Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
انقطاع الأنساب يوم القيامة
وروى ابن جرير بإسنادٍ صحيح له حكم الرفع عن ابن مسعود ﵁ قال: [يؤتى بالعبد والأمَّة يوم القيامة، فينادي منادٍ على رءوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حقٌ فليأتِ إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]] فهي لا ترحم أحداً ولا يرحمها أحد، وكل واحد يطالب الآخر بحقوقه، كل واحد يحتاج إلى حسنة، ولذلك العلاقة الزوجية لا تشفع، والعلاقة الأبوية لا تشفع، والعلاقة الأخوية لا تنفع، وعلاقة البنوة لا ترفع، وإنما كل واحد يطلب حقه من الآخر ولو كان أقرب الناس إليه، حتى إن المرأة تفرح أن تطالب أباها وأخاها وزوجها بالحقوق التي لها عليهم، [ثم قرأ ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] فيغفر الله من حقه ما يشاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئاً]؛ لأن حقوق الناس مبنية على التشاح ولا بد من أدائها في الدنيا أو في الآخرة: [فينصب للناس، فينادى: هذا فلان بن فلان، ما كان له حقٌ فليأتِ إلى حقه، فيقول -يقول هذا الذي عليه الحقوق التي ما أداها، والذي لطم هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا-: يا رب! فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول الله للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حقٍ حقه بقدر طُلبته، فإن كان ولياً لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا ابن مسعود: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:٤٠] قال: ادخل الجنة، وإن كان عبداً شقياً قال الملك: رب فنيت حسناته -أعطينا أصحاب الحقوق حقوقهم وفنيت حسناته، من أين نعطيهم ولا مال ولا حسنات باقية وبقي طالبون كثير؟ عمال ما أخذوا رواتب، زوجات ما أخذن نفقة، أولاد ما أخذوا كفاية، أقارب ما أخذوا المستحقات، بقي طالبون كثير، ناس مظلومون في العرض، ناس مظلومون في الدم، ناس مظلومون في المال- فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكاً إلى النار].
عباد الله! بماذا تذكرنا الزلازل؟ بهذا اليوم، فلمثل هذا اليوم اعدوا يا إخواني! أسأل الله أن يجعلنا ممن يؤدي إلى أهل الحقوق حقوقهم، وأن يتجاوز عنا بمنه وكرمه وفضله، وأن يرحمنا برحمته وعفوه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 4692
حرمة شهر رجب وما يبتدع فيه
الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء، هو الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، صلى الله عليه بما علمنا وهدانا وأرشدنا وأدبنا، صلى الله عليه وعلى أصحابه الذين بلغوا حديثه وأدوا سنته، صلى الله عليه وعلى آله وذريته الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
стр. 4693
تعظيم الشرع لشهر رجب
عباد الله! هذا شهركم، شهر رجب المحرم قد دخل، وقد قال النبي ﷺ : (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حُرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان).
أما قوله ﷺ : (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض) فقد ذكر بعض أهل العلم في معناه: أن أهل الجاهلية كانوا يتلاعبون بالأشهر الحرم، فإذا طال عليهم توالى ثلاثة أشهر حُرم: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم لا يقاتلون فيها أنفسهم، شق ذلك عليهم وثقل وأرادوا القتال، فماذا يفعلون بمحرم؟ يقدمونه، يؤخرونه، ويستعملونه في القتال، ويحرمون صفر مكانه، ويتلاعبون في الأشهر الحرم، فيقدمون ويؤخرون، ويزيدون وينقصون، ويحلون ما أرادوا تحليله ويحرمون بدلاً منه، إلى أن جاء الإسلام فوافق حجة الوداع رجوع التحريم إلى محرم الحقيقي، ورجع كل شهرٍ إلى حقيقته التي خلق الله عليها السماوات والأرض، وصارت المطابقة بين الواقع وبين ما قدره الله وشرعه، في تلك الحجة -حجة الوداع- فقال النبي ﷺ : (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض).
أما قوله: (ورجب مضر) فإن مضر: حيٌ من أحياء العرب وقبيلة من قبائلهم، أضاف رجب إليهم؛ لأنهم كانوا أشد العرب تعظيماً له، وسميت الأشهر الحرم لعظم حرمتها، وحرمة الذنب فيها، ولذلك قال الله: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] وكان القتال محرماً على المسلمين في الأشهر الحرم في أول الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك وأمر بقتال المشركين في أي زمان وفي أي مكان، وهذا قول جمهور أهل العلم، ونص على نسخه الإمام أحمد ﵀ وغيره.
стр. 4694
ما يفعله الناس من بدع في رجب
فشهر رجب شهرٌ محرم، الذنب فيه أضعاف، وأكثر وأسوأ من الذنب في غيره من الأشهر غير الحرم، ولا شك أن الذنوب تعظم في الأزمنة الفاضلة والأمكنة الفاضلة، والناس عددٌ منهم بدلاً من أن يمسكوا عن ظلم أنفسهم في رجب، فإنهم يظلمون أنفسهم بأشد أنواع الظلم، أو من أشدها وهي البدعة التي هي أشد ذنبٍ بعد الشرك بالله، فيحولون شهر رجب إلى شهر بدعة، فيجعلون فيه صلاة الرغائب التي هي أول ليلة جمعة من شهر رجب، فيصلونها على كيفيةٍ معينة وهي بدعةٌ عند العلماء، ويجعلونه صياماً، والإكثار من الصيام إنما يكون في شعبان والمحرم، والشهر الوحيد الذي يصام كله هو رمضان، ويعتقدون أن عمرة رجب أفضل من غيرها، والمفروض أن الإنسان يعتمر في أي وقتٍ يتيسر له، والعمرة في رمضان تعدل حجة، فاعتمر في رجب أو في غير رجب دون اعتقادٍ لفضلٍ معين، وقد اعتمر النبي ﷺ أربع مرات كلهن في ذي القعدة، وبذلك أثبتت عائشة وسكت ابن عمر، ويحتفلون ببدعة الإسراء والمعراج في السابع والعشرين منه؛ علماً بأن الإسراء والمعراج لم يثبت أصلاً أنه في السابع والعشرين من رجب فضلاً عن الاحتفال به.
ولذلك قال شيخ الإسلام ﵀ مقعداً هذه القاعدة العظيمة: الزمان ثلاثة أنواع: أولاً: يوماً لم تعظمه الشريعة أصلاً، ولم يكن له ذكرٌ في السلف، ولم تحدث فيه حادثة معينة.
فتعظيمه وتخصيصه بعبادة أو زينة أو احتفال بدعةٌ شنيعة، كأول خميس من رجب ليلة الجمعة التي يصلون فيها صلاةً يسمونها صلاة الرغائب، ويومٌ في وسط رجب فيه صلاة يزعمون أنها صلاة أم داود، وكل ذلك بدعةٌ منكرة، وتخصيص بعض الأيام بصيام وليلها بقيام من بين سائر الليالي والأيام لا يكون ذلك، فينبغي أن يصام منه كأي شهرٍ آخر، مثل أيام البيض والإثنين والخميس، أو صيام يوم وإفطار يوم ونحو ذلك.
ثانياً: ما جرت فيه حادثة معينة لم تجر في غيره، ولكن هذا الجريان لهذه الحادثة لا يوجب أن تجعل موسماً، ولا تجعل عيداً ولا تُعظم، كخطبة النبي ﷺ في غدير خم، أو المولد، فيوم المولد حدث فيه حدثٌ معين، وهو ولادة النبي ﷺ ، لكن لا اليوم ولا الحدث يوجب أن نحتفل به أو نخصصه بعبادةٍ معينة من بين سائر أيام العام، وقد حدث للنبي ﷺ خطبٌ وعهودٌ ووقائع ومعارك في أيام كثيرة لم يحتفل بها الصحابة، ولم يخصصوها بعبادةٍ معينة.
ثالثاً: ما هو معظمٌ في الشريعة، كيوم عاشوراء، ويوم عرفة، والعشر الأواخر من رمضان، والعشر الأوائل من ذي الحجة، وليلة الجمعة ويومها، والعشر الأُول من محرم، ونحو ذلك، فهذه يقتصر فيها على ما فعله السلف، ولا يحدث فيه أشياء جديدة، وإنما يقتصر على ما ورد عن السلف من الاجتهاد فيها بالعبادة، طول القيام، الصيام، فيما ورد فيه ذلك، والحمد لله.
وهكذا تكونون أمةً وسطاً، لا إفراط ولا تفريط ولا غلو، وإنما العبادة وفق ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه والسلف من بعدهم.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من القائمين بالملة الحنيفية، وأن يجعلنا من المستقيمين على السنة النبوية، وأن يجعلنا من العاملين بحديث النبي ﷺ ، وهذه الشريعة السمحة.
اللهم اغفر لمن مات من المسلمين من الموحدين يا رب العالمين، اللهم ارحم موتى المسلمين الذين ماتوا في هذه المصيبة، اللهم خفف عن المصابين مصابهم، اللهم واشف مرضى المسلمين مما أصابهم، اللهم إنَّا نسألك أن تجعل ما أصاب الموحدين من المسلمين كفارةً ورفعةً لهم في الدنيا والآخرة يا رب العلمين.
اللهم آمنا في البلاد، وأرشد الأئمة ولاة أمور العباد، وانشر رحمتك على العباد يا رب العالمين.
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله الجليل العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 4695
صدقات مهجورة
لقد تحدث الشيخ في هذه الخطبة عن أبواب كثيرة من أبواب الصدقة، والتي هجرت في يومنا هذا، وحث على المبادرة إلى اغتنامها والسعي في نيل أجورها، ومن هذه الأبواب: صلاة الضحى الذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر احتساب الأجر في الإنفاق على الأهل غرس الأشجار رفع الأذى عن الطريق إلخ.
стр. 4696
مقدمة عن الصدقة بالأموال وغيرها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
أيها المسلمون: لقد ندب الله عباده إلى الصدقة ودعاهم إليها وحثهم عليها، وبين لهم الثواب الجزيل فيها، وجعل باباً من أبواب الجنة خاصاً بالمتصدقين، فكما أن للجنة باباً يقال له باب الصلاة يدخل منه المصلون، وكما أن لها باباً يقال له الريان يدخل منه الصائمون، فكذلك فيها باب للجهاد يدخل منه المجاهدون، وبابٌ للصدقة يدخل منه المتصدقون كما ورد بذلك الحديث الصحيح عن النبي ﷺ .
والصدقة بالمال يربيها الله لصاحبها فتتضاعف أضعافاً كثيرة، ولا يجزي أحد على شيء كما يجزي ربنا على الصدقة التي تخرج خالصةً لوجهه ، هذا من حكمة الدين، هذا من الحكمة في تشريعات هذا الدين أن جعل الله للفقراء من المسلمين فرجاً ومخرجاً من صدقات إخوانهم المسلمين.
والحديث عن الصدقة طويل، فإن الحديث عن حكمتها ومشروعيتها وفضلها وأجرها وأحكامها حديث طويلٌ لعلنا نتطرق إليه في وقت آخر، وذلك لأن الشح قد كثر في المسلمين وخصوصاً بعد هذه الأحداث العادية صار الكثيرون يدخرون ويوفرون أموالهم للمستقبل زعموا، فبخلوا بالصدقات ونسوا الأجر الذي كان مكتوباً في كتاب الله للمتصدقين، وكثيرٌ من الناس الذين يريدون التصدق وأموالهم قليلة قد يتحسرون، فهل جاءت الشريعة بأمور من الصدقات غير الصدقات المالية؟ وكثيرٌ من المتصدقين الذين يتصدقون بأموالهم يغفلون عن جوانب خفية للصدقة جاءت بها الشريعة، وكثيرٌ من المسلمين تصورهم للصدقة ناقص، فيتصورون أن الصدقة بالأموال فقط، من أجل ذلك كانت هذه الخطبة التي نبين فيها جوانب للصدقة قد يغفل عنها الناس مع أنهم قد يسمعون أحاديثها ولكنهم لا يقدرون قدرها، فهذا التنبيه على هذه الأبواب الخفية أو المتغافل عنها أو غير المحتسب فيها الأجر، فإن كثيراً من الناس قد يقومون بها دون احتساب أجر.
стр. 4697
الصدقة على المصلي المنفرد بالصلاة معه
من ذلك الصدقة على المصلي المنفرد الوحيد، قال ﷺ : (ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلي معه) وله قصة، فعن أبي سعيد الخدري: (أن رجلاً دخل المسجد وقد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه، فقال رسول الله ﷺ : من يتصدق على ذا فيصلي معه؟ فقام رجلٌ من القوم فصلى معه) فإذاً صدقتك على المصلي المنفرد بالصلاة معه تؤجر عليها كما ورد في الحديث الصحيح، ولو كان عقب صلاة الفجر أو عقب صلاة العصر، قيام الرجل مع أخيه يكسبه أجر الجماعة ويرأف بحاله خصوصاً المتأخر لعذر الذي فاتته صلاة الجماعة يجد أخاً مسلماً في المسجد يواسيه فيصلي معه.
стр. 4698
احتساب الأجر في الإنفاق على أدوات الجهاد
واحتساب الأجر في الإنفاق على الخير وأدوات الجهاد في سبيل الله فيها أجرٌ عظيم، قال ﷺ : (المنفق على الخيل في سبيل الله كباسط يديه بالصدقة لا يقبضها) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح، وهذا باب عظيم من أبواب الأجر لئن كنا حرمنا منه نتيجة عدم رفع راية الجهاد الصادقة في سبيل الله، فإن المخلصين من المسلمين يبحثون عن أمثال تلكم الأبواب ولو كانت قليلة شحيحة في هذا الزمن ليضعوا فيها أموالاً من أموالهم، يحبسون بها أدراعاً وأسيافاً وخيلاً في سبيل الله، فكذلك يحبسون اليوم من أدوات القتال الحديثة يعينون به المجاهدين في سبيل الله، وما ينفق فيها من صيانتها وذخيرتها فهي تجري عليهم باباً عظيماً من أبواب الصدقة لا يغلق لهم؛ جزاءً وفاقاً على ما أعانوا المجاهدين في سبيل الله.
стр. 4699
أبواب متفرقة في الصدقة
قال ﷺ : (على كل سلامى من ابن آدم في كل يوم صدقة، ويجزي عن ذلك كله ركعتا الضحى) وقال مبيناً ذلك في الحديث الصحيح الآخر: (في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة) حق الله في هذه المفاصل التي أنعم بها علينا يجب علينا في كل يوم صدقة عن كل مفصل، فكيف يا ترى نحصل ثلاثمائة وستين صدقة في اليوم لكي نقوم لله بشكر نعمة هذه المفاصل؟ فقال ﷺ رافعاً هذا الحرج: (النخاعة في المسجد تدفن -هذا البلغم والأذى والبصاق المتجمع في جدران المسجد أو في أرضه أو في بابه تحكه فتنظف المسجد منه- ذلك صدقة، والشيء تنحيه عن الطريق صدقة).
وقال ﵊: (يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة، تسليمه على من لقيه صدقة، وأمره بالمعروف صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وبضعه في أهله صدقة، ويجزئ من ذلك كله ركعتان من الضحى) (فكل تسبيحة صدقة -كما في رواية- وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى) وقال ﷺ : (ابن آدم ثلاثمائة وستون مفصلاً، على كل واحدٍ منها في كل يوم صدقة، فالكلمة الطيبة يتكلم بها الرجل صدقة، وعون الرجل أخاه على الشيء صدقة -لو أعنته على فتح قارورة لا يستطيع فتحها كان ذلك منك صدقة- والشربة من الماء يسقيها صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة).
وقال ﷺ مبيناً أيضاً: (كل سلامى من الناس عليه صدقة -على كل مفصل صدقة- كل يوم تطلع فيه الشمس؛ تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة -وضعك المتاع في سيارة أخيك ومساعدته في حملها على دابته صدقة- والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، ودل الطريق صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة).
من أبواب الصدقة: التكبير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله وأستغفر الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعزل الشوك عن طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، تشير له تفهمه حتى يفهم ما يريد، وتدل المستدل على حاجة قد علمت مكانها، لو سألك عن دكان خبزٍ فدللته عليه صدقة، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماع زوجتك أجرٌ: (أرأيت لو كان لك ولدٌ فأدرك ورجوت أجره فمات، أكنت تحتسب به؟ فأنت خلقته، فأنت هديته، فأنت ترزقه، فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته، ولك أجر) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح.
وقال ﷺ : (يصبح على كل سلامى من أحدكم في كل يوم صدقة، فإنه بكل صلاة صدقة، وصيام صدقة، وحج صدقة، وتسبيح صدقة، وتكبير صدقة، وتحميد صدقة، ويجزئ أحدكم من ذلك ركعتا الضحى).
فإذا أردت أن تعرف كيف تحصل ثلاثمائة وستين صدقة في اليوم، وهو حق الله في هذه المفاصل فارع سمعك لهذه الأبواب المتعددة التي يذكرها محمدٌ ﷺ .
هؤلاء الفقراء من المسلمين قالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور -أهل الأموال ذهبوا بالأجر- يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم) -لقد تفوقوا علينا بالأموال يتصدقون منها فيؤجرون ونحن فقراء، كيف نفعل لاستدراك ما فاتنا وتعويض النقص الذي عندنا في هذا الباب من أبواب الأجر؟ فماذا قال لهم ﷺ ؟ فقال ﵊: (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة ونهيٌ عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أليس يكون عليه وزرٌ، فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر) وجماعك زوجتك أيها المسلم تبتغي إعفاف نفسك وإعفافها، وابتغاء الولد لك صدقة عند الله، وقال ﷺ : (أمط الأذى عن الطريق فإنه لك صدقة) وقال ﵊: (أفضل الصدقة سقي الماء) حديث حسن.
وقال ﵊ وجاء في الحديث أيضاً: (إن سلامك على عباد الله صدقة) وقال ﷺ : (على كل مسلم صدقة، فإن لم يجد فيعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق، فإن لم يستطع فيعين ذا الحاجة الملهوف، فإن لم يفعل فيأمر بالمعروف) هذا كله من أبواب الصدقات.
وقد كانت أمنا زينب أم المساكين تعمل بيدها لتتصدق، فقال ﵊: (أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً) فكانت زينب ﵂ أول من لحق به من أزواجه.
стр. 4700
قرض الناس له أجر عظيم
ويبين ﵊ باباً آخر من أبواب الصدقة، فيقول: (إن السلف يجري مجرى شطر الصدقة) حديث صحيح رواه الإمام أحمد، وقال موضحاً: (من أقرض ورقاً مرتين كان كعدل صدقة مرة).
فأنت أيها المسلم إذا أسلفت رجلاً سلفاً، إذا أعطيته مالاً ديناً -مثلاً- ألف ريالٍ فكأنك تصدقت بخمسمائة والألف سترجع إليك، فلو أسلفتها لرجل مرة أخرى له أو لغيره، كان لك أيضاً أجر نصفها صدقة، فصار لك أجر المال كله صدقة لك والمال سيرجع إليك، وهذا يبين فضل إقراض الناس وفك أزمة المحتاجين بالإقراض.
إن قال قائل: هذه البنوك الربوية لا تقرض إلا بالربا ونحن نحتاج مالاً، من الذي يقرضنا مثلاً بمثل دون زيادة؟ وما هو الدافع على إقراض الناس للناس إذا كانوا لا يأخذون فوائد ربا، الربا مهم لأجل إقراض الناس وفك الأزمات؟ فنقول: هذا في شريعة الكفرة لا في شريعتنا، أما شريعتنا فإن الحوافز على إقراض الناس للناس موجودة، في شريعتنا لا نحتاج إلى ربا، لا نحتاج إلى فوائد زعموا، في نار جهنم يأكلونها في بطونهم يوم القيامة، فإن في شريعتنا الحث على إقراض المحتاج من المال، ومن يقرض أخاه المسلم كان له من الأجر نصف ما أقرض صدقة، هل سمعت بفائدة خمسين في المائة؟ وأي بنك يعطيك ذلك؟ فاعلم بعد ذلك أن الإسلام قد أوجد الحل لمشكلة الإقراض بأبواب من الأجر أخروية ليست في الدنيا، فجعل في الإقراض الأجر العظيم، فمن أقرض مسلماً قرضاً كان له شطره صدقة، فكأنه تصدق بنصف المال ترغيباً للناس في إقراض الناس، فتنحل هذه الأزمة.
وقال ﷺ : (من منح منحةً غدت بصدقة وراحت بصدقة صبوحها وغبوقها) وفي رواية للبخاري: (نعم الصدقة اللقحة، الصفي منحةً، والشاة الصفية منحةً، يغدو بإناء ويروح بإناء) تصور لو أنك تصدقت بشاة حلوب كان الإناء الذي يذهب به في أول النهار (شرب أول النهار الصبوح) والإناء الذي يشرب في أول الليل ويحلب من هذه الشاة وهو الغبوق، كل إناء يروح بصدقة في أول النهار، وكل إناء يغدو منها بصدقة.
فإذاً، أبواب الصدقة كثيرة، فمن الذي يتحفز ويتحمس لولوج هذه الأبواب الخفية التي قد يغفل عنها الناس؟! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من التوابين والمتطهرين، ونسألك أن تجعلنا من المتصدقين الذين يلجون أبواب الصدقة فيؤجرون عليها يا رب العالمين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 4701
فضل الضيافة وإحياء الأرض
الحمد لله الذي لا إله إلا هو الكريم المنان مالك الملك، المال ماله، والخلق خلقه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، علمنا فأحسن تعليمنا، ووعظنا وأدبنا بكلامه وكلامه ﷺ ، جزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، ورضي عمن تابعه وسلك سبيله إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: مبيناً لباب آخر من أبواب الصدقة يقول ﷺ : (الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة) وفي رواية: (فما كان وراء ذلك فهو صدقة) نقولها للذين حلَّ عليهم ضيوفٌ فأكثروا عليهم في أيام الضيافة، فإن كانوا من المحتاجين الذين لا مأوى لهم فليحتسبوا هذا الأجر عند الله.
وقال ﷺ : (من غرس غرساً، لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق الله إلا كان له صدقة) يوضحه فيقول: (ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه صدقة، وما أكل السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطيور فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة) رواه الإمام مسلم.
وقال ﵊: (ما من مسلم يزرع زرعاً، أو يغرس غرساً فيأكل منه طيرٌ أو إنسان أو بهيمة إلا كانت له به صدقة) وقال: (من أحيا أرضاً ميتةً فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فهو له صدقة) فهذه الأغراس وهذه النباتات التي تزرع لو نوى بها وجه الله ونوى بها أجر الصدقة عندما يؤكل منها، بل عندما يعبث الأطفال فيها فيأكلون ويرمون الشجر فيأخذون من ثمره له فيه صدقة، وهذه الطيور التي تغدو وتروح على أغصان الأشجار فتأكل.
стр. 4702
تصدق الرجل بشيء من جسده
يا أيها الناس: أي دين أعظم من هذا الدين الذي جعلت فيه لنا كل هذه الأبواب؟! وقال ﷺ : (ما من رجلٍ يجرح في جسده جراحةً فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثلما تصدق) رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح، فيه قصةٌ توضحه، مثالٌ من أمثلته فيها انقطاعٌ لكن فيها عبرة في مسند الإمام أحمد، قال: (كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية وكان خليفة، فقال الأنصاري: إن هذا دق سني، قال معاوية: كلا.
إنا سنرضيك، وكأن معاوية ﵁ رأى أن الدية أنفع للأنصاري وأرحم بالقرشي، قال: فلما ألح عليه الأنصاري، يعني: يطلب القصاص، قال معاوية: شأنك لصاحبك، وأبو الدرداء جالس، فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يصاب بشيء في جسده يتصدق به إلا رفعه الله به درجة، قال: فقال الأنصاري: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي، فعفا عنه) فهذا الذي يشهد له الحديث السابق وهو قوله ﵊: (ما من رجلٍ يجرح في جسده جراحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثلما تصدق).
يبين أن الإنسان إذا اعتدي عليه بشيء فتصدق بدية هذا الجرح أو هذا السن، أو تصدق بدية الولد عندما يقال: فلان صدم ولد العائلة الفلانية بالسيارة فسامحوه بالدية، كلمة فسامحوه بالدية -أيها المسلمون- لها معنى عظيم جداً، تصور عندما يسامحونه بأكثر من مائة ألفٍ مثلاً كم يكون لهم من أجر الصدقة، والناس يغفلون، يحسبون فقط أنه من مكارم الأخلاق مع أن فيها أجراً عظيماً جداً، هذا من أنواع الصدقة.
وبالجملة يقول ﵊: (كل معروف صدقة) وقال: (كل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة).
стр. 4703
الإنفاق على الأهل
ولما كان بعض الناس يستخسرون في صرف الأموال على أهليهم، ويبخلون على زوجاتهم وأولادهم بالصرف جاءت هذه الأحاديث لتبين لك -يا عبد الله! يا أيها المسلم! - أجر الأموال التي تنفقها على أهلك، قال ﷺ : (ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك -من المحتاجين- فإذا فضل عن ذي قرابتك شيءٌ فهكذا وهكذا من الأموال التي تنفق في أوجه الخير) وقال ﵊: (ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة) إذا كنت تبتغي وجه الله.
وقال ﵊: (ما أعطى الرجل امرأته فهو صدقة) بعض الناس يبخلون على زوجاتهم بالمصروف، يقول لهم ﵊: (ما أعطى الرجل امرأته فهو صدقة)، وقال ﷺ : (كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم) وقال ﵊: (نفقة الرجل على أهله صدقة) وقال ﵊: (إذا أنفق الرجل على أهله نفقة وهو يحتسبها كانت له صدقة) فاحتسبوا إذاً هذه الأموال التي تنفق على أهاليكم من المصروفات اليومية، مصروف الأكل واللبس والسكن وغيره صدقة.
(أربعة دنانير: دينارٌ أعطيته مسكيناً، ودينارٌ أعطيته في رقبة، ودينارٌ أنفقته في سبيل الله، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أفضلها الذي أنفقته على أهلك) رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو حديث صحيح.
إن صدقة من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإنما تأكل امرأتك من مالك صدقة، وإنك إن تدع أهلك بخير خيرٌ من أن تدعهم يتكففون الناس.
(ما كسب الرجل كسباً أطيب من عمل يده) و (ما أنفق الرجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو له صدقة).
فإذاً يا عبد الله! أي دين أعظم من هذا الدين الذي يجعل حاجة الرجل النفسية في الإنفاق على من يعول صدقةً له؟! لكن نحن ننسى الاحتساب عندما ننفق على الأهل، وننسى الاحتساب عندما نشتري المأكولات من السوق، وننسى الاحتساب عندما نشتري ألبسة لأولادنا، وننسى الاحتساب ونحن ندفع إيجار السكن من أجلهم ومن أجلنا، إذا ابتغيت وجه الله فعليك الاحتساب.
أيها المسلمون: الاحتساب: حضور النية عند إخراج المال أن ذلك لوجه الله، وتنفيذاً لحكم شرعي ودرء المفسدة الشرعية الأخوية عن النفس.
(كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول) كل هذا صدقة، فإن لم يحصل كل هذا المعروف، يقول ﵊: (كف شرك عن الناس فإنها صدقةٌ منك على نفسك) حديث صحيح.
فاغتنموا -أيها المسلمون- هذه الأبواب من أبواب الصدقات، واحرصوا ألا يفوتكم منها شيء، فإن هذه الدنيا دار عمل والآخرة دار حساب.
وأنت تتصدق الآن وتنفق، ولا تنتظر حتى إذا صرت في سياقة الموت، ونزل بك وبلغت الروح الحلقوم، قلت: أعطوا من هنا، وتصدقوا من هنا، ولا تنسوا هذا وهذا، كيف؟ لا يمكن أن يقبل تصرفك في مالك إذا بلغت الروح الحلقوم، صار المال لغيرك ولمن وراءك من الورثة، فاغتنم الفرصة إذاً وتصدق بما تجود به نفسك: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٠] الصدقة بالكلمة، والصدقة بالبدن، والصدقة بالمال، الصدقة بالنية عند الاحتساب.
اللهم إنا نسألك أن تطهر قلوبنا من الشح والبخل، وأن تجعلنا من الكرماء في سبيلك، اللهم اجعلنا ممن ينفقون ويبذلون، اللهم اجعلنا ممن تضاعف لهم الأجور في صدقاتهم، واكتب لنا بها أجراً عندك يا رب العالمين، وأدخلنا من باب الصدقة في جنات النعيم.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي؛ يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.
стр. 4704
عشر وقفات بعد رمضان
أتى الشيخ بعشر وقفات لابد أن يقفها من أحسن في شهر رمضان ومن أساء، فمن أحسن فليستمر، ومن أساء فما أحوجه إلى التوبة الجادة على ما فرط.
ثم ذكر أحكاماً متفرقة في باب الكفارات في الصيام؛ للمرضع والنفساء وغيرهما، وأنهى كلامه بنداء لكل من فرَّ أن يعود، ولكل من يئس أن يحسن الظن بربه وبعفوه ومغفرته.
стр. 4705
عشر وقفات للتأمل
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
عباد الله: لقد مر ذلك الشهر الكريم وانقضى رمضان وولى عنا، فواحزناه على ذلك الشهر الذي تولى! ووا أسفاه على رمضان الذي انقضى! ولكن السعيد من كان قد استودعه الأعمال الصالحة، والشقي من ضيع حق رمضان، وبعد انقضاء الشهر لنا وقفات نقفها في هذا الموقف حول رمضان الذي انقضى.
стр. 4706
الوقفة الأولى: من الذي استفاد من رمضان ؟
يقول النبي ﷺ : (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وقال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
فمغفرة الذنوب لهذه الأسباب الثلاثة، كل واحدٌ منها مكفرٌ لما سلف من الذنوب، وهي صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر، فتحصل المغفرة والتكفير بقيام ليلة القدر ولمن وقعت له وأصابها، سواء شعر بها أم لم يشعر.
أما في صيام رمضان وقيامه فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر، فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه، فيترتب على ذلك مغفرة ما تقدم من ذنبه، ومن نقص من العمل الذي عليه نُقص له من الأجر بحسب نقصه، فلا يلومن إلا نفسه.
الصلاة مكيال، والصيام مكيال؛ فمن وفاها وفّى الله له، ومن طفف فيهما فويلٌ للمطففين، أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته، ويطفف في مكيال صيامه وصلاته؟ إذا كان الويل لمن طفف في مكيال الدنيا: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ - ٣] فكيف حال من طفف مكيال الدين؟! ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٥].
وهذا الويل لمن طفف، فكيف حال الذي فرط بالكلية؟ كيف حال الذي لم يقم ولم يصم وهم أعداد ممن ينتسبون إلى الإسلام؟! ألم يقل النبي ﷺ : (من أدركه رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله -وقالها جبريل للنبي ﷺ ثم قال له: قل آمين، فقلت: آمين) دعاءٌ عليه بالإبعاد عن رحمة الله والطرد عنها؛ لأن ذلك الشهر قد مر ولم يستفد منه؛ لأن ذلك الموسم العظيم قد حصل ولم ينهل منه، لم ينتهز الفرصة فتباً له.
وإذا كان لم ينتهز الفرصة العظيمة فهو لإهمال ما هو أدنى منها من باب أولى، أي: إذا فرط في رمضان فتفريطه في غير رمضان من باب أولى، ولذلك أبعده الله؛ لأنه لا يستحق أجره، ولا يستحق الرحمة ولا المغفرة، ولا شك أيها المسلمون! أننا قد حصل منا تطفيف بالصيام والقيام، وقد حصل منا إخلالٌ بآداب الصوم الواجبة والمستحبة.
стр. 4707
الوقفة الثانية: التوبة من التقصير في العبادة
وهذا ما يدفعنا للوقفة الثانية وهي: توبة المقصر في صيامه وصلاته، والاستغفار عما مضى من الإخلال والتفريط في حق الله تعالى، وحق ذلك الشهر الذي انقضى ولم نستفد منه كما ينبغي: الاستغفار وهو الدعاء بالمغفرة، وقد جاء في حديث أبي هريرة: (يغفر فيه إلا لمن أبى، قالوا يا أبا هريرة! ومن يأبى؟ قال: من أبى أن يستغفر الله قال الحسن ﵀: [أكثروا من الاستغفار، فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة] وقال واحدٌ ممن مضى لولده: يا بني! عوَّد لسانك الاستغفار، فإن لله ساعات لا يرد فيهن سائله.
وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩] فعطف هذا على هذا مبيناً أهميته.
قال إبليس: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار.
والاستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها، فتختم به الصلاة والحج وقيام الليل، وتختم به المجالس، فإن كانت مجالس ذكر كانت كالطابع عليها، وإن كانت مجالس لغوٍ كانت كفارة لها لما حصل فيها، فكذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار.
كتب عمر بن عبد العزيز ﵀ إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصدقة -صدقة الفطر- فإن صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، والاستغفار يرفع ما حصل من الخروق في الصيام باللغو والرفث.
وقال بعض أهل العلم: إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو.
وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه: " قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣] وقولوا كما قال نوحٌ ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧] وقولوا كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] وقولوا كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦] وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] صيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع وعملٍ صالح له شافع، كم نخرق من صيامنا بسهام الكلام ثم نرقعه وقد اتسع الخرق على الراقع، كم نرفو خروقه بمخيط الحسنات، ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع ".
كان بعض السلف إذا صلى صلاةً استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه، إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم، فكيف حال المسيئين؟ أنفع الاستغفار ما قارنته التوبة، والتوبة حل عقدة الإصرار على الذنب، فمن استغفر بلسانه وقلبه عن المعصية زالت، ومن كان عزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد رمضان ويعود فهذا صدقه غير موجود وباب القبول عنه مسدود، وصومه عليه مردود، يصوم ويقوم ويتابع على المعاصي كيف يكون ذلك؟! فالمهم أيها المسلمون أن نكثر من الاستغفار بعد هذا الشهر، علَّ الله أن يتجاوز عنا إسرافنا وتفريطنا وما حصل منا من المعاصي والسيئات في ذلك الشهر الذي تعظم فيه السيئة لفضله وشرفه.
стр. 4708
الوقفة الثالثة: (إنما يتقبل الله من المتقين)
لقد مضت الأعمال، والصيام، والقيام، والزكاة، والصدقة، وختم القرآن، والدعاء، والذكر، وتفطير الصائم، وأنواع البر التي حصلت، والعمرة التي قام بها الكثير، لكن هل تقبلت أم لا؟ هل قبل العمل أم لا؟ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من رده، وهؤلاء الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، يعطي ويخشى ألا يقبل منه، يتصدق ويخشى أن ترد عليه، يصوم ويقوم ويخشى ألا يكتب له الأجر.
قال بعض السلف: " كانوا لقبول العمل أشد منهم اهتماماً بالعمل ذاته، ألم تسمعوا قول الله : ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧] " فغير المتقين ما هو حالهم؟ وعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبةٍ من خردل، أحب إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]! يقول بعضهم: لو أعلم أن الله تقبل مني ركعتين لا أهتم بعدها؛ لأنه يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]! وقال عبد العزيز بن أبي رواد ﵀: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا؟! وقع عليهم الهم، وليس وقعوا في المعاصي، وكان بعض السلف يقول في آخر ليلة من رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنئه، ومن هذا المحروم فنعزيه.
أيها المقبول! هنيئاً لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك، فإذا فاته ما فاته من خير رمضان فأي شيء يدرك، ومن أدركه فيه الحرمان، فماذا يصيب؟ كم بين من كان حظه فيه القبول والغفران ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران؟ أيها المسلمون: من علامات التقوى: الامتناع عن الفسق بعد رمضان؛ إن الذي يخشى على عمله ولا يدري هل قبل منه أم لا؛ يجتهد في العبادة ويواصل في الطاعة، والذي يظن أنه قد عمل حسنات أمثال الجبال، فلا يهمه بعد ذلك ويقول: عندي رصيد وساعة لربك وساعة لقلبك.
стр. 4709
الوقفة الرابعة: المواصلة على العمل والطاعة بعد رمضان
عباد الله! إن الذي يتقي الله حق تقاته يواصل على الطاعة والعبادة، والله تعالى لما ذكر صفات المؤمنين لم يقيدها بوقت، ولم يخصها بزمان، قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٣] ليس معرضين في رمضان فقط: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٤] متى ما دار الحول يزكي في رمضان أو في غيره، وبعض الناس إذا حال الحول في رمضان زكى ويهمل الزكاة في الأموال التي يحول عليها الحول في غير رمضان، فانتبهوا لهذه المسألة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] ليس في رمضان فقط، بل وفي غير رمضان.
أيضاً: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان:٦٣] دائماً هكذا مشيهم: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣] هكذا هم في العادة: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤] هم باستمرار يفعلون ذلك، وليس قيام رمضان فقط، وهكذا من سائر صفات المؤمنين، والسبب أننا مطالبون بالعمل إلى الموت بأمرٍ من الله تعالى، مرسومٌ رسمه الرب، وأمرٌ صدر من الرب، قال الله : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] واليقين هو الموت، وقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٥] فلابد من الصبر والمصابرة على الطاعة.
وهذه وقفةٌ مهمة جداً في قضية الاستمرار على الطاعة، ولعله لهذا السبب شرع لنا صيام الست من شوال بعد رمضان، حتى لا تنقطع العبادة الجميلة وهي عبادة الصيام، قال النبي ﷺ : (من صام ستة أيامٍ بعد الفطر كان تمام السنة) ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] هكذا يقول الله تعالى، وفي رواية: (جعل الله الحسنة بعشر أمثالها) وفي رواية: (فشهرٌ بعشر ذي أشهر) وفي رواية: (صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة) ستة في عشرة بستين، ستون يوماً هي شهران مع الشهر الذي صمناه في عشرة بعشرة أشهر، فتمت السنة وفضل الله عظيم، وكرمه واسع، وهباته مستمرة، وعطاؤه لا ينقطع، لكن أين العاملون؟ فمن فعل هذا دائماً فكأنما صام عمره، من كان كلما صام رمضان صام ستاً من شوال، فإنه يكون قد صام العمر وله أجر صيام الدهر.
стр. 4710
الوقفة الخامسة: عدم الاغترار بما حصل من طاعات
بعض الناس اجتهدوا فعلاً، صاموا وحفظوا جوارحهم، وختموا القرآن وبعضهم أكثر من مرة، وعملوا عمرة في رمضان، وصلوا قيام رمضان كله من أوله إلى آخره، لم يخرموا منه يوماً أو ليلة، وفعلوا ما فعلوا من الصدقات وقدموا ما قدموا، وجلسوا في المساجد من بعد الفجر إلى ارتفاع الشمس، وبعد الصلاة يقرءون القرآن، وقبل الصلاة ينتظرون الصلاة، حصلت عبادات كثيرة، لكن إذا كانت النفس سيئة، إذا كان الطبع متعفن فإن كثرة العبادة لا تنفع، بل إن الشيطان يوسوس ويقول: لقد فعلت أشياء كثيرة وطاعاتٍ عظيمة، خرجت من رمضان بحسنات أمثال الجبال، رصيدك في غاية الارتفاع، صحائف حسناتك مملوءة وكثيرة فلا عليك بعد ذلك ما عملت، ويصاب بالغرور وبالعجب، وتمتلئ نفسه تيهاً وفخراً، ولكن آية من كتاب الله تمحو ذلك كله، وتوقفه عند حده، وتبين له حقيقة الأمر وهي قول الله تعالى: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] أتمن على الله؟ أتظن أنك عندما فعلت له هذه الأشياء تكون قد قدمت له أشياء عظيمة؟ تظنها كخدمة من خدمة البشر؟ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] لا تمن على الله بعملك، لا تفخر، لا تغتر، لا تصاب بالعجب ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] وتتخيل أن أعمالك كثيرة، فإن النبي ﷺ قال في الحديث الحسن: (لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في مرضات الله تعالى لحقره يوم القيامة) لجاء يوم القيامة فرآه قليلاً ضعيفاً، لرأى عمله لا يساوي شيئاً، فإنه لو قارنه بنعمة واحدةٍ من النعم كنعمة البصر أو غيره، لصار هذا قليلاً لا يساوي شيئاً.
ولذلك فإن الناس لا يدخلون الجنة بأعمالهم، وإنما يدخلونها برحمة الله تعالى، ليست الأعمال ثمناً للجنة، لكنها سببٌ لدخول الجنة، لا ندخل الجنة إلا بالأعمال الصالحة، الذي لا يعمل صالحاً لا يدخل الجنة، فهي سبب لكنها ليست الثمن، فبدون رحمة الله الأعمال لا تؤهل لدخول الجنة، بل ولا تسديد حق نعمة واحدة من النعم.
стр. 4711
الوقفة السادسة: عدم تكليف النفس ما لا تطيق
أيها المسلمون: ونُذكر أيضاً بأن الاستمرار في العبادة والطاعة وهضم النفس مع وجوبهما، فإن ذلك لا يعني أن يكلف الإنسان نفسه فوق ما يطيق (خذوا من العبادة ما تطيقون، فإن الله لا يسأم حتى تسأموا) حديث صحيح.
стр. 4712
الوقفة السابعة: الحال بعد رمضان لا يكون كرمضان
وهنا وقفة سابعة وهي: أنه لا يشترط أن نكون بعد رمضان كما كنا في رمضان، فنحن نعلم أن ذلك موسمٌ عظيم، لا يأتي بعده مثله إلا رمضان الذي بعده، لا يأتي شهرٌ فيه خيرات ومغفرة ورحمة وعتق كما في هذا الشهر الذي انصرم، فنحن لا نقول: كونوا كما كنتم في رمضان من الاجتهاد، النفس لا تطيق ذلك، لكن لا للانقطاع عن الأعمال، الخطورة في الانقطاع يا عباد الله! لابد من أخذ الأمور بواقعية، ليس من المطلوب أن نكون بعد رمضان مثل رمضان، كان ذلك شهر اجتهاد له وضعٌ وظرفٌ خاص، لكن الانقطاع عن الأعمال لا.
ترك الصيام بالكلية لا.
ترك القيام بالكلية لا.
ترك ختم القرآن بالكلية لا.
ترك الدعاء والذكر والصدقة والعمرة لا.
استمروا على العمل وإن كان أقل مما كان في رمضان، ثم إن الله إذا كان العبد مواصلاً على عمله، لو أصابه عارض؛ لو مرض، لو سافر، يكتب له من الأجر مثلما كان يعمل صحيحاً مقيماً، وجاء في الحديث: (إذا مرض العبد قال الله للكرام الكاتبين: اكتبوا لعبدي مثل الذي كان يعمل حتى أقبضه أو أعافيه) حديث صحيح.
إذاً هذه من فوائد المواصلة على الطاعة والعبادة.
أيها المسلمون! من الوقفات المهمة أن الاستمرار على الطاعة والعبادة سببٌ لحسن الخاتمة، كما قال النبي ﷺ : (إذا أراد الله بعبدٍ خيراً استعمله، قيل: كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعملٍ قبل الموت ثم يقبضه عليه) فإذا كان من الصالحين كانت عبادته حسنة، وكذلك فإن عبادتنا لله تعالى في جميع الأوقات والأحيان سواءً في السراء أو الضراء في رمضان أو في غير رمضان، في أوقات الرخاء والشدة، في أوقات المحنة والنعمة، إذا كانت مستمرة فإن الأجر يعظم: (عبادة في الهرج والفتنة كهجرة إليه) كما قال النبي ﷺ ، العبادة في وقت الفتن واختلاط الأمور أجرها كأجر المجاهد في سبيل الله تعالى، عندما لا يشجع الجو على العبادة، عندما يرجع كثير من الناس إلى فتورهم بعد رمضان، عندما تقوم أنت بالعبادة لا شك أن لك أجراً عظيماً، عندما فتر الناس أنت نشطت، عندما تقاعس الناس أنت قدمت، عندما تخلفوا أنت تقدمت.
أيها المسلمون: إن هنا مفهوماً عظيماً، وهي أن العبادة هي أصلٌ في حياتنا، إنها ليست قضية طارئة، إنها ليست قضية مؤقتة، إنها ليست قضية محددة بزمانٍ أو مكان، إنها مستمرة، من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله شابٌ نشأ على طاعة الله تعالى.
стр. 4713
الوقفة الثامنة: إلى كل من دخل وخرج بالمعاصي من رمضان
أيها المسلمون: من الوقفات العظيمة التي نقفها الوقفة الثامنة: للذين دخلوا رمضان بالمعاصي وخرجوا بالمعاصي إنهم لم يستفيدوا شيئاً، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة:٦١] قال ابن كثير ﵀: هذه صفة المنافقين، وقد دخلوا، أي: عندك يا محمد! بالكفر، يعني: مستصحبين بالكفر في قلوبهم، ثم خرجوا من عندك والكفر كامنٌ فيها، لم ينتفعوا بما سمعوا، لم يفد فيهم العلم، لم تنجح فيهم المواعظ والزواجر.
فالذين دخلوا رمضان ثم خرجوا مثلما كانوا قبل رمضان، أو أسوأ تنطبق عليهم هذه الآية، دخلوا بالمعاصي وخرجوا بالمعاصي، بعد رمضان رجعوا إلى ما كانوا فيه من المنكرات، لم يستفيدوا من رمضان، رمضان لم يورث توبةً عندهم، ولا استغفاراً ولا إقلاعاً عن المعاصي، ولا ندماً على ما فات، لقد كانت محطةً مؤقتة ثم رجعوا إلى ما كانوا فيها.
هذه النفسية السيئة هل عبدت الله حق عبادته؟ هل وفت حق الله؟ هل أطاعت الله أصلاً؟ هذه مصيبة كبيرة أن يعود شراب الخمور إلى خمورهم، ومتعاطو المخدرات إلى مخدراتهم، وأصحاب الزنا إلى الزنا، وأصحاب الربا إلى الربا، وأصحاب الفسق ومجالس اللغو إلى اللغو، أن يعود أصحاب السفريات المحرمة إلى السفريات المحرمة، هذه مصيبة والله وكارثة، دخلوا بالمعاصي وخرجوا بالمعاصي، لم يستفيدوا شيئاً أبداً! أيها المسلمون: بعض الناس يتصور أن ما حصل في رمضان كافٍ للتكفير عن سيئات الإحدى عشر شهراً القادمة، ولذلك فهو يحمل على ما مضى، ويعول على ما مضى، وكأن هذا باعتباره ونظره ما حصل منه كافٍ، مستند يستند عليه، ومتكئ يتكئ عليه لمعصية الله تعالى وهو ما درى، ربما رد على أعقابه ولم يقبل منه عملٌ واحدٌ في رمضان.
стр. 4714
الوقفة التاسعة: مآسي ما بعد رمضان
لقد حصل كثير من البلايا في رمضان، هذا أكل مجاملة لكفار، دخل عليهم المكتب وهم يأكلون أكل معهم وهذه حصلت، وهذا وقع على زوجته في نهار رمضان، وانتهك حرمة الشهر الكريم بأسوأ مفطر من المفطرات، وعليه الكفارة المغلظة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع لمرضٍ وعذرٍ حقيقي لا تلاعب فإنه يطعم ستين مسكيناً، فكيف بمن زنا في رمضان، وفعل الفاحشة في رمضان، من وطئ في قبلٍ أو دبرٍ حلالٍ أو حرامٍ أو بهيمةٍ لزمته الكفارة المغلظة، هذا كلام العلماء فيمن حصل له ذلك في نهار رمضان، قتلى حوادث السيارات في العيد الذين يخرجون متهورين لا تسعهم الفرحة، الفرحة بالمعصية، الفرحة بانقضاء موسم الطاعة، ماذا يكون حالهم؟
стр. 4715
الوقفة العاشرة: الفائزون في رمضان
يقول الناس لبعضهم البعض في العيد من العبارات التي يقولها العامة: من العايدين ومن الفايزين، هل تعلمون منهم الفائزون؟ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] وقال الله عن أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١٠٠] ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:١١] فالفوز الحقيقي الفوز في الجنة.
نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا ممن قبل أعمالهم في رمضان، اللهم تقبل ما حصل من العمل، واغفر لنا الخطأ والتقصير والزلل، اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تلم بها شعثنا، وتغفر بها ذنبنا، وترحم بها ميتنا، وتشفي بها مريضنا، وتقضي بها ديننا، اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تجعلنا فيها بعد هذا الشهر الكريم خيراً مما كنا قبله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 4716
أحكام الكفارات والقضاء في الصيام
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، أشهد أن لا إله إلا هو الحي القيوم، رب الأرض والسماء، وأصلي وأسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أشهد أنه رسول الله حقاً، والمبلغ عن الله صدقاً، ﷺ وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.
عباد الله: لقد غادرنا رمضان وترك في قلوبنا شيئاً من الحزن وغصة في النفس.
دع البكاء عن الأطلال والدار واذكر لمن بان من خلٍ ومن جار
واذر الدموع نحيباً واضحاً أسفاً على فراق ليالٍ ذات أنوار
على ليالٍ لشهر الصوم ما جعلت إلا لتمحيص آثام وأوزار
يا لائمي في البكا زدني به كلفاً واسمع غريب أحاديثي وأخباري
ما كان أحسننا والشمل مجتمعٌ منا المصلي ومنا القانت القاري
أي شهرٍ قد تولى يا عباد الله عنا
حق أن نبكي عليه بدماءٍ لو عقلنا
كيف لا نبكي لشهرٍ مر بالغفلة عنا
ثم لا نعلم أنا قد قبلنا أو طردنا
ليت شعري من هو المحروم والمطرود منا
ومن المقبول ممن صام منا فَيُهَنّا
كان هذا الشهر نوراً بيننا يزهر حسنا
فاجعل اللهم عقباه لنا نوراً وحسنا
هذا شهرٌ مبارك الذي نحن فيه أيضاً وهو شهر شوال، وعوضنا الله لنا بأشياء، به تبتدأ أشهر الحج (شوال وذي القعدة وعشر ذي الحجة) ويأتي بعده موسم الحج بأشهر الحج دلالة على الاستمرار في الطاعة وحتى لا ينسى الناس العبادة، موسم عظيم بعد موسم عظيم، وفي هذا الشهر -شهر شوال- صوم الست وقضاء الاعتكاف، فقد اعتكف النبي ﷺ عشراً من شوال لما فاته الاعتكاف في رمضان، وربما كان يفوته في الغزو والجهاد، وهو شهر بناءٍ ونكاح وإعفافٍ بالحلال، قالت عائشة: [تزوجني رسول الله ﷺ في رمضان، وبنا بي في شوال، وكانت عائشة تستحب أن تدخل نسائها في شوال] كما جاء في صحيح مسلم.
أيها المسلمون: تذكروا بعض الأحكام الشرعية، من فاته شيءٌ من رمضان كالمسافر والمريض والحائض والنفساء فإنه يقضي بعدد الأيام التي أفطرها لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤] فإن كان الشهر ثلاثين وأفطره لزمه ثلاثين، وإن كان تسعة وعشرين أفطره لزمه تسعة وعشرون، ويجوز أن يقضيه متتابعاً أو مفرقاً، وهذا هو الراجح، فإن الله لم يشترط التتابع، وإنما أطلق فقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤].
وتنبغي المبادرة إلى القضاء، والأولى أن يكون من حين زوال العذر؛ لأنه أسبق إلى الخير وأسرع في إبراء الذمة، ويجوز أن يؤخره حتى لا يكون بينه وبين رمضان الثاني بعدد الأيام التي بقيت، ولا يجوز تأخير القضاء أكثر من ذلك أبداً، ومن فعله فهو عاصٍ وعليه التوبة وكفارة التأخير، ولكن من أخر لعذرٍ فليس عليه شيء، وقد قالت عائشة ﵂: [كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان].
ومن شرع في صومٍ واجب كالقضاء أو الكفارة والنذر، فلابد له من إتمامه، وليس مخيراً في الإفطار، ولابد من نية لصيام القضاء من الليل.
واعلموا رحمكم الله أن قضاء رمضان قبل صيام الست: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كان كصيام الدهر) ولو لم يكف شهر شوال للقضاء والست فليبدأ بالواجب، بل إن صيام الكفارة الواجب يقدم على صيام الست، ولا قضاء للست بعد شوال ولكن يصوم من ذي القعدة إذا لم يكف الوقت لاستدراك ما يمكن استدراكه من الخير.
والأفضل النية لصيام الست من الليل خروجاً من خلاف أهل العلم، ولكن من أصبح فصام في الصباح ونوى ولم يأكل شيئاً فصيامه صحيح، ونفله مقبول عند الله ، والصائم متطوعاً يجوز له أن يفطر أثناء النهار لحديث عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (قال لي رسول الله ﷺ ذات يومٍ: يا عائشة! هل عندكم شيءٌ؟ قالت: فقلت يا رسول الله! ما عندنا شيء، قال: فإني صائم، قالت: فخرج رسول الله ﷺ فأهديت له هدية، قالت: فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله! أُهديت لنا هدية وقد خبأت لك شيئاً، قال: ما هو؟ قلت: حيسٌ -طعام من التمر والأقط والسمن- قال: هاتيه، فجئته به فأكل، ثم قال: قد كنت أصبحت صائماً) قال طلحة: فحدثت مجاهداً بهذا الحديث، قال: ذاك بمنزلة الرجل يخرج الصدقة من ماله، فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها رواه مسلم، لكن إن سلمها للفقير فلا يجوز له الرجوع فيها.
فإذاً حثوا النساء على القضاء (الحامل والمرضع كذلك) فالراجح أن عليهما القضاء فقط، أفطرتا عن نفسيهما أو ولديهما، وإن أطعمت مع القضاء أحسن، لكن الراجح أن عليهما القضاء فقط كالمريض، وكذلك نذكر الذين لم يخرجوا الزكاة، بعضهم أخرج جزءاً من الزكاة في رمضان، سارعوا بإخراج بقية الزكاة يرحمكم الله.
стр. 4717
وأخيراً نداء
يا من أعتقه مولاه من النار! إياك أن تعود إليها بعد أن صرت حراً من رق الأوزار، أيبعدك مولاك من النار وأنت تقترب منها، وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحد عنها؟!! إن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة مكتوبةٌ للمتقين فالظالم لنفسه غير محجوب عنها ورحمة الله واسعة.
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ فمن الذي يرجو ويدعو المسلم
ونعم الله متوالية متعددة فالحمد لله على نعمائه.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، كن مع المجاهدين، اجمع شملهم على الحق والتوحيد يا رب العالمين، دمر أعداء الدين، اكبتهم وزلزل الأرض من تحتهم، واجعلها عليهم سني كسني يوسف، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، واغفر لنا سائر الآثام والأوزار.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 4718
قصة أبي هريرة وإناء اللبن
أورد الشيخ حفظه الله حديث أبي هريرة وقصته مع إناء اللبن، ثم استطرد في شرحه وبيان كيف كان حال الصحابة رضوان الله عليهم في العيش ومعاناة الجوع، وختم ذلك بذكر فوائد من الحديث، ثم أسئلة مبينة لما انبهم من الدرس.
стр. 4719
نص حديث أبي هريرة وإناء اللبن
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على النبي المصطفى الأمين، خير خلق الله وخاتم رسله أجمعين، وعلى آله وصحبه والذين ساروا على هديه واقتفوا سنته ومنهجه القويم، ومن تبعهم بإحسان وتأسى بهم إلى يوم الدين.
أيها الإخوة: سنتحدث إن شاء الله إليكم في هذه الليالي المباركة عن سلسلة من القصص من كلام النبي ﷺ مع ذكر شرحها وفؤادها، وفي هذه الروائع من الكلام الذي جاء عن صحابة النبي ﷺ مما رووه عن نبينا ﷺ دروسٌ عظيمة وفائدة كبيرة لنا جميعاً.
وفي هذه الليلة نتحدث عن قصة أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع أهل الصُّفة في إناء اللبن، وهذه القصة تبين عيش النبي ﷺ ، وكيف كان عيش أصحابه رضي الله تعالى عنهم.
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: (آلله -وفي رواية-: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم ﷺ فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق، ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي، فدخل فوجد لبناً في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية، أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أنا أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا، فاستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح، فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسم، فقال: أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله! قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد فاشرب فقعدت فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً، قال: فأرني، فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة).
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه، وأخرجه الترمذي وأحمد في كتبهم.
стр. 4720
أحاديث تبين حال النبي ﷺ وأصحابه
هذا الحديث يبين كيف كانت عيشة النبي ﷺ ، ونحن اليوم في هذا الشهر من رمضان على طعام الإفطار نضع ألواناً من الطعام والشراب، فحريٌّ بنا أن نتذكر كيف كانت عيشة النبي ﷺ وأصحابه، وأن نستحضر في أنفسنا ما كانوا عليه من شظف العيش، فقد كانوا يعانون ويقاسون ومع ذلك صبروا، واجتمعت عليهم أمم الأرض فلم يغيروا ولم يبدلوا.
لقد كان بإمكان النبي ﷺ أن يعيش ملكاً من الملوك، لقد كان بإمكانه أن تجبى إليه خزائن الدنيا، ولكنه ﷺ فضَّل أن يعيش على الزهد وعلى هذا الحال، حتى أن زوجته عائشة ﵂ تقول لـ عروة: (يا بن أختي! إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار -شهران كاملان لا يوجد طبخ، ولا توقد نار؛ لم يكن عندهم شيء يطبخونه- فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء -سميا بالأسودين من باب التغليب، وإلا فالماء شفاف لكن أطلق عليه الأسود تغليباً مع التمر الأسود- قالت: إلا أنه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، كان لهم منائح -والمنحة هي العطية من الشاة أو البقر- وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم فيسقيناه)، وكذلك قال سهل ﵁: (ما رأى رسول الله ﷺ النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله) ما رأى الخبز الأبيض النقي حتى قبضه الله، فقلت: (هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ قالت: ما رأى رسول الله ﷺ منخلاً من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله، قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قالت: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار وما بقي ثريناه فأكلناه) رواه البخاري ﵀ أيضاً.
وروى مسلم، عن عائشة قالت: (جئنا بـ عبد الله بن الزبير إلى النبي ﷺ يحنكه، فطلبنا تمرة فعز علينا طلبها) بحثنا عن تمرة فعز علينا طلبها.
وكذلك روى عبد الله بن عمر ﵄ قال: [ما شبعنا حتى فتحنا خيبر] ما شبعوا من التمر إلا في العام السابع من الهجرة، وقال الصحابي: (ما أكل النبي ﷺ خبزاً مرققاً ولا شاةً مسموطةً حتى لقي الله) الشاة المسموطة: الصغيرة ذات الجلد الطري التي تطبخ مع جلدها ثم تقشر فتؤكل، وهي من طعام المنعمين، هذه ما رآها النبي ﷺ ولا أكلها.
وكذلك روى البخاري ﵀ عن عائشة أنها سُئلت: (أنهى النبي ﷺ أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني الفقير، وإن كنا لنرفع الكُراع -الكُراع: ما استدق من الساق ما فيه إلا شيء قليل من اللحم- فنأكله بعد خمس عشرة، قيل: ما اضطركم إليه؟ فضحكت، قالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله).
وقالت أيضاً فيما رواه البخاري ﵀: [لقد توفي النبي ﷺ وما في رفي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير -نصف- في رفٍ لي، فأكلت منه حتى طال عليّ، فكلته ففني] لو تركته بدون كيل لبقي، فلما كالته انتهى وفني.
وقال سعد: (لقد رأيتني سابع سبعة مع النبي ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحُبلة أو الحَبلة -أي: ورق الشجر- حتى يضع أحدنا ما تضع الشاة ما له خلط) لا يتبرز إلا مثل الشاة.
وكذلك فإن هذا الحديث الذي سقناه في بداية الدرس دليل على ما كان النبي ﷺ وأصحابه يعانون.
стр. 4721
شرح قصة أبي هريرة وإناء اللبن
هذه القصة العظيمة التي رواها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (آلله -أو- والله الذي لا إله إلا هو -يحلف- إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع) أي: ألصق بطني بالأرض من الجوع، فإما أن يكون المعنى أنه كان يشد الحجر على بطنه حتى لا يشعر بالجوع، أو أنه كناية عن سقوطه إلى الأرض مغشياً عليه، كما قال هو ﵁ (فمشيت غير بعيد فخررت على وجهي من الجهد والجوع)، فكان يصل إلى درجة الغشيان، قال: (لقد رأيتني وإني لأخر ما بين المنبر والحجرة -يطوف بينهما ما عنده شيء في غاية الجوع- مغشياً عليّ من الجوع، فيجيء الجائي -يراه مغشياً عليه- فيضع رجله على عنقي يرى أن بي جنوناً وما بي إلا الجوع) كأنه كان يريد أن يقرأ عليه ليخرج الجن، يحسبه مصروعاً فيه جن، فيخرج الجن وما به جن ولا صرع ما به إلا الجوع، وقال: (كنت من أهل الصفة، وإن كان ليغشى عليّ فيما بين بيت عائشة وأم سلمة من الجوع)، وفي رواية: (وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني) يلزمه بأخذ الأحاديث والعلم وليس له إلا الطعام فقط، وقال في رواية: (وكنت ألصق بطني بالحصى من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية وهي معي -أي: أحفظها وأعلم بها منه كي يتفطن لحالي- كي ينقلب بي فيطعمني، وكنت إذا سألت جعفر بن أبي طالب -وكان يلقب بأبي المساكين ﵁ لا يعطيني جواب السؤال حتى يذهب بي إلى منزله ويطعمني)، قال: (وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع) وفي رواية: يقول عبد الله بن شقيق: [أقمت مع أبي هريرة سنة، فقال: لو رأيتنا وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاماً يقيم به صلبه، حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشد به على أخمص بطنه، ثم يشده بثوبه ليقيم به صلبه] الحجر في حالة الجوع الشديد إذا شد على البطن يفيد في الاعتدال والانتصاب، لأن الإنسان مع الجوع الشديد ينحني، فيشد الحجر على بطنه ويساعده على الاعتدال والانتصاب، أو يمنع كثرة تحلل الغذاء الذي في البطن فيبقى الطعام أكثر لكي يقتات به أكثر، أو حتى يبرد بالحجر حرارة الجوع في بطنه، فهكذا كان أصحاب النبي ﷺ في شظف العيش، صبروا معه وما ذهبوا عنه يميناً ولا شمالاً.
يأخذون صفائح رقاق من الحجر بطول الكف أو أكبر قليلاً، فيربطها الواحد منهم على بطنه وتشد بعصابة فوقها فتعتدل قامته بعض الاعتدال، قال أبو هريرة: (ولقد قعدت على طريقهم الذي يخرجون منه)؛ لأن طرق الصحابة من منازلهم إلى المسجد كانت متحدة في طريق واحد إلى المسجد (فمر بي أبو بكر فسألته عن آية ما سألته إلا ليشبعني -وفي روية- ليستتبعني) أي: يطلب مني أن أتبعه ليطعمني، ما كان أبو هريرة يريد أن يقول: هات وأعطني، كان متعففاً عن السؤال، لكنه كان مع ضرورة الحال يسأل السؤال وهو يعلم الجواب لعل المسئول يتفطن لحاله فيدعوه لطعام أو يعطيه شيئاً، مرَّ أبو بكر ﵁ ولم يفطن لحال أبي هريرة، ثم مرَّ به عمر ﵁ فسأله أبو هريرة فلم يفطن عمر ﵁ لذلك أيضاً.
وعمر بعد ذلك علم، يقول أبو هريرة: (فلقيت عمر فذكرت له وقلت له ما حصل، أو ما كان مني) فتأسف على عدم إدخال أبي هريرة داره، وأنه لم يفطن له، وقال: لـ أبي هريرة معتذراً بعد أن عرف القصة: [والله لئن أكون أدخلتك أحب إليّ من أن يكن لي حمر النعم].
стр. 4722
تفطن النبي ﷺ وتفقده لأحوال أصحابه
قال: (ثم مرَّ النبي ﷺ أبو القاسم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي) فالتبسم يكون تارة للعجب، وتارة لإيناس الشخص الذي تتبسم إليه، فالنبي ﵊ كان متفطناً لحال أصحابه، فأول ما رأى أبا هريرة عرف في وجهه الجوع، وعرف أنه يحتاج إلى ما يسد رمقه، (ثم قال لي: يا أبا هر!) وهذا نوع من التحبب وأبو هر على التكبير، وأبو هريرة على التصغير؛ لأن هريرة تصغير هر، وكان لـ أبي هريرة هرة يلازمها فكني بـ أبي هريرة، قال: (يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله) وفي رواية: (فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: الحق ومضى فتتبعته فلحقته، فدخل النبي ﵊ على أهله فاستأذن)، وفي رواية: (فاستأذنت فأذن لي، فدخل أبو هريرة ﵁.
وفي رواية: (فدخلت فوجد النبي ﵊ في البيت عنده لبناً في قدح، فسأل ﵊: من أين هذا اللبن؟ -ما هو مصدره؟ من أين لكم هذا؟ يقول - قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة) والنبي ﵊ كان يأكل الهدية، ولكن لا يأكل الصدقة، مقامه أرفع من أن يأكل صدقات الناس، لكن الهدية يأكل منها؛ لأن الهدية ليس فيها إزراء ولا تنزيل من المقام، ولا إسفاف على النفس، والنبي ﵊ لما وجد اللبن ما قال لـ أبي هريرة: خذ واشرب، قال: (الحق إلى أهل الصفة).
стр. 4723
تعريف بأهل الصفة ومكانهم وتحديد مكان الروضة
أهل الصفة: أضياف الإسلام، هؤلاء أناس فقراء أسلموا، جاءوا من القبائل إلى المدينة، ما عندهم أهل ولا مال، ولا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد، وكان ﵊ إذا جاءه الرجل وله قريب في المدينة أو عريف نزل عليه، فإذا لم يكن له عريف نزل مع أصحاب الصفة، وكان أهل الصفة أناساً فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره، أين مكان أصحاب الصفة الآن في المسجد النبوي؟ هل القبلة شمال البيت النبوي والقبر النبوي أو جنوب البيت النبوي؟ جنوب؛ لأن مكة جنوب المدينة، على الناحية الأخرى، أي: شمال القبر النبوي.
منبر النبي ﵊ معروف، ومكانه موجود، وبيت النبي ﵊ في حجرة عائشة التي دفن فيها ﷺ ما بين البيت والمنبر روضة من رياض الجنة -كما قال النبي ﷺ لعله أراد تشجيع حلق الذكر في هذا المكان، وحلق الذكر من رياض الجنة.
والمكان هذا فيه فضل، وقد ذهب ابن القيم ﵀ إلى أن ما بين البيت والمنبر روضة من رياض الجنة أي: على الحقيقة، وأن هذا المكان هو من الجنة، أو يكون هذا المكان في الجنة يوم القيامة.
كان النبي ﵊ له حجرات، باب حجرة عائشة يفتح من جهة المنبر، وكذلك بيوت نساء النبي ﷺ ، لما توفي النبي ﷺ دفن في حجرة عائشة كما قال: (ما من نبي يموت إلا دفن حيث يموت).
ودفن أبو بكر إلى جانبه وإلى جانبهما عمر ﵄، ثم في العهود السابقة جاء من أدخل الحجرة في المسجد في عهد الوليد، وإلا لكانت الحجرات خارج المسجد، ولما جاء عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى سداً لذريعة الشرك والبدع بنى جدراناً مثلثة حول القبر النبوي، وقبر صاحبيه، بحيث لا يستطيع أحد أن يستقبل القبر مع القبلة، جعلها بطريقة مثلثة سداً لذريعة الشرك، ولذلك لا يوجد الآن باب يدخل إلى قبر النبي ﵊، لأن بناء عمر بن عبد العزيز بناء مثلث مصمت ليس له أبواب لكنه مفتوح من الأعلى إلى القبة، وفي القبة فتحة إلى السماء، لكن القبة بنيت بعد ذلك، وأساء من أساء في علو النجارين على قبر النبي ﷺ ودق الخشب، ثم تركت على حالها إلى الآن، وإلا فإنه لا يجوز البناء على القبور ولا وضع القباب عليها.
لكن حجرة النبي ﵊ مفتوحة ليس مبني عليها في الأصل، وكان القبر داخل الحجرة، ثم جاء عمر بن عبد العزيز ﵀ وبنى عليها ثلاثة جدران ليس لها مدخل، ثم جاء بعده من بنى سوراً ثانياً حول الحجرة ثم وضع القفص الأخضر، فهو محاط بثلاثة أسوار، ولا يمكن الدخول إلى القبر مباشرة، وإنما يأتي الإنسان بمحاذاة القبر فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثم يخطو خطوة، فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثم يخطو أخرى، فيقول: السلام عليك يا عمر، وفي العصور السابقة جاء من أدخل جزءاً من الحجرة في هذه الأسوار، فجزء من الروضة (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) مأخوذ داخل القبر، وإلا فإن الروضة أوسع من ذلك، ما بين المنبر وبيت النبي ﵊ روضة من رياض الجنة، فهذا الذي كان أبو هريرة يطوف بينهما ويقع مغشياً عليه من الجوع.
كان طريقهم إلى المسجد من البيوت، والآن زيدت التوسعة، وأزيلت كل البيوت القديمة، بل مدينة النبي ﵊ كلها الآن زالت بالتوسعة، ولم يبق منها شيء، ومن العجائب أن الإنسان في القديم لو نظر من جبل أحد لا يمكن أن يرى المسجد النبوي؛ لأنه بناء محدود وحوله بيوت، وحول البيت مزارع ونخل، أما الآن فقد وسع المسجد توسعة كبيرة، وصار حوله ساحة كبيرة، ويغلب عليه اللون الأبيض من الخارج، فالآن يمكن أن يرى من جبل أحد.
ومن العجائب ما رواه الإمام أحمد ﵀ في مسنده، بسند رجاله ثقات (أن رسول الله ﷺ خطب الناس، فقال: يوم الخلاص وما يوم الخلاص! يوم الخلاص وما يوم الخلاص! يوم الخلاص وما يوم الخلاص! ثلاثاً، فقيل له: وما يوم الخلاص؟ قال: يجيء الدجال، فيصعد أحداً، فينظر المدينة، فيقول لأصحابه: أترون هذا القصر الأبيض، هذا مسجد أحمد).
أي: يراه الدجال من جبل أحد، وهو الآن كذلك، فهذا يعني أن الساعة قد اقتربت، ومن قبل لم يكن المسجد النبوي يُرى من جبل أحد، والآن يرى، وفي الحديث (ثم يأتي المدينة -يحاول دخول المدينة - فيجد بكل نقبٍ ملكاً مصلتاً -أي: بيده سيف، لا يستطيع الدجال الدخول إلى المدينة، وهذه من ميزات المدينة، ولا يدخل الدجال مكة - مصلتاً فيأتي سبخة الحرف -وهي الجانب والطرف- فيضرب رواقه في تلك المنطقة، ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق ولا منافقة، ولا فاسق ولا فاسقة إلا خرج إليه، فذلك يوم الخلاص).
هذا يوم الخلاص يوم يخرج منافقو المدينة وفساقها إلى الدجال ولا يبقى فيها إلا المؤمنون.
стр. 4724
أبو هريرة يدعو أهل الصفة إلى لبن رسول الله
جلس أبو هريرة ﵁ على طريقهم فلم يتفطن له أحد، حتى فطن له النبي ﷺ ، فأدخله إلى بيته ووجد لبناً في قدح، فسأل: (من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: الحق إلى أهل الصفة) هات أهل الصفة، وأهل الصفة: أضياف الإسلام، هؤلاء أناس ليس عندهم مال ولا مأوى، كانوا يأوون إلى المسجد النبوي، يقول أبو هريرة في رواية: (كنت من أهل الصفة، كنا إذا أمسينا حضرنا رسول الله ﷺ فيأمر كل رجل فينصرف برجل أو أكثر، فيبقى من بقي عشرة أو أقل أو أكثر فيأتي النبي ﷺ بعشائه فنتعشى معه، فإذا فرغنا، قال: ناموا في المسجد) ما عندهم إلا المسجد.
ولذلك كان ﵊ كثيراً ما يقول: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث)، (طعام الاثنين يكفي الثلاثة) خذوا واحداً من أهل الصفة، كل واحد من أهل المدينة معه طعام اثنين يأخذ ثالثاً من أهل الصفة، وكان رسول الله ﷺ إذا صلى قسم ناساً من أصحاب الصفة بين أناس من أصحابه، فيذهب الرجل بالرجل، والرجل بالرجلين، حتى ذكر عشرة.
لما جاء هذا القدح من اللبن قال: (يا أبا هر! الحق إلى أهل الصفة ادعهم، وكان عليه الصلاة إذا أتته صدقة بعث بها إليهم -إلى أهل الصفة- ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم وفي رواية: شركهم فيها، وكان يَقبل الهدية ولا يَقبل الصدقة، وإذا قيل له: صدقة، قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإذا قيل: هدية ضرب بيده فأكل معهم) فإذا كان صدقة، قال: اذهبوا بها إلى أهل الصفة، وإذا كان هدية قال: ائتوا بأهل الصفة فيشركهم في هذه الهدية، ويأكل هو وأهله ﷺ .
والأحوال كانت مختلفة معهم بحسب ما يتيسر في ذلك الوقت، وقد جمع بعض العلماء أسماء أهل الصفة، كما فعل أبو سعيد بن الأعرابي وأبو عبد الرحمن السلمي، وجمع بينهما أبو نعيم في أوائل كتاب: الحلية فسرد جميع الأسماء، وقيل: إنهم كانوا سبعين، والصحيح أنهم كانوا يقلون ويكثرون بحسب الأحوال، فلما قال النبي ﵊ لـ أبي هريرة: (ادع أهل الصفة، قال أبو هريرة: فساءني ذلك وفي رواية: أحزنني ذلك) أي: أنا الآن في غاية الجوع، وغاية الجهد، ومحتاج إلى شربة لبن، يقول: اذهب إلى أهل الصفة! نعم.
وأهل الصفة ماذا يكفيهم؟! وإذا كفاهم ماذا يبقى لي؟! لا شيء، لذلك أبو هريرة: (فأحزنني ذلك، فقلت -أي: في نفسي- وما هذا اللبن؟! -أي: ماذا يجزئ؟ وماذا يكفي؟ - في أهل الصفة؟ وأين يقع هذا اللبن من أهل الصفة وأنا ورسول الله؟ وكنت أرجو أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها).
ثم الأمر سيكون -أيضاً- زيادة: (فإذا جاء أهل الصفة؛ أمرني ﵊ فكنت أنا أعطيهم)، أي: بالإضافة إلى ذلك لو دعوت أهل الصفة ولو كنت أنا أول من يشرب، أو ثاني من يشرب أو ثالث من يشرب، كان ذلك طيب، لكن المشكلة سوف أدعوهم ثم أكون أنا المضيف، ويقول لي: ضيفهم، وسأمر بالقدح عليهم واحداً واحداً، فإذاً أنا ساقي القوم: (ساقي القوم آخرهم شرباً) إذاً ذهبت! (فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن) أي: ماذا سيصل إلي بعدما يشربوا منه؟ ولكن يقول أبو هريرة: (ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد) لكن لا يمكن أن نحيد، من يطع الرسول فقد أطاع الله.
قال: (فأتيتهم فدعوتهم، فجاءوا، فاستأذنوا فأذن لهم، فأخذوا مجالسهم من البيت) قيل: إن هؤلاء كانوا سبعين، وقيل: مائة، ولكنهم كانوا يتفاوتون بسبب اختلاف الأحوال، مرة تأتي سرية يخرج بعضهم مع السرية، لتبليغ الدعوة، ويأتي أحياناً أناس من خارج المدينة يزيدون، إذاً كان عددهم يتزايد ويتناقص بحسب الأحوال.
стр. 4725
معجزة النبي ﷺ في بركة اللبن
قال النبي ﷺ لما جاء أهل الصفة كلهم وجلسوا: (يا أبا هر! خذ فأعطهم) خذ القدح الذي فيه اللبن وأعطهم (فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى من إناء اللبن، ثم يرد عليّ القدح فأعطيه الرجل -أي: الذي إلى جانبه- فيشرب حتى يروى) وهكذا واحد وراء الآخر يشربون من القدح نفسه، حتى انتهوا كلهم حتى روي القوم جميعاً، (حتى انتهيت إلى النبي ﷺ بعدما شرب القوم كلهم من الإناء) وهذا معجزة من معجزات النبي ﵊، بركة تكثير الطعام والشراب للنبي ﵊، بقي النبي ﵊، (أعطيته القدح، فأخذ القدح وقد بقيت منه فضلة) أي: هو نقص لكن بقيت منه فضلة ما انتهى، (فأخذ القدح فوضعه على يده ﷺ ، فنظر إليّ فتبسم) كأنه يقول: يا أبا هريرة! أظننت في نفسك ألا يبقى منه شيء؟ انظر لقد بقي منه، هذا معنى الابتسامة، (فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسم، فقال: أبا هر! فقلت: لبيك يا رسول الله! قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله! قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكاً، قال: فأرني، فأعطيته القدح فحمد الله -أي: على البركة التي حصلت ووقعت في اللبن مع قلته وكثرة القوم- وسمى وشرب الفضلة) أي: شرب البقية.
стр. 4726
فوائد من قصة أبي هريرة وإناء اللبن
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، منها: أولاً: استحباب الشرب جالساً، وهذا مذهب جمهور العلماء، وقال بعضهم بتحريم الشرب واقفاً ووجوب الجلوس، لكن مذهب جمهور العلماء هو استحباب الشرب جالساً وعدم الشرب واقفاً، اللهم إلا إن كان لحاجة، مثل: أن تكون القربة معلقة، أو مثل بعض برادات الماء -الآن- في بعض ممرات المستشفيات والمباني، يكون براد الماء مرتفعاً لا يمكن أن تشرب منه إلا وأنت واقف، فهذه حالة يمكن أن يشرب الإنسان وهو واقف، أو مثلاً في زمزم مع الزحام لا يمكن القعود وسط الزحام، فالنبي ﵊ شرب واقفاً، لكن الأصل أن يشرب الإنسان جالساً، والمسألة عليها تأكيد شديد في الأحاديث النبوية في قضية الشرب جالساً.
ثانياً: أن خادم القوم إذا دار عليهم بما يشربون يتناول الإناء من كل رجل ويدفعه إلى الذي يليه، ولا يدع الرجل يناول رفيقه لئلا يكون فيه استخدام للضيف وهذا من باب زيادة الإكرام.
ثالثاً: في هذا الحديث معجزة واضحة للنبي ﵊ في تكثير الطعام والشراب ببركته ﵊، وهذه لها أمثلة كثيرة.
رابعاً: في هذا الحديث جواز الشبع، أي: الأصل أن النبي ﵊ قال: (فإن كان لا بد، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث لنفَسك) فهنا في الحديث: تركه يشرب وأمره أن يشرب حتى قال: (لا أجد له مسلكاً) فالعلماء حملوه على ما إذا كان الإناء بعد مسغبة شديدة -جوع شديد- فيمكن في بعض الأحوال أن يشبع الإنسان، لكنه دائماً يأكل حتى الشبع فهذا مذموم؛ ويؤدي إلى الكسل عن العبادة والنوم ونحو ذلك، ويكون فيه سبب للأمراض، فإذا كان بعد شدة جوع أو أنه يستبعد حصول شيء قريب فيشبع، ويتزود.
خامساً: في هذا الحديث فائدة لطيفة في الخلق الكريم، وهي: أن كتمان الحاجة أولى من التصريح بها، وإذا اضطر فيلمح، لكن لا يصرح ويمد يده: أعطوني هاتوا، وإنما يلمح إذا اشتدت عليه الوطأة.
وفيه حسن خلق النبي ﵊ كيف قدَّم كل أصحاب الصفة وقدم أبا هريرة على نفسه وشرب آخرهم، مع أنه ﵊ هو -أيضاً- جائع.
سادساً: فيه طاعة النبي ﵊ وتقديم أمره على حظ النفس مع شدة الحاجة.
وفيه فضل أهل الصفة هؤلاء الذين جاءوا لنصرة الله ورسوله، وتركوا أهلهم وديارهم.
سابعاً: فيه أنه لا بد من الاستئذان قبل الدخول.
ثامناً: فيه جواز دعاء الإنسان خادمه بالكنية، لما قال: (يا أبا هريرة أو يا أبا هر) وهذا يؤخذ منه ترخيم الاسم، وفيه كذلك تفطن الإنسان لحاجة من حوله، النظر في الوجه (الفراسة) (فعرف ما في وجهي، وما في نفسي) فهذه فراسة، وأن الإنسان عليه أن يدقق النظر في أحوال من حوله ليعرف ماذا يخبئون أو ماذا تنطوي عليه نفوسهم أو ما هي حاجتهم.
تاسعاً: فيه كذلك أن الإنسان إذا رأى في منزله ما لا عهد له به فإنه يسأل عنه من أين؟ وممن هو؟ عاشراً: فيه قبول الهدية ولا ترد مادامت حلالاً، وإيثار الفقراء بنصيب منها.
حادي عشر: أن ساقي القوم آخرهم شرباً.
ثاني عشر: حمد الله على النعم، إذا حدثت لك نعمة، تقول: الحمد لله، لما رأى البركة، قال: الحمد لله، والتسمية عند الشرب.
стр. 4727
نبذة مختصرة عن أبي هريرة وحاله بعد النبي ﷺ
أبو هريرة ﵁ التي وردت قصته في هذا الحديث كان متفرغاً للعلم، يقول أبو هريرة كما روى البخاري في صحيحه: (إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة) دائماً يحدثنا بأحاديث أكثر من غيره، لماذا؟ يقول أبو هريرة معللاً: [وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني، حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير -أي: الثياب المزينة- ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة -قربة من الجلد يحفظ فيها السمن- التي ليس فيها شيء فنشقها ونلعق ما فيها] أبو هريرة ﵁ هذا الرجل الكريم الراوي الذي روى قرابة خمسة آلاف حديث، والذي يعد من أكثر الصحابة رواية على الإطلاق، ما سمع من النبي ﵊ شيئاً فنسيه؛ كما دعا له ﵊ مع أنه جاء في عام خيبر، في آخر العهد النبوي المدني، ومع ذلك فهو أكثر الصحابة رواية؛ لأنه لزم النبي ﵊، لم يذهب في تجارة ولا صفق بالأسواق ولا زراعة ولا شيء، كان متفرغاً لسماع العلم، يلزم النبي ﵊ على شبع بطنه فقط، يقول: أنا أسمع منك ولا أريد إلا الطعام، هذا الرجل العظيم صار أميراً بعد ذلك، أَمَّره عمر ﵁ على مصرٍ من الأمصار.
هل تغير أبو هريرة لما صار أميراً وانفتحت عليه الدنيا، وجاءت الغنائم؟ لم يتغير أبداً، كان يحمل حزمة الحطب على ظهره وهو أمير، ويقول: طرقوا للأمير، أي: خذوا الدرب، أي: خذوا الطريق للأمير، هو يقول بنفسه، وروى البخاري في صحيحه عن محمد قال: (كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخٍ بخٍ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشياً عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويُرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع) فإذا رأيت الإنسان يذكر حال الشدة وهو في حال الغنى فاعلم أن عنصره جيد ومعدنه طيب، لأن بعض الناس إذا ورث شيئاً أو غني بعد الفقر، يقول: ورثت هذا المال كابراً عن كابر، كذلك كان أبي وجدي، وينكر أيام الشدة، وأيام الفقر.
فإذا رأيت الإنسان بالرغم مما فتح الله عليه يذكر أيام الشدة وأيام الفقر، ويقول: كنا في كذا وكانت حالتنا كذا ومنّ الله علينا وأعطانا، فهذا رجل طيب المعدن، جيد العنصر وهكذا أبو هريرة ﵁، ما تغير ولا تكبر مع أنه فتحت عليه الدنيا.
هذه القصة وبعض ما اشتملت عليه من فوائد نسأل الله أن يجعلنا ممن أحب هؤلاء القوم واتبعهم.
стр. 4728
الأسئلة
стр. 4729
أجر صلاة الجماعة الأولى مضاعف على الثانية
السؤال
إذا فاتت صلاة الجماعة الأولى فوجدت مجموعة من المصلين ممن لم يكونوا قد صلوا، هل نحن وهم في الأجر سواء، أم أجر الجماعة أكثر؟
الجواب
لا شك أن الأجر للجماعة الأولى، أما الجماعة الثانية فلهم أجر لكن ليس مثل الجماعة الأولى قطعاً.
стр. 4730
كفارة من أتى زوجته وهي حائض
السؤال
ما كفارة من أتى زوجته وهي حائض؟
الجواب
جاء في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم، عن النبي ﵊: (كفارة من أتى امرأته وهي حائض دينار أو نصف دينار، يخرجه الرجل صدقة) الدينار: مثقال، والمثقال: أربعة غرامات وربع من الذهب، أو نصفها، هذه كفارة الذي يأتي زوجته وهي حائض مع التوبة.
следующие страницы →