Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
فوائد من قصة أبي هريرة وإناء اللبن
هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، منها: أولاً: استحباب الشرب جالساً، وهذا مذهب جمهور العلماء، وقال بعضهم بتحريم الشرب واقفاً ووجوب الجلوس، لكن مذهب جمهور العلماء هو استحباب الشرب جالساً وعدم الشرب واقفاً، اللهم إلا إن كان لحاجة، مثل: أن تكون القربة معلقة، أو مثل بعض برادات الماء -الآن- في بعض ممرات المستشفيات والمباني، يكون براد الماء مرتفعاً لا يمكن أن تشرب منه إلا وأنت واقف، فهذه حالة يمكن أن يشرب الإنسان وهو واقف، أو مثلاً في زمزم مع الزحام لا يمكن القعود وسط الزحام، فالنبي ﵊ شرب واقفاً، لكن الأصل أن يشرب الإنسان جالساً، والمسألة عليها تأكيد شديد في الأحاديث النبوية في قضية الشرب جالساً.
ثانياً: أن خادم القوم إذا دار عليهم بما يشربون يتناول الإناء من كل رجل ويدفعه إلى الذي يليه، ولا يدع الرجل يناول رفيقه لئلا يكون فيه استخدام للضيف وهذا من باب زيادة الإكرام.
ثالثاً: في هذا الحديث معجزة واضحة للنبي ﵊ في تكثير الطعام والشراب ببركته ﵊، وهذه لها أمثلة كثيرة.
رابعاً: في هذا الحديث جواز الشبع، أي: الأصل أن النبي ﵊ قال: (فإن كان لا بد، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث لنفَسك) فهنا في الحديث: تركه يشرب وأمره أن يشرب حتى قال: (لا أجد له مسلكاً) فالعلماء حملوه على ما إذا كان الإناء بعد مسغبة شديدة -جوع شديد- فيمكن في بعض الأحوال أن يشبع الإنسان، لكنه دائماً يأكل حتى الشبع فهذا مذموم؛ ويؤدي إلى الكسل عن العبادة والنوم ونحو ذلك، ويكون فيه سبب للأمراض، فإذا كان بعد شدة جوع أو أنه يستبعد حصول شيء قريب فيشبع، ويتزود.
خامساً: في هذا الحديث فائدة لطيفة في الخلق الكريم، وهي: أن كتمان الحاجة أولى من التصريح بها، وإذا اضطر فيلمح، لكن لا يصرح ويمد يده: أعطوني هاتوا، وإنما يلمح إذا اشتدت عليه الوطأة.
وفيه حسن خلق النبي ﵊ كيف قدَّم كل أصحاب الصفة وقدم أبا هريرة على نفسه وشرب آخرهم، مع أنه ﵊ هو -أيضاً- جائع.
سادساً: فيه طاعة النبي ﵊ وتقديم أمره على حظ النفس مع شدة الحاجة.
وفيه فضل أهل الصفة هؤلاء الذين جاءوا لنصرة الله ورسوله، وتركوا أهلهم وديارهم.
سابعاً: فيه أنه لا بد من الاستئذان قبل الدخول.
ثامناً: فيه جواز دعاء الإنسان خادمه بالكنية، لما قال: (يا أبا هريرة أو يا أبا هر) وهذا يؤخذ منه ترخيم الاسم، وفيه كذلك تفطن الإنسان لحاجة من حوله، النظر في الوجه (الفراسة) (فعرف ما في وجهي، وما في نفسي) فهذه فراسة، وأن الإنسان عليه أن يدقق النظر في أحوال من حوله ليعرف ماذا يخبئون أو ماذا تنطوي عليه نفوسهم أو ما هي حاجتهم.
تاسعاً: فيه كذلك أن الإنسان إذا رأى في منزله ما لا عهد له به فإنه يسأل عنه من أين؟ وممن هو؟ عاشراً: فيه قبول الهدية ولا ترد مادامت حلالاً، وإيثار الفقراء بنصيب منها.
حادي عشر: أن ساقي القوم آخرهم شرباً.
ثاني عشر: حمد الله على النعم، إذا حدثت لك نعمة، تقول: الحمد لله، لما رأى البركة، قال: الحمد لله، والتسمية عند الشرب.
стр. 4727
نبذة مختصرة عن أبي هريرة وحاله بعد النبي ﷺ
أبو هريرة ﵁ التي وردت قصته في هذا الحديث كان متفرغاً للعلم، يقول أبو هريرة كما روى البخاري في صحيحه: (إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة) دائماً يحدثنا بأحاديث أكثر من غيره، لماذا؟ يقول أبو هريرة معللاً: [وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ بشبع بطني، حتى لا آكل الخمير، ولا ألبس الحبير -أي: الثياب المزينة- ولا يخدمني فلان ولا فلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني، وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة -قربة من الجلد يحفظ فيها السمن- التي ليس فيها شيء فنشقها ونلعق ما فيها] أبو هريرة ﵁ هذا الرجل الكريم الراوي الذي روى قرابة خمسة آلاف حديث، والذي يعد من أكثر الصحابة رواية على الإطلاق، ما سمع من النبي ﵊ شيئاً فنسيه؛ كما دعا له ﵊ مع أنه جاء في عام خيبر، في آخر العهد النبوي المدني، ومع ذلك فهو أكثر الصحابة رواية؛ لأنه لزم النبي ﵊، لم يذهب في تجارة ولا صفق بالأسواق ولا زراعة ولا شيء، كان متفرغاً لسماع العلم، يلزم النبي ﵊ على شبع بطنه فقط، يقول: أنا أسمع منك ولا أريد إلا الطعام، هذا الرجل العظيم صار أميراً بعد ذلك، أَمَّره عمر ﵁ على مصرٍ من الأمصار.
هل تغير أبو هريرة لما صار أميراً وانفتحت عليه الدنيا، وجاءت الغنائم؟ لم يتغير أبداً، كان يحمل حزمة الحطب على ظهره وهو أمير، ويقول: طرقوا للأمير، أي: خذوا الدرب، أي: خذوا الطريق للأمير، هو يقول بنفسه، وروى البخاري في صحيحه عن محمد قال: (كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فتمخط فقال: بخٍ بخٍ، أبو هريرة يتمخط في الكتان، لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ إلى حجرة عائشة مغشياً عليّ، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويُرى أني مجنون، وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع) فإذا رأيت الإنسان يذكر حال الشدة وهو في حال الغنى فاعلم أن عنصره جيد ومعدنه طيب، لأن بعض الناس إذا ورث شيئاً أو غني بعد الفقر، يقول: ورثت هذا المال كابراً عن كابر، كذلك كان أبي وجدي، وينكر أيام الشدة، وأيام الفقر.
فإذا رأيت الإنسان بالرغم مما فتح الله عليه يذكر أيام الشدة وأيام الفقر، ويقول: كنا في كذا وكانت حالتنا كذا ومنّ الله علينا وأعطانا، فهذا رجل طيب المعدن، جيد العنصر وهكذا أبو هريرة ﵁، ما تغير ولا تكبر مع أنه فتحت عليه الدنيا.
هذه القصة وبعض ما اشتملت عليه من فوائد نسأل الله أن يجعلنا ممن أحب هؤلاء القوم واتبعهم.
стр. 4728
الأسئلة
стр. 4729
أجر صلاة الجماعة الأولى مضاعف على الثانية
السؤال
إذا فاتت صلاة الجماعة الأولى فوجدت مجموعة من المصلين ممن لم يكونوا قد صلوا، هل نحن وهم في الأجر سواء، أم أجر الجماعة أكثر؟
الجواب
لا شك أن الأجر للجماعة الأولى، أما الجماعة الثانية فلهم أجر لكن ليس مثل الجماعة الأولى قطعاً.
стр. 4730
كفارة من أتى زوجته وهي حائض
السؤال
ما كفارة من أتى زوجته وهي حائض؟
الجواب
جاء في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم، عن النبي ﵊: (كفارة من أتى امرأته وهي حائض دينار أو نصف دينار، يخرجه الرجل صدقة) الدينار: مثقال، والمثقال: أربعة غرامات وربع من الذهب، أو نصفها، هذه كفارة الذي يأتي زوجته وهي حائض مع التوبة.
стр. 4731
حكم إفطار الطفل قبل الغروب
السؤال
أنا طفل عمري سبع سنوات، صمت من الفجر حتى العصر ثم أفطرت، فهل عليّ إثم؟
الجواب
ليس عليك إثم ولكنك ما أتممت الصوم، ولا يؤجر الإنسان إلا إذا أتم صومه، وإذا لم تقدر على الصيام لك أن تفطر ولا بأس بذلك.
стр. 4732
حكم الخارج من الرجل حال تقبيل زوجته
السؤال
إذا قبل الرجل امرأته فخرج منه شيء شفاف بلا لون هل يكون عليه غسل؟
الجواب
إذا كان الذي خرج مذي وليس بمني، فإنه نجس، يغسل موضع الخروج وما حوله، ويتوضأ للصلاة، ويغسل ما أصاب الثوب من هذا، ولا يبطل الصيام على الراجح، ولكن عليه أن يتوب إلى الله لأنه جَرَحَ صومه.
стр. 4733
حكم من قتل خطأ وليس له مال يؤدي منه الدية
السؤال
ما حكم من قتل خطأ ولم يكن عنده مال يؤدي منه الدية؟
الجواب
الذي عليه دية وقتل خطأ وليس عنده من المال يعطى من الزكاة.
стр. 4734
(حال حديث: (قراءة يس تعدل قراءة القرآن عشر مرات
السؤال
هل قراءة يس تعدل قراءة القرآن عشر مرات؟
الجواب
هذا حديث موضوع فلا يصح عن النبي ﵊.
стр. 4735
فتنة الدجال تكون على الأحياء
السؤال
إذا مات الشخص ودفن في الأماكن التي لا يدخلها الدجال هل يأمن فتنة الدجال؟
الجواب
الفتنة تكون على الأحياء، قال النبي ﷺ : (إذا ظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم).
стр. 4736
كتب فيها ترجمة لابن تيمية
السؤال
أرجو من فضيلتكم أن تدلني على كتاب لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن نشأته وتعليمه وحياته؟
الجواب
هناك كتب كثيرة جداً تتكلم عن شيخ الإسلام ابن تيمية، ولعل من أفضلها كتاب ابن عبد الهادي ﵀ العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية مع أن الكتاب ليس موجوداً متوفراً بكثرة، لكن هو من أحسن المراجع التي كتبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية.
أيضاً مقدمة رسالة: موقف ابن تيمية ﵀ من الأشاعرة، فيها تعريف جيد بحياة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
стр. 4737
حكم التعامل مع المرأة الأجنبية في المستشفى
السؤال
إذا اُضطر للتعامل مع المرأة في المستشفى للضرورة؟
الجواب
إذا لم يجد الإنسان للضرورة إلا ذلك ولم يستطع أن يجلب رجلاً أو ممرضاً، فإنه يتحاشى أن تمسه ما أمكنه ذلك؛ لأن مس المرأة الأجنبية للرجل لا يجوز.
стр. 4738
حكم مشاهدة المنكر في رمضان
السؤال
هل أُحضر جهاز المنكر لهؤلاء الذين زاروني في رمضان؟
الجواب
لا تعرض لهم شيئاً منكراً في رمضان! هذا زيادة في الإثم، لأن السيئات تعظم في الزمان الفاضل والمكان الفاضل.
стр. 4739
حكم الخلوة ومتى تزول ومتى لا تزول
السؤال
ذكرت بعد خطبة الجمعة سؤالاً عن الخلوة متى تزول ومتى لا تزول، الرجاء إعادة الإجابة؟
الجواب
الخلوة بالمرأة الأجنبية قال بعض العلماء: لا تزول إلا بمحرم، ولو داخل البلد، أما السفر فلا يجوز إلا بمحرم هذا واضح ومنتهي منه، لكن داخل البلد متى تزول الخلوة مثلاً في بيت أو في سيارة؟ بعض العلماء يقول: لا تزول إلا بمحرم، وقال بعضهم: إذا وجد رجل ثقة آخر مع هذا الرجل والمرأة الثالثة أو امرأة أخرى ثقة، فإن الخلوة تزول، أو وجد صبي يفهم ويعقل ويستحيا منه، أي: لو أراد أن يفعل لها شيئاً أو تفعل له شيئاً يستحيان من وجود الولد إذا كان يميز، كابن عشر سنين يزيل الخلوة، أما أن يأخذ طفلاً لا يفهم أو شخصاً نائماً فهذا حرام، والحوادث أكثر من أن تقال.
стр. 4740
حكم من أحرم من الميقات ثم ذهب لقضاء بعض حاجاته
السؤال
إذا نويت العمرة، ثم ذهبت ومكثت في جدة يوماً واحداً لقضاء بعض الحاجة؟
الجواب
لا بأس، لكن الإحرام باقٍ عليك، فلا يمكن أن تحرم من جدة لأنك من أهل الميقات الذي هو: قرن المنازل ميقات السيل، فتحرم من السيل.
стр. 4741
حكم وضع المرهم في فم الصائم
السؤال
هل يجوز وضع المرهم على الجرح داخل فم الصائم؟
الجواب
إذا كان لا يدخل إلى الجوف فلا بأس بذلك إذا احتاج فيضعه، وإذا دخل إلى جوفه قضى صومه، لكن إذا لم يدخل فلا بأس بذلك.
стр. 4742
هل الدجال الآن موجود على أبواب المدينة ؟
السؤال
حديث الدجال هل يفهم أنه على الأبواب؟
الجواب
إن كنت تقصد أبواب المدينة، فهو خارج أبواب المدينة، لكن الدجال لم يخرج بعد.
стр. 4743
حكم من مات وعليه صلاة وصيام
السؤال
كان والدي في حياته صلاته منقطعة، وصيامه متقطع، ولكن مرض ولزم الفراش وبقي على حاله إلى حين وفاته، وحججت عنه وأنا أدعو له، ماذا بالنسبة للصيام عنه؟
الجواب
إذا كان حين ترك الصيام مصلياً فإنك تصوم عنه إذا أردت ذلك: (فإن مات وعليه صيام صام عنه وليه).
стр. 4744
حكم طواف الوداع على المعتمر
السؤال
هل للمعتمر طواف وداع؟
الجواب
جمهور العلماء على أنه ليس على المعتمر طواف وداع وجوباً إن طاف فهو مستحب، ويؤجر على ذلك.
стр. 4745
(معنى قوله: (واجعله الوارث منا
السؤال
ما معنى: واجعله الوارث منا، في قولك في الدعاء: ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا؟
الجواب
قيل: اجعل هذه الأعضاء والحواس والسمع والبصر بأبصارنا وقواتنا، اجعلها وافرة وصابغة وكثيرة وكاملة عند وفاتنا كأننا نورثها إلى من بعدنا، يعني: أنها من الكمال والقوة كأنها تبقى لمن بعدنا، تفيض وتزيد، وقيل: اجعل ما بقي من قوتنا وسمعنا وبصرنا للورثة من بعدنا من أولادنا، انقل لهم هذا واجعله فيهم.
стр. 4746
عدد الأسوار حول قبر النبي ﷺ
السؤال
أشكل عليّ فهم عدد الأسوار حول قبر النبي ﷺ ؟
الجواب
قلنا: إن هذا البناء الذي بناه عمر بن عبد العزيز المثلث، ثم وراءه سور آخر، ثم القفص الأخضر المذهب، ثلاثة، فإذا نظرت من خلال القفص الأخضر لا ترى القبر، بل ترى الجدار.
أحد العمال الأتراك الذين كانوا يعملون في صيانة القبة وصل إلى هذه الفتحة في القبة -متروكة مفتوحة- فأشرف عليها فرأى ثلاثة قبور فأغمي عليه، لكن ماذا فعل به بعد أن رجع إلى تركيا الله أعلم.
стр. 4747
حكم تزيين المساجد
السؤال
ما حكم تزيين المساجد؟
الجواب
إذا كانت زخرفة فإنها منهي عنها، كما قال النبي ﷺ : (لا تحمر ولا تصفر) زخرفة نقوش كتابات، كل ذلك ممنوع، فالمساجد بيوت الله لا يشغل فيها المصلون عن الصلاة في أي حال من الأحوال.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 4748
كيف تقرأ كتابا ؟
إن من نعم الله على عباده أن يسر لهم الخط البياني: القراءة والكتابة، لذا استطرد الشيخ في هذه المادة بدءاً باهتمام السلف بالقراءة وبيان أهميتها، ثم بين كيفية القراءة الواعية، وذكر أسباب النفور عن القراءة وطلب العلم وعلاجه، ثم ختم ذلك ببيان طرق القراءة وأنواعها.
стр. 4749
نعمة البيان الخطي
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب فقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] والحمد لله القائل ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١] وقال : ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٣ - ٤] قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة: ثم تأمل نعمة الله على الإنسان بالبيانين، البيان النطقي، والبيان الخطي، فقال في أول سورة أنزلت على رسول الله ﷺ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] التعليم بالقلم الذي هو من أعظم نعمه على عباده، إذ به تخلد العلوم وتثبت الحقوق وتعلم الوصايا وتحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس، وبه تقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، واندرست السنن، يعني: ذهبت واضمحلت، وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مذاهب السلف، وكان معظم الخلل الداخل على الناس في دينهم ودنياهم، ما يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم، لما صار الناس ينسون من نعمة الله عليهم أن جعل لهم الكتاب وعاء حافظاً للعلم من الضياع، كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان، فنعمة الله بتعليم القلم بعد القرآن من أجل النعم، فهو الذي علم الإنسان الكتابة، علمه ما لم يعلم، علمه الكلام فتكلم، وأعطاه الذهن الذي يعي به، واللسان الذي يترجم به، والبنان الذي يخط به، فكم لله من آية نحن عنها غافلون في تعليمنا بالقلم! وأنزل الله أعظم كتاب، فدعانا رسوله إلى القراءة فيه، فقال ﷺ في الحديث الحسن: (من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف).
стр. 4750
اهتمام السلف بقراءة الكتب
ثم دونت السنة، والعلم والفقه، وكان لهذه الكتب التي دون فيها العلم بالأقلام، كان لها في نفوس علمائنا أثراً عجيباً ومكانة عظيمة.
قال أصحاب ابن المبارك له: ما لك لا تجالسنا؟ فقال ابن المبارك: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين، وأشار بذلك أنه ينظر في كتبه، وكان الزهري ﵀ قد جمع من الكتب شيئاً عظيماً، وكان يلازمها ملازمة شديدة، حتى إن زوجته قالت: والله إن هذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر.
وكان العلماء يحسبون عند تفصيل ثيابهم حساب الكتب، فهذا أبو داود ﵀، كان له كُم واسع -وكان الكُم يستخدم كالجيب- وكُم ضيق، فقيل له في ذلك فقال: الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه، وكان منهم من إذا أصابه مرض من صداع أو حمى، كان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب عليه الصداع ترك الكتاب، فدخل عليه الطبيب يوماً، وهو على هذه الحال يأخذ الكتاب متى استطاع أن يقرأ ويدعه إذا غلبه الصداع، فلامه على ذلك.
وكان سلفنا وعلماؤنا ﵏ يقرءون في الكتب على كل أحيانهم، فكان الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالعه، وكانوا يقرءون عند الاضطجاع، وينفلت الكتاب من يد أحدهم مرة أو مرتين أو أكثر فيعود إليه، فيأخذه، يسقط من النعاس ويعود إليه فيأخذه، وكان البخاري ﵀ يقدم له الطعام، طعام الإفطار مثلاً وهو يقرأ ثم تأخذه الخادمة بعد فترة، فتأخذ الطعام ولم يمسه، لم ينتبه أصلاً أن الطعام قد جاء، ثم يأتي وقت الغداء، فيوضع له الطعام وهو يقرأ، وتأتي بعد فترة فتأخذ الطعام ولم يمسه؛ لأنه لم يدر أن الطعام وضع ولا أنه، وبعضهم كان يجلس يقرأ في الظل فينحسر عنه، وتأتي عليه الشمس وهو لا ينتبه.
قال ابن الجوزي ﵀: وإني أخبرك عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز، فلو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد لكان أكثر، وأنا بعد في طلب الكتب، فاستفدت بالنظر فيها ملاحظة سير القوم وقدر هممهم، وحفظهم، وعاداتهم وغرائب علوم لا يعرفها من لم يطالع.
أرسل أحد الخلفاء في طلب أحد العلماء، ليأتيه فاعتذر إليه، بأن عنده قوماً من الحكماء يحادثهم، ثم عرف الخليفة أنه لم يكن عنده أحد، فعاتبه وسأله: من الذي كان عندك؟ فقال:
لنا جلساء ما نمل حديثهم ألباء مأمونون غيباً ومشهدا
يفيدنونا من علمهم علم ما مضى ورأياً وتأديباً ومجداً وسؤددا
فلا غيبة نخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا
من المقصود؟ الكتب.
стр. 4751
قدر الكتب ومنزلتها
والكتاب -أيها الإخوة- جار بار، ورفيق مطاوع، لا يعصيك أبداً، ومعلم خاضع، هل رأيت معلماً يخضع للتلميذ؟ كذلك الكتاب يخضع للقارئ، وصاحب كفء، وشجرة معمرة، دائماً مثمرة، يجمع الحكم الحسنة والعقول الناضجة، وأخبار القرون الماضية، والبلاد المترامية، يجلو العقل، ويشحذ الذهن ويوسع الأفق ويقوي العزيمة، ويؤنس في الوحشة، يفيد ولا يستفيد، ويعطي ولا يأخذ.
نعم الأنيس إذا خلوت كتاب تلهو به إذا خانك الأصحاب
لا مفشياً سراً إذا استودعته وتنال منه حكمة وصواب
هذه الكتب لا تعترف بالفواصل الزمانية ولا المكانية ولا الحدود الجغرافية، فيستطيع القارئ أن يعيش في كل العصور، وفي الممالك والأقطار وأن يصاحب العظماء، وأعمالهم وإن استغرقت أعواماً، وتأمل حال المسلم عندما يقرأ قصص الأنبياء في القرآن الكريم، أين عاشوا؟ في بلاد متباعدة، متى عاشوا؟ في أزمنة متطاولة قديمة جداً، ومع ذلك يقرأ قصة موسى وفرعون كأنه يعيش معهم، وكذا إبراهيم، وكذا هود، وصالح وآدم وغيرهم من الأنبياء والصالحين في القرآن والسنة نقرأ أخبارهم كأننا نعيش معهم، كيف أتتنا إلا بالكتاب، فشأنه عظيم جداً، وبعض الناس يجمع الكتب ولكن لا يقرأ فيها ولا يحصل منها شيئاً، قال الشاعر في شأن مثل هؤلاء:
عليك بالحفظ دون الجمع في كتب فإن للكتب آفات تفرقها
الماء يغرقها والنار تحرقها والفأر يخرقها واللص يسرقها
إذا لم تكن حافظاً واعياً فجمعك للكتب لا ينفع
تحضر بالجهل في مجلس وعلمك في البيت مستودع
ولذلك أيها الإخوة: النصيحة إذا اشتريت كتاباً فلا تدخله مكتبتك، إلا بعد أن تمر عليه جرداً أو على الأقل قراءة لمقدمته أو فهرسته ومواضع منه، حتى إذا احتجت في المستقبل إلى هذا العنوان أو هذا الموضوع، تعرف أنه موجود في الكتاب الذي اشتريته، أما إذا جعلته في المكتبة مباشرة، فربما يمر عليك، زمان وقد يفوت العمر دون النظر فيه، أليس هذا قد حصل؟
стр. 4752
أمور تجعل القراءة واعية
موضوعنا في هذه الليلة أيها الإخوة بعد هذه المقدمة عن: كيف تقرأ كتاباً؟ كيف نستفيد من القراءة؟ ما هي الطريقة الصحيحة للقراءة؟ ما هي العوامل التي تسبب العداوة بين الناس والكتاب وكيف نزيلها؟ ما هي أسباب الفهم الخطأ أثناء القراءة؟ وكيف نقضي عليها؟ ما هي أنواع القراءة؟ إلى مسائل أخرى ستستمعون إليها إن شاء الله في هذا الدرس.
عند تعرضنا لموضوع القراءة، تبرز ثلاثة أسئلة: السؤال الأول: لماذا نقرأ؟ وما هي أهمية القراءة؟ السؤال الثاني: ماذا نقرأ؟ وما هي الكتب التي نقرؤها؟ السؤال الثالث: كيف نقرأ؟ والكلام عن لماذا نقرأ، وماذا نقرأ قد يكون أكثر أهمية من كيفية القراءة، ولعلنا نتعرض لهذين السؤالين في درس قريب إن شاء الله.
لا بد أن تكون قراءتنا -أيها الإخوة- قراءة واعية، المنهج الجاهلي يقول: القراءة للقراءة، الفن للفن، أي أنهم يجعلون القراءة غاية وليست وسيلة، ولذلك فهم يقرءون ما هب ودب، دون تمحيص ولا تمييز، أما المسلم فإن القراءة عنده وسيلة لتحقيق الهدف وهو أشياء متعددة، وعلى رأسها طلب العلم الذي يعرف به المسلم كيف يعبد ربه، هذا الهدف، الوسيلة: القراءة، وهذا المنهج الجاهلي الذي أشرنا إليه وهو: القراءة من أجل القراءة مهما كانت المهم أن يقرأ، ويعتبر الشعب مثقفاً إذا كان فيه أعداد كبيرة من القراء بغض النظر عما يقرءون، هذا المفهوم الجاهلي، قد نتج عنه في مجتمعات المسلمين تكوين فئة من القراء بما يصلح أن نطلق على هذه الفئة: القارئ الإمعة، الذي يكون بوقاً مضخماً لهجمات أعداء الإسلام، لأنه لا يعرف ماذا يقرأ، فيقرأ الضار، ويقرأ أشياء سطرتها أيدي أعداء الإسلام وينشرها بين الناس، دون وعي ولا إدراك.
стр. 4753
البدء بالمرحلة التأسيسية الأولية مع سلامة المعتقد
كيف تكون قراءتنا واعية؟ لا بد أن يكون التكوين العقدي للقارئ المسلم سليماً وقوياً حتى يستطيع أن يقرأ بوعي، وهذا يعني أن تكون قراءاته الأولية تأسيسية ينتقي ماذا يقرأ في البداية، حتى يؤسس وعياً يستطيع من خلاله أن يعرف بعد ذلك إذا قرأ في أي كتاب، هل هذا يتفق مع الإسلام، أم هو ضد الإسلام، أم بغير تكوين وبغير تأسيس وتربية، لا يمكن للناس أن يعرفوا هل ما يقرءون مخالف للشريعة أو موافق للشريعة.
يجب أن نقرأ بطريقة نقدية، يعني: أن ننقد ما نقرأ على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، وما نعرفه من الأدلة الشرعية ورصيدنا من الأحاديث الصحيحة والسقيمة، على ضوء تأسيساً السابق نستطيع أن ننقد ما نقرأ، أو موثوقية العلماء الذين ينقل عنهم الكاتب، ومن الأخطاء أن يغير الشخص قناعاته فجأة لأدنى قراءة يقرؤها، مثل بعض المسائل الفقهية، تجد بعض الناس يغير قناعته الفقهية لأدنى قراءة، بل يجب أن يمحص ويفكر وينقد قبل أن يتبنى فكرة أو موقفاً أو رأياً، ومن الخطأ أن ننسى ما قرأناه من قبل، وما سمعناه من قبل، وما تعلمناه من قبل لأجل أول قراءة نقرؤها، لا بد أن تمر مرحلة تكوين القناعة مروراً تأسيسياً صعباً، حتى نستطيع بعد ذلك أن نصمد أمام كل ما نقرؤه من الأفكار التي تصادم القناعات الشرعية التي لدينا.
وبعض الناس -أيها الإخوة- عندهم عقدة، وهي الثقة بكل شيء مطبوع، أحياناً يعرض لك شخص من الناس فكرة خاطئة، تقول له: يا أخي! هذا الكلام خطأ، هذا الكلام مصادم للشريعة، يقول لك: هذا مكتوب في الكتاب، انظر! لو كان خطأ ما كانوا طبعوه.
سبحان الله العظيم!! التقليد الأعمى لكل ما هو مكتوب، آفة أصيب بها كثير من قراء المسلمين، وبعض الناس يشكون في معلوماتهم المؤكدة لمجرد أن الشيء المخالف مطبوع في كتاب! ونحن أيها الإخوة: قد نلتمس الأعذار للكتاب فنقول: ربما أخطأ لكذا ربما وهم لكذا لكن هذا لا يجعلنا نتابعهم في أخطائهم مهما كان الكاتب عظيماً.
стр. 4754
ملاحظة التناقضات التي يقع فيها الكاتب
وكذلك من القراءة الواعية أن نلاحظ التناقضات التي يقع فيها الكاتب أثناء الكتاب، وإن تباعدت المواضع، أحياناً يأتي كاتب بفكرة في موضع، ثم يأتي بعكسها في موضع آخر، القارئ الواعي يحفظ ماذا قال هنا وماذا قال هنا، ثم تجده يراجع فيقول: عجباً إنه كتب في البداية أشياء غير التي كتبها هنا، فأيهما هو الصحيح يا ترى؟
стр. 4755
تقويم الأشخاص والكتب
ومن القراءة الواعية أيضاً: أن نقرأ لنقوم الأشخاص والكتب، وننصح بناء على ذلك الناس بها، والمسلم عندما يقرأ فإنه يكون متجرداً، فمن الخطأ مثلاً أن يصدر القارئ حكماً مسبقاً على أفكار الكتاب من خلال اسم المؤلف فقط، أو الناشر أو العنوان -مثلاً- بل يقرأ ويفكر، ونحن بهذا الكلام لا ندعو إلى الإقبال على كتب المبتدعة، أو الناس الذين نعرف أنهم مضلون من خلال كتاباتهم، كلا، لا ندعو الناس لهذا أبداً، بل إننا ندعوهم إلى الحذر عند قراءة كتب المبتدعة، بل إن كتب المبتدعة أصلاً لا يصلح أن يقرأها أي شخص، الناس في البداية لا بد أن يقرءوا الكتب السليمة، كتب أهل السنة والجماعة، بل إننا ندعو الناس ألا يفتحوا صدورهم لأي فكرة، وخصوصاً إذا كان المؤلف مجهولاً، والقراءة الواعية هي التي تكشف لنا خداع المضللين، الذين يجتزئون أشياء من أحاديث مثلاً، يجتزئون: يأخذ جزءاً، كأن يقول: حديث الرسول ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى) ويحذف: (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) لماذا يحذفها؟ لأن له غرضاً، لأنه يعتقد ببناء المساجد على القبور، فيحذف جزء الحديث ويقول لك: انظر هذا الحديث الذي تستدلون به، ليس فيه دليل، لأن الرسول ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى) وكذلك بعض المضللين يأخذون من كلام علمائنا الثقات جزءاً ويتركون الأجزاء الباقية، سواء كانت قبله أو بعده، ويقول: انظر فلان العالم يقول: كذا، لكن لأنه أتى بجزء من الكلام غير المقصود، كما فعله الكوثري المتعصب الهالك الذي كان ينقل كلام بعض أئمة الجرح والتعديل في شخص، ويخفي الأقوال الأخرى مثلاً، وكشف زيفه العالم الجليل عبد الرحمن المعلمي اليماني ﵀ في كتابه: التنكيل.
стр. 4756
أسباب نفور الناس عن قراءة الكتب الشرعية وعلاجها
وأما بالنسبة للمشكلة الحاصلة اليوم بين أكثر الناس وبين الكتاب وهي: النفور، الذي يصل إلى حد العداوة، بعض الناس لا يريدون أن يقرءوا نهائياً -المراد الكتب المفيدة كتب العلم الشرعي- وإلا الناس أكثرهم يقرءون الجرائد، يقرءون المجلات التافهة وأخبار الرياضة، يقرءون في الغالب ولا يوجد أحد لا يقرأ نهائياً، إلا إذا كان أمياً، لكن المشكلة أيها الإخوة! لماذا لا يقبل الناس على الكتاب الإسلامي، لماذا ينفرون من القراءة، لماذا توجد عقدة عند بعض الناس وعداوة بينه وبين الكتاب، كيف ننشئ العلاقة بين المسلم والكتاب؟ كيف نجعل الكتاب صديقاً؟ بحيث يصبح الأمر كما قال القائل: إذا قرأت كتاباً جديداً للمرة الأولى، شعرت أنني كسبت صديقاً جديداً، وإذا قرأت ثانية أحسست بأنني أقابل صديقاً قديماً.
стр. 4757
الاصطدام بالأمور الصعبة في أول الكتاب
في الحقيقة أن هناك أسباباً للعداوة والنفور بين الناس وبين الكتاب منها مثلاً: الاصطدام بأمور صعبة في بداية القراءة منها مثلاً: عدم معرفة المصطلحات المتكررة أثناء القراءة.
стр. 4758
المكث لمدة طويلة في مكان واحد وطول الموضوع
كذلك: أن بعض الناس طبيعتهم حركية ويحبون الذهاب والمجيء لا يحبون الجلوس في مكان واحد لمدة طويلة.
منها مثلاً: طول الكتاب أو طول الموضوع، وهكذا.
فإن هذه المشكلات لها علاجات ولا شك، فمنها مثلاً: أن القارئ المسلم ينبغي أن يقرأ في الكتب السهلة في البداية قبل الكتب الصعبة، الخطأ الذي يصد بعض الناس عن القراءة أنه يقرأ كتباً متقدمة في الفن، أقصد الموضوع العلمي، الفن كلمة شريفة، كلمة جميلة عند المسلمين، ويقولون: فن الفقه، فن التجويد، فن القراءات، فن الأصول، فن النحو، فن الصرف، وهكذا، لكن الآن أهل الجاهلية هم الذين استخدموا هذه الكلمة، استخداماً معيناً، وجعلوا لها مدلولاً معيناً في نفس المستمع، فهو إذا سمع كلمة الفن، فإنها تعني الموسيقى، الغناء، الرقص، نحت التماثيل، وكما يسمونها الفنون الجميلة، ولا أقبح منها عند الله.
نعود فنقول: إن القراءة في الكتب المتقدمة في الفن قبل الكتب المبسطة أو الأساسية من الأخطاء التي تجعل بعض الناس ينفرون من القراءة، فمثلاً: لماذا يقرأ الشخص المراجع الكبيرة قبل الكتب الصغيرة المبسطة؟ لماذا يبدأ بالأصعب قبل الأسهل؟ بعض الناس عندهم نوع من الغرور، فيقول: أنا مثلها، وأنا على مستوى القراءة ولا يهمني أنه كبير أو صغير، ولكن النتيجة تنعكس على نفسيته، فمثلاً: أليس من الخطأ أن يبدأ إنسان يريد أن يقرأ في الفقه بكتاب المغني قبل كتاب العدة؟ أليس من المفروض مثلاً: أن الإنسان إذا أراد أن يقرأ بالتفسير.
نأتي بأمثلة توضح الفكرة، وفي نفس الوقت نعطي شيئاً في الموضوع، لو أردت أن تقرأ في التفسير -مثلاً- وأنت لم تقرأ نهائياً من قبل، أليس من الأفضل أن تأخذ كتاباً مبسطاً في التفسير جداً مثل: زبدة التفسير من فتح القدير، فتح القدير للشوكاني، بسطه محمد سليمان الأشقر، مثلاً: في كتاب: زبدة التفسير، كلمة ومعناها، مع أشياء أخرى إضافية مفيدة، ثم إذا أردت أن تتوسع تأخذ مثلاً تفسير ابن سعدي ﵀، الذي ليس فيه ذكر المرويات بالأسانيد التي تنفر بعض الناس، وهو بأسلوب -أيضاً- مبسط وسهل، ثم إذا أردت أن تنتقل إلى تفسير ابن كثير، تنتقل إلى تفسير ابن كثير ثم إلى غيره مما هو أطول وأصعب، وكذلك أليس من الحكمة إذا أردت أن تقرأ في السيرة النبوية أن تبدأ بكتاب دروس وعبر -مثلاً- للسباعي ﵀، ثم تنتقل للرحيق المختوم للمباركفوري، هذا قبل أن تصل إلى البداية والنهاية لـ ابن كثير.
كذلك إذا أردت أن تقرأ في العقيدة، أليس من المناسب أن تقرأ لمعة الاعتقاد مع شرحه، ثم الواسطية، قبل أن تنتقل إلى الطحاوية فـ السفارينية، أليس من المناسب إذا أردت أن تقرأ في الحديث على سبيل المثال: أن تقرأ الأربعين النووية مع شرح مبسط، قبل أن تنتقل إلى رياض الصالحين ومشكاة المصابيح بعد ذلك، ومن الأمور التي تجعل بعض الناس ينفرون من القراءة في كتب القدامى، من علمائنا الأجلاء، أن هذه الكتب التي يسمونها بالكتب الصفراء، مع أنها الآن والحمد لله بدأت تطبع طبعات بيضاء، وأكثر العلم موجود فيها، ومؤلفات الأولين قليلة ولكنها كثيرة البركة، ومؤلفات المتأخرين كثيرة ولكنها قليلة البركة.
стр. 4759
أسلوب الكتاب وبلاغته المناسبة لعصر مؤلفه
من الأسباب التي تنفر بعض الناس من الكتب القديمة -أقصد التي ألفت قديماً- التي كتبها علماء المسلمين الأجلاء: أسلوب الكتاب، أسلوب الكتاب الذي قد يكون مكتوباً بلغة ذلك العصر، ويناسب مستوى القارئ في ذلك العصر، وذلك العصر كان مستوى القراء يختلف في العربية عما عليه قراؤنا الآن وهذا بلا شك، والقراءة في كتب القدامى إذا انتقيت ومشيت بالأسلوب المبسط ستصل إلى مستوى تستطيع به أن تقرأ كتب القدامى، ولو استصعبت عليك بعض الألفاظ، لكن ستخرج بفوائد عظيمة.
стр. 4760
أن كتب القدامى ألفت في عصر العزة والانتصار للإسلام
كذلك أن كتب القدامى قد كتبت في عصر كان الإسلام فيه في عزة، وعندما يكتب الكاتب بروح العزة الإسلامية وروح الانتصار يكون أسلوبه وروح كتابته تختلف عما يكتب به أحد الكتاب الآن في الوقت الذي أصبح المسلمون فيه في ذلة وهزيمة، وهذه نقطة مهمة جداً، قراءة كتب الماضين تأسس في نفوسنا الثقة بهذا الدين لأنهم يكتبون من منطلق القوة، ومن منطلق الاستعلاء، ولذلك نرشد الناس أن يقرءوا الكتب الحديثة التي يكتب فيها الكاتب المسلم من روح الاستعلاء كما هي كتابات سيد قطب ﵀ مثلاً، هناك كتاب يتأثرون بالانهزامية الموجودة الآن، فتحس وأنت تقرأ بالانهزام، وتحس بأن الكاتب يتراجع عن كثير من الأمور الإسلامية الشرعية، تحت ضغط الحضارة الغربية مثلاً.
ولذلك الحذر الحذر -أيها الإخوة- عندما تقرأ للكتاب المحدثين، وهذا يقودنا إلى مسألة وهي الاهتمام باللغة العربية، وتعميق فهمنا لهذه اللغة، والوقوف أمام من يدعو إلى إشاعة اللهجات العامية كما يريد المستشرقون وأعداء الدين، فخرجوا علينا بلغة شرشر ونحو ذلك من الأمور التافهة، وهنا قاعدة: كلما كان الكتاب ألصق بالقرآن والسنة، أي: فيه استشهادات من القرآن والسنة كثيرة، كلما كان أيسر، وكلما كان المؤلف الذي يكتب قريباً من القرآن والسنة، كان كتابه أيسر وأبسط وأقرب للفهم، لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
وينبغي -أيضاً- بالنسبة للمؤلفات القديمة، أن ننتقي أصحاب الأسلوب الرشيق، والقلم السيال، والعبارة الجميلة، مثل ابن القيم ﵀، لأنك إذا قرأت في كتبه، أو بعض كتبه على الأقل، تحس بانجذاب لكتب القدامى، هذا قبل أن تنتقل إلى قراءة كتب من في أسلوبهم شيء من التعقيد أو تداخل العبارات، أو كثرة الاستطرادات، بعض الناس يقولون: نقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لكن لا نفهم، نقول: نعم.
يحصل كثيراً، ابن تيمية ﵀ كان ذهنه سيالاً، كان يكتب وعندما يكتب تتدفق الأفكار، كالسيل العارم الجارف، فيخرج كل ما عنده ويفرغ في الكتاب.
ولذلك تجد في المسألة الواحدة أقاويل كثيرة جداً وتعليقات ونقد وعرض بشكل مذهل، لكن قد لا يستطيع القارئ البسيط أن يفهم مثل هذا، لكن في نفس الوقت له ﵀ كتب بسيطة مثل كتاب: العبودية مثلاً.
стр. 4761
كون الكتاب مكتوباً بلغة عربية قوية
ومن أسباب النفرة بين القارئ والكتاب: صعوبة اللغة، أن يكون مكتوباً بلغة عربية قوية، أو تكون الكلمات غير معتادة الاستعمال في وسط الشخص القارئ، ولذلك من الممكن التغلب على مثل هذا بأن يكون لدى القارئ المسلم -مثلاً- قاموساً مختصراً جداً مثل: مختار الصحاح، وهو كتاب يمكن أن يوضع في الجيب، فتجده كل كلمة ومعناها، أو القاموس المحيط، وإذا مرت عليه كلمات في الأحاديث غريبة فعنده كتاب: النهاية في غريب الأثر والحديث يستطيع به أن يفك رمز هذه الكلمة التي لا يعرف معناها.
فإذاً هناك كتب بسيطة يمكن أن يحتفظ بها القارئ، بجانبه تساعده أثناء القراءة، وهو سيلاقي صعوبة في البداية، لكن بعد فترة سيتعود، والكلمة الصعبة الآن إذا عرفت معناها في المستقبل لن تحتاج أن تنظر في معناها مرة أخرى أليس كذلك؟ وستتقوى الملكة اللغوية تدريجياً مع كثرة القراءة، ونعود فنقول: إن تعلم قواعد اللغة العربية، شيء ضروري، فمعرفة الفاعل من المفعول، يؤثر كثيراً عند القراءة، ومعرفة المضاف من المضاف إليه يؤثر كذلك، المبتدأ والخبر، الشرط، فعل الشرط وجواب الشرط، تقديم ما من شأنه التأخير، ماذا يعني في لغة العرب، وهكذا.
وإذا لم يفهم القارئ شيئاً في البداية، فليس من الضروري أنه يقف حتى يفهم، بل يتجاوز الآن ويكمل حتى يسهل عليه الأمر في المستقبل.
стр. 4762
كثرة الملل لدى القارئ
ومن الأمور التي تنفر الناس عن القراءة: الملل، أنه يقرأ نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين وبعد ذلك يمل، فماذا يفعل؟ يستريح بين فترة وأخرى، يريح عينيه، يقوم يتحرك، حركة بسيطة، ثم يرجع إلى القراءة، ومن الأساليب أيضاً أن يغير الكتاب الذي يقرأ فيه، أو يغير نوعية العلم الذي يقرأ فيه، كما ذكر عن ابن عباس رضي عنه أنه كان إذا مل قال: هاتوا ديوان الشعراء، وأيضاً الشعر مفيد، يفهم لغة العرب، تقوى سليقته، وكان محمد بن الحسن ﵀ قليل النوم في الليل، وكان يضع عنده الدفاتر، فإذا مل من نوع ينظر في نوع آخر، وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء كلما نعس.
من الأمور التي تشد أو تحبب القراءة للشخص أن يحس بالمردود، وإذا كان المردود سريعاً، كان تحبيب القراءة أو حبه للقراءة أكثر، فمثلاً: لو أن الإنسان قرأ مسألة فقهية، ثم تعرض لها، فإنه يستأنس جداً لأنه يعرف الجواب، مثلاً: لو قرأت عن الحج ثم ذهبت إلى الحج سيكون إحساسك بفائدة القراءة كبيراً، لو قرأت كتاباً في صفة الوضوء، أو صفة الصلاة، وأنت تطبق ذلك يومياً، ستشعر بحب للقراءة، لأن الثمرة مرئية ومشاهدة وسريعة.
ومن الأمور أيضاً أن يقيد الإنسان الفوائد الجميلة، اللآلئ التي يقرؤها، وليس كل ما يقرأ يشد انتباهه، وليس كل ما يقرأ يقع في نفسه موقعاً جميلاً، فلو أن القارئ يدون الأشياء الجميلة التي يقرؤها، الأحداث المؤثرة، فإنه بعد فترة ستتجمع عنده أشياء، لو فهرسها، ستخرج في كتيب جميل، إذا قرأه استأنس لأن عنده فواكه عذبة مما قرأه، وكثير من العلماء لهم مصنفات، هي عبارة عن فوائد، حصلت لهم أثناء البحث والقراءة، انظر إلى كتاب: بدائع الفوائد لـ ابن القيم ﵀ مثلاًُ، يتحدث الناس بأحسن ما يحفظون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، وأحياناً يحب الإنسان القراءة أكثر لأنه يعيد القراءة فيستفيد من إعادة القراءة معاني جديدة، لم يكن قد عرفها من قبل، وبالذات الذين يتدبرون القرآن الكريم، فإن هذا القرآن لا يشبع منه العلماء، كلما قرأت بتدبر وجدت معاني جديدة، وكذلك عندما تقرأ في كتب العلم وتعيد الكتاب مرة أخرى، تثبت ما كنت حفظته، وتحفظ شيئاً جديداً وتفهم شيئاً جديداً، وهذا يحببك في القراءة بزيادة.
عندما نقول: أن من الأشياء التي تنفر القارئ من الكتاب أنه يمر بأشياء لا يفهمها، يجب أن يكون للقارئ موقف مهم جداً في هذا المكان وهو: ما جاءنا من سنة علمائنا أنهم كانوا إذا استغلقت عليهم المسألة، أو مر بهم الأمر الصعب أثناء القراءة، كانوا يلجئون إلى الله، ويتضرعون إليه ويسألونه أن يفتح عليهم سر هذه المسألة، مثلما كان يقول شيخ الإسلام ﵀ مناشداً ربه: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، لأن الله قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩].
وهذه المناشدة لله هي التي تفتح عليك هذا الذي استغلق من المسألة أو الكلمة أو العبارة الصعبة في الكتاب، لكن بعض الناس مع الأسف ليست عندهم هذه الروح، أو هذه النفسية، التوجه إلى الله إذا استصعب عليه شيء في القراءة، ومن الأشياء التي تحبب الإنسان إلى الكتاب: الاعتناء بالكتاب، وكان علماؤنا ﵏ يعتنون بكتبهم اعتناء شديداً، فكانوا يقولون مثلاً: لا تجعل كتابك بوقاً ولا صندوقاً، بعض الناس يأتي بكتاب ويلفه على شكل دائرة، ويمسكه بيده فيكون كالبوق، وهذا ملاحظ في طريقة الحمل، يلف الكتاب ويحمله بيده، أو يجعله صندوقاً، يضع فيه الأوراق والأقلام والدفاتر، وينتفخ الكتاب ويتشقق بفعل هذه الأشياء التي تكون داخله، فتجد كل شيء في الكتاب، وذكروا في صفة القراءة قالوا: لا يفرشه، بعض الناس لما يأتي بكتاب يفتح الكتاب ثم يدعكه بيده بشدة حتى يفتحه، فالكتاب يتفلت، وتتفلت الأوراق، هذا الخيط الذي يمسك الأوراق والملازم يتفلت، والصمغ يتفكك، لا يفرشه لكي لا يتقطع حبله بسرعة، ولا يوضع على الأرض مباشرة.
إذا جاء يرص الكتب في الخزانة أو في الدولاب أو في الرفوف، لا يضعه على الأرض مباشرة وإنما فوق خشبة، لئلا يبتل، وإذا وضع على خشب وضع فوقها جلداً، وتحتها جلداً إذا لم يكن هناك عازل، أو بينه وبين الحائط يضع جلداً، ويراعي في وضعها أن يكون أعلاها هو أشرفها، ثم يراعي التدريج: القرآن ثم الحديث ثم شرح الحديث، ثم العقيدة، فالفقه فالنحو فأشعار العرب، حتى الكتب لها ترتيب، فإن استوى كتابان في فن معين، صاروا مثل بعض، جعل أعلاهما أكثرهما قرآناً أو حديثاً، فإن استويا فبجلالة المصنف، فإن استويا فأقدمهما كتابة، فإن استويا فأكثرهما وقوعاً في أيدي الصالحين والعلماء، أي: الكتاب الأكثر استخداماً، فإن استويا فأصحهما، وهكذا.
وحفظ الكتاب يشرح الصدر، عندما ترى كتابك جميلاً جيداً، يفتح نفسك للقراءة، بعض الناس يضعون كتبهم على الرفوف بشكل مائل، ماذا يحدث للكتاب، تختلف الصفحات، ولا بد من الاعتناء بتجليدها وتلصيق ما تمزق منها، ولا يرمي الكتاب، بعض الناس إذا أراد أن يناول أحداً كتاباً رمى له بالكتاب، وهذا يساعد في تشققه وتلفه، بل يناوله مناولة، ولا يكتب عليه بأقلام لا تمحى، إلا الأشياء المهمة، طبعاً الإنسان عندما يشتري ينتقي الطبعات النظيفة، والأوراق التي يسهل القراءة فيها، والحرف ترى له أهمية في القراءة، فعندما يكون صغيراً جداً يتعب في القراءة، لذلك بعض السلف قال: لا تقرمط، فتندم وتشتم، لا تقرمط أي: لا تكتب بحروف صغيرة جداً، فإذا احتفظت فيها ثم كبرت وصار بصرك ضعيفاً تندم في المستقبل، لأنك ما تقرأ بسهولة، وإذا ورثتها لغيرك مثل المخطوطات التي كانت تورث؛ تشتم، ويقال: فلان هذا كاتب الخط، هذا الذي ما يقرأ.
وكذلك لا يبقي الكتاب مفتوحاً لفترة طويلة، أو مقلوباً بعدما يفتح لفترة طويلة، ولا يضع ذوات القطع الكبيرة فوق ذوات القطع الصغيرة لئلا تسقط، ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس، أي يضع فيه أشياء: كراريس أو مخدة، فبعض الناس ينام عليها، أو يجعله مروحة، أو مكبساً يكبس به، ولا مسنداً ولا متكأً ولا مقتلة للبعوض، ولا يطوي حاشية الورق.
بعض الناس إذا أراد أن يعلم المكان الذي وقف عليه، طوى الصفحة، ثم يطوي صفحة ثانية، وكان العلماء يكتبون: بلغ، حتى يعرف أين وصل، ونحن الآن نطوي الأوراق، وإذا أراد الإنسان أن يضع علامة يضع ورقة رقيقة في المحل الذي وصل إليه، ولا يُعلِّم بعود أو شيء جاف، وحتى طريقة قلب الصفحات، بعض الناس يقلب بعصبية كأنه يريد أن ينتقم من الصفحة، مع أنه يمكن أن يقلب بكل تؤدة وسهولة ويحافظ على صفحات الكتاب، ويتفقده عند الشراء، حذراً من المسح أو النقص أو عكس الملازم وقلبها، وهذا يلاحظ كثيراً في الكتب، ويعيرها لمن يأتمنه عليها، حتى لا تضيع، ولا يجوز له أن يحبس الكتاب المعار عنده، المستعير إذا استعار كتاباً لا يحبسه، ولا يحشيه ويكتب في بياضه إلا إذا علم رضا صاحبه، إذا علمت أن صاحبه يرضى أنك تكتب اكتب وإلا لا تكتب، ولا بد من الاهتمام بالكتب ذات علامات الترقيم الجيدة، فواصل ونقط، ويبدأ فقرة جديدة من أول السطر.
وكذلك إذا حصل على كتب فيها تقسيمات وتفريعات في أشكال توضيحية تساعد في فهم الفكرة، مثل: كتابة الجداول الجامعة للعلوم النافعة، فيكون هذا جيداً.
стр. 4763
اقتناء الأشرطة وسماعها بدلاً عن الكتب
ومن الأشياء التي صرفت الناس عن القراءة أيها الإخوة: الأشرطة، وهذا حق، ونحن لا نقول: يجب أن نلغي الأشرطة، لا، ولكن نقول: لا بد أن يكون المسلم عنده توازن، بين سماع الأشرطة وقراءة الكتب، لأن بعض الناس اهتموا بالأشرطة فأصبحوا لا يقرءون شيئاً، كل شيء بالأشرطة، مع أن هناك فروقاً كبيرة، فمثلاً الأشرطة لا يمكن أن تستخدم مراجع، وإذا أردت أن تبحث عن شيء في الأشرطة فمن الصعب أن تجده بخلاف الكتاب، وهذه الأشرطة تقتل روح البحث العلمي عند من يسمع الأشرطة ولا يقرأ الكتب والأشرطة لها مجالات معينة، مثلاً: في السواقة، أي في الأوقات أو الظروف والأوضاع التي لا يستطيع فيها الشخص أن يقرأ.
ويمكن أن يسمع عند الاسترخاء، مثل ما فعل جد شيخ الإسلام ابن تيمية، إذا دخل الخلاء أمر قارئاً أن يرفع صوته ليسمع ويستفيد، أفضل من أن يغتسل الإنسان نصف ساعة، ويجلس فارغاً، ممكن يفعل هذا، يسمع الشريط، لكن أن نقلع عن الكتاب ونرغب عنه بالأشرطة فقط، فهذا خطأ كبير جداً، حتى الفهارس التي صدرت فإنك تجد مع إيجابيتها الكبيرة إلا أنها قتلت روح البحث عند الناس، فالباحث يرجع إلى المسالة ولا يمر على أي مسألة أخرى، قد يكون بدون الفهرس سيمر عليها.
стр. 4764
متابعة المسلسلات والبرامج
وكذلك من الأمور التافهة التي شغل بها الناس: متابعة المسلسلات والبرامج في الشاشة الصغيرة -مثلاً- أو هذه الأفلام في الفيديو ونحو ذلك، هذه قتلت القراءة عند الناس قتلاً، وذبحت القراءة ذبحاً، لأن الناس انشغلوا تماماً بهذه الأشياء، كم ساعة يجلسون أمام الشاشة؟! وبعد ذلك يقول: ما عندي وقت أقرأ! طبعاً صور ملونة وأحداث وأشياء تتحرك، من أين له أن ينجذب إلى الكتاب، مع أنه ماذا يستفيد من النظر والمتابعة؟ تقريباً لا شيء.
ونستطيع أن نشجع الناس على القراءة بأمور كثيرة، مثلاً: معارض الكتاب لها دور، الغرب عندهم أسبوع الكتاب، ونادي الكتاب، واتحاد القراء وأشياء كثيرة، لكن نحن نستطيع إقامة معارض الكتاب والإعلان عن الكتب في الوسائل المختلفة، إقامة محاضرات عن القراءة، وفقرات منهجية في المدارس والجامعات، وحصص خاصة بالقراءة الحرة إذا أمكن، وإنشاء مكتبة في البيت، وتكون هناك مسابقات للقراءة، الشاهد: هناك وسائل يمكن أن نشجع عامة الناس على القراءة من خلالها.
стр. 4765
شرود الذهن أثناء القراءة وعدم التركيز
نأتي الآن -أيها الإخوة- إلى مسألة شرود الذهن أثناء القراءة ومشكلة عدم التركيز، وهذه المشكلة فعلاً تسبب نفور الناس من القراءة وشعورهم بأنهم لا يستفيدون شيئاً، وكثيراً ما تلاحظ على نفسك أنك وأنت تقرأ قد ختمت الصفحة دون أن تفهم شيئاً، لأن العين هي التي تشتغل ولكن القلب لاهٍ.
هناك نوعان من الشرود: شرود النظر والفكر معاً، وشرود الفكر فقط، أنت أحياناً قد تقرأ كما ذكرنا والعين تعمل والقلب لا يعمل، فهذا شرود الفكر وشرود القلب: النظر موجود لكن القلب لا يوجد، لاتوجد متابعة، وأحياناً تجد نفسك وأنت تقرأ قد نظرت في شيء وجلست تبحلق فيه فترة من الزمن، أو وضعت يدك على خدك وجلست تسرح في موضوع، أو ترى نظرك في جهة والكتاب في جهة، وقد ذهبت في وادٍ آخر أثناء القراءة، هذا الشيء طبيعي بالنسبة للشخص الذي يريد أن يتعود على القراءة في البداية، والناس كل واحد فيهم تقريباً لا بد أن يشرد، لكن المشكلة والقضية أنهم يختلفون في الشرود، فمنهم من يطول شروده ومنهم من يقصر، ومنهم من تخطر له خاطرة أو خاطرتان ومنهم من تخطر له عدة خواطر.
следующие страницы →