Полный текст (7 040 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
أدلة مفهوم الجدية في الالتزام
ولهذا المفهوم (الجدية في الالتزام بالإسلام) أدلة منها: الأول: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
الثاني: قول الله : ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] هذا الدين متين، هذا الدين عظيم لا يوجد له مثيلٌ في الأديان التشريعات عميقة جذورها قوية التكليفات ثقيلة المهمات صعبة؛ ولذلك كان لابد من القوة بأخذ الدين ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] وهذه القوة تنافي الميوعة، وتنافي التساهل، وتنافي الانخذال والترك والإهمال لأشياء من الدين ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣] قوة تناسب عظم هذا الدين، يجب أن يكون عندنا في عملية الأخذ قوة نشعر من خلالها بأن الأمر جد.
الثالث: قول الله : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٣ - ١٤] فصل بين الحق والباطل، صار من شدة فصله بين الحق والباطل ومن الوضوح في الفصل أنه هو نفسه -هذا القرآن- صار ًفيصلاً يفصل بين الحق والباطل ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٤] الإسلام أيها الإخوة ليس ثوباً جميلاً نلبسه، أو عملية نتفاخر بها ونتباهى على الناس ونحن نخلو من هذه المضامين العظيمة التي تضمنتها شرائع الدين، لا يكفي أن نقول: هؤلاء نصارى ونحن مسلمون، هؤلاء يهود ونحن مسلمون، انظر إلى أولئك يعبدون البقر، نحن مسلمون، انظر إلى أولئك يعبدون الكواكب، نحن مسلمون!! ماذا نقصد بمسلمين؟ ما هو الإسلام؟ ما هي الجدية التي نبرهن لأنفسنا بها أننا فعلاً نمثل هذا الدين؟ الرابع: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤] ومن القواعد عند العلماء أن الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى، وكتاب الله ليس فيه عبث ولا إضافات لا داعي لها، كل حرف إضافته تعني معاني.
" فاستمسك" تعبير فيه من القوة والجدية والمحافظة والعض بالنواجذ على تعاليم الدين أعلى من كلمة أمسك، هذه الزيادة: (الألف والسين والتاء) تفيد أن أناساً يسحبونه منك وأنت متمسك به وتستمسك به وتحاول ألا تتراجع، ولا يجذبوك إلى صفهم، استمسك به ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣].
الخامس: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الأعراف:١٧٠] قال القرطبي ﵀: وفي هذا التشديد -يعني: (السين الزائدة في يمسّكون) فيه معنى التكبير والتكثير للتمسك.
ما هو الفرق بين يمسكون ويمسّكون؟ فيمسّكون فيها معنى: التكبير والتكثير للتمسك، ولذلك لعن الله أناسا ًوذمهم، لأنهم يريدون أن يتخذوا سبيلاً بين الحق والباطل، يريدون أن يضيعوا قضايا الإسلام، ويقولون: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥٠] هؤلاء الذين لعنهم الله، وهذا هو حال كثيرٍ من المسلمين اليوم؛ يريدون أن يأخذوا ببعض الدين، ولكنهم ليسوا على استعداد لأخذ البعض الباقي، يريدون أن يتخذوا سبيلاً بين الحق الالتزام الكامل وبين التفلت الكامل، ثم يقولون: نحن نمثل الوسطية! يأتي من يقول: أنا لا أريد أن أكون منحرفاً وأن أمارس الفواحش الكبيرة وأن أكفر بالله وأستهزئ، ولكني في نفس الوقت لا أريد أن أحجر على نفسي وأن أثقل عليها بالتكاليف وأن ألزم نفسي بهذه الأشياء التي يلزم بها هؤلاء الناس الذين يسمون بالمطاوعة أو المتدينين، أنا وسط لا أريد التعقيد ولا أريد التفلت، فيأخذ من الدين ما يعجبه وما يوافق هواه، ويترك الأشياء التي فيها صعوبة وثقل على النفس، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً؛ بين الكفر والإيمان، ودين الله أغلى وأثمن وأعلى من أن تناله هذه المفاهيم الخاطئة للوسطية.
стр. 2837
خطأ الناس في تعريف الوسطية
إن الناس -أيها الإخوة- في هذه الأيام يصطلحون على بعض المصطلحات التي قد تكون في الحقيقة يمكن أن يعبر بها عن أشياء من الحق، ولكنهم يفرغونها من مضامينها الصحيحة فتعريف الوسطية عندهم يختلف عن تعريف القرآن والسنة، الوسط في القرآن والسنة: أن تستمسك بالذي أوحي إليك، جاء إليك في القرآن وجاء على لسان الرسول ﷺ ، إذا زدت عن هذا، فتوضأت أربع مرات، أو تركت أكل اللحم والزواج تقرباً إلى الله، فإنك غالٍ مغالٍ متشدد متنطع، هذه أمثلة صحيحة، لكن أن آتي وأقول لشخص تمسك بالدين، أقول: إن صلاة الفجر في المسجد تزمت وتنطع.
أقول: إن تقصير الثوب وجعله فوق الكعبين تزمتاً وتنطعاً.
أقول: إن إطلاق اللحية بهذا الطول يعتبر تزمت وتنطع.
أقول: إن قيام الليل تزمت وتنطع.
في هذه الحال نعرف ماذا يرمي إليه أولئك أهل الباطل الذين يحرصون دائماً على انتزاع المسميات الصحيحة ليلصقوها بهم ليقولوا للآخرين: نحن الوسط وأولئك أهل غلو، إنهم حريصون على هذا العمل، ولذلك يدندنون حوله كثيراً، وتراهم وتعرف هذا منهم في لحن القول.
стр. 2838
علامات يعرف بها المنافقون
المنافقون لما مات الرسول ﷺ ، انقطع السبيل الذي نستطيع أن نحكم به عليهم حكماً كاملاً صحيحاً، ذهب الوحي، ماذا بقي لنا نحن؟ كيف نعرف المنافقين؟ الله من رحمته ما تركنا نحن وهؤلاء المنافقون يعيثون فساداً، لا، أعطانا علامات وبيَّن لنا في القرآن دلائل وأدلة ندينهم بها كثيرة، منها: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] يعني: في فلتات لسانه، ترى أحدهم مثلاً يحاذر في كلامه ويتكلم باسم الدين، ولكنه فجأة في إحدى المناسبات يزل، فينكشف لك ما في داخل قلبه من معاني الكفر والضلال والنفاق التي أخفاها.
فإذاً: نقول: إنهم يريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً، يريدون أن يُفصِّلوا من الإسلام ثياباً تناسب أهواءهم وشهواتهم، ولكن لتعرفنهم في لحن القول؛ ولأجل هذا أيها الإخوة! يرينا الله في القرآن مفاهيم شاملة ترد على أولئك الناس، وترد على هذا الخطأ والضلال، وهو أخذ بعض الدين وترك البعض الآخر حتى في العبادات، حتى لا يفهم الناس أن الصلاة تكفي والصيام يكفي والحج يكفي، وشهادة أن لا إله إلا الله قولاً تكفي، حتى لا يفهم الناس هذا المفهوم الخاطئ؛ جاءت آيات في القرآن لكي تنير السبيل للمؤمنين وتوضح القضية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:١٧٧] كونك تولي جهة المشرق أو المغرب أو الشمال أو الجنوب ليس في تلك الجهة تفضيلاً معيناً إلا عندما يأتي في القرآن والسنة تخصيصٌ لها، فتصبح جهة الكعبة مفضلة، نستقبل الكعبة في صلاتنا، الجهات أصلاً ليس مفضل واحد عن آخر، ليست القضية مشرقاً ومغرباً، القضية أن الله أمرنا أن نتوجه إلى تلك الجهة، ولذلك الناس في أنحاء العالم يتوجهون إلى الجهات الأربعة وما بينها حتى يصلوا إلى الكعبة، ليست القضية في جهةٍ معينة ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة:١٧٧] هذا هو مفهوم الشمولية، هذه هي الجوانب التي تميز الصادق من الكاذب، والتي تبين لك وتبرهن هل أنت صادق في التزامك بالإسلام أم لا؟
стр. 2839
ضرورة تحمل المشاق
فالمسألة أيها الإخوة عميقة، المسألة صعبة، الأشياء عظيمة، التكاليف شاقة، ولكن يوفق الله تعالى من أخلص النية أن يأخذ من هذا الدين بما يطيق.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥] لا توجد ريبة ولا شك ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥].
ولما أتى بشير بن الخصاصية إلى رسول الله ﷺ ، فطلب منه الرسول ﷺ أن يبايعه على شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان والجهاد والصدقة، قال: يا رسول الله! أبايعك على هؤلاء إلا الجهاد والصدقة، يعني: فأنا ليس لي طاقة بالجهاد والصدقة، فروي أنه ﵇ قال: (لا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذاً؟!) ومع أن في إسناد هذا الحديث راوياً لم يسمَّ، ولذلك فهو ضعيف عند المحدثين، لكنه يصلح شاهداً للمعنى الذي نتكلم حوله الآن؛ بلا جهاد وبلا صدقة، ما هذا الإسلام الذي لا جهاد فيه ولا صدقة؟ ما هذا الالتزام الذي لا جهاد فيه ولا صدقة؟
стр. 2840
جوانب فقدت فيها الجدية
ودعونا الآن نتجول معكم في بعض الجوانب التي ينتشر بين الناس تركها إهمالها التقصير فيها.
مثلاً: بعض الناس يقولون: أنا التزم بالإسلام، ومستعد أن التزم معك بالإسلام لكن إلى حدٍ معين، وبعد هذا الحد أنا أتوقف لا طاقة لي لا أستطيع، يعني: ترى رجلاً يعجبك مظهره، وتعتقد بأنه من الملتزمين بالإسلام الذين يعملون للدين، فإذا جئت معه مثلاً إلى جانب من جوانب التضحية، إذا جئت تقول له: يا أخي إن الدين يحتاج إلى من ينصره ولا بد أن تدعو لهذا الدين وتعمل لهذا الدين، قال لك: لا.
هنا أقف، ليس عندي استعداد لأن أقضي وقتاً طويلاً للعمل في الدين، ورائي دراسة، ورائي تجارة، ورائي أعمال كثيرة أؤديها، فيقول: ليس عندي استعداد لأن أعمل للدين، ما عندي وقت أقضيه، ما عندي، يكفي والآن أقف هنا!! أي نوعٍ من أنوع الالتزام هذا الالتزام؟ وآخر يلتزم بالعبادات، لكن غير مستعد أن يعمل للدين، يقول لك: أما قضية الدعوة إلى الله فما عندي استعداد لأن أضحي بوقتي، وإذا احتاجت الدعوة إلى لله إلى الجهاد في سبيل الله وإلى مالٍ، تجد هذا الشخص يقول: أنا أعطيك كل شيء لكن جيبي لا، لا أخرج منه شيئاً، إنفاق ما أنفاق، أموال ما أموال، لا، فأي نوعٍ من أنواع الالتزام هذا الذي يريدون أن يتمسكوا به أو يسيروا عليه؟ الإسلام يطلب منك أيها المسلم أن تعمل للإسلام، أن تقوم وتمشي في سبيل نصرة الإسلام، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أن تتعلم العلم الشرعي، أن تبلغ التصورات الإسلامية إلى الناس، أن تربي نفسك على الدين، وتربي إخوانك من حولك وتتربى معهم على هذا الدين، أن تدعو إلى الدين بكل وسيلة، أن تبذل في الدين نفسك ووقتك وجهدك ومالك وإمكانياتك وتفكيرك، وإشغال ذهنك بما يعود بالمصلحة والرفعة لهذا الدين، لكن كثيراً من الناس اليوم التزامهم بارد، لا حرارة فيه، مهما تشحن فيه وتبث فيه من الشحنات الإيمانية لا يتحرك مطلقاً، مهما أعطيته من الاشتراكات هذه لا يتحرك، لأن الخراب أساساً في الداخل، في المحرك، ليس في شيء ثان مثل البطارية، الخراب في المحرك، فإذاً التصورات فيها خلل، ولذلك تجده يرفض عندما يأتي إلى جانب من الجوانب التي تحتاج إلى بذل.
يقول لك: هنا أقف، مكانك سر، ما تقدم، هذا أقصى ما يمكنني أن أقدمه، وقد يستدل بعضهم بأشياء من القرآن أو السنة لكي يبرروا لأنفسهم -قبل أن يبرروا- للناس مواقفهم الذليلة، فيقول لك أحدهم: يا أخي إنني أحتاج إلى المال، يا أخي! إني أحتاج إلى الوقت، أولادي: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) يأخذون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويستدلون بأدلة يريدون منها أن يسكتوك لأنك تحاول إقناعهم وتحاول دفعهم من أجل العمل لهذا الدين، فمهما أوردت عليهم النصوص التي تفيد الحركة من أجل الدين فلا قناعة يقول: أنا هنا، حدي هنا لا أتحرك.
стр. 2841
فقدان الجدية عند من يلتزم فقط بالأشياء التي لا شهوة فيها
جانب آخر من الجوانب: بعض الناس مستعد أن يلتزم بالأشياء التي لا شهوات فيها، فيقول: أنا مثلاً مظهري إسلامي، أنا أطلقت لحيتي، وقصرت ثوبي، لكن ليس عندي استعداد أن اترك النظر إلى المرأة الأجنبية، لماذا؟ يقول: يعني: ليس هناك مقاومة للشهوة في النفس أن أقصر الثوب، أو أطلق لحيتي، لكنك تقول لي: لا تنظر إلى المرأة الأجنبية، لا.
هذا شيء في نفسي لا أستطيع أن أتحرر منه، ولذلك تراهم يصبرون على الطاعات لكن لا يصبرون عن المعصية، والصبر أنواع لا بد من العمل بها كلها: صبر على طاعة الله.
وصبر عن معصية الله.
وصبر على أقدار الله.
فترى بعض الناس يصبر على بعض الطاعات ويصبر على أقدار الله، لكن لا يصبر عن المعاصي، لا يصبر عن الأشياء التي فيها شهوات، ولا يستطيع أن يقاوم شهواته، فأي التزام هذا الذي يزعمه ذلك الشخص؟
стр. 2842
فقدان الجدية في الالتزام بالأخلاق
إذا أتيت مثلاً إلى جانب الأخلاق تجد طائفة في ظاهرها التمسك بالدين، وقد يدعو إلى الله ، لكن أخلاقه في غاية السوء، أخلاق سوقية، فيعامل إخوانه بشراسة وضيق نَفَس، ويتمثل العناد والأنانية في تصرفاته، بل إنك إذا أتيت لكي تقربه منك في الصلاة وتجذبه قليلاً، قال بيده هكذا، لأنه لا يريد أحداً، الرسول ﷺ يقول: (ولينوا بأيدي إخوانكم) هذا لا يرضى أنك تسحبه في الصف، عنده من العنجهية والعناد والكبر ما يرفض معه أن ينقاد إلى معروفٍ مثل هذا المعروف، وقد تكون علاقته بإخوانه حسنة، لكنه إذا انقلب إلى أهله أذاقهم الويل والثبور وعظائم الأمور في تعامله وسلوكياته مع أبيه وأمه وإخوانه وربما الزوجة والأولاد، كيف ترضى أن تكون ملتزماً في ظاهرك داعياً إلى الله وتطلب العلم وبعد ذلك تأتي في قضية الأخلاق والتصرفات، فتكون أخلاقك في غاية السوء؟ يعني: كيف يسمى هذا التزاماً؟! ومن أجل هذا يأخذ الآخذون علينا، ويقول السفهاء من الناس: هذا فلان الديَّن الملتزم كما أنتم تريدوننا أن نكون انظر كيف يعامل زوجته، وهذه الزوجة، أو الأولاد، أو الأقارب إذا نقلوا شكواهم إلى من يحيطون بهم وتسربت الأخبار الدقيقة عن حال هذا الشخص في بيته كيف يعامل أباه وأمه وإخوانه وجيرانه وأرحامه، ماذا يقول الناس؟ هذا هو الدين؟ هؤلاء هم الناس الذين تريدونا أن نصبح مثلهم؟ من السبب في إعطائهم الصورة المشوهة؟ نحن الذين لم نحسن التخلق بأخلاق الرسول ﷺ .
ولذلك بعض الناس قد لا يبعدون عندما يقولون: يا أخي هذا الرجل صحيح أنه غير ملتزم بالدين في ظاهره، لكن يا أخي أخلاقه طيبة، تعامله ممتاز، يا أخي هذا أحسن من ستين واحد من هؤلاء، لماذا يقولون هذا الكلام؟ لأنهم فقدوا جانباً عظيماً من جوانب الإسلام في شخصياتنا، وهو جانب التعامل والسلوك والأخلاق، وأنا عندما أتكلم بالجميع فأنا منكم، وعندما أقول هذا الكلام فهو من باب التواصي بالحق والصبر.
وقضية الأخلاق والسلوك من الأشياء التي يتأثر بها الناس جداً، الناس يتأثرون بأخلاقك وسلوكك أحياناً أكثر مما يتأثرون بتصوراتك أو مظهرك، أحياناً ما عندهم موازين من يقولون: لا إله إلا الله ما هي هذه التصورات الممتازة؟ ما هي هذه الأفكار الجيدة؟ ما هذا السمت النبوي؟ قد لا يقولون هذا، لكنهم يقولون: ما هذا التعامل الجيد؟! ما هذه الأخلاق العظيمة؟! يتأثرون بهذا الجانب أكثر مما يتأثرون بتلك الجوانب، مع أن الأخلاق قد تكون أهم جانب، لكن الناس ما عندهم هذا التمييز، ما عندهم القدرة على أن يميزوا الأهميات والأولويات، فلذلك الذي يرونه من التعامل هو الذي يحكمون به عليك، ولذلك ترى الآن أهل الباطل زينوا باطلهم بأسلوبهم الحسن من أمثال المنصرين والمبشرين بالنار، زينوه لبعض الناس حتى رأوه حقاً، ونحن أو بعضنا بتعامله والخطأ في تقديم الأفكار الصحيحة للناس يرونه باطلاً، مع أنه يقدم لهم الحق، لماذا يحصل هذا؟ للتعامل السيئ والأسلوب الفظ والغليظ في عرض الإسلام عليهم، دعوتهم كأنك ترغمهم بالقوة، كأنك تغصبهم، قد يقدم الكلام للبعض العاملين للإسلام من موقع الأستاذية، فيفرضه على الناس فرضاً، يقدمه لهم بأسلوب جاف وغليظ، ولذلك لا يطيعونه ولا يتابعونه في أفكار دعوته، هو الذي أساء إلى دعوته، لأنه أساء عرضها، والرسول ﷺ كان يهتم بالأسلوب كما كان يهتم بالمضمون، كان يهتم بالجوهر وأيضاً يهتم بالقالب الذي تقدم فيه هذه الأفكار للناس: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] هذا أسلوب ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
وهذه المسألة الأخيرة هي التي تفقد وتعدم القدوات بين الناس، لأن الناس لا يرون القدوة الصحيحة التي يقتدون بها، ويعتبرون هذا النوع من الدين كما يسمونه مرفوضاً، بسبب عدم قناعتهم بالشخصيات التي تعرض الحق، هذه مسألة مهمة، عدم قناعة الناس بالشخصيات التي تعرض عليهم الدعوة إلى الله، عدم قناعتهم بالشخصيات التي تعلمهم، هذا من أسباب رفض الحق.
стр. 2843
فقدان الجدية في طلب العلم
الجدية مفقودة في جوانب كثيرة أيضاً مثلاً: الجدية في طلب العلم: تجد بعض الشباب مثلاً ما عنده نَفَس في القراءة، ولا عنده صبر في الجلوس في حلق الذكر والعلم.
يعني: لا يقرأ، لو أن أحداً ممن يدعوهم إلى الإسلام قال له: ما هو الدليل على حرمة سماع الأغاني؟ قد لا يستطيع أن يأتي بدليلٍ صحيح، لو أن امرأة سألته ما هو الدليل على وجوب ستر الوجه وتغطيه الوجه؟ قد لا يأتي بهذا الدليل، ربما لو سئل ما هو الدليل لوجوب الصلاة في الجماعة في المسجد؟ قد لا يستطيع أن يقدم الدليل.
وقضية حفظ الأدلة قد تكون ناقصة جداً، فتراه يقول: ورد في آية أو جاء في حديث أو كما قال أو فيما معناه، ليس هناك اهتمام بحفظ العلم والنصوص، وترى هؤلاء الأقوام يشتغلون بأشياء يملئون بها فراغهم، لكنها لا تدر عليهم مردوداً جيداً، مثلاً يغرقون في سماع الأناشيد أو التمثيلات مثلاً، هذه أشياء طيبة لا ننكر أن لها تأثيراً جيداً، لكن أن أذهب إلى سيارة أحد الشباب وأستعرض الأشرطة الموجودة، أجد أنها كلها أشرطة أناشيد وأشرطة حفلات وأشياء من هذا القبيل، ولا أجد شريطاً واحداً في تفسير آيات أو فيه شرح متن فقهي، بل إنهم يحفظون أبيات هذه الأناشيد حفظاً يفوق حفظ الآيات والأحاديث، لو قلت له أكمل هذه الآية، أو أكمل هذا الحديث ربما لا يستطيع! لكن لو أعطيته أول النشيد سرده حتى النهاية! وأيضاً مع أنهم يشغلون أنفسهم بهذا، فإنهم يذهبون مع اللحن، فتجد أحدهم يطرب ويترنم وهو يقود السيارة، أو وهو جالس في البيت يترنم بالألحان، ولو أنك أيقظته على معنى من المعاني ربما قال: هذه أول مرة أفكر في هذا، مع أن بعض هذه الأشعار تحتوي على معانٍ جميلة ومعانٍ قوية ومهمة، لكنهم في إغراقهم في هذه القضايا لا يتذكرون حتى معاني الأشياء التي يرددونها.
هل يفكرون مثلاً في قول الشاعر:
إخوانكم لا شيء أغلى منهم لا شيء يعدلهم من الأشياء
لا تتركوهم للضياع فريسة ترك الشباب أساس كل الداء
وغيرها كثير، أم أنه يشغلهم اللحن عن التفكر في هذه الأشياء، وتشغلهم هذه الأشياء بعمومها عن طلب العلم، يغرقون فيها، أنا لست ضد الاستفادة من هذه الأناشيد والجيد منها الذي كلماته طيبة، وليس فيه مشابهة لألحان الفساق والأغاني الماجنة كما يحلو للبعض أن يفعل في تلحين الأناشيد، لست ضد هذه الفكرة والاستفادة منها وبالذات فيمن يترك الآن تدريجياً الأغاني، فقد تكون بديلاً، لكن ليس من المعقول أن رجلاً قد درج في طريق الالتزام سنوات وهو لا يزال الوقت الأكبر من حياته يقضيه في سماع هذه الأشرطة، فقليلاً من الجدية في الالتفاف إلى العلم الشرعي إلى التعلم، والعلم -أيها الإخوة- سلاح المؤمن، وهؤلاء العلماء الكبار -نسأل الله أن يحفظهم- كم أعمارهم الآن؟ أليسوا في الستين والسبعين والثمانين، فإذا ذهبوا إلى ربهم فمن يبقى ليعلم الأمة، لا تحتقر نفسك، لا تقل أنا لا أستطيع أن أفعل، وكيف أصل إلى ذلك المستوى، وأنى لي؟ لا، ليس المطلوب أن تصل إلى ذلك المستوى؟ ليس المطلوب أن نكون كلنا من أمثال المشايخ المعروفين، لكن يا أخي على الأقل بعض الدرجات في هذا السلم، وما لا يدرك كله لا يترك جله، لكن بعض الشباب قد يحتقر نفسه، قد يقول: أنا ماذا أفعل؟ حتى في باب الدعوة إلى الله يقول: أنا لست صاحب سلطة في البيت، ولا أنا الذي أصرف عليهم فيسمعون كلامي من باب الضغط المادي، ولا أن سني كبير فيحترموني، فأنا ماذا أقدم؟ لا، لا تقل هذا فإن في الأمثلة الواقعية ما يرد هذه المزاعم، وقد وجد ولله الحمد من صغار هؤلاء سناً من أثَّر في أهله، فالتزم إخوانه بالدين وتحجبت الأخت والأم، وامتنعت عن الخروج مع السائق بدون محرم، والأب كان لا يصلي وصار يصلي، وبعضهم يؤثر في أهل الحي والجماعة في المسجد.
فإذاً من كان داوود ﵇ قبل أن يقتل جالوت كان غير معروف، صغير السن في مقتبل العمر ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٥١].
فإذاً: لا يحتقر الإنسان نفسه، وهذا مدخل شيطاني ليحطم به معنويات المؤمنين ويردهم عن الاشتغال بالدين والدعوة إليه يقول: ماذا أستطيع أن أفعل وأنا ذاكرتي ليست كذاكرة الشيخ الفلاني، كيف تريدني أن أطلب العلم؟ صحيح أن الله فضل بعضنا على بعض درجات، ورفع بعضنا فوق بعضٍ درجات في الذاكرة، في الذكاء، وفي المال، وفي كل الأشياء، وفي القوة الجسدية، لكن كل واحد يعمل بحسب استطاعته، أنت تعمل بحسب استطاعتك، وأنا أعمل حسب استطاعتي، والأخ يعمل بحسب استطاعته تكاتفت الجهود وظهرت النتائج.
стр. 2844
الإغراق في المزاح والضحك
ومن مظاهر عدم الجدية في الدين كذلك: الإغراق في المزاح والضحك، وتضييع الأوقات في النكت أو القصص والطرائف، وهذه طبعاً مشكلة كبيرة، وهذه نتيجة عدم الإحساس بالمسئولية، الواحد الذي لا يحس بخطورة الوضع وأن الإسلام يحتاج إلى جهد وإلى عمل، فلذلك يضيع الوقت منه بسهولة، لأنه لا يستشعر المسئولية، واستشعار المسئولية يحتاج إلى وعي، ويحتاج إلى تفتيح ذهن، ويحتاج إلى تفكير في الواقع، وتأمل واستغراقٌ عميق في تصور مشاكل المسلمين، وماذا يحتاج إليه الإسلام؟ وما هو حجم التكليفات التي كلفنا بها؟ ولذلك لا نريد أن نكون يقال لنا: والله هذا مسكين، يعني: ما عنده خلفية، وعنده بلادة في ذهنه، وهو سطحيٌ بنظره إلى الأمور، ولذلك ينبغي أن يكون المسلم واعياً.
стр. 2845
فقدان الجدية في المجالس
ومن مظاهر عدم الجدية كذلك: واقع مجالسنا اليوم، ما هي الأشياء التي تثار اليوم في مجالسنا؟ ما هي القضايا التي تطرح الآن؟ إذا جلس مجموعة من الناس مع بعضهم ما هي القضايا التي تناقش وتطرح في هذه المجالس؟ هل يتناقشون في مسألة في كتاب الله، أو في سنة رسول الله ﷺ ؟ مسألة في الفقه؟ أو يناقشون بعض أحوال المسلمين؟ أو يناقشون أوضاع إخوانهم المسلمين، ويفكرون في حلول مشكلات المجتمع، ويتداولون الخبرات فيما بينهم مثلاً؟ أو القصص المفيدة التي يكون فيها تعليقات جيدة؟ أو مثلاً حال الناس الآن من قطيعة الرحم، هل هذا الذي يناقش، أو ما الذي يطرح في مجالسنا؟ وقد سمعت أن بعض الشباب العزاب جلسوا مرة من المرات إلى الساعة الثانية والنصف ليلاً، يتناقشون في كيفية دخول الرجل بزوجته ليلة الزفاف، هم طلبة صغار، ما هذه التفاهة؟! وكيف نرضى أن تمضي أوقاتنا بهذه السهولة في هذه المواضيع العجيبة؟! ثم تضيع صلاة الفجر طبعاً هذه نتيجة طبيعية؛ فنظرة تلقيحية إلى واقع المجالس، نخشى أن تكون هذه المجالس فيها من المحرمات أشياء كثيرة وخصوصاً أنه لو جلس خمسة أشخاص لمدة ساعة كم ضاع من وقت المسلمين؟ خمس ساعات؛ لأن كل واحد ضيع ساعة فضيع الجميع خمس ساعات من وقت المسلمين، خمس ساعات في الصباح، وخمس ساعات في الليل ومثلها يومياً واضرب في ثلاثين شهرياً في اثني عشر سنوياً حتى تعرف كم يضيع من أوقات المسلمين، التي من المفترض أن المسلمين يحتاجون إليها بشدة، والتي من المفترض أن تنفق في سبيل الله.
стр. 2846
تمييع مفهوم الأخوة الإسلامية
من مظاهر عدم الجدية كذلك: تمييع مفهوم الأخوة الإسلامية، وهو فريضة عظيمة، ما هي الأخوة عند كثيرٍ من الناس؟ هي عبارة عن استئناسات وترويحات وتبادل الكلام والارتياحات التي لا معنى لها، وكثيراً ما تؤدي هذه الخلطة الزائدة إلى أضرار سلبية تدمر الأوساط الأخوية، ويتزين بعضهم لبعض، ويثني بعضهم على بعض، ويجتمعون على غير ذكر الله، وصارت الأخوة في الله مجرد شعارات ترفع لا حقائق يعمل بها، فهذا التفريغ لمضمون الأخوة في الله الذي نعاني منه اليوم في أوساط كثيرٍ من الشباب هو مظهر من مظاهر عدم الجدية، أنا لا أجلس الآن مع فلان لأنه يفيدني ولأنه أعلم منى ولأنه ينصحني، لا، أجلس مع فلان لأنني أرتاح إليه ويرتاح إلي، أجلس مع فلان لأن عندي توافق نفسي معه فقط، هذا هو الذي يجمعني معه.
هذه مشكلة واقعية، الآن لو جئت تقول لفلان: من الذي تجلس معه؟ من هو أقرب صديق لك؟ يقول: فلان، لماذا؟ يقول: أنا ارتاح له، فذهب ارتياحك بالفائدة العظيمة التي قد تأتي إليك عندما تبحث عمن هو أفضل منه وأعلم منه، لكن القضية استرسال مع الهوى.
والتعامل بالعواطف لا بالعقل، ولذلك إذا نقحت الجمل التي ينطلق بها هؤلاء لا تكاد تجد فيها كلمة واحدة مفيدة، وإنما هي عبارة عن استرسالات وعواطف وكلام وشجون وأشياء تنطلق وتبث عبر الهواء مباشرةً، يعني: بغير ضبط وبغير تنقيح وبغير نظر في عواقبها وما مدى جديتها.
стр. 2847
فقدان الجدية عند المتهاونين بالسنن
كذلك من مظاهر عدم الجدية في الالتزام بالإسلام: التهاون بالسنن، لأن الناس يقولون: نحن نطبق الفرائض، ما لنا وللسنن، لست بآثم لو لم أقم بها، لكن أقول: ألم يخبرنا رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (أن الرجل يوم القيامة يؤتى به فينظر في صلوات الفرائض التي قام بها، فإذا وجد فيها خلل فينظر إلى السنن والنوافل، فيجبر بها ذلك النقص الذي حصل) وصيام، لو واحد أنه مثلاً: صار عنده رفث وفسوق مثلاً في صيامه أو جدال في حجه ما الذي يجبر هذا النقص الحاصل فيها؟ أليست في السنن والنوافل من أنواع هذه العبادات التي تؤدى؟ ألست الفريضة أعلى عند الله عندما تكون مكتملة السنن من الفريضة تؤدى بمجرد الواجبات، تقول: أنا أقول سبحان ربي العظيم مرة، سبحان ربي الأعلى مرة، رب اغفر لي مرة، لماذا أقولها ثلاث مرات؟ لماذا أحرك الإصبع؟ لماذا أضع اليدين على الصدر؟ وكذلك قضية فروض الكفاية لماذا أصلي الاستسقاء؟ لماذا أصلي كذا؟ هذه فروض كفاية، وهناك مسلمون كثيرون يقومون بهذه الأشياء والحمد لله، لماذا أقوم بفروض الكفاية؟ أتركها لغيري هو الذي يقوم بها، هذا التهاون الدال على الاستخفاف بهذه القضايا من مظاهر عدم الجدية في الالتزام بالإسلام.
стр. 2848
البحث عن الأعذار والحيل لمجابهة المرشدين
كذلك -أيها الإخوة- إيجاد الأعذار والحيل التي يجابه بها كثيرٌ من الناس من ينصح لهم ومن يعلمهم ويرشدهم، كأنَّ همه هو عدم التطبيق، هو ألا يرضخ للنصيحة بأي سبب وبأي شكل وبأي وسيلة، ونفعل مثل ما فعل بنو إسرائيل مع موسى، فقد أتاهم موسى برسالة من ربهم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] كيف استقبلوا هذه الرسالة، وهذا التكليف، وهذا الأمر؟ كيف استقبلوه؟ المفروض أنهم يبادرون إلى التنفيذ، لكن استقبلوه بأن قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ [البقرة:٦٧] أنت الآن تستهزئ بنا نذبح بقرة؟! عجيب! وحي من عند الله ونبي جاد في كلامه يستقبلونه بالاستهزاء كما يستقبل اليوم كثيرٌ من المسلمين الأشياء التي تنصحهم وتحثهم عليها وتبينها لهم، يقول لك: ما هذا يا شيخ؟ لماذا تستهزئ بعقلي؟ هذا من الدين؟ هذا دين الإسلام لا يأمر بهذا وهذا ليس من الدين أصلاً، كما ذكر كثيرٌ منهم في مجالس تسمع هذه الكلمات، يقول: هذا ليس من الدين وأنت أتيت بدين جديد، من أين جئت بهذه الأشياء؟ أنتم الآن جالسون تعلمونا الدين وهذا الكلام، كل ما رأينا عليه آبائنا وأجدادنا غلط؟ لأن هذه أصلاً حجة الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] سهل أن نغير إلى المحرمات ونقع فيها، لكن صعب أنت نغير إلى الواقع الذي يرضاه الله .
فلما جزم لهم موسى ﵇ أنه غير مستهزئ بهم وأنه جاد، قال: أعوذ بالله من هذا الكلام ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة:٦٧] وفيه إشارة إلى أنكم أنتم الجاهلون، وهل ذبحوا البقرة لما أكد عليهم هذا الأمر؟ لا.
ماذا قالوا؟ بين لنا ما هي، ما أعطيتنا الأوصاف، والله أمرهم ببقرة، اذبحوا أي بقرة، لو ذبحوا أي بقرة لكفتهم.
وموسى ﵇ يذهب إلى ربه يسأل ربه، ويأتيه الجواب ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة:٦٨] لا صغيرة ولا كبيرة هرمة إنها بقرة فتية ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة:٦٨] هذه أوصاف هذه البقرة، ذبحوها؟ لا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة:٦٩] أي شيء، المهم تأخير التنفيذ بأي عذر، أي سؤال، أي استفسار، أي تأخير، المهم ألا ننفذ.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة:٦٩] ذبحوها؟ لا ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:٧٠] بقر كثير وما زالت هذه الأوصاف غير كافية ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:٧٠] بعض المفسرين قالوا: إنهم استثنوا أخيراً، ولولا أنهم استثنوا بالمشيئة، لكانوا حرموا من الخير كله، وبعضهم قالوا: أن احتجاجهم بالمشيئة هنا مذموم، يعني: مثل احتجاج الناس تقول: يا أخي صل صل، يقول: إن شاء الله ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة:٧٠ - ٧١] انتهت الأسئلة، ماذا يسألون بعد هذا؟ ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:٧١] الآن ذلك الكلام الذي ذهب كله ما هو؟ كان باطلاً، الآن جئت بالحق، ومع ذلك مع هذا الاعتراف ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] يعني: كادوا ألا يفعلوا، وما ذبحوها إلا بزهق النفس وما كادوا يفعلون.
وفرق أيها الإخوة بين من ينفذ أمر الله عن حبٍ لله وطواعية نفسٍ منه، وبين من ينفذه من وراء أنفه كأنك تأخذه منه، إذا نفذ هذا الذي تقول له كأنك تسلب منه ملكاً عزيزاً على نفسه، هذه المعاذير والأشياء التي يتعذر بها كثيرٌ من الناس تدل على أنهم المتلاعبين، أين الجدية؟ لو كان عندهم جدية، لكانوا نفذوا لأول وهلة وما جلسوا يعتذرون بالمعاذير والكلام الفارغ.
стр. 2849
فقدان الجدية عند من يطلق لسانه في أعراض المسلمين
كذلك من مظاهر عدم الجدية: التساهل في إطلاق اللسان في أعراض المسلمين، فتجد بعضهم يكيل ألفاظ الشتيمة والسباب للبعض الآخر، ويقعون في الغيبة وهي: ذكرك أخاك بما يكره، والإفك وهو: أن تقول في أخيك ما بلغك عنه، فيجتمع النميمة وسوء الظن، والبهتان وهي أن تقول في أخيك ما ليس فيه، وكل هذه الأشياء ذكرت في القرآن الغيبة والإفك والبهتان، فأين الجدية في التزام هؤلاء؟ لو أنهم كانوا جادين لأمسكوا ألسنتهم عن الانطلاق في سب إخوانهم المسلمين، وأنت عندما تنقد واحداً فإنك تنقد الفكرة ولا تنقد الشخصية، هذا هو الموقف الذي ينبغي أن يكون، عندك ملاحظة تنقد فكرة، تبين خطأ الفكرة، لا تعب شخصه ولا تجرحه.
стр. 2850
فقدان الجدية في الحماس للأعمال الصالحة
من مظاهر عدم الجدية في الالتزام بالإسلام كذلك: الحماس بغير أساس، لو أنك كلمت نفراً أو طائفة من شباب اليوم، فتكلمت عن أهمية طلب العلم، وفضل طلب العمل، وذم والجهل، وخطورة الجهل، يتحمس بعد الكلام ويأتي إليك يقول: أرجوك أنا أريد أن أتعلم، دلني، اعمل لي جدولاً، وهات تفاصيل.
فتعطيه تفاصيل، وتكتب وتتعب نفسك، وتجدول له أشياء، وتقول: اقرأ هذا الكتاب وبعده الكتاب الفلاني والثالث، وتسمع هذه المجموعة من الأشرطة، وبعد هذا التعب وبعد شهر عندما تراجع وتحاسب وتنظر فيما أتعبت نفسك فيه، تجد أن الأعذار تنطلق: أنا نسيت، أنا قرأت أول صفحة ثم مللت، أنا انشغلت وكانت عندي ظروف، وهذه كلمة (ظروف) كلمة عجيبة اليوم وإذا دققت في هذه الظروف، فالحماس هذا ما هو سبب ذهابه؟ سبب ذهابه أنه كان غير مؤسس على تقوى من الله ورضوان، وغير مؤسس على صدق وإخلاص وعزيمة في العمل، وإنما هو مجرد أن الواحد تحركت أحاسيسه وتحمس في لحظة من اللحظات وبعد ذلك انطفأت.
لذلك نبي بني إسرائيل في قصة طالوت لما قالوا له متحمسين في حال الهزيمة: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، ماذا قال لهم؟ قال لهم: غداً نأتي لكم بملك، انتهينا نأتي لكم بقائد تقاتلون وراءه، هو خبير، أنبياء بني إسرائيل عانوا الويلات من بني إسرائيل، قال لهم: لحظة قفوا ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦] عسى أن يفرض عليكم القتال غداً، أو يأتي لكم قائد يملك عليكم وبعد ذلك لا تقاتلوا، انطلقت الحماسة ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] هذا الكلام الآن، لكن حين تأتي إلى الجد ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٦].
فإذاً قضية الحماس يرتفع فيها الكلام ثم بعد ذلك ينطفئ لأنه غير مؤسس، وكيف يأتي الأساس أيها الإخوة؟ لا يأتي الأساس من الهواء، إنما يأتي من التربية الإسلامية التي يتلقاها ويتربى عليها الشاب المسلم في وسط إخوانه على منهاج كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، تلك التربية الإيمانية التي تأخذ بما يحيي القلب، العلمية القائمة على الدليل من الكتاب والسنة، الواعية التي تحيط بالواقع علماً، المتدرجة التي تنتقل بالإنسان من حال إلى حال إلى كماله الخاص به من غير قفزاتٍ محطمة.
فإذاً: ينبغي إذا أردنا أن نكون جادين، أن نتعرض لنفحات التربية الإيمانية الإسلامية التي تصقل نفوسنا وتهذبها، أن ننظر إلى إخواننا ممن سبقونا بالإيمان وممن هم أعلى منا شأناً في العلم وفي الفهم، فنقتدي بهم ونتأسى بهم، وقد يقول قائل: عندنا رسول الله ﷺ قدوة، ما حاجتنا إلى قدوات أخرى؟ وحديث الوفد الذين جاءوا مجتابي النمار، فقراء عالة، حفاة، الرسول ﷺ تأسف لهم وأسف عليهم، وحث الناس- الآن الرسول ﷺ قدوة- على التبرع والتصدق لكن الناس لم يتحركوا إلا حين جاء واحد منهم فعلاً بصرة كادت كفه أن تعجز عن حملها، فتصدق فتتابع الناس وراءه، مع وجود الرسول ﷺ القدوة العظيم أعظم قدوة، كان وجود القدوات الأخرى ممن هو أقل شأناً مهماً في عملية تربيتهم على الإنفاق، ولذلك لا بد من القدوات الحية بالإضافة للتأسي والاقتداء بمن سلف من عباد الله الصالحين.
стр. 2851
خجل الملتزم ينافي الجدية
كذلك من عدم مظاهر الجدية في الالتزام: أن يخجل الإنسان في مواجهة الناس بالتزامه، فتجد واحداً مثلاً ممن هداهم الله والتزموا بالإسلام ومظهرهم إسلامي، عندما تلاحقهم أعين السفهاء من الناس، وينظرون إليه ويتتبعونه ويغمزونه تجد أنه يمشي على خجل ويريد أن يتوارى من القوم من سوء نظراتهم، والإسلام يوجد في المسلم قضية العزة الإسلامية التي تحتم عليه أن يظهر أمام أهل الباطل فارضاً شخصيته وتصوراته عليهم، ليس بالقوة لكن بمفهوم العزة الإسلامية، أن يصبح عزيزاً، لا ذليلاً يلاحقونه بنظراتهم وهو يحاول أن يهرب ويجد له شيئاً يتوارى خلفه، لماذا يا أخي والله أعزك بالإسلام ورفع رأسك به، وأنت تطأطئ رأسك وتمشي هكذا، كأنك مجرم، وهم مجرمون في الحقيقة، تمشي كأنك مذنب، وعينك منكسرة في الأرض، تخشى وتحاول أن تندس من هنا وهناك، لو رفعت عينك إليهم فواجهتهم، وقلت لهم: مالكم تنظرون إلي؟ وما الذي تستغربون من شأني؟ وما الذي فعلته من الخطأ الذي يستنكر علي؟ ثم بدأت تذكر لهم أخطاءهم لما وقعت في هذا المأزق، لكن المشكلة أحياناً ضعف القلوب وضعف الشخصيات، وانحصار مفهوم العزة الإسلامية في النفس يؤدي إلى هذه الأشياء.
стр. 2852
عدم التفاعل مع قضايا المسلمين
عدم التفاعل مع قضايا المسلمين من مظاهر عدم الجدية: يسمع الإنسان نكبات تحل بإخوانه في أصقاع الأرض؛ أناسٌ يشردون، أناسٌ يقتلون، أناسٌ يسجنون، أناسٌ يعذبون، أناسٌ تستحل أموالهم ودماؤهم بغير حق، السبب أنهم قالوا: ربنا الله، فتحل النكبات والكوارث بهم، ويأتي هذا الأخ يقرأ الأخبار ويسمع وهو متبلد الإحساس تماماً كأن الأمر لا يعنيه، يقول: الحمد لله هذا ليس في ديارنا، الحمد لله هذا بعيد، الحمد لله دعهم، الحمد لله، أين الارتباط؟ أين الأخوة في الله؟ (المسلمون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) فهذا البرود وعدم تقديم شيء حتى في دعاء السجود أو دعاء في ظهر الغيب لا تقدم، أي تجمدٍ في مشاعرك هذا الذي يحل بك حين تسمع ما يحل بإخوانك المسلمين في العالم وأنت تجلس على أريكتك متكئاً وتقول: الحمد لله هذا ليس عندنا؟!
стр. 2853
أشياء تنافي كمال الالتزام
وقبل أن أنهي كلامي، هناك أشياء تنافي كمال الالتزام مثل: قضايا التخلي عن الزهد، فتجد الواحد مثلاً يلبس أحسن أطقم الأزر ويشتري أحسن الأقلام، وبيته مزخرف، لو أنه اشترى أقل منها بنصف الثمن ربما أدت الغرض نفسه، لكن الناس عندهم عقدة التزين والاهتمام بالمظاهر بحيث إنها في بعض الأحيان عند بعض هؤلاء ينفقون أموالاً بما يشبه الإسراف أو ربما التبذير، وهذا أيضاً دال على عدم استشعارهم لحاجة إخوانهم المسلمين لهذه الأشياء الزائدة، على الأقل يا أخي احتفظ بها ربما في المستقبل تتزوج وتحتاج إليها في زواج أو في بناء بيت، ولكن لا يوجد تأصيل، أو لا يوجد انتباه إلى هذه الأشياء.
وأختم كلامي بأنه لا يفهم من هذا الكلام -قضية الجدية- أن الجاد لا يضحك مطلقاً ولا يتبسم، وإنما يمشي بين الناس وهو مقطب الجبين، مشيةً عسكرية لا يلتفت يميناً ولا يساراً، كلامه مقتضب وقليل جداً، ولا يعرض عن أي شيء، هذا ما نقول عنه هذا جاد، نقول هذا: مسرفٌ في تشدده وشدته على إخوانه، الرسول ﷺ يقول: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة) والرسول ﷺ كان يمازحهم، وكان يأتي أحدهم من خلفه مثلاً، فيغمض عينيه، وكان يمزح حتى مع النساء كبيرات السن كما هو معروف في الشواهد، وكان صحابة الرسول ﷺ يتبادحون بقشر البطيخ، فإذا جاءت الحرب كانوا هم الرجال، فلا بأس بالترويح واللعب البريء، ولا بأس ببعض الفكاهات بعد عناء أو طول تلق للعلم أو طول مكثٍ في مجلس ذكرٍ بما يناسب المقام وبما لا يتعارض مع الشريعة، لكن طبعاً لا تتعدى مثل بعض الإخوان الذي يتبادحون بقشر البطيخ فصاروا يتبادحون بالبطيخ نفسه، ويقول بعضهم: يا أخي هؤلاء أوجعونا بالبرتقال.
فالمهم نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياكم الإخلاص والمتابعة لرسوله ﷺ ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد المرسلين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
стр. 2854
الأسئلة
стр. 2855
الجدية لا تعني التجرد من جميع الشهوات
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ما رأيك فيمن يعتقد أن الجدية في الالتزام هي التجرد من جميع الشهوات؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما التجرد من جميع الشهوات، فهذا يعني أن يتحول الإنسان إلى ملك، لأن الخلق الذين ليس عندهم شهوات هم الملائكة، وهذا مستحيل أن يصبح الإنسان ملكاً، كيف يريد الإنسان أن يصبح ملكاً؟ ولذلك حتى في المجتمع القدوة مجتمع الرسول ﷺ حدثت هناك بعض الأخطاء الناتجة عن شهوات، مثلاً من الصحابة من وقع في الزنا، من الصحابة من قبل امرأة في طرف المدينة ثم جاء تائباً، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فقال الرجل للرسول ﷺ فرحاً هذا لي يا رسول الله وحدي؟ فبين الرسول ﷺ أن هذا للأمة كلها، وهذا حديث صحيح، فإذاً ليس المطلوب هو إلغاء الشهوات بالكلية، لأن من الشهوة ما يكون مفيداً مثل: إتيان الرجل لزوجته من أجل النسل والذرية، لو لم يكن هناك شهوة عندهما لما حصل الإنجاب ولما حصلت الذرية.
فالله جعل هذه الأشياء لحكم فيها مصالح للعباد، فلذلك إلغاءها بالكلية أمر مستحيل أصلاً، لا نفكر في إلغائها بالكلية، ولكن المطلوب هو توجيه هذه الأشياء وجهةً سليمة؛ وهذا لا يتم إلا بالتربية، الإنسان لوحده مهما عمل لنفسه قد لا يستطيع أن يصل إلى كماله إلا إذا كان بين إخوانه.
ولذلك الرجل لما قال للرسول ﷺ : ائذن لي أن أجلس في عين الماء هذه -يعني: هنا آكل وأشرب وأنا مستريح- رفض الرسول ﷺ ذلك؛ لأن الدين الإسلامي دين جماعي، ليس ديناً فردياً، وهناك أشياء في الدين لا يمكن تحقيقها على النطاق الفردي كالجهاد في سبيل الله وصلاة الجماعة وصلاة الجمعة، ولذلك لا يوجد خطاب في القرآن يا أيها المسلم يا أيها المؤمن، كل الخطابات" يا أيها الذين آمنوا" وهكذا، ليس المطلوب إلغاء الشهوات أو الغرائز، ولكن التربية هي التي تساعدك في تهذيبها وتوجيهها الوجهة السليمة.
стр. 2856
ضوابط في الرياء
السؤال
فضيلة الشيخ: بعض الشباب يأتي إليه الشيطان ويقول له: أنت منافق، فأنت تقول غير ما تفعل، فمثلاً تفعل في المخيم غير ما تفعل في البيت، إذا ذهبت إلى البيت لا تعمل ربع ما تعمله في هذا المخيم.
الجواب
أما كون الإنسان يرتقي بإيمانه إلى مرتبة عليا، ثم ينخفض هذا الإيمان مرة أخرى هذا شيء طبيعي، وهذا من أدلة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يعني: هذا دليل محسوس يجده كل واحد؛ أنه يجلس في مجلسٍ من مجالس الذكر فيرتفع مستواه الإيماني ويحس بأنه قد أصبح قريباً من الله جداً، وأنه في حالة من الخشوع عظيمة، ثم بعد ذلك إذا هو ترك هذا المجلس وفارقه أو ذهب إلى بيته ورأى الناس العاديين، وترك هذا المخيم، وترك إخوانه، وذهب إلى المجتمع العادي الذي يعيش فيه، فلا يمكن أن نتصور أنه سيحافظ على نفس المستوى الإيماني، لا بد أن يتأثر ولا بد أن ينخفض هذا المستوى، لأن الإيمان يزيد وينقص بحسب الظروف والأحوال والحالات التي يمر بها الإنسان، لكن إذا كان الشيء طبيعياً فما هو الشيء غير الطبيعي والشيء الخطر؟ يوضح هذا حديث رسول الله ﷺ الصحيح الذي يقول فيه: (لكل عملٍ شرة، ولكل شرةٍ فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) كل عمل له نهاية عظمى (قمة) وله نهاية صغرى (قاع)، لكل عملٍ شرة (قمة) ولكل شرة يقابلها ماذا؟ فترة فتور (قاع) (فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى) فإذاً من الطبيعي وجود القمة والقاع وزيادة الإيمان ونقصه، لكن إذا كنت في حالة فتورك وانخفاض إيمانك موافقاً لسنة الرسول ﷺ لا ترتكب المنكرات، فأنت بخير (فمن كانت فترته إلى سنتي) إذا كنت في حالة فتورك وضعفك وهذا الانحدار أو النزول في مستوى الإيمان الانخفاض في مستوى الإيمان، إذا كنت وأنت في هذه النقطة موافقاً لسنة الرسول ﷺ ، فقد اهتديت.
لكن إذا كنا نغادر المخيم ونفارق إخواننا، فإذا رجعنا إلى بيوتنا قارفنا المنكرات ووقعنا في المعاصي وارتكبنا الآثام، فعند ذلك يجب أن نخشى على أنفسنا، فهنا لا بد أن تنظر لماذا وقعت؟ وما هو العلاج؟ وتلجأ إلى إخوانك في الله، لتستمد منهم النصيحة والعون على مواجهة هذه الأمور، هذا هو التفصيل المختصر لهذه القضية، وطبعاً حديث حنظلة أنتم تعرفونه إن شاء الله جميعاً أخبر عن شيء طبيعي يقع له ووقع لـ أبي بكر وغيره، والرسول ﷺ نبه على هذا لو كانوا كلهم مثل ما عند الرسول في جميع الأوقات لصافحتهم الملائكة، ولكن هذا القلب ساعة وساعة مرة، يرتفع الإيمان ومرة ينخفض.
стр. 2857
صور من ضعف الإيمان والرياء
السؤال
شاب نشأ في طاعة الله يصلي ويصوم، ولكن إيمانه ضعيف يريد أن يقوم الليل فلا يستطيع، ولا يخشع في الصلاة، وإذا عمل عملاً أحس أنه يرائي وينافق، وأنه يعمل لغير وجه الله، وإذا أصابته مصيبة لا يستطيع الصبر، فماذا يفعل أثابكم الله؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين؛ يمكن هذا المدخل مبني على شيء فاسد أو لعدم وجود التصور الصحيح، والتصور الصحيح أنك دائماً تكون بين قاعدتين: العمل لأجل الناس رياء، هذه القاعدة المعروفة عند الناس، وإذا صارت كل الأعمال رياء، صارت شركاً أكبر مخرجاً عن الملة، لأنه كأنه لا صلى ولا زكى ولا حج، وإذا وقع العمل رياءً من بدايته، فهو فاسد يجب إعادته خصوصاً الصلاة، أما إذا طرأ عليك أثناء العمل، فتجاهد نفسك وتستغفر الله .
ولكن القاعدة الأخرى التي قد لا تخطر في بال بعض الناس: أن ترك العمل من أجل الناس رياء، يعني: كما أن فعل العمل من أجل الناس شرك، فكذلك ترك العمل من أجل الناس هو رياء، من ترك العمل من أجل الناس فقد وقع في الرياء، لماذا؟ لأنه ما الذي دفعه إلى ترك العمل؟ الناس وليست مراقبة الله التي دفعته إلى ترك العمل، ليس عملاً سيئاً راقب الله فتركه، وإنما الذي حمله على ترك العمل هم الناس، فإذاً أصبح الناس هم القضية عنده يترك من أجلهم، كما أن ذلك الشخص النوع الآخر في الجانب الآخر يفعل من أجل الناس، فكون ذاك يفعل من الناس، فهو مراءٍ، وكون هذا يترك من أجل الناس فهو أيضاً مراءٍ، فلذلك ينبغي أن نكون بين الأمرين، وكما أنك تضع أمام ناظريك أن فعل العمل من أجل الناس رياء، كذلك ضع أمامك أيضاً نصب عينك أن ترك العمل من أجل الناس أيضاً رياء، وهما نفس البلاء.
إذا طرأ عليك خاطر أن الناس الآن يرونك، وأنك إذا فعلت هذا العمل فسيحمدك الناس، فتعوذ بالله من الشيطان، وأقدم عليه صدقاً مع الله وإرغاماً للشيطان، لو جاءك شيطان وقال: أنت لو أنك قمت تصلي السنة الآن والناس ينظرون إليك فقد وقعت في الرياء، فأخر السنة، لكن ربما تفوت السنة، عندك احتمال أن يدخل وقت الصلاة الأخرى وتفوت عليك السنة، فماذا تفعل؟ تتعوذ بالله من الشيطان وتصلي السنة، صحيح أن إخفاء العمل من منهج السلف، يعني: أن يحرص الإنسان على إخفاء عمله، والسلف حالهم في هذا عجيب.
ففي سيرة البخاري ﵀ قال: كان أبو عبد الله في المجلس، يعني: محمد بن إسماعيل البخاري، فأخذ رجلٌ من الناس شيئاً من لحيته فألقاه في الأرض (في المسجد) فرأيت أبا عبد الله رمقه بعينه، ونظر إلى تلك الحاجة التي سقطت، ولكنه تابع كأنه لم يحصل شيء، فلما انتهى الدرس وقام الناس رأيت أبا عبد الله ينظر حوله، فلما رأى الناس قد انفضوا تناولها من الأرض فدسها في كمه وانصرف وألقاها خارج المسجد.
فـ السلف كانوا يحرصون على إخفاء الأعمال وهذا هو المطلوب، لكن هناك أعمال لا يمكن تخفى مثل الإمامة، فلو قال رجل: أنا سأترك الإمامة لأني أخاف من الرياء، فهذا إذا ترك من أجل الناس، فقد وقع في رياء فعلاً، هذا قسم من الأعمال لا يمكن إخفاؤه، وهناك قسم من الأعمال إظهاره فيه مصلحة، مثل الرجل الذي أظهر الصرة فاقتدى به الناس، فإذا استيقن أنه لن يدخل في نفسه شيء، وسيجاهد نفسه ويتغلب فيظهر العمل ليقتدي الناس ويتأسون به.
وطبعاً النوع الثالث من العمل الذي إظهاره فيه مفسدة في الدين، فهذا طبعاً لا يجوز أن يظهره الإنسان، فلعل في هذا التفصيل نوعاً من الإجابة على التساؤل الذي طرحه الأخ، لكن الحذر الحذر من أن تترك العمل من أجل الناس، جاهد نفسك ولا تترك العمل من أجل الناس.
стр. 2858
كيف يبتعد الملتزم عن الزلل والزيغ
السؤال
كيف تكون النية خالصة؟ من المعلوم أن الشباب الملتزم تحت المجهر (أي مراقب) فكيف يكون بعيداً عن الزلل والزيغ؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، لعل الأخ يقصد أن الناس الآن أعينهم على الملتزمين، خصوصاً بعض هؤلاء الناس من سيئي النية يترصدون أخطاءهم حتى يقولوا: هذا هو الإسلام الذي تدعون إليه هذا هو كذا، فمن أخطأ من أهل الخير فإن الناس لا يرحمونه، وأخباره تنتشر في المجالس، لكن الذي يخطئ من أهل الشر أخطاءً أعظم من أخطاء هذا بكثير جداً لا يكترثون بها ولا ينكرون عليه في المجالس، فنعم أنت تحت المجهر، لأن الناس ينظرون إليك، يعني: أنت الذي تمثل الإسلام في نظرهم، فهم يلتقطون أخطاءك، ويراقبونك هل ستقع؟ وكيف ستقع؟ وينشرون هذا الخبر، فلذلك صارت المسئولية كبيرة.
الناس يقولون: غلطة الشاطر بعشرة، هو من جهة صحيح، يعني: من هذه الناحية أن خطأ الملتزم بدينه أعظم من خطأ الإنسان العادي في نظر الناس طبعاً، ولذلك من هنا تنبع المسئولية، من هنا يشعر الإنسان بمسئولية أنه يجب ألا يخطئ أولاً.
أولاً: لأن الخطأ فيه إثم وسيئات.
وثانياً: حتى لا يؤدي هذا الخطأ منه إلى تشويه صورة الإسلام وصورة الدين في أعين الناس، فقد يكون من الذين يضلون عن سبيل الله أو يصدون عن سبيل الله، ولولا هذا الخطأ لكان الناس دخلوا في الدين، لكن لما رأوك قد أخطأت وزللت، قالوا: إذا كان هذا هو الدين فنحن بخير، فكيف يكون بعيداً عن الزلل والزيغ؟ إذا استشعر المسئولية، وأخلص النية لله.
بعض الناس الآن إذا ما حصل منه فعل المنكر، يقول: مادمت لست في موقع الاقتداء فلا بأس.
فيتساهل، الواحد أمام الناس لا ينظر مثلاً إلى المسلسلات أو الأشياء المحرمة، لكن إذا أصبح بعيداً عن الناس يمكن لوحده قد يفتح هذا البلاء وينظر فيه، يقول: لا أحد الآن ينظر إلي! صحيح أنك حاولت أن تبقى بعيداً عن أعين الناس، لكن أين تذهب من عين الله السميع البصير؟ فإذاً لا يعني هذا الكلام أن نظهر أمام الناس ممتازين بأحسن صورة، فإذا اختلى الواحد بنفسه فعل المنكرات وقال: الحمد لله الناس لن يتأثروا، فأين ذهبت علاقتك مع الله ؟
стр. 2859
ضرورة الالتزام بالدين كاملاً
السؤال
كثيرٌ من الناس يقول: يكفي أن أصوم وأصلي وأتصدق، أما أن أطلق لحيتي وأقصر ثوبي فلن أفعل حتى لا أتهم بالنفاق كما نشاهد من الشباب من سوء معاملتهم مع الناس ومع أهلهم؟
الجواب
نفس القضية ترك العمل من أجل الناس رياء، هذا ترك العمل من أجل الناس، فقد وقع في الرياء، وهذا ضابط قوي يضبط تصرفات الفرد.
أحياناً تأتي مداخل شيطانية، لكن يضع هذا الضابط ترك العمل من أجل الناس رياء فلا يستطيع أن يذهب يميناً أو شمالاً؛ لا بد أن يسلك الطريق المستقيم، ثم إن قضية ألا أتمسك بالدين لكي لا أعطي صورة سيئة، فأنت تريد أن تتقي بجانب وتخرق جانباً آخر، صحيح أنك قد تترك هذا العمل لكيلا تعطي صورة سيئة، لكنك في الجانب الآخر ارتكبت معاصي، وهي ترك المظهر الإسلامي، والمظهر بعض الناس يهونون من شأنه يقولون: المهم القلب، المهم الباطن، هذا المظهر غير مهم، لكن شيخ الإسلام ﵀ له كلام جيد في اقتضاء الصراط المستقيم، يقول: لو أن إنساناً -يعني: رجلاً عادياً- لبس ملابس الجند؛ أي: أخذ بدلة عسكرية ولبسها مشى، كيف تتوقعون أن تصبح مشيته؟ يمشي ثابت الخطى جاد، لأنه الآن يلبس بدلة عسكرية جاد التصرفات خطوات متساوية، ماذا حصل عليه ما الذي زاد فيه؟ لباس.
لكن هذا المظهر له تأثير على المخبر وعلى الباطن وعلى الداخل، هذا غيَّر بدلته فقط، وكذلك بقية الأشياء التي جاء بها الرسول ﷺ ، الناس يقولون: هذه توافه الأمور، يقولون: هذه قشور، ولو كانت هذه قشور فلماذا أنفق الرسول ﷺ من عمره ومن وقته أشياء يعلمها الأمة لو كانت غير مهمة؟ ولماذا تأتي في بعض الأشياء ألفاظ دالة على أن الرسول ﷺ طرح القضية في مجالس كثيرة (اعفوا اللحى) (وفروا اللحى) (أرخوا اللحى).
فإذاً: القضية مرتبطة بالعقيدة، ليست مسألة فرعية ولا جزئية لا تستحق أن يدعى إليها، وشهد شاهدٌ من أهلها، ذلك الرجل الذي جاء قال: ما ترك نبيكم- ﷺ شيئاً إلا علمكم إياه، يعني: حتى الخراءة؛ كيف يقضي الإنسان حاجته، فهاهم شهدوا بهذا، وهذا يبين عظمة الدين وكمال الدين وأنه لا توجد فيه ثغرة ولا شيء من الأمور إلا وتجده، موجود فيه آداب السنة في الإسلام موجود فيه أشياء مثل: نهى أن يمشي الرجل في نعل واحدة، سبحان الله! حتى المشي في النعل الواحدة، نهى أن يجلس الرجل بين الشمس والظل حتى الجلوس بين الشمس والظل، وطريقة الشرب، وطريقة الأكل، والدخول وتقديم اليمنى، يعني: أشياء تحكم المسلم، حتى تصبح الأعمال العادية موافقة لما جاء به الدين، هذا جانب من جوانب يظهر عظمة الدين ويعطيك تفصيلاً في كل الأمور.
стр. 2860
كيف نستفيد من القراءة
السؤال
يا شيخ: إني أقرأ كثيراً، وقد قرأت في اليوم الواحد أكثر من ثلاث ساعات، ولكني لا أخرج بفائدة!
الجواب
هذا الأخ يقول: إنه يقرأ ثلاث ساعات، لكن لا يخرج بفائدة، أنا لا أتصور أن يقرأ ثلاث ساعات ولا يخرج بفائدة، يعني: لو ما حصل على فائدة إلا الصبر على هذه الساعات وتعويد النفس فهذا حسن، لكن طبعاً هذا لا يكفي، فربما لا تخرج بفائدة؛ لأن طريقتك في القراءة ليست صحيحة، هناك أناس يمسك الواحد منهم الكتاب ويستعرض استعراضاً وتصفحاً ولا يستغرق هذا إلا فتح الصفحة التي بعدها وفتح الصفحة التي بعدها، وأنا أنهيت زاد المعاد في كذا يوم، وأنا أنهيت كذا، وهذه المجلدات، معناها الخلل في طريقة القراءة، كيف تقرأ؟ وبعد ذلك هناك طرق لكي تخرج بأشياء، فمثلاً: استخدام القلم، الآن في علم النفس كلما استخدمت عدداً أكبر من الحواس، كلما كان انتفاعك أكثر، لو قرأت بعينيك فقط فهذا ليس كقرائتك بعينيك ولسانك، فيشترك اللسان والسمع والعين، وهذا ليس كقرائتك مع استخدام القلم، فإذاً يمكن أن يزيد الانتفاع من القراءة باستخدام حواس أكثر وأشياء أخرى مثلاً: هل تقرأ أكثر من مرة أم تقرأ مرة واحدة.
سئل البخاري رحمه الله تعالى عن سبب حفظه، يعني: كيف حفظت هذه الأشياء؟ قال: لم أجد أنفع من مداومة النظر والقراءة.
فليست القضية أن البخاري حافظته قوية جداً، فاعتمد على حافظته فقط، لا طبعاً، لم أجد أنفع من مداومة النظر والقراءة.
فأولاً: هل تقرأ الموضوع مرة أو أكثر من مرة؟ هل إذا قرأت موضوعاً تحاول أن تلقيه على الناس وتقدمه في المجالس؟ فهذا شيء مهم، لو أن كل واحد يلقي في المجالس ما يقرأه ويقول: أنا قرأت كذا وسمعت كذا و (تداول العلم).
كان بعض السلف إذا ما وجد طلبة علم يقرءون عليه يحضر بعض صبيان الكتاب يجلسهم ويقرأ عليهم الحديث، وبعضهم كان عنده طلاب نهمين بطلب العلم، كان يقول: يرحمك الله كم من حديث أحييته في صدري بسبب كثرة النقاش والسؤال وإعادة السؤال عدة مرات، لذلك تجد العالم الذي عنده طلبة كثيرون ويسأل دائماً تجد أن علمه حياً، لكن العالم الذي لا أحد عنده ولا يسأله أحد تجد علمه يتقلص، لأن الذي يسأل العالم يضطره إلى المراجعة، أو يضطره إلى إعادة الإجابة عدة مرات، فترسخ القضية في ذهنه، لو يجد بعض الناس يقول: وقد ورد عن رسول الله في مسند كذا أن من حديث فلان فهذا الكلام قد لا يأتي من أول مرة بل لأن هذا الرجل يتكلم بهذا الحديث عدة مرات في أكثر من مجلس، فحفظه.
فإذاً كيف تقرأ؟ ما هي سرعتك في القراءة؟ هل تشرك أكثر من حاسة في القراءة؟ هل تعيد ما قرأته وتذكره وتشيع العلم هذا الذي تعلمته؟ هل تطبق العلم؟ ورد عن الإمام أحمد أنه قال: ما من حديثٍ صح إلا وعملت به حتى حديث الرسول ﷺ أنه احتجم وأعطى أبا محذور - يعني الحجام- ديناراً، فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً.
فإذاً هل تطبق العلم؟ ثم قضية استخدام القلم مثلاً؟ هل تحرص على تلخيص كل مقطع بجملة بسيطة؟ هل تحرص على وضع خطوط بقلم الرصاص بشكل نظيف على الأشياء المهمة؟ هل تحرص على ترقيم الفقرات المبعثرة؟ فإذاً: السبب أن طريقتك في القراءة فيها خلل يحتاج أن تراجع، وهناك كتب للغربيين وضعوا أشياء عجيبة في هذا، والحكمة ضالة المؤمن، كتب في كيفية القراءة وكيفية الحصول على أكبر قدر من المعلومات وأكبر نسبة مئوية مما تقرأ.
стр. 2861
نصائح في موضوع طلب العلم
السؤال
كثيراً ما تطرح الأسئلة حول كيفية طلب العلم، والأولويات فيه، وما يقدم فيه وما يؤخر، ولكن غالباً الإجابات تكون خالية عن الواقعية ويتضح هذا بالتطبيق، ما هي الوسيلة المثلى لطلب العلم في عصرنا الحاضر مع الأخذ بعين الاعتبار الوسائل الحديثة كالأشرطة وقلة العلماء مع التوفيق بين الطلب والدعوة؟
الجواب
الحمد لله، تزاحم الواجبات يضيق الأوقات لكل منها، لو أنا الآن نعيش في عصر السلف لما وجدنا هذه الظروف النفسية، وهذه المشاكل من الناس التي تستغرق نشاطنا الذهني وتفكيرنا وإشغال الذهن بإيجاد حلول للمشاكل، ما كان عندهم المشاكل الموجودة الآن، والتعقيدات العصرية الحالية، الآن الذهن منشغل بآلاف المخترعات كلها حفظناها الملعقة والشوكة والسكينة وغسالة الأواني، من أول حتى هذه الأشياء في الحياة كانت بسيطة، لم تكن هناك مشاكل نفسية ومشاكل أسرية، كان يوجد صفاء، كان هناك عوامل الآن نفتقدها في حياتنا، هذا من جهة.
ومن جهة ثانية حاجة الإسلام لأشياء كثيرة تجعل طالب العلم ليس عنده متسع من الوقت ليتفرغ بالكلية للعلم مثلما كان يتفرغ السلف ﵏، لأن الإسلام في ضيق والمسلمين في حالة يرثى لها، والوضع يتطلب أن تبذل في أشياء كثيرة والوقت محدود والبركة في الزمان قلت، ابن حجر ﵀ كان مرة يتكلم عن بركة الوقت وعن الأقدمين وكيف كان هذا، يقول: إن الرسول ﷺ أخبر بأن البركة من الوقت ستقل وتقل، فلعل وقتنا هذا هو الذي قصده ﵇، هذا ابن حجر مئات المؤلفات يقول: لعل الوقت المقصود هو الذي نعيشه الآن (يقصد في عصره)، فكيف لو أن ابن حجر وجد في هذا العصر، ماذا كان سيقول؟ فإذاً: تزاحم الواجبات مشكلة وخطأ أن الواحد يعتكف، ويقول: أنا أريد أن أطلب العلم فقط، أنا ليس عندي وقت لكي أدعو، هذه طبعاً مخالفة للشمولية، والإنسان عندما يعمل يرى ما هو الأحوج للناس ليبذل فيه أكثر، فإذا رأى أن عنده ذاكرة قوية فعليه أن يركز في العلم أكثر من أي شيء آخر لأنه ربما أفاد، فهذا الأفضل له أن يركز في العلم أكثر، لكن ليس هناك شيء اسمه: لا أدعو ولا أطلب علم، ولو أن إنساناً يجيد الوعظ ويجيد التذكير ويجيد تحريك القلوب مثلاً، ولكن ليست عنده تلك الذاكرة القوية وذلك الفهم الكبير يتوجه إلى وعظ الناس أكثر، لكن لا يوجد شيء اسمه أعظ الناس وأدعوهم ولا أطلب العلم، لكن يؤخذ بعين الاعتبار طاقة الإنسان، كل واحد يعرف نفسه، والذي لا يعرف نفسه ربما يجد له أخاً يعرف عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه.
فإذاً: هذه أشياء يجب أن توضع بعين الاعتبار، لماذا توضع بعين الاعتبار؟ حتى لا يقرأ الإنسان سير العلماء الأقدمين وبعد ذلك ينظر في حاله، فيكتب: يا شيخ وصولنا مستحيل وكيف نصل؟! صحيح هذا قد يكون مستحيلاً، لكن الآن لا نجد أمثال الشافعي وأحمد ومالك، لماذا؟ لهذه الأشياء، لكنّ في أمة محمد ﷺ خيراً موجوداً ولن يخلو الزمان من طائفة قائمة بالحق، ولن يخلو الوقت من قائم لله بحجة، لا يمكن أن يخفى الحق في زمن من الأزمان على كل الناس، يجب أن يكون هناك أناس يعلمون الحق؛ الطائفة المنصورة والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة.
أما كيف تطلب العلم؟ فهذا بسطه يطول وقد لا أفيدكم فيه مثل ما قد يفيده غيري ممن هم من أهل العلم، لكن الأخ ذكر نقطة مهمة، قال: بعض الناس يذكرون أشياء غير واقعية مثلاً يقول: تبدأ بحفظ المتون والشروحات وتبدأ بكذا وكذا، وهذا الشخص نضجه العقلي ضعيف فكيف يقرأ المتون ويحفظها؟ يذكر لنا أحد أهل العلم يقول: أول ما ذهبت أطلب العلم جلست إلى الشيخ فقرأت جزءاً من الفرائض، لما انتهى قال: قسم رجلٌ توفي عن كذا وكذا، قال: يا شيخ أنا الآن ما فهمت المتن كيف تريد مني أن أقسم؟! فصحيح أن هناك أناساً يطلبون أشياء غير معقولة، وفي نفس الوقت بعض الشباب ينتهجون مسلكاً لا يؤدي إلى تحصيل العلم مثل: الاعتماد على الكتيبات، تجد أن هذا الشاب ما عنده إلا الكتيبات، والكثير من الكتيبات الحديثة خالية ليس فيها شيء، تتصفح من أول كتاب لآخره لا تخرج إلا بمجموعة من العناوين، وإذا كان العلماء من قبلنا قالوا: مؤلفات الأولين قليلةٌ كثيرة البركة، ومؤلفات المتأخرين كثيرة قليلة البركة، يعني: فماذا نقول اليوم أمام هذا الغثاء الذي تدفع به المطابع يومياً، والناس الذين عندهم إسهال فكري، والكتب التي يخرجونها كل حين مكررة معادة وأشياء عامة، وأشياء ليس فيها أصول، المفروض أن يقرأ الإنسان عن أصول أهل السنة والجماعة، أما أنه يقرأ قصص وأشياء متفرقة وطرائف وبعض الكتب هكذا، طرائف من هنا ونوادر من هنا وقصص من هنا، لكن لا يوجد فيها علم، ولذلك ترى بعض الناس يقرءون المختصرات ويحرصون عليها، بدلاً من أن يقرأ مثلاً تفسير ابن كثير يأخذ المختصر، أو في القرآن معاني المفردات معاني المفردات هذه الكلمة معناها كذا ومعناها كذا ومعناها وما يستفاد ويأتي بهذه الكتب.
فأقول: على الشخص أن يحرص على الأصول، إذا كان يستطيع أن يفهم يقرأ في الأصول يعني: أمهات الكتب، ويسأل أهل العلم عما أشكل عليه، ربما أقول: أهل العلم قلة، مشغولون، وأين أجدهم؟ وهذا صحيح لكن أنتم الآن في هذا المكان حباكم الله بنعمة وهي وجود عدد من أهل العلم قد لا يوجدون في منطقة أخرى، وشكر النعمة يقتضي أنك تستفيد منهم، وأنك لا تضيع هذه النعمة، لأن هناك إخواناً لك في مناطق أخرى ليس عندهم شيء اسمه مشايخ ولا شيء اسمه أهل العلم، كل الذي يعتمدون عليه بعض الكتب وعلى ما يؤتيهم الله من فهم في أشياء واتصال من بعيد قد لا يتوفر، فإذاً هذه من علامات الساعة، فإذاً اهتم يا أخي بالعلماء الموجودين عندك في المنطقة التي أنت فيها، وتسأل لو بالهاتف، وتسمع دروس المشايخ، لأن الدروس كأنك موجود، ولو صار عليك إشكال في شيء اتصل بالهاتف، طبعاً الهمة مهمة لأن الذي ليس عنده مهمة ستهبط عزيمته ويقلع عن كل شيء، وأنا لا أرى أن الوقت متسع لأن نبسط هذه القضية، ويمكن أن ترجعوا إلى من هم أقدر مني على توضيح كيفية طلب العلم وما هو المنهج الذي يبدأ به المتعلم ويسير عليه، والله أعلم.
стр. 2862
ضوابط في صلة الرحم
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: ما هو التصرف الحكيم لمقابلة الأقارب وخاصة ممن هم غير ملتزمين؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، مسألة صلة الرحم من الفرائض المهمة التي أوصى الله تعالى بها ومشكلة كثير من الشباب اليوم أنهم يهملون في صلة أرحامهم، لأسباب منها مثلاً: أنهم يعتقدون أنهم منشغلون بأشياء من الدين أهم، فيقول: أنا مشغول بطلب العلم وأريد أن أدعوا إلى الله وأربي نفسي مع إخواني، فأين الوقت الذي أزور فيه أرحامي؟ فيترك.
هذا غير صحيح يجب أن توازن، اتقوا الله ما استطعتم، وليس من المعقول ألا تجد وقتاً للقراءة، ولو أنك ضغطت نفسك، أو استفدت من أوقات الفراغ التي عندك لوصلت أرحامك، ولكن بعض الناس يتعذرون بأشياء، يقول هذه أهم، والدعوة إلى الله، وطلب العلم، التربية، فلا يصل رحمه! فيقع في جريمة عظيمة (قطع الرحم)، وعموماً والتعامل مع الأقرباء مشكلة لأن فيهم كثيراً من الفجرة والفسقة، وقد تجلس في مجلس فيدخن، تجلس في مجلس فيشغل الملاهي والأغاني، وتجلس في مجلس فتأتي زوجة عمك متكشفة متبرجة، فماذا تفعل؟ في هذا درس تم في المنطقة عندنا عن صلة الرحم وهو مسجل في شريطين، لعل فيه علاج لكثيرٍ من الجوانب التي تتعلق بصلة الرحم، خصوصاً إلقاء الضوء على ما يتصل بالشباب من هذه المسألة، ولا أعرف بماذا أتكلم الآن في هذه العجالة، ولكن أقول: إن صلة الرحم تتم بعدة أشياء: فإن كان دخولك لبعض أرحامك يسبب وقوعك في منكر شرعي، فإنك تصلهم بالرسائل، تصلهم بأن ترسل لهم سلامك مع بعض الناس، لو كان يدخن ولابد، فتزوره في نهار رمضان، لو كان مثلاً في البيت يشغل أشياء، زره في المكتب، إذا حضر المنكر عندك أنكر المنكر، فإذا ما أنكر المنكر، فامش، ولو حدثت مفسدة عظيمة من تركك للمكان كأن يترتب على ذلك طلاق زوجة أو مفسدة أخرى، فيمكن أن تطرق في الأرض مثلاً، لكن إذا لم يكن هذا حاصلاً، فلا يصح لك بعد أن تنبههم وتنصحهم أن تجلس، فإذاً أنت تذهب وتجلس، فإذا حصل المنكر فانْه عنه أو فارق المكان مثلاً إلى غرفة ليس فيها منكر، وتجلس فيها، المهم أنك تحاول أن تجد لك طريقاً، تدعوهم تزورهم بالهدايا، أخي أرسل هدايا فهذه لها تأثير عظيم، أرسل سلامك فله تأثير عظيم، اتصل بالهاتف هم بينهم وبين بعض لا يتصلون بالهاتف ولا يسأل بعضهم عن بعض، فأنت حين تبادر وتتصل، فهذه لها أثر عظيم.
وأسأل الله لي ولكم الرشاد، وأن يحبب إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلنا وإياكم من الراشدين، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 2863
جهاد الحجة والبيان
إن جهاد الحجة والبيان من أنواع الجهاد المشروع، فبه ننافح عن ديننا الذي يتعرض للأخطار من قبل المشركين والمبتدعين، وإن حماية العقيدة وكف العدوان والمعتدين من أعظم مهمات أهل العلم والإيمان وأشرفها، فإن لهم في ذلك القدح المعلى والحظ الأوفى، وفي هذا الدرس نبذة من سيرهم في مناظراتهم ومنافحاتهم عن دين الإسلام، وقد ذيلها الشيخ بذكر قواعد المناظرة وآدابها.
стр. 2864
العقيدة وأهمية الدفاع عنها
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فالحمد لله الذي جمعنا في هذا البيت من بيوته، ونسأله أن يجمعنا في جنات النعيم، وأن نكون إخواناً على سرر متقابلين، وفي الغرفات من الآمنين.
حديثنا عن العقيدة؛ هذه العقيدة التي أنزل الله بها كتابه وعلمنا إياها نبيه ﷺ ، هذه العقيدة التي تصوغ شخصية المسلم لتجعله خلقاً آخر، فقد كان يرجو ويرهب الدنيا، وأهل الدنيا وأصبح لا يرجو إلا الله ولا يخاف إلا الله.
إنها عقيدةٌ أيها الإخوة تجعل الإنسان يستمد من أسماء ربه وصفاته ما يتعامل به مع سائر الناس من حوله، فهو يطلب المغفرة من الله إذا أذنب، لأنه يعلم أن ربه غفورٌ رحيم تواب، وهو يطلب العفو من الله، لأنه عفوٌ كريم يتجاوز، وهذا من شأن الكريم، والمؤمن كذلك بعقيدته يسأل الله الرزق ولا يسأله غير الله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧] فهو الذي يرزق، فلا يخشى هذا المسلم أن يقطع رزقه أحد، وهؤلاء الناس أسباب قد يأتي الرزق عن طريقهم، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، فالذي ينفع هو الله، ولئن اجتمع الإنس والجن على أن يضروا إنساناً لم يكتب الله الضرر عليه ما استطاعوا.
فهذه العقيدة تصوغ شخصية المسلم، تجعله سلماً لأولياء الله، حرباً على أعداء الله، موالياً لأولياء الله، معادياً لأعداء الله، وهكذا تتميز فيه هذه العقيدة بمظهر الولاء والبراء من خلال هذا الكتاب العزيز وهذه السنة النبوية.
أيها الإخوة: هذه العقيدة التي تشتمل على العلاقة بالله والإيمان به: بربوبيته، بألوهيته، بأسمائه وصفاته، بقضائه وقدره، بأنبيائه وكتبه ورسله وباليوم الآخر الذي يحاسبنا فيه، هذه العقيدة المشتملة على أبواب الإيمان: قولٌ وعمل، وعلى الموقف من صحابة النبي ﷺ ، وعلى غير ذلك من أمور؛ تحتاج إلى صيانة، وتحتاج إلى حفاظ عليها.
فمن أنواع الجهاد المهم جهاد الحجة والبيان، نكافح فيه عن عقيدتنا التي تتعرض لأخطار من قبل المشركين ومن قبل المبتدعين ومن قبل الغلاة ومن قبل المرجئة.
واليوم هناك أعداء كثر ومنحرفون ومبتدعة يشنون الغارات على العقيدة، ويشككون الناس فيها، ويدعون الناس إلى عقيدة غير العقيدة الصحيحة، ويهاجمون العقيدة الصحيحة، ويهاجمون الناس حتى في مصادر التلقي، ويجعلون لهم مصادر تلقٍّ غير المصادر الشرعية، غير الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ويريدون أن ينسفوا ثوابت هذه العقيدة، وأن يجعلوا مكانها أسساً مبتدعة من عندهم.
العقيدة تتعرض لأخطار كثيرة، وواجبنا هو الدفاع والمنابذة والجهاد بالحجة والبيان، كما أن الجهاد يكون بالسيف والسنان أيضاً.
стр. 2865
العلماء هم حراس العقيدة
فحماية هذه العقيدة من العاديات؛ وكف العدوان والمعتدين من أعظم وأخطر مهمات أهل العلم والإيمان وأشرفها، ولهم في ذلك القدح المعلى والحظ الأوفى، وسيرهم مملوءة بالعبر التي كثرت فيها مصارع أهل البدعة والزندقة والكفر على أيديهم، أي: أيدي أهل العقيدة وعلمائها، حتى حصحص الحق وزهق الباطل، فلا أقوى من سلطان الحجة، ولا أسطع من نور الدليل والبرهان، وهذا من أعظم ما يمتاز به دين الله الحق، إذ هو حجة وبينة ودليل وآية وبرهان ونور وشفاء لما في الصدور، وقد تهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تغلب أبداً، فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة، لأن السيف مرة لنا ومرة علينا، وليس كذلك البرهان، بل هو لنا أبداً ودامغٌ لقول مخالفينا ومزهقٌ لهم أبداً، وربَّ قوةٍ باليد قد دمغت بالباطل حقاً كثيراً فأزهقته، وقد قتل أنبياء كثر وما غلبت حجتهم قط.
قال أحد الخلفاء وعنده السيف والسلطان: غلبة الحجة أحب إلي من غلبة القدرة؛ لأن غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.
ولذلك لو قيل: المسلمون اليوم في هزائم، لقلنا: نعم، لكن أهل التوحيد منهم في علو شأن بالحجة، لا يمكن أن يهزم الموحد المسلم صاحب العقيدة الصحيحة أحد، بل إن العامي من الموحدين يمكن أن يهزم ألفاً من علماء المشركين.
قال لنا أحد الأفاضل: إن طفلاً سمع آية من كتاب الله تتلى عن اليهود: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] والطفل عمره خمس سنوات، فلما سمع الآية قال: فمن أغناهم؟! واليهود يقولون: (يد الله مغلولة) ويقول أحدهم وهو عوفادا يوسف الحاخام الأكبر لليهود الآن: إن الله ندم على خلق الفلسطينيين، يسبون الله والرب، يسبون الإله .
لكن لا يمكن أن يأتي منهم أو من أهل العقائد الزائفة المنحرفة وأهل البدع ويغلب موحداً صاحب عقيدة صحيحة، فالغلبة دائماً لـ أهل السنة بالحجة والبيان، دائماً على مر العصور وتوالي الدهور الغلبة لـ أهل السنة.
لقد قام أهل السنة بالصدع بالحق والرد على أهل البدعة من قديم، وأهل الباطل من كفار قريش قالوا: لو شاء الله ما أشركنا، وجلسوا يجادلون في قضية المشيئة، فغلبتهم حجة أهل الإيمان، وعبد الله بن سبأ وأذنابه من اليهود الذين جاءوا بعقائد البداء والإمامة والرجعة وغير ذلك والقدرية والجبرية والمعطلة والمشبهة والجهمية أصولهم ترجع إلى اليهود فهم الذين أثاروا الفتن بين المسلمين، وهؤلاء النصارى يثيرون الشبه، وبعضهم وضع كتباً بعنوان: كيف تناقش مسلماً، والاختلاط بالأمم الأعجمية سبب إثارة شبهات، وشيوع العجمة كذلك سبب أشياء كثيرة، وكذلك ظهور علم الكلام والفلسفة من خزائن من الكتب التي كانت عند الكفار؛ فكتب المأمون إليهم لما وجد الترف، وقال: أرسلوا لنا ما عندكم من الخزائن، فامتنع ملك الكفار عن إرسالها في البداية حتى قال له واحد عنده: يا أيها الملك إن أجدادنا وقعت بينهم مقتلة عظيمة بسبب هذه الكتب ثم دفنوها وحفظوها في الخزائن، وأقفلوا عليها بالمفاتيح، فإذا أردت أن تثير على هؤلاء المسلمين شراً وتنتقم منهم فأرسل لهم خزائن كتب علم الكلام والفلسفة.
ثم قام المأمون بحركة ترجمة واسعة لهذه الكتب، وكان يعطي على الكتاب وزنه ذهباً، وانتشرت جدليات وبدع جديدة.
تصوروا أن نصير الشرك الطوسي الذي يسمى: بـ نصير الدين الطوسي -وهو بريء من اسمه واسمه منه بريء- بنى داراً تسمى دار الحكمة تدرس فيها الفلسفة وعلم الكلام؛ التي يجيد أهلها الشبهات والشكوك، وجعل للطالب في هذه المدرسة ثلاثة دراهم في اليوم، بينما صرف لأهل الحديث لكل محدث -لا كل طالب- نصف درهم.
عُربت الكتب اليونانية في حدود المائة الثانية كما قال شيخ الإسلام ﵀، ودخل على المسلمين بسببها شرٌ كبير؛ ظهرت الفرق، وظهرت البدع في أوائل هذه الأمة، الشيطان يثير وساوس وشبهاً، كل ذلك كان مدعاةً لظهور مواجهات وفتح جبهات على المسلمين قاموا بالتصدي لها.
стр. 2866
عصر الشيخين وخلوه من البدع
في عهد الصديق والفاروق ما كان أحد يتجرأ أن يتلفظ ببدعة، لأن اليد الحديدية كانت تضربه وتقمعه، كذلك كان عمر رضي الله تعالى عنه لما بلغه أن صبيغ بن عسل يجلس في المجالس ويثير الشبهات ويسأل عن متشابه القرآن، والقرآن فيه آيات قد تخفى معانيها على العامة؛ فهناك آيات تتحدث أن الكفار يوم القيامة لا ينطقون، وهناك آيات تدل أنهم يتكلمون، فيأتي يقول: هذه تقول كذا وهذه تقول كذا فكيف؟! وما هي النازعات؟ وما هي العاديات؟ ويوم القيامة يوم طويل فهو خمسون ألف سنة، في وقت يتكلم فيه الكفار، ووقت يختم على أفواههم فلا يتكلمون، وهكذا تنزل مثل هذه الآيات على حالٍ دون حال.
أول ما سمع عمر ﵁ بهذا الرجل، استدعاه وقد أعد له عمر عراجين النخل، قال: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، قال: وأنا عبد الله عمر، ثم أخذ العراجين، وأخذ يضرب بها على رأس صبيغ ضرباً متوالياً شديداً مبرحاً حتى سال الدم على وجهه ورأسه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فوالله لقد ذهب الذي كنت أجد في رأسي؛ كل الشبهات تبخرت مع هذه العقوبة وهذا الضرب، ولم يكتف بذلك بل نفاه ومنع المسلمين أن يكلموه في المنفى حتى مرض الرجل نفسياً وتأزم، وكتب إلى عمر خطاب استرحام فأذن عمر للناس أن يكلموه ويكلمهم، من كان إذاً يتجرأ أن يرفع رأسه ببدعة في عهد عمر رضي الله تعالى عنه؟ ولما دخل الضعف على المسلمين بدأت بدع القدرية وبدع الخوارج، هذه العوامل أدت إلى ظهور مناقشات ومناظرات، وقام أهل الحق يردون على أهل الباطل، وألفت الكتب وعقدت المجالس، فنريد أن نعرف كيف ندافع عن عقيدتنا، خصوصاً الآن، إذ يوجد -كما قلت لكم- أناس يريدون اللعب بثوابت الأمة ومصادر تلقي الأمة، يريدوننا أن نتحاكم إلى العقل ونترك النص، والنص إذا لم يجئ على مزاجهم نسفوه، ولو كان في صحيح البخاري، ويقومون بليِّ أعناق النصوص لتوافق ما عند الغربيين، ويضعفون أشياء صحيحة، ويصححون أشياء ضعيفة، وربما لم يأخذوا بالحديث أصلاً، وهكذا قام من يشكك بأحكام ثابتة في الشرع كالربا والحجاب وتعدد الزوجات، ويثيرون الشبهات على المسلمين، نريد أن نعرف كيف ندافع، فما هو وضع المنهج؟ وما هي الأصول؟ ما هي الآداب في المناظرة؟ وما هي الأحوال التي يمكن أن تقع فيها؟ ما هي طرق المناظرة؟ فالجهاد بالحجة والبيان قضية في غاية الأهمية، خصوصاً في هذا العصر الذي كثر فيه الرماة على العقيدة والدين وعلى المسلمين، مقالات تكتب، وأشياء تقال في الهواء والفضائيات، وأمور تثير الشبهات، ونحن لا يصح أن نسكت إطلاقاً، بل يجب أن نقوم لله بالواجب، وأن نرد، وأن نعرف كيف نرد، وأن نكون أصحاب علم وحجة وبيان وبلاغة، ويتكلم منا القادر بعلمه وبيانه، فيسكت أهل الباطل ويقمعهم، وسنعرف أمثلة كثيرة لهذا إن شاء الله من خلال هذا الدرس.
стр. 2867
المجادلة وورودها في القرآن الكريم
ذكرت مسألة المجادلة والمناظرة في قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] يوجد جهاد لكن بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] الرسل من وظيفتهم محاجة الكفار، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [هود:٣٢] قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
وهكذا قام الأنبياء بواجب المجادلة بالحسنى والدفاع عن العقيدة، هذا إبراهيم يدافع عن عقيدته في الله وأنه يحيي ويميت، ويرغم أنف النمرود ويسكته، وينتقل من موضوع إلى موضوع إفحاماً له.
стр. 2868
نقاش منكري البعث
الله علمنا في القرآن كيف نناقش، وضرب لنا أمثلة في نقاش منكري البعث فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ [يس:٧٧ - ٧٨] أخذ عظمة ففتتها، وقال: أيستطيع ربك أن يحيي هذا؟ ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] لما خلقناه من العدم، ما هو الأصعب: الخلق من العدم أو الإحياء بعد الموت؟ الخلق من العدم هو الأصعب، ولكن الله لا يصعب عليه هذا ولا هذا، وإذا كان قادراً على الإيجاد من العدم، فهو من باب أولى يحيى العظام وهي رميم، قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩].
وضرب مثلاً آخر في نقاش منكري البعث فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنْ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٨٠ - ٨٣].
стр. 2869
ادعاءات اليهود والنصارى حول ديانة إبراهيم والرد عليهم
وذكر لنا نقاشات لأهل الكتاب كان اليهود يقولون: إبراهيم يهودي، وكانت النصارى تقول: إبراهيم نصراني، فقال الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٦٥] ولما كل فريق يدعيه لنفسه، انظر الحجة الدامغة: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:٦٥] فما كان هناك يهودية ويهود وتوراة إلا بعد إبراهيم، والإنجيل كذلك بعد إبراهيم.
انظر الحجة بالتاريخ، جادلهم بالتاريخ ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ كيف تدَّعون أن إبراهيم لكم؟ كيف يصير إبراهيم يهودياً أو نصرانياً والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده؟ واليهودية والنصرانية ما ظهرت إلا من بعده؟!! ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٧ - ٦٨].
стр. 2870
تقول المشركين حول مصدرية القرآن والرد عليهم
لما قال المشركون بـ مكة: لقد عرفنا من أين أتى محمد ﷺ بالقرآن، إنما يعلمه بشر، رأيناه يذهب إلى نجار رومي بـ مكة، فهذا النصراني هو الذي يعلمه ويلقنه، فالله دمغهم بالحجة وقال في كتابه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] النجار النصراني الرومي الذي لا يحسن العربية يعلم محمداً ﷺ قرآناً عربياً فصيحاً بليغاً في منتهى البلاغة؟! كيف؟! فدمغهم بالحجة.
стр. 2871
الرد على الذين حرموا ما رزقهم الله من الأنعام
وكذلك فإنه أخبر مثلاً في مناقشة المشركين الذين ابتدعوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، أول مولود للناقة لا نأكله ولا نذبحه ولا نشرب من لبنه ولا نركب ظهره ولا نستعمله، فهو محرم، قال وهو يدمغهم بالحجة: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام:١٤٣] نحن نعرف أن الضأن اثنان والماعز اثنان، والبقر اثنان والإبل اثنان، كل واحد من الأصناف الأربعة فيه ذكر وأنثى، فيكون المجموع من الأزواج ثمانية سبحان الله! انظروا إلى الحجة البالغة، فلله الحجة البالغة، وهذا ليس كلام بشر يناقش المشركين، هذا كلام الله، كيف يقيم ربنا الحجة على المشركين؟ لما حرموا هذه الأشياء على غير دليل ولا برهان، قال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ﴾ [الأنعام:١٤٣ - ١٤٤] هذا الاحتمال الثالث: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:١٤٤].
هذه طريقة السبر والتقسيم كما يسميها العلماء، فالله خلق من كل زوجٍ ذكراً وأنثى، فلم حرمتم يا أيها العرب ويا كفار الجاهلية هذا المولود المعين؟! لماذا حرمتوه؟! ألأنه ذكر أم لأنه أنثى أم لأنه ذكر وأنثى؟! أنت تقول يا أيها المشرك العربي: إن أول بطن للناقة لا نستعمله إطلاقا، ً فلماذا؟ ألأنه ذكر أم لأنه أنثى أم لأن في بطن الناقة ذكراً وأنثى أم أن لديك دليلاً من رب العالمين على التحريم؟! ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام:١٤٤] إذا كانت العلة في التحريم عندكم هي الذكورية، فحرموا كل الذكور، لماذا تحرمون أول نتاج فقط؟! وإذا كانت العلة هي الأنوثة، فحرموا كل الإناث، وإذا كانت العلة أنهما جميعاً، فحرموا الزوجين كليهما، وإذا كان عندكم من الله دليل على التحريم فهاتوه: ((أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام:١٤٤] فماذا يملكون إلا الاستسلام أمام الحجج الدامغة!
стр. 2872
الرد على اليهود في مسألة القربان
يبين لنا في كتابه العزيز تناقض هؤلاء، مثل نقاش اليهود الذي قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران:٨٣] لماذا يا يهود المدينة لا تؤمنون بمحمد ﷺ ؟ قالوا: ما جاء بقربان تأكله النار، ونحن عندنا في كتابنا المقدس أن النبي يأتي بقربان فتنزل نار من السماء تأكله فنعرف أنه نبي، وهو لم يأت بذلك، فما هو الرد؟ قال الله : ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران:١٨٣] جاءت نار وأكلت القرابين ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] هناك أنبياء من قبلي جاءوا بالذي تقولون وتصفون وتشترطون، لكنكم قتلتموهم: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:١٨٣] هذا يدل على أنكم لا تريدون الإيمان، وأن الحجة التي أتيتم بها حجة تافهة، فقد قتلتم من جاء بهذا الوصف الذي ذكرتموه.
стр. 2873
الرد على الدهرية الذين ينكرون الخالق
وانظر إلى نقاش القرآن للمنحرفين عن العقيدة، الزائغين الظالمين المشركين الذين ينكرون الخالق، وانظر كيف يحاصرهم بأسلوب عجيب: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٤٣] أنت يا أيها المنكر لله كيف وجدت؟ خلقت نفسك؟! جئت من العدم هكذا من غير أي موجد؟! ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ [الطور:٣٥] أم أنت الذي خلقت نفسك؟! فما بال السماوات والأرض أأنت خلقتها أيضاً؟! يحاصر الملحد فعلاً فلا يستطيع أن يجيب، إذ ليس عنده حجة، فيستسلم رغم أنفه.
وكان من حكمة النبي ﵊ في الدعوة أنه حبس أسرى بدر بقرب المسجد يستمعون القرآن، فلما سمع جبير بن مطعم هذه الآيات: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٧] فلما سمع سورة الطور بجمال صوت النبي ﵊، قال: (كاد قلبي أن يطير) رواه البخاري.
стр. 2874
محاجة المشركين
قال تعالى محاجاً من يشركون به: ﴿أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢١ - ٢٣].
لو كان هناك أكثر من إله في العالم مثلما يقول الآن المجوس وغيرهم -عندهم عدة آلهة- فماذا كان سيحدث في السماوات والأرض؟ ستفسد وتضطرب، هذا يقول: أنا أحرك الساكن، وهذا يقول: أنا أسكن المتحرك، وهذا يقول: أنزلوا المطر هنا، وهذا يقول: لا بل أنزلوه هنا، وهكذا ستفسد السماوات والأرض.
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] وصارت حروب بينهم ومنافسات عظيمة: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون:٩١ - ٩٢] فلو فرض وجود صانعين متكافئين لفسد العالم، ولو كان واحد أقوى من غيره، فهو الرب والبقية ليست آلهة: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٤٢ - ٤٣] فلو كان يوجد آلهة أخرى، لكانت لجأت إليهم ﴿إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٤٢] وهذا من طرق المناظرة، يقول: لنفرض أن كذا وكذا قد تحقق فماذا كان سيحدث؟ سيحدث كذا وكذا، فيظل الشرك ممتنعاً.
وكذلك فإنه قرر المشركين بتوحيد الألوهية عن طريق توحيد الربوبية: ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩].
تعبدون اللات والعزى وهبل ومناة، تعبدون الأصنام والأحجار والأشجار، وربكم خالق السماوات والأرض؟! بالربوبية يستدل على الألوهية ويفرضها عليهم ويلزمهم بها: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧] ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام:١٠١ - ١٠٢] لماذا تشركون به؟
стр. 2875
الرد على اليهود في زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه
هناك تحد عجيب في القرآن لليهود على قضية أفحموا منها إفحاماً عجيباً، ماذا قال اليهود؟ قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ؛ وإذا متنا فسيدخلنا الله الجنة، هذا زعم اليهود، يقولون: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه، والجنة لنا وأنتم في النار، والذين يدخلون الجنة هم اليهود فقط، فقال تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٩٤] يا يهود تمنوا الموت إن كنتم صادقين.
ثم أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥] فهم ظلمة كفرة فجرة فسقة، كيف يتمنون الموت والحياة كل همهم وكل أملهم، وهم يعرفون أنهم بعد الموت سينتقلون إلى عذاب النار؟! وقال عنهم في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦] ثم قال الله: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٧] ولذلك قال ابن عباس ﵁: [لو تمنى يهود الموت لماتوا] كما جاء في الحديث الصحيح عنه ﵁، قال: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، لكنهم لا يتمنونه أبداً، وإلى الآن يزعمون أنهم أحباب الله، ولا يمكن أن يتمنوا الموت إطلاقاً.
وقال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١] أماني كاذبة ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:١١١].
وهكذا استمرت الآيات في جدال هؤلاء وإفحامهم ودمغهم بالحجج البينات والرد عليهم، وفي ادعائهم أن لله ولداً وأن له صاحبة، وقام أنبياء الله يجادلون الكفار.
فهذا موسى يجادل فرعون قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:١٠٤] فماذا كان رد فرعون؟ ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف:١٠٦ - ١٠٨].
وكان المفترض في فرعون أن يستسلم، ويقول: إني اقتنعت لأني رأيت أشياء ما يقدر عليها البشر، فهي آيات من رب العالمين، لكنه ظل يجادل في الله ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] أعاده موسى إلى حلبة الصراع ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] لماذا لم يقل موسى: ربنا الله؟ بل قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؛ أي: يا فرعون أنت لا تخلق ولا تهدي المخلوقات، والله يخلق وأنت لا تخلق فكيف تكون إلهاً؟ وفرعون مرة ثانية يحول الموجة ويريد أن يخرج من المأزق، يقول: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ [طه:٥١] فما دخل القرون الأولى، نحن نناقشك حول ادعائك للألوهية أنت تقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وتقول: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] وتقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فنقاشنا معك في هذه القضية فلماذا تزوغ وتروغ، وتقول: فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى؟! أعاده موسى إلى الحلبة مرة أخرى، انظر سبحان الله! كيف يكون استخدام الحجج؛ الأنبياء مؤيدون من الله، فلا تضييع وقت ولا لف ولا دوران، مرة ثانية بقوة يقول موسى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] يقول له: أنت يا فرعون لا تعرف لكن الرب الإله يعرف من خلق ويعرف الأول والآخر والمتقدم والمتأخر كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر:٢٤] كلهم علمهم في كتابٍ لا يضل ربي ولا ينسى.
هكذا أفحمه ودمغه، وجحد فرعون ولم يذعن وهو مستيقن بالحق، قال تعالى حاكياً لنا ذلك عن موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] في البداية كان الكلام ليناً كما أمره الله هو وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ [طه:٤٤] لكن بعد ذلك لما تولى فرعون قال له موسى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء:١٠٢] أي: هالكاً، وهدده بعذاب الله .
وحكى الله لنا كيف يحيد فرعون عن النقاش: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء:١٨] ما دخل هذا في النقاش؟ النقاش الآن في الربوبية، وفرعون يعدد صنائعه مع موسى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩] وعملت لك جريمة وقتلت وهربت.
فرد موسى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠] قبل أن يهديني ربي فعلتها، تلومني على شيء قبل الهداية، ثم تقول: أعطيناك ملابس وتمراً وأعطيناك أكلاً وشرباً وأعطيناك: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الشعراء:٢٢] يعني: تمنُّ علي لأنك أطعمت واحداً وكسوته، وشربت واحداً، وأذللت أمةً بأسرها؛ تقتل أبناءهم وتستحيي نساءهم وتجعلهم عبيداً وتذلهم، وتمنُّ على واحد، فهل هذه نعمة تمنها علي أن عبدت قومي كلهم وأذللتهم، أهذه مِنَّة يا فرعون؟! وهكذا لم يجد عدو الله مهرباً، والمغلوب ماله إلا استعمال البطش، وتلك حيلة العاجز، فهزم فرعون هزيمة شنيعة في المناظرة.
следующие страницы →