإضافة إلى الأقوال مثل: موافقة الملائكة في التأمين، والصدقة تكفر الذنب، وصيام عرفة، وصيام عاشوراء، والحج والعمرة، والأذكار، وشهود مجالس الذكر، وسائر الأعمال الصالحة، وأنواع الابتلاءات والمصائب ... وهكذا، ولذلك فإن الإنسان لا بد إذا استغفر أن يلح، ولا يقول اللهم اغفر لي إن شئت، وإنما يعزم في المسألة كما جاء في الحديث الصحيح: (لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة، فإن الله لا مستكره له). هل هناك موانع تمنع المغفرة؟ نعم. هناك موانع وعلى رأسها الشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]. وكذلك فإن الشحناء بين المسلمين من أسباب تأخير المغفرة عن المستغفر: (تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئاً إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا). رواه مسلم رحمه الله تعالى.

стр. 2789

ثمار الاستغفار الاستغفار يفيد في تكفير السيئات ورفع الدرجات قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء:١١٠] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم:٨] (هل من مستغفر فأغفر له) كما جاء في الحديث.

стр. 2790

سعة الرزق الاستغفار يسبب سعة الرزق: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود:٣].

стр. 2791

قوة البدن كذلك يقوي البدن: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود:٥٢] فمن فوائده تقوية البدن.

стр. 2792

دفع للعذاب كذلك فإن الاستغفار سبب في دفع العذاب قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. كذلك فإنه سبب للنجاة عند الورطات، والورطة هي النازلة التي لا مخرج منها، وكان عبد الله يونس ﵇ يسبح ربه وينادي في الظلمات ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]. من أساسيات الاستغفار اعتراف العبد بالذنب، سيد الاستغفار من أسباب سيادته على بقية الأذكار أن فيه اعترافاً من العبد بالذنب، فإن العبد يقول: "أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي"، فيعترف بالنعمة، ويعترف بالذنب، وذلك هو سيد الاستغفار، فاعتراف العبد بذنبه مهم في الاستغفار.

стр. 2793

جلو القلب إن الاستغفار أيها الإخوة: يجلو القلب ويزيل عنه الران، يزيل سواده وغباره وقترته، قال النبي ﵊: (إن المؤمن إذا أذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه -يرجع القلب إلى حاله الأولى- وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه وذاك الرين الذي ذكر الله في القرآن ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) [المطففين:١٤]) ولذلك فإن الذي يستغفر ربه، يجلو قلبه وهذا معنى حديث: (وإنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة). إذاً يغان على القلب، ويرين عليه ما يرين ويصبح عليه غشاوة، فالاستغفار يجلو ذلك كله، يجلو سحائب المعاصي وغبارها، ولا شك أن وقت الاستغفار مفتوح في كل حين، ولكن هناك بعض الأوقات التي يستحب فيها ويتأكد أكثر من أوقات أخرى كما مر معنا.

стр. 2794

الاستغفار للكافر هل يجوز الاستغفار للكافر؟ بطبيعة الحال لا. لماذا؟ لأن الله لا يغفر للكفار، فأنت تطلب شيئاً حكم الله أنه لن يحصل: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤] لما مات أبوه على الكفر، انتهى، وكذلك: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] إذاً: من استغفر لكافر -ولو كان من أقرب الناس إليه- فهو عاص، لأنه لا يغفر للكافر، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] فلا يجوز الاستغفار للكافر، والاستغفار للكافر ذنب بحد ذاته.

стр. 2795

طلب الاستغفار من الغير هل يجوز للإنسان أن يطلب من شخص آخر يظن فيه الصلاح أن يستغفر له؟ ذكر ابن تيمية ﵀ في كلام له ما يفيد ترك هذا من باب عدم اللجوء إلى المخلوقين، وأن الإنسان لا يلجأ إلى المخلوق ويقول له: ادع لي، ويطلب منه الاستغفار والدعاء، ووجّه بعض ما ورد في ذلك من الأدلة توجيهات خاصة، وأن ما ورد من أن النبي ﷺ طلب من الأمة أن يدعوا له، فلأجل منفعة الأمة ومصلحتهم، لا لأجل حاجته إليهم، وأن كل ما ورد من هذا ففيه مصلحة للمطلوب منه، وليس لمصلحة للطالب. وهناك من أهل العلم من ذهب إلى أنه لا حرج في طلب الاستغفار من الرجل الصالح، واستدلوا على ذلك بأدلة، فمنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤]. وقد يقال إن هذا خاص بالنبي ﵊، لأن دعوته واجبة، وليس اللجوء إليه كاللجوء إلى شخص آخر، واستدل المجيزون أيضاً بحديث أويس القرني أن عمر ﵁ وأرضاه قد كان يسأل عن القرنيين، ومنهم رجل اسمه أويس حتى استدل عليه، فأخبره بحديث النبي ﷺ : (إن رجلاً يأتيكم مع أمداد أهل اليمن) الذين جاءوا بطلب من عمر كمدد من المسلمين ليوافوا جيوش المسلمين في الشام والعراق، فكان من أعظم الناس نجدة أهل اليمن، خرجوا للجهاد في الشام والعراق، وكثير من ديار الشام والعراق فتحت وأكثر جيوش الفتح من اليمن، (وكان في أهل اليمن رجلٌ من قرن يقال له أويس له أم هو برٌ بها، وقد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضع الدرهم، فمن لقيه منكم، فليستغفر لكم) وفي رواية في صحيح مسلم: (إن خير التابعين رجل يقال له أويس، وكان به بياض، فمروه فليستغفر لكم، فكان عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، فقال: أأنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مرادٍ، ثم من قرنٍ؟ قال: نعم، قال: فكان بك برصٌ فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم -وجاء في رواية أن هذا الموضع في السرة، يذكر مرضه ونعمة ربه، وفي نفس الوقت لا يشوهه في أعين الناس- قال: لك والدة؟ قال: نعم -فلما استوفيت الشروط والمعلومات- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مرادٍ، ثم من قرنٍ، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها برٌ -هذا من أسباب رفع منزلة هذا الرجل- لو أقسم على الله لأبره ٠لو حلف على الله أن يحدث شيء، أو لا يحدث شيء، لحدث الذي يريد، ولم يحدث الذي لا يريد- فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل) فاستغفر لي، فاستغفر له. فقال له عمر: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي. فلما كان من العام المقبل، حج رجلٌ من أشرافهم، فوافق عمر في الحج، فسأله عمر عن أويس، قال: تركته رث البيت، قليل المتاع، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مرادٍ، ثم من قرنٍ، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدةٌ هو بها برٌ، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل) الكلام هذا سمعه رجل من عمر، ذهب مباشرة إلى أويس. فأتى أويساً، فقال: استغفر لي، قال أويس: أنت أحدث عهد بسفر صالح، فاستغفر لي، أي: أنت آتٍ من الحج، فأولى أن تستغفر لي، ثم انتبه أويس، قال: لقيت عمر؟ قال: نعم، فعرف المسألة، فاستغفر له، ففطن له الناس، وجعل الناس يأتون إلى أويس يقولون: استغفر لنا، فانطلق على وجهه، فلم يُعلم أين ذهب. أيضاً استدلوا بقول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف:٩٧] وفي صحيح مسلم أن أم الدرداء قالت لـ صفوان بن عبد الله: أتريد الحج هذا العام؟ فقال صفوان: نعم، قالت: فادع الله لنا بخير، فإن النبي ﷺ كان يقول: (دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملكٌ موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل) وابن تيمية ﵀ كان يوجه كل هذا، ويدور على معنى أن الإنسان لا يطلب من الآخر دعاء، وإنما يطلب من الله مباشرةً، ولو كان الطلب جائزاً، لكن الأفضل تركه، لأن فيه نوع لجوء إلى المخلوق. يعني: لا يكون الدعاء من أشخاص، بل يطلب من الله مباشرة، مع أن طلب الدعاء المباح جائز، لكن يقول: لأن فيه لجوء للمخلوق، والأحسن والأفضل أن يترك، ويسأل الله مباشرةً.

стр. 2796

الاستغفار للوالدين طلب النبي ﷺ حاول أن يطلب المغفرة من الله لأمه، لكن لم يقبل منه وقد حدث ذلك في القصة التي رواها مسلم وأحمد عن بريدة ﵁ وأرضاه، قال: (كنا مع النبي ﷺ ، فنزل بنا، ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب ففداه بالأب والأم، يقول: يا رسول الله! ما لك؟ قال: إني سألت الله في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمةً لها من النار) حديث صحيح. وهذا يدل على أن وشيجة العقيدة هي المقدمة، وأنها إذا انقطعت انقطعت معها باقي الوشائج، وأن ما بقي بعد ذلك فإنما هو إحسانٌ بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] ولكن لا يجوز مجاوزة الحد الشرعي. نعيد التذكير بقصة إبراهيم الخليل لما قال: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٨٦] ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] وبين الله الأمر بعد ذلك: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤]. هذا كان قبل أن يعلم أنه عدوٌ لله، فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه، والنبي ﵊ قال: (إني سألت الله في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي) لأنها ماتت على الشرك، وهذا يبين بطلان الحديث الذي ادعى بعضهم فيه أن الله أحيا أبوي النبي ﵊ له، فآمنا به ثم ماتا، فهذا كذب باطل موضوع، وأن من مات على الشرك دخل النار، ولو كان ولد نوح، ولو كان أبا إبراهيم، ولو كانت أم النبي ﵊، إذا لم يوجد توحيد فلا أمل في المغفرة، ليس هناك مجاملات على حساب التوحيد. لكن إذا كان الأب والأم مسلمين، فإن استغفار الولد لهما ينفعهما، كما جاء في الحديث الحسن عند الإمام أحمد ﵀، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا ربي أنى لي هذه؟! فيقول: باستغفار ولدك لك). إذاً هناك أناس يرفعون في الجنة، ليس بأعمال عملوها هم؛ لكن باستغفار أولادهم لهم، ومن هنا كان الاستغفار للأبوين أمراً في غاية الأهمية، والله يقيض من ولدك من يستغفر لك، واعلم إنك إذا استغفرت لأبويك، فإن الملك يقول ولك بمثله، ولك بمثله، قال تعالى عن نوح: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً﴾ [نوح:٢٨]. وأيضاً يدعو الله أن يرحمهما كما ربياه صغيراً، فهذا بالنسبة لاستغفار الولد لأبويه المسلمين.

стр. 2797

أهمية الاستغفار في حق النساء نذكر النساء بأهمية الاستغفار في حقهن، وتأكده، لأن النبي ﵊ لما جاء النساء، قال: (يا معشر النساء! تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار! قال: تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) رواه مسلم. فكثرة اللعن، وجحد حق الزوج، والتمرد عليه، وفي رواية: (وتكثرن الشكاة) فكثرة الشكاية من أسباب دخول النساء النار، فأوصى النبي ﵊ النساء في المقابل بكثرة الاستغفار، قال: (يا معشر النساء! تصدقن، وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار) وبعض العلماء يرى أن التوبة من الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته، جاء ذلك في حديث ضعيف، لكن قالوا: لعل الشخص إذا اغتبته، ولا تستطيع أن تتحلل منه، إما لأنه مات، أو لأنه ذهب وسافر ولا تدري أين مكانه، أو لأنك إذا أخبرته يغضب، أو يزداد عليك حنقاً، وإن كان صدره سليماً يصير صدره مليئاً عليك، لو أنك قلت: أنا اغتبتك، أنا قلت فيك كذا وكذا، فحللني وسامحني، يمكن أن توغر صدره فما هو الحل؟ ذكروا حلولاً منها: أن تنفي كلامك الذي تكلمت به عنه، وأن تدافع عنه في غيبته، وأن تذكره بالحسنى في المجالس التي اغتبته فيها، وأن تستغفر له، قالوا: لعل هذا الشخص يوم القيامة -وهو صاحب حق سيأخذ من حسناتك- إذا رأى في صحيفته نتائج استغفار له، أن يتنازل عن حقه ويسامح حين رأى في صحيفته استغفاراً من قبلك يا من اغتبته، فعند ذلك يتنازل، فقالوا: إن من كفارة الغيبة الاستغفار للذي اغتبته. أخيراً أيها الإخوة: فإن الاستغفار هو أحد الأشياء التي تُكفَر بها الذنوب، وليس هو كل شيء، فليس كل التكفير بسببه، فإن هناك أموراً يغفر الله بسببها، فمن الأشياء التي يغفر الله بسببها: التوبة، والاستغفار، ودعاء المؤمنين، ودعاء الملائكة، والمصائب، وفتنة القبر، وما يحصل في المحشر من الأهوال، وشفاعة النبي ﷺ ، وشفاعة الملائكة، وشفاعة المؤمنين، وفي النهاية أرحم الراحمين، بعد أن يشفع الملائكة، والنبيون، والصالحون، يبقي أرحم الراحمين، لم تمح الذنوب، ولا زالت السيئات أكثر، فإنه لا بد من تطهيرٍ بالنار والعياذ بالله. إذاً: فليبدأ الإنسان من البداية ويستغفر من الآن؛ بدلاً من أن يترك المسألة لفتنة القبر، وأهوال المحشر، والصراط، ولفحات جهنم، من الآن يستغفر الله ويتوب إليه، ويكثر من قول: أستغفر الله (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً) وتذكر هذه الوصية من النبي ﵊: (طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً). هذا ما تيسر ذكره فيما يتعلق في هذا الموضوع. نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين، وأن يتوب علينا إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2798

الأسئلة .

стр. 2799

الأكل وقت أذان الفجر في رمضان السؤال ماذا يجب على من أكل وشرب وقت أذان الفجر في رمضان؟ الجواب لو كان المؤذن يؤذن وقت طلوع الفجر الحقيقي، فلا يجوز الأكل أو الشرب وبمجرد قول (الله أكبر) تمتنع عن الطعام والشراب، ولا يجوز لك، لكن لو كان على التقويم الظني، فإنني أقول: الأحوط له أن يمسك، لأنه لا شيء يمكن أن يعتمد عليه الآن إلا التقويم، فليمسك، ومن أكل أثناء الأذان، فلا إعادة عليه إن شاء الله، ولكنه لا يعود إلى ذلك.

стр. 2800

سجدة التلاوة السؤال رجل في أثناء عمله في المكتب يقرأ القرآن، فإذا قرأ سجدة في المكتب، هل يجب عليه أن يسجد؟ الجواب سجود التلاوة عند جمهور العلماء سنة مستحبة، وليس بواجب كما جاء في حديث عمر ﵁ وأرضاه لما قرأ النبي ﷺ السجدة، وكان لا يريد أن يسجد، لكن رأى الناس تهيئوا للسجود، فسجد، فأخبرهم بأن السجود ليس بواجب، وذكر في الكلام أنه يفيد أنه مستحب، وهذا لو تهيأ له السجود، فإنه يسجد، والحمد لله، فإن الشيطان إذا سجد ابن آدم اعتزل يبكي ويقول: أمرت بالسجود فعصيت، وأمر ابن آدم بالسجود، فسجد.

стр. 2801

حكم قراءة الفاتحة للمأموم السؤال إذا لم يترك الإمام للمأموم وقتاً للفاتحة فماذا يفعل؟ الجواب اختيار مالك ﵀، وشيخ الإسلام ابن تيمية وكثيرٌ من أهل العلم أن المأموم ينصت للإمام ولا يقرأ.

стр. 2802

الفارق بين الحيض والاستحاضة السؤال ما الفرق بين لون الحيض البني، أو المائل للأصفر أو الأحمر؟ الجواب لون دم الحيض أحمر ضارب إلى سواد، أما دم الاستحاضة، فهو أحمر مشرق. ودم الحيض رائحته منتنة، ودم الاستحاضة دم عادي. دم الحيض يكون مصحوباً غالباً بأوجاع في البطن والظهر في العادة الشهرية، ولا يكون ذلك مع دم الاستحاضة. إذاً: فالحيض له علامات في الوقت الذي يأتي فيه، والمدة التي يمكثها، واللون، والرائحة، والأوجاع المصاحبة علامات تتميز بها المرأة عادةً. الكدرة والصفرة مثل: غسيل اللحم، أو ما كان فيه لون بني، أو أصفر، مثل نقاعة الحناء، أو غسيل اللحم، فإذا كان متصلاً بدم الحيض من أوله أو من آخره فهو من الحيض، وأما إذا نزل الطهر بعد الحيض، وبعد الطهر نزل دم، فهذا الدم دم استحاضة لحديث أم عطية ﵂: [كنا لا نعد الكدرة، أو الصفرة بعد الطهر شيئاً].

стр. 2803

الدعوة للوالدين السؤال هل أدعو لوالدي بالصلاح والهداية، أم بالمغفرة؟ الجواب بكليهما؛ لأنهما يحتاجان لها.

стр. 2804

الجهر في قيام الليل السؤال صلاة الليل في غير رمضان هل يجهر بها؟ الجواب نعم يجهر بها جهراً لا يزعج النائمين، ولا يصيح، لكن يسمع نفسه.

стр. 2805

حكم من لا يحفظ الفاتحة السؤال الذي لا يحفظ القرآن هل يقرأ الفاتحة، أو يحمل القرآن ويقرأ منه؟ الجواب لا بأس بهذا وبهذا، فقد جاء عند أبي داود في كتاب المصاحف عن مولى عائشة [أنه كان يؤمها من صحف في يده] وإسناده صحيح، فهذا يدل على جواز إمساك مصحف أثناء الصلاة بالنسبة للقارئ، أما السامع فلا يشرع له إمساك المصحف، وفي إمساكه للمصحف تفويت أشياء، منها: النظر إلى موضع السجود، ومنها: وضع اليدين على الصدر، والانشغال بمتابعة الحروف، وكثرة الحركة بغلق المصحف وفتحه، ورفعه ووضعه، وإدخاله وإخراجه، ولذلك لا يحمل المصحف إلا الإمام، أما المأموم فينصت، ولا يشرع للمأموم مسك المصحف.
следующие страницы →