Полный текст (7 040 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
تمام محبة رسول الله ﷺ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فأقام به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ففتح الله تعالى به قلوباً غلفا، وأعيناً عميا، وآذاناً صما، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة! حديثنا في هذه الليلة عن موضوع عظيم من موضوعات العقيدة والإيمان، التي ينبغي أن يهتز له شعور كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأن الكلام في أساسيات العقيدة من المواضيع الهامة جداً بالنسبة للإنسان المسلم؛ لأنها تبين الطريق، وترسم الأهداف، وتحيط المسلم علماً بأشياء هامة يحتاج إليها لكي يصحح العقيدة والعمل، وفي هذا الموضوع الذي سنتكلم عنه الليلة: كيف نحب النبي ﷺ ؟ محبة رسول الله ﷺ : الطريق إليها، معناها، وأهميتها، واجباتها، ومستلزماتها، وما ينبغي أن يكون موقف المسلم تجاه نبيه الكريم ﷺ .
هذا الموضوع -أيها الإخوة- على درجة عظيمة من الحساسية، لما وقع الناس فيه من أهل الإسلام أهل القبلة، بين الإفراط والتفريط، هذا الموضوع ينبغي أن يفتح كل مسلم قلبه وسمعه لتفاصيله، ويتذكر حتى ولو لم يتعلم شيئاً جديداً، ويستعيد إلى نفسه وقلبه ذكريات هذا الرسول الكريم ﷺ ، ويتذكر حقوق رسول الله وواجباته.
стр. 3362
اقتران محبة الله ورسوله في الآيات والأحاديث
أيها الإخوة! لقد قرن الله تعالى بين محبته ومحبة رسوله في آيات وأحاديث، والملاحظ أن محبة رسول الله لم تفرد بذكر في القرآن إلا وقد قرنت بمحبة الله تعالى، ومن أعظم الآيات التي نبدأ بها الكلام عن هذا الموضوع، قول الله تعالى في سورة التوبة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] نداء خطير إلى جميع المسلمين بوجوب تقديم محبة الله ورسوله على هذه الأشياء جميعاً، تقديم محبة الله ومحبة الرسول على محبة الأب والابن والزوجة، وعلى محبة الأهل جميعاً، وعلى محبة التجارة، والأموال، والمساكن، يجب أن تقدم محبة الله ورسوله على هذه الأشياء جميعها؛ لأنه -أيها الإخوة- لا تستقيم حياة المسلم ولا يستقيم دينه ولا تستقيم عبادته، إلا بهذا التقديم المتضمن كمال الحب والخضوع لأوامر الله ورسوله.
ولذلك وضع الشرع معياراً يعرف فيه المسلم كيف يتذوق حلاوة الإيمان، هذا المعيار وهذا المدار الذي تدور عليه حلاوة الإيمان والإحساس بها، هو محبة الله ورسوله، ولذلك يقول أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) رواه البخاري.
وهذا تأكيد لما جاء في الآية.
ومحبة رسول الله ﷺ من أركان العقيدة الأساسية، ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن حلاوة الإيمان لا توجد إلا بتكميل هذه المحبة بثلاثة أمور، حتى يجد المسلم حلاوة الإيمان، فإيمان بعض المسلمين بارد، ولذلك لا يستشعرون له طعماً ولا مذاقاً، ولا يحسون به وجوداً مطلقا، وذلك لأنهم فقدوا حلاوة هذا الإيمان وطلاوته، يقول ﵀: تكميل هذه المحبة أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ليس المقصود أصل الحب فقط، ليس المقصود فقط أن نحب، لا، وإنما موافقة ما يحبه المحبوب، وكره ما يكرهه المحبوب؛ لأن بعض المسلمين يحبون الله ورسوله، لكن لا يحبون الله ورسوله أكثر من باقي الأشياء، فعندهم أصل المحبة، لكنها محبة ناقصة غير كاملة، ولذلك تحدث المعاصي والآثام والانحرافات عن شرع الله تعالى.
أولاً: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وثانياً: تفريع هذه المحبة وهو: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله؛ لأن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، إذا كنت تحب إنساناً فلابد أن تحب من يحبه هذا الإنسان، إذا كنت صادقاً في محبته، فإذا كنت تحب الله ورسوله، فلابد أن تحب ما يحبه الله ورسوله، وهذا من تفريع المحبة، والثالث: دفع ضد هذه المحبة، وهي: أن يكره المسلم ضد الإيمان، وهو الكفر كما يكره أن يقذف في النار.
стр. 3363
محبة النبي ﷺ قلبية خلافاً للجهمية
كذلك -أيها الإخوة- فإن محبة رسول الله ﷺ محبة قلبية، ليس كما قال بعض أهل الكلام والفلسفة: هو تقديم ما يقتضي العقل السليم رجحانه، فإن هذه المحبة محبة عقلية باردة، المحبة الصحيحة أن يشترك القلب في محبة رسول الله ﷺ ، محبة فيها ميل القلب الفعلي، محبة يشتعل معها الوجدان والفؤاد اشتعالاً وتحرقاً واشتياقاً لرسول الله ﵊، فهي إذاً: ميلٌ قلبي حقيقي، وليس المراد تقديم ما يقتضيه العقل السليم كما فسره بعض من وافق قواعد الجهمية.
وكذلك قال القرطبي ﵀: كل من آمن بالنبي ﷺ إيماناً صحيحاً، لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة، غير أن الناس متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الأدنى، كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الغفلات في أكثر الأوقات، هؤلاء الناس يتفاوتون، ليس كل الناس يحبون الرسول ﷺ على مرتبة واحدة، ومحبته ﷺ كما ذكره الحافظ ﵀ في الفتح على قسمين: فرض، وندب، فالفرض هو: المحبة التي تبعث على امتثال أوامره ﷺ والانتهاء عن المعاصي التي انتهى عنها، والندب: أن يواظب المسلم على النوافل، ويجتنب الوقوع في الشبهات، بعض الناس قد يفعل الواجبات وينتهي عن المحرمات، هل هذا هو الكمال؟ لا.
هناك مراتب أعلى منها: أن يحافظ أيضاً على النوافل والمستحبات، وأن يبتعد عن الشبهات، والمتصف بذلك عموماً نادر.
стр. 3364
الصحابة وشدة حبهم لرسول الله
ولذلك -أيها الإخوة- كان لمحبته ﷺ أهمية عظيمة جداً، تستطيع يا أخي المسلم أن تتلمس هذه الأهمية في هذا الحديث الصحيح المخرج في الصحيحين عن أنس ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: متى الساعة يا رسول الله!) -أعطني خبر، ما هو الموعد التي تقوم عنده الساعة- فقال رسول الله ﷺ -بأسلوب المعلم المدقق في تعليمه، الذي يريد لفت نظر المتعلم عن غير المهم إلى الأهم، فأجابه عن سؤاله بسؤال مقابل، أراد منه لفت نظره إلي المهم في الموضوع، ليس هذا مهماً بالنسبة للمسلم أن يعرف موعد قيام الساعة بالضبط، لو كان مهماً لأخبر به (فقال عليه الصلاة السلام لهذا الرجل: ما أعددت لها؟) -الرجل يقول: متى الساعة يا رسول الله؟ ماذا أجاب ﵇؟ - (ما أعددت لها؟) -سؤال مقابل- (قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة) -أي: يا رسول الله! أنا أؤدي الواجبات، نعم، أصلي الصلاة الواجبة، والصيام الواجب، والزكاة الواجبة أأُديها، لكن ليس عندي نوافل كثيرة، ليس عندي صلاة كثيرة نافلة، وقيام ليل كثير، وصدقة نافلة كثيرة، ولا صيام تطوع كثير- (ولكني أحب الله ورسوله) -وهذا الصحابي لا يكذب على رسوله ﵊ إنه يخبر بالحقيقة- يقول: (ولكني أحب الله ورسوله، قال: فأنت مع من أحببت.
قال أنس: ففرحنا يومئذ فرحاً شديداً)؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (أنت مع من أحببت).
قال شراح الحديث: في هذا الحديث إيماء إلى أن دعوى المحبة مع مجرد الطاعة الواجبة كافية في دخول الإنسان الجنة، وأما دعوى المحبة مع ارتكاب المعصية فمذمومة، فهذا الصحابي ما قال: يا رسول الله! أنا أعصي الله ورسوله وعندي معاصٍ كثيرة، وأنا أحب الله -مع ذلك- ورسوله، لا، ما قال الرسول: أنت مع من أحببت، وإنما قال له: أنت مع من أحببت، لما أخبره الرجل بأنه يطيع الطاعة الواجبة يؤديها، وعنده نوافل لكن ليست كثيرة، لكن قلب هذا الرجل ممتلئ بمحبة الله ورسوله، عند ذلك قال له ﵊: (أنت مع من أحببت).
وكذلك قال رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم، حتى أكون أحب إليه من والده وولده، والناس أجمعين) حديث صحيح.
لا يكتمل إيمان أحدكم حتى أكون أحب إليه، أي: أشد حباً من حب هذا الرجل لولده ووالده والناس أجمعين.
قال عمر بن الخطاب: (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي) -قال: بصراحة يا رسول الله أنا أحبك أكثر من أي شيء إلا من نفسي، أنا أحب نفسي أكثر منك- (فقال ﷺ : لا، والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك -لا يكتمل إيمانك يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك- فقال له عمر: فإنك الآن أحب إليّ من نفسي، فقال: الآن يا عمر) حديث صحيح.
عمر بن الخطاب في حقيقة الأمر يحب رسول الله ﷺ أكثر من نفسه، لو أن عمر والرسول ﷺ كانا في موقف، بحيث أنه لابد أن يقتل أحدهما لينجو الآخر، فالظن بـ عمر بن الخطاب ﵁ أنه سيقدم نفسه فداءً له ﵊، وهذا ما كان يحصل منه في المعارك، لكن عمر كان في تلك اللحظة غافلاً عن هذه المسألة وغير منتبه، أو كان يجهل هذه المسألة، فلما علمه الرسول ﷺ الصواب، بادر فوراً إلى الإذعان وإلى تقرير الحقيقة التي رسخت في نفسه، أو أنه قد ذهب عنه ذهوله عن هذه الحقيقة فأظهرها، فقال: أنت يا رسول الله أحب إلي من نفسي.
قال ابن حجر ﵀ معلقاً على هذا الحديث: وفيه فضيلة التفكر؛ لأن الإنسان قد يكون في حقيقة الأمر يحب الله ورسوله أكثر من أي شيء، لكن في الواقع الذي يمارس فيه الأشياء قد يكون يحب أشياء أكثر من الله ورسوله، فعندما يفكر هذا الرجل هل أنا أحب الله ورسوله أكثر أم الوظيفة أم الزوجة أم الولد؟ حينما يفكر يصل إلى نتيجة، هذا يدل على أهمية التفكر في هذه القضايا، عندما يواجه الإنسان المسلم أمراً يحبه جداً، فليسأل نفسه هذا
السؤال
هل أنا أحب الله ورسوله أكثر أم أحب هذه القضية؟ هذا التفكير يقوده للإيمان بهذه المسألة.
стр. 3365
محبة النبي ﷺ دليلها الاتباع
وكذلك الرسول ﷺ -أيها الإخوة- نحن نحبه حباً جماً لأشياء كثيرة: فالرسول ﵊ بالمؤمنين رءوف رحيم، جاءنا رسول من أنفسنا -منا نحن البشر- عزيز عليه ما هو شديد علينا، الرسول ﷺ ظل يناقش ربه في قضية الصلوات وتخفيض الصلوات مرات كثيرة، حتى هبطت الصلاة من خمسين إلى خمس، لماذا؟ لحبه ﷺ لأمته، لا يريد أن يحرجهم: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] هذا الرسول ﷺ ما ترك أمراً إلا علمنا إياه، لحبه لنا يعلمنا الخير ويحذرنا من الشر، لذلك كانت محبته واجبة، ونابعة من القلب ﷺ .
قال ابن القيم ﵀: فلما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة.
كل واحد يقول: أنا أحب الرسول ﷺ ، هات الدليل على صدق ما تدعي من المحبة، ما هو الدليل؟ يقول ابن القيم ﵀: فجاءت هذه الآية ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] قل: إن كنتم تحبون الله فعلاً فاتبعوني، الرسول ﷺ يخاطب الناس (فاتبعوني) اتبعوا الرسول ﷺ يحببكم الله.
إذاً ما هو الدليل أيها الإخوة؟ ما هي البينة التي تقدم شاهد عدل على محبة الإنسان لله ورسوله؟ إنها الاتباع، اتباع الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ولذلك كان من أحب شيئاً آثره على نفسه، وآثر موافقة المحبوب على شهوات وتطلعات ورغبات النفس، وإلا لو لم تحصل هذه الحالة لم يكن صادقاً في حبه، لذلك يقول ابن القيم في النونية:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي حباً له ما ذاك في إمكان
إن الرسول ﷺ عادى الشيطان وأهل الشر والبدعة والفساد، والفواحش بجميع أنواعها، ثم أنت أيها المسلم الذي تدعي محبة الرسول ﷺ تقدم وتصادق وتواد من حاد رسول الله وعاداه، وتدعي حباً له ما ذاك في إمكانِ، مستحيل أن يحصل.
стр. 3366
علامات محبة النبي ﷺ
стр. 3367
الاقتداء به واتباعه في الأمر والنهي
واعلموا أن محبة رسول الله ﷺ لها علامات منها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله وجوباً وندباً، واجتناب نواهيه حرمة أو كراهة، والتأدب بآدابه في جميع ما جاء به من المكارم والمحاسن والفضائل، في العسر واليسر، في وقت القبض والبسط، ووقت الضر والشكر، وعلى صعوبة الأمر وسهولته، ومحنته ونعمته، وعلى جوعنا وشبعنا، وبلائنا ورخائنا، ومنشطنا ومكرهنا، وحال سعتنا وضيقنا، أو حال غضبنا ورضانا، أو حال رقتنا وحزننا وفرحنا، أو زمن انشراح صدورنا أو انقباض أمورنا، يجب أن نقدم محبة الرسول ﷺ في جميع هذه المواقف أيها الإخوة.
لذلك كان تحقيق المحبة مسألة صعبة المنال، لكنها ليست مستحيلة، يمكن تحقيقها لمن صدق ما عاهد الله عليه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠] فالبداية أيها الإخوة موضوع الطاعة، طاعة الرسول ﷺ أكبر الأدلة على محبته، اتباع الرسول ﷺ وإيثاره على أهواء النفس علامة كبيرة من العلامات الدالة على صدق المحبة، الرضا بحكم الرسول ﷺ ، وتحكيم شرع الرسول ﷺ فيما شجر بين الناس من أنواع الخلافات، وترك الاعتراض عليه ﷺ فيما حكم لنا أو علينا، هذه من قواعد الطاعة الأساسية، وامتثال أوامره واجتناب زواجره، وقبول نصحه ﷺ .
كان صحابة رسول الله أمرهم عجيب جداً في تحقيق هذا الجانب، كان انقيادهم له ﷺ عجباً من العجب، ومضرب الأمثال، لذلك يقول أحد الصحابة، لما قدم من البادية، دخل المدينة ولم يكن يعرف من هو الرسول ﷺ ، يقول هذا جابر بن سليم ﵁: دخلت المدينة فرأيت رجلاً -انظروا للوصف أيها الإخوة في الحديث الصحيح- يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟! -تعجب الرجل هذا لحال الجالس، من هذا الرجل الذي كلما قال أمراً تبعه الناس، قال لهم: اذهبوا ذهبوا، تعالوا جاءوا، لا تفعلوا لم يفعلوا، من هذا الرجل الذي يصدر الناس عن رأيه؟ قالوا: رسول الله ﷺ ، هذا الأعرابي الصحابي قدم لنا هذه الصورة الحية لمجتمع الصحابة كيف كانوا ينقادون لأوامر نبيهم ﵊.
стр. 3368
اتباع الواجب والمستحب من سنته ﷺ
أيها الإخوة! وإن من علامات طاعته واتباع سنته ﷺ ، أن ننتبه إلى مسألة يقع فيها كثير من المسلمين، يأتون إلى سنته ﵊ فيقسمونها إلى واجب ومستحب، فيأخذون هذه الأقسام، ويقولون: أما الواجب من السنة فنفعله، وأما المستحب فنتركه، هذا التقسيم الذي وضعه علماؤنا وضعوه كتقسيم علمي، ما أراد العلماء ﵏ عندما بينوا الأحكام فقالوا: هذا واجب وهذا سنة، أي: ما قصدوا تخذيل الناس عن اتباع السنة، وتثبيط الهمم والعزائم عن الأخذ بالسنن، كلا والله وحاشاهم أن يكون مقصدهم هذا، إنما كان تقسيماً علمياً تتضح فيه الأمور.
ولذلك كما يقول ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: كان السلف إذا عرفوا أن الرسول نهى عن أمر، لا يقولون: هل هذا نهي تحريم أو نهي كراهة.
لا يسألونه يقولون: هذا محرم أو مكروه، الآن كثير من الناس الذين يسألون عندما يأتي ويسألك فتقول له: إن رسول الله نهى عن هذا، أو إن هذا الأمر لا ينبغي فعله، فيقول لك: وضح لي، حرام أو مكروه، فإذا قلت له: حرام ربما يستجيب، وإذا قلت له: مكروه، يقول: إذاً الحمد لله، في سعة نفعل هذا الشيء.
ما كان حال السلف إذا أخبروا أن الرسول ﷺ أمر بأمر يقولون: هل هذا الأمر واجب أو مستحب؟ ويحرصون على المعرفة لكي يخرجوا بعد ذلك بفعل الواجب وترك المستحب، ما كانت هذه حالة السلف، متى علموا أن الرسول أمر بأمر بادروا بالتنفيذ، سواء كان أمر وجوب أو أمر استحباب، إذا علموا أن الرسول نهى عن أمر كانوا يبادرون للانتهاء عنه، ولا يفرقون بين محرم ومكروه، لا يفرقون في العمل.
هذه التفرقة هي التي دفعت بالناس إلى هذا الواقع المخزي؛ لأن الذي يتنازل عن السنن -أيها الإخوة- سيأتي عليه اليوم الذي يتنازل فيه عن الواجبات، والذي يفعل المكروهات سيأتي عليه اليوم الذي يفعل فيه المحرمات، إن للدين سياجاً يحوطه ويحميه، المستحبات تحمي الواجبات، والمكروهات تحمي المحرمات، سياج وسور، حمى يحمي هذا الدين.
وبالإضافة -أيها الإخوة- لهذه المسألة فإن محبة الرسول ﷺ تظهر بجلاء إذا اتبعت المستحب من سنته، أكثر مما تظهر المحبة عندما تتبع الواجب من سنته فقط؛ لأن أكثر الناس قد يتبعون الواجب، لكن القلة هم الذين يتبعون المستحب، ولذلك كثير من الناس عندما تأتي وتناقشه في أمر من الأمور، فتقول له: إن هذا الأمر واجب، فيقول: لا يا أخي ليس واجباً هذا سنة، اللحية مثلاً: النبي ﷺ أوجبها، فيقول لك: لا.
هذه سنة، على فرض أنها كانت سنة، افرض جدلاً أنها سنة، لماذا لا تطبق؟ يا إخواني! أهل السوء الآن عندما يقتدون بالفجار والكفرة، هؤلاء المغنين والممثلين لهم قدوات في قطاعات كبيرة في مجتمعات المسلمين، فترى الناس يقلدون المغني أو الممثل في أدق الجزئيات، فيجعل تسريحة شعره مثل تسريحة شعر المغني، ووضع الجيوب في القميص والبنطلون، كوضع جيوب هذا المغني والممثل، وشكل الثوب والنعال ولون القميص، وكيفية الياقة وما شابه ذلك مثل المغني بالضبط يقلدونه، أليس كذلك؟ لنكن واقعيين أليست هذه هي الحالة؟ لو ظهرت موضة بين النساء، مجلة نشرت صور أزياء، ترى نساء المسلمين يتهافتن على التقيد الشديد بها، حتى أن إحداهن تعيب الأخرى لأنها خالفت جزئية من جزئيات تصميم الثوب، أليس كذلك؟ تقول لها: لا.
هذا ليس مثل الموضة، هذا فيه اختلاف في الكم والأزرار.
يا إخواني! إذا كان هذا حال التعساء والمغرورين، الذين غرهم الشيطان، إذا كان هذا حالهم مع الفجرة والقدوات السيئة، أفلا يكون حالنا نحن مع رسولنا ﷺ القدوة المثلى والعليا التي أمرنا الله بالاقتداء به، أفلا يكون حالنا معه أن نتأسى ونقتدي بسنته في كل صغيرة وكبيرة، أليس كذلك؟ ألا يجب هذا؟ نعم.
ولكنهم في غفلة، ولكن الناس يظلمون أنفسهم، يقلد الكفرة في أدق الأشياء، عندما تقول له: هذا من فعل الرسول، يقول لك: هذه سنة وأنا لست ملزماً بها، عجباً لأحوال المسلمين، ولهذا الابتعاد والإعراض: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١].
الله أرسل إلينا الرسول أيها الإخوة لكي نقول: نأخذ منه هذا وندع هذا، وهذه جزئية وقشور وأمور تافهة وجانبية، هل هذا ينم عن محبة صادقة لرسول الله ﷺ ؟ ينبغي أن نتنبه لمثل هذا يا إخواني، وعلى الدعاة إلى الله بالشكل الأخص أن يقتدوا برسول الله في الكبيرة والصغيرة، والواجب والمستحب، حتى تظهر محبتهم له ﵊، وإلا فقل لي بربك ما الفرق بينهم وبين عامة الناس؟ والاقتداء به ﵊ عامٌ، سواء كان في الأمور الشاقة أو في الأمور البسيطة، لو فعل رسول الله أمراً شاقاً على النفس كالقيام إلى صلاة الفجر مثلاً، فيجب علينا أن نقوم لصلاة الفجر ونتوضأ، حتى ولو كان الجو بارداً والماء بارداً، ينبغي أن نقوم ونسبغ الوضوء على المكاره، ونقوم إلى المساجد لصلاة الفجر، إذا كنا نحب رسول الله ﷺ ، كما هو الحال في هذا الجانب، فإن اتباع رخصه ﵊، والأخذ بالرخص التي ترخص بها ﷺ هو أيضاً من الأمور الواجبة، فالذي يقول مثلاً: أنا ما أقصر في صلاة السفر، لا آخذ بالرخصة، فنقول له: أنت مخطئ، وأنت على شفا هلكة وعلى ضلالة، إذا نبذت الرخصة، لاعتقادك بأنك أنت لا تفعلها، وإنما هي خاصة بالرسول.
وانظروا إلى هذا الحديث الذي روته عائشة ﵂ عند الشيخين: (صنع رسول الله ﷺ شيئاً ترخص فيه، فتنزه عنه قوم -قالوا: لا.
نحن لسنا كالرسول لا نترخص- فبلغ ذلك النبي ﷺ فحمد الله وأثنى عليه -قام يخطب في الناس- ثم قال: ما بال قوم يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية) أنا أخشى الناس لله، يقول ﵊، لو كان هذا الأمر من خشية الله لفعلته، ولو كان واجباً لما تركته، فنقتدي أيها الإخوة بالرسول ﷺ في جميع الأشياء، سواء كانت عزيمة أو كانت رخصة، سواء كان أمراً شاقاً أم صعباً، سهلاً أم عسيراً، نقتدي به ﵇، لا نفرق، لا نقول: نأخذ بالأصعب، ولا نقول: نأخذ بالأسهل، لا، نأخذ بما فعل الرسول، سواء كان سهلاً أو صعباً.
وكثيرٌ من المسلمين لا يدركون هذه القاعدة، ولذلك ترى الضلال، إما مذهب متشددين من الخوارج، وإما متساهلون متميعون من عامة المسلمين اليوم، الزم السنة سواء كان أمراً عسيراً أم يسيراً، الحج عسير فيه جهاد وإنفاق أموال وتعب، تذهب وتجاهد بنفسك، وقصر الصلاة في السفر، وجمع الصلاتين مع بعضهما، والمسح على الخفين والجوربين من الأمور السهلة والرخص التي أتى بها ﵇، تتبع السنة، الزم غرزه ﵊، ولذلك قال بعض العلماء: من ترك القصر في صلاة السفر، فقد أساء وتعدى وظلم نفسه.
стр. 3369
كثرة ذكره ﷺ بالصلاة عليه والاطلاع في سيرته
ومن علامات محبة رسول الله: كثرة ذكره، أولاً: بالصلاة عليه ﷺ ، ولعلنا نتكلم في خطبة الجمعة عن هذه المسألة؛ لأن إفرادها مهم، ولا مكان الآن للتفصيل فيها، وفيها جزئيات مهمة جداً، الصلاة على الرسول ﷺ : (من ترك الصلاة عليّ خطئ طريق الجنة) حديث صحيح، الإكثار من الصلاة على الرسول ﷺ في الصباح والمساء، ولهذا كان من أذكار الصباح والمساء الصلاة عليه عشراً في الصباح وعشراً في المساء، وبعد ذلك زد كما تشاء، فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً.
وكذلك يشمل الإكثار لذكره، الإكثار من الاطلاع وقراءة وتلاوة سيرته ﵊، وأخباره وصفته ومعيشته وأحواله وأخلاقه.
أيها الإخوة! الناس اليوم عندما يحبون ممثلاً من الممثلين، أو مغنياً من المغنين، أو سافلاً أو سافلة من السافلات والساقطات، يشترون الكتب والأفلام التي تتكلم عن حياة هؤلاء الناس مهما عظمت قيمتها، أليس كذلك؟ يأخذون شريطاً يتكلم عن حياة اللاعب الفلاني وأهم الأهداف التي سجلها، وكتاباً عن حياة المغني والممثل الفلاني من ميلاده إلى وفاته، ويقرءونها بإعجاب عجيب، وأخلاق رسول الله، وشمائله، وسيرته، وأخباره، وفضائله، مهجورة لا يكاد يطلع عليه إلا النزر اليسير من المسلمين، هل هذه محبة؟ وهل هذا صدق؟ وهل هذا إخلاص؟ هل نحن صادقون فعلاً؟
стр. 3370
الشوق إلى لقائه ﷺ
ومن علامات محبة الرسول ﷺ : الشوق إلى لقائه ﷺ ، فكل حبيب يحب لقاء حبيبه، ولهذا ورد في حديث الأشعريين الذين قدموا من اليمن، أبو موسى الأشعري وأصحابه، أنهم كانوا عند قدومهم إلى المدينة يرتجزون، فماذا يقولون في رجزهم في الطريق؟ يقولون: غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه، كانوا يمنون أنفسهم بلقاء الرسول ﷺ عندما يقدمون إلى المدينة، نحن نحب رسول الله ﷺ ونتمنى لقاءه في الجنة، نسأل الله أن يجمعنا به في الجنة، نحن مشتاقون إليه ﵊ اشتياقاً عظيماً نسأل الله من وراء هذا الاشتياق أن يرزقنا مرافقته في الجنة.
وكان صحابة رسول الله إذا ذكروه خشعوا واقشعرت جلودهم وانقبضت أنفسهم حسرة عليه، وكانوا إذا تذكروه بكوا من شدة الفراق، وكذلك كان حال كثير من التابعين كما سيمر معنا.
стр. 3371
محبة من يحبه ﷺ من الصحابة
ومن محبته ﷺ : محبة من يحب -كما ذكرنا- ولذلك قال ﵊ في حديث البخاري في الحسن والحسين: (اللهم إني أحبهما) وقال في حديث مسلم عن فاطمة بنت قيس، قال ﵊: (من أحبني فليحب أسامة) فنحن نحب أسامة بن زيد محبة خاصة؛ لأن رسول الله كان يحبه، وقال ﵇ في الحديث الصحيح: (من أحب علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني) في صحيح الجامع، فنحن نحب علياً محبة خاصة؛ لأن رسول الله كان يحبه، وعن أبي هريرة قال: (خرجت مع رسول الله ﷺ حتى أتى خباء فاطمة -بيت فاطمة ﵂، فقال: أثم لكع؟ أثم لكع؟ -أي: الحسن ﵁، فالرسول كان يحب الحسن، فكان يقول: الحسن موجود، الحسن موجود- فلم يلبث أن جاء يسعى، حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أحبه، فأحبه وأحب كل من يحبه)، فنحن نحب الحسن ﵁؛ لأن رسول الله أحبه.
وقد أحب الصحابة رضوان الله عليهم نبيهم إلى درجة عجيبة، حتى أنهم كانوا يحبون الأشياء المباحة التي كان ﵊ يحبها، حتى ولو لم يأمر الشرع بالاقتداء به ﵊ فيها، أي: الرسول ﷺ كان يحب بعض الأكلات مثلاً، ليس من السنة أن نحب الأكلات التي يحبها الرسول؛ لأن هذه قضايا تعتمد على المحبة الطبيعية، كل واحد له ذوقه في الطعام، لكن مع ذلك بعض الصحابة كانوا يدققون في محبته، لدرجة أنهم كانوا يحبون الأشياء، أو الأكل الذي كان يحبه الرسول ﷺ .
فهذا أنس بن مالك ﵁ يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وغيره (أن خياطاً دعا رسول الله ﷺ لطعام، قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرب إلى رسول الله ﷺ خبزاً من شعير ومرقاً، وفي رواية: ثريداً عليه دباء -الدباء: القرع المعروف- قال أنس: فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء حوالي القصعة -الرسول ﷺ يبحث عن الدباء ويأكلها؛ لأن الرسول ﷺ كان يحب الدباء- وكان يحب الدباء، فلم أزل أحب الدباء من يومئذ).
سبحان الله العظيم! هذه قضية الأكل، قضية أذواق خاصة بالناس كل واحد يتذوق، العجيب أن أنساً ﵁ نزل في نفسه محبة القرع لما شاهد الرسول ﷺ يحب القرع، انظر إلى ما وصلت إليه المحبة.
стр. 3372
بغض من يبغضه ﷺ
كذلك أيها الإخوة: من محبة الرسول ﷺ بغض من أبغضه ﵇، سواء كان الرسول ﷺ أبغض شخصاً، فنحن نبغض هذا الشخص؛ لأن الرسول أبغضه، أو أن رجلاً من الناس أبغض الرسول ﷺ ، فنحن نبغض هذا الرجل؛ لأنه يكره الرسول، بل إن كره الرسول ﷺ كفرٌ.
ولذلك أيها الإخوة! من الردة عن الإسلام سب الرسول ﷺ ، والحد هو القتل، تصور لو أن إنساناً سب رسول الله ﷺ حكمه في الشرع أن يقتل، أن يجز عنقه، وابن تيمية ﵀ له كتاب عظيم القدر، جليل الشأن، في هذه المسألة: الصارم المسلول على شاتم الرسول، يوضح فيه بالأدلة القاطعة أن من سب الرسول ﷺ يقتل مباشرة، لابد أن يقتل.
وانظر معي إلى هذا الرجل من الصحابة عبد الله بن عبد الله بن أبي، عبد الله بن أبي هذا كان رأس النفاق، كان له ولد اسمه عبد الله أيضاً، كان من فضلاء الصحابة، عبد الله بن أبي الأب المنافق كان يكره الرسول ويبغضه بغضاً شديداً ويعاديه، ماذا قال الولد للرسول ﷺ ، قال: يا رسول الله! لو شئت لأتيتك برأسه -أقطع رأس أبي وآتي به إليك- من الذي يفعل هذا ويقدم على هذا العمل؟ إنها المحبة التي وقرت في نفس هذا الصحابي.
كذلك من الأشياء التي أحبها رسول الله ﷺ أعمال ينبغي أن نحبها نحن ونواظب عليها، فمثلاً يقول ﵊ في الحديث الحسن: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف) في صحيح الجامع.
стр. 3373
توقيره واحترامه وتعظيمه بعد وفاته
كذلك محبة الرسول ﷺ تقتضي توقيره ﵊ واحترامه، وتعظيمه حتى بعد وفاته، ولذلك قال العلماء: واعلم أن حرمة النبي ﷺ بعد موته، وتوقيره وتعظيمه لازم على كل مسلم، كما كان ذلك واجباً حال حياته، وذلك عند ذكره ﵊، وعند سماع اسمه وسيرته.
ولذلك كره العلماء رفع الصوت في مسجد النبي ﷺ ، وكذلك عند قراءة حديثه وسيرته، وعند سماع القرآن وتفسير الفرقان؛ لأن القرآن الذي أتى به ﵇، وأحاديث الرسول ﷺ كان من سنة السلف أنهم كانوا يخفضون أصواتهم وينصتون عندما تقرأ عليهم الأحاديث؛ لأن من احترام الرجل احترام حديثه، ومن احترام الرسول ﷺ احترام حديثه، وعدم مقاطعة الحديث، وخفض الصوت، والإنصات للمحدث الذي يقرأ الحديث، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور:٦٣].
ومرة من المرات ناظر أبو جعفر الخليفة مالكاً الفقيه العلامة الثقة المحدث، ناظره في المسجد النبوي، أي: مناقشة، فقال مالك للخليفة: لا ترفع صوتك يا أمير المؤمنين في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوماً، فقال: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات:٢] ومدح قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات:٣] وذم قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات:٤] وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً، فاستكان لها أبو جعفر، نزل عند نصح الإمام مالك.
ولذلك الصحابة كانوا يحترمون الرسول أيما احترام، فكان باب بيته ﷺ يقرع بالأظافير كما ورد في الحديث الصحيح، حتى باب بيت الرسول ما كانوا يطرقونه طرقاً، كانوا يضربون عليه بالأظافير، انظروا إلى الحساسية المرهفة التي تعامل فيها الصحابة مع نبيهم ﷺ .
стр. 3374
الإحسان إلى أهل بيته وذريته
ومن حبه ﵇ كذلك، الإحسان إلى أهل بيته، وذريته، وأمهات المؤمنين وأزواجه ﷺ ، فلو ثبت لك أن فلاناً من الناس من نسل الرسول ﵊ ومن ذريته، وكان هذا الرجل تقياً ملتزماً بأحكام الإسلام، لا فاسقاً مضيعاً، فيجب عليك أن تحبه محبة زائدة عن محبة باقي الناس لماذا؟ لأنه من نسل الرسول ﷺ ، ولذلك أوصانا الرسول ﷺ بالعترة، وأوصانا بأهل البيت، وذريته ونسله، وبأهل بيته خيراً، فيجب احترامهم، إذا كانوا يتقون الله تعالى، أما إذا كانوا لا يتقون الله فليس لهم عندنا محبة ولا تقدير ولا احترام، مثلهم مثل باقي الفساق، ماذا أفاد ولد نوح كون أبيه مسلماً؟ لا شيء، ماذا أفاد أبو الرسول ﷺ أن ابنه كان رسولاً؟ لا شيء؛ لأن الرسول ﷺ قال للأعرابي: (أبي وأبوك في النار) ليس هناك فرق.
فإذاً: هذه المحبة الزائدة عن محبة بقية المسلمين، إذا كان الرجل تقياً معظماً لحرمات الله.
стр. 3375
نماذج من حب الصحابة لرسول الله ﷺ
وانظروا معي إلى هذه الأحاديث العجيبة التي تصف محبة الرسول ﵊ وكيف كان الصحابة يحبونه، قصص عجيبة تجعلك تذهل عندما تسمع هذه الأوصاف.
стр. 3376
إسلام ثمامة وحبه لرسول الله وبلده
لما أسرت خيل رسول الله ﷺ ثمامة سيد اليمامة، أسروه وأتوا به مقيداً إلى المسجد، وربط في السارية، بعد أيام أسلم هذا الرجل وكان كافراً، هذا الرجل ثمامة ﵁ ماذا كان يقول؟ يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد! والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ).
في لحظات غرست هذه المحبة في قلب الصحابي، عندما فتح قلبه للنور الذي أنزله الله، في لحظات أحب رسول الله ووجهه وبلده.
стр. 3377
عمرو بن العاص وحبه للرسول ﷺ
وفي صحيح مسلم عن ابن شماسة قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت فذكر حديثاً طويلاً، فكان في الحديث، فحول عمرو بن العاص وجهه إلى الجدار، وهو على فراش الموت، يقول: [ما كان أحد أحب إلى من رسول الله ﷺ ، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له]-ما كان عمرو بن العاص مع محبته لرسول الله ﷺ ما كان ينظر إليه، وإنما كان يخفض بصره أمامه في الأرض احتراماً له ﵇[ولو سئلت أن أصفه ما أطقت] لدرجة أن عمرو بن العاص الصحابي الذي رأى الرسول لو سئل أن يصف الرسول ما استطاع-[لأني لم أكن أملأ عيني منه] عجيب! ما كان يستطيع أن يصف الرسول؛ لأنه ما كان ينظر إليه، احتراماً وتوقيراً له.
стр. 3378
أم سليم وبلال وحبهم للنبي ﷺ
وعن أنس قال: (دخل علينا رسول الله ﷺ : فقال عندنا -أي: نام عند الظهر نوم القيلولة- فعرق ﵊ في نومه، فجاءت أمي -صحابية تحب الرسول ﷺ فجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها -تأخذ من عرق جبين الرسول وتضعه في القارورة- فاستيقظ الرسول ﷺ ، فقال: يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك، نجعله في طيبنا، وإنه أطيب الطيب) لأن عرق الرسول ﷺ كان أطيب من جميع أنواع الطيب، كان له رائحة مثل رائحة المسك وأشد من رائحة المسك.
هذا الحديث في الصحيحين.
ولما احتضر بلال ﵁ ونزل به الموت، لما نادته امرأته وا حزناه! ماذا كان يقول بلال؟ يقول: [وا طرباه! غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه] كان الصحابة عند فراش الموت يشتاقون، فالمرأة حزينة والصحابي فرح؛ لأنه بعد قليل سيذهب ليلقى الرسول ﷺ إن شاء الله، صححه الربعي في كتابه وصايا العلماء.
стр. 3379
شهادة كفار قريش على حب الصحابة لرسول الله ﷺ
ولما أخرج زيد بن الدثنة، هذا الصحابي لما أسره الكفار وخرجوا به إلى خارج الحرم ليقتلوه وربطوه، قال له أبو سفيان: أنشدك الله تعالى، يقول أبو سفيان -وكان كافراًً- لـ زيد المسلم وهو مربوط: أنشدك الله تعالى يا زيد أتحب أن محمداً الآن مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك؟ -إنه كافر لا يعرف مدى محبة الصحابة- قال: [والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وأنا جالس في أهلي].
أي: ليس فقط هكذا، لا، لو أن الرسول تشاكه شوكة، هذا عندي أعظم من أن أقتل أنا، يقول الصحابي: لو خيرت بين قطع عنقي، وبين شوكة تصيب الرسول، لاخترت قطع عنقي أنا على أن الشوكة تصيب الرسول ﷺ .
فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً من الناس يحب أحداً، كحب أصحاب محمد محمداً.
وكذلك روى البخاري ﵀ في حديث الحديبية هذه الغزوة المشهورة والفتح المبين كلاماً نعرفه جميعاً، لكن عندما تفكر في الكلام هذا تجد المسألة في غاية العجب، عروة بن مسعود قبل أن يسلم بعثه أهل مكة ليتفاوض مع الرسول ﷺ ويصالحه، فجعل عروة يرمق أصحاب النبي ﷺ بعينيه، قال عروة يصف كيف كان وضع الصحابة مع الرسول: فوالله ما تنخم محمد نخامة -النخامة ما يخرج من أقصى الحلق من البصاق- إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه -كل واحد يريد أن يأخذ الزائد من وضوء الرسول ﷺ من الماء الذي توضأ به- وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده -تكلم الرسول سكت الجميع، كل الجيش ألف وأربعمائة صحابي، إذا تكلم الرسول خطيباً فيهم سكت الجميع فوراً لا يحتاجون إلى تسكيت، ولا إلى نداءات بالسكوت يسكتون فوراً- ولا يحدون إليه النظر تعظيماً له، لا ينظر الواحد في الرسول ﷺ مدة طويلة، لا يحد النظر إليه.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم! والله لقد وفدت على كل الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله ما إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدون النظر إليه تعظيماً له.
نسأل أنفسنا سؤالاً، لو كنا عند الرسول -أيها الإخوة- وتفل رسول الله ﷺ وبصق، هل كنا سنتقاتل على هذا البصاق الذي يخرج منه لنأخذه وندلك به جلودنا؟ فكر معي يا أخي هذه المنزلة ليست بسيطة، لكن محبة أصحاب الرسول لرسولهم ﷺ .
стр. 3380
حكم التبرك بآثار النبي ﷺ وشروطه
وعن أنس ﵁ -وروى هذا الحديث مسلم - قال: (لقد رأيت رسول الله والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه -أي: داروا حول الرسول والحلاق يحلق الرأس- فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل).
ما تقع شعرة من الحلق إلا وجاءت في يد رجل، لا يتركونها تقع على الأرض.
أيها الإخوة! آثار رسول الله ﷺ ذهبت، هذه الآثار كانت عندما كان الرسول ﷺ حياً، أو ما بقي منها مع الصحابة بعد موته، لكن الآن آثاره ﷺ فقدت، ويصعب نسبتها إليه ﵇، أي: بعض الناس يقولون: في تركيا هناك شعرة وسيف، لكن ليس بمؤكد نسبتها له ﷺ ، فلذلك لا يجوز التبرك بشيء منها بعد موته، مادمنا غير متأكدين من أنها له ﵊.
شرط التبرك، التبرك هذا خاص بالرسول ﷺ فقط، لا يجوز التبرك بأي أثر من الآثار إلا أثر الرسول ﷺ إذا كانت نسبته إلى الرسول صحيحة، فلابد أن تكون نسبة الأثر إلى الرسول ﷺ صحيحة، حتى يجوز التبرك به.
стр. 3381
حال الصحابة بعد فراق محبوبهم
ولما مات ﵇، واختاره الله إليه، كيف كان وضع الصحابة؟ روى الترمذي، وهو في صحيح الشمائل المحمدية عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
الصحابة رأوا الدنيا مظلمة في أعينهم لما مات الرسول ﷺ ، وجاء في بعض الروايات: أنهم كانوا كالشياه في الليلة الظلماء المطيرة، تفرقوا لا يلوي أحدٌ على أحد، من عظم المصيبة التي وقعت عليهم بفراق محبوبهم.
ولذلك كانت المصيبة في الرسول ﷺ أعظم المصائب، أعظم مصيبة في الدنيا ممكن أن تقع لإنسان هي المصيبة التي حصلت بوفاة النبي ﵊، لذلك يقول ﵊ موجهاً الأمة: (إذا أصابت أحدكم مصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب) أي: إذا مات لك عزيز وقريب، وصاحب عزيز عليك، حتى تخفف من وقع المصيبة ماذا تفعل؟ تتذكر المصيبة بوفاة الرسول ﷺ فتهون عليك مصيبتك، أيهما أكثر مصيبة وفاة المعلم الذي كان يعلم الناس ويرشدهم أم وفاة هذا الرجل؟ فلذلك هذا إرشاد نبوي لكل إنسان وقعت له مصيبة أن يتذكر مصيبته كمسلم هو به ﷺ .
стр. 3382
حال السلف بعد انقضاء عصر الصحابة
ولما انقضى عصر الصحابة وجاء بعدهم السلف ﵏، كيف كان حالهم؟ اسمعوا معي، قال مالك ﵀ لما سئل عن أيوب السختياني، من كبار علماء السلف قال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، وحج حجتين وكنت أرمقه ولا أسمع منه -أي أن مالكاً في البداية ما كان يسمع من أيوب، حتى حصل موقف، ما هو الموقف؟ - أنه كان إذا ذكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، يبكي أيوب حتى أن مالكاً ﵀ يرحم أيوب من شدة البكاء، فلما رأيت منه ما رأيت، وإجلاله النبي ﷺ كتبت عنه، أخذ الحديث عنه.
وجاء في بعض الكتب أن الزهري ﵀ كان من أهنأ الناس، أي: من ألطف الناس في العشرة وأقربهم في المودة، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ فكأنه لا يعرفك ولا تعرفه، مع أنه كان من أشد الناس مودة وحسن تعامل.
وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث رسول الله ﷺ أمر الناس الموجودين في المجلس بالسكوت، وقال: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله حياً.
وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي ﷺ ينحني ويتغير لونه، أي: هو يجلس فلما يذكره ﷺ ينحني في جلوسه ويتغير لونه.
ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله إلا على طهارة.
وقال مالك: جاء رجل إلى ابن المسيب فسأله عن حديث وهو مضطجع، فجلس وحدثه، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعنى -أي: لا تتعب نفسك- فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله وأنا مضطجع.
وكان مالك إذا حدث عن رسول الله فعل أشياء عجيبة، واسمع معي إلى هذه القصة: كان طلبة العلم إذا جاءوا لـ مالك رحمه لله يطرقون الباب، خرجت إليهم الجارية التي عند مالك، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ -تريدون الحديث عن رسول الله ﷺ ، أم تريدون مسائل فقهية، إذا صار كذا ما هو الحكم، وإذا صار كذا ما هو الحكم- فإذا قالوا: المسائل، خرج إليهم مالك مباشرة بثيابه العادية وأفتاهم، وإن قالوا: نريد الحديث، دخل مغتسله فاغتسل، وتطيب، ولبس ثياباً جدداً، وتعمم، ووضع رداءه على رأسه، وتبخر، فيخرج إليهم وعليه الخشوع، ولا يزال حتى يفرغ من حديث رسول الله، فقيل لـ مالك في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله، ولا أحدث به إلا على طهارة.
هؤلاء علماؤنا -أيها الإخوة- هكذا كانت محبتهم لرسول الله ﷺ ، هذه المحبة تدفعهم إلى تعظيم حديثه، ومن خالف سنته ﵇ فهو ناقص المحبة، ولكن لا يجوز لنا أن نقول لإنسان عاصٍ -هذه نقطة مهمة- أنت لا تحب الرسول مطلقاً، وليس في قلبك أي ذرة من ذرات محبة الرسول، لا، بدليل أن الرجل الذي جاء وقد شرب الخمر وهو النعيمان، وكان يضحك رسول الله، كان هذا الرجل يلف على الأسواق، فينظر الشيء الظريف والذي فيه ظرافة، فيأخذه من البائع ويأتي به إلى الرسول ﷺ ، فيقول: يا رسول الله! أنا أحببت أن أهديك هذا الشيء الظريف، فالرسول ﷺ يسر، فبعد قليل يأتي البائع للرسول، فيقول: يا رسول الله! أعطني ثمن هذا، فيقول النعيمان: أنا أخذته وأهديتك إياه، لكني حولته عليك أنت تدفع له.
هذا الرجل حصل معه في مرة من المرات ضعف نفس، فشرب الخمر، فأوتي به ليجلد، فسبه بعض الصحابة، فقال رسول الله ﷺ للصحابي الذي لعنه: (لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) أي: إذا كان الرجل مسلماً لكن عنده معصية، فاسق، لا نقول له: أنت لا تحب الرسول بالكلية، وليس عندك ذرة من المحبة للرسول، لا، ولكن نترفق بهذا الرجل، وننصحه، ونغلظ عليه إذا احتاج الإغلاظ، لكن لا ننفي عنه المحبة نهائياً؛ لأنه إذا كان الرجل لا يحب الرسول نهائياً، فمعناه أنه قد خرج عن الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله.
ومحبة رسول الله -أيها الإخوة- عبادة من العبادات، وما هو الشرط في كل عبادة؟ أولاً: أن تكون خالصة لوجه الله، ثانياً: أن تكون على طريقة الرسول ﷺ ، أي عبادة لابد أن يكون فيها هذا، فإذا خرجت العبادة عن أحد هذين الحدين، فقد صارت مردودة على صاحبها.
стр. 3383
غلو الصوفية وإفراطهم في محبة النبي ﷺ
فالآن أيها الإخوة! كثيرٌ من الناس في باب محبة الرسول ﷺ بين إفراط وتفريط، فمنهم من يغالون فيه ﵇ -كما سنضرب أمثلة بعد قليل- يغالون فيه مغالاة شديدة حتى تخرجهم عن الإسلام بالكلية والعياذ بالله، هذا الرسول ﷺ مع أن الصحابة كانوا يحبونه جداً، لكن هل كان يرضى أن الصحابة يفعلون أمراً محرماً من أجله هو ﵇؟ كلا، فقد ورد في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري في الأدب المفرد عن أنس قال: (ما كان في الدنيا شخص أحب إليهم رؤية من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما كانوا يعلمون من كراهيته لذلك)، القيام للداخل من الأمور المذمومة شرعاً، كلما دخل واحد تقوم له، الصحابة كانوا يحبون الرسول جداً، هل كانوا يرتكبون المحظور، فكل ما دخل عليهم الرسول يقومون مثلما تقوم الأعاجم الكفار لملوكهم؟ لا، فانظر يا أخي كيف اقترنت المحبة بطاعة الله، محبة الرسول داخلة ضمن طاعة الله، فإذا كان الأمر محرماً فلا يفعل.
ولذلك أنكر الرسول ﷺ على رجل أشد النكير، عندما جاءه فراجعه في بعض الكلام فقال: ما شاء الله وشئت، فقال رسول الله ﷺ : (أجعلتني مع الله عدلاً، لا، بل ما شاء الله وحده) أو: (أجعلتني لله نداً) حتى وإن كان يحب الرسول، لا يجوز أن يقول: ما شاء الله وشئت، للرسول، هذا من الشرك الأصغر، والرسول ﷺ حذر الأمة أن يرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله إياها، فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبد الله ورسوله).
انظر إلى هذا النهي عن الإطراء، لا نرفع الرسول مع محبتنا له ﵊ فوق المنزلة التي أنزله الله إياها، وعندما تأتي إلى المشركين ممن يدعون الإسلام، تجد لهم أقوالاً عجيبة، ومن أمثلتها أيها الإخوة: هذه القصيدة المعروفة بنهج البردة، الذي يقول قائلها وناظمها، يقول فيها:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي إذا الكريم تجلى باسم منتقم
إن لم يكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل: يا زلة القدم
ما رأيكم بهذا الشعر؟ هذا الشعر الذي يقول فيه الشاعر: يا رسول الله! أنا عند نزول المصيبة عليّ مالي غيرك ألوذ به، ولا غيرك أستغيث به، ويوم القيامة إذا عرق الناس وصاروا في الأهوال، إذا ما أخذت بيدي يا رسول الله! فقل: يا زلة القدم.
ثم يقول:
فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
ما هي ضرة الدنيا؟ الآخرة، يقول: يا رسول الله! الدنيا والآخرة كلها من جودك بالذي فيها، ومن علومك يا رسول الله علم اللوح والقلم، فماذا بقي لعلم الله إذا كان من علم الرسول علم اللوح والقلم؟ هذه القصيدة التي تقرأ اليوم في الموالد التي يزعم أصحابها أنهم يحبون رسول الله، هذا الضلال والشرك الذي يرفضه رسول الله رفضاً شديداً، وحذر الأمة منه تحذيراً شديداً، ووقع فيه بعض أفراد أمته، وتكلف بعض الناس تكلفات باردة في تأويل مقاصد صاحب القصيدة، فقالوا: ومن علومك، أي: يقصد الله ، وليس فيها إشارة واحدة إلى أنه يقصد الله، لأن السياق كله يأتي في مدح الرسول، وقس على ذلك أيضاً من التكلفات في التأويل التي لم يقصدها صاحبها أصلاً.
وهذا الرجل الآخر الذي يقول في منظومته:
يا سيدي يا رسول الله يا أملي يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني
هبني بجاهك ما قدمت من زلل جوداً ورجح بفضل منك ميزاني
يطلب من الرسول أن يرجح ميزانه، وأن يغفر له خطاياه جوداً منه، ثم يقول:
واسمع دعائي واكشف ما يساورني من الخطوب ونفس كل أحزاني
إني دعوتك من نيابتي برع وأنت أسمع من يدعوه ذو شان
فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبي برحمة وكرامات وغفران
وصل به الحد إلى أنه يطلب من الرسول الكرامات والغفران ومنع الجناب، وهذه الأشياء التي ليست إلا لله ، ويقول أيضاً:
وحل عقدة كربي يا محمد من همٍ على خطرات القلب مطرد
أرجوك في سكرات الموت تشهدني كي ما يهون إذ الأنفاس في صعد
يقول: يا رسول الله! تعال أشهدني عند الموت حتى تتسهل أحوالي، وحتى تخرج روحي بسهولة
وإن نزلت ضريحاً لا أنيس به فكن أنيس وحيد فيه منفرد
فكن يا رسول الله أنيسي في قبري.
وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن يليه من أجله وانعشه وافتقد
وإن دعا فأجبه واحم جانبه من حاسد شامت أو ظالم نكد
ماذا أبقى هذا الرجل لله ؟ إذا كان الرسول هو الذي يؤنس الوحشة في القبر، ويثقل الميزان، ويغفر الخطايا، ويحمي من الشرور، فإذاً فما الذي لله ؟ أيها الإخوة! نحن نحب الرسول ﷺ ، لكننا نرفض بشدة أي محاولة للغلو فيه، ورفعه فوق منزلته، بل إن من الإزراء به رفعه فوق منزلته، الرسول يقول: إنه لا يملك ضراً ولا نفعاً، ويطلب من الناس أن يلوذوا بالله عند حلول المصائب، فمن الإزراء به ﵇ أن تلجأ إليه أو كما يفعل الجهلة الآن من يطوف بقبره، ومن يمسح الحديد الذي على قبره، ومن يدعوه من دون الله، ومن يقيم الموالد التي تتلى فيها مثل هذه القصائد الشركية، وحتى إذا ما تليت فإن إقامتها في هذا اليوم الذي يزعمون أن إقامة المولد في هذا اليوم من القربات، إنما هو بدعة من البدع، ما فعلها أحب الناس إليه ﵊، لا فاطمة ولا علي ولا الحسن ولا الحسين ولا الصحابة ما فعلوا هذا، هل نحن نحب الرسول أكثر من الصحابة؟ إذاً فلم الابتداع في الدين؟ وهؤلاء الجهلة من غلاة الصوفية الذين يقول عنهم المناوي -وفيه شيء من التصوف- يقول في كتابه: قال العارف المرسي: والله لو حجب عني رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين.
يقول هذا الصوفي: أنا أشاهد الرسول حياً بجسده دائماً، ولو حجب الرسول عني لحظة واحدة ما عددت نفسي من المسلمين، ثم يقول أيضاً: والله ما صافحت بهذه اليد إلا رسول الله ﷺ .
هؤلاء ربما فعلاً رأوا أحداً وصافحوه، ولكن من يكون؟ شيطان تمثل لهم فضحك عليهم وأغواهم، وصافحهم على أنه الرسول، وهؤلاء الجهلة صدقوه، وزادوا في ضلالهم وطغيانهم، ومنهم من يزعم أنه تلقى الحكم الفلاني من الرسول، وأنه شاهد الرسول بعينه وجلس معه، وناقش معه أحوال الناس ومشاكلهم، وأنه أخذ أحاديث من الرسول ما أخذها الصحابة، وأشياء عجيبة جداً، سببها الغلو في رسول الله ﷺ .
стр. 3384
منهج أهل السنة في محبة النبي ﷺ
فنحن -أيها الإخوة- أهل السنة والجماعة في باب محبة الرسول ﷺ حق بين باطلين، الباطل الأول: الغلو فيه، والباطل الثاني: الجفاء، لا نريد نحن أن تقسو قلوبنا على الرسول ﷺ ، ونشعر بالجفاء، لا، نريد أن نحيي قلوبنا بمحبته عليه الصلاة السلام، لكن في الطرف الآخر لا نغلو به ونرفعه فوق منزلته.
والحقيقة -أيها الإخوة- أن هنا مسألة يجب الانتباه إليها، أنه في غمرة ردودنا على أهل التصوف وأهل البدع، قد يصل بنا الحال إلى نوع من الجفاء؛ لأننا غالباً عندما نخاطب هؤلاء الناس نقول لهم: لا تطروني، والأحاديث التي تنهى عن الغلو، وو إلى آخره، لكننا ننسى أن نذكر أنفسنا بمثل هذه الأحاديث التي توضح محبة الصحابة للرسول ﷺ ، مثل هذا الحديث يقول رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده، ليأتين على أحدكم يوم لأن يراني ثم لأن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم) منزلة عظيمة، يقول في الحديث الصحيح أيضاً: (أشد أمتي لي حباً قوم يكونون بعدي، يود أحدهم أنه فقد أهله وماله وأنه رآني) يقول النبي ﷺ في ناس هذه صفتهم: يود أحدهم لو فقد أهله وماله وأنه رآني.
فإذاً أيها الإخوة: حق بين باطلين، محبة قلبيه حارة، وفي نفس الوقت لا غلو ولا جفاء، هذه من الأمور المهمة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يحبون رسول الله حق المحبة، وأن يرزقنا شفاعته، وأن يرزقنا الالتقاء به في جنة الفردوس، وأن يرزقنا الأخذ بسنته صغيرها وكبيرها، ونسأله أن ينعم علينا وعليكم باتباع طريقة رسول الله ظاهراً وباطناً.
стр. 3385
الأسئلة
وفي الختام -أيها الإخوة- أسئلة سريعة توجه بها بعض الإخوة وتوجهت بها إلى الشيخ: عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى فأجاب عنها.
стр. 3386
حكم استعمال التقاويم التي تحمل دعاية البنوك
السؤال
ما حكم استعمال الدعايات من هذه التقاويم التي تطبعها بعض البنوك الربوية؟
الجواب
يقول الشيخ ابن باز: لو كانت هذا التقاويم هي عبارة عن تقاويم فقط، أي: ما عليها دعاية ولا صورة للبنك مثلاً فاستعمالها لا حرج فيه، حتى ولو طبعوها بأموال الربا؛ لأنها تعتبر من المال الضائع الذي لا صاحب له، فلا بأس من الاستفادة منها، أما إذا كانت تحمل شعار البنك وصورة لمبناه، ودعاية للأشياء التي فيه، فعند ذلك لا تستعمل وتجتنب.
стр. 3387
قول: (سيدي) للكافر والفاجر
السؤال
هل يجوز أن أكتب لرئيسي الكافر السيد فلان الفلاني المحترم، أو المكرم فلان الفلاني الموقر، أو رجل مسلم اسمه اسم مسلم لكنه تارك للصلاة أو يسب الدين، أي: خارج عن الإسلام؟
الجواب
هذا السؤال عرض على الشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن باز، فكان جواب الشيخ ابن عثيمين: أما قول: سيد، هذه لا تجوز مطلقاً أن تكتب له السيد، على الظرف أو على الرسالة، وخصوصاً الذين يطبعون فواتير وأشياء من هذا القبيل، ينتبهون لهذا الأمر؛ لأن فيه حديثاً صحيحاً (لا تقولوا: للمنافق سيد) ويلحق به الكفار والفجار، لا نقول: السيد، هؤلاء الذين يطبعون ويكتبون الرسائل لا يجوز لهم بأي حال من الأحوال، أن يخاطب الرجل الكافر فيكتب إليه: السيد فلان؛ لأنه يسخط الله إن فعل هذا.
توقير أهل الكفر أصلاً غير وارد في شريعة الإسلام، إلا إن كان من باب الدعوة إلى الله، فنجعل له من الاحترام ما يرغبه ويجذبه، فيقول الشيخ: ابن باز: فأما إذا صار حاجة إلى هذا، فلا بأس من كتابة: المكرم فلان الفلاني المحترم، ويقصد الكاتب بقلبه المكرم عند قومه الكفرة، المحترم عند قومه الكفرة، لا المكرم عندي كمسلم أو عند المسلمين، ولا المكرم عندي أو عند المسلمين، وإنما أكتب إذا اضطررت إلى هذا المكرم أو المحترم عند الكفرة من بني جنسه، أما لفظة السيد فلا يلجأ إليها مطلقاً، يقول الشيخ: ابن عثيمين: ولا حتى للمسلم، لا يقال عنه السيد، ربما لأن هناك حديثاً صحيحاً يقول ﷺ : (السيد الله) أي: السيد الذي له السيادة الحقيقية الكاملة هو الله ، فالله هو السيد.
стр. 3388
حكم صلاة المرأة عند تغير العادة بسبب الحبوب
السؤال
امرأة استعملت حبوباً للعادة، أو تضع لولباً فيحصل اختلال في العادة فينزل دم قبل موعده، ويكون أحياناً لون الدم مختلف، أو يحصل اختلال فماذا تفعل المرأة، هل تصلي أو لا تصلي؟
الجواب
يقول الشيخ: ابن باز حفظه الله مجيباً على هذا السؤال: إذا صار هذا التغير المتصل بالعادة، ليس المنفصل عنها بأيام أو يوم، ليس متصلاً بها، أي: أن الدماء تنزل وراء بعض، إذا كان هذا التغير الذي طرأ قد أصبح عادة لها دائماً يأتيها بهذا الشكل بعد أخذ الحبوب أو وضع هذه الأشياء صار التغير هذا دائماً، وصار جزءاً من عادتها، صارت متوعدة أن العادة قد صارت يومين، فصارت بعدما أخذت الحبوب دائماً تزيد يومين، فعند ذلك صارت ملحقة بالعادة فصارت من العادة، أما إن كان اختلافاً عن دم الحيض وما كان عادة لها، في شهر يأتي وفي شهر لا يأتي، فعند ذلك لا يعتبر من دم العادة، وتصلي وتعتبر هذا الدم من الاستحاضة.
стр. 3389
حكم الصلاة في مسجد بني من الربا
السؤال
ما حكم الصلاة في المسجد المبني بأموال الربا؟
الجواب
فيقول الشيخ: ابن باز مجيباً على هذا السؤال: لا حرج إن شاء الله، وإن كان ليس هو الأفضل، لكن لا حرج في الصلاة في هذا المسجد.
стр. 3390
قطع صلاة السنة لأجل الجنازة
السؤال
سألني أحد الإخوة، وسألت عنه الشيخ ابن باز، هل تقطع صلاة السنة لأجل صلاة الجنازة؟ أي: واحد يصلي السنة، فجاءت جنازة، فكبر الإمام بعد ما شرع صاحبنا في صلاة السنة، فماذا يفعل؟ لو كمل السنة تفوته صلاة الجنازة، فهل يقطع صلاة السنة أم لا؟
الجواب
يقول الشيخ: ابن باز: الظاهر أنه يقطعها؛ لأن صلاة الجنازة تفوت، أما صلاة السنة فلا تفوت، فلذلك لا حرج في قطعها.
стр. 3391
مؤامرة تمييع الدين [١]
معاول الهدم في العقيدة الإسلامية كثيرة، ومنها التمييع لكثير من القضايا الخاصة بهذا الدين، ومن هذا التمييع: إنكار الأمور الغيبية والمعجزات الخاصة بالرسل تمييع قضية الحكم على المرتدين تمييع أحكام الفقه وأصول الإسلام تمييع الحواجز بين المسلم والكافر
стр. 3392
خطر تمييع الدين وثوابته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فإننا معشر المسلمين مطالبون شرعاً بالدفاع عن حياض الإسلام، والذود عن هذه الشريعة المطهرة، ولأن ديننا أعز شيء لدينا، وجُبل الإنسان على الدفاع عن أغلى شيء عنده، وعن النفيس مما لديه، فلابد للمسلم أن يضع نُصب عينيه الدفاع عن شريعة الإسلام، وأن يجعل له ذلك وظيفةً، وألا يقصر في القيام في هذا الأمر، يسعى لله بالحجة والبيان، وينافح عن الإسلام، وعندما يكون المسلمون في ضعف يتكاثر الطاعنون، ويرفع أهل الضلال رءوسهم، يريدون النيل من هذا الدين القويم.
ونحن لا ننكر أيها الإخوة! في مرحلة الاستضعاف التي نعيشها أننا نتعرض لحملة شرسة من أعداء الدين، وأن هناك كثيراً من الخراب في الفكر والعقيدة الذي تسلل إلى نفوس بعض المسلمين ممن حملوا معاول الهدم، يشعرون أو لا يشعرون، ولكنك لا يمكن أن تغمض عين البصيرة عن الروابط التي تربط أعداء الدين في الخارج مع أعداء الدين داخلنا وبيننا؛ لأن الإغماض عن ذلك نوع من الغفلة، لا يمكن أن يليق بمسلم صاحب بصيرة.
ومعاول الهدم كثيرة في هذه العقيدة التي هي صامدة في نفوس أبنائها مهما حصل، ومن ذلك أيها الإخوة موضوع خطير جداً يدندن حوله، ويراد تقريره، وهو موضوع التمييع، تمييع عدد من أحكام الدين، وشعائر الدين، وعدد من المسلمات والثوابت في هذه الشريعة المطهرة.
لقد تولى إفك التمييع وهذا المهمة عدد من المنتسبين إلى أهل الإسلام، الذين يتسمون بأسماء المسلمين، ولكنهم في الحقيقة يريدون أن يقلعوا الشريعة حجراً حجراً، وبعضهم يظن أن ما يفعله هو أمر طيب في صالح الشريعة، وبعضهم يفعل ما يفعل عن تعمد واستمداد من أهل الباطل والكفر وصناديده.
وهذا التمييع أيها الإخوة! أمرٌ جد خطير؛ لأنه قد حصل بسببه التباس عند كثير من المسلمين الذين تأثروا بهذه الأفكار المطروحة، وهذا التمييع صار في جوانب متعددة، ولنأخذ بعض الأمثلة تحت بعض العنوانين لنبين ما هو المقصود بقضية التمييع.
стр. 3393
إنكار الأمور الغيبية
إن هؤلاء الطاعنين في شريعتنا، يميعون على سبيل المثال كثيراً من أمور الغيب والعقيدة؛ ولأن عقولهم لا تقبل وجود أشياء غيبية كالملائكة والجن مثلاً؛ لأنهم لا يحسون بها ولا يرونها، فيريدون إنكارها.
ولذلك فإنهم يدندنون حول قضية إمكانية أن يعيش المسلم بسلوك الإسلام دون أن يعتقد ببعض الأمور الغيبية، ويقولون: إن المهم هو فقه الشريعة، وأما فقه العقيدة فإنه مسألة فيها حرية وسعة، وأن المسلم يمكن أن يعيش بسلوك الإسلام، حتى ولو أنكر بعض الرموز والخيالات الموجودة في هذا الدين، يقول محمد أركول من ضُلال هذا العصر: لابد من أن نقر أن الذي حرك القبائل أيام النبي محمد -ونحن نقول: ﷺ وهو لم يقل: ﷺ ، هو الإيمان كما ورد في القرآن، والتصورات الأخروية من وعد ووعيد، التي دخلت عقول الناس وجعلتهم يؤمنون بها كحقائق واقعية، وليس كخيال ورموز، ونحن ننظر إليها في هذا العصر كخيال ورموز.
وكذلك يقول حسن حنفي: ألفاظ الجن والملائكة والشياطين ألفاظ تتجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها؛ لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها كل الناس.
وكذلك يرى زكي نجيب محمود: إن الغيب والإيمان به خرافة.
ويقول واحد آخر ممن يحسب على المشيخة والمشايخ، يقول عن إحدى صفات الله تعالى: إن العقائد لا تُخترع ولا تُفتعل على هذا النحو المضحك، عقيدة أن لله رجلاً ما هذا؟! فيريد إنكار القدم أو الساق أو اليد أو الوجه من صفات الرب التي أثبتها لنفسه في كتابه ، وقال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧].
وكذلك أثبت صفة القبضة له ، وأثبت صفة اليد له ، أثبتها له سبحانه، وهو المتصف بها، ونحن لا نعرف إلا ما أخبرنا به في كتابه، وما حدثنا به عنه رسوله ﷺ : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤].
وهذا يقول: هذا سخف، لله كذا، هذا شيء مضحك! استهزاء بصفات الله، والذي قبله يقول: العوالم الغيبية رموز وخيالات، والذي بعده يقول: الشياطين والملائكة ليس لها وجود، لا يقبلها كل عقل، ثم يقولون: فكيف إذاً يلتقي المسلمون الذين يؤمنون بهذه والذين لا يؤمنون، يمكن أن يلتقوا على السلوك الإسلامي، وعلى الأخلاق الإسلامية، أما هذه العقائد والأمور الغيبية فلا يلزم الجميع أن يؤمنوا بها.
سبحان الله! ما هي أول صفة وصف الله بها المؤمنين في سورة البقرة؟ ﴿الم * ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣] بل إقامة الصلاة: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) [البقرة:٣ - ٤] أعادها وكررها: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة:٤] وما فيها من المشاهد الغيبية، من الحوض والصراط والميزان والجنة والنار، وعرش الرحمن وكرسي الرحمن، والمنابر من نور عن يمين الرحمن، وظل العرش: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة:٤] أولئك المؤمنون حقاً أيها الإخوة: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥] فإذا لم يؤمنوا ببعض هذه الأشياء، فليسوا على هدىً من ربهم، وليسوا بالمفلحين، وليسوا هم المؤمنون حقاً.
فهل رأيتم إذاً وتراً من الأوتار الذي يعزف عليها هؤلاء في قضية تمييع هذه الأمور؟
стр. 3394
إنكار معجزات الأنبياء
ومن الأشياء التي يريدون التخلص منها معجزات الأنبياء، لماذا أيها الإخوة؟ لأنها غيب، وعقولهم لا تتحمل الغيبيات، عقل فاسد وضيق، لا تتحمل عقولهم الغيبيات، فهذا أحدهم يقول: الذي ادعى أنه يحمل الجمع في الفقه بين القرآن والسنة، وألف كتاباً خطيراً جداً في السنة النبوية، يريد أن يزلزلها وينسف ثوابتاً فيها، يقول: على أنه لا صلة للعقيدة بأن الرسول ﵊ أظلته غمامة أو كلمه جماد، والرجل الصالح لا يُغمز مكانته إنكاره لهذه الخوارق.
لاحظ معي يقول: إذاً لا صلة للعقيدة بقضية أن الرسول ﵊ أظلته الغمامة أو كلمه جماد، والرجل الصالح لا يغمز مكانته إنكاره لهذه الخوارق، إذاً يمكن أن يكون الرجل صاحب مكانة في الدين، وهو ينكر هذه الخوارق، والله تعالى هو الذي أيد نبينا ﷺ بالمعجزات، وهو الذي أعطاها له ردءاً وتأييداً منه سبحانه؛ ليتبين قومه أنه نبي فعلاً ولا يقولوا: كذاب، لقد انشق القمر وأراهم القمر شقين، ورأوا أموراً عجيبة، ورأى أتباع النبي محمد ﷺ من الخوارق ما زاد إيمانهم، ومن المعجزات ما أكد يقينهم وثبتهم: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠].
فرأوا تكثير الطعام بين يديه، ونبع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الأكل وهو يؤكل، وسلم عليه الحجر بـ مكة، فكانت المعجزات تأييداً له ولأصحابه وبرهاناً على نبوته أمام الكفار، ومات ﷺ وأبقى لنا هذه المعجزة الخالدة، وهي القرآن الكريم.
أيها المسلمون! إن الله لا يعجزه أن يؤيد رسولاً من رسله بأن تمشي إليه شجرة أو يحيي له ميتاً، أو يخرج له ناقة من صخرة، أو ينبع الماء من بين أصابعه، أو يرزقه فاكهة الشتاء في الصيف، أو يحا له طائراً قد ذبح وقطّع، فالله يؤيد أنبياءه بالمعجزات، ويعطي الكرامات لأوليائه، وليس ذلك على الله بعزيز، والله على كل شيء قدير، ولما رأى إبراهيم الخليل هذه الطيور التي قطّعت وذبحّت ووزعت على الجبال، ثم دعاها فجاء عنق هذا إلى جسده، ورجلا هذا إلى بقية الجسد وتركبت وطارت إليه، وقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٥٩] وأن الله عزيز حكم، كما قال ذلك عزير وقالها إبراهيم.
إذاً أيها الإخوة! هؤلاء الذين ينكرون الجن اليوم، ويقولون: إنهم غير موجودين، وإن الصرع لا يمكن أن يحدث، وإن الشياطين ليس لها تسلط على البشر، والله قد ذكر ذلك بقوله : ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] وأن الشياطين تمس الناس، نعم لم يجعل الله لهم سلطاناً عاماً على الإنس يصرعون من يشاءون ويلتقون كيف شاءوا، كلا، إن ذلك يحدث على نطاق ضيق وعدد قليل، ولكنه يحدث، ونقر أنه يحدث، ولا نقول: عقولنا لا تقبل ذلك.
стр. 3395
تمييع قضية الحكم على المرتدين
ومن التمييع الذي يمارسه هؤلاء: تمييعٌ في قضية الحكم على المرتدين الذين نطقوا بالكفر، فهذا أحدهم وهو فهمي هويدي يعتذر عن نزار قباني الشاعر الملحد الضال، الذي نطق شعره بالكفر صراحة، فينقل عنه عبارة كفرية واضحة، يقول فيها نزار:
لا تسافر مرة أخرى
لأن الله منذ رحلت
دخل في نوبة بكاء عصبية
وأضرب عن الطعام!
ثم قال: وبعت الله!
هذا الذي قاله الأفاك الأثيم الذي ذهب إلى الله، والله سيتولاه، فماذا قال صاحبنا في الدفاع عنه، يقول: فالكلام الذي صدر عن نزار لا يدخل في إطار إنكار الله بطبيعة الحال، وإن تمنينا أن يتسم حديثه عن الله بالقدر الواجب من الإجلال، إلا أننا نقول: إنه غلب على نزار اعتبار صنعة الشعر، والأوزان والقوافي وكذلك هذه الموهبة، وأطلق العنان للتعبير، فجاء كلامه على ذلك النحو غير المستحب.
غير المستحب!! واحد يقول: بعت، ويقول: نحو غير المستحب!! واحد يقول: إنه سبحانه أضرب عن الطعام! ودخل في نوبة بكاء عصبية! ثم تقول أنت عنه: صنعة الشعر غلبته فجاء الأسلوب غير المستحب! سبحان الله! هذا هو التمييع أيها الإخوة! أن نأتي إلى واحد قد صرح بالكفر الذي لا يوجد أشد منه، ثم نعتذر إليه بأن صنعة الشعر جاءت في كلامه على الأسلوب غير المستحب، وكنا تمنينا أن يأتي بالأسلوب الآخر، وكنا تمنينا أن يحاكم مرتداً وتقطع رقبته، وتمنينا نحن المسلمين، هذا الذي نتمناه في أي واحد يهاجم الله أن يحاكم شرعاً بالردة، فإذا أقر ولم يرجع أن تضرب رقبته بالسيف انتصاراً لله تعالى، هذا الذي تمنينا.
نتمنى هدايته ولكن لو لم يهتد، فإذاً ماذا نتمنى؟ أن يقام عليه حد الردة: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد:١٣] هذا هو الله : ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣] ! هذا رعده وبرقه: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد:١٣].
стр. 3396
تمييع أحكام الفقه وأصول الإسلام
من التمييع كذلك: تمييع أحكام الفقه وأصول الإسلام التي جاءت بها الأحكام، فيقول أحدهم وهو محمد عبده في موضوع الوضوء بالكولونيا: ومن أين جاء أن ماء الزهر والورد لا يصح الوضوء به، وماء الكولونيا أحسن شيء للوضوء، فإنه يمنع آثار المرض، قاله في كتاب تاريخ الأستاذ الإمام، والذي يدافع فيه عن أحد كبار المنافقين في هذا العصر وهو جمال الدين الأفغاني، وقد ذهبا إلى الله، وليس عندنا علم هل تابا أم لا، فالله يتولاهما، ولا نحكم على مصيرهما في الدار الآخرة، أمرهما إلى الله.
لكن نحن نأخذ العبرة، ونريد أن نعرف ما هي الأساليب التي يمشي بها هؤلاء بين المسلمين، من الذي قال: إن الوضوء بالكولونيا لا يجزئ، فماء الكولونيا أحسن شيء للوضوء.
نقول: الذي قال هم أئمة الدين من فقهاء المسلمين سلفاً وخلفاً، أنه لا يجزئ الوضوء إلا بالماء؛ لأن النبي ﷺ حدد الطهارة بالماء، وفي حالة فقده يتيمم بالتراب، هذا الذي جاءت به الأحاديث، الماء طهور وبه يتوضأ ويرفع الحدث الأكبر والأصغر، وإذا عدم ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء:٤٣] ولم يقل: كولونيا ﴿مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء:٤٣].
والعاقل والبليغ والمثقف والعامي والفلاح والدكتور كلهم يعرفون معنى لفظة الماء: ((فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)) وأي عاقل يفرق بين الماء والعصير، والماء والشاي، والماء والكولونيا، والماء والزعفران، وماء الورد وماء الزهر، كل ذلك بينه فرق بيّن.
стр. 3397
موقفهم من الربا
أما الموقف من حكم الربا، فماذا يقولون؟ يقول ذلك الرجل: والفقهاء مسئولون في التشديد على الأغنياء في الربا، فاضطروا الفقراء للاستدانة من الأجنبي، بأرباح فاحشة استنزفت الثروات، ويجّوز بعضهم كما جّوز ذلك جمال الدين الأفغاني الذي قال بجواز الربا المعقول الذي لا يثقل كاهل المديون، ولا يتجاوز في برهة من الزمن رأس المال.
فإذاً جرى على ذلك أذنابهم بعد ذلك بعشرات السنين، ووضحوا قولهم وأصلوه، وقالوا: الربا المعقول، يقول ربنا الذي نحن نؤمن بشرعه وقدره، وبما أراده واصطفاه لنا من الشريعة والدين، يقول في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧] ما بقي ١⁄٢%، ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩] وأنت تقول: ربا معقول! ما هو الربا المعقول؟ الذي نعقله ما جاء في هذه الشريعة، وكل شيء يخالف الشريعة غير معقول وسخيف، وتافه وترهات وباطل، لا يوجد شيء اسمه ربا معقول، هناك في هذه الشريعة شيء قطعي وهو تحريم الربا.
стр. 3398
موقفهم من الحدود
ثم انصب كلامهم في تميع الحدود الشرعية بعد الأحكام الفقهية، على قضية حد الردة، وإبطال حد الردة، وأن الإنسان حر إذا غير دينه، يا أخي! إذا غير دينه هو حر، لماذا يقتل؟! كيف يكون حراً في اختياره، ولا حرج عليه ولا تبعة، ونبينا ﷺ الذي نؤمن به وبشرعه الذي جاء به من عند ربه يقول: (من بدل دينه فاقتلوه) من بدل دينه: أي: الإسلام، وليس من ترك النصرانية واليهودية إلى الإسلام، المقصود واضح من بدل دينه، أي: الشرع الحكيم الصحيح الإسلام والتوحيد (من بدل دينه فاقتلوه) نص في المسألة.
كيف يقال: إن عقوبة الإعدام لا تتناسب مع القرن العشرين، ونحن على مشارف القرن الواحد والعشرين، فيجب إلغاء عقوبة الإعدام.
ولذلك يدندنون في الفضائيات والبرامج التي تبث، في مسألة رجم الزاني المحصن أنها غير صحيحة، ويقولون: لم تُذكر في القرآن، سبحان الله! فقد ثبتت في السنة، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده كما يقول عمر، وحتى لا يقول قائل، فقد قالها عمر ﵁ قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة قال: أن يأتي أناس يقولون: ما وجدناها في كتاب الله.
وجاءوا فعلاً في كثير من الأوقات، وفي هذا الوقت بالذات وقالوا: ما وجدناها في كتاب الله.
فقد رجم رسول الله ﷺ ماعز والغامدية، ورجمُت شراحة الهمدانية، ورجم عمر ﵁ وعلي، ورجم أبو بكر، ورجم الصحابة بعد النبي ﷺ ، دلالة على أن ذلك الحكم ليس منسوخاً ولا باطلاً.
الزاني المحصن الذي وطأ وذاق حلاوة الحلال في عقد صحيح إذا زنا وثبت عليه باعترافه أو بأربعة شهود؛ يرجم حداً من الله تعالى.
ثم يقولون: لا يناسب العصر الحاضر، لأنه ليس موجوداً في كتاب الله.
فإذا قلنا لهم: حد السرقة موجود في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨] يقول قائلهم: إن الشريعة لا تريد أن يتحول المجتمع إلى أناس مشوهين، هذا مجلود، وهذا مقطوع اليد، وهذا مفقوء العين، وهذا مكسور السن بقضية القصاص، اسجنه وامش، أو أي عقوبة مالية، فنقول: هذا موجود في كتاب الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] موجود، قالوا: هذه همجية لا تصلح في هذا القرن.
وهكذا ترون أيها الإخوة! قضية صب الكلام على تمييع الحدود الشرعية التي أنزلها الله؛ من حد الردة وحد الزنا للمحصن، وحد السرقة، أنهم يريدون إبطال ذلك، وإقناع المسلمين أن ذلك كان في عهدٍ مضى ولا يناسب هذا الزمان.
هذه قليل جداً جداً مما يقولونه في بعض هذه المسائل، نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بالحق والدين، ومن الحريصين على تنفيذ شرعه المبين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 3399
إلغاء الحواجز الدينية بين المسلم والكافر
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل الكتاب، والحمد لله الذي نصر نبيه ﷺ والأصحاب، وهزم الأحزاب، والحمد لله مجري السحاب، أشهد أن لا إله إلا هو الملك العزيز الوهاب، وأشهد أن نبيه محمداً ﷺ سيد البشر وأولي الألباب، جاءنا بالحق والصواب، وأشهد أن من تبعه بإحسان إلى يوم الدين هم أولوا النهى والألباب، صلى الله عليه وعلى من تبعه.
عباد الله: من أخطر أنواع التمييع الذي يقوم به هؤلاء ممن يسمون بالعقلانيين وأصحاب الفكر المستنير -يسمون أنفسهم بالتنويريين- من أخطر ما يقومون به تمييع الحواجز الدينية بين المسلم والكافر، المسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله، والذي هو من خير أمة أُخرجت للناس، الموحد لربه، المطيع لنبيه الذي يعتمد الشرع، ويُوفي له، المسلم الذي لا يتحايل على الدين، المسلم الذي يطبق الإسلام، يريدون التمييع في الحد بينه وبين أرباب الديانات الأخرى من اليهود والنصارى وغيرهم من أنواع المشركين.
التمييع بين المسلم الحنيفي وبين اليهودي الذي هو من الأمة الغضبية، أهل الكذب والبهت، والغدر والمكر والحيل، وقتل الأنبياء، وأكل السحت والربا، أخبث الأمم طوية وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم إلى النقمة، عاداتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، أهل السحر والكذب والحيل، هؤلاء الذين سبوا ربهم، فقالوا: تعب يوم السبت وارتاح، وقالوا: إنه بخيل: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] والذين عادوا نبينا ﷺ بعدما تبين لهم أنه نبي الله، وقامت الأدلة عندهم، وطابق الوصف المذكور في كتبهم، عادوه وناصبوه إلى أن دسوا له السم في الشاة.
التمييع بين المسلم وبين النصراني الذي هو من الأمة المثلثة، أمة الضلال وعبّاد الصليب، الذين سبوا الله مسبة لم يسبها أحد، وقالوا كلاماً تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.
قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وإن مريم صاحبته، والمسيح ابنه، وأنه نزل عن كرسي عظمته والتحم ببطن الصاحبة وجرى ما جرى، وأن هؤلاء عبّاد الصلبان وعبّاد الصور المنقوشة بالألوان في الحيطان، الذين يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا، واغفري لنا وارحمينا، دينهم شرب الخمور، وأكل الخنزير، وترك الختان، والتعبد بالنجاسات، واستحلال الخبائث، كيف يمكن أن تميع الحدود بين المسلم وبين مثل هؤلاء؟ واليهود والنصارى أهل الكتاب أحسن حالاً من الهندوس والبوذيين وبقية مشركي الأرض، فما بالك بالبقية أيضاً.
إن الدعوة إلى تمييع الحواجز الدينية بين هذه الديانات الثلاث، قد جرت على خطة مرسومة من هؤلاء باسم وحدة الأديان تارة، أو الملة الإبراهيمية تارة، أو وحدة الدين الإلهي وأرباب الكتب السماوية تارة أخرى، وكلمة العالمية ووحدة الأديان، يريدون صهر الأديان الثلاثة في بوتقة واحدة، كيف يجتمع الذي يقول: لا إله إلا الله، هو الله أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، مع من يقول: إن عيسى هو الله أو عيسى ابن الله، أو عزير ابن الله؟! كيف يجتمع قتلة الأنبياء، والذين مسخهم الله قردة وخنازير تحت مظلة واحدة مع من هم خير أمة أخرجت للناس؟! كيف يجتمعون؟! كيف يجتمع الذين قال الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] مع من يقول: لا إله إلا الله لم يتخذ صاحبة ولا ولداً؟ كيف يجتمع هذا مع هذا في قضية الملة الإبراهيمية أو وحدة الأديان؟! إن الجمع بين هؤلاء ردة ظاهرة وكفر صريح ولاشك، ثم هؤلاء من جلدتنا وبألسنتنا يقولون: إن اجتماع هؤلاء من أجل أن يكون السلام عاماً في العالم هو هدفنا الذي نسعى إليه، وأن تزول العداوات بين أهل الأديان، فهل الإسلام جاء لإزالة العداوات بين أهل الأديان؟ هل جاء الإسلام ليعيش أهل الأديان كلهم متآلفين؟ سؤال خطير جداً أيها الإخوة! لأن عدداً من الناس يظن
الجواب
نعم، هل جاء الإسلام لكي يتصافى المسلمون، واليهود، والنصارى، والمجوس، والهندوس، والبوذيون، يتصافون ويكونون على قلب رجل واحد.
أم جاء الإسلام بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] أليس الإسلام قد جاء لأجل هذا، إذا كنا نحن لا نستطيع أن نطبقه الآن، ولا نستطيع أن نجاهدهم؛ لأنه ليس عندنا قوة، فإن المبدأ يجب أن يبقى سليماً، وهي عداوتهم ما بقينا، وكرههم لأجل الله ما حيينا، أن نكرههم وأن نبغضهم، حتى لو لم نستطع أن نقاتلهم، يجب أن تكون العقيدة في هذه المسألة واضحة.
ثم انظر إلى ما يقوله صاحب كتاب: السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، يقول: ولا ريب أن هؤلاء النصارى عرب أنقياء، والعربي الصحيح -وإن لم يكن مسلماً وضع هذه الجملة الاعتراضية في الاعتراض- وإن لم يكن مسلماً فله موقف كريم من إخوانه المسلمين.
سبحان الله! معروف أن النصارى العرب من ألعن أنواع النصارى، إن لم يكونوا هم ألعن أنواع النصارى على الإطلاق، وما ابتليت الأمة في هذا الزمان بمثلهم، والتاريخ معروف.
ثم كيف يقال: له موقف كريم من إخوته المسلمين؟! ما هي الأخوة أيها الإخوة؟! أي نوع من الأخوة هذه؟ كيف نشأت رابطة أخوة بيننا وبينهم؟ قال: وإن وقف -أي: هذا النصراني- إيمانه بالنبوة إلى عيسى بن مريم، فلن يبخس محمد بن عبد الله حقه.
قل لي: كيف لن يبخسه حقه إذا لم يؤمن به رسولاً خاتم الأنبياء؟! كيف لم يبخسه حقه إذا كان يقول: لا أؤمن بنوبته، أو يقول: نبي مثل غيره، لا ميزة لشريعته، ولا ينسخ نبوة من قبله، وليس دينه خاتم الأديان ولا نبوته خاتم النبوات، أليس هذا من البخس العظيم؟! أما قال النبي ﵊: (أنه لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)؟ ثم يقول هذا: فلن يبخس محمد بن عبد الله حقه بوصفه سيد رجالات العروبة، ومؤسس نهضتها الكبرى.
هل النبي ﵊ بعث ليكون سيد العروبة أم سيد الناس والعالم؟ هل كانت المشكلة بين محمد ﵊ وكفار قريش العروبة؟! هل كانت القضية أنهم إذا اجتمعوا معه على العروبة انتهت القضية، أو كانت المشكلة والقضية هي: لا إله إلا الله التي رفضوا أن يقولوها؟ أليس هذا هو محور الصراع والحرب التي قامت بينه وبين قريش؛ العرب الأنقياء من جهة العروبة، الحرب قامت بينه وبينهم في بدر وأحد والخندق وفتح مكة وغيرها، قامت حرب أريقت فيها الدماء، أمن أجل أن يكون سيد العروبة؟ إذاً فلماذا امتدت فتوحاته إلى خارج الجزيرة؟ ولماذا ذهب إلى تبوك بلاد النصارى؟
стр. 3400
نشر الوعي بين المسلمين تجاه هذه القضايا
هذا التمييع أيها الإخوة! هذا الذي يقرأه كثير من الناس في الوسائل السيارة، ويسمعونه في هذه الوسائل المسموعة والمنظورة، هذا الكلام الذي نقوله هو ما يُدس للمسلمين، فهل نعقل ونميز؟ وهل نكون على مستوى الوعي؟ إن هذه مسألة خطيرة أيها الإخوة؛ لأن الله قال: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:٤٢] فلا بد أن تكون هناك بينة؛ لتبين للناس ما نزّل إليهم، البينة والبيان، والله لا يرضى أن يختلط الحق بالباطل: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩] لا بد أن يميز الخبيث من الطيب، هذا التمييز الذي نريده أن يكون موجوداً في حس المسلم وعقله، وأن يكون عنده علم يدفع به الشُبهات، العلم يا إخوان هو الذي تعرف به، هل ما يعرض عليك حق أم باطل؟ نسأل الله أن يرزقنا الفقه في دينه، والتمسك بسنة نبيه محمد ﷺ ، اللهم اجعلنا من أهل الهدى والتقوى، ومن المتمسكين بالعروة الوثقى، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم اجمع شملنا على التوحيد يا رب العالمين، اللهم ألف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدنا سبل السلام، واجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحببت، ونبغض من أبغضت إنك سميع الدعاء.
اللهم إنا نسألك الأمن والإيمان في بلادنا وسائر بلاد المسلمين، ومن أراد بلدنا هذا بسوء؛ فاجعل كيده في نحره، ثَبِّتْ علينا الأمن والإيمان، إنك أنت سميع الدعاء يا رحمن.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
следующие страницы →