Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
حكم قراءة الفاتحة للمأموم
السؤال
إذا لم يترك الإمام للمأموم وقتاً للفاتحة فماذا يفعل؟
الجواب
اختيار مالك ﵀، وشيخ الإسلام ابن تيمية وكثيرٌ من أهل العلم أن المأموم ينصت للإمام ولا يقرأ.
стр. 2802
الفارق بين الحيض والاستحاضة
السؤال
ما الفرق بين لون الحيض البني، أو المائل للأصفر أو الأحمر؟
الجواب
لون دم الحيض أحمر ضارب إلى سواد، أما دم الاستحاضة، فهو أحمر مشرق.
ودم الحيض رائحته منتنة، ودم الاستحاضة دم عادي.
دم الحيض يكون مصحوباً غالباً بأوجاع في البطن والظهر في العادة الشهرية، ولا يكون ذلك مع دم الاستحاضة.
إذاً: فالحيض له علامات في الوقت الذي يأتي فيه، والمدة التي يمكثها، واللون، والرائحة، والأوجاع المصاحبة علامات تتميز بها المرأة عادةً.
الكدرة والصفرة مثل: غسيل اللحم، أو ما كان فيه لون بني، أو أصفر، مثل نقاعة الحناء، أو غسيل اللحم، فإذا كان متصلاً بدم الحيض من أوله أو من آخره فهو من الحيض، وأما إذا نزل الطهر بعد الحيض، وبعد الطهر نزل دم، فهذا الدم دم استحاضة لحديث أم عطية ﵂: [كنا لا نعد الكدرة، أو الصفرة بعد الطهر شيئاً].
стр. 2803
الدعوة للوالدين
السؤال
هل أدعو لوالدي بالصلاح والهداية، أم بالمغفرة؟
الجواب
بكليهما؛ لأنهما يحتاجان لها.
стр. 2804
الجهر في قيام الليل
السؤال
صلاة الليل في غير رمضان هل يجهر بها؟
الجواب
نعم يجهر بها جهراً لا يزعج النائمين، ولا يصيح، لكن يسمع نفسه.
стр. 2805
حكم من لا يحفظ الفاتحة
السؤال
الذي لا يحفظ القرآن هل يقرأ الفاتحة، أو يحمل القرآن ويقرأ منه؟
الجواب
لا بأس بهذا وبهذا، فقد جاء عند أبي داود في كتاب المصاحف عن مولى عائشة [أنه كان يؤمها من صحف في يده] وإسناده صحيح، فهذا يدل على جواز إمساك مصحف أثناء الصلاة بالنسبة للقارئ، أما السامع فلا يشرع له إمساك المصحف، وفي إمساكه للمصحف تفويت أشياء، منها: النظر إلى موضع السجود، ومنها: وضع اليدين على الصدر، والانشغال بمتابعة الحروف، وكثرة الحركة بغلق المصحف وفتحه، ورفعه ووضعه، وإدخاله وإخراجه، ولذلك لا يحمل المصحف إلا الإمام، أما المأموم فينصت، ولا يشرع للمأموم مسك المصحف.
стр. 2806
كيفية الاستغفار بتحريك الشفتين
السؤال
التسبيح والاستغفار بتحريك الشفتين؟
الجواب
يكون الذكر بالشفتين واللسان وليس إمراراً على الذهن، أو العقل، أو القلب، فهو ليس شيئاً قلبياً، وإنما هو ذكرٌ لسانيٌ يواطئ القلب.
стр. 2807
المرات التي حج فيها النبي ﷺ أو اعتمر
السؤال
كم حج النبي ﷺ ، وفي أي عام، وكم عدد العُمَر التي اعتمرها؟
الجواب
حج ﵊ حجة واحدة، في العام العاشر الهجري، وودع فيه الناس، وسميت حجة الوداع، وأما العمر فقد اعتمر أربع مرات ﵊، كلهن في ذي القعدة.
стр. 2808
زكاة الأراضي
السؤال
عندي أرض منحة وأرض اشتريتها، فعلى أي أرض أزكي؟
الجواب
على التي نويت بيعها، فإذا لم تنو بيعها، ونويت عمارة بيت، أو بناء عمارة للتأجير، أو أن تعمل بها مشروع مخصص، أو أن تزرعها، فليس فيها زكاة، فالزكاة في الغلة وفيما أعد للتجارة إذا حال الحول على الغلة، فمن بنا عمارة وأجرها، فالزكاة على الإيجار إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول.
стр. 2809
أين ذهبت الغيرة ؟
الديوث: هو الإنسان الذي انعدمت فيه الغيرة على أهله، وقد كان عند العرب غيرة شديدة على أعراضهم، وجاء الإسلام فنمى هذه الغيرة وضبطها بضوابط شرعية حتى لا تكون الأمور فوضى.
وقد ضرب الشيخ أمثلة من غيرة رسول الله ﷺ ، وغيرة أصحابه رضوان الله عليهم مثل: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب.
كما تعرض الشيخ لأولئك الذين يدسون السم في العسل، وهم العلمانيون الذي يشجبون ويكتبون في الصحف عن جرائم الشرف، وهي كلمات حق يراد بها باطل.
وقد ذكر الشيخ أنواع الغيرة، ومنها: الغيرة على توحيد الله، والغيرة على حرمات الله وفي هذا ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
стр. 2810
مفهوم الغيرة وأهميتها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن الغيرة من الغرائز البشرية التي أودعها الله في الإنسان، وهي مشتقةٌ من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وهي الحمية وكره شركة الغير في حق الإنسان، وهذه الغيرة شرعت لحفظ الأنساب، وهي مقصد من مقاصد الشريعة، ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب؛ ولذا قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها، وضعت الصيانة في نسائها.
لقد اعتبر الشارع من قتل في سبيل الدفاع عن عرضه شهيداً، كما قال ﷺ : (من قتل دون أهله فهو شهيد).
ومن لا يغار على أهله ولا محارمه يسمى ديوثاً، والدياثة من الرذائل التي ورد فيها وعيد شديد، وهي من الكبائر عند العلماء، كما دل على ذلك حديث النبي ﷺ : (ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة وذكر منهم: الديوث) وهو الذي يقر الخبث في أهله.
стр. 2811
الغيرة صفة من صفات الله
والله غيور، والله يغار، كما قال ﷺ : (لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، ولما قال سعد بن عبادة ﵁: [لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غَير مُصْفِحٍ] فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (أتعجبون من غيرة سعد! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) متفق عليه.
وفي الصحيحين أنه ﵊ قال: (إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه).
وفي الصحيحين في خطبته ﷺ في صلاة الكسوف أنه قال: (يا أمة محمد! والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته.
يا أمة محمد! لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً.
ثم رفع يديه، فقال: اللهم هل بلغت؟) وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقيب صلاة الكسوف سرٌ بديع لمن تأمله، فظهور الزنا من أمارات خراب العالم، وهو من أشراط الساعة كما أخبر ﵊ بقوله في أشراطها: (ويظهر الزنا)، وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه، أنه عند ظهور الزنا يغضب الله ويشتد غضبه، فلا بد أن يؤثر غضبه في الأرض عقوبةً؛ كما قال ابن مسعود ﵁: [ما ظهر الربا والزنا في قريةٍ إلا أذن الله بهلاكها].
وغيرة الله صفة من صفاته ، نثبتها له كما يليق بجلاله وعظمته، والمؤمن يستفيد من أسماء الرب وصفاته، ويتخلق بما يناسب ذلك منها في حق المخلوق وبما يليق، فإذا كان الله يغار والغيرة تناسب المخلوق؛ فإن المخلوق يغار أيضاً، والنبي ﷺ أخبر أن المؤمن يغار.
стр. 2812
الغيرة قبل الإسلام وبعده
كان عند العرب غيرة شديدة على نسائهم، حتى كان لا يجرؤ أحدٌ أن يتزوج امرأة رئيس القبيلة بعد طلاقها أو بعد موته ونحو ذلك، وجاءت الشريعة فضبطت الغيرة، ولم تبقها فوضى يغار كل إنسان كما يشاء، وإنما جعلت الغيرة على الحرمات على المحارم وعلى كل محمود.
وإذا تأملت كلام السلف في حفظ النساء، وجدته نابعاً من غيرتهم؛ قال عبد الله عن قرار النساء في البيوت: [فإن النساء عورة، وإن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وقال لها: إنك لا تمرين بأحدٍ إلا أُعجب بك] وفي كلام بعض السلف الاستعانة على حفظ النساء في البيوت، وعدم الإكثار من ثيابهن وزينتهن؛ لأنها إذا كثرت ثيابها وحسنت زينتها أعجبها الخروج.
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: [كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها].
стр. 2813
غيرة رسول الله على أهله
ما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب، والنبي ﷺ لما رأى في بعض غير أولي الإربة وصفاً للنساء منعهم من الدخول، كما جاء ذلك في أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ﴾ [النور:٣١] وهم الذين ليس لهم شأن في النساء، إما لعدم وجود آلة كالمجبوب، وإما لأن الآلة لا أثر لها كالعنين، وكذلك المخنث الذي ليس بذكر خالصٍ، ولا أنثى خالصة، قد لا يكون له ميلٌ إلى النساء، وكان هناك واحدٌ من هؤلاء يدخل على نساء النبي ﷺ ، فقال ذات مرةٍ لأخي أم سلمة: يا عبد الله! إن فتح الله عليكم الطائف غداً، فإني أدلك على بادنة بنت غيلان فإنها تقبل بأربعٍ وتدبر بثمان، مع ثغر كأنه كالأقحوان، إن جلست تبنت، وإن قامت تفنت، وإن تكلمت تغنت.
فقال رسول الله ﷺ : (لا أرى هذا يعرف ما هاهنا، لا يدخل عليكن) فحجبه ﷺ ، مع أنه ليس من أولي الإربة، ولكن لأنه يصف النساء، فغار على زوجاته، وخشي أن يصفهن في المجالس فحجبه، مع أن الأصل حسب الآية عدم الوجوب، ولكن الغيرة الشرعية حملت النبي ﷺ على ذلك.
стр. 2814
عمر بن الخطاب وغيرته
إن عمر -رضي الله تعالى عنه- كان يغار غيرة عظيمة، والنبي ﷺ أخبره أنه رأى له قصراً في الجنة، وعنده جاريةٌ له، فلم يدخله مما عرف من غيرته، هذا الأمير للمؤمنين، وهذا الصاحب العظيم، غار من أجل زوجات النبي ﷺ قبل نزول آية الحجاب، وكان يريد أن تنزل بأي طريقة، وقال لـ عائشة: [لو أُطاعُ فيكن ما رأتكن عين] فنزل الحجاب.
وكذلك كانت أزواج النبي ﷺ يخرجن بالليل إلى المناصع يتبرزن فيه وهو صعيد أفيح، فكان عمر يقول للنبي ﷺ : [احجب نساءك] فلم يكن يفعل؛ لأن الوجوب لم ينزل بذلك، فخرجت سودة ليلةً من الليالي، وكانت امرأة طويلةً ﵂ وهي أم المؤمنين، فناداها عمر: قد عرفناك يا سودة.
حرصاً على أن ينزل الحجاب، قالت عائشة: [فأنزل الحجاب].
وقال للنبي ﵊: [إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر -الضيوف عندك كثر الأعراب وزعماء القبائل والناس يأتون إليك يا رسول الله- فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب].
أيها الإخوة: إن غيرة عمر رضي الله تعالى عنه لو رأى بها ما أحدث الناس في هذا الزمان لكان له شأن آخر.
стр. 2815
غيرة علي بن أبي طالب وغيره من السلف
وعن علي ﵁ قال: [بلغني أن نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق، أما تغارون؟! إنه لا خير فيمن لا يغار].
وقال محمد بن علي بن الحسين: [وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب].
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فيمن طلع إلى بيته فوجد عند امرأته رجلاً أجنبياً، فوفاها حقها وطلقها، ثم رجع وصالحها، وسمع أنها وجدت بجنب أجنبي مرةً أخرى؟ فأجاب ﵀: في الحديث عنه ﷺ : (أن الله لما خلق الجنة قال: وعزتي وجلالي لا يدخلكِ بخيل ولا كذابٌ ولا ديوث) والديوث: الذي لا غيرة له، وفي الصحيح، وذكر حديث: (إن المؤمن يغار وإن الله يغار) وقد قال تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية)) [النور:٣] ولهذا كان الصحيح من قولي العلماء: أن الزانية لا يجوز تزوجها إلا بعد التوبة، وكذلك إذا كانت المرأة تزني لم يكن له أن يمسكها على تلك الحال؛ بل يفارقها وإلا كان ديوثاً.
وقد ذكر العلماء في اشتراط المحرم للمرأة في سفر الحج والعمرة -فما بالك بالأسفار الأخرى- أنه إذا كان المحرم قليل الحمية لا يغار عليها، فإنه لا يكتفى به في السفر، وأما إذا كان يغار ولو كان فاسقاً في نفسه جاز أن يكون محرماً؛ لأن بعض الناس قد يكون فاسقاً لكن له غيرة على محارمه لا يرضى لهن مواضع الريبة، والنساء من طبعهن التبرج والتبهرج، والتبهرج: هو لبس أفخر الثياب والتجمل والتحسن عند إرادة الخروج، وهذه لو سلمت لم يسلم الناس منها، ولذلك كان لا بد للأزواج وللآباء وللإخوان -بل حتى للأولاد- أن يغاروا على نسائهم من زوجاتٍ وبناتٍ وأخواتٍ وأمهات، وأن تفهم المرأة أنها ما التمست وجه الله بمثل أن تقعد في بيتها، وتعبد ربها، وتطيع بعلها.
وقال علي رضي الله تعالى عنه لزوجته فاطمة: [ما خيرٌ للمرأة؟ قالت: ألاَّ ترى الرجال ولا يروها]، وكان علي ﵁ يقول: [ألا تستحون؟! ألا تغارون؟! يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال تنظر إليهم وينظرون إليها] ولذلك كان ينبغي على المرأة أن تغض طرفها حتى هي عن الرجال؛ اتقاء الفتنة، وإذا اضطرت للخروج لزيارة والدٍ أو غيره خرجت بإذن زوجها غير متبهرجةٍ، وتغض طرفها في مشيتها، ولا تنظر يميناً ولا شمالاً، كما ذكر العلماء في آداب خروج المرأة من بيتها.
عباد الله: إن الزوج الشهم العظيم الحسن الخلق الذي يخاف الله تعالى ويغار على زوجته أن يرى أجنبيٌ شيئاً من جسدها، إنه لا يخرج بها كاشفةً وجهها ولا مقدم شعرها، لا في سيارةٍ ينظر إليها الغادي والرائح عند إشارات المرور، ولا في الأسواق يمشي بجانبها قد أشهد العالمين على دياثته في رضاه بتبرجها، وإنه يغار عليها أن ينفرد بها أجنبيٌ في سيارةٍ أو غيرها، ويغار عليها أن يسترسل معها أجنبيٌ بحديث في محلٍ أو غيره، ويغار عليها أن تختلط بالرجال في أماكن العمل وهكذا تحفظ المرأة إذا كان الرجل صاحب غيرة.
أما إذا لم يكن فالشكوى لله، ولا شك أن من أسباب الفساد في هذا الزمان: فسق النساء، ودياثة الرجال، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
стр. 2816
وقفة مع ما يسمى (جرائم الشرف)
أيها المسلمون: إن الغيرة المحمودة على الحرمات، والتي تكون في مواضع الريبة، فعند ذلك يغار الرجل، وليس الموسوس الذي يغار دون سبب، ويضيق على زوجته العفيفة، ويتهمها في شرفها وهي بريئة، ويظن أن كل أحدٍ ينظر إليها ولو لم يتقصد ليس هذا هو المطلوب، وإنما المطلوب الغيرة الواقفة عند حدود الشريعة، والغيرة على حرمات الله.
وإذا قال قائل: ما هو الرأي فيما يسمى بـ (جرائم الشرف) التي تتحدث عنها بعض الصحف، ويثيرون هذه القضية فيمن يقتل ابنته أو أخته أو زوجته إذا رآها مع رجل؟ ف
الجواب
أن حدود الله معلومة معروفة، ولا يجوز لإنسان إذا رأى ابنته أو أخته أن يقتلها في مثل هذه الحال إذا لم يكن الحد الشرعي هو القتل، كأن تكون غير متزوجة، فإن الشارع لم يقل بقتلها حتى لو زنت، وكذلك فإنها تعطى الفرصة لتتوب، وقتلها يفوت الفرصة، ثم هو اعتداء، ثم إن إقامة الحدود مناطة بالحاكم الشرعي وحكم القاضي العدل وليس إلى أهواء الناس.
ولكنني أنبه -أيها الأخوة- إلى أن بعض هؤلاء الكتاب الذين يتناولون قضية (جرائم الشرف) ويهولون في الأمر ويعظمونه، لا يريدون من وراء ذلك إظهار حكم الشريعة، ولا أن ينهوا عن الاعتداء الذي حرمه الله كما تبين لكم، وإنما يريدون انهيار الحدود، وتدمير الأخلاق، وشيوع الفاحشة؛ فينتهزون فرصة تعدي بعض الناس فيما يسمى بـ (جرائم الشرف) ليصلوا من وراء ذلك إلى ترك الأخوات والبنات في غاية الحرية يفعلن ما يشأن.
إذاً: يريدون من وراء تناول قضايا (جرائم الشرف) -من منظورهم- إعطاء البنت والأخت الحرية لتفعل ما تشاء ولو بالحرام، ويدسون في كلامهم من أجل الوصول إلى هذه الغاية الخبيثة، والمسلم نبيه فطن لا تروج عليه مثل هذه الكتابات الفاسدة.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يغار على حرماته.
اللهم إنا نسألك الغيرة الشرعية، وأن تجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك سميع مجيب قريب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2817
أنواع الغيرة
الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له الكبير المتعال، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه والآل صلى الله عليه بما علمنا وهدانا وأرشدنا، وهو البشير النذير والسراج المنير.
عباد الله: إن الغيرة أنواع، وإنها بحسب ما يغار عليه في الأحكام، وإن الغيرة على شريعة الله ودينه عبادة واجبة يتقرب بها إلى الله، وقد ضيعها اليوم كثيرٌ من المسلمين، فترى دين الله ينتهك في المجالس، وآياته يكفر بها ويستهزأ بها، ولا تجد في المجلس من يغار لله فيرد ويدافع عن شريعته، ويغضب لله فيقوم بالواجب في إنكار المنكر.
стр. 2818
الغيرة على التوحيد
إن على رأس الغيرة على الشريعة: الغيرة على التوحيد، وهذا مثالٌ من كلام واحد من العلماء يبين ذلك: قال العلامة الشوكاني ﵀ في شرح حديث سفيان التمار: (أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنماً) رواه البخاري.
قال: كم قد سرى في تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها: اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرةٌ على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصداً لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها واستغاثوا.
وبالجملة: إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفضيع، لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف؛ لا عالماً ولا متعلماً ولا أميراً ولا وزيراً، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء المقبورين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني، تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة!! فيا علماء الدين! أي رزءٍ للإسلام أشد من الكفر؟! وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟! وأي مصيبةٍ يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكرٍ يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجباً؟!
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو ناراً نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
هذا كلامه ﵀ عن بعض ما شاهده في بلاد اليمن التي كان فيها، وهو من علماء القرون المتأخرة ﵀.
стр. 2819
الغيرة على محارم الله
كذلك فإن من الغيرة الشرعية: الغيرة إذا هتكت حرمات الله تعالى، إذا انتهكت الحرمات أياً كانت، وليست فقط الزنا ولا الخنا، أي حرمة من الحرمات يجب أن يغار عليها إذا انتهكت، والمؤمنون مأمورون بإنكار المنكر، فما هو الدافع لتطبيق حديث النبي ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) إن الدافع هو الغيرة يا عباد الله.
إن الغيرة هي التي تدفع لإنكار المنكر، وقالت عائشة ﵂: [ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها] غيرة لله، وغيرة على دينه.
стр. 2820
أنواع متفرقة من الغيرة
كذلك فإن من الغيرة المحمودة أن يغار العبد على المحبة، فلا يصرفها إلا لله، ويغار أن يصرفها لغيره.
وإن من الغيرة أن يغار في الإخلاص؛ فيغار العبد أن يكون لغير الله في عمله نصيب، ولا يرضى أن يشوب عمله رياء ولا إعجاب ولا استشراف لمدح الخلق وثنائهم غيرةً على عمله أن يفسد ويحبط.
وكذلك فإن المسلم يغار على أوقاته أن تذهب سدى في غير رضا محبوبه وهو الله .
والغيرة على حقوق الآدميين مطلوبة الحقوق التي أقرها الشرع وجاء باحترامها وصيانتها، ومنها: أموال المسلمين وأعراضهم، فلو رأيت مالاً لمسلمٍ ينتهك، ورأيت عرضه ينتهك؛ فعليك بالغيرة عليه والدفاع عنه؛ تغار لأن حرمات المسلمين قد انتهكت، وحرمات المسلمين في المسجد الأقصى منتهكة، فأين غيرة المسلمين لله ضد هؤلاء اليهود الخونة الآثمين الفجرة العابثين في مقدساتنا؟! عباد الله: إن غيرة الزوجة من الأمور الفطرية الموجودة عندها في غريزتها، ولذلك كان لابد للزوج أن يتحمل غيرة زوجته التي قد تطغى فتتجاوز الحد، وأن يعذرها لأجل ما ركب فيها من هذا الطبع، وقد تحمل النبي ﷺ من غيرة نسائه ما تحمل.
نسأل الله أن يجعلنا بدينه مستمسكين، وأن يجعلنا ممن يغار على حرماته إنه سميعٌ مجيب.
اللهم إنا نسألك أن تصلح شأننا، وترفع قدرنا، وتستر عيوبنا، وتحسن أخلاقنا يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2821
تصرف المسلم وقت الحرب
الإنسان مطالب أيام الفتن والمحن والخوف أن يحقق مفهوم العبودية لله ، كما هو مطالب أن يكون عبداً لله في أوقات الرخاء أيضاً، وهو أيضاً مطالب بإحسان العبادة لله ، كما يجدر التنبيه إلى أن هناك أموراً مستفادة من الأحداث يجب التنبه لها، منها: الأخذ بالأسباب والاعتراف بحقيقة الموت.
стр. 2822
فضل العبادة في الهرج
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة: لا يخفى عليكم ما نتعرض له في هذه الأيام من المحن والخوف والفتنة، التي تتطلب منا اليوم وقفةً جيدةً أكثر من أي وقتٍ مضى، والمسلم مطالبٌ بأن يحقق مفهوم العبودية لله في جميع المواقف، والمسلم مطالبٌ أن يكون عبداً لله في أوقات الرخاء وفي أوقات الشدة، والمسلم مطالبٌ بأن يحسن عبادة ربه كما ورد في الحديث: (عبادة في الهرج كهجرةٍ إليَّ) العبادة في وقت المحنة ووقت القتل، أو وقت الحروب ووقت الفتن مثل الهجرة في فضلها، مثل الهجرة إلى الرسول ﷺ في المدينة، وهذا يدل على أن المسلم يؤجر في عبادته لله أكثر عندما يكون في أوقات المحنة والشدة، فإنه يؤجر أكثر من عبادته في وقت الرخاء إذا استوت العبادتان؛ لأنه الآن قد أحسن التوجه إلى الله وعبادته ، فيؤجر على ذلك أجراً إضافياً.
стр. 2823
الدروس التي تستفاد من الأحداث
أيها الإخوة: إن هذه الأحداث، وهذه المواقف لنا فيها دروسٌ كثيرة، وفيها عبرٌ عظيمة، فمن ذلك:
стр. 2824
الإيمان بالقضاء والقدر
الإيمان بالقضاء والقدر، والإيمان بقوله ﵊: (وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك) وإذا لم تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فلست على ملة الإسلام كما ورد في الحديث الصحيح.
стр. 2825
الموت
ثانياً الموت: ولا بد منه لكل حي، قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء:٣٥] وقال : ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] ولو كنت لابساً جميع أنواع الأقنعة والكمامات والألبسة، وتسكن في عاشر أدوار تحت الأرض يدركك الموت لو شاء الله ، فينزل فيقبض ملك الموت روحك، لأن الله أراد ذلك: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
стр. 2826
لا ينفع الهروب من الموت
ثالثاً: إن هذا المعنى يؤكده -أيها الإخوة- وهو نفس المسألة السابقة قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة:٢٤٣] فما أغناهم خروجهم من بيوتهم، ما أغناهم شيئاً أمام الموت، ولما قدر الله عليهم الموت ماتوا، فقال الله لهم: ﴿موتوا﴾ [البقرة:٢٤٣] ليدلل لهم على أن خروجهم من بيوتهم لا يقيهم الموت ولا يبعده عنهم.
стр. 2827
الأخذ بالأسباب
رابعاً: لابد للمسلم من الأخذ بالأسباب، ولا تعني النقطة السابقة أنك ترى الحِمام أمامك، وترى مواقع القتل أمامك فتدخل فيها، فليس ذلك من معاني دين الإسلام ولا من أوامره، بل إذا لقيت شراً فانأ عنه وادرأ بنفسك عنه ما استطعت، إذا كان نأيك عنه مشروعاً، واتخاذ الأسباب المشروعة في الوقاية من الهلاك أمرٌ مشروع، فوضع مكان آمنٍ في البيت، أو هذه الملصقات على الزجاج حتى لو طار طيارٌ على مستوىً منخفضٍ بأسرع من سرعة الصوت مثلاً لا يتهشم الزجاج ولا يتناثر فهذا أمرٌ مشروع ولا بأس به، وسد المنافذ حتى لا يدخل غازٌ لو حصل أن جاء -ونسأل الله أن لا يأتي- أمرٌ لا بأس به، ووضع بعض الأطعمة في البيت حتى إذا غلقت الأسواق ولم تجد مكاناً تشتري منه أمرٌ لا بأس به، ووضع مصدر للإنارة في البيت حتى إذا قطعت الكهرباء يكون عندك مصدرٌ آخر، أمرٌ لا بأس به، وهو أمرٌ مشروع، فإذاً اتخاذ الأسباب المشروعة لوقاية النفس من الأخطار، والتي هي من عين الحكمة، ومن عين العقل أن تتخذها.
стр. 2828
زيادة الهلع ينقلب إلى الضد
خامساً: إذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده، فمثلاً: لما يقع الهلع من الناس فيشترون كل شيء أكثر مما يحتاجون، وتفرغ الأسواق من سلعٍ معينةٍ -مثلاً- بدون حاجةٍ إلى هذا الاندفاع الكبير لشراء هذه الكميات الكبيرة، فهذا أمرٌ منافٍ للتعقل، ثم شراء الأشياء التي قد لا يحصل منها نفعٌ وليست أسباباً واضحة ينتفع بها هو أيضاً دليلٌ على عدم التعقل.
مثال: أقدم كثيرٌ من الناس على شراء الفوانيس على هذا الكاز، كان الفانوس بخمسة أو ستة ريالات لا أحد يشتريه، فقفز سعره إلى ستين وسبعين وثمانين ومائة، واشترى الناس الفوانيس، وصرف بعض الناس بضاعةً كانت عندهم، والله هو الرزاق ساقَ إليهم رزقهم عبر هذا الهلع أو بعض التصرف من بعض الناس، فلما قيل لهم: إن الفوانيس لا تصلح في مثل هذه الأوضاع، عليكم بالأشياء الكهربائية ذهب الناس إلى البطاريات وألقيت الفوانيس جانباً.
مثالٌ آخر: مراوح يدوية، هل تصدقون أن بعض الناس قد اشتروا مراوح يدوية في فصل الشتاء، فهذا تصرفٌ دالٌ على عدم التعقل أيضاً، وهكذا.
مثالٌ آخر: اتصل بي بعض الناس يقول: في وقت حدوث أو انطلاق صفارة الإنذار دخل الناس إلى هذه الملاجئ ولا ملجأ من الله إلا إليه ، ولا يقي من الشرور إلا هو ، وصار بعضهم يتصل على بعض، ادخل الغرفة فوراً والبس الأقنعة، اعمل اعمل، وليس هناك ما يدعو إلى لبس الأقنعة داخل البيوت محكمة الإغلاق مثلاً، وربما حصل بسبب إساءة استعمالها أضرار على الأطفال، فإنه قد بلغني أن بعضهم قد مات اختناقاً من وضع هذا الكمام عليه بالطريقة بالخطأ.
فصار الشيء الذي أخذ سبباً للحياة سبباً للوفاة، ثم قال هؤلاء السائلون: كيف نتوضأ؟ يا أخي توضأ بالماء، قال: لكن نحن الآن متكممون في الغرفة ولا نستطيع أن نتوضأ وقد دخل وقت الصلاة، قلت: يا أخي اخرج إلى الحمام وتوضأ فهي خطوات، قال: أنا لا أستطيع أن أخرج من الملجأ، سبحان الله! وأنتم ترون من الواقع أنه ليس هناك داعٍ لحصر النفس بالغرفة دون خروجه إلى الحمام، فلو أراد أن يقضي حاجته، ماذا يفعل؟ لو انحصر فأراد الذهاب إلى الحمام، ماذا يفعل؟ فكان هذا التصرف بعدم الذهاب إلى الحمام للوضوء لأجل الصلاة شيئاً عجيباً، لكن الناس -فعلاً- كثيرٌ منهم ليس عندهم القدرة على التصرف الصحيح في أوقات الأزمة، ولذلك من الأدعية التي يدعو بها المسلم: (اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا) فليس هناك غاز، وليس هناك خطر، وليس هناك أشياء متسربة، فما المانع أن تذهب إلى الحمام للوضوء؟!
стр. 2829
أحكام العبادة في أيام الفتن
سادساً: بالنسبة للعبادة -أيها الإخوة- العبادة لابد من إحكامها، وقدمنا أن الإحسان في العبادة يضاعف الله به مزيداً من الحسنات، ولذلك فإن الوضوء ينبغي أن يكون سابغاً تاماً، والصلاة تؤدى في وقتها ولا نؤخر الصلوات، وإذا لم يكن هناك خطرٌ داهم يأتي الرجال إلى المسجد للصلاة فيه، وتمشي الأمور بشكلٍ طبيعي تماماً، ونأتي لصلاة الجمعة، والأمر طبيعي تماماً، لكن لو حصل وقدر الله أن يكون هناك قذائف تنزل أو أخطارٌ متحققة، أو صفارة الإنذار على شيءٍ من الإطلاقات أو الغارات لا سمح الله، فهنا لا نكلف الناس أن يأتوا إلى المساجد لأداء صلاة الجماعة، بل إنهم يعذرون بما هو أدنى من ذلك، كالجمع في المطر في المسجد، ويعذرون كذلك عند البرد الشديد والريح الشديد، وفي الخوف، هناك صلاة اسمها: صلاة الخوف، فإذاً لا نكلف الناس بأن يأتوا إلى المسجد، فلو صار خطرٌ حقيقيٌ داهمٌ أشارت الإشارات إليه، وليس هو من اختلاق بنات الأفكار كما يقولون، ولا نتيجة أوهام، بل أشياء محققة فيها إشارات تدل على وقوعها، فنصلي في البيوت ولا حرج، نصلي الصلاة كاملةً في البيت، كل صلاةٍ في وقتها، ولو -لا سمح الله- صارت أشياء لا نستطيع أن نأتي لصلاة الجمعة، فنصلي في البيت ظهراً، هذا دينكم دين يسرٍ، وهذا من معاني أن الدين يسر، هذا من المعاني الصحيحة ليسر الدين، والشريعة هذه لم تأت بحرجٍ أبداً، بل جاءت لرفع الحرج أيها الإخوة.
ومن الأمور المتصلة في ذلك أيضاً: مسألة الأقنعة، عمد كثيرٌ من الناس -هداهم الله، ولا أقول كثير، لا أدري، ولم أعمل إحصائية ولا استبياناً، وأرجو أن يكونوا قلةً أو ندرة- إلى حلق لحاهم -والعياذ بالله- قالوا: لا يمكن للأقنعة أن تركب على اللحية وأن تتسرب غازات وأشياء، ولذلك لابد أن نحلق اللحية، يا أخي: اللحية أمرٌ واجبٌ شرعاً، فقد أصدر الرسول ﷺ فيها خمسة أوامر إلى الأمة: (أرخوا اللحى) (أرجوا اللحى) (وفروا اللحى) (أعفوا اللحى) أوامر إلى الأمة بإعفاء اللحية تدل على الوجوب، فليس هناك فيها عذر.
إذاًَ: فمتى تحلق اللحية؟ يجوز ذلك عند الضرورة، عند خوف القتل يمكن للإنسان أن يحلق لحيته خوف القتل المحقق، فقد صارت المسألة ضرورة، فيقولون لك: إن هذه الغازات تتسرب، نقول: يا أخي أين تعيش أنت؟! ألست في البيت! فأين الخطر المحقق لنفاذ الغاز إليكَ أو هذه الكيماويات أو الأشياء المستنشقة إليك في غرفتك، فعلام تحلق لحيتك؟! طبعاً هناك أنواع من هذه الأقنعة فيها طولٌ في تصميمها بحيث أنه لا يضر، لكن قد لا تكون متوفرة، فماذا يفعل الإنسان؟ أقول لكم ماذا قالوا في الصحافة عن اليهود؟ حاخامات اليهود لحاهم طويلة -مع الأسف طبعاً مقارنة بالمسلمين- فماذا يفعل حاخامات اليهود؟ قالوا: يحملون مقصاتٍ في جيوبهم، فإذا صار الخطر قصوا لحاهم ولبسوا القناع، هل تريدون أن يكون اليهود أحسن منا؟! اليهود يحتاطون على لحاهم ولا يحلقونها إلا عند نزول الخطر، فهل هم أحسن منا؟ معاذ الله، فإذاً هذا أمرٌ لا يجوز فعله إلا وقت الضرورة القصوى المحققة، لكن هؤلاء الذين حلقوا لحاهم، أين الضرورة التي حصلت في هذه الفترة الزمنية الماضية، حتى نقول لهم: إن ما فعلتموه صحيح.
أمرٌ آخر -أيها الإخوة- نحن مسلمون، ومما يميزنا عن الكفار إيماننا بالله ، فنحنُ في هذه الأوقات يجب علينا أشياء، منها: إحسان الظن بالله ، وإذا أحسنت الظن بالله كفاك الله الشرور قال الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي عبدي ما شاء).
فينبغي أن نحسن الظن بالله، وأن نوقن في أنفسنا أن الله سيحفظنا، وأن الله سيكفينا، وأن الله سيدرأ عنا، وأن الله سيحول بين هذه الشرور والوصول إلينا، فإذا اشتد ظنك بالله حسناً كانت كفاية الله لك أكثر وأعظم، فأحسنوا الظن بالله، لا تيئس من روح الله، لا تقنط من رحمة الله أبداً ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، فأحسن الظن بالله أن الله سيكفيك همك، وأن الله سيحفظك من كل سوء، ولكن بعض الناس عندما يسمع انفجاراً أو صفارة إنذار، أو شيئاً من الأشياء الخطيرة يسقط في يده، وينسى الله تماماً، وهذا من أعظم المصائب.
ففي لحظات الشدة يجب أن نذكر الله أكثر من أي شيءٍ مضى، ولذلك ما معنى الحديث: (كان إذا حزبه أمرٌ صلّى) كان إذا حصل أمرٌ فزع إلى الصلاة، إذا نزلت مصيبة فزع إلى الصلاة، يطبق قول الله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣].
وكان ابن عباس لما كان مسافراً في الطريق، فبلغه موت أخيه، ترجل عن راحلته وتنحى جانباً، فصلى ركعتين ثم قال: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣] هذا الكلام نقوله لأننا وجدنا بعض الناس لما صارت الأخطار وهذه الصفارات عمدوا إلى محطات التلفزيون والإذاعات ينظرون ويستمعون إليها بكل إنصات، ساعاتٍ طويلة، ولا يلهج أحدهم بذكر الله أبداً.
وهذا خطأ -يا جماعة- هذه مواقف وستسجل علينا يوم القيامة، ونحنُ بإمكاننا أن نتخذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح، القرار الصحيح وقت الأزمة أن تلجأ إلى الله، ليس هناك مانع أن تسمع الأخبار، لكن أن تتسمر أمام الأجهزة طيلة الوقت بإنصاتٍ شديد، ولا تذكر الله أبداً هذا ليس من صفات المسلمين.
كان ﵊ إذا كربه أمرٌ قال: (الله الله ربي لا أشرك به شيئاً) وقال: (يا حي يا قيوم برحمتك استغيث) هذه أدعية الكرب وأذكار الهم، لابد أن نذكرها وأن تكون على ألسنتنا.
(اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي) فإذاً نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وذهاب همومنا وغمومنا، وجلاء أحزاننا وكربنا، اللهم آمين، اللهم آمين، اللهم استجب لنا أجمعين.
وقبل أن يفوتني تنبيهٌ على مسألة قد يسأل عنها بعض الإخوة العسكريين، عند لبس هذا الكمام، أو هذا القناع كيف يفعل بالوضوء والسجود؟ طبعاً الإنسان إذا لم يستطع أن يمسح على جزءٍ من جسده تيمم عنه، فإذا كان محكماً على الرأس مثلاً، يعامل مثل العمامة، فيمسح عليه، فإذا لم يستطع فإنه يتيمم عنه، هناك الآن مخارج شرعية يسأل عنها العلماء، ويفتي بها أهل العلم، فإذا حدثت أشياء مثل هذه هناك أحكام في الشريعة، أحكام الاضطرار، أحكام الضرورة، تسأل عنها العلماء، وأما بالنسبة للسجود، فلو اضطر للبس القناع وهو يصلي، فيسجد على حسب حاله، ويلامس من الأرض ما يستطيع أن يلامسه بهذا القناع الموجود على وجهه، ولا حرج في الشريعة، وهذا معنى أن الدين يسر، هذا مثال صحيح، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2830
تخويف الله لعباده
أيها الإخوة: إن هذه الأحداث التي تمر بنا الآن مدرسةٌ فعلاً، والسعيد من تعلم بها وفيها ومنها وأخذ العبر.
أيها المسلمون: إن الله يقول -ونعوذ بالله أن نكون من المقصودين بهذه الآية-: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠].
فإذا خوفنا الله بهذه الأحداث، فما المفروض أن يحدث لدينا؟ إن المفروض علينا اللجوء إلى الله، الدعاء، الصلاة، الذكر، قراءة القرآن، الإقبال عليه، التوكل عليه، صدق اللجوء إليه، ونقول من قلوبنا في قنوتنا: واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، هذا أوان التعلم بالأحداث -أيها الإخوة- كم مرت علينا فترات رخاء، فترات ليس فيها خوف، ولا فزع، ولا اضطراب، ولا جوع، ولا فقر، والآن يبلونا الله في هذه الأيام بأشياء من الخوف، يبلونا بها، فما هو موقفكم؟ وما هو موقفنا جميعاً؟ كونوا كما أمركم الله عباداً له في جميع الحالات والأوضاع والظروف، قوموا بحق العبودية.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 2831
قوة الله
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً رسول الله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
ألا إن القوة لله جميعاً، ومهما ملك البشر، فلا يملكون إلا أشياء بسيطة لا تقارن أبداً بقوة الله، تأمل قوله : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
فهذا لو قارنته بأكبر انفجار في الأرض يحدثه العباد بقنابلهم وصواريخهم؛ فماذا يعد؟ لا شيء أبداً ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:١ - ٢].
ونحن مع الأسف في مثل هذه الأوقات قد ننسى قوة الله ، بمعنى أننا لا نقدر قوة الله قدرها، ولا نعرف ما أمرنا الله به بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً) جميعاً تأملوا -يا جماعة- تأملوا هذه: كل الأرض والبلاد والعباد، والصواريخ والأسلحة، والأشجار، والأنهار والبحار، والحيوانات كلها: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ) السماوات: التي ما وصلوا إليها حتى الآن ولا لمسوها بمخترعاتهم (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ .
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] بكل مساعيهم وأسلحتهم وعتادهم كل من عليها فان، ومنشآتهم وبيوتهم وعماراتهم ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
فينبغي ألا تغيب عن أذهاننا -ونحن نسمع الأخبار- قوة الله أبداً، من فوق؟ الله فوق الجميع ، له علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة على خلقه أجمعين: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٥ - ٦].
стр. 2832
اللجوء إلى الله أيام الفتن
أيها الإخوة: في الفتن نلجأ إلى الله، نعتصم بحبل الله، لا نغفل عن ربنا ولا عن ذكره، ولا عن مراقبته ، ونذكره ولا نجعل ألسنتنا تلهج بذكر الأخبار فقط، وننسى ذكر ربنا، انتبهوا -يا إخواني- ويسألونك يقولون: ما حكم الخروج من المنطقة أو من البلد، فلقد قلنا عدة مرات، وأنقل الفتوى عن علمائنا وأكابر علمائنا: لا حرج لمن أراد أن يخرج ولم يكن لديه شيءٌ يوجب البقاء أن يخرج، فالإنسان الذي ليس رجل أمن مكلف بالبقاء ولا عنده شيء يجب أن يبقى من أجله، لو أخرج أهله إلى منطقةٍ أخرى فلا بأس، وليس هناك حرج شرعي، ولو أني فعلتُ ذلك مثلاً وذهبت بأهلي، وقد يذهب الإنسان أحياناً إرضاءً لوالديه، ما عنده سبب معين في البقاء، فتقول له أمه: تعال إلينا مثلاً، فيذهب إليهم فلا حرج شرعاً في ذلك، لا هو فرار من قضاء الله واعتقاد أنك لو هربت فأنت تهرب من قضاء الله، لا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة:٢٤٣] ممكن تلقاك المنية في الطريق، وكذلك ليس فراراً من الزحف، لأنك لم تحضر صف المعركة بين المسلمين والكفار وأنت تجاهد بسلاحك، وإنما أنت رجلٌ من عامة الناس (مدني) فلك الخيار إذا أردت أن تذهبَ أن تذهب، ولو كانت مصلحتك في البقاء، وعندك أعمال، وعندك وظيفة، وعندك عمال ترعاهم، عندك شيء، فإنك إذا جلست فلا بأس بذلك، فإذا صار الخطر محققاً، وهناك أمورٌ تنزل عليك فيها تدمير، فيمكن لك أن تخرج في تلك الحالة وجوباً فراراً من القتل، أو فراراً من الأخطار المحدقة مثلاً.
وكذلك -أيها الإخوة- فلابد أن يكون عندنا اهتمام بأذكار الصباح والمساء (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ثلاثاً في الصباح والمساء، وتأمل: (من شر ما خلق) وهذه تشمل الآدميين، وتشمل الأسلحة، وتشمل نفسك وتشمل كل شيء، من الدواب والعقارب والثعابين والنحل وكل شيءٍ يؤذي، فأنت تستعين بالله من شره، أعوذ بأي شيء؟ بشيء عظيم، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً، لا مبدل لكلماته ، فأنت تستعيذ بكلماته من شر ما خلق، وتقول: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم).
ومن المشروع الآن القنوت في الصلوات بعد الركوع من الركعة الأخيرة من جميع الصلوات سواءً قنت في الفجر والمغرب والعشاء، أو الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فلا حرج في ذلك، كلها صلواتٌ قنت فيها ﵊، وثبت كما في الصحيحين ومسند أحمد، قنتَ ﵊ للنوازل، وهذه من النوازل، وتدعو بالأدعية المناسبة، ويدعو الإمام بهم، فيدعو الله أن ينصر الإسلام، وينصر المسلمين، ويحفظ المسلمين وبلاد المسلمين، وأن يقمع الشرك والمشركين والكافرين، وأن يحفظ العباد والبلاد، والأهل والأنفس والأموال، وأن يقينا شرور النفس، وأن يمتع بالأسماع والأبصار.
يدعو الله في القنوت بما ورد عنه ﷺ من الأدعية، وغيرها من الأدعية المشروعة الطيبة.
ثم -أيها الإخوة- إذا حصل أن سافر الإنسان، فلينو -فعلاً- أن يعمل هذا السفر طاعة، لأن بعض الناس قد يعمل السفر سفر هرب، وينسى أن ينوي السفر في طاعة، ولذلك ليس أجر الذي ذهب للعمرة طائعاً مختاراً مثل الذي ذهب للعمرة رغماً عنه، هناك أناس ذهبوا للعمرة رغماً عنهم، وأناس ذهبوا لصلة الرحم رغماً عنهم، لكن اجعل النية لله في هذا السفر لا هروباً فقط لو حصل، وإنما هو فعل الأمور من الطاعات الأخرى، وكذلك أنبه على مسألة الإيثار، الآن يوجد ناس فقراء، يوجد ناس مقطوعون، قد يتعذر عليهم شراء الأشياء من الأسواق، تفقد جيرانك، تفقد من حولك، إذا كان هناك ناس يحتاجون إلى مساعدة، هناك ناس عندهم نقص فيما يحتاجونه في البيت، وأنت عندك منها فأعطهم منها، قد تكون أشياء نفدت من السوق مثلاً، وعندك ما يزيد عن حاجتك، فاهدها إليهم، أو تصدق بها عليهم، هذا أوانٌ يظهر فيه هذا الخلق العظيم من أخلاق الإسلام، وهو الإيثار، فآثر وأعط وقدم وضحّ، وتصدق لله ، فإن الصدقة في أوقات الشدة ليست كالصدقة في أوقات الرخاء، ولا تنسوا الصلاة على نبيكم محمد ﷺ في هذا اليوم العظيم يوم الجمعة، ولا تنسوا أن من صلى على النبي محمدٍ ﷺ ، فله بكل صلاةٍ يصليها عليه من الله عشراً.
стр. 2833
جدية الالتزام بالإسلام [١، ٢]
مع انتشار الصحوة الإسلامية بدأ يتسرب إليها أنواع من الضعف الوهن، فبدأ المعيار يشير إلى تقلص الالتزام بدين الله، ولذلك يكتسب الحديث عن جدية الالتزام والعمل أهمية خاصة.
وفي بداية هذه المادة إشارة إلى تعريف الملتزم، وإلى النصوص الدالة على ضرورة الجدية في الالتزام.
أما الجوانب التي فقدت فيها الجدية في حياتنا وواقعنا، فهي لب هذه المحاضرة، وموضوعها الأساس، فقد أورد المحاضر ما يزيد عن عشرة جوانب فقدت فيها الجدية أو كادت.
كما تضمنت فقرة الأسئلة بعض الفوائد في مواضيع: الإيمان الرياء آداب طلب العلم وكيفية القراءة المفيدة وغير ذلك.
стр. 2834
ما يلزم من جدية الالتزام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
إخواني أعضاء هذا المركز وضيوف هذا المركز، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فهذه- والله- فرصةٌ طيبة أن نلتقي معاً في هذه الأمسية وهذا المجلس الذي نسأل الله أن يكون من مجالس الخير والذكر، وأن يكتبنا وإياكم في عليين (سجل أهل الجنة)، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
هذا الموضوع الذي سنتحدث عنه الليلة أيها الأخوة موضوعٌ مهم، والموضوع كما ذكر الأخ الذي قدم بعنوان: (جدية الالتزام بالإسلام) وأهمية هذا الموضوع أيها الإخوة تكمن في أنه مع انتشار الصحوة الإسلامية المباركة التي بدأت تؤتي ثمارها وأكلها بإذن ربها، فإننا لنلحظ في خضم هذه الثمار وهذه العطاءات أن الكثرة بدأ يتسرب إليها أنواع من الضعف والوهن، وبدأ معيار الالتزام بدين الله تعالى يخف ويتقلص ذلك المفهوم الواسع للالتزام بدين الله، وبدأت بعض التصرفات المخالفة لشريعة الله تظهر بين الكثيرين ممن ظاهرهم الالتزام بهذا الدين، ولهذا الظهور سلبياتٌ كثيرة منها: أن الناس سيأخذون صورة عن الدين من خلال هذه المناظر أو الأمثلة التي يرونها أمامهم، لأن كثيراً من الناس يعرفون الدين برجاله، كثيرٌ من الناس لم يستقر في أذهانهم أن الحق لا يعرف بالرجال، هذه الحقيقة أن الرجال ليسوا مقياساً، ليسوا هم الدين، ليسوا هم الإسلام؛ ولذلك فإنهم لن يغتفروا لهؤلاء أخطاءهم، وقد لا يكون عندهم الوعي الكافي حتى يتصورون بأن هذه التصرفات التي تصدر من بعض من ظاهره الالتزام بدين الله لا علاقة للإسلام بها، ولأن علينا مسئوليةً كبيرة تقع على عواتقنا من جراء أخذ الناس للتصور عن الدين من واقع الملتزمين به، فإن هذا يفرض علينا واجباً ثقيلاً في المحافظة على معنى الالتزام بالإسلام وكيفية التمسك به، كيف نقدم إلى الناس هذا الدين؟ ما هي الأطر، وما هي الاطروحات التي نطرحها على الناس؟ كيف نظهر أمامهم؟ وقبل ذلك كيف نظهر بيننا وبين الله الذي لا تخفى عليه خافية؟
стр. 2835
من هو الملتزم
وإذا أردنا في البداية أن نعرف الالتزام بالدين، فماذا تعني هذه اللفظة وما يحوم حولها من الألفاظ؟ هذه اللفظة لم تلق عناية كافية في تمريرها إلى أذهان الناس، ولذلك فقد اضطربت التعريفات وتحير الناس في من هو الملتزم؟ وما معنى الالتزام؟ ونحن إذا أردنا أن نرجع إلى مفهومٍ سلفيٍ أصيلٍ عن الالتزام بدين الله، فإننا لا بد أن نأخذ ذلك من أقاويل العلماء الثقات الذين فسروا كتاب الله تعالى وشرحوا سنة رسول الله ﷺ ، فإذا جئت مثلاً إلى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] ما معنى السلم؟ السلم هو: الإسلام، كما ذكر ذلك أهل العلم بالتفسير، هذه الكلمة كلمة (كافة) قد تعني معنيان: المعنى الأول: يعني: ادخلوا أنتم في الإسلام كافةً، يعني: في جميع شعب الدين، وكافة فروع الإسلام.
والمعنى الثاني هو الذي رجحه العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية، وليس يبعد أن يراد المعنيان جميعاً في قول الله : ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]: يجب أن ندخل جميعاً في جميع فروع الدين، أن نأخذ بجميع شعب الإيمان، لكن على قدر استطاعتنا، لأننا لو حاولنا أن نلم بجميع أطراف الدين وشعبه وأركانه، أو نلم بجميع درجاته وشعائره، فإننا لن نطيق ذلك، ولذلك: (اكلفوا من العمل ما تطيقون) ولذلك ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ولذلك (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق) ونحن الآن في هذا المقام لا نعتب على الذي لم يستطع أن يأخذ أموراً من الدين لعجزه عن القيام بها، ولكننا في مجال محاسبة أنفسنا عن الأشياء التي كان باستطاعتنا والتي باستطاعتنا الآن أن نقوم بها ولكننا من القاعدين.
стр. 2836
أدلة مفهوم الجدية في الالتزام
ولهذا المفهوم (الجدية في الالتزام بالإسلام) أدلة منها: الأول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
الثاني: قول الله : ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] هذا الدين متين، هذا الدين عظيم لا يوجد له مثيلٌ في الأديان التشريعات عميقة جذورها قوية التكليفات ثقيلة المهمات صعبة؛ ولذلك كان لابد من القوة بأخذ الدين ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] وهذه القوة تنافي الميوعة، وتنافي التساهل، وتنافي الانخذال والترك والإهمال لأشياء من الدين ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] قوة تناسب عظم هذا الدين، يجب أن يكون عندنا في عملية الأخذ قوة نشعر من خلالها بأن الأمر جد.
الثالث: قول الله : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٣ - ١٤] فصل بين الحق والباطل، صار من شدة فصله بين الحق والباطل ومن الوضوح في الفصل أنه هو نفسه -هذا القرآن- صار ًفيصلاً يفصل بين الحق والباطل ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٤] الإسلام أيها الإخوة ليس ثوباً جميلاً نلبسه، أو عملية نتفاخر بها ونتباهى على الناس ونحن نخلو من هذه المضامين العظيمة التي تضمنتها شرائع الدين، لا يكفي أن نقول: هؤلاء نصارى ونحن مسلمون، هؤلاء يهود ونحن مسلمون، انظر إلى أولئك يعبدون البقر، نحن مسلمون، انظر إلى أولئك يعبدون الكواكب، نحن مسلمون!! ماذا نقصد بمسلمين؟ ما هو الإسلام؟ ما هي الجدية التي نبرهن لأنفسنا بها أننا فعلاً نمثل هذا الدين؟ الرابع: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤] ومن القواعد عند العلماء أن الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى، وكتاب الله ليس فيه عبث ولا إضافات لا داعي لها، كل حرف إضافته تعني معاني.
" فاستمسك" تعبير فيه من القوة والجدية والمحافظة والعض بالنواجذ على تعاليم الدين أعلى من كلمة أمسك، هذه الزيادة: (الألف والسين والتاء) تفيد أن أناساً يسحبونه منك وأنت متمسك به وتستمسك به وتحاول ألا تتراجع، ولا يجذبوك إلى صفهم، استمسك به ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣].
الخامس: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف:١٧٠] قال القرطبي ﵀: وفي هذا التشديد -يعني: (السين الزائدة في يمسّكون) فيه معنى التكبير والتكثير للتمسك.
ما هو الفرق بين يمسكون ويمسّكون؟ فيمسّكون فيها معنى: التكبير والتكثير للتمسك، ولذلك لعن الله أناسا ًوذمهم، لأنهم يريدون أن يتخذوا سبيلاً بين الحق والباطل، يريدون أن يضيعوا قضايا الإسلام، ويقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥٠] هؤلاء الذين لعنهم الله، وهذا هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم؛ يريدون أن يأخذوا ببعض الدين، ولكنهم ليسوا على استعداد لأخذ البعض الباقي، يريدون أن يتخذوا سبيلاً بين الحق الالتزام الكامل وبين التفلت الكامل، ثم يقولون: نحن نمثل الوسطية! يأتي من يقول: أنا لا أريد أن أكون منحرفاً وأن أمارس الفواحش الكبيرة وأن أكفر بالله وأستهزئ، ولكني في نفس الوقت لا أريد أن أحجر على نفسي وأن أثقل عليها بالتكاليف وأن ألزم نفسي بهذه الأشياء التي يلزم بها هؤلاء الناس الذين يسمون بالمطاوعة أو المتدينين، أنا وسط لا أريد التعقيد ولا أريد التفلت، فيأخذ من الدين ما يعجبه وما يوافق هواه، ويترك الأشياء التي فيها صعوبة وثقل على النفس، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً؛ بين الكفر والإيمان، ودين الله أغلى وأثمن وأعلى من أن تناله هذه المفاهيم الخاطئة للوسطية.
стр. 2837
خطأ الناس في تعريف الوسطية
إن الناس -أيها الإخوة- في هذه الأيام يصطلحون على بعض المصطلحات التي قد تكون في الحقيقة يمكن أن يعبر بها عن أشياء من الحق، ولكنهم يفرغونها من مضامينها الصحيحة فتعريف الوسطية عندهم يختلف عن تعريف القرآن والسنة، الوسط في القرآن والسنة: أن تستمسك بالذي أوحي إليك، جاء إليك في القرآن وجاء على لسان الرسول ﷺ ، إذا زدت عن هذا، فتوضأت أربع مرات، أو تركت أكل اللحم والزواج تقرباً إلى الله، فإنك غالٍ مغالٍ متشدد متنطع، هذه أمثلة صحيحة، لكن أن آتي وأقول لشخص تمسك بالدين، أقول: إن صلاة الفجر في المسجد تزمت وتنطع.
أقول: إن تقصير الثوب وجعله فوق الكعبين تزمتاً وتنطعاً.
أقول: إن إطلاق اللحية بهذا الطول يعتبر تزمت وتنطع.
أقول: إن قيام الليل تزمت وتنطع.
في هذه الحال نعرف ماذا يرمي إليه أولئك أهل الباطل الذين يحرصون دائماً على انتزاع المسميات الصحيحة ليلصقوها بهم ليقولوا للآخرين: نحن الوسط وأولئك أهل غلو، إنهم حريصون على هذا العمل، ولذلك يدندنون حوله كثيراً، وتراهم وتعرف هذا منهم في لحن القول.
стр. 2838
علامات يعرف بها المنافقون
المنافقون لما مات الرسول ﷺ ، انقطع السبيل الذي نستطيع أن نحكم به عليهم حكماً كاملاً صحيحاً، ذهب الوحي، ماذا بقي لنا نحن؟ كيف نعرف المنافقين؟ الله من رحمته ما تركنا نحن وهؤلاء المنافقون يعيثون فساداً، لا، أعطانا علامات وبيَّن لنا في القرآن دلائل وأدلة ندينهم بها كثيرة، منها: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] يعني: في فلتات لسانه، ترى أحدهم مثلاً يحاذر في كلامه ويتكلم باسم الدين، ولكنه فجأة في إحدى المناسبات يزل، فينكشف لك ما في داخل قلبه من معاني الكفر والضلال والنفاق التي أخفاها.
فإذاً: نقول: إنهم يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً، يريدون أن يُفصِّلوا من الإسلام ثياباً تناسب أهواءهم وشهواتهم، ولكن لتعرفنهم في لحن القول؛ ولأجل هذا أيها الإخوة! يرينا الله في القرآن مفاهيم شاملة ترد على أولئك الناس، وترد على هذا الخطأ والضلال، وهو أخذ بعض الدين وترك البعض الآخر حتى في العبادات، حتى لا يفهم الناس أن الصلاة تكفي والصيام يكفي والحج يكفي، وشهادة أن لا إله إلا الله قولاً تكفي، حتى لا يفهم الناس هذا المفهوم الخاطئ؛ جاءت آيات في القرآن لكي تنير السبيل للمؤمنين وتوضح القضية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧] كونك تولي جهة المشرق أو المغرب أو الشمال أو الجنوب ليس في تلك الجهة تفضيلاً معيناً إلا عندما يأتي في القرآن والسنة تخصيصٌ لها، فتصبح جهة الكعبة مفضلة، نستقبل الكعبة في صلاتنا، الجهات أصلاً ليس مفضل واحد عن آخر، ليست القضية مشرقاً ومغرباً، القضية أن الله أمرنا أن نتوجه إلى تلك الجهة، ولذلك الناس في أنحاء العالم يتوجهون إلى الجهات الأربعة وما بينها حتى يصلوا إلى الكعبة، ليست القضية في جهةٍ معينة ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة:١٧٧] هذا هو مفهوم الشمولية، هذه هي الجوانب التي تميز الصادق من الكاذب، والتي تبين لك وتبرهن هل أنت صادق في التزامك بالإسلام أم لا؟
стр. 2839
ضرورة تحمل المشاق
فالمسألة أيها الإخوة عميقة، المسألة صعبة، الأشياء عظيمة، التكاليف شاقة، ولكن يوفق الله تعالى من أخلص النية أن يأخذ من هذا الدين بما يطيق.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] لا توجد ريبة ولا شك ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥].
ولما أتى بشير بن الخصاصية إلى رسول الله ﷺ ، فطلب منه الرسول ﷺ أن يبايعه على شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان والجهاد والصدقة، قال: يا رسول الله! أبايعك على هؤلاء إلا الجهاد والصدقة، يعني: فأنا ليس لي طاقة بالجهاد والصدقة، فروي أنه ﵇ قال: (لا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذاً؟!) ومع أن في إسناد هذا الحديث راوياً لم يسمَّ، ولذلك فهو ضعيف عند المحدثين، لكنه يصلح شاهداً للمعنى الذي نتكلم حوله الآن؛ بلا جهاد وبلا صدقة، ما هذا الإسلام الذي لا جهاد فيه ولا صدقة؟ ما هذا الالتزام الذي لا جهاد فيه ولا صدقة؟
стр. 2840
جوانب فقدت فيها الجدية
ودعونا الآن نتجول معكم في بعض الجوانب التي ينتشر بين الناس تركها إهمالها التقصير فيها.
مثلاً: بعض الناس يقولون: أنا التزم بالإسلام، ومستعد أن التزم معك بالإسلام لكن إلى حدٍ معين، وبعد هذا الحد أنا أتوقف لا طاقة لي لا أستطيع، يعني: ترى رجلاً يعجبك مظهره، وتعتقد بأنه من الملتزمين بالإسلام الذين يعملون للدين، فإذا جئت معه مثلاً إلى جانب من جوانب التضحية، إذا جئت تقول له: يا أخي إن الدين يحتاج إلى من ينصره ولا بد أن تدعو لهذا الدين وتعمل لهذا الدين، قال لك: لا.
هنا أقف، ليس عندي استعداد لأن أقضي وقتاً طويلاً للعمل في الدين، ورائي دراسة، ورائي تجارة، ورائي أعمال كثيرة أؤديها، فيقول: ليس عندي استعداد لأن أعمل للدين، ما عندي وقت أقضيه، ما عندي، يكفي والآن أقف هنا!! أي نوعٍ من أنوع الالتزام هذا الالتزام؟ وآخر يلتزم بالعبادات، لكن غير مستعد أن يعمل للدين، يقول لك: أما قضية الدعوة إلى الله فما عندي استعداد لأن أضحي بوقتي، وإذا احتاجت الدعوة إلى لله إلى الجهاد في سبيل الله وإلى مالٍ، تجد هذا الشخص يقول: أنا أعطيك كل شيء لكن جيبي لا، لا أخرج منه شيئاً، إنفاق ما أنفاق، أموال ما أموال، لا، فأي نوعٍ من أنواع الالتزام هذا الذي يريدون أن يتمسكوا به أو يسيروا عليه؟ الإسلام يطلب منك أيها المسلم أن تعمل للإسلام، أن تقوم وتمشي في سبيل نصرة الإسلام، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أن تتعلم العلم الشرعي، أن تبلغ التصورات الإسلامية إلى الناس، أن تربي نفسك على الدين، وتربي إخوانك من حولك وتتربى معهم على هذا الدين، أن تدعو إلى الدين بكل وسيلة، أن تبذل في الدين نفسك ووقتك وجهدك ومالك وإمكانياتك وتفكيرك، وإشغال ذهنك بما يعود بالمصلحة والرفعة لهذا الدين، لكن كثيراً من الناس اليوم التزامهم بارد، لا حرارة فيه، مهما تشحن فيه وتبث فيه من الشحنات الإيمانية لا يتحرك مطلقاً، مهما أعطيته من الاشتراكات هذه لا يتحرك، لأن الخراب أساساً في الداخل، في المحرك، ليس في شيء ثان مثل البطارية، الخراب في المحرك، فإذاً التصورات فيها خلل، ولذلك تجده يرفض عندما يأتي إلى جانب من الجوانب التي تحتاج إلى بذل.
يقول لك: هنا أقف، مكانك سر، ما تقدم، هذا أقصى ما يمكنني أن أقدمه، وقد يستدل بعضهم بأشياء من القرآن أو السنة لكي يبرروا لأنفسهم -قبل أن يبرروا- للناس مواقفهم الذليلة، فيقول لك أحدهم: يا أخي إنني أحتاج إلى المال، يا أخي! إني أحتاج إلى الوقت، أولادي: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) يأخذون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويستدلون بأدلة يريدون منها أن يسكتوك لأنك تحاول إقناعهم وتحاول دفعهم من أجل العمل لهذا الدين، فمهما أوردت عليهم النصوص التي تفيد الحركة من أجل الدين فلا قناعة يقول: أنا هنا، حدي هنا لا أتحرك.
следующие страницы →