Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
إنكار المنكر
رجل العقيدة يعمل على إنكار المنكر؛ وهذه نقطة مهمة جداً، وما وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه إلا بسبب قيام البعض بفعل المنكر، وقيام آخرين بالسكوت عنهم، وقيام فريق ثالث بإنكاره إنكاراً خاطئاً، فحدث الشر والفساد.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يبدأ بالأهم فالأقل أهمية في الإنكار، ويُقدم الأمر بفعل الواجبات على النهي عن المحرمات إذا استوى الواجب والمحرم، وإلا فإنه يبدأ بالأعلى رتبة، والأكثر خطراً، والأعلى شراً وأشد انتشاراً بين الناس، وهو كذلك يتدرج في الإنكار يداً ولساناً، وإنكاره بقلبه لا يفارق جميع الحالات.
يجب على الإنسان أن يفارق المجلس إن لم يستطع الإنكار، ولا يأمر بمعروف إذا علم أنه سيؤدي إلى منكر أكبر منه، ولا يأمر بمعروف إذا كان سيؤدي إلى فوات معروف أكبر منه، ولا ينهى عن منكر إذا كان سيؤدي إلى منكر أكبر منه، ولا ينهى عن منكر إذا كان سيؤدي إلى فوات معروف أكبر منه، وتفصيل هذه الحالات وغيرها في محاضرة بعنوان: (ضوابط في إنكار المنكر).
وهو صاحب هيبة بين أهل المنكر، ولو رأوه لهابوه، عن سعيد بن جبير قال: مرَّ ابن عمر ﵁ بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه بالنبل، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: (من فعل هذا؟ إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضه).
ورجل العقيدة يهتم بإنكار المنكر حتى آخر لحظة من حياته، ألم تر أن عمر ﵁ نهى ذلك الشاب المسبل عن الإسبال وهو على فراش الموت، فقال: [يا بن أخي! ارفع ثوبك؛ فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك].
وأوصى أبو موسى ﵁ حين حضره الموت، فقال: [إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تجعلون على لحدي شيئاً يحول بيني وبين التراب، ولا تجعلون على قبري بناءً، وأشهدكم أني بريءٌ من كل حالقة، أو سالقة، أو خارقة، قالوا: سمعت فيها شيئاً؟ قال: نعم.
من رسول الله ﷺ ].
ورجل العقيدة يُضحي بنفسه في سبيل الدين؛ لأن هذا الدين لا يقوم بغير تضحيات، وبعض القاعدين الكسالى، يظنون أن الدين سيقوم بمجرد التعلم النظري لهذا الدين، حتى لو لم يؤدوا إليه أي خدمة أو لم يضحوا في سبيل الدين بأي شيء؛ وهذا خطأ.
стр. 3047
الدعوة إلى عقيدة أهل السنة والجماعة
أريد أن أنبه -أيها الإخوة- بهذه المناسبة على مسألة مهمة: بعض الإخوان الصالحين الطيبين الذين يعتقدون عقيدة أهل السنة والجماعة، ويدينون الله بها يظنون أن مجرد الاعتقاد بعقيدة أهل السنة كافٍ في نُصرة الإسلام؛ لأن الله سينصر الطائفة المنصورة وينجيها، ولكن مجرد الاعتقاد بعقيدة أهل السنة والجماعة من غير محاولة لنشر العقيدة ومقارعة أهل البدع والإجرام بها، والتضحية في سبيل الله بالنفس والمال والوقت والجهد لن يؤد إلى النصر؛ لأن لله سنناً في الكون لا تتخلف، ورسول الله ﷺ طريقته معروفة: آمن واعتقد، وعلَّم أصحابه العقيدة، ثم دعا إليها، وجاهد في سبيلها، وصبر في سبيل ذلك، وظل يبحث عن مواطن جديدة للدعوة، وأخرج أصحاباً له إلى الحبشة وخرج هو إلى الطائف، ثم ذهب إلى المدينة وفُتحت المدينة بالقرآن ولم تُفتح بالسيف.
والقرآن مليء بالآيات الدالة على العمل، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة:٢٥].
إذاً: فمجرد الاعتقاد لا يكفي، وإنما يجب العمل.
عن أبي برزة ﵁: (أن النبي ﷺ : كان في مغزىً له، فأفاء الله عليه -غَنِمْ- فقال لأصحابه: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نعم.
فلان وفلان وفلان، ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا.
قال: لكني أفقد جليبيباً فاطلبوه، فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قتلهم ثم قتلوه، فأتى النبي ﷺ فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه، قالها مرتين أو ثلاثاً، ثم قال بذراعيه هكذا فبسطهما، قال: فوضعه على ساعديه ليس له سرير إلا ذراعي أو ساعدي النبي ﷺ ، قال: فحفر له ووضعه في قبره ولم يذكر غسله).
حديث صحيح.
جليبيب قتل سبعة في سبيل ماذا؟ ثم قتل في سبيل ماذا؟ عن خباب بن الأرت ﵁ قال: [هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأحذ من أجره شيئاً، منهم: مصعب بن عمير].
مصعب بن عمير ماذا حصل له؟ مصعب بن عمير أسلم مع الرسول ﷺ في مكة، وجاهد والديه، وجاهد المجتمع، وأوذي في سبيل الله وناله من الأذى شيئاً كثيراً، ثم يُهاجر مصعب إلى المدينة بسبب اختيار الرسول ﷺ له، وذلك لميزات في شخصيته، فكان سفره من أقوى الأسباب التي أدت إلى انتشار الإسلام في المدينة، وقد أسلم على يديه سادات الأنصار، ثم يخرج في معركة بدر ويقاتل، ويخرج في معركة أحد ويحمل اللواء، فيُقتل ﵁.
ماذا جاءه من نعيم الدنيا؟ لما مات ياسر وقتلت زوجته أم عمار ماذا نالت من الدنيا؟ ماذا نالت من المغانم؟ لا شيء، مات هؤلاء في مقتبل الأمر مات هؤلاء والمسلمون في مرحلة استضعاف، ضحوا ولم يروا نتائج التضحية، بعض المسلمين يستعجلون يريدون أن يروا نتائج العمل في أقرب وقت.
يا أخي! ربما لا ترى النتيجة إلا بعد أجيال وربما لا تراها أنت أصلاً، ربما لا يراها إلا حفيدك أو حفيد حفيدك، وماذا يُضِيرك لو تعمل للإسلام؟ ولو رأى غيرك النتيجة؛ لأنك لست مكلفاً إلا بالعمل (قتل مصعب يوم أحد فلم يُوجد له شيء إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال رسول الله ﷺ : ضعوها على رأسه واجعلوا على رجليه الإذخر، ومنا من أينعت ثمرته فهو يهدبها).
لكن الصحابة حتى بعد أن فُتح عليهم وجاءتهم الأموال، يجلس الواحد منهم يحاسب نفسه ويبكي ويقوم ويترك طعام الإفطار، يقول: ومنا من أينعت ثمرته، هو الآن يتنعم، يحاسب نفسه فيبكي ويقوم ويترك طعام الإفطار.
стр. 3048
التضحية في سبيل هذه العقيدة
رجل العقيدة إذا عمل في سبيل نصرة الدين وضحى بنفسه لا يريد بذلك متاعاً دنيوياً، ويُصّر على ألا يأخذ متاعاً دنيوياً، عن شداد بن الهاد قال: (أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي ﷺ بعض أصحابه ليعينوه ويكفلوه ويربوه ويعلموه -أعرابي- فلما كانت غزوة خيبر غنم النبي ﷺ فيها شيئاً فقسمه، وقسم له -لهذا الأعرابي، ولم يكن موجوداً وقت القسمة؛ لأنه كان يرعى ظهور المسلمين- فأعطى الرسول ﷺ نصيب الأعرابي لأصحابه، فلما جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا المال؟ فقالوا: قَسَمَ لك النبي ﷺ فأخذه فجاء به إلى النبي ﷺ ، فقال: ما هذا؟ فقال: قسمته لك، قال: ما على هذا تبعتك؟ ولكن تبعتك على أن أُرمى هاهنا -وأشار إلى حلقه بسهم- فأموت فأدخل الجنة، فقال الرسول ﷺ : إن تصدق الله يصدقك، فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي ﷺ وهو محمول وقد أصابه سهم حيث أشار -بعد المعركة- فقال النبي ﷺ : أهو هو؟ قالوا: نعم.
قال: صدق الله فصدقه، ثم كفنه النبي ﷺ في جبته، ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك، خرج مهاجراً في سبيلك، فقتل شهيداً وأنا شهيدٌ على ذلك) والأحاديث الماضية صحيحة.
стр. 3049
معرفة الواقع
ومن سمات رجل العقيدة كذلك: أنه يعي الواقع جيداً، ويُلم به، وأنه رجل يعيش عصره لا يعيش متقوقعاً لا يعلم ماذا يحدث في بلاد المسلمين، وما هي التيارات التي تخترق مجتمعات المسلمين؟ إن لديه إلماماً بالتيارات التي تواجه المسلمين بأخطارها، مثل: التيارات الإلحادية الصريحة كـ الشيوعية والقومية وغيرها، وكذلك تيارات الباطنيين كـ القاديانية والبهائية وغيرها، وتيارات القوميين والعلمانيين الذين قال بعض قادتهم:
سلام على كفر يوحد بيننا وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
هؤلاء الذين لا يرفض بعضهم الإسلام صراحة، ولكنهم يجعلونه ضمن دوائر خاصة يجعلونه جزءاً من التراث بحيث يشمل كل الفلسفات والأفكار والتقاليد والنظم مما قبل الإسلام أو بعده، سواء كان موافقاً للإسلام أو مخالفاً له، يريدون أن يحصروا الدين في الشعائر التعبدية والأحوال الشخصية، والتزام الفرد بالأخلاق والآداب فقط.
وكذلك يدركون تيارات التبشير النصراني، وعبادة الفرد من دون الله، ويدركون جيداً تيارات أهل البدع من أهل الاعتزال والكلام، وأخطر من يواجه المسلمين في هذا العصر من أهل البدع من جهة العقيدة غير النصارى والعلمانيين والناس الذين ذكرناهم فيما سبق، الصوفية بفرقها، والأشاعرة من ناحية الامتداد والتمركز، وذلك من خلال جامعاتهم في العالم الإسلامي، ودروس مشايخهم وطبع كتبهم وتقريرها وتوفيرها والترابط بين مذاهبهم.
ورجل العقيدة علمه بالواقع يُؤدي إلى عِظم شعوره بالمسئولية تجاه الواقع.
ما فائدة المعرفة بالواقع؟ إنه يؤدي إلى الشعور بالمسئولية للتغيير، ويعلم بأن هناك أكثر من ألفي مليون من البشر يعبدون آلهة وثنية من دون الله، ويعلم بأن هناك أكثر من ستمائة مليون إنسان في الهند يُقدسون البقر، ويقولون: نموت فداءً للبقر، ويعلم بـ الشيوعية وأهدافها وأحزابها ودولها وهيئاتها التي تعمل ليكون العالم كله شيوعياً، ويعلمون عن اليهود وعقائدهم الذين أخبر القرآن عنهم أنهم سبوا الله، فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤].
وهم الذين قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت.
وهم الذين يقولون: إذا احتدم الخلاف بين الله والحاخاميين فإن الحق مع الحاخاميين.
وهم الذين يقولون: إن الأديان بغير اليهود كلاب، يحل غشهم والمنافقة معهم عند اللزوم.
ويعلم رجل العقيدة بمؤامرات اليهود في العالم، وكيف تنطلق أنشطتهم من البنوك والمصارف والاحتكار والمسارح والسينما والمطابع، ودور النشر التي تُصدر كتبهم وصحفهم ومجلاتهم، ويعلم بأن الغرب مشتغل بعبادة المال وتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات والتمييز العنصري، وأن الغرب تنتشر فيه تيارات الهيدية والسادية واللواط وعبادة الشيطان، وأن أولئك الكفار لا يعلمون شيئاً اسمه الخوف من الله، وأن الحضارة الغربية والتقدم العلمي ما هو إلا من قول الله عزوجل: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] وصدق من قال: لقد تعلم الإنسان كيف يطير في الهواء ولكنه لا يدري كيف يمشي على الأرض.
ورجل العقيدة: يعلم بوعيه أن هناك مؤامرات تُدبر في بلاد المسلمين ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، ويعلم مثالاً جيداً من سيرة رسول الله ﷺ في أولئك المنافقين الذين بنوا مسجداً ليكون ظاهر الأمر أمام المسلمين أنه شيء طيب، ولكنه في الحقيقة يخفي وراءه عذاباً ونكالاً ومؤامرة على المسلمين.
ولذلك يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:١٠٧ - ١١٠].
ولذلك أمر الرسول ﷺ بهدمه وحرقه مع أنه مسجد حتى قال بعض السلف: "فهو الآن مزبلة"؛ لأن هذه المؤامرات وهذه الدسائس لا تنطلي على الرسول ﷺ وأصحابه، وليس كل شيء ظاهره الطيبة أنه خير للمسلمين، بل إنه قد يكون وراءه شر مستطير، والمسلم ينفذ بعين بصيرته ما وراء تلك الجدران فيعلم ماذا يدور؟ وماذا يخبأ للمسلمين؟ وقازان الذي انتحل شخصية رجل الدين، وجاء معه بإمام وقاضٍ ومؤذن، لم ينطل أمره على شيخ الإسلام ابن تيمية لأنه وعى الأمر على حقيقته، وفتوى شيخ الإسلام في قتال التتر معروفة، وفي العصر الحديث جاء نابليون إلى مصر، فلبس الجبة، وحضر مجالس العلماء، وصلى في الأزهر، وأفطروا على مائدته، وانطلى أمره على كثير من المسلمين.
стр. 3050
تقدير الأمور ومعرفة أنها مسئولية
ورجل العقيدة يُقدر الأمور ويُقدر أنها مسئولية، ويعرف ثِقل التبعات، ويقف عندما يحس بأن المسألة تحتاج للاستعداد، عن أنس ﵁ قال: (أن رسول الله ﷺ أخذ سيفاً يوم أحد فقال: من يأخذ مني هذا؟ فبسطوا أيديهم وكل إنسان منهم يقول: أنا أنا، قال: فمن يأخذه بحقه؟ فأحجم القوم، فقال سماك بن خرش أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، قال: فأخذه ففلق به هام المشركين) رواه مسلم.
وفي المواقف الصعبة يظهر دور رجل العقيدة في تثبيت الناس، ويظهر دور تلك الشخصيات العظيمة في إشاعة أجواء الإيمان والطمأنينة في جنبات تلك النفوس المزلزلة، وهذا أبو بكر الصديق ﵁ صار ملجأ الناس لما تزلزلوا عند موت رسول الله ﷺ ، وكشفت تلك الحادثة عن قدرة الرجل وإيمانه وعلمه، قام بدور لم يقم به بقية الصحابة، فتشهد أبو بكر فمال إليه الناس وتركوا عمر، فقال: [أما بعد من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، قال: والله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها] في طرق المدينة وهم خارجون كأنهم لم يشعروا أن الآية نزلت إلا في ذلك الوقت، مع أنها نزلت من قبل، وهكذا كان دور الإمام أحمد ﵀ في تثبيت الناس يوم المحنة.
стр. 3051
تثبيت النفس والغير
رجل العقيدة يثبت نفسه، ويثبت غيره حتى اللحظات الأخيرة من حياته، لما حُمل الإمام أحمد ومحمد بن نوح رحمهما الله، قال الإمام أحمد بعد ذلك يحدث عن الموقف: ما رأيت أحداً على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أنه قد خُتم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله! الله الله إنك لست مثلي، أنت رجل يُقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، فمات وفُك قيده وغسله الإمام أحمد، وصلى عليه ودفنه يرحمه الله.
إذاً: هذا دور طالب العلم مع العالم، محمد بن نوح ماذا كان بالنسبة للإمام أحمد؟ علمه قليل، وسنه صغير، أين دور طلبة اليوم مع العلماء في تثبيتهم وتوعيتهم، وإمدادهم بالمعلومات عن الواقع، إن طلبة العلم قد يكونون في تقصير عظيم تجاه العلماء.
فالله الله يا طلبة العلم بالقيام بأدواركم مع علمائكم، وانظروا إلى دور الرجل الذي يثبت الآخرين في كلام ابن القيم ﵀ عن شيخه: وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله عنا، وينقلب انشراحاً وقوةً ويقيناً وطمأنينة، فسبحان الله من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها.
إذا ضاق الأمر بتلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وكاد لهم أهل البدعة ضاقت عليهم الأمور، فكانوا يأتون شيخهم، ما أن يسمعوا كلامه حتى يزول الهم والغم وينقلب انشراحاً وطمأنينة.
стр. 3052
الدعوة إلى الله
رجل العقيدة داعية إلى الله عزوجل أينما حل وارتحل، في كل مكان ينشر العقيدة، وهؤلاء رجال العقيدة الذين يدعون إلى الله، يدعون الناس سراً وجهاراً وليلاً ونهاراً، بشتى الأساليب وشتى الأزمان، إن أحدهم كان يقطع البلاد من بلد إلى بلد ومن قرية إلى قرية في عشرين يوماً، وفي بعض الأحيان يُصبح في بلد ويتغدى في آخر، ويمسي في ثالث وينام في رابع؛ وينام ساعة أو بعض ساعة في اليوم الواحد، وأصحابه يتحدثون حوله.
إن رجل العقيدة يدعو إلى الله في كل وقت حتى لو كان في السجن انظروا إلى يوسف ﵇: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩].
وانظر إلى دور الإمام أحمد في السجن وكذلك ابن تيمية وغيرهم، حتى أن بعض المساجين ممن قد انتهت مدتهم كانوا يختارون البقاء في السجن مع أولئك العلماء القدوات من رجال العقيدة ليواصلوا تعلمهم.
ورجل العقيدة: يكون حيث تكون المصلحة لا يتطلع إلى أشياء من الدنيا، ويقول: ضعوني هنا ولا يُعجبني هذا المكان، إنه يكون حيث تكون مصلحة الإسلام (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة).
قال ابن كثير ﵀ في البداية: "كتب الصديق إلى عمرو بن العاص يستنفره إلى الشام، فقال له: إني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاك رسول الله ﷺ وسماه لك مرة، وقد أحببت يا أبا عبد الله أن أفرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك، إلا أن يكون ما أنت فيه هو أحب إليك".
انظر الأسلوب التربوي في تحويل الأشخاص من مكان إلى آخر، فماذا قال عمرو بن العاص؟ "كتب إلى أبي بكر: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت عبد الله الرامي بها والجامع لها، فانظر أشدها وأخشاها فارم بي فيها".
أي: ضعني حيث تريد فأنا مستعد أن أعمل، وبعض الناس كونه يوجد في هذا المكان ويسد هذه الثغرة يعترض ويقول: لا أريد أن أكون فيها، لأن هذه الثغرة ما فيها إلا قلة، ولا يوجد أحد يعرفني فيها ولا يحترمني، فأنا أريد أن أكون هناك حيث تشرأب إليَّ الأعناق، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 3053
استغلال الطاقات والمواهب في خدمة الدين
ورجل العقيدة يستغل طاقاته ومواهبه في خدمة الدين.
أيها الإخوة! إن الله يحاسب الناس على قدر طاقاتهم، فالله لا يحاسب الذكي مثل البليد، ولا يحاسب القوي مثل الضعيف، ولا يحاسب الشاب مثل الكهل الكبير، ولا يحاسب صاحب النفوذ والسلطان مثل الرجل المسلوب السلطان الذي ليس له قوة، ولا يحاسب الرجل الذي عنده قدرة على التداخل في نفوس الناس وإيصال الإيمان والدعوة إليهم، مثل الرجل الذي ليست عنده تلك القدرة انظر إلى مصعب بن عمير كيف استغل ذلك؟! ورجل العقيدة يستغل منصبه ونفوذه وسلطانه في دعم الدين انظر إلى عمر بن عبد العزيز، وحتى إذا آتاه الله موهبة قرض الشعر فإنه يكتب الشعر لينافح عن دين الله عزوجل، ويهتك أستار أهل الباطل انظر إلى حسان ﵀.
وإليك -يا أخي- هذا المثال العظيم الذي سطَّره التاريخ الإسلامي لرجلٍ من رجال العقيدة استغل موهبته في خدمة الدين، قال القاضي ابن شداد ﵀ في سيرة صلاح الدين الأيوبي في إحدى الوقعات يقول: ومن نوادر هذه الوقعة ومحاسنها أن عَوّاماً مسلماً يقال له: عيسى كان يدخل إلى البلد بالكتب والنفقات على وسطه ليلاً على غرة من العدو، وكانت بلاد المسلمين محاصرة، فكان يغوص ويخرج من الجانب الآخر من مراكب العدو رجل من المسلمين ليست عنده موهبة إلا القدرة على الغطس والعوم، فكان يستغل قدرته على الغطس والعوم في أن ينزل قبل مراكب العدو بمسافة ومعه هذه الأحمال إلى البلد المحاصرة، وكان ذات ليلة قد شد على وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينار، وكتب للعسكر، وعام في البحر، فجرى عليه من أهلكه ومات هذا العوّام، وأبطأ خبره، فاستشعر الناس هلاكه، وبينما الناس على طرف البحر في البلد وإذا البحر قد قذف إليهم ميتاً غريقاً، فرأوه فإذا هو عيسى العوام، ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب، وكان الذهب نفقة للمجاهدين، فما رُؤي من أدى الأمانة في حال حياته -وقد أداها بعد وفاته- مثل هذا الرجل، وكان ذلك في العشرة الأيام الأخيرة من شهر رجب.
رجل العقيدة يعمل ولو كان غير معروف، ولو كان يجهله الناس، ولكنه يعمل لا يبتغي الشهرة أو المعرفة أو يُشار إليه بالبنان، قال ابن كثير في البداية: ولما أُخبر عمر بمقتل النعمان بكى، وسأل عمن قتل من المسلمين؟ فقال: فلان وفلان وفلان، ثم قال: وآخرون من أصناف الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين من البلاد المتفرقة والقبائل المتفرقة، فجعل عمر ﵁ يبكي، ويقول: [ما ضرهم ألا يعرفهم أمير المؤمنين، لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم الله بالشهادة وما يصنعون بمعرفة عمر].
رجل العقيدة إذا تعرض لاستمالة من قبل أهل الضلال، فإنه يأبى أن يترك الصف الإسلامي وينحاز إلى صفوف أهل الفجور والبدعة والمعاصي الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وأنت تسمع قصة كعب بن مالك وترى عظمة ذلك الصحابي ﵁، لما فاضت عيناه؛ لأن الناس ما كلموه بناءً على أمر الرسول ﷺ ، يقول كعب: [فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، فإذا بنبطي من نبطي أهل الشام يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون إليّ حتى جاءني، فدفع إليَّ كتاباً من ملك غسان، وكنت كاتباً، فقرأته فإذا فيه: أما بعد! فإنا قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسيك قال: فقلت حين قرأتها -النفوس لا تظهر إلا عند مواضع الاحتكاك والفتنة؛ وهنا تظهر المعادن- وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور وسجرته بها].
رجل العقيدة صاحب نفس طويل في متابعة المهمات انظر إلى سلمة بن الأكوع ﵀ ورضي الله عنه وأرضاه، بايع رسول الله ﷺ في غزوة الحديبية ثلاث مرات، ولما نادى منادي المسلمين: يا للمهاجرين في الغزوة بعد الصلح قفز فجأة، لأن الحال خطير، فوجد أربعة من المشركين فألقى القبض عليهم وأخذ أسلحتهم وجاء يقودهم إلى الرسول ﷺ رجل واحد يأسر أربعة فجأة وفي طريق الرجوع أراد الرسول ﷺ أن يصعد أحد الصحابة إلى الجبل المرتفع ليكون الطليعة فينظر هل وراء الجبل أحد من المشركين، فصعده سلمة ﵁ مرتين.
ولما قدموا المدينة أغار أناس على إبل رسول الله ﷺ فقتلوا الراعي وأخذوا الإبل، واستُنفر الناس، فكان أول رجل نفر هو سلمة بن الأكوع فجرى سلمة وراءهم وانتزع إبل رسول الله ﷺ واحداً واحداً وانتزع منهم كذلك متاعاً لهم، وظل يطاردهم بالنبل وجرحهم وأجلاهم عن الماء وتركهم عطاشى حتى وصل فرسان الرسول ﷺ ، فأخذوا المال كله، وهو في الرجوع جاء رجل وقال: من يسابق إلى المدينة؟ فسابقه سلمة ﵁ إلى المدينة فسبقه.
كل هذا فعله في فترة واحدة، أشياء متتابعة تأخذ مجهوداً، لكن رجل العقيدة لا يعرف الكلل والملل، بل إنه لا يعرف إلا المتابعة والاستمرارية في العمل.
стр. 3054
الاهتمام بضعفاء المسلمين ومساكينهم
رجل العقيدة يهتم بضعفاء المسلمين وعوامهم، عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، أن رسول الله ﷺ كان يعود مرضى مساكين المسلمين وضعفائهم، ويتبع جنائزهم، ولا يُصلي عليهم غيره، وإن امرأة مسكينة من أهل العوالي طال سقمها، فكان رسول الله ﷺ يسأل من حضرها من جيرانها، وأمرهم إذا ماتت ألا يدفنوها إن حدث بها حدث حتى يأتي ويصلي عليها، فتوفيت تلك المرأة ليلاً فاحتملوها وأتوا بها إلى مكان الجنائز، فأخبروا رسول الله ﷺ ليصلي عليها فوجدوه نائماً، فما أحبوا أن يزعجوه من الليل، فصلوا عليها ودفنوها، ولما علم ﵊ صباح اليوم الثاني، قال: لم فعلتم؟ انطلقوا، فانطلقوا مع رسول الله ﷺ حتى قاموا على قبرها، فصفوا وراء رسول الله ﷺ كما يصف لصلاة الجنازة، فصلى عليها ﷺ .
إذاً: الرسول ﷺ اهتم بامرأة عجوز من المسلمين، وبعض الناس الآن لا يهتمون بالعجائز، يموت العجوز وقد لا يُدرى عنه، وقد تتغير جثته في بيته ولا أحد يعلم بموته.
أحدهم يقول لجاره: هؤلاء أولادك الآن تركوك في البيت وذهبوا واشتغلوا، وبينما هو باقٍ في البيت ومن البيت إلى المسجد، افتقده أهل المسجد فبحثوا عنه، وفي الأخير ذهبوا إلى البيت فوجدوه مغلقاً فحطموا الباب ودخلوا، فوجدوا رائحة الرجل متغيرة ثلاثة أيام لم يسأل عنه أحد لماذا؟ أين الاهتمام بعامة المسلمين؟! أين الاهتمام بالضعفاء؟! أين الاهتمام بمن لا أهل لهم، ولا أناس يسألون عنهم؟! وفي جنازة المساكين لا تجد إلا أناساً قليلين جداً، لكن لو مات رجل عظيم لوجدت الناس كلهم قد اجتمعوا هل هذا عدل؟!
стр. 3055
مخالفة الكفار ومفاصلتهم
كذلك رجل العقيدة له موقف من الكفار؛ وهو أنه يفاصلهم ويتميز عنهم في عبادته لماذا لا نصلي في وقت شروق الشمس وغروبها؟ تميزاً عن الكفار في العبادة، وهو كذلك يتميز عنهم في العقيدة، ويتميز عنهم في اللباس، ويتميز عنهم في المظهر، ويتميز عنهم في كل ما اختصوا به من عادات، ولا يُقدم وشيجة القربى على العقيدة.
انظر إلى هذه الحادثة العجيبة في الحديث الصحيح في وفاة أبي طالب يقول: (لما توفي أبو طالب أتيت النبي ﷺ ، فقلت -من المتكلم؟ علي بن أبي طالب انظر ماذا قال علي الغلام الصغير للرسول ﷺ ، من الذي مات؟ أبوه الذي مات.
ماذا قال علي؟ يقول مخاطباً الرسول ﷺ : إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟ فقال ﵊: اذهب فواريه ثم لا تحدث شيئاً حتى تأتيني، فقال علي ﵁: إنه مات مشركاً، فيعود ﵇ ويقول: اذهب فواريه.
قال: فواريته ثم أتيته، قال: اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئاً حتى تأتيني، قال: فاغتسلت ثم أتيته، قال: فدعا لي بدعوات ما يسر أن لي بها حمر النعم) حديث صحيح رواه الإمام أحمد.
ورجل العقيدة له موقف من الكفار في الصدع بالدين وإعلان الإسلام، وأنتم تعرفون قصة أبي ذر في الصحيحين، تعرفون أنه لما قال له النبي ﵊ بعدما أسلم: ارجع إلى قومك، قال: لا.
سأذهب إلى كفار قريش ولأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فثار إليه القوم فضربوه حتى أضجعوه على الأرض، فأتى العباس فأنقذه، وفي اليوم التالي يرجع أبو ذر ويعاود نفس العملية؛ لأنه يريد أن يُعلن العقيدة على ملأ الكفار.
رجل العقيدة ليس بخب ولا يخدعه الخب، ليس غادر لئيم مكّار وفي نفس الوقت لا يسمح لمخادع مكّار لئيم خبيث أن يلعب عليه ويخدعه.
ورجل العقيدة رجل نبيه، لما سار عمرو بن العاص ﵁ بجيشه إلى الرملة وجد الروم عليهم الأرطبون، وكان أدهى الروم، وقد وضع بالرملة جنداً عظيماً، فأقام عمرو ﵁ مع الجيش بأجناده، لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل؛ يُرسل الرسل لكي يأتون له بالأخبار عن ملك الروم، لكن الأخبار التي يأتون بها غير كافية، فقرر عمرو بن العاص ﵁ أن يذهب بنفسه وهو أمير الجيش على أنه رسول إلى ملك الروم يدخل في عسكرهم ويرى، فدخل على أنه رسول وبلغ الرسالة لملك الروم، وسمع كلامه وتأمل حضرته، وعرف ماذا يدور، فقال الأرطبون في نفسه وكان داهية: والله إن هذا لـ عمرو، أو أنه الذي يأخذ عمرو برأيه، وما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتل هذا الرجل، لأن بعض الكفار عندهم خبرة، فنادى هذا القائد حرسياً قال: تعال، وهمس في أذنه قال: إذا مر بك هذا الرجل -رسول المسلمين- فاذهب واختبئ في الموضع الفلاني، فإذا مرَّ بك فاقتله، فعلم عمرو ﵁ أن المسألة فيها خديعة، فماذا قال للأرطبون؟ قال: أيها الأمير! إني قد سمعت كلامك -أي: المراسلة التي كلمتك عنها وسمعت كلامي- وإني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب ﵁ لنكون مع هذا الوالي -أي: عمرو بن العاص - لنشهد أمورهم، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رأيت أنا، فقال الأرطبون: نعم.
فاذهب فأتني بهم، ودعا رجلاً، وقال: قل للحرسي لا يقتل هذا الرجل.
فخرج عمرو بن العاص وسرى من الجيش، ولما وصل إلى جيشه دخل فيه، ثم تحقق الأرطبون أن هذا هو عمرو بن العاص، فقال: خدعني هذا الرجل، والله إنه أدهى العرب.
وبالنسبة لإرهاب الكفار والكذب عليهم في الحرب، فيقول ابن كثير ﵀ في البداية: قال خالد لـ ماهان؛ في مقابلة جرت بينهما: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قومٌ نشرب الدماء، وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك، فقال أصحاب ماهان: هذا والله ما كنا نُحدث به عن العرب.
стр. 3056
اليقين بأن المستقبل للإسلام
وختاماً: فإن رجل العقيدة يعلم بأن المستقبل للإسلام، ويعلم بأن رسول الله ﷺ أخبر بأحاديث كثيرة على أن المستقبل للإسلام، ومنها: (بشر هذه الأمة بالسناء والتمكين في البلاد، والنصر والرفعة في الدين، ومن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة نصيب).
هذا الكلام مهم جداً أن نعلم أن المستقبل للإسلام، لماذا؟ لأن الناس يقولون: مستحيل أن يخرج اليهود من فلسطين؛ لأن عندهم القنابل والطائرات وعندهم السلاح وعندهم وعندهم، لكن أريد أن أسألكم سؤالاً، كم مكث النصارى -الروم- في القدس في الماضي؟ قرابة تسعين عاماً، ثم أخرجهم المسلمون في النهاية، واليهود كم مدة احتلالهم لـ فلسطين؟ قرابة أربعين سنة.
وكان المسلمون أيام الاحتلال الصليبي في ضعف، ثم قيض الله للأمة صلاح الدين فأخرجهم وليس بعزيزٍ على الله أن يُخرج رجلاً في الأمة يجتمع عليه المسلمون، فيخرجون اليهود، وكذلك مر في التاريخ الإسلامي أحداث سوداء جداً، المسلمون في غاية الضعف، كيف كان التتر والمغول يفعلون بالمسلمين في البداية قبل أن يدخل فيهم الإسلام؛ كان الجندي من التتر يدخل الحي من أحياء المسلمين، ولا يتكلم أحد من المسلمين؛ لأنهم في ذل، فيقول: اجتمعوا يا أهل الحي، فيجتمعون كلهم ولا يتخلف منهم رجل واحد، فيقول لأحدهم: ضع رأسك على الصخرة، فيضع رأسه على الصخرة، ويقول لرجل آخر من المسلمين: خذ هذه الصخرة ورض بها رأس صاحبك، فلا يملك ذلك المسكين إلا أن يأخذ الصخرة ويرض بها رأس صاحبه وهكذا يفعل بهم واحداً واحداً حتى يفنيهم وهو واحد؛ لأن الذل عم المسلمين، ولكن مع ذلك صد المسلمون بعد مدة حملات التتر.
إذاً أيها الإخوة: مهما كاد الكائدون فالمستقبل للإسلام، ومهما حاول أهل الشر والبغي، ومهما خطط المخططون فإن المستقبل للإسلام.
انظر إلى التاريخ الإسلامي المعاصر، كم ضربة وجهت للإسلام والمسلمين؟ كم خطة أعدت؟ كم محاولة جرت؟ ومع ذلك الصحوة الإسلامية في ازدياد، وهذا دليل على أن ديننا دين عظيم؛ فهو يحمل في طياته عناصر استمراريته وهيمنته: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 3057
صبر الرسول على الأذى
لم تقم دعوة الإسلام، ولم تبلغ ما بلغت إلا بعد تضحيات جسيمة، وتحمل صنوف من الأذى، وأول من واجه ذلك وصبر عليه هو إمام هذه الدعوة ﵌، وفي ذلك للمسلم أسوة في مواجهة المشاكل والأذى الذي يعترضه خلال الدعوة إلى دينه.
стр. 3058
أهمية دراسة شخصية الرسول ﷺ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
عباد الله: إن دراسة شخصية رسول الله ﷺ من الأمور المهمة للمسلم الذي يريد أن يطبق قول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ويريد أن يسير على تأثرٍ من نور هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].
وشخصية رسول الله ﷺ فيها جوانب كثيرة من العظمة؛ تلك الجوانب التي لا بد للداعية إلى الله، ومن يريد أن يتربى على طريق الإسلام أن يدرسها دراسة متأنية.
стр. 3059
عظمة رسول الله ﷺ وصبره على الاستهزاء
ونحن نستعرض في هذا المقام جانباً من جوانب عظمة شخصية رسول الله ﷺ .
كان رسول الله ﷺ يدعو إلى الله على نورٍ من ربه، ويصبر على الأذى في سبيل هذه الدعوة، وصبره ﷺ على الأذى يتمثل في أحداث كثيرة تمَّت في حياته ﷺ ؛ من مواجهته للكفار والمشركين والمنافقين، وفي عامٍ واحد وهو العام العاشر من البعثة يتوفى الله تعالى خديجة ﵂ ويموت أبو طالب، فيطمع كفار قريش في أذية رسول الله ﷺ ما لم يكونوا يطمعون قبل ذلك، وأذية الكفار لرسول الله ﷺ تتمثل في جوانب كثيرة: أولاً: الاستهزاء برسول الله ﷺ ، يقول الله : ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٦] أن يهزأ المبطل بالمحق، وأن يسخر السفيه بالعاقل، تلك والله أذية كبيرة تقع كالصخر على صدر الذي يتعرض لهذا النوع من الأذى، رسول الله ﷺ يعلم أنه على الحق وهم يستهزئون به: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً﴾ [الفرقان:٤١] يستهزئون بشخصيته ﷺ ، ولكنه يصبر على هذا الأذى وهو يتفكر في قول الله تعالى يسري عن شخصه ﷺ : ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام:١٠].
لقد دارت دائرة السوء عليهم، وهذا الاستهزاء الذي استهزءوا به قد أصبح وبالاً عليهم.
стр. 3060
للدعاة في النبي ﷺ أسوة في الصبر على الاستهزاء
واليوم يقف الداعية إلى الله ، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر موقفاً حرجاً أمام السهام التي توجه إليه من المستهزئين وهم يستهزئون بشخصيته، أو يستهزئون بمظهره، أو يستهزئون بالأفكار التي يحملها، إنه يتأسى بموقف رسول الله ﷺ ، الصبر على هذا الاستهزاء.
ولقد صبر رسول الله ﷺ على شتى الاتهامات؛ فقد اتهموه بأنه يقول الشعر، وأن هذا القرآن إنما هو شعر، وأنهم أيضاً شعراء ولو شاءوا أن يأتوا بمثل شعره لأتوا، يريدون أن يحولوا هذا القرآن عن المجرى العظيم والقالب الذي نزل به؛ لكي يقولوا للناس: نحن نستطيع أن نصنع مثله قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء:٥] وقالوا: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦] وقال الله عنهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور:٣٠] إنهم ينتظرون نهايته، وينتظرون موته حتى تدفن دعوته في مهدها، ولا تقوم لها قائمة، ولكن الله تولى الرد عليهم، وتثبيت نبيه ﷺ : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:٣٨ - ٤١]، وقال : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩].
وكل عارف باللغة العربية؛ بنثرها وشعرها يعرف أن هذا القرآن ليس على وزن الشعر، وليس شعراً كالذي يقوله الشعراء.
واليوم يقف الدعاة إلى الله عزوجل أمام المستهزئين وهم يرمونهم بتهم مثل هذه، فليس لهم والله إلا الصبر عليها، والرد على هذه الشبهات التي تطلق على الشريعة وأفكار الدين، منتهجين نهج القرآن في الرد عليها.
وأوذي ﵇ باتهامه بالسحر، قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس:٢] ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:٤] ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً﴾ [الفرقان:٨] ولكن الله رد عليهم فقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] لماذا يريد الجاهليون أن يصموا شخصية رسول الله ﷺ بالسحر؟ لأنهم رأوا أن لهذا القرآن الذي يتلوه ﷺ أثراً عظيماً على نفوس الناس؛ إنه يجذب الأنظار، ويأخذ بمجاميع القلوب (إن عليه لطلاوة، وإن له لحلاوة) فهم يريدون أن يصرفوا أذهان الناس عن سبب هذا التأثير؛ وسبب هذا التأثير أن القرآن كلام الله، سبب هذا التأثير أنه نزل من عند الله الذي خلق النفس، ويعلم ما يؤثر بهذه النفس، وما تتأثر به هذه النفس، إنهم يريدون أن يصرفوا سبب التأثير إلى السحر الذي يؤثر -كذلك- في الناس؛ إنها والله دعاية إعلامية يريدون أن يلبسوا بها على الناس الذين يتأثرون بكلام رسول الله ﷺ .
ويقف الدعاة إلى الله عزوجل اليوم أمام أولئك الشاتمين الذين يريدون أن يلبسوا الحق بالباطل، ويريدون أن يصرفوا الناس عن تأثير القرآن والسنة، إنهم يستخدمون وسائل شتى من التهويس والتهويل، وصرف أنظار الناس عن هذا القرآن، وعن الوحي، وعن التأثر بالشريعة، فيستخدمون لذلك وسائل شتى.
إن على دعاة الإسلام أن يجابهوا هذه المواقف، وأن يُجَلُّوا للناس أثر القرآن والسنة، وأن يُروا الناس بأبصار قلوبهم قبل أبصار عيونهم أن هذا القرآن وهذه السنة ذات أثر على الناس، مخاطبة الناس بالقرآن والسنة، وربطهم بها مباشرة من الواجبات اليوم، حتى يحصل ذلك التأثير.
وصبر ﷺ على اتهامه بالجنون: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر:٦] وقالوا: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان:١٤].
ليس أصعب على صاحب الإيمان، والعقل الراجح، والرأي السديد، والفكر الصائب، من أن يتهم في عقله، وأن يوصف بالجنون.
وتولى الله الرد على هذه الفرية مثبتاً رسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦] وقال : ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير:٢٢]، وقال : ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم:١ - ٢].
واليوم عندما يحاول الداعية إلى الله أن يبين للناس الحق، ويرجعهم إليه، وأن يبين لهم الميزان الصحيح، ويزيل عنهم الغشاوة التي رانت على قلوبهم، والحجاب الذي غطى أبصارهم، ويريد أن يرجعهم إلى الشريعة وإلى الدين، يقولون له: أأنت مجنون؟!! كيف تريدنا أن نرجع إلى ذلك الواقع وأنت ترى الغرب والشرق، وترى القوى العظمى، والواقع المستحكم، ثم تريد أن تنقلنا إلى عصر يطبق فيه الإسلام (١٠٠%)؟ هذا مستحيل! كن واقعياً، دع هذه الخيالات جانباً، إنك تحلم! وعند ذلك يجب أن يجابه الداعية إلى الله هذه السهام بواقعية الإسلام، وأن يثبت للناس أنه يمكن أن يطبق الإسلام، وأن أفكار الإسلام ليست جنوناً ولا هوساً، رغم تلك الاتهامات الباطلة التي يتهم بها أعداء الإسلام المتمسكين بشرع الله، إنهم يرمونهم كما رمى الكفار رسول الله ﷺ -قدوة هذا الداعية- رموه أول مرة بالجنون والهوس واختلال العقل، إنهم كذلك اليوم يرمون من تمسك بالدين بالسفه، والجنون، والهوس، والوسوسة إلى آخر تلك التهم، إنهم يتصورون أن تحكيم الله في الشرع والواقع يؤدي إلى جنوح الإنسان عن طريقة التفكير الصحيحة، وعن الواقعية، إن واقعهم فاسد، ولذلك يتصورون أنه واقع صحيح من شدة ضغطه عليهم، ومن تشبعهم بأفكار هذا الواقع، ويتصورون أن تحكيم الإسلام في القوانين والمظاهر، والعبادات والعقائد؛ أنه جنون وهوس؛ لأنهم لا يعقلون، فعقولهم لا تتحمل عظمة تلك التكاليف، ولا يتصورون كيف يمكن أن تطبق هذه التكاليف في ظل الظلمات الجاهلية التي يرزحون اليوم تحت نيرها؛ ولأنهم لا يستطيعون أن يتصوروا الواقع كيف يكون إسلامياً؛ يتهمون من ينادي بالعودة إلى الواقع الإسلامي الصحيح بالجنون، ولا يمكن أن تتصور عقولهم كيف يمكن أن يطبق الإسلام (١٠٠%)؟ وهذه نقطة خطيرة أيها الأخوة.
стр. 3061
صبر النبي ﷺ على أذى الكفار
стр. 3062
صبره على أنواع التهم في عقله وعرضه
وقد صبر رسول الله ﷺ على اتهام كفار قريش له بالتكذيب: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:٤] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان:٤] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ [الشورى:٢٤] يقولون هذا من جهة في مناسبات كثيرة، ومواقف متعددة، وهم في مناسبة أخرى وفي موقف آخر يعلمون ويعترفون بأن رسول الله ﷺ ليس بكذاب.
وفي صحيح البخاري لما سأل هرقل أبا سفيان في بداية مقابلته له، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فهذا هرقل جاءته لحظات من التجرد والإنصاف، ولقد هم أن يدخل هذا الدين لولا جشع الملك وحب الرئاسة، وخوفه من زوال سلطانه، فرجع إلى الكفر، ولكنه قد رأى الحق بأم عينيه.
قال أبو سفيان: لا.
ثم قال له في آخر مقابلته: وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فذكرت أن لا، وأعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله؛ أي: أنت تقول أن محمداً ﷺ ما عهدت منه الكذب على الناس قبل البعثة، فعلمتُ أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ثم يكذب على الله، والكذب على الله أصعب وأشد من الكذب على الناس، فعلم أنه صادق.
ولقد تولى القرآن الرد على هذه المزاعم فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] أي: إذا زعمتم أنه كذاب فهاتوا عشر سور مثل سور القرآن: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود:١٣] لكي تألفوا هذه السور؛ من سائر عظماء الشعراء وأهل النثر والبلاغة: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود:١٣].
ثم تنزل القرآن في الرد عليهم إلى ما هو أدنى من ذلك، فقال الله عزوجل: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس:٣٨] عظم التحدي ونقص المقدار، فظهر التحدي أعظم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِه﴾ [يونس:٣٨] فعجزوا، ولما حاول الكذابون أن يأتوا بسورة واحدة مثل سور القرآن؛ أتوا بأشياء مضحكة ليس هذا مجال سردها: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود:٣٥]، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ﴾ [السجدة:٣].
ويسري القرآن عن نفس رسول الله ﷺ ، ويثبت الله به قلب رسول الله ﷺ فيقول: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤].
واليوم عندما يقف الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أمام الناس، ويدعوهم إلى الله، ويبين لهم أحكام الدين؛ ويبين لهم الحلال والحرام، يقولون له: أنت كذاب، لا يمكن أن يكون في القرآن كذا، لا يمكن أن يكون في السنة كذا، لا يمكن أن يأمر الرسول ﷺ بكذا، هذا الذي تدعون إليه ليس بدين، أنت تكذب على الدين، أنت جئت بدين جديد، ليس هذا الدين الذي نعرفه، لقد رأينا الدين من آبائنا وأجدادنا، ولقد رأينا الدين سنين عديدة ما رأينا فيه مثل هذا الذي تدعو إليه، فيتهمونه بالكذب على الشريعة، وهم قد أتوا من قبل جهلهم؛ فلجهلهم رموه بالكذب، وأتوا من قبل تقليدهم لآبائهم وأجدادهم، وعدم اتباع الحق، وأتوا من اتباع أهوائهم؛ لأنك عندما تخبرهم بالحق الذي يخالف أهوائهم؛ إذا كان الحق واضحاً يقولون: أنت كذاب فعليك أن تصبر كما صبر رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
стр. 3063
صبر النبي ﷺ على تلقي الأذى في جسده
ولقد صبر ﵊ على أذى المشركين في جسده صبراً عظيماً، روى البخاري ﵀ عن عروة بن الزبير قال: قلت لـ عبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيءٍ صنعه المشركون برسول الله ﷺ ؟ قال: (بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط وهو من الكفار، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً).
عقبة بن أبي معيط يلوي الثوب حول رقبة رسول الله ﷺ ، والرسول ﷺ يصلي: (ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر ﵁، فأخذ بمنكبه ودفع عن النبي ﷺ ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]).
آذوه في بدنه ﷺ ، ولهذا أمثلة سنذكرها إن شاء الله.
في معركة أحد ماذا حصل للنبي ﷺ ؟ الذي حصل له أيها الأخوة: أنه أُدمي حتى سال الدم من وجهه، وقد أخرج البخاري ﵀ في صحيحه: (أن رسول الله ﷺ لما أصيب في أحد فسال الدم على وجهه، رجع إلى المدينة ولا زال النزف في وجهه ﵊، فقام علي ﵁ على رأسه، وفاطمة تأخذ من الإناء في يد علي فتغسل وجه رسول الله ﷺ بالماء، ولكن الجرح لم يرق، فأخذت حصيراً فأحرقته ووضعت رماده على جرح رسول الله ﷺ ، فتماسك الجرح قليلاً حتى وقف الدم).
стр. 3064
للدعاة في رسول الله أسوة في الصبر على الأذى
فهذا رسول الله ﷺ يؤذى في جسده، واليوم يعاني المتمسكون بشرع الله أصناف العذاب، وألوان الأذى في سبيل الله، فيضربون بالسياط، ويسحلون بالشوارع، ويجرون على جلودهم فوق الحجارة والشوك، كما وقع بالنفر الأول من الصابرين الصادقين، وأدنى من ذلك تقع صور من العذاب في داخل البيوت، هل رأيتم أباً تصل به الدناءة والخسة أن يضرب ولده؛ لأنه امتنع عن المنكرات؟! هل رأيتم أباً تصل به الخسة والدناءة أن يقفل الباب على ابنه حتى لا يذهب لصلاة الفجر؟! يقفل باب البيت بالمفتاح ويأخذ معه المفاتيح حتى لا يخرج الولد إلى صلاة الفجر.
هل رأيتم خسة ودناءةً مثل أن يأتي أحد الآباء بمزيل للشعر فيضعه على لحية ولده وهو نائم حتى تسقط لحيته عداءً لسنة رسول الله ﷺ ؟! إن ألوان الإيذاء أيها الأخوة تتعاقب، ويتفنن أعداء الله في إذاقة عباد الله العذاب أصنافاً وألواناً، فليس الحل في ذلك إلا الصبر على هذا الأذى في سبيل الله، ولقد سعى أعداء الله لإخراج رسول الله ﷺ من بلده، فقال الله عزوجل: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٧٦] تآمروا على إخراج رسول الله ﷺ من بلده، وخططوا لذلك حتى اضطر رسول الله ﷺ إلى الخروج، فتهددهم الله بهذه الآية: ﴿وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ وفعلاً ما لبثوا في مكة بعد إخراج الرسول ﷺ منها إلا قليلاً، فأذاقهم الله العذاب في معركة بدر وغيرها من المواقع حتى فتح الله مكة، ودخلها رسول الله ﷺ منصوراً.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم واجعلنا من الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، اللهم ثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 3065
صور أخرى من صبر النبي على الأذى يقتدى به فيها
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، خاتم الرسل، وأحب خلق الله إلى الله، وخليل الله الذي اصطفاه الله على العالمين، أدى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، وصبر على الأذى في سبيل الله حتى كان مثالاً حياً بسيرته بين أظهرنا اليوم؛ كأنا نرى تلك السيرة، وتلك الأحداث التي عاشها رسول الله ﷺ .
عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : (هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد، قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت) الرسول ﷺ ما وجد ولياً ولا نصيراً، يريد من كفار قريش أن يجيبوه وينصروه فلا يجد.
(فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي).
هذه الألفاظ أيها الأخوة تصور محنة الداعية التي يعيشها حينما يعرض الناس عنه، محنة الداعية التي يعيشها حينما يرفضه كل الناس، حين يطرده جميع الناس، عندما يوصدون الأبواب في وجهه، ولا يرضون بالحق الذي يقول به، ويعرضون عنه.
(فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بـ قرن الثعالب) وهو موضع قريب من مكة.
الرسول ﷺ هام على وجهه من الغم، وما أفاق إلى نفسه ليعرف إلى أين يسير إلا في قرن الثعالب، وليس ذلك لأجل إفلاس، ولا لذهاب تجارة، ولا لخسارة في صفقة، ولا لفقد وظيفة، كلا.
(فلم أستفق إلا وأنا بـ قرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين -أي: الجبلين العظيمين اللذين تقع بينهما مكة - فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً).
وعندما يكون الظلم من الأقرباء يكون وقعه شديداً على النفس
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند
روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي بطون قريش: (يا بني عدي حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر في الأمر، فجاء أبو لهب وقريش فاجتمعوا -ورسول الله ﷺ على الصفا - فقال ﵇: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن الوادي تريد أن تغير عليكم -جيش قريب من مكة يريد أن يغير عليكم- أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم.
ما جربنا عليك كذباً، قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا).
وأبو لهب عم الرسول ﷺ ، داعية إلى الله يقوم يجمع الناس يأتون إليه، يهددهم بعذاب الله ويدعوهم إلى الله، فيقوم له واحد من الحاضرين فيقول له: تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟ واليوم تعقد مجتمعات للدعوة إلى الله، وقد يجمع داعية إلى الله الناس في بيته، أو يذهب إليهم في بيوتهم فينصحهم وينذرهم عذاب الله، فتنطلق ألسنة المستهزئين به، إنه يتذكر والموقف هذا رسول الله ﷺ .
ولقد وصل الأمر إلى أن ادعوا أنهم أحق من رسول الله ﷺ بالحق وصلة الرحم، فهذا أبو جهل لعنه الله وقف يوم بدر يبتهل إلى الله ويقول: اللهم أقطعنا للرحم -يعني الرسول ﷺ وأتانا بما لم نعرف فأحنه الغداة.
يوم بدر يقف أبو جهل لعنه الله يدعو الله أن يهزم رسول الله ﷺ لأنه قطع الرحم، وأتاهم بما لم يعرفوا، فأنزل الله : ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ [الأنفال:١٩] كما في الصحيح المسند من أسباب النزول.
ولقد اتهموا رسول الله ﷺ حتى في إنجابه، فعن ابن عباس قال: (لما قدم كعب بن الأشرف مكة -وكان كعب بن الأشرف يهودياً- قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم -وكان هذا قبل الهجرة- قال: نعم.
قالوا ألا ترى إلى هذا الصنبور).
يقصدون رسول الله ﷺ ، فاستخدام الألفاظ المشينة؛ ألفاظ السب، وانتقائها من قاموس السباب والشتائم لإلصاقها بالدعاة إلى الله قضية قديمة؛ ليست حديثةً ولا وليدة هذا العصر.
والصنبور في لغة العرب: هو الرجل الفرد الضعيف الذليل الذي لا أهل له ولا عقب، ولا ناصر ينصره، قالوا: (ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه.
فأنزل الله : ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣]) أي: إن شانئك وسابك يا محمد هو الأبتر الذي لا عقب له.
وأخيراً هذا الموقف الذي تحكيه لنا آية الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال:٣٠] إن عقد المؤتمرات لإجهاض الدعوة، والمؤامرات على دعاة الإسلام، وإلحاق الأذى بهم قضية قديمة.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٣٠] لقد اجتمعوا في حجر إسماعيل بجانب الكعبة في مكة؛ يدبرون ويخططون لثلاثة أشياء: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ ومعنى: يثبتوك: يقيدوك ويحبسوك حتى لا تقوم بالدعوة.
﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ ويضيع دمك بين القبائل.
﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة ويطردوك حتى لا تكون بينهم.
روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك يا بنيه؟ قالت: يا أبت! ما لي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر يتعاقدون باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك ليقتلوك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنيه! ائتيني بوضوئي، فتوضأ رسول الله ﷺ ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: إنما هو ذا، فطأطئوا رءوسهم، وسقطت أذقانهم من بين أيديهم فلم يرفعوا أبصارهم -أعماهم الله- فتناول رسول الله ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه، فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافراً).
قال ابن كثير ﵀: قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ولا أعرف له علة.
ولو استطردنا أيها الأخوة في ذكر ألوان الأذى التي صبر عليها رسول الله ﷺ لطالت بنا المجالس والأوقات، ولكن إنما هي تذكرة نذكر بها أنفسنا ونسليها ونحن نواجه اليوم أعداء الله، ونواجه مخططاتهم، واتهاماتهم، وسبابهم، وفسوقهم، وأذاهم، وحملاتهم علينا.
إن الإنسان ليزداد محبة لرسول الله ﷺ ، وإكباراً له ﵊ وإجلالاً؛ حين يرى في سيرته ﷺ من صبره على الأذى، ومن تحمله ذلك في سبيل الله لأجل شيء واحد: أن يبلغ رسالة الله إلى الناس، أن يبلغ الناس دين الإسلام؛ هذا هو الهدف، هذا هو الغرض من الحياة، وإلا فإن الحياة بغير هذا الغرض حياة بهيمية.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك وطاعتك، اللهم واجعلنا من دعاتك وجندك، اللهم وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم وآتنا الحجة على من عادانا، اللهم وانصرنا على من بغى علينا، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
اللهم وصلِّ على نبيك محمد ﷺ صلاةً تامَّة ما بدا الليل والنهار، اللهم صلَّ عليه صلاة تامة ما غربت شمس وما شرقت.
اللهم اجعلنا من أهل شفاعته، اللهم أوردنا حوضه، اللهم وارزقنا مرافقته في الجنة.
стр. 3066
صفة الرجولة في القرآن
الرجولة صفة يمتن الله بها على من يشاء من عباده، ونحن اليوم نعاني انعدام صفة الرجولة في كثير من المسلمين.
دين الله والدعوة إليه والصبر على الأذى في سبيل الله وإعانة الرسل ونصرتهم الثبات في مواطن الفتن تثبيت الناس على الإسلام كل هذا يحتاج إلى رجولة.
стр. 3067
صفة الرجولة في القرآن الكريم
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة: حديثنا عن مشكلة من المشاكل التي تواجه العالم الإسلامي اليوم.
إن من الأمور التي خُذِل فيها الإسلام أيما خذلان، هذه القضية -أيها الإخوة- وهي انعدام صفة الرجولة في كثير من المسلمين اليوم.
والرجولة صفة يمتن بها الله بها على من يشاء من عبادة، كما قال ذلك الرجل المؤمن الذي يعلِّم صاحبَه الكافر، يقول له موبخاً ومقرعاً، ومذكراً له بنعم الله عليه: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف:٣٧].
هذا الرجولة التي يمتن الله وينعم بها، لها صفات ولها خصائص، لا تكتمل إلا بها، ولا تقوم إلا عليها، ولا تشتد إلا بهذه الأركان.
والرسل الذين بعثوا إلى أقوامهم ما كانوا إلا رجالاً، قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٣] فلم يرسل الله إلى الناس إلا رجالاً.
هذه الرجولة -أيها الإخوة- التي ضاعت مضامينها اليوم، وفقدت أركانها عند الكثيرين، فصاروا أشباه الرجال ولا رجال.
هذه الرجولة نحتاج لنتعرف على صفاتها من القرآن الكريم، وسنذكر في هذه الخطبة -إن شاء الله- شيئاً من صفات الرجولة، حتى يعلم الرجل اليوم هل هو رجل بالمعنى الحقيقي أم هو هيكل خارجي لا يدل على مضمون الرجولة مطلقاً؟!
стр. 3068
التعلق بالمساجد وحب الطهارة
يقول الله تعالى واصفاً المسجد الذي ينبغي أن يكون حاله الصحيح، ومَن هو بداخلِه؛ يقول الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة:١٠٨] أسس على التقوى، أسس على التوحيد، أسس على العقيدة الصحيحة ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة:١٠٨] أنشئ على التقوى لوجه الله ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨] أحق أن تقوم فيه يا محمد ﷺ من مسجد الضرار الذي بناه المنافقون.
ما هي صفاته الأخرى؟ ما هي أهم صفة من صفاته؟ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] أين مكان أولئك الرجال؟! أين مكانهم؟! هل هم في الأندية أو في الحفلات؟! هل هم في الأسواق يمرحون ويسرحون؟! هل هم في المجتمعات الفارغة التي تُفْرِغ الرجولة من معانيها؟! كلا -أيها الإخوة- ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾ [التوبة:١٠٨] في هذا المسجد رجال.
﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] يأتون إلى المسجد على طهارة، والله يحب هؤلاء الرجال الذين من صفتهم الطهارة ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
هذه صفة من صفات الرجال.
стр. 3069
ذكر الله تعالى وإقام الصلاة وترك ما يلهي عنها
وانظر معي إلى مشهد مقابل في سورة النور، مماثل لتلك الآية في سورة التوبة يقول الله : ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ [النور:٣٦] أي: مساجد.
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور:٣٦] شاء الله أن ترفع.
﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] اسمه وحده لا شريك له.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] أين الفاعل؟! مَن الذي يسبح؟! ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور:٣٦] غُدوةً وأصيلاً، مَن الذي يسبح؟! مَن في هذه المساجد يسبح الله ؟! ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]: مَن في هذا المسجد؟! إنهم رجالٌ، ثم جاءت بقية الصفات.
قال ابن كثير ﵀: قوله: ﴿رِجَالٌ﴾ [النور:٣٧]: فيه إشعار بِهِمَمِهِم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عمَّاراً للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه.
﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧] يسبحون الله في المساجد، وما هي صفاتهم الأخرى؟ قال الله: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
أيها الإخوة: هؤلاء هم الرجال الذين لم تلههم تجارة ولا بيع عن أي شيء؟ عن ذكر الله، وإقام الصلاة.
قال بعض السلف ﵀: يبيعون ويشترون -هؤلاء الرجال- يبيعون ويشترون؛ ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه، وأقبل إلى الصلاة.
ومر عمرو بن دينار ﵀ ومعه سالم بن عبد الله، قال: [كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة، وخَمَّروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد] لم يجلسوا أمامها ليحرسوها، أو لينظروا فيها، أو أغلقوا الدكاكين وقعدوا على الرصيف في الطريق ينتظرون متى تنتهي الصلاة حتى يكون كل واحد منهم أول من يفتح الدكان، تركوا أمتعتهم في الشارع، وغطوها في السوق، وذهبوا إلى المسجد [فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا هذا الآية: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور:٣٧]، ثم قال: هم هؤلاء] هؤلاء الذين عنى الله بقوله في هذه الآية، هؤلاء الذين قدموا مراد الله على مراد أنفسهم، وآثروا طاعة الله على المتاع الدنيوي الزائل، آثروا الاستجابة لهذا النداء العلوي الرباني: حي على الصلاة، حي على الفلاح، على نداء الجشع والطمع الذي يثيره الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء.
أيها الإخوة: كم من الرجال اليوم يقعدون في محلاتهم ودكاكينهم، أو يدخُلون داخلها في حجر مخفية، فيقعد أحدهم في مكتبه وراء الطاولة يجيب على هذا الهاتف وهذا الرجل، ويكلِّم ويفاوض ويخفض ويرفع، ويماكس ويشاكس، ويترك نداء الله، يترك المسجد، لا يجيب داعي الله إليه، لماذا أيها الإخوة؟! هل يُسَمَّى هؤلاء رجالاً؟! كلا.
إنهم أشباه الرجال ولا رجال.
стр. 3070
الثبات على المنهج الرباني
ومن صفات الرجال: أنهم يثبتون على المنهج الرباني الذي أنزله الله أيها الإخوة: إنه المنهاج الذي وضعه رب العزة ﵎، ليستقيم عليه الناس هذا المنهاج الذي لا يصح أن ينحرف الإنسان عنه يَمنة ولا يَسرة، لابد أن يرقبه ويجاهد نفسه للسير عليه هذا المنهاج المتضمن لقواعد أصولية، ومسائل تصورية، لا يمكن أن يتخلى عنها المسلم بأي حال من الأحوال هذا المنهاج الذي عليه صور ومنارات تضيء للمسلم الطريق هذا المنهاج الرباني منهاج أهل السنة والجماعة، الطائفة المنصورة لابد من الثبات عليه.
قال الله مادحاً صنفاً من أصناف الرجال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٢٣] عاهدوا الله ثم صدقوا في الوعد، صدقوا ما عاهدوا الله على هذا المنهج، استمروا عليه، تشبثوا به، وساروا غير مضطربين ولا متحيرين، لا تعيقهم العوائق، ولا تقف أمامهم الصعوبات ولا الشهوات، ولا الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣] ومات على هذا المنهج شهيداً عاملاً لمنهج الله .
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣] ينتظر أن يتوفاه الله على حسن الختام؛ ليموت على هذا المنهاج غير مغيّر ولا مبدل.
قال الله : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣] ما بدلوا ولا غيروا ولا انحرفوا، بل هم مستقيمون على هذا المنهاج، ينتظرون أمر الله تعالى أن يتوفاهم وهم سائرون على هذا الدرب مستقيمون عليه، لا يلوُون على شيء إلا مرضاة ربهم .
إنه الثبات على المنهج الذي افتقده كثيرٌ من المسلمين اليوم، حتى ممن شغلوا بالعمل للإسلام، قامت عندهم انحرافات في التصور والسلوك، فانحرفوا عن منهج الله.
أيها الإخوة: ليست القضية أن نمسك الطريق فقط، ولا أن نعرفه فقط، ولا أن نصل إليه فقط، إن المسألة أن نستمر عليه بغير تبديل ولا تحريف ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣].
стр. 3071
تأييد الرسل ومناصرتهم
هذه الرجولة التي يصفها الله تعالى في القرآن، أن مِن أهلها مَن يؤيد الرسل في دعوتهم ويناصرهم، ويبين للناس أن ما جاءت به الرسل هو الحق، ويعين الرسل ويساعدهم.
قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [يس:٢٠] مَن الذي جاء؟ هل جاء جيش جرار، أو فئامٌ كثيرة من الناس؟ ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ [يس:٢٠] جاء من آخر المدينة ﴿رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠] يشتد، ولماذا جاء؟! ألأن هناك سوقاً أو حراجاً لا يريد أن يفوته منه شيء؟! ألأن هناك أسهماً تباع لا يريد أن يفوت منها شيء؟! كلا -أيها الإخوة- ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] اتبعوهم، اتبعوهم هؤلاء الرسل ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢].
ثم يبين عرض حقائق العقيدة، التصورات النقية الصافية الخالية من شوائب الشرك، حتى توفاه الله فقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
فمن صفات الرجولة -أيها الإخوة- أن نكون نحن الذين نسمي أنفسنا رجالاً، أن نكون أعواناً للرسل، حرباً على أعداء الرسل، وليس حرباً على الرسل، أن نكون مؤيدين لدعوة الرسل، لا مثبطين عن دعوة الرسل، أن نكون مستجيبين لدعوة الرسل، متبعين لا عاصين ولا مبتدعين ولا معاندين.
هذه الصفة -أيها الإخوة- كم من الرجال من يمتلكها اليوم؟! كم من الرجال من يؤيد دعوة الرسول ﷺ ؟! إنهم قليل.
وفي حال الخوف يتقدم الرجال بالنصح لله ، رغم الخوف الذي يكتنفهم، وأجواء الإرهاب التي تحيط بهم، فيقومون بواجب النصيحة رجل واحد يفعل أفعالاً لا تفعلها أمة بأسرها، رجل واحد يعدل غثاءً، بل إنه يرجح على هذا الغثاء المترامي الأطراف، الذي لا يجمعه تصور واحد، ولا منهج واحد، ولا عقيدة واحدة، يقوم هؤلاء الرجال بواجب النصح لله ، ويحذرون أولياء الله من المخاطر التي تحدق بهم.
стр. 3072
تقديم النصيحة في حال الخوف
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص:٢٠] يشتد من أقصى المدينة، لم يقعد به طول المسافة، ولا بُعد الطريق، جاء يسعى ويشتد، لقد كان هذا الرجل مؤمناً.
﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ [القصص:٢٠] يتشاورون في أمرك، ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] إني أكشف لك مخططاتهم، وأعرِّي لك دسائسهم ونياتهم الخبيثة، فاخرج من هذه المدينة، ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَِكَ مِنَ النِّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠].
قال ابن كثير ﵀: وُصِف بالرجولة؛ لأنه خالف الطريق، يعني بالطرق الجادة التي تُسلك في الشارع، فسلك طريقاً أقرب من طريق الذين بُعثوا وراءه، فسبق إلى موسى وحذره، قال: إن الناس آتون ورائي ليقبضوا عليك ويقتلوك، أعوان فرعون الطاغية: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَِكَ مِنَ النِّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠].
يأتي هذا الرجل يسعى، يختصر الطريق ليحذر ولي الله ونبيه موسى ﵇ إن تقديم النصيحة حتى في حالة الخوف من صفات الرجولة.
стр. 3073
حاجة الأمة إلى الرجال
وعند الأزمات تشتد الحاجة لوجود الرجال الحقيقيين، الذين يثبتون الناس على شرع الله.
أيها الإخوة: قد تمر بالإسلام أزمات، قد تمر بالمسلمين شدائد وضائقات، قد يمر بالمسلمين عسر شديد، تنقطع بهم السبل، فيتحير الناس ويضطربون، ويميدون ويحيدون عن شرع الله، فترى الناس متفرقين شذر مذر، لا يرى أحدهم الحق ولا يتبعه، حيَّرتهم فتن الحياة الدنيا، فاضطربوا اضطراباً شديداً، وتبعثروا وتفرقوا، فمَن الذي يثبِّت في هذه الحالة؟ ومَن الذي يقوم بواجب التثبيت؟ في هذه الحالة التي تقع فيها الفتن بالمسلمين نحتاج إلى عناصر مثبته تثبت المسلمين على المنهج الرباني، مَن الذي يثبت؟ في حالة الأزمات تكتشف أنت معادن الرجال، يفضي كل رجل إلى معدنه الخالص؛ ليستبين أمام الناس هل هو من أهل العقيدة أم لا؟ هل هو رجل عقيدة أم لا؟ في حالة الأزمات يتبين الرجال الذين يقفون على منهج الله بأقدام راسخة.
أيها الإخوة: يقول الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٣١٣].
موسى ﵇ يأتي ببني إسرائيل لدخول الأرض المقدسة، ويعدهم بنصر الله تعالى، ويبشرهم ويقول: إن الله معكم، فقاتلوا هؤلاء الكفرة الذين احتلوا تلك الأرض المقدسة بنو إسرائيل الذين ما عُرِف عن طبعهم إلا الغدر والخيانة، وإلا النكوص عن شرع الله وطريقه، ماذا قالوا؟ قالوا كلمة قبيحة جداً، قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] أنت وربك يا موسى قاتلا، نحن ننتظر النتيجة، فإن انتصرتم جئنا ودخلنا المدينة ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] بكل وقاحة، موسى نبي الله ليس معه أحد، كل القوم نكصوا.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة:٢٥] موقف صعب، موقف شديد، تخلَّى القوم عن نبيهم، تركوه وحيداً أمام الأعداء، إن هذه أزمة! أليس كذلك؟ فمن الذي يقوم الآن في هذا الأزمة، ويثبت الناس ويقول لهم: يا أيها الناس اثبتوا على شرع الله، اثبتوا على الطريق، لا تنهزموا أمام الأعداء، النصر قادم بإذن الله، تمسكوا بشرع الله، والله ينصركم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧].
قام هذان الرجلان: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا﴾ [المائدة:٢٣] بنعمة الإيمان والإسلام والثبات.
﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾ [المائدة:٢٣] اقتحموا إنهم جبناء، ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
أيها الإخوة: هذه النوعية التي نحتاجها حقيقة اليوم في وسط الأزمات التي تعصف بالمسلمين، الأزمات والفتن التي تجعل الحليم حيراناً، نحتاج إلى رجال يبصرون الناس بالدين، إلى رجال يكونون قدوة للناس، إلى رجال يثبتون الناس على شرع الله.
وفقنا الله وإياكم لأن نكون رجالاً نقاتل في سبيل الله، ونجاهد في سبيل الله بأموالنا وأنفسنا، وأن نكون من الذين اجتباهم الله تعالى فأقامهم على الصراط المستقيم.
وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 3074
أمور ليست من الرجولة
الحمد لله رب العالمين، الذي لا إله إلا هو، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً كثيراً.
أيها الإخوة: لقد فقدت الرجولة اليوم كثيراً من معانيها الحقيقية، فترى الناس اليوم يزعمون أنهم رجال، يقوم كل واحد منهم فيقول: أنا رجل، ولكن في الحقيقة: ماذا تنطوي عليه هذه الرجولة؟ ما هو مضمونها؟ أيها الإخوة: مِن الناس اليوم مَن يظن أن الرجولة عبارة عن فتل الشوارب، وتربية هذه الشنبات وإطالتها، يظن أن هذه هي الرجولة، وهو مخالف لسنة الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً.
مِن الناس -أيها الإخوة- مَن يظن الرجولة اليوم هي الأخذ بالثارات وقتل الأبرياء، وتراه يقول: هؤلاء ليسوا رجالاً، ما أخذوا بثأرهم، وهؤلاء رجال أخذوا بثأرهم فقتلوا فلاناً، ولو كان ليس له ذنب.
مِن الناس مَن يظن اليوم أن ارتكاب المحرمات هي الرجولة، فترى بعض الأحداث اليوم لكي يبرهنوا لأنفسهم وللناس أنهم رجال، يقعد أحدهم ويدخن -مثلاً- ويزعم أن التدخين رجولة، ويسافر لوحده إلى الخارج، ويعبث بالمحرمات، وينتهك حدود الله ، ويزعم أن هذه هي الرجولة.
مِن الناس مَن يظن أن الرجولة رفع الصوت أو الصياح في البيت، وفرض الرأي بقوة العضلات والبطش وغير ذلك؛ يظنون أن هذه هي الرجولة.
يظن أحدهم أن الرجولة أن ينفخ على الخدم والموظفين، ويطرد من يشاء، ويُبقي من يشاء؛ يظن أن هذه هي الرجولة.
كلا أيها الإخوة! ليست الرجولة ارتكاباً للمحرمات، ولم تكن الرجولة يوماً من الأيام في تاريخ الإسلام البطش والاعتداء على الأبرياء، كلا.
أيها الإخوة: إن الرجولة لها معانٍ سامية، وحقائق علوية، تأخذ هذا الصنف من الناس فترفعهم.
إن حاجة الإسلام اليوم إلى الرجال عظيمة، الإسلام اليوم تنتهك حرماته في شتى أقطار الأرض، لم تعد تقم للإسلام قائمة في وسط هذه الدياجير المظلمة من الشرك والجاهلية، إلا من رحم الله من أفراد تلك الطائفة المنصورة، التي استقامت على شرع الله .
أيها الإخوة: يقال: أنه اجتمع مرة نفر من الصحابة، فقال لهم عمر بن الخطاب ﵁: [تمنوا، فتمنى كل واحد منهم شيئاً من أعمال البر، فلما انتهوا قال عمر: أنتم تمنيتم، ولكني أتمنى ملء هذه الحجرة رجالاً أمثال أبي عبيدة]؛ لأن الرجال -أيها الإخوة- يصنعون كل شيء بإذن الله، الرجال يصنعون ويسيرون على منهج الله يطبقونه في الواقع، وإذا وجد عندك الرجال لم تعد تحتاج بعدها إلى شيء.
ولكن أي نوع من أنواع الرجال؟ هل هم أصحاب الشوارب والشنبات؟ كلا أيها الإخوة! الرجال بهذه الصفات التي ذكرناها آنفاً: - عبادة.
- عمل.
- استقامة.
- دعوة إلى الله.
- صبر على الأذى في سبيل الله.
- إعانة الرسل ودعوتهم ونصرتُهم.
- والقيام في مواطن الفتن.
- وتثبيت الناس على الإسلام.
الرجولة ليست سناً، بقدر ما هي صفات وشمائل وسجايا ذكرها الله ورسوله ﷺ .
ماذا نفعت الرجولة أولئك الناس الذين قال الله عنهم في القرآن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:٦]؟! ماذا نفعتهم رجولتهم وقد وقعوا في الشرك؟! لا شيء أيها الإخوة.
الإسلام اليوم ينادي أصحابه وأتباعه، يقول لهم ويهتف بهم كما هتف لوط بقومه: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨] الإسلام اليوم يهتف بالناس: أليس منكم رجل رشيد؟! رجلٌ رشيدٌ، رشده يقيم شرع الله في نفسه وبيته ومجتمعه، يدعو إلى الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أليس منكم رجل رشيد؟! اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على دينك.
اللهم واجعلنا رجالاً من أهل الحق وأعوانه، اللهم واجعلنا من جندك وأتباع نبيك محمد ﷺ .
رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
اللهم يا سامع الصوت! أجب دعاءنا، واحفظنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم واحفظ بلادنا من كل سوء.
اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والشرك والزيغ والبدعة والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد.
اللهم إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، ولا يخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء، اللهم أصلح ظواهرنا وبواطننا، اللهم واجعل نياتنا خالصة لك يا رب العالمين! اللهم وصلِّ على نبيك محمد، سيد الأولين والآخرين، وسلِّم تسليماً كثيراً.
وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 3075
ظاهرة ضعف الإيمان وأسبابها
لقد انشغل الناس بمغريات الدنيا وفتن الحضارة عن دينهم، حتى قست القلوب، وذبلت فيها شجرة الإيمان، وهذه ظاهرة خطيرة لابد من الكشف عن أسبابها والوقوف على أعراضها؛ ليتسنى علاجها، فهذه المحاضرة تخدم ما ذكر، فلينظر فيها من يريد حفظ إيمانه وتجديده
стр. 3076
حاجة القلب إلى التربية الإيمانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد فنحمد الله أن أعادنا وإياكم إلى هذه المجالس التي نسأله سبحانه أن يجعلها من مجالس الذكر، وأن يجعلنا وإياكم من المقبولين عنده، ومن الذين تحفهم الملائكة، وتغشاهم الرحمة، ويذكرهم الله فيمن عنده، ونسأل الله أن يجعلنا في أحوالنا كلها من المستقيمين على شرعه، المتمسكين بسنة نبيه محمد ﷺ ، وموضوعنا هنا يتعلق بالقلوب.
وموضوع القلوب موضوع حساس وهام، والقلب يتقلب بشدة؛ كما وصفه ﵊: (كالقدر إذا استجمعت غلياناً) بل هو أشد من القدر إذا اشتد غليانها، وهو يتقلب -أيضاً- كما يصفه ﵊ في الحديث الصحيح الآخر (كالريشة في الأرض الخلاء تقلبها الرياح ظهراً لبطنٍ، وبطناً لظهرٍ).
هذا القلب يحتاج إلى نوع خاص من التربية، وهي التربية الإيمانية، فالجسد يحتاج إلى ما يغذيه، وكذلك القلب يحتاج إلى ما يغذيه، الجسد حتى يكون سليماً يجب أن تمنع عنه الأشياء الضارة؛ مثل: السموم والآلات الحادة وغيرها، كذلك القلب يجب أن تمنع عنه الأشياء الضارة.
الجسم أحياناً يحتاج إلى نوع من الحمية حتى من الأشياء المباحة لكي يسلم، وكذلك القلب يحتاج إلى حمية، والتربية الإيمانية أهم نوع من أنواع التربية، ويمكن أن نعرف التربية الإيمانية: بأنها تنقية القلب والارتقاء به حتى يكون سليماً، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٩] وأن توصل هذه التربية الإنسان إلى مرحلة الإحسان، وهي التي وصفها ﵊ بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه) ومجال هذه التربية في القلب.
والأشياء الموجودة في القلب من الإيمان: قول القلب وعمله؛ قول القلب التصديق واليقين الجازم الذي لا شك معه، وعمل القلب في أشياء كثيرة، منها: الرجاء والخوف والخشوع والحياء والمحبة إلى آخره.
стр. 3077
واعظ الإيمان في قلب المسلم
الإيمانيات هي أكبر الطاقات في نفس المسلم، فالطاقة الإيمانية هي المحرك لجميع الأعمال، ويمكن أن نقول أيضاً: إن الهدف من التربية الإيمانية هو إحياء واعظ الله في قلب المسلم.
كل واحدٍ فينا فيه واعظ من الله ، والدليل على ذلك الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ الذي يقول فيه: (ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبوابٌ مفتحةً، وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ) أي: مثل الستائر (وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصراط جميعاً، ولا تتعودوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب -يعني: المحرمات- قال الداعي من فوق الصراط: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه) لو كشفت الستار؛ ستلج.
فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط الذي يقول: (ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه) واعظ الله في قلب كل مسلم.
أي مسلم يريد أن يقدم على معصية وكان من الذين في قلوبهم خوفٌ من الله، لا بد أن يكون هناك شيء في قلبه وضميره يعظه ويقول له: لا تفعل حتى لو وقع في المعصية؛ لأن النفس الأمارة بالسوء غلبت واعظ الله في قلبه، وإلا فواعظ الله موجود.
فالتربية الإيمانية تهدف إلى تقوية واعظ الله؛ حتى يتغلب واعظ الله على النفس الأمارة بالسوء.
стр. 3078
انتشار ظاهرة ضعف الإيمان
ومن الظواهر الخطيرة أيها الإخوة: أن نجد نفراً كثيراً من المسلمين اليوم، وحتى من الذين يعملون للإسلام؛ من يتأمل في أحوالهم، ويخالط أشخاصهم، ويحدق في وجوههم؛ يرى ظاهرةً خطيرةً وهي هُزال الإيمان في القلوب، وذبول الناحية العبادية، وضعف الصلة بالله التي أكد عليها القرآن والسنة، وهذه الظاهرة الخطيرة لا بد أن تعالج.
نحن الآن لا نتكلم عن البعداء عن الإسلام بالكلية والخارجين عن ملة الإسلام، لا.
إنما نتكلم عن أناس فيهم خير، لكن اعتراهم ضعفٌ في إيمانهم، وهذا الضعف في الإيمان قد يكون من البداية، مثل: إنسان كانت بداية دخوله في الدين -أصلاً- فيها أخطاء، وبدايته غير صحيحة تماماً، ولذلك إيمانه بقي ضعيفاً مع سيره في طريق الإسلام، لأن البداية فيها أخطاء.
هناك أناس دخلوا في الدين بحماس، والتزموا بشرع الله أقبلوا على الله، لكن مع طول الوقت واستمرار الزمن حصل عندهم ضعف في الإيمان، إلى هؤلاء سنتكلم ونوجه هذا الحديث.
الحقيقة -أيها الإخوة- أن الكلام في قضايا الإيمانيات يحتاج إلى أشخاص متخصصين، يتميزون بالشفافية، وقوة الصلة بالله ، والمداومة على العبادة؛ لأن الحديث الذي يخرج من قلوب هؤلاء يدخل في القلوب، وأحياناً الواحد قد يتعب في موضوع مثل هذا ويحضر نقاطه، ولكن لا يدخل في قلوب السامعين دخولاً قوياً، بينما تجد إنساناً مجتهداً في العبادة، متصلاً بالله صلة قوية، يتكلم كلمات بسيطة في مثل هذه القضايا، فيبدع إبداعاً كبيراً ويدخل كلامه في النفوس.
وأحياناً تجد الواحد قد ينتقي موضوعاً من هذه الموضوعات في حالة يكون فيها في وضع إيماني طيب، فإذا جاء يتكلم حصل لإيمانه نوع من الانخفاض، فلا يتأثر السامعون كثيراً بكلامه.
وعلى أية حال أقول: أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه عندما خطب في المسلمين، قال: [إني وليت عليكم ولست بخيركم] وهو خيرهم، ولكنه قال هذا تواضعاً.
والواعظ الذي يتكلم في موضوعات إيمانية لا يشترط أن يكون هو أحسن الموجودين؛ لأني أجزم -الآن- أن منكم من يستطيع أن يؤثر في السامعين أكثر مني، ولكني أستعين بالله ما دمنا قد انتقينا الموضوع وتورطنا فيه، ونسأل الله أن يكتب النفع.
стр. 3079
أهمية التربية الإيمانية
أيها الإخوة! التربية الإيمانية مهمة للآتي: ١ - أنها كفيلة بتصحيح النيات، وترسيخ الإخلاص، وإيجاد الضمانات لعدم حصول الانحرافات والأمراض القلبية، مثل: الرياء، وحب الرئاسة، وغيرها.
٢ - التربية الإيمانية مهمة للفرد المسلم حتى تحميه من هذه الانحرافات والأمراض.
٣ - وهي كذلك مهمة حتى يذوق المسلم حلاوة الإيمان؛ وحتى لا يكون هذا الإيمان بارداً جافاً ليس فيه حرارة في قلبه وضميره، وحتى يعمر الإيمان قلب المسلم بحيث يصبح هذا الإيمان في القلب مصدر الدفع، والمحرك الدائم لكل الأعمال الصالحة.
٤ - وكذلك التربية الإيمانية مهمة لإيجاد إيجاد الأوساط الإيمانية التي من خلالها يتربى الناس ويتحولون إلى لبنات صالحة في بناء المجتمع المسلم الكبير.
٥ - كذلك التربية الإيمانية مهمة لضمان نجاح العمل الإسلامي الذي يختلف عن بقية الأعمال، ويتميز عنها أكثر ما يتميز بهذه النقطة وهي الأشياء الإيمانية، لأن أي عمل تجاري يكون فيه دقة وقوة وحركة دائبة، وفيه تنسيق وتخطيط، وكفاءة عالية، كذلك العمل الإسلامي ينبغي أن يكون كذلك، لكن ليست هذه الأشياء هي التي تفرق بين العمل الإسلامي وغيره بقدر ما تفرق القضايا الإيمانية بين العمل الإسلامي وغيره، وبدون الأشياء الإيمانية تتحول الدعوة إلى الله إلى شبه أعمال روتينية مثل القضايا التجارية فيها تخطيط وتنسيق وكفاءة عالية، فالذي يميز هذه عن هذه قضية الأعمال الإيمانية أعمال القلب وأمور الإيمان.
٦ - وأخيراً فإن التربية الإيمانية مهمة؛ لأنها جالبةٌ لتوفيق الله الموصل إلى النصر، وإلا فإن الإخفاق والإحباط مصير كل عمل لا يلتزم بهذه الإيمانيات.
стр. 3080
مظاهر ضعف الإيمان
الموضوع بعنوان "ظاهرة ضعف الإيمان الأسباب والمظاهر والعلاج"، وحتى لا نطيل فسنتكلم عن المظاهر والأسباب، وإن شاء الله سنتكلم عن العلاج في درس مستقل.
стр. 3081
الوقوع في المعاصي والتدرج فيها
أيها الإخوة! من مظاهر ضعف الإيمان: أنه يؤدي إلى الوقوع في المعاصي والتدرج فيها من أسفل إلى أسفل سافلين، والوقوع في المنكرات بأنواعها، وهناك أناس كثيرون كانوا في يوم من الأيام من أقوياء الإيمان، فأصبحوا اليوم ينظرون إلى المحرمات: النساء الأجنبيات، ويشاركون في منكرات الأسواق وغيرها، وهذه المعاصي لها أضرار مدمرة ذكرها العلماء منهم: ابن القيم ﵀ في كتابه الداء والدواء، ولا بد من معرفة أن هذه الآثار والأضرار للمعاصي أشياء محسوسة، بل إن الرسول ﷺ أخبرنا بخبر عجيب يبين لنا وضوح هذه الآثار للمعاصي، فيقول ﵊ في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن ابن عباس، قال ﵊: (نزل الحجر الأسود من الجنة) هذا الحجر الأسود الذي في الكعبة نزل من الجنة (وهو أشد بياضاً من اللبن، فسودته خطايا بني آدم) فلاحظ كيف أن هذه الخطايا آثارها مادية محسوسة، قلبت البياض سواداً، ويذكر أحد علماء المسلمين في القرن السابع الهجري أنه ذهب إلى الكعبة، فوجد الحجر الأسود وفيه نقطة بيضاء، وبعد ذلك بمدة ذهب فوجد النقطة قد اختفت تماماً.
стр. 3082
عدم التأثر بآيات القرآن
ومن مظاهر ضعف الإيمان: عدم التأثر بآيات القرآن، ولا بوعده، ولا وعيده، ولا طلبه، ولا أمره، ولا نهيه، ولا في وصفه للقيامة، فهو يسمع القرآن كأي كلام آخر، لا يستطيع أن يتلوه إلا لدقائق معدودة، نفسه لا تتحمل كثرة تلاوة القرآن، وهذا مشاهد؛ فحينما يفتح أحدنا القرآن يحاول أن يقرأ، فلا يستطيع أن يواصل أكثر من دقائق معدودة، ثم يجد نفسه مضطراً لإغلاق المصحف وإعادته إلى مكانه.
стр. 3083
ضيق الصدر وانحباس الطبع
كذلك من مظاهر ضعف الإيمان: ضيق الصدر، وانحباس الطبع حتى كأن على الإنسان ثقلاً كبيراً ينوء به ويلهث تعباً منه، فيصبح سريع التضجر والتأفف من أدنى شيء، ويشعر بالضيق من تصرفات الناس حوله بسبب ضعف الإيمان، وتنعدم السماحة في نفسه، والرسول ﷺ يصف الإيمان بقوله: (الإيمان الصبر والسماحة) فتزول السماحة من نفسه وتضعف نتيجةً لضعف الإيمان، ويعقبها هذا التأفف والتضجر وضيق الصدر، وعدم تحمل تصرفات الآخرين.
стр. 3084
الشعور بقسوة القلب
ومن مظاهر ضعف الإيمان كذلك: الشعور بقسوة القلب، وخشونته، حتى يحس الإنسان أن قلبه قد انقلب حجراً صلداً لا يترشح منه شيء، ولا يتأثر بشيء، وهذا ليس مبالغاً؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة:٧٤].
стр. 3085
عدم إتقان العبادات
ومن مظاهر ضعف الإيمان: عدم إتقان العبادات، وهذه تتمثل في شرود الذهن أثناء الصلاة، أو أثناء قراءة القرآن، أو أثناء الأذكار بعد الصلوات، أو دعاء الله ، فيحدث عدم التفكر في معاني الأذكار كثيراً فيقرأ الإنسان الأذكار كعملية دورية رتيبة يداوم عليها، لكنه لا يفكر في معاني الأذكار وهو يقرؤها، ولو اعتاد أن يدعو بدعاء معين في وقت معين، جاءت به السنة فإنه لا يفكر في معاني الدعاء.
следующие страницы →