Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
أساليب في صرف كثيري الزيارة
السؤال
ما هو الأسلوب المناسب لطرد الزوار الذين يكثرون الزيارة؟
الجواب
يعني: لماذا طرد الزوار؟ لتقل مثلاً: لصرف الزائر بالحسنى، أو جعله يحس بالخروج مثلاً، فهناك من الإشارات العابرة التي ليس فيها تصريح يمكن أن يفهم منه، وإذا كان لم يفهم بالتلميح فبالتصريح، لكن لا يكون طرداً، بل يكون أمراً لهم بالانصراف، مثل الاعتذار: يا أخي! أنا عندي موعد بعد قليل أو عندي شغل أرجو المعذرة، لو حصل زيارة أخرى في وقت أنسب وهكذا.
стр. 3327
عدم جواز منع العامل من الزيارة
السؤال
أريد أن أزور إخواني في الله لكن أمسك كثيراً بسبب أني أعمل في عمل عسكري وإنه يتعذر عليَّ الخروج فما العمل؟
الجواب
تستطيع أن تخرج الخميس والجمعة أو في الشهر مثلاً، فزر ولا تخف في الله لومة لائم، إذا خرجت في وقت الخروج من المعهد مثلاً أو من غيره من الأماكن التي يكون فيها العسكري في وقت الإجازة فزر إخوانك في الله.
ونكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
стр. 3328
كيف نتعامل مع الناس [١] ؟
في هذا الدرس بيَّن الشيخ أموراً كثيرة متعلقة بمعاملات الناس فيما بينهم، فنبه على البيع الحلال واجتناب الربا، وركَّز على موضوع أداء الأمانة بمفهومها الشامل، ثم عرَّج على قضية المسلمين في الشيشان وأحوال الجهاد فيها.
стр. 3329
الصدق مع الخالق والمخلوق
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإن المسلم يصدق مع الله ، ويصدق مع عباده، فهو صادق في عبادته وصادق في معاملاته، والله قد طلب من العباد أموراً كثيرة، فيقوم العبد بالإخلاص لله في علاقته فيما بينه وبين الله، وأما علاقته بينه وبين الخلق، فإنها تقوم على الصدق وعلى الفقه، فالفقه والعلم مع الصدق أساسان في التعامل بين العباد.
стр. 3330
التعامل بالبيع واجتناب الربا
إن المسلم الذي يعلم أن الله أحل البيع وحرم الربا، لا يغشى الربا أبداً، ويفعل البيع عن تراضٍ كما قال النبي ﷺ ، ولا يبيع محرماً ولا يبيع بيع جهالة وغرر، وإذا نادى المنادي لصلاة الجمعة امتثل أمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] ولا يتشاغل إذا أقيمت صلاة الجماعة، ولا يتشاغل بأي أمر إلا في الخروج إلى الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة فلا يحلُ لأي مسلم أن يفعل أي شيء غير الخروج لصلاة الجماعة، وقد قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٧ - ٣٨].
والمسلم لا يبيع أمراً محرماً ولا شيئاً يستعان به على معصية الله، كآلات اللهو وغيره؛ لأن ربه نهاه عن ذلك بقوله: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] وكذلك فإن المسلم لا يبيع بيع عينة، فلا يبيع سيارة بخمسين ألفاً مؤجلة مثلاً، ثم يشتريها نقداً من المشتري بأربعين مثلاً، فتكون القضية أنه أعطاه أربعين ألفاً ليردها إليه خمسين ألفاً وهذه خدعة، فإذا انطلت على الأطفال؛ فإنها لا تنطلي على رب العباد.
وكذلك فإن المسلم لا يذهب إلى جهة يقول: أريد أن أشتري سيارة من معرض أو وكالة فيعطونه شيكاً يسلمه للمعرض، ويأخذ السيارة ثم يقسط قيمتها بزيادة على من أعطاه الثمن، لا يفعل ذلك؛ لأنه يعلم أنه عملٌ محرم، أقرضوه الثمن بهذا الشيك، ثم سدده إليهم بزيادة، وهو يعلم أنه لا بد أن تكون السلعة عند البائع، وأن تكون في حوزته فلا يقبل مثل هذه التحويلات المبنية على الخداع، وهكذا لا يسحب ببطاقات الائتمان على المكشوف بزيادة؛ لأنه يخاف الحرب من الله الذي قال في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩].
فالمسلم يفقه الشروط الشرعية في البيوع، ولا يبيع بيعتين في بيعة، ولا يقول لشخص: أبيعك على أن تأجرني، ولا أؤجرك على أن تشركني في العمل الفلاني، ولا يأخذ فائدة مقابل قرض أبداً، ولا يقول: أقرضك على أن تزوجني، وكذلك فإنه لا يبخس الناس حقوقهم، ولا يغش ولا يدلس ولا يحلف على الكذب، فلا يخفي عيوب سيارة إذا أراد بيعها، بل يبين كل ما فيها، والمسلم إذا أقرض فإنما يبتغي بعمله وجه الله والدار الآخرة والثواب والأجر من الله ، لا يريد زيادة ولا منفعة، وإذا أراد فلسان حاله كما قال المؤمنون عند الإطعام: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ [الإنسان:٩] إنه يريد بقرضه الحديث الذي قاله النبي ﷺ : (ما من مسلمٍ يُقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة) فلو أقرضت عشرة آلاف لشخص ثم استرددتها منه؛ فإنك تكون قد تصدقت بخمسة آلاف.
وهكذا فإن المسلم يبتغي بإقراض المحتاج الأجر الذي في حديث النبي ﷺ : (من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) وكذلك إذا اقترض من شخص اجتهد في رد المال في الوقت إذا حدد له وقتاً.
стр. 3331
أداء الأمانة
المسلم يؤدي الأمانة ولا يأخذ أموال الناس يريد إتلافها؛ لأنه يعلم العقوبة أن الله سيتلفه، ولا ليبدد الأموال في الأسفار المحرمات ثم يقول: ليس عندي ما أرده إليك وإنما يقترض للحاجة وينوي الرد ولا يماطل ولا يكذب ولا يتهرب من المواعيد ويسعى لأجل إخلاص الرد على الوجه المطلوب، وهو يتذكر أن رجلاً ممن كان قبله اقترض وعبر البحر وسعى في عمل، فلما جاء وقت السداد وهو في الساحل الآخر لم يجد سفينة يأتي عليها ليسدد حسب الموعد، فأخذ خشبة فنقرها ووضع فيها المال ورماها وهو يدعو الله أن يُبلغها لصاحبه، فلما علم الله ما في قلبه من الصدق والحرص على أداء الأمانة، لم يُقدر للجذع أن يغرق، ولا للمال أن يتفرق ولا للخشبة أن تضيع في الأمواج ولا أن تذهب إلى ساحل آخر ولا أن يلتقطها رجل آخر؛ بل قدر الله أن تتهدى تلك الخشبة على سطح الماء، لتصل إلى صاحب المال الذي خرج في وقت وصولها إلى الساحل بقدر من الله ، فيأخذها حطباً لأهله ثم ينشرها ليجد المال فيها، وهكذا صدق المسلم في التعامل هو الذي يؤدي إلى بلوغ النتيجة وحصول الأمنية وبراءة الذمة.
إن المسلم لا يبيع بيتاً مرهوناً إلا بموافقة المرتهن، ولا يأخذ مقابلاً على كفالة؛ لأن الكفالة عقد إحسان يبتغي به وجه الله، فإذا أراد أن يأخذ شيئاً من مكفوله؛ فإنه يأخذه أجرة لشيء يؤجره إياه حقيقة، أو يشاركه فيه حقيقة، وكذلك فإن المسلم لا يتوكل في أمر لا في محاماة ولا في غير ذلك من أنواع الوكالات إلا وهو يعلم أن القضية التي يوكل فيها مباحة وأن التوكيل ليس من ظالم يريد أن ينتزع به حق امرئ مسلم، وكذلك فإن المسلم يسعى في الصلح بين المسلمين، يرجو ثواب الله الوارد في كتاب الله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١١٤].
والمسلم إذا عُرض عليه صلح يقبله ولا يتعنت ولا يعاند ولا يكابر، بل يتنازل كل طرف عن شيء من الحق ليحصل الصلح؛ لأن الله ندب إليه وأراده وقال لعباده المؤمنين: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) [الأنفال:١] فهو يتنازل عن شيء من الدين أو شيء من الدية، أو شيء من حقوق الشراكة لتصلح الأمور ويفعل ذلك ابتغاء وجه الله.
وكذلك فإن المسلم إذا استعار شيئاً، وقد انتهت المدة أو انتهت حاجته إليه حافظ عليه وحفظه ورده؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:١ - ٧] فيمنعون الماعون الذي استعاروه، والأدوات التي اقترضوها، إنهم بمنعهم هذه العارية من إعادتها لأهلها، استحقوا الويل الذي هدد الله به فقال في أول السورة: (فويل).
أيها المسلمون: ألا فليتق الله الناس الذين يستعيرون سيارات إخوانهم، ثم لا يرقبون فيها حق العارية ويستعير الشيء فيرده تالفاً أو يرده ناقصاً، أو يرده وهو لا يشتغل، كيف يعمل هذا والله يقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فإذا أتلف المسلم شيئاً أو أحد أولاده؛ فإنه يلزمه أن يرد ثمنه إلى صاحب المال يرد مثله أو يرد قيمته أو يطلب المسامحة ولا يترك الأمور ليوم القيامة ليوم لا دينار فيه ولا درهم.
إن المسلم يا عباد الله! إذا استودع شيئاً حفظه، إن الأمانة إذا أودعت عندك فإنك تقوم بحقها يا عبد الله! ابتغاء الأجر من الله وتؤديها امتثالاً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
إذا أعطي المسلم زكاة أو صدقة أو تبرعات ليُوصلها إلى جهة معينة؛ فإنه مؤتمن عليها، يوصلها ولا يجوز له أن يتصرف فيها، فلا يجوز لمسلم أبداً أن يقترض من أموال الزكاة أو الصدقات أو التبرعات المودعة عنده، فلو أودع شخص عندك أمانة، فلا يجوز لك أن تقترض منها، ولو قلت أوفيها في آخر الشهر، والراتب مضمون، ف
الجواب
لا يمكن أبداً أن تتصرف في الأمانة التي عندك، لا تقترض منها ولا تقرض منها أبداً إلا بموافقة صاحب الأمانة الذي استودعها عندك؛ لأن الأمانات والأموال المعطاة لصرفها لجهة معينة لا يجوز استعمالها، وإنما تُصرف إلى من وكل الإنسانُ بصرفه إليه.
إن أمانة المسلم تفرض عليه أنه إذا لقي شيئاً ذا قيمة فالتقطه بأن يقوم بتعريفه والإعلان عنه بكل وسيلة ممكنة في حدود المستطاع، فإذا لم يقو على التعريف فلا يلتقط شيئاً أصلاً، وهو لا يستطيع أن يقوم بأمانة التعريف والإعلان.
عباد الله! إن هذه الأمور تميز المسلم في تعاملاته وفي معاملاته وفيما يعمل به خلق الله ، كما أنه أمين ومخلص في طهارته وصلاته وإخراج زكاته وحفظ صيامه وحجه وذكره ودعائه وتسبيحه وتلاوته؛ فإنه كذلك يفقه ويخلص ويصدق في معاملاته فيما بينه وبين الخلق.
وللموضوع تتمة.
ونسأل الله أن يبارك لنا فيما آتانا وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وأن يكفينا بفضله عمن سواه إنه سميع مجيب قريب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3332
الشيشان آيات وعبر
الحمد لله وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله البشير والنذير والسراج المنير، والرحمة المهداة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اقتفى هداه.
عباد الله: أيها المسلمون! إن قلوبنا مع إخواننا المسلمين في كل مكان، وإن المسلم من خلال عقيدة الولاء للمؤمنين مرتبط قلبياً بإخوانه في الأرض يعيش آلامهم وآمالهم وأحزانهم وأفراحهم، (المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
إن مما تُؤجر عليه يا عبد الله! أن تفرح لنصر المسلمين وأن تحزن لما أصاب المسلمين، هذه مشاعر نؤجر عليها وهي من أدلة الإيمان في القلب.
عباد الله: أيها المسلمون! إن الأخبار العجيبة التي تأتي من بلاد الشيشان فيها آيات وعبر مما أقامه الله تعالى لنا من الأدلة والبراهين في هذا الوقت الذي ضعف فيه المسلمون واستذلهم الكفرة، ولكن الله يُجري في أرضه أقداراً تعيد إلى المسلم أموراً كثيرةً طالما غابت عن المشهد وعن المشاعر، وآخر أخبار الساعات الماضية أن القوات الروسية التي حاولت دخول جروزني قد ردت على أعقابها بالرغم من تقدم أرتال الدبابات وقصف المروحيات على المباني التي يتحصن فيها المجاهدون الشيشان، وكان الجنود الروس يتساقطون كالذباب برصاص القناصة المسلمين، وقد سقط في أسر المجاهدين الكافر المشرك الجنرال ميخائيل ملوفيف قائد القوات الروسية المهاجمة لـ جروزني، فيما اعتبر نكسة خطيرة للروس وهزيمة معنوية كبيرة؛ أن قائد قواتهم المهاجم للبلدة يسقط أسيراً بأيدي المسلمين.
والله يذل من يشاء ويعز من يشاء، أليس عجيباً جداً أيها الإخوة! صمود المجاهدين المسلمين الذين لا يتعدى عددهم ألوفاً قليلة أمام نحو مائة وخمسين ألف جندي روسي؟! أليس عجيباً جداً بسالة المجاهدين المسلمين في الشيشان ومقاومتهم وهم يمطرون صباح مساء بقنابل متعددة! بعضها وزنها طن وبأسلحة كيميائية ممنوعة دولياً، وكذلك براجمات الصواريخ وحتى صواريخ أسكود وقصف المروحيات الوحشي وقصف مدافع الدبابات والآلة العسكرية الروسية ومع ذلك يصمد المسلمون، أليس عجيباً أن يتحدث المحللون والخبراء العسكريون الغربيون بإعجاب عن التكتيكات العسكرية الناجحة للمجاهدين المسلمين وابتكاراتهم في استدراج المدرعات الروسية إلى الشوارع الضيقة ثم مهاجمتها من فرق ثلاثية تضم قناصاً وحامل (آربيجي) ومقاتلاً بمدفع رشاش! وكذلك تكتيك الكر والفر ومهاجمة المدن التي يحتلها الروس وإيقاع أفدح الخسائر بهم ومن ثم الانسحاب! وكذلك تغيير مواقع الوحدات المدافعة عن جروزني تحسباً للقصف الروسي! أليس عجيباً جداً أن تصمد عاصمة المسلمين طوال هذه المدة مكذبة كل المواعيد التي حددها كبار الساسة والعسكريين الروس، هذا مع أن المدنيين المسلمين في العاصمة لا يستطيعون الخروج من الملاجئ لدفن أي قتيل من غزارة القصف الروسي والغارات الجوية المستمرة على مدار الساعة، وقد أخبر بعض الفارين من المدينة أن بعض الناس قد صاروا هياكل، أي: جلداً على عظم من الهزال والمجاعة من جراء الحصار وحتى لو انسحب المجاهدون من جروزني؛ فسيجد الروس من العمليات في المناطق الجبلية وغيرها ما سيعانون منه معاناة عظيمة، إلى أن يخرجوا مطرودين إن شاء الله شر طردة من بلاد الشيشان، لقد أيد الله المجاهدين في الشيشان بصدقهم وبلائهم ودعاء ملايين المسلمين لهم في أنحاء العالم، وقد ظهرت آثار أدعية قنوت رمضان بهذا الصمود العجيب الذي نراه، وهذه الخسائر الفادحة التي نزلت بالروس الشيوعيين والنصارى، فبعض الروس قد اعترفوا بثلاثة آلاف قتيل، ولكن بعض الأنباء تفيد بأن قتلاهم لا يقلون عن عشرة آلاف، هؤلاء الذين اصطبغ الثلج بلون دمائهم بينما قدم المسلمون مئات من المقاتلين وآلافاً من المدنيين العزل، فيمن نسأل الله أن يجعلهم شهداء يوم القيامة.
لقد أرسل الله جنوده: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] أرسل على الروس صقيعاً، وتعاني عدد من وحداتهم جوعاً، حتى باعوا أسلحتهم للمجاهدين، ومن يصدق أن الله يأتي بضباب يلف مدينة آرجن المحتلة حتى تدخل إليها وحدات المجاهدين، فتضرب الروس ضربات موجعة وخسائر فادحة، ثم تنسحب ومن يصدق في غمرة هذا الضباب، أن بعض الوحدات الروسية من المشاة الذين انسحبوا في هذا الضباب قد سقطوا في هاوية سحيقة، وهم ينسحبون وأهلكهم الله ، وألقى الله الرعب في قلوب أعدائه، وتنازع ساستهم وعسكريوهم، ولعن بعضهم بعضاً، وأُقيل من أقيل وتضاربت مصالحهم، وأرسل الله عليهم الارتباك فقصفت بعض الوحدات الروسية بعضها في عدد من المرات، وحلّ في بعضهم أمراض معدية، وأصاب بعض صواريخهم بعضاً وانفجرت دباباتهم بنيرانهم هم.
أيها المسلمون: لو صدق المسلمون الله فهل يقف في طريقهم أحد؟! هل يمكن ليهود أو نصارى أو غيرهم من أعداء الإسلام أن يقفوا ولو كانت أعداد المسلمين أقل، أو عدتهم أقل، هذا مثال عملي يضربه الله تعالى لنا في بلاد الشيشان قليلة العدد والعدة وسلاح المجاهدين من غنائم العدو.
إذاً أيها الإخوة: الصدق مع الله والثبات على الدين هو السبب الأول للنصر والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وهذه أمثلة على مُضي الجهاد واستمراره، دالة على صدق النبي ﷺ فيما أخبر، ومما ينبغي له سجدة شكر والشيء بالشيء يُذكر مقتل أركان قائد وحدات النمور الصربية الذي عاث هو ومقاتلوه في أرض المسلمين فساداً في البوسنة وكوسوفا، وأرداه الله في عز ثروته من الشركات التجارية وفي الفندق الفخم الذي كان يسهر فيه، وترملت المغنية المشهورة والممثلة التي تزوجها، ونسأل الله له أشد العذاب.
اللهم إنا نسألك أن تنصر المجاهدين وأن تُعلي كلمة الدين، اللهم عجل فرج المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأهله.
стр. 3333
كيف نتعامل مع الناس [٢] ؟
في هذه الخطبة تكلم الشيخ عن كثير من الأحكام المتعلقة بمعاملات الناس فيما بينهم، فتحدث عن الأعطية وما ينبغي فيها، والوصية وأحكامها، والنكاح وآدابه، ثم عرج على الأسرة وحال الآباء مع الأبناء، ثم معاملة الرجل لزوجته وحال الآباء مع البنات، ثم ذكر كثيراً من الأحكام الأخرى في الشرع، وفي الأخير وضح بعض المعالم المستفادة من واقع الجهاد في الشيشان.
стр. 3334
مظاهر صدق معاملتنا مع الآخرين
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
عباد الله: إن المؤمن يخاف ربه في علاقته معه، وكذلك يخاف ربه في علاقته مع الناس، وقد سبق الحديث عن شيء من الأمثلة في خوف المسلم من ربه في تعامله مع الخلق، والله يحاسبنا على علاقتنا فيما بيننا، بناءً على هذه الحقوق التي أوجبها لبعضنا على بعض وجعلها أحكاماً بين المسلمين.
стр. 3335
أحكام الأعطية
ومن ذلك أن المسلم إذا أعطى أحداً عطية ليس فيها معصية، فلا يرجع في عطيته؛ لأن النبي ﷺ شبه ذلك بأشنع الصور وأقبحها فقال (العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه).
وقال ﵊ مستثنياً واحداً من هذا، قال: (لا يحل للرجل أن يُعطي العطية فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده) رواه الخمسة وصححه الترمذي.
وعلى الوالد أن يعدل في العطية بين أولاده كما ذكر كثير من العلماء: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] على قاعدة الشريعة في الميراث والعقيقة والشهادة وغير ذلك، فلا يُعطي أحداً من أولاده عطية دون الآخرين بدون مبرر وسبب شرعي، فأما إذا قامت بواحد من الأولاد حاجة ليست عند الآخرين، كمرض أو فقر أو دين أعطاه لسد حاجته.
стр. 3336
أحكام الوصية
والمسلم كذلك لا يضر في وصيته، فلا يزيد على الثلث ولا يُوصي لوارث؛ لأنه لا وصية لوارث أبدًا، فإن الله قد أعطاهم حقوقهم وبيّن أنصبتهم وحظوظهم، فلا يجوز لأحد أن يُوصي لوارثه، وكذلك لا يجوز حرمان وارث؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء:١٢]، وقال ابن عباس ﵁: الإضرار في الوصية من الكبائر، وإذا قام المسلم على وصية مسلم أنفذها وقام بالأمانة فيها، فيُخرج حقوق الله أولاً من زكاة أو كفارات أو نذور لم يُخرجها الميت، ثم يخرج حقوق الآدميين من الديون وغيرها، وينفذ ما أوصى به الميت إن كان قد أوصى بشيء، وعلى الإخوان الكبار ألا يبخسوا إخوانهم الصغار حقوقهم، وألا يتعدى الذكر على الأنثى، فيأخذ حقها كما يفعل عدد من الأبناء إذا مات أحد الأبوين مثلاً، وبعضهم يقسم قسمة جاهلية، كما يفعلونه بتركة الأمهات فيكون المال والسيولة للذكور والذهب للإناث: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم:٢٢] وإنما يقسم الجميع كما أمر الله .
عباد الله: ما الذي يحمل المسلم على إنفاذ الوصية؟ ما الذي يحمله على أن يأتي بها على الوجه الذي أرادها الموصي دون زيادة ولا نقصان؟ إنه الخوف من عذاب الله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) [البقرة:١٨١] وانظر إلى الوعيد الذي ذكره الله بعد أن بيَّن قسمة المواريث فقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٣ - ١٤].
стр. 3337
أحكام النكاح
أيها المسلمون: إن المسلم يخاف الله فيسعى للنكاح إذا خشي على نفسه الحرام، ويجتهد لذلك بكل سبيل وطريقة مبتغياً العفة وتنفيذ ما أمر الله به ورسوله ﷺ ، فليتزوج ولا يُخفي أي من الطرفين ما يجب أخبار الطرف الآخر به من العيوب، والمكر والخديعة في النار.
ولا يُمنع المسلم الخاطب الجاد من حقه في رؤية المخطوبة؛ لأجل عادات جاهلية، وأعراف لم ينزل الله بها من سلطان، وإنما يُعطي المسلم الحق لأهله، ويُمَكن الطرفين من رؤية بعضهما بالحلال، والعجب كل العجب ممن يسمح لابنته أن تخرج سافرة في الأسواق والشوارع وبين الرجال، ويتغاضى عن هذا العمل المحرم، ثم إذا أراد الخاطب رؤيتها بما شرع الله تمنع من ذلك وتشدد فيه.
والمسلم كذلك يفي بشروط النكاح؛ لأن نبيه ﷺ قال: (المسلمون على شروطهم) وقال: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) والمسلم لا يُغلي مهراً؛ ليرهق الزوج ولا يأخذ من البنت ما تحتاج من الصداق، لأن الله قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾ [النساء:٤].
وكذلك فإن المسلم يُعاشر زوجته بالمعروف؛ امتثالاً لأمر الله وعاشروهن بالمعروف، فيؤدي حقها في النفقة والسكنى والمبيت وعدم المضارة وعدم الإيذاء فلا يسبها ولا يشتم أهلها، بل يُحسن عشرتها؛ لأن النبي ﷺ بعث العطف في نفسه عندما قال له (فإنهن عوانٍ عندكم) أي: أسيرات فإذا كانت أسيرة في بيتك لا يكاد يوجد لها حول ولا قوة.
ولا تخرج إلا بإذنك، فإن من حقها عليك أن تُحسن عشرتها ما دام الشارع قد جعلها تحت سلطانك، هذا الكلام رغم أنف الذين يريدون اليوم أن يصدروا قوانين يزعمون أنها لتحرير المرأة أو لمصلحة المرأة فتسافر بغير إذن زوجها، هكذا يريدون الانحلال، وأن تكون القضية انفلات الأسرة، وأن تخرج المرأة متى ما تريد، وأن تسافر متى ما تريد، وأن تُطلق نفسها متى ما تريد.
ولذلك فإن المسلمين الصادقين تنبعث في نفوسهم المقاومة لهذه التيارات التي تريد اليوم أن تحطم مجتمعات المسلمين باسم تحرير المرأة، وإعطاء المرأة حقوقها، فهم يريدون أن يسنوا القوانين لإعطاء المرأة حقوقها وكأن الله لم يعطها حقوقها، ولم يُنزل قوانين من السماء! فلماذا سنوا القوانين إذا كانت هذه الشريعة موجودة وقوانينها موجودة؟! ألم يكن الأجدر بهم أن يقولوا: هذه الشريعة نحكمها، وهذه قوانين الرب نرجع إليها بدلاً من سن القوانين الجاهلية التي تريد كسر قوامة الرجل على زوجته؟! انتبهوا أيها المسلمون: كسر القوامة ذلك الوتر الذي يريد أن يلعب عليه هؤلاء؛ لأن قوامة الرجل إذا انكسرت عم الفساد وطم وهكذا تتنقل القضية، ولكن بحمد الله يوجد دائماً في الأمة من يقوم لله بالحجة ومن يُنكر ويعترض ويبين، ولذلك فإن مقاومة الفساد والانحلال واجب على المسلمين جميعاً، وإعلان الإنكار لأي محاولة من أولئك العابثين بشرف المسلمين وعفتهم وطهرهم، يجب أن تتوالى هذه المحاولات وهذه الإنكارات لإبقاء مجتمع الإسلام موافقاً لشريعة الله ، سواء الذي شرعه في العبادات أو في المعاملات بين الزوجين، أو بين المبتاعين وبين غير ذلك من أحوال المجتمع كافة.
عباد الله! إن المسلم لا يكره زوجته إلا لأمر شرعي ولو كرهها لشيء من خُلقها فليصبر؛ لأن الله ندب إلى ذلك فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩] وربما رزق منها بولد فجعل الله فيه خيراً كثيراً، كما ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والمسلم يحافظ على زوجته ويصونها في حجابها وخروجها، ولا يسافر بها إلى أماكن المعصية، ولا يُرغمها على رؤية ما حرم الله، ويحفظها من أماكن المنكرات ومن التشبه بالكافرات.
стр. 3338
حال الآباء مع الأبناء
عباد الله: إن المصيبة فادحة برجال قد جلبوا هذا الدش أو هذه الصحون الفضائية وهذه الأطباق إلى بيوتهم، ثم تتوالى علينا القنوات الجنسية، والذي كان لا يأتي إلا بأجهزة خاصة أو بالتشفير صار يأتي الآن بغير تشفير، وإذا كانت قناة صارت أربعاً ثم صارت عشراً وهكذا تتوالى هذه القنوات الإباحية بالمجان، وقد اكتشف بعض الآباء والأمهات أولادهم في أثناء غيابهم قد فتحوا على هذه المحطات، إلى متى ننتظر إذاً ونحن نترك وسيلة الفساد العظمى في البيوت تعمل عملها في أبنائنا وبناتنا وأنفسنا؟! يا عباد الله! إن اليهود يريدون انحلالاً كاملاً وعرضاً للعورات المكشوفة على الملأ، يريدون أن يعم الانحلال في العالم ليركبوا الحمير عند ذلك بزعمهم، فإن الناس إذا كانوا بغير دين وخلق؛ صاروا كالبهائم أو أحط من البهائم، فعند ذلك يركبهم اليهود.
فهل يتفطن المسلمون الذين يجلبون هذه الأطباق الفضائية إلى بيوتهم إلى الخطر الداهم الذي يتهدد أبناءهم، وبناتهم وزوجاتهم وأنفسهم بهذه الشرور.
وإذا كان أول ما جاء لم يكن فيه هذه القنوات الجنسية، فقد صارت الآن فما هو موقفك يا عبد الله؟! هل تقبل مسلسل الإفساد بالتدريج، هل تنطلي عليك القضية؟ هل يتبلد الحس أمام المنكر؟ هل تُبقي هذا المفسد في بيتك وأنت تعلم أن الله سائلك عما استرعاك وأي تضييع أعظم من أن يذر المسلم في بيته وسيلة الإفساد تبث سمومها وشرورها بتلك الألوان والجاذبيات وأنواع المناظر على مرأى من بناته وأبنائه من هؤلاء الشباب والمراهقين، بل حتى الصغار الذين صاروا يطلعون على مناظر أرعبت بعضهم، فصاروا يرتجفون من هول ما رأوا وربما أفسدت البعض الآخر الذين انطلقوا يبحثون عن هذه الماهيات ويدققون فيما رأوا.
عباد الله! قليلاً من العودة، قليلاً من التفكير، إننا نحتاج إلى تدبر في الحال، إننا نحتاج إلى وقفة نقف بها أمام هذا التيار الهادر وأمام هذا الإعصار الذي يعصف بديننا وأخلاقنا وعفتنا.
стр. 3339
معاملة الرجل لزوجته
عباد الله: كيف برجل يفتح هذا الجهاز ثم ينادي زوجته لكي تجلس معه، فإذا تأبت ورفضت تلك المرأة التي فيها دين وعفة، قال: إما أن تجلسي وإما أن تذهبي، فإذا أرادت أن تجلس مع زوجها بعدما عاد من العمل، لم يكن إلا هذا الخيار الذي هو من المرارة بمكان، ثم الخيار الآخر فتنصرف كسيفة البال حزينة، فإما أن تجلس وزوجها يرى المنكر وهي تحترق، وإما أن تنصرف فلا جلوس ولا حديث مع الزوج الذي وضع أمامها هذا الخيار.
عباد الله! أين تقوى لله؟! عباد الله! أين الخوف من الله؟! عباد الله! أين الذين يخافون اليوم الآخر؟! يا أيها المسلم! يا عبد الله! اتق الله في نفسك وأهلك وزوجك وبيتك وأولادك! والزوج المسلم يرعى حق زوجته حتى في الفراش فلا يطأها في حيضها ولا يأتيها في دبرها.
ويأمرها بالصلاة امتثالاً لأمر الله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] ويأمرها بغسل الجنابة لأجل إدراك الصلاة وخصوصاً صلاة الفجر، ولا يظلمها حقها في المبيت ويراعي العدل بين الزوجات إن كان لديه أكثر من زوجة؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن من لم يراعِ ذلك، يأتي يوم القيامة وشقه مائلة وقد قال الله: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء:١٢٩].
وكذلك فإن الزوج المسلم لا يمنع زوجته من صلة رحمها، وهو ينفق عليها وعلى أولاده، ولا يلعب المسلم بطلاق، ولا يهزل فيه أبداً؛ فإنه أمر عظيم، ألا فليتق الله من يطلق بالثلاث دفعة واحدة، أو من يطلق في حيض أو يُطلق في طهر أتاها فيه، وأعظم من ذلك الذي يسكر ويطلق، ويشرب الخمر ويشرب الحرام الذي حرمه الله من فوق سبع سماوات، ألا فليتقِ الله الرجل الذي كلما أراد أن يلزم شخصاً بشيء حلف عليه بالطلاق، لا تلعبوا بكتاب الله، لا تلعبوا بأحكام الله، فارعوها حق رعايتها، ثم هذا يقول لزوجته: أنت عليّ مثل أمي أنت كأمي إن لم تفعلي كذا ونحو ذلك، ألا إنه منكر من القول وزور كما قال الله : ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة:٢].
стр. 3340
حال الأبناء مع البنات
وكذلك فإن الأب المسلم لا يمنع ابنته من الرجوع إلى زوجها إذا طلقها وصارت في عدة الطلاق الرجعي؛ لأن الله قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة:٢٢٨].
والأب المسلم لا ينزع الولد من حضانة أمه ولا يمنعها من رضاعه؛ لأن الله قال: لا تضار والدة بولدها، وهو يُنفق على أولاده امتثالاً لأمر الله الذي قال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] آلمتني قصة سمعتها من رجل لما طُلقت ابنته وردت إلى بيته قال لها: لا تحسبي أنكِ تجلسي معنا في البيت مجاناً، عليك أن تواصلي العمل وأن تدفعي لي شهراً ألفاً وخمسمائة، وبعضهم يجبر ابنته على العمل لأخذ راتبها وربما رفض زواجها أصلاً؛ ليجعلها مصدر دخل له، أين الشهامة؟! أين الرجولة؟! أين المروءة؟! أين الإنفاق الذي أمر الله به الرجال؟!
стр. 3341
المسلم لا يأكل إلا الطيبات
والمسلم لا يأكل إلا الطيبات ويرعى ما يدخل في بطنه؛ لأن أول ما ينتن من الإنسان في قبره بطنه، ويراعي قول الله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ [البقرة:١٦٩] فلا يشرب خمراً ولا يتعاطى حشيشة ولادخاناً خبيثاً، وينتبه لمكر الكفار في الطعام والحلويات وغيرها في جعل الخنزير والميتة والخمر.
стр. 3342
المسلم يحفظ اليمين ولا يحلف إلا بالله
عباد الله: إن المسلم يحفظ يمينه فلا يكثر الحلف؛ لأن الله ذم ذلك، فقال: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:١٠] فليتق الله رجالٌ الحلف على طرف ألسنتهم، كلما رفعوا شيئاً أو وضعوه أو حركوا ساكناً سبق اليمين إلى لسانه، أين توقير الله ؟ ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح:١٣].
وليتق الله الذين يحلفون بغير الله: (ليس منا من حلف بالأمانة) فلا يحلف المسلم بأي معظم، لا بالكعبة ولا برأس أبيه، ولا حياة أولاده، وإنما يحلف بالله العظيم؛ إذا أراد أن يحلف على الأمر المهم الذي يحتاج إلى القسم واليمين.
стр. 3343
مراقبة الله في الشهادة
وكذلك فإن المسلم يراقب الله في الشهادة التي يشهدها، فهو لا يشهد إلا بعلمٍ فيقول كما يقول الله: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف:٨١] ويقيم الشهادة لله خالصة، لا يريد من وراء الشهادة جزاء ولا شكوراً ولا مطمعاً دنيوياً فضلاً عن أن يشهد على زور؛ لأن ربه قال في الكتاب العزيز: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق:٢] وإذا دُعي حضر كما قال الله: ﴿وَلا يَأْبَى الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:٢٨٢].
ولذلك قال العلماء: الشهادة فرض كفاية ولا يكتم الشهادة إذا تعينت عليه: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣] ويشترط للوجوب عليه انتفاء الضرر؛ لأن الله قال: (وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) [البقرة:٢٨٢] فلنحذر من الذين يتسرعون في الشهادة، فلا تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته.
стр. 3344
توقير القضاء وأهله
عباد الله: إن المسلم يُوقر مجالس القضاء، فلا يزدري القاضي ولا يتهجم عليه، بل إنه يحترم ذلك المجلس؛ لأنه سيحكم فيه بشريعة الله ، فهذا أوان حضور الخصوم بين الذي سيقضي فيهم بالشريعة ولذلك كان توقير القاضي الذي يحكم بالشريعة من توقير الشريعة، ومن توقير الدين الذي هو من توقير الله .
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن استقاموا على شريعتك، اللهم اجعلنا ممن تمسكوا بدينك، اللهم اجعلنا ممن أقاموا الدين في حياتهم، ولا تجعلنا ممن تعدوا حدودك، ولا انتهكوا حرماتك إنك أنت الرحمن الرحيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3345
معالم في الجهاد على أرض الشيشان
стр. 3346
تعري الكفر وأهله
عباد الله: ولا يزال لواء الجهاد قائماً في أرض الشيشان، ولا شك أن في ذلك رفعة لأهل الإسلام، ولا شك أن انتصار أولئك المسلمين وصمودهم انتصار في حد ذاته ورفع لرءوس أهل الإسلام في الأرض قاطبة، وتتبين من هذه المعارك أمور كثيرة للإنسان المسلم، فيتعرى الكفر وأهله، هؤلاء الكفار الذين لبسوا على المسلمين طويلا، وادعوا بأنهم أهل العدل وبأنهم يقيمونه وبأنهم يحاكمون المجرمين في محاكم العدل الدولية وغيرها، هؤلاء الذين يدعون إلى المواثيق الأممية التي تحفظ حق الشعوب، قد انكشفوا في هذا المسلسل الذي يحدث في بلاد الشيشان وغيرها، نرى اجتماع الكفار على حرب الإسلام سواء مباشرة بالسلاح واليد كما يفعل الروس، أو بالمال كما يمدهم اليهود صراحة ويآزرونهم معنوياً، فاليهود يقفون مع الروس في حرب الشيشان، وأولئك الكفار الذين يبذلون لهم الغِطاء المعنوي، والذين يعطونهم المهلة تلو المهلة والتأجيل تلو التأجيل في العقوبات وتعليق العضوية وغيرها، إنه انكشاف حقيقي للوجه القبيح، وليس للكفار وجه حسن، وكل وجوههم قبيحة، هذه الوجوه التي أسفرت عن حرب المسلمين في هذه المعركة التي نشهدها.
стр. 3347
كذب الروس
عباد الله: وقد انكشف فيما انكشف أمام الملأ كذب أعداء الله الروس، فهم الذين قالوا: سنسحقهم في أيام وليالٍ، فإذا بالحرب تمتد شهوراً وهم الذين قالوا: إن في جروزني بضع مئات من الصبيان والمتعصبين، فإذا بهم يقولون الآن: إن فيها ثلاثة آلاف من خيرة المقاتلين المدربين وأصحاب الخبرات، إن هذه الحرب تكشف عن تفاهة أولئك القوم الذين يتحدثون عن الصبي الكوبي الذي يملئون به وسائل أعلامهم، وصبيان المسلمين تحت القصف والنيران في الشيشان وتحت المجاعة والأوبئة كالسل الرئوي وغيره في أنجوشيا، فأين عقول أولئك القوم وأين الموازين التي يدعون إليها؟! إن القضية قد كشفت حقيقةً على أن في العالم فراغاً في القيادة لا يحله ولا يملؤه إلا أهل الإسلام.
стр. 3348
النصر من عند الله
عباد الله: إن القضية قد كشفت فيما كشفت أيضاً أموراً من النصر وقواعده التي جاءت في كتاب الله ، لقد تبين بجلاء قول الله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] تبين في حال أولئك الشيشانيين الذين يقاتلون شبه منفردين بإمكاناتهم الذاتية خصوصاً وهم في قلب الحصار في عاصمتهم وفي غيرها، من الذي يمدهم الآن وهم في حصارهم إلا الله : ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] لقد تبين أن من نصر الله نصره الله: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧] وهم على ما فيهم من قصور؛ فإن الله قد أنزل عليهم تثبيتاً من عنده، فكيف إذا عاد المسلمون إلى الدين حقيقة، ونفوا أنواع القصور وبدلوا ذلك بأنواع من الأسباب الشرعية إذاً لاكتسحنا العالم.
стр. 3349
النصر مع الصبر
عباد الله: لقد تبين أيضاً القاعدة التي وضعها النبي ﷺ : (إن النصر مع الصبر) وهكذا صبروا فنصرهم الله في مواطن ومواقع كثيرة، وقد سبق أن صمود أولئك القلة في العدد والعُدد أمام أولئك الكثرة الكاثرة في العدد والعُدد هو نصر بحد ذاته، وكل يوم يمر على المسلمين في جروزني وهي تحت سيطرتهم، وهم يقاومون هو نصر بحد ذاته، نعم إن أولئك الروس الكفرة يريدون أن يزجوا بقوىً بشرية كثيرة حتى يئول الأمر إلى احتلال تدريجي؛ لأنهم يراهنون على أنه مهما قتّل الشيشان من البشر الذين يدفعونهم، فإن الكثرة في النهاية تغلب الشجاعة، ولكن الله قادر على إفشال خططهم وأن يردهم خائبين ونسأل الله أن يفعل ذلك.
عباد الله! ليس النصر على العدو بكثرة العدد ولا العُدد ولا إحكام الخطط ولا الترتيبات التي يضعها القادة، وإنما على ما ذكر الله بقوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٥١] فإذن الله إذا جاء؛ لم يقف أمامه شيء البتة، ومن أخذ بأسباب النصر وتوكل على الله وصدق وأخلص؛ فإن الله ينصره، وقد رأينا ذلك فعلاً في الواقع الذي يعيشه إخواننا في تلك البلاد، فهم الذين استردوا أربول وجديرمس ورفعوا رايتهم في وسط مدينة شالي بعد أن حاصروا مئات الوحدات الخاصة الروسية في ثلاثة من المباني وردوا الروس مرة أخرى إلى أطراف جروزني الآن في هذه اللحظات، والحمد لله رب العالمين.
إن استمرار الانتصارات سيكون باعثاً للأمل في الأمة، وسيحرك في المسلم مناطق أخرى في العالم للجهاد والاستقلال عن الكفار ما دام النصر ممكناً وهذا ما يرعب الكفرة أشد الرعب، فلذلك يجتمعون بقضهم وقضيضهم على حرب الإسلام وأهله.
стр. 3350
كشف المنافقين من الأمة
وقد كشفت المعركة فيما كشفت المنافقين من هذه الأمة والصامتين والمكتوفين الذين لا يحركون شيئاً، فهذه الفضيحة قد حلت، ولذلك ربما تمنى بعض أولئك المنافقين أن ينتصر الروس فعلاً؛ لتنتهي تلك المقاومة فيستريحوا من ذلك الحصار النفسي.
عباد الله: لا ننسى أن لدعاء المسلمين أثراً، وأن لإنفاقهم ومددهم لإخوانهم أثراً، والله جعل المسلمين جسداً واحداً في شرعه هكذا: (إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ورغم تباعد ما بيننا وبينهم من البلدان والمسافات لكننا نواليهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١].
وكذلك ننبذ الكفرة ولو كانوا قريبين ونكرههم على قاعدة البراءة من الكفار، إن قضية الولاء والبراء تتضح أكثر فأكثر من خلال هذه الحروب، وهذه الأولوية للجهاد التي ينصبها الله في أماكن مختلفة من الأرض، وكلما غط المسلمون في سبات، أيقظهم الله بأمر جديد، ألا ترون أن المسلسل يتداعى، وأن القضية لا تتوقف فبعد البوسنة كوسوفا وكشمير وغير ذلك ثم الشيشان، وكلما نامت الأمة؛ أيقظها الله بقضية جديدة، تبعث الأمل وتوقظ روح الجهاد وتحرك النفوس للبذل والعطاء والدعاء.
إن المسلسل ينبئ أن القضية مقبلة على أمر عظيم وشيء كبير، والله يفعل ما يشاء: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣].
اللهم إنا نسألك النصر العاجل لإخواننا في الشيشان وفي غيرها من البلدان، اللهم أعزهم، اللهم وحد كلمتهم واجمع صفوفهم على التوحيد، وسدد رميتهم، اللهم قوِّهم وأنزل عليهم تثبيتاً من عندك.
стр. 3351
لغتنا الجميلة هل نعود إليها [١] ؟
لقد نزل القرآن الكريم باللغة العربية، وهي اللغة التي اختارها الله تعالى لنا أهل الإسلام، فلابد من الاهتمام بها والحرص على تعلمها وتعليمها للأجيال، إلا أن هناك ظاهرة تفشت في المجتمعات العربية، وهي ظاهرة الخلط بين العربية وغيرها، والتباهي المشين بحفظ غيرها من اللغات عند أبناء الإسلام.
стр. 3352
اللغة العربية هي لغة القرآن
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن الله أنزل علينا الكتاب باللغة العربية، فقال : ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] أي: بُينّت معانيه وأحكمت أحكامه، قرآناً عربياً بيناً واضحاً، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحةٌ غير مشكلة، أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، فهو معجز في لفظه ومعناه ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر:٢٨] نزل بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيانٌ ووضوحٌ وبرهانٌ ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً﴾ [طه:١١٣]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] أنزل الله القرآن بلسان عربي فصيح لا لبس فيه ولا عيب ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ [الرعد:٣٧] محكماً معرباً، واضحاً جلياً مبيناً ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢].
стр. 3353
سبب نزول القرآن باللغة العربية
وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأديةً للمعاني التي تقوم بالنفوس، لا يضيق صدر العربي الفصيح أن يعبر عما فيه، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدأ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، في أشرف ليالي العام في ليلة القدر، فكمل الكتاب من كل الوجوه ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٥] تكلم الله بالقرآن بالعربية حرفاً وصوتاً، وأنزله باللغة العربية، وتكلم به إلى جبريل، وأسمعه جبريل محمداً ﷺ باللغة العربية، ولما اتهم الكفار محمداً ﷺ بأنه أتى بالقرآن من نجار رومي بـ مكة نصراني تعلم منه القرآن، فقال الله رداً على هذه الفرية: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠٣] ذلك النصراني رومي لسانه أعجمي، وهذا لسانٌ عربيٌ مبينٌ، فكيف يخرج العربي المبين من فم رجل نصراني رومي؟!
стр. 3354
نشأة اللغة العربية
اللغة العربية كانت هي لغة الأقوام العرب الأولى، من العرب البائدة من عاد وثمود، والعرب الباقية من جرهم وقحطان وحمير، حتى ظهر إسماعيل ﵇، فصارت نقلة عظيمة في عالم اللغة العربية، فقد جاء في الحديث الصحيح في قصة إسماعيل لمّا ضرب جبريل الأرض، فنبع ماء زمزم، وجاءت قبيلة جرهم، ونزلوا عند أم إسماعيل، قال ﵊: (وشب الغلام) وفي رواية: (ونشأ إسماعيل بين ولدانهم، وتعلم العربية منهم) تعلم العربية من جرهم، ثم حدثت النقلة، فجاء في الحديث: (أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل ﵇ وجاء في حديث ابن عباس: (أول من نطق بالعربية إسماعيل ﵇ قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن: (أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل) وبهذا القيد يجمع بين الخبرين، فيكون بعد تعلمه أصل اللغة من جرهم ألهمه الله العربية الفصحى فنطق بها، ومن هنا قال بعض العلماء: إن اللغة العربية وحي.
فإذاًَ تعلم إسماعيل أصل اللغة من جرهم، ثم ألهمه الله النطق بالعربية الفصحى، قال أهل السير: إن عربية إسماعيل أفصح من عربية يعرب وقحطان وجرهم، فصارت العربية على لسان إسماعيل العربية الفصحى بإلهام من الله تعالى، ثم حدثت النقلة العظيمة بنزول القرآن باللغة العربية، فبلغت اللغة أوجَّ مجدها وقمة عزها؛ حينما صارت لغة الإسلام ونزل بها القرآن، وتحدى الله فصحاء العرب أن يأتوا بمثله فعجزوا، وبسورة فعجزوا، وبآية فعجزوا، فنادى عليهم بالعجز إلى يوم الدين ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨].
ووجد العرب في القرآن ألفاظاً ووجوهاً من لغة لم يسمعوا بها من قبل، ولم تعرف إلا من القرآن.
تكلم الله بالعربية، وأنزل القرآن بالعربية، وصارت هذه اللغة مقوماً أساسياً من مقومات وجود الأمة، صارت علامةً فارقة، وتمييزاً للأمة.
стр. 3355
تعلُّم اللغة العربية
قال شيخ الإسلام ﵀: اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرضٌ واجبٌ، فإن فهم الكتاب والسنة فرضٌ، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ثم منها ما هو واجب على الأعيان؛ على كل واحد بعينه، ومنها ما هو واجب على الكفاية؛ على بعض الأمة دون الآخرين.
وجاءت الآثار عن السلف بتعلم اللغة العربية وإعراب القرآن وأمرنا بتعلم اللغة العربية.
وأجمع العلماء على أن معرفة النحو من شروط الاجتهاد، وحثُّوا على تعلمها، وقال بعض أهل العلم: من شروط المفتي أن يعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله ﷺ في خطابهما، وقال بعض السلف: تعلموا النحو كما تتعلمون الفرائض والسنن.
وقال النووي ﵀: وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، واللحن هو الخطأ، كنصب المرفوع ورفع المجرور ونحو ذلك.
وقال الشعبي ﵀: النحو في العلم كالملح في الطعام لا يستغنى عنه.
وكره الإمام أحمد ﵀ أشد الكراهية تسمية الشهور بالفارسية، وهذا له وجهان كما قال شيخ الإسلام ﵀: الوجه الأول: إذا لم يُعرف المعنى جاز أن يكون محرماً، واليوم يعرف الكثيرون أن أسماء بعض الشهور بلغة الأعاجم التي نستعملها في جميع الشركات، وبعض الشهور لها علاقة بأسماء الآلهة التي يعبدها الكفار، ومن هذا الباب منع العلماء الرقية بالأعجمية خوفاً أن يكون فيها شركٌ وما لا يجوز.
الوجه الثاني: نهى الإمام أحمد ﵀ عن تسمية الشهور بغير العربية، واستعمال الأسماء الأعجمية؛ كراهة أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، وأمة الإسلام تتميز باللغة العربية، فإنها لغتها، ولغة كتابها، وشرح الكتاب والسنة بها.
وقد تكلم الفقهاء في حكم الأذكار والأدعية في الصلاة بغير العربية، وفرقوا بين القادر والعاجز، قال شيخ الإسلام ﵀: وأما الخطاب بالأعجمية من غير حاجة في أسماء الناس والشهور، فهو منهيٌ عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب وكره الشافعي ﵀ لمن يعرف العربية أن يسمي بغيرها وأن يتكلم بها خالطاً لها بغيرها وهذا الذي قاله الأئمة مأثورٌ عن الصحابة والتابعين، وقال عمر ﵁ وأرضاه: [إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم] وسمع محمد بن سعد بن أبي وقاص قوماً يتكلمون بالفارسية، فقال: [ما بال المجوسية بعد الحنيفية؟ ٍ] جاء الله بالحنيفية وباللغة العربية، فما بالكم تستعملون اللغة المجوسية الفارسية بدلاً من الحنفية ولغتها اللغة العربية؟! وإسناده صحيح.
стр. 3356
الخلط بين العربية وغيرها
هذا بيانٌ لما يقع فيه كثيرٌ من الناس اليوم من الكلام في مدارسهم ومكاتبهم وبيوتهم من لغة الأعاجم، والذين يتباهون بها، والذين يظنون أنهم يكونون في تقدم وحضارة إذا تكلموا بها، ثم إن المؤسف أن تجد هؤلاء يخلطون اللغة العربية باللغة الأعجمية خلطاً مقرفاً مقززاً مشوهاً للغة العربية، وقد يقول بعض الناس: إنها تصدر بغير قصد بعض الكلمات، قال شيخ الإسلام ﵀: جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة -أي: كلمات قليلة قد تدخل في عرض الكلام- من الأعجمية.
فالكلمة بعد الكلمة من الأعجمية، ليس المقصود بها كلمة عربية وكلمة أعجمية، كلا! إنما المقصود: كلمات نادرة تأتي في عرض الحديث، قال شيخ الإسلام: فالكلمة بعد الكلمة من الأعجمية أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك إما لكون المخاطب أعجمياً، فيضطرون للإتيان ببعض الكلمات ليفهم، أو قد اعتاد الأعجمية فيريدون تقريب الأفهام إليه، كما قال النبي ﷺ لـ أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، وكانت صغيرة قد ولدت بأرض الحبشة لما هاجر بها أبوها، فكساها النبي ﷺ خميصةً -أي: فستاناً قصيراً- وقال: (يا أم خالد هذا سنا).
وسنا بلغة الحبشة: الحسن الجميل.
ثم قال ﵀: وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية التي هي شعار الإسلام، ولغة القرآن؛ حتى يصير ذلك عادةً للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروهٌ؛ فإنه من التشبه بالأعاجم، وقد نهينا عن التشبه بالكفرة (ومن تشبه بقومٍ فهو منهم).
قال ﵀: ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر ولغة أهلها رومية، وأرض العراق وخراسان ولغة أهلها فارسية، والمغرب ولغة أهلها بربرية؛ عودوا أهل هذه البلاد العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم -حتى الكافر- في البلاد التي فتحها المسلمون عودوهم العربية لتكون معبراً وقناةً تدخل من خلالها الدعوة، ومنفذاً إلى القرآن والسنة، وبدون لغة لا يوجد فهم.
وانظر الآن إلى حال المسلمين، فإنهم يفتحون الكتاب العزيز وكثيراً من الكلمات لا يفهمونها فضلاً عن الأحاديث، ولا مراد الله بها، ولا المقصود منها، ولا الأحكام التي تضمنتها، ما هو السبب؟ عدم فقه اللغة، وعدم معرفة معانيها، فإن ضعف اللغة العربية أثرّ تأثيراً مباشراً وواضحاً في فهم الكتاب والسنة.
ثم يقول شيخ الإسلام ﵀: إنهم -أي: المسلمون المتأخرون الذين جاءوا من بعد- تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورةً عند كثيرٍ منهم، ولا ريب أن هذا مكروهٌ، وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية.
كيف نعالج هذه القضية؟ كيف نوجد الحل؟ قال: اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في المكاتب -أي: مدارس الصبيان- في المكاتب، وفي الدور، فيظهر شعار الإسلام وأهله.
الآن بالعكس تماماً، تدريس اللغة الإنجليزية للأطفال في الروضة، ومخاصمة القائمين على المدارس: لماذا لا تزيدون حصص اللغة الإنجليزية؟ وبعض الآباء يتعمدون اليوم الخطاب مع أبنائهم بلغة الكفرة داخل بيوتهم، وفي السيارة، وفي الطريق، يقولون: ليتعلم الولد اللغة مبكراً، ويضرون لغته الأصلية، ويضرون فهمه وعقله بازدواجية في اللغة، وقد أكد علماء التربية حتى من غير المسلمين على أنها ضارة، ونصوا في دول الكفر على عدم السماح بتعلم الولد في المرحلة المبكرة في سن الطفولة لغةً أخرى غير اللغة القومية، ولا يمكن أن تجد في فرنسا مثلاً روضة أطفال يتعلم مع الفرنسية اللغة العربية، أو لغة أجنبية؛ لأن قانون حماية الثقافة الفرنسية والإنجليزية وغيرها لا يمكن أن يسمح بتعلم لغةٍ أخرى، ونحن نرحب ونسهل ونهلل بأولادنا إذا نطقوا باللغة الإنجليزية، وترى كلمات التشجيع تنطلق مادحةً للولد إذا رطن بالأعجمية، وبعض أولاد المبتعثين إلى الخارج رجعوا الآن ولا يفقهون اللغة العربية، وصرت تحتاج أن تترجم لولد عربي ابن عربي اللغة العربية.
وهذا من فتح الطريق لاقتباس ثقافات القوم الكفرة، وعادات القوم الكفرة، وفهم أغاني الكفرة، وغير ذلك من أفلام الكفرة، ومجلات الكفرة، وكتب الكفرة؛ لأن الأولاد صاروا يحسنون اللغة الإنجليزية، فلم نستفد الفائدة الصحيحة، ولم نعلم الأولاد اللغة الإنجليزية في السن الصحيح، ولا بالكيفية الصحيحة، ولا ليستفيدوا المعارف التي يحتاجها المسلمون، وإنما فتحنا الباب على مصراعيه، فصرنا نتباهى بأن الطفل يتكلم الإنجليزية بطلاقة، ثم يتعتع في اللغة العربية ولا يحسنها ولا يحسن الكلام بها.
قال ﵀ في علاج المشكلة العظيمة: وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور، فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة، وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة، ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى، فإنه يصعب.
ثم قال ﵀ مبيناً أثر اللغة على الدين والخلق والعقل: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، إذا كانوا يتعلمون العربية يتشبهون بالصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، ولذلك ترى كثيراً من الذين يجيدون الإنجليزية يتكلمون بها دائماً قد أثرت في عقولهم، وقد أثرت في أخلاقهم، بل إنك ترى بعض العرب الذين يدرسون في الخارج إذا أرادوا أن يتحدثوا عن موضوعٍ خسيس، أو كلامٍ فاحشٍ، قلبوا إلى اللغة الإنجليزية.
أيها الإخوة: والعلاج أنه لا بد من اعتياد الكلام باللغة العربية الفصحى.
نسأل الله أن يجعلنا أوفياء للإسلام، وأن يجعلنا ممن قاموا بحدود الله تعالى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 3357
اهتمام السلف بالعربية
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أشهد أنه الله الحي القيوم ذو الجلال والإكرام، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: لقد كانت تربية السلف لأولادهم على النطق باللغة العربية وإتقانها أمراً عجيباً، وذلك لأنهم كانوا يعرفون تمام المعرفة أن الولد لن يفهم كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ إلا إذا أجاد اللغة العربية، وكانوا يحاربون اللحن والخطأ في اللغة جداً، وكان أمرهم شديداً في هذه المسألة، فقد قرأ بعضهم يوماً قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] العلماءُ فاعل، فهم الذين يخشون الله، فقرأها: إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ، فقال له قائل: كفرت، أتنطق بالكفر؟ جعلت الله يخشى العلماء! وسمع أعرابي -وكانوا من أهل اللغة- قارئاً يقرأ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:٣] قال: ورسولِه، فقال: معاذ الله أن يتبرأ الله من رسوله وذلك لأنه جرَّ كلمة "ورسوله" فصارت معطوفة على المشركين، ومعاذ الله أن يتبرأ من رسوله.
ومرَّ أحدهم على قارئٍ يقرأ قوله تعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:٢٢١] لا تُنكح أي: لا تزوج مشركاً حتى يسلم، فلا يجوز أن تجعل مسلمة تحت يهودي، أو نصراني، أو كافر، فمن جهل القارئ قرأ: ولا تَنكحوا المشركين بفتح التاء، فقال: والله لن نَنْكِحَهم حتى ولو آمنوا، كيف ينكح الذكرُ الذكرَ؟ فانظر إلى شناعة التغيُّر الذي يحدث بتغيُّر ضمة، أو فتحة، أو كسرة.
وكان الوليد يخطب العيد، فقرأ: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة:٢٧] وهذه جملة تامة، كان واسمها وخبرها، فقرأها كانت القاضيةُ، فصارت جملة ناقصة، لأن القاضيةُ اسم كان، وماذا بعدها؟ على من القاضية؟ فقال عمر بن عبد العزيز: عليك فتريحنا منك.
وقال شيخ الإسلام ﵀: وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحبابٍ أن نحفظ القانون العربي ونصلح الألسنة المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو ترك الناس على لحنهم، لكان نقصاً وعيباً.
ويعجبني زيُّ الفتى وجمالهُ ويسقط من عيني ساعة يلحن
ورأى أبو الأسود الدؤلي ﵀ أحمال بضائع التجار مكتوب عليها: لأبو فلان، واللام حرف جر، والصحيح: لأبي فلان، فقال: سبحان الله! يلحنون ويربحون.
أيها الإخوة: كان الأمر عندهم مهماً، أما الأمر عندنا اليوم فغير مهم، لو قال أحد في مجلس ( I is ) لنظر إليه شزراً من الحاضرين كيف يخطئ في الكلمة؟ يا متخلف، يا جاهل، لكن لو أخطأ في آية أو حديث، ونصب مرفوعاً، وجر منصوباً، وغيَّر المعاني، فمن ذا الذي ينكر عليه في المجلس؟ ولا زالت قضية اللغة العربية مفتوحة، والكلام فيها آتٍ إن شاء الله؛ لأن القضية خطيرة -أيها الإخوة- أن تفقد الأمة مميزاً وخصيصةً من خصائصها تحت مطارق الهزيمة النفسية، والتخلف الذي نعيش فيه، ولعلنا نتم الكلام على هذا الموضوع بإذن الله تعالى.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المتفقهين في الدين، العاملين بسنة سيد المرسلين، وأن يرزقنا النصر على الأعداء، اللهم إنا نسألك أن ترفع شأن هذه الأمة وأن تنصرها على أعدائها، وأن تحرر ما سلب من أراضيها، وأن تعيدها إلى كتاب ربها وتحكيم شريعتها يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 3358
اللغة العربية هي السبيل إلى فهم الكتاب
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فالحمد لله الذي اختار العرب ليصطفي منهم رسوله الخاتم ﷺ ، وينزل بلسانهم كتابه المعجز المتعبد بتلاوته إلى قيام الساعة، هذه اللغة التي صفيت منذ القدم من نفوس مختارة بريئة من العرب الأقحاح الذين لم يخالطوا غيرهم، فسلمت ألسنتهم من الخسائس المزرية والعلل الغالبة، حتى إذا جاء إسماعيل نبي الله بن إبراهيم خليل الله أخذها وزادها نصاعةً وبراعةً، وأسلمها إلى أبنائها العرب وهم على الحنيفية السمحة ملة إبراهيم ﵇، فظلت تتحدر على ألسنتهم مختارةً مقفاةً حتى أظل زمان نبي لا ينطق عن الهوى ﷺ ، فأنزل الله بها كتابه بلسان عربي مبين، ثم تحدى العرب ملوك الفصاحة وأمراء البيان أن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا في الحال، وأخبر أنهم عاجزون في المآل أيضاً ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة:٢٣ - ٢٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:٨٨].
نزل القرآن الكريم باللغة العربية فخراً للعرب ولقريش، وحق لهم أن يفخروا به، والله قال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤] شرفٌ لك ولقومك، شرفٌ لهم أنا أنزلناه بلغتهم ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [الزخرف:٤٤] ستسألون عن هذا الشرف.
ولا يمكن أن نعرف الدين إلا باللغة العربية، وتعلم الدين واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، قال العلماء: لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم أن يعرفوا إعجاز القرآن، قال ﷺ : (ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيام).
قد ذهبت عصا موسى، وناقة صالح، ومعجزة عيسى بشفاء المرضى، وكتب الأنبياء جميعاً ذهبت، أصابها التحريف، وبقيت هذه المعجزة نزول القرآن بالعربية، فكيف يستمر عمله في الواقع ويؤمن عليه الناس؟ كيف إلا إذا تعلموا لغته، وعرفوا إعجازه، وكيف يعرفون إعجازه بغير اللغة العربية؟ وكيف يتذوقونه؟ وكيف تعرف بلاغة القرآن في قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾ [مريم:٤]؟ وبلاغته في الأمثال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور:٣٩] ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤] يقول للماء: ارتفع، وهل يرتفع إلا إذا رفعه؟ ضرب الأمثلة للمنافق المتحير المضطرب: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠] ووقفوا، لا نور، ولا سير، ولا حركة، كيف تعرف أن تقديم ما من شأنه التأخير يفيد الحصر؟ وهذا الفرق بين قولك: نعبد إياك، وإياك نعبد.
إياك نعبد، أي: لا نعبد إلا أنت كيف نعرف سائر أنواع الإعجاز في الكتاب العزيز إلا باللغة العربية؟ وحتى السنة والحديث، قال ﷺ : (أُعطيت جوامع الكلم) وهي المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، كيف سنعرف جوامع الكلم، ومعاني الأحاديث إلا باللغة العربية، وفهم ألفاظها وتراكيبها.
стр. 3359
لابد من لغة مشتركة توحد الأمة
قال العلماء: ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلم أحداً يحيط بجميع ألفاظه غير نبيٍ، وهو موجود في الأمة متفرقاً لا يضيع منه شيء، ولما أنزل الله الكتاب ووحد الناس، أمر بأن يوحد الناس ربهم، وأن تكون الأمة متحدةً لا متفرقة، علم أنه لا بد من لغة توحدها.
قال الشافعي ﵀: فإذا كانت الألسنة مختلفةً بما لا يفهم بعضهم بعضاً، فلا بد أن يكون بعضهم تبعاً لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع، وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي ﷺ .
فلا بد من لغة مشتركة لتوحيد الأمة، وهذا مطلب شرعي.
ثم قال الشافعي ﵀: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه.
وقال شيخ الإسلام ﵀: فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، لماذا ضل أهل البدع؟ لأنهم لم يعرفوا دلالة الألفاظ على المعاني.
وقال الماوردي ﵀: ومعرفة لسان العرب فرضٌ على كل مسلم من مجتهد وغيره.
لما اكتسح الإسلام بلاد العالم، نشر الصحابة اللغة العربية، وتلك منقبةٌ عظيمةٌ من مناقبهم، فتغلغلت في جميع نواحي الأرض من المغرب إلى الهند، واكتسحت اللغة العربية سائر اللغات المستعملة في تلك البلدان؛ كالسريانية واليونانية والقبطية والبربرية، وأثرت في اللغات الأخرى كالأردية والفارسية تأثيراً عظيماً، واكتسحت اللغة العربية اللغة اللاتينية في أسبانيا في العصور الوسطى، حتى أن أهل الذوق من الأسبان بهرتهم نصاعة هذه اللغة، واحتقروا لاتينيتهم، وأقبلوا على تعلم هذه اللغة، وإحصائية القاموس الأسباني والبرتغالي تشهد بأن ربع كلمات الأسبانية والبرتغالية مشتقةٌ وأصولها عربية، بل أثرنا في لغات الأقوام الأوربيين الآخرين.
стр. 3360
لماذا نحب الرسول؟ [١]
إن محبة رسول الله ﷺ محبة لله ، فلا يكتمل إيمان العبد إلا بحبه لله ورسوله بدلالة اقتران محبة الله مع محبة رسوله في كثير من الآيات والأحاديث، ولا تقبل المحبة إلا إذا كانت محبة قلبية حقيقية، ولمحب رسول الله ﷺ علامات كثيرة، منها: احترامه حال حياته وبعد موته، وتوقيره، واتباع سنته وهديه وغير ذلك.
стр. 3361
تمام محبة رسول الله ﷺ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فأقام به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ففتح الله تعالى به قلوباً غلفا، وأعيناً عميا، وآذاناً صما، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة! حديثنا في هذه الليلة عن موضوع عظيم من موضوعات العقيدة والإيمان، التي ينبغي أن يهتز له شعور كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأن الكلام في أساسيات العقيدة من المواضيع الهامة جداً بالنسبة للإنسان المسلم؛ لأنها تبين الطريق، وترسم الأهداف، وتحيط المسلم علماً بأشياء هامة يحتاج إليها لكي يصحح العقيدة والعمل، وفي هذا الموضوع الذي سنتكلم عنه الليلة: كيف نحب النبي ﷺ ؟ محبة رسول الله ﷺ : الطريق إليها، معناها، وأهميتها، واجباتها، ومستلزماتها، وما ينبغي أن يكون موقف المسلم تجاه نبيه الكريم ﷺ .
هذا الموضوع -أيها الإخوة- على درجة عظيمة من الحساسية، لما وقع الناس فيه من أهل الإسلام أهل القبلة، بين الإفراط والتفريط، هذا الموضوع ينبغي أن يفتح كل مسلم قلبه وسمعه لتفاصيله، ويتذكر حتى ولو لم يتعلم شيئاً جديداً، ويستعيد إلى نفسه وقلبه ذكريات هذا الرسول الكريم ﷺ ، ويتذكر حقوق رسول الله وواجباته.
стр. 3362
اقتران محبة الله ورسوله في الآيات والأحاديث
أيها الإخوة! لقد قرن الله تعالى بين محبته ومحبة رسوله في آيات وأحاديث، والملاحظ أن محبة رسول الله لم تفرد بذكر في القرآن إلا وقد قرنت بمحبة الله تعالى، ومن أعظم الآيات التي نبدأ بها الكلام عن هذا الموضوع، قول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] نداء خطير إلى جميع المسلمين بوجوب تقديم محبة الله ورسوله على هذه الأشياء جميعاً، تقديم محبة الله ومحبة الرسول على محبة الأب والابن والزوجة، وعلى محبة الأهل جميعاً، وعلى محبة التجارة، والأموال، والمساكن، يجب أن تقدم محبة الله ورسوله على هذه الأشياء جميعها؛ لأنه -أيها الإخوة- لا تستقيم حياة المسلم ولا يستقيم دينه ولا تستقيم عبادته، إلا بهذا التقديم المتضمن كمال الحب والخضوع لأوامر الله ورسوله.
ولذلك وضع الشرع معياراً يعرف فيه المسلم كيف يتذوق حلاوة الإيمان، هذا المعيار وهذا المدار الذي تدور عليه حلاوة الإيمان والإحساس بها، هو محبة الله ورسوله، ولذلك يقول أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) رواه البخاري.
وهذا تأكيد لما جاء في الآية.
ومحبة رسول الله ﷺ من أركان العقيدة الأساسية، ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن حلاوة الإيمان لا توجد إلا بتكميل هذه المحبة بثلاثة أمور، حتى يجد المسلم حلاوة الإيمان، فإيمان بعض المسلمين بارد، ولذلك لا يستشعرون له طعماً ولا مذاقاً، ولا يحسون به وجوداً مطلقا، وذلك لأنهم فقدوا حلاوة هذا الإيمان وطلاوته، يقول ﵀: تكميل هذه المحبة أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ليس المقصود أصل الحب فقط، ليس المقصود فقط أن نحب، لا، وإنما موافقة ما يحبه المحبوب، وكره ما يكرهه المحبوب؛ لأن بعض المسلمين يحبون الله ورسوله، لكن لا يحبون الله ورسوله أكثر من باقي الأشياء، فعندهم أصل المحبة، لكنها محبة ناقصة غير كاملة، ولذلك تحدث المعاصي والآثام والانحرافات عن شرع الله تعالى.
أولاً: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وثانياً: تفريع هذه المحبة وهو: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله؛ لأن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، إذا كنت تحب إنساناً فلابد أن تحب من يحبه هذا الإنسان، إذا كنت صادقاً في محبته، فإذا كنت تحب الله ورسوله، فلابد أن تحب ما يحبه الله ورسوله، وهذا من تفريع المحبة، والثالث: دفع ضد هذه المحبة، وهي: أن يكره المسلم ضد الإيمان، وهو الكفر كما يكره أن يقذف في النار.
стр. 3363
محبة النبي ﷺ قلبية خلافاً للجهمية
كذلك -أيها الإخوة- فإن محبة رسول الله ﷺ محبة قلبية، ليس كما قال بعض أهل الكلام والفلسفة: هو تقديم ما يقتضي العقل السليم رجحانه، فإن هذه المحبة محبة عقلية باردة، المحبة الصحيحة أن يشترك القلب في محبة رسول الله ﷺ ، محبة فيها ميل القلب الفعلي، محبة يشتعل معها الوجدان والفؤاد اشتعالاً وتحرقاً واشتياقاً لرسول الله ﵊، فهي إذاً: ميلٌ قلبي حقيقي، وليس المراد تقديم ما يقتضيه العقل السليم كما فسره بعض من وافق قواعد الجهمية.
وكذلك قال القرطبي ﵀: كل من آمن بالنبي ﷺ إيماناً صحيحاً، لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة، غير أن الناس متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، هؤلاء الناس يتفاوتون، ليس كل الناس يحبون الرسول ﷺ على مرتبة واحدة، ومحبته ﷺ كما ذكره الحافظ ﵀ في الفتح على قسمين: فرض، وندب، فالفرض هو: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره ﷺ والانتهاء عن المعاصي التي انتهى عنها، والندب: أن يواظب المسلم على النوافل، ويجتنب الوقوع في الشبهات، بعض الناس قد يفعل الواجبات وينتهي عن المحرمات، هل هذا هو الكمال؟ لا.
هناك مراتب أعلى منها: أن يحافظ أيضاً على النوافل والمستحبات، وأن يبتعد عن الشبهات، والمتصف بذلك عموماً نادر.
стр. 3364
الصحابة وشدة حبهم لرسول الله
ولذلك -أيها الإخوة- كان لمحبته ﷺ أهمية عظيمة جداً، تستطيع يا أخي المسلم أن تتلمس هذه الأهمية في هذا الحديث الصحيح المخرج في الصحيحين عن أنس ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: متى الساعة يا رسول الله!) -أعطني خبر، ما هو الموعد التي تقوم عنده الساعة- فقال رسول الله ﷺ -بأسلوب المعلم المدقق في تعليمه، الذي يريد لفت نظر المتعلم عن غير المهم إلى الأهم، فأجابه عن سؤاله بسؤال مقابل، أراد منه لفت نظره إلي المهم في الموضوع، ليس هذا مهماً بالنسبة للمسلم أن يعرف موعد قيام الساعة بالضبط، لو كان مهماً لأخبر به (فقال عليه الصلاة السلام لهذا الرجل: ما أعددت لها؟) -الرجل يقول: متى الساعة يا رسول الله؟ ماذا أجاب ﵇؟ - (ما أعددت لها؟) -سؤال مقابل- (قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة) -أي: يا رسول الله! أنا أؤدي الواجبات، نعم، أصلي الصلاة الواجبة، والصيام الواجب، والزكاة الواجبة أأُديها، لكن ليس عندي نوافل كثيرة، ليس عندي صلاة كثيرة نافلة، وقيام ليل كثير، وصدقة نافلة كثيرة، ولا صيام تطوع كثير- (ولكني أحب الله ورسوله) -وهذا الصحابي لا يكذب على رسوله ﵊ إنه يخبر بالحقيقة- يقول: (ولكني أحب الله ورسوله، قال: فأنت مع من أحببت.
قال أنس: ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً)؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (أنت مع من أحببت).
قال شراح الحديث: في هذا الحديث إيماء إلى أن دعوى المحبة مع مجرد الطاعة الواجبة كافية في دخول الإنسان الجنة، وأما دعوى المحبة مع ارتكاب المعصية فمذمومة، فهذا الصحابي ما قال: يا رسول الله! أنا أعصي الله ورسوله وعندي معاصٍ كثيرة، وأنا أحب الله -مع ذلك- ورسوله، لا، ما قال الرسول: أنت مع من أحببت، وإنما قال له: أنت مع من أحببت، لما أخبره الرجل بأنه يطيع الطاعة الواجبة يؤديها، وعنده نوافل لكن ليست كثيرة، لكن قلب هذا الرجل ممتلئ بمحبة الله ورسوله، عند ذلك قال له ﵊: (أنت مع من أحببت).
وكذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده، والناس أجمعين) حديث صحيح.
لا يكتمل إيمان أحدكم حتى أكون أحب إليه، أي: أشد حباً من حب هذا الرجل لولده ووالده والناس أجمعين.
قال عمر بن الخطاب: (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي) -قال: بصراحة يا رسول الله أنا أحبك أكثر من أي شيء إلا من نفسي، أنا أحب نفسي أكثر منك- (فقال ﷺ : لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك -لا يكتمل إيمانك يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك- فقال له عمر: فإنك الآن أحب إليّ من نفسي، فقال: الآن يا عمر) حديث صحيح.
عمر بن الخطاب في حقيقة الأمر يحب رسول الله ﷺ أكثر من نفسه، لو أن عمر والرسول ﷺ كانا في موقف، بحيث أنه لابد أن يقتل أحدهما لينجو الآخر، فالظن بـ عمر بن الخطاب ﵁ أنه سيقدم نفسه فداءً له ﵊، وهذا ما كان يحصل منه في المعارك، لكن عمر كان في تلك اللحظة غافلاً عن هذه المسألة وغير منتبه، أو كان يجهل هذه المسألة، فلما علمه الرسول ﷺ الصواب، بادر فوراً إلى الإذعان وإلى تقرير الحقيقة التي رسخت في نفسه، أو أنه قد ذهب عنه ذهوله عن هذه الحقيقة فأظهرها، فقال: أنت يا رسول الله أحب إلي من نفسي.
قال ابن حجر ﵀ معلقاً على هذا الحديث: وفيه فضيلة التفكر؛ لأن الإنسان قد يكون في حقيقة الأمر يحب الله ورسوله أكثر من أي شيء، لكن في الواقع الذي يمارس فيه الأشياء قد يكون يحب أشياء أكثر من الله ورسوله، فعندما يفكر هذا الرجل هل أنا أحب الله ورسوله أكثر أم الوظيفة أم الزوجة أم الولد؟ حينما يفكر يصل إلى نتيجة، هذا يدل على أهمية التفكر في هذه القضايا، عندما يواجه الإنسان المسلم أمراً يحبه جداً، فليسأل نفسه هذا
السؤال
هل أنا أحب الله ورسوله أكثر أم أحب هذه القضية؟ هذا التفكير يقوده للإيمان بهذه المسألة.
стр. 3365
محبة النبي ﷺ دليلها الاتباع
وكذلك الرسول ﷺ -أيها الإخوة- نحن نحبه حباً جماً لأشياء كثيرة: فالرسول ﵊ بالمؤمنين رءوف رحيم، جاءنا رسول من أنفسنا -منا نحن البشر- عزيز عليه ما هو شديد علينا، الرسول ﷺ ظل يناقش ربه في قضية الصلوات وتخفيض الصلوات مرات كثيرة، حتى هبطت الصلاة من خمسين إلى خمس، لماذا؟ لحبه ﷺ لأمته، لا يريد أن يحرجهم: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] هذا الرسول ﷺ ما ترك أمراً إلا علمنا إياه، لحبه لنا يعلمنا الخير ويحذرنا من الشر، لذلك كانت محبته واجبة، ونابعة من القلب ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: فلما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة.
كل واحد يقول: أنا أحب الرسول ﷺ ، هات الدليل على صدق ما تدعي من المحبة، ما هو الدليل؟ يقول ابن القيم ﵀: فجاءت هذه الآية ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] قل: إن كنتم تحبون الله فعلاً فاتبعوني، الرسول ﷺ يخاطب الناس (فاتبعوني) اتبعوا الرسول ﷺ يحببكم الله.
إذاً ما هو الدليل أيها الإخوة؟ ما هي البينة التي تقدم شاهد عدل على محبة الإنسان لله ورسوله؟ إنها الاتباع، اتباع الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ولذلك كان من أحب شيئاً آثره على نفسه، وآثر موافقة المحبوب على شهوات وتطلعات ورغبات النفس، وإلا لو لم تحصل هذه الحالة لم يكن صادقاً في حبه، لذلك يقول ابن القيم في النونية:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في إمكان
إن الرسول ﷺ عادى الشيطان وأهل الشر والبدعة والفساد، والفواحش بجميع أنواعها، ثم أنت أيها المسلم الذي تدعي محبة الرسول ﷺ تقدم وتصادق وتواد من حاد رسول الله وعاداه، وتدعي حباً له ما ذاك في إمكانِ، مستحيل أن يحصل.
следующие страницы →