← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

كون الكتاب مكتوباً بلغة عربية قوية ومن أسباب النفرة بين القارئ والكتاب: صعوبة اللغة، أن يكون مكتوباً بلغة عربية قوية، أو تكون الكلمات غير معتادة الاستعمال في وسط الشخص القارئ، ولذلك من الممكن التغلب على مثل هذا بأن يكون لدى القارئ المسلم -مثلاً- قاموساً مختصراً جداً مثل: مختار الصحاح، وهو كتاب يمكن أن يوضع في الجيب، فتجده كل كلمة ومعناها، أو القاموس المحيط، وإذا مرت عليه كلمات في الأحاديث غريبة فعنده كتاب: النهاية في غريب الأثر والحديث يستطيع به أن يفك رمز هذه الكلمة التي لا يعرف معناها. فإذاً هناك كتب بسيطة يمكن أن يحتفظ بها القارئ، بجانبه تساعده أثناء القراءة، وهو سيلاقي صعوبة في البداية، لكن بعد فترة سيتعود، والكلمة الصعبة الآن إذا عرفت معناها في المستقبل لن تحتاج أن تنظر في معناها مرة أخرى أليس كذلك؟ وستتقوى الملكة اللغوية تدريجياً مع كثرة القراءة، ونعود فنقول: إن تعلم قواعد اللغة العربية، شيء ضروري، فمعرفة الفاعل من المفعول، يؤثر كثيراً عند القراءة، ومعرفة المضاف من المضاف إليه يؤثر كذلك، المبتدأ والخبر، الشرط، فعل الشرط وجواب الشرط، تقديم ما من شأنه التأخير، ماذا يعني في لغة العرب، وهكذا. وإذا لم يفهم القارئ شيئاً في البداية، فليس من الضروري أنه يقف حتى يفهم، بل يتجاوز الآن ويكمل حتى يسهل عليه الأمر في المستقبل.

стр. 4762

كثرة الملل لدى القارئ ومن الأمور التي تنفر الناس عن القراءة: الملل، أنه يقرأ نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين وبعد ذلك يمل، فماذا يفعل؟ يستريح بين فترة وأخرى، يريح عينيه، يقوم يتحرك، حركة بسيطة، ثم يرجع إلى القراءة، ومن الأساليب أيضاً أن يغير الكتاب الذي يقرأ فيه، أو يغير نوعية العلم الذي يقرأ فيه، كما ذكر عن ابن عباس رضي عنه أنه كان إذا مل قال: هاتوا ديوان الشعراء، وأيضاً الشعر مفيد، يفهم لغة العرب، تقوى سليقته، وكان محمد بن الحسن ﵀ قليل النوم في الليل، وكان يضع عنده الدفاتر، فإذا مل من نوع ينظر في نوع آخر، وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء كلما نعس. من الأمور التي تشد أو تحبب القراءة للشخص أن يحس بالمردود، وإذا كان المردود سريعاً، كان تحبيب القراءة أو حبه للقراءة أكثر، فمثلاً: لو أن الإنسان قرأ مسألة فقهية، ثم تعرض لها، فإنه يستأنس جداً لأنه يعرف الجواب، مثلاً: لو قرأت عن الحج ثم ذهبت إلى الحج سيكون إحساسك بفائدة القراءة كبيراً، لو قرأت كتاباً في صفة الوضوء، أو صفة الصلاة، وأنت تطبق ذلك يومياً، ستشعر بحب للقراءة، لأن الثمرة مرئية ومشاهدة وسريعة. ومن الأمور أيضاً أن يقيد الإنسان الفوائد الجميلة، اللآلئ التي يقرؤها، وليس كل ما يقرأ يشد انتباهه، وليس كل ما يقرأ يقع في نفسه موقعاً جميلاً، فلو أن القارئ يدون الأشياء الجميلة التي يقرؤها، الأحداث المؤثرة، فإنه بعد فترة ستتجمع عنده أشياء، لو فهرسها، ستخرج في كتيب جميل، إذا قرأه استأنس لأن عنده فواكه عذبة مما قرأه، وكثير من العلماء لهم مصنفات، هي عبارة عن فوائد، حصلت لهم أثناء البحث والقراءة، انظر إلى كتاب: بدائع الفوائد لـ ابن القيم ﵀ مثلاًُ، يتحدث الناس بأحسن ما يحفظون، ويحفظون أحسن ما يكتبون، وأحياناً يحب الإنسان القراءة أكثر لأنه يعيد القراءة فيستفيد من إعادة القراءة معاني جديدة، لم يكن قد عرفها من قبل، وبالذات الذين يتدبرون القرآن الكريم، فإن هذا القرآن لا يشبع منه العلماء، كلما قرأت بتدبر وجدت معاني جديدة، وكذلك عندما تقرأ في كتب العلم وتعيد الكتاب مرة أخرى، تثبت ما كنت حفظته، وتحفظ شيئاً جديداً وتفهم شيئاً جديداً، وهذا يحببك في القراءة بزيادة. عندما نقول: أن من الأشياء التي تنفر القارئ من الكتاب أنه يمر بأشياء لا يفهمها، يجب أن يكون للقارئ موقف مهم جداً في هذا المكان وهو: ما جاءنا من سنة علمائنا أنهم كانوا إذا استغلقت عليهم المسألة، أو مر بهم الأمر الصعب أثناء القراءة، كانوا يلجئون إلى الله، ويتضرعون إليه ويسألونه أن يفتح عليهم سر هذه المسألة، مثلما كان يقول شيخ الإسلام ﵀ مناشداً ربه: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني، لأن الله قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء:٧٩]. وهذه المناشدة لله هي التي تفتح عليك هذا الذي استغلق من المسألة أو الكلمة أو العبارة الصعبة في الكتاب، لكن بعض الناس مع الأسف ليست عندهم هذه الروح، أو هذه النفسية، التوجه إلى الله إذا استصعب عليه شيء في القراءة، ومن الأشياء التي تحبب الإنسان إلى الكتاب: الاعتناء بالكتاب، وكان علماؤنا ﵏ يعتنون بكتبهم اعتناء شديداً، فكانوا يقولون مثلاً: لا تجعل كتابك بوقاً ولا صندوقاً، بعض الناس يأتي بكتاب ويلفه على شكل دائرة، ويمسكه بيده فيكون كالبوق، وهذا ملاحظ في طريقة الحمل، يلف الكتاب ويحمله بيده، أو يجعله صندوقاً، يضع فيه الأوراق والأقلام والدفاتر، وينتفخ الكتاب ويتشقق بفعل هذه الأشياء التي تكون داخله، فتجد كل شيء في الكتاب، وذكروا في صفة القراءة قالوا: لا يفرشه، بعض الناس لما يأتي بكتاب يفتح الكتاب ثم يدعكه بيده بشدة حتى يفتحه، فالكتاب يتفلت، وتتفلت الأوراق، هذا الخيط الذي يمسك الأوراق والملازم يتفلت، والصمغ يتفكك، لا يفرشه لكي لا يتقطع حبله بسرعة، ولا يوضع على الأرض مباشرة. إذا جاء يرص الكتب في الخزانة أو في الدولاب أو في الرفوف، لا يضعه على الأرض مباشرة وإنما فوق خشبة، لئلا يبتل، وإذا وضع على خشب وضع فوقها جلداً، وتحتها جلداً إذا لم يكن هناك عازل، أو بينه وبين الحائط يضع جلداً، ويراعي في وضعها أن يكون أعلاها هو أشرفها، ثم يراعي التدريج: القرآن ثم الحديث ثم شرح الحديث، ثم العقيدة، فالفقه فالنحو فأشعار العرب، حتى الكتب لها ترتيب، فإن استوى كتابان في فن معين، صاروا مثل بعض، جعل أعلاهما أكثرهما قرآناً أو حديثاً، فإن استويا فبجلالة المصنف، فإن استويا فأقدمهما كتابة، فإن استويا فأكثرهما وقوعاً في أيدي الصالحين والعلماء، أي: الكتاب الأكثر استخداماً، فإن استويا فأصحهما، وهكذا. وحفظ الكتاب يشرح الصدر، عندما ترى كتابك جميلاً جيداً، يفتح نفسك للقراءة، بعض الناس يضعون كتبهم على الرفوف بشكل مائل، ماذا يحدث للكتاب، تختلف الصفحات، ولا بد من الاعتناء بتجليدها وتلصيق ما تمزق منها، ولا يرمي الكتاب، بعض الناس إذا أراد أن يناول أحداً كتاباً رمى له بالكتاب، وهذا يساعد في تشققه وتلفه، بل يناوله مناولة، ولا يكتب عليه بأقلام لا تمحى، إلا الأشياء المهمة، طبعاً الإنسان عندما يشتري ينتقي الطبعات النظيفة، والأوراق التي يسهل القراءة فيها، والحرف ترى له أهمية في القراءة، فعندما يكون صغيراً جداً يتعب في القراءة، لذلك بعض السلف قال: لا تقرمط، فتندم وتشتم، لا تقرمط أي: لا تكتب بحروف صغيرة جداً، فإذا احتفظت فيها ثم كبرت وصار بصرك ضعيفاً تندم في المستقبل، لأنك ما تقرأ بسهولة، وإذا ورثتها لغيرك مثل المخطوطات التي كانت تورث؛ تشتم، ويقال: فلان هذا كاتب الخط، هذا الذي ما يقرأ. وكذلك لا يبقي الكتاب مفتوحاً لفترة طويلة، أو مقلوباً بعدما يفتح لفترة طويلة، ولا يضع ذوات القطع الكبيرة فوق ذوات القطع الصغيرة لئلا تسقط، ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس، أي يضع فيه أشياء: كراريس أو مخدة، فبعض الناس ينام عليها، أو يجعله مروحة، أو مكبساً يكبس به، ولا مسنداً ولا متكأً ولا مقتلة للبعوض، ولا يطوي حاشية الورق. بعض الناس إذا أراد أن يعلم المكان الذي وقف عليه، طوى الصفحة، ثم يطوي صفحة ثانية، وكان العلماء يكتبون: بلغ، حتى يعرف أين وصل، ونحن الآن نطوي الأوراق، وإذا أراد الإنسان أن يضع علامة يضع ورقة رقيقة في المحل الذي وصل إليه، ولا يُعلِّم بعود أو شيء جاف، وحتى طريقة قلب الصفحات، بعض الناس يقلب بعصبية كأنه يريد أن ينتقم من الصفحة، مع أنه يمكن أن يقلب بكل تؤدة وسهولة ويحافظ على صفحات الكتاب، ويتفقده عند الشراء، حذراً من المسح أو النقص أو عكس الملازم وقلبها، وهذا يلاحظ كثيراً في الكتب، ويعيرها لمن يأتمنه عليها، حتى لا تضيع، ولا يجوز له أن يحبس الكتاب المعار عنده، المستعير إذا استعار كتاباً لا يحبسه، ولا يحشيه ويكتب في بياضه إلا إذا علم رضا صاحبه، إذا علمت أن صاحبه يرضى أنك تكتب اكتب وإلا لا تكتب، ولا بد من الاهتمام بالكتب ذات علامات الترقيم الجيدة، فواصل ونقط، ويبدأ فقرة جديدة من أول السطر. وكذلك إذا حصل على كتب فيها تقسيمات وتفريعات في أشكال توضيحية تساعد في فهم الفكرة، مثل: كتابة الجداول الجامعة للعلوم النافعة، فيكون هذا جيداً.

стр. 4763

اقتناء الأشرطة وسماعها بدلاً عن الكتب ومن الأشياء التي صرفت الناس عن القراءة أيها الإخوة: الأشرطة، وهذا حق، ونحن لا نقول: يجب أن نلغي الأشرطة، لا، ولكن نقول: لا بد أن يكون المسلم عنده توازن، بين سماع الأشرطة وقراءة الكتب، لأن بعض الناس اهتموا بالأشرطة فأصبحوا لا يقرءون شيئاً، كل شيء بالأشرطة، مع أن هناك فروقاً كبيرة، فمثلاً الأشرطة لا يمكن أن تستخدم مراجع، وإذا أردت أن تبحث عن شيء في الأشرطة فمن الصعب أن تجده بخلاف الكتاب، وهذه الأشرطة تقتل روح البحث العلمي عند من يسمع الأشرطة ولا يقرأ الكتب والأشرطة لها مجالات معينة، مثلاً: في السواقة، أي في الأوقات أو الظروف والأوضاع التي لا يستطيع فيها الشخص أن يقرأ. ويمكن أن يسمع عند الاسترخاء، مثل ما فعل جد شيخ الإسلام ابن تيمية، إذا دخل الخلاء أمر قارئاً أن يرفع صوته ليسمع ويستفيد، أفضل من أن يغتسل الإنسان نصف ساعة، ويجلس فارغاً، ممكن يفعل هذا، يسمع الشريط، لكن أن نقلع عن الكتاب ونرغب عنه بالأشرطة فقط، فهذا خطأ كبير جداً، حتى الفهارس التي صدرت فإنك تجد مع إيجابيتها الكبيرة إلا أنها قتلت روح البحث عند الناس، فالباحث يرجع إلى المسالة ولا يمر على أي مسألة أخرى، قد يكون بدون الفهرس سيمر عليها.

стр. 4764

متابعة المسلسلات والبرامج وكذلك من الأمور التافهة التي شغل بها الناس: متابعة المسلسلات والبرامج في الشاشة الصغيرة -مثلاً- أو هذه الأفلام في الفيديو ونحو ذلك، هذه قتلت القراءة عند الناس قتلاً، وذبحت القراءة ذبحاً، لأن الناس انشغلوا تماماً بهذه الأشياء، كم ساعة يجلسون أمام الشاشة؟! وبعد ذلك يقول: ما عندي وقت أقرأ! طبعاً صور ملونة وأحداث وأشياء تتحرك، من أين له أن ينجذب إلى الكتاب، مع أنه ماذا يستفيد من النظر والمتابعة؟ تقريباً لا شيء. ونستطيع أن نشجع الناس على القراءة بأمور كثيرة، مثلاً: معارض الكتاب لها دور، الغرب عندهم أسبوع الكتاب، ونادي الكتاب، واتحاد القراء وأشياء كثيرة، لكن نحن نستطيع إقامة معارض الكتاب والإعلان عن الكتب في الوسائل المختلفة، إقامة محاضرات عن القراءة، وفقرات منهجية في المدارس والجامعات، وحصص خاصة بالقراءة الحرة إذا أمكن، وإنشاء مكتبة في البيت، وتكون هناك مسابقات للقراءة، الشاهد: هناك وسائل يمكن أن نشجع عامة الناس على القراءة من خلالها.

стр. 4765

شرود الذهن أثناء القراءة وعدم التركيز نأتي الآن -أيها الإخوة- إلى مسألة شرود الذهن أثناء القراءة ومشكلة عدم التركيز، وهذه المشكلة فعلاً تسبب نفور الناس من القراءة وشعورهم بأنهم لا يستفيدون شيئاً، وكثيراً ما تلاحظ على نفسك أنك وأنت تقرأ قد ختمت الصفحة دون أن تفهم شيئاً، لأن العين هي التي تشتغل ولكن القلب لاهٍ. هناك نوعان من الشرود: شرود النظر والفكر معاً، وشرود الفكر فقط، أنت أحياناً قد تقرأ كما ذكرنا والعين تعمل والقلب لا يعمل، فهذا شرود الفكر وشرود القلب: النظر موجود لكن القلب لا يوجد، لاتوجد متابعة، وأحياناً تجد نفسك وأنت تقرأ قد نظرت في شيء وجلست تبحلق فيه فترة من الزمن، أو وضعت يدك على خدك وجلست تسرح في موضوع، أو ترى نظرك في جهة والكتاب في جهة، وقد ذهبت في وادٍ آخر أثناء القراءة، هذا الشيء طبيعي بالنسبة للشخص الذي يريد أن يتعود على القراءة في البداية، والناس كل واحد فيهم تقريباً لا بد أن يشرد، لكن المشكلة والقضية أنهم يختلفون في الشرود، فمنهم من يطول شروده ومنهم من يقصر، ومنهم من تخطر له خاطرة أو خاطرتان ومنهم من تخطر له عدة خواطر.

стр. 4766

أمور تساعد على التركيز

стр. 4767

المجاهدة والصبر وعدم الانشغال بالمؤثرات الخارجية هذه المسألة أكبر حلٍ لها هو المجاهدة، مجاهدة النفس عند قدوم الخواطر الطارئة، وعندما يقفز النظر بين السطور وينهي الصفحة والصفحتين، وإذا توقفت فجأة وجدت نفسك لم تستوعب شيئاً، لا بد أن تراجع طريقتك في القراءة، التجاوب مع القراءة من أكبر الأسباب التي تؤدي للتركيز، ولذلك -مثلاً- إذا نظرت إلى قراءته ﷺ للقرآن وجدت فيها أمراً عجيباً، فمثلاً: كان إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية عذاب استعاذ، وإذا مر بآية نعيم سأل الله، ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]. قال: بلى، إذا مر بآية فيها سجدة سجد، ما معنى هذا؟ التفاعل مع القراءة، التفكر في الأشياء التي تقرأ، بعض الناس إذا نظرت إليه وهو يقرأ تجد في قسمات وجهه أنه أحياناً يعبس، وأحياناً تجده ينبسط، وأحياناً تجده يبتسم، وأحياناً تجده مستغرباً، وأحياناً تجده مندهشاً، وأحياناً تكون أنت جالساً في حجرة شخص يقرأ في سكون وفجأة تسمعه يقهقه، ماذا حصل؟ قرأ شيئاً مضحكاً، فهذه العلامات على الوجه أثناء القراءة تدل على أن الشخص متابع لما يقرأ، التركيز لا يأتي من أول وهلة، ولا يأتي بسهولة جداً لا بد له من تمرن مستمر، وصبر وعدم استجابة للمؤثرات الخارجية، وإذا استطاع القارئ بالمجاهدة أن يرد عقله مرة بعد أخرى إلى الموضوع فإن الخواطر الطارئة لا تلبث أن تعود من حيث أتت وبتكرار ذلك يصبح تركيز الذهن من الأمور المألوفة، فالقضية قضية صبر ومجاهدة. العين -أيها الإخوة- ترى رسم الحروف لكن لا تفهمك معنى الكلام، وإنما القلب هو الذي يفهمك المعنى، وعن طريق التدبر تلتذ القراءة، هناك أمر وهو: إذا لاحظنا القراء الآن نجد أنهم يختلفون، فمنهم قارئ سماعي، لا يقرأ إلا برفع الصوت، يوجد أناس لا يعرف يقرأ أبداً ولا يفهم ولا يستوعب إلا إذا رفع صوته، ولذلك يصير مزعجاً بالنسبة لشخص آخر. هناك قارئ آلي، يحرك شفتيه لكن بدون صوت، تجده يقرأ بالشفتين، وهناك قارئ بصري لا يقول شيئاً ولا يسمع شيئاً، لكن فقط ينظر ويفكر، لا تسمع صوتاً ولا ترى حركة، وإنما يتابع ببصره وقلبه، بعض الناس المفكرين يقولون: إن الأخير هو أجود الأنواع لأنه يركز تركيزاً شديداً جداً، بحيث أنه لا يحتاج إلى أشياء أخرى تنبهه وتجعله يعيش داخل الموضوع، ولكن الناس يتفاوتون، وممكن شخص لا يستوعب إلا برفع الصوت، وممكن شخص لا يستوعب إلا بتحريك الشفتين، وممكن شخص لا يركز إلا بالنظر مع استعمال الفكر والقلب، فالناس يتفاوتون، كل واحد يرتاح بطريقة معينة. وكذلك الأشياء نفسها المقروءة تختلف فمثلاً: ذكر بعض أهل العلم قال: ينبغي للدارس أن يرفع صوته في درسه حتى يسمع نفسه فإن ما سمعته الأذن رسخ في القلب، ولهذا كان الإنسان أوعى لما يسمعه منه لما يقرؤه، وإذا كان المدروس مما يفسح طريق الفصاحة يكون رفع الصوت به مهماً، مثل قراءة الشعر، قراءة الأشياء التي تحسن الأسلوب، التي تحسن النطق، التي تجلب الفصاحة، هذه رفع الصوت بها مهم، ويقول أحد أهل العلم وحكي لي عن بعض المشايخ أنه قال: رأيت في بعض قرى النبط فتى فصيح اللهجة حسن البيان، فسألته عن سبب فصاحته مع لكنة أهل جلدته فقال: كنت أعمد في كل يوم إلى خمسين ورقة من كتاب الجاحظ -والجاحظ من المعتزلة ضال في العقيدة، لكن له كتب جيدة في أسلوب الفصاحة، مثل كتاب البيان والتبيين - فأرفع بها صوتي فما مر بي إلا زمان قصير حتى صرت إلى ما ترى، لذلك رفع الصوت كأن يسمع القارئ نفسه القرآن من الأمور التي تجعله فصيحاً جداً. أيها الإخوة: من الأمور السيئة أنه وجد مطرب مغني ينصح الشباب الذين يريدون الإقبال على الغناء، فيقول لهم: وصية: أنصحكم بدراسة التجويد، لأنه يساعدكم على أداء الأغنية بكفاءة عالية، فالتجويد فيه علم مخارج الحروف، والتفخيم والترقيق، أي أشياء كثيرة، لكن انظر السفيه يريد أن يستغل التجويد في الغناء.

стр. 4768

استخدام القلم أثناء القراءة من الأمور المهمة التي تساعد على التركيز استخدام القلم أثناء القراءة، وهذه وصية مهمة نافعة إن شاء الله لك أيها الأخ المسلم، استخدم القلم أثناء القراءة، إن كثرة التعليقات التي تكون موجودة على كتابك دالة على تركيزك وتفاعلك مع القراءة، واستعمال القلم عند القراءة لشد الانتباه والتعبير عن الموقف المقروء أو الاستيعاب يدل على الاستيعاب أصلاً، إذا قرأت ورأيت أنك ملأت الصفحة بالكتابة فاعلم بأنك ناجح في الاستيعاب، وربط الجمل والأفكار، الكتابة على الهوامش، هامش الكتاب سواء كان الأعلى أو الجانبي أو الأسفل، ينبغي أن تكون التعليقات كأنها حوار بينك وبين الكاتب، وليس المقصود ما يفعله بعض القراء، وبعض الناس الذين يقرءون من خرابيش، تفتح الكتاب تجد سيارة، طيارة، مثلثاً، دوائر، مكعبات، وأشكالاً، ورسوماً سريانيه، ونحو ذلك، لا، المقصود باستخدام القلم مثلاً: وضع خط تحت النقط الأساسية والأفكار الهامة، وضع خطوط رأسية في الهامش للإشارة إلى أهمية الفكرة. أحد الشباب كان في المذاكرة أيام الجامعة، يذاكر وكان الكتاب ضخماً فيه ما هب ودب، فكان يستخدم الألوان، اللون الأصفر للأشياء المهمة جداً، قانون يجب حفظه، الشيء الأزرق أقل أهمية، الشيء الأحمر أقل شيء، ويترك الباقي بياضاً أو يرقمه، فيجعل للشيء المهم جداً رقم واحد، وللمتوسط رقم اثنين، وما يمكن تأجيله في المذاكرة رقم ثلاثة، فإذا وجد وقتاً قرأه وإلا تركه. فهذه أشياء مهمة نافعة جداً في التحصيل، وكذلك وضع الأرقام بالإشارة إلى أهم النقاط، ترقيم الأشياء، وقد تجد بعض الكتب ليس فيها شيء مرقم، فإذا رقمته فإنك تحس بنوع من التركيز أكثر، والإشارة إلى أرقام الصفحات التي ذكرت فيها النقاط لها علاقة بهذه النقطة، وهذا يدل على أنك مستوعب، ولذلك يقول -مثلاً-: انظر صفحة كذا تقدم الكلام عن هذا الموضوع في صفحة كذا، فمعنى ذلك أنك متابع وأنك تربط بين هذه الفكرة والفكرة التي سبقت، وأيضاً: القيام بكتابة أسئلة، فأحياناً الشخص يكتب سؤالاً على أساس أنه يقول: سأسأل عنه العالم كذا، أو يذكر نقطة فيكتب سؤالاً: هل يدخل فيها كذا، أو تبسيط الفكرة في الهامش، أنت إذا نظرت إلى كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم طبعة الشيخ: محمد حامد الفقي ﵀، ماذا تلاحظ في هذا الكتاب؟ فيه عناوين جانبية كثيرة جداً، في كل مقطع عنوان جانبي، وذلك لأن الأولين كانت كتبهم عبارة عن فصل ويسرد لك فيه عشرين صفحة، ثم فصل ويسرد فيه خمسين صفحة، يعني ذهن سيال ما شاء الله! حفظة، الناس الآن بدءوا يكتبون بهذا التفصيل وهذا التنقيط، وهذا الترقيم الموجود، فأنت إذا قرأت في كتب الأقدمين استخدم هذه الوسائل، العناوين الجانبية مثلاً: اكتب موضوعاً لكل فقرة ستلاحظ أول شيء التعريف اللغوي، ثانياً: التعريف الشرعي، اكتب: التعريف الشرعي، ثالثاً: الأدلة، رابعاً: أقوال العلماء، خامساً: القول الراجح، حاول أن تكتب في الهامش العنوان الذي يدلك ماذا يوجد في هذه الفقرة، وإذا كنت لا تحب أن تكتب في كتابك أو لم يكن الكتاب كتاباً لك، استعرته مثلاً، خذ ورقة خارجية ودون فيها الملخص، وإذا كنت لا تحب الكتابة حتى في كتابك أنت، خذ ورقة ودون فيها الأشياء، تكون مناسبة لمقاس الكتاب ثم ألصقها في الغلاف من الأخير أو من الأول، وبعض الناس يقول: يا أخي! الكتاب يضيع الوقت، أنا كل شيء أكتبه هذا معناه أن أجلس في الكتاب أسبوعاً، نقول: اجلس أسبوعاً واستفد أحسن من أن تكمله في ساعتين ولا تستفيد. حاول أن تجعل كتابك ثرياً، كيف؟ بعض الناس يثرون كتبهم، يصير الكتاب عنده يساوي أضعاف أضعاف قيمته في المكتبة، وليس عنده استعداد أن يعطيه لأحد لأنه يخشى عليه، لأن الكتاب صار ثميناً، كيف صار ذلك؟ مثلاً: إذا مر على قول ذكره الكاتب قال -مثلاً- للعلماء أقوال أخرى، ونقل من كتب أخرى الأقوال في الهامش، حديث مر عليه ذهب إلى كتب التصحيح والتضعيف وخرج الحديث وبين صحته: صحيح، انظر صحيح الجامع رقم كذا، تلخيص الحبير رقم كذا، وهكذا، ينقل درجة الحديث، أو يكتب نقداً لفكرة خاطئة، يقول: وهم الكاتب هنا، والصحيح كذا، لأن فلاناً يقول من العلماء كذا ونحو ذلك. أو يصوب الخطأ المطبعي فيضع إشارة بالقلم الرصاص، ويكتب فوق الكلمة: الصحيح كذا، ولكن لا تستعجل؛ لأن الشخص أحياناً يظن ما ليس بخطأ خطأً فيصحح، وتصحيحه خطأ، والموجود في الكتاب هو الصحيح، مثلاً: قرأ تذهيب التهذيب وهناك كتاب: تذهيب التهذيب قال: تذهيب التهذيب ما سمعت به ولكن المعروف: تهذيب التهذيب، فشطب على تذهيب وكتب فوقها: تهذيب، مع أن هناك كتاباً اسمه: تذهيب التهذيب، لكنه لا يدري، ومثلاً: قال الباوردي، يقول: من هذا الباوردي؟ لا، البارودي هذا المعروف، فيشطب على الباوردي وكتب: البارودي، مع أن هناك عالماً معروفاً اسمه: الباوردي وهكذا، فلا تستعجل بالتصحيح، وليكن بقلم رفيع وخط دقيق، يوضع فوق الكلمة، وبعض الناس يحك حتى إنه يخرق الورقة، ومن المفيد عند انتهائك من قراءة الكتاب أن تكتب مذكرة على جلدة لكتاب، عبارة عن تقويم عام، أو اختصار للكتاب يحوي ما تضمنه من أفكار والملاحظات عليه سواء ما يتعلق بالشكل والمضمون أو الأسلوب، المربي والداعية الذي يعلم الناس يهمه جداً هذا الكلام، لأنه يعرف من خلال هذا التقويم من يصلح أن يهدى إليه هذا الكتاب ومن يصلح أن يقرؤه. وإذا أردت أن تلخص كتاباً فلا بد أن تعرف فن التلخيص، والتلخيص له فن لا بد من الاستيعاب والفهم أولاً، ثم تقدر حجم التلخيص ثانياً، ثم تتحرر من عبارات الكاتب الأصلي إلا إذا كانت مهمة جداً، وتصيغها بكلماتك أنت وعباراتك، والتلخيص قدرات عند البشر، لذلك بعض الطلاب عندما يقول المدرس: لخص لي الكتاب الفلاني، تجدهم يأخذون من هنا سطرين ومن هنا سطرين، وهنا سطرين، فتجده ينقل نقلاً، ثم يخرج في النهاية كلام ليس بينه ترابط على الإطلاق، لأنه استعمل عبارات المؤلف، فلابد من صياغته صياغة كاملة تامة مترابطة.

стр. 4769

تلمس الأوضاع المريحة عند القراءة وكذلك من الأمور التي تساعد على التركيز أثناء القراءة: تلمس الأوضاع المريحة عند القراءة، ولا بد أن يحاول الإنسان أن يكون مرتاحاً، ولا شك أن القراءة التي بعد النوم والراحة أفضل من القراءة في حال النعاس، وإذا كان الإنسان يحتاج نظارة يقيس له نظارة، القراءة في ضوء النهار أفضل من القراءة في الضوء الاصطناعي، وكذلك القراءة في النور الكافي، أما النور الخافت جداً فإنه يتعب البصر، مثلاً: يكون وضع الضوء بحيث لا يلقي ظلاً على الكتاب، أو انعكاساً على صفحاته فيرتد على العين فتؤذيك، ويستحسن أن يمسك الكتاب بحيث أن الضوء يقع عليه بشكل متساوٍ، والنصيحة العامة في طريقة مسك الكتاب التي ذكرها بعض أهل الخبرة في هذا المجال أن يكون الظهر مستقيماً، لا هو منحني ولا هو راجع للخلف، والكتاب في مستوى وسط الجسم مرفوعاً بزاوية خمس وأربعين درجة تقريباً، والرأس مائل إلى الأمام قليلاً، بحيث تكون المسافة بينك وبين الكتاب ثلاثين (سم) تقريباً، فهذا وضع ذكره أهل الخبرة أنه وضع مثالي، لكن لا يعني أنك لا بد أن تقرأ على هذا الوضع وإذا لم تستطع لا تقرأ، لا، علماؤنا كانوا يقرءون في ضوء القمر ﵏، كانوا يقرءون على ضوء السراج والشمعة، ويقرءون وهم في حالة الجلوس ويقرءون في القيام، ويقرءون وهم يمشون، ويقرءون وهم مضطجعون، ولكن الإنسان يحرص على أن يلتزم الوضع المريح، حتى يستطيع أن يستمر فترة أطول، لأن بعض الناس يجلس بكيفية خطأ ثم تؤلمه رجله فيترك القراءة، أو تؤلمه رقبته فيترك القراءة، أو تؤلمه عيناه فيترك القراءة، السبب أن طريقته في القراءة غير صحيحة، انظر إلى تصميم المكتبات العامة، تجد أن مكان الجلوس فيه حواجز من اليمين واليسار والأمام معنى ذلك: أن الشخص عندما يقرأ ينبغي أن يكون في مكان هادئ بعيد عن الضجيج والأصوات وبعيد عن المناظر، أي: الصور البراقة، الألوان الزاهية، المناظر المتحركة، الروائح الفائحة، كروائح الطبخ، كذلك عدم تلبية المقاطعات والشواغل أثناء القراءة مثل إجابات جميع الهواتف الهامة وغير الهامة، واستقبال كل طارق على الباب وكل نداء، إلا ما كان مهماً مثل نداء الوالدين فلا بد من إجابتهما. الكفرة يقولون: الموسيقى الهادئة تساعد على القراءة، هم يقولون: أنها تساعد على حلب البقر الهولندي، لكن أنها تساعد على القراءة! لا حول ولا قوة إلا بالله! وبالمناسبة نحن نقول أيضاً: ليس المقصود أنك تستبدل وتفتح القرآن وتقرأ، القضية أن فيها حرجاً، أنك تلهو، أن يصير فقط اللحن وأنت تقرأ في شيء ولا تنصت للقرآن.

стр. 4770

أسباب الخطأ في الفهم أثناء القراءة أما بالنسبة لأسباب الخطأ في الفهم أثناء القراءة، فهي من الأشياء المهمة جداً، ولعلنا نوجزها لكم فيما تبقى من الوقت، لماذا نقرأ ونخطئ في الفهم؟

стр. 4771

عدم فهم المراد من العبارة فقد يكون أحياناً عدم فهم المراد من العبارة، مثلاً: شخص قرأ حديث: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسق بمائه زرع غيره) وعنده بستان وعند جاره بستان، فيمر الماء من بستانه إلى بستان جاره، والحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق بمائه زرع غيره) فيقطع الماء عن الجار، فإذا اشتكى قال: معي حديث وعندما يراجع يعرف أن معنى: لا يسق بمائه زرع غيره، يعني: لا تدخل بامرأة فيها حمل من زوج سابق، ولما يتبين الحمل وتضع حملها، لا بد أن يستبرئ الرحم أولاً، براءة الرحم لا تدخل ماءك على زرع غيرك، وانظروا أين المقصود الصحيح وأين الذي فهمه الرجل.

стр. 4772

أن يكون للكلمة أكثر من معنى أحياناً يكون للكلمة أكثر من معنى، أو لها معنى في اللغة ومعنى في الشرع، فيقرأ الإنسان في كتب الفقه مثلاً: والعقل على كذا، ويظنه عقل الإنسان، لكن في الفقه العقل هو من العاقلة والدية أثناء القتل، وهذا شيء آخر غير العقل الذي هو يفهمه، أو مثلاً: الإسلام، كلمة الإسلام يفهم منها الدين، لكنه يجد في بعض الكتب: ولا يجوز الإسلام في كذا ويجوز الإسلام في كذا وإذا أسلم في خمسة دنانير وكذا فيصح الإسلام، كيف يفهم هذا الكلام؟ المقصود بالإسلام الذي هو بيع السلم، وهو نوع من أنواع البيوع.

стр. 4773

أن تكون عنده خلفية خاطئة أحياناً تكون عنده أفكار خاطئة سابقة، خلفية سابقة خاطئة تجعله يحمل الكلام المقروء على غير الوجه الصحيح بسبب الخلفية الخاطئة، مثلاً: أحياناً المفوض والأشعري يقرأ كلام ابن تيمية يقول: وهذا يؤيد مذهبنا، لأن فكرته خطأ هو، فهو سيحمل كل كلام يقرؤه على هذه الخلفية.

стр. 4774

عدم إكمال القراءة إلى آخرها وبعض الناس من أسباب عدم الفهم أنهم لا يكملون القراءة للأخير، لا بد من إكمال المقروء، بعض الناس يقول: إن اللبيب بالإشارة يفهم، يقرأ ثلاث كلمات والباقي واضح، أكمل العبارة أكمل الفقرة اكمل المقطع، فقد يقرأ شخص أول الآية فيقول: يقصد الآية الفلانية ويترك مع أنه يقصد الآية الأخرى حيث أن فيهما تشابه في البداية، وكثيراً ما نتراجع في معلومات ونتأكد أنا قرأناها بشكل صحيح، ويقول الإنسان: يا أخي! هل أنت متأكد؟ يقول: نعم متأكد أني قرأتها في الكتاب الفلاني، نراجع ونتبين خلاف المقصود. فلا بد -إذاً- من التوثق والمقارنة، كل ما أشكل شيء نرجع إلى الأصل، نرجع إلى الأصل وهكذا، أحياناً تكون صياغة المؤلف قصيرة جداً أو مختصرة، فتحتاج إلى تركيز في القراءة، وهذا شأن علمائنا، وقد يكون الكلام طويلاً متداخلاً يحتاج إلى تحليل، وحذف الأشياء الزائدة، وترتيب العبارات من جديد لتفهم.

стр. 4775

عدم المتابعة والتركيز في قراءة كل الفقرات أحياناً يقول العالم أولاً ثانياً وبعد ذلك يستطرد وبعد عشرين صفحة يقول: ثالثاً فينبغي أن يكون القارئ متابعاً، لا يفقد الخيط، وهذا الخطأ في الفهم يؤدي إلى مشاكل منها: نسبة الكلام إلى غير قائله، ومنها تعميم الخاص، يكون الكاتب يقصد شيئاً معيناً، فيقول: يقصد أي: في كل الحالات الأخرى، أحياناً يفهم شيئاً أنقص مما قصده المؤلف، وأحياناً يفهم خطأً أن هذا هو رأي المؤلف وليس كذلك، بعض الناس من المشاكل التي يقعون فيها يفتح الكتاب من منتصفه ويقرأ، مثلاً: مجموع الفتاوى لـ ابن تيمية، يقرأ من منتصفه كلاماً في العقيدة، يا أخي! هذا غريب مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، لكن مادام أنه ابن تيمية فهو صحيح، ثم يقفل الكتاب، ثم بعد ذلك ينسبه لـ ابن تيمية في المجالس وقال ابن يتمية وبعد المراجعة يتبين أن ابن تيمية ﵀ نقل هذا عن مبتدع من المبتدعة، وهو كلام طويل جداً ثم بدأ يرد عليه، وصاحبنا فتح من منتصف الكتاب، فقرأ كلام المبتدع كله وقبل رد ابن تيمية أقفل الكتاب، ويقول: قال ابن تيمية وهذا يحدث كثيراً، ويظلم العلماء بنسبة كلام إليهم لم يقولوه. من الأشياء التي تساعدك على فهم الكلام إذا قرأت -مثلاً- أدلة المسألة ثم أراد المؤلف أن يذكر الحكم، أغلق الكتاب ثم حاول أن تستنبط ماذا سيقوله الكاتب أو المؤلف أو العالم، حاول أن تفكر في المقدمات وتستنبط النتيجة، ثم افتح وقارن ما فكرت فيه واستنبطته بما كتبه العالم، هذا يساعد على تمرين الذهن للفهم وخصوصاً في المسائل الفقهية.

стр. 4776

الدخول في قراءة الكتاب وترك المقدمة ومن الأمور التي تسبب سوء الفهم أثناء القراءة، الدخول في الكتاب بدون قراءة المقدمة، ويقول: الناس يريدون الزبدة، مع أنه أحياناً جزء كبير من الزبدة موجود في المقدمة، مثال: المصطلحات، أعطيكم مثالاً واحداً: يفتح تقريب التهذيب لـ ابن حجر يقول: فلان من الطبقة التاسعة، مات سنة إحدى وسبعين، ماذا سيفهم؟ مات سنة إحدى وسبعين هجرية، مع أنه إذا رجع إلى مقدمة الكتاب سيجد ابن حجر يقول: وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم، فإن كان من الأولى والثانية -الطبقة الأولى والثانية، وهو عرف الطبقة الأولى والثانية- فهم قبل المائة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة، فهم بعد المائة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات، فهم بعد المائتين، فلما يقول ابن حجر: من التاسعة مات سنة إحدى وسبعين، ما معناها؟ مائتين وإحدى وسبعين، لكنه ما يكرر ويقول: من التاسعة مات سنة مائتين وإحدى وسبعين، فقد ذكر ذلك في البداية، فالذي لا يعرف مصطلح العالم لا يعرف ماذا يقصد بالكلام. مثلاً الرموز: (خ) البخاري، (م) مسلم، (ت) الترمذي، (ن) النسائي، (هـ) ابن ماجة، أحياناً هذه الرموز تختلف من مصنف إلى آخر، بعضهم (ق) متفق عليه، وبعضه يقول: (ق) ابن ماجة مثلاً، أحياناً يختلف من كتاب إلى آخر لنفس المصنف، وعلى أقل الأحوال لو أن الإنسان ما فاته مصطلحات، ستفوته فوائد من عدم قراءة المقدمة، وإن لم يقع في أخطاء، كمثل أنه لا يعرف ما معنى سكوت ابن حجر على حديث في كتاب: تلخيص الحبير، ما معناه؟ إذا أنت ما قرأت المقدمة، وعرفت أن ابن حجر يقول: إذا سكت عنه -ما قلت شيء بعده- أي: أنه حسن، لا يمكن أن تعرف درجة الحديث، خلاص ذكره ابن حجر وما قال شيئاً. وبعض الناس يقولون: ما معنى نا، ثنا، أنا؟ يقول: هذا كل حين يقول: أنا فلان، أنا فلان، يقول: ما شاء الله الرواة يعرفون بأنفسهم! والمقصود أنا، أي: أنبأنا، ثنا: حدثنا، اختصارات. وأحياناً يحتاج القارئ أن يقرأ كتاباً آخر ليعرف طريقة مؤلف أو كتاب، مثل صحيح البخاري، العلماء استقرءوا منهج البخاري ووضعوه في كتب، وبعض كتب الفقه لها مصطلحات مثلاً: مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام لـ ابن عبيدان الحنبلي، هذا إذا قال: اتفقوا يقصد الأئمة الأربعة مثلاً، أحياناً إذا قال: اتفقت يقصد ثلاثة إلا فلاناً، أحياناً إذا قال: اتفقا يقصد فلاناً وفلاناً، ولكن ليس دائماً يقول هذا، فلابد أن تعرف ذلك، وقد ذكر لك الاصطلاح في البداية. ما معنى قول الترمذي حسن صحيح؟ ما معنى قوله: حديث غريب؟ وما هو مصطلح البغوي في المصابيح؟ المنذري في الترغيب والترهيب له مصطلح معين يدل على درجة الحديث، بعض الناس عندهم سطحية تسبب سوء فهم، وبعض الناس عندهم بعد نظر أكثر من اللازم فيتجاوزن العبارة ويحملونها ما لا تحتمل، وهكذا.

стр. 4777

وجود الأخطاء المطبعية الانتباه للأخطاء المطبعية، والأخطاء في التشكيل من الناسخ أو من المطبعة يغير المعنى تماماً ويجعلك تفهم خطأ، أحياناً يقع في السند، أحياناً يقع في الحديث، بعض الناس صحفوا في القرآن، مثلاً: في الجامع لأخلاق الراوي عن محمد بن يونس الكديمي قال: حضرت مجلس مؤمل بن إسماعيل، فقرأ عليه رجل من المجلس: حدثنا سبعة وسبعين، وهذه الكلمات كانت تكتب في ذلك الزمن بغير نقاط، فمثلاً: كلمة (سبعة) ما فيها نقطة عند الباء، ولذلك كانت القراءة هذه لها خبرة، فالسين لها طريقة، والباء لها طريقة، والتاء لها طريقة حتى يدل على أنها تاء، ما كان في تنقيط، التنقيط ظهر فيما بعد، فقال مؤمل: كيف حدثنا سبعة وسبعين، فضحك وقال: الفتى من أين؟ قال: من أهل مصر، فقال: حدثنا شعبة وسفيان، فقرأ كلمة شعبة: سبعة، وسفيان: كانت تكتب من زمان مثل سفين ما كان يكتب الألف، كانت تكتب ألف بسيطة فوق. وعن الفضل بن يوسف الجعفي قال: سمعت رجلاً يقول لـ أبي نعيم: حدثتك أمك عن فلان، وعن فلان، ماذا أمك؟ يقصد راوي اسمه: أمي الصيرفي، فقرأها هذا (أمي) وقال: حدثتني أمي، أعطني الحديث حدثتني أمك عن فلان، فقال: سنينك، سنينك متى كانت أمي تدخل يدها في جرة العسل. وعن أبي العيناء قال: حضرت مجلس بعض المغفلين، فأسند حديثاً قدسياً، فقال: عن رسول الله ﷺ عن جبريل، عن الله، عن رجل، فقال: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله؟! فأخذ الكتاب ففحصه، فوجد أن قوله عن الله عن رجل، فإذا هي: ، لكن عز الزاء صارت من طرفها طويلة قليلاً إلى الأعلى، وكلمة (وجل) صارت فيها الواو راء. وبعضهم كان لا يحلق يوم الجمعة، لماذا؟ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحلق يوم الجمعة، كيف عن الحلق يوم الجمعة؟ حديث: (نهى عن الحِلَق يوم الجمعة) أي: النهي عن تحلق الناس قبل الصلاة، لئلا يقطعوا الصفوف في صلاة الجمعة، وحتى لا يلتهوا ويفوت غرض الخطبة والتهيء النفسي لها بالحلقات والأحاديث. وجاء رجل إلى الليث بن سعد فقال: كيف حدثك نافع عن النبي ﷺ في الذي نشرت في أبيه القصة؟ قال: أعطني حديث الذي نشرت في أبيه القصة، فنظر فإذا هو حديث: (الذي يشرب في آنية الفضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم) فبدَّل يشرب في آنية الفضة: نشرت في أبيه القصة. وبعضهم صحف حديث: (صلى رسول الله ﷺ إلى عنزة) العنزة هي حربة كانت تركز له فيصلي وراءها إذا صار في الخلاء، فقال: (صلى ﵊ إلى عنزة) جاء بعنزة وجعلها سترة، وبعضهم عرف أنها عنزة لكن جاء الخطأ من شيء ثانٍ، هذا الرجل اسمه: محمد بن مثنى العنزي من قبيلة عَنَزَة، قال لهم يوماً: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة قد صلى إلينا النبي ﷺ ، فتوهم أنه صلى إلى قبيلته. وأما التصحيف في القرآن مع الأسف فهو كثير، اجلس بجانب أي واحد من العامة واسمع قراءته لتسمع التكسير والتخبيط في القراءة، شيء عجيب، أحدهم صحف فجعل السقاية في رجل أخيه، وهي في رحل أخيه، قال: في رجله، وهكذا. سمع أعرابي إماماً يقرأ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١] أي: لا تتزوجوا المشركة حتى تؤمن: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة:٢٢١] معنى لا تنكحوا المشركين أي: لا تزوج بنتك أو أختك إلا لواحد مسلم، فالقارئ أخطأ، قال: ولا تَنكِحُوا المشركين حتى يؤمنوا فقال الأعرابي: ولن ننكحهم حتى ولو آمنوا، كيف نكاح الذكر للذكر! والرجل للرجل؟! قبحه الله لا تجعلوه بعدها إماماً فإنه يحل ما حرم الله. وهذا أعرابي جاء من البادية. لذلك -أيها الإخوة- العلماء القدماء كانوا يضبطون، ما هو مثل المطابع الآن بالضمة والفتحة والكسرة، يقول: بفتح المثلثة وكسر المعجمة، ما المثلثة؟ أي: الثاء، المثناة الفوقية: التاء، بالموحدة: الباء أو النون، فيكتبون كتابة: بضم أوله، وفتح ثانيه وهكذا، حتى ما يحصل الخطأ في هذا. ولذلك لا بد من الضبط والانتباه والتركيز والتثبت أثناء القراءة، وقد وصف رجل رجلاً فقال: كان يغلط في علمه من وجوه أربعة: يسمع غير ما يقال له، ويحفظ غير ما يسمع، ويكتب غير ما يحفظ، ويحدث بغير ما يكتب، ما بقي شيء، وإذا كتب لحان عن لحان صار الحديث بالفارسية، إذا جاء شخص يغلط ونقله، وجاء شخص آخر ونقل من نسخة الذي يغلط، وآخر يغلط مثله ضاعف الغلط ثانياً، ولذلك الناس يشتغلون بالمخطوطات، ويهمهم المخطوطة الأصلية، حتى يتجنبوا تحريف النّساخ.

стр. 4778

القراءة طرقها وأنواعها ويأتي شخص يتساءل ويقول: هل نقرأ كل شيء عن شيء معين ونتوسع فيه أم نقرأ بعض الأشياء في كل شيء فنأخذ نتفاً من كل موضوع؟ نقول: كلاهما خطأ، في البداية لا بد أن يكون هناك قاعدة عند الشخص، فلا بد أن يكون عنده قاعدة في كل شيء يحتاجه، قاعدة في التفسير، وقاعدة في العقيدة، وقاعدة في الفقه، وقاعدة في التجويد، وقاعدة في الحديث والمصطلح، وهكذا، ثم يتبحر الإنسان بحسب إقباله على هذا الفن وحاجته له ويتخصص فيه. وأما بالنسبة لسرعة القراءة فقد كان علماؤنا ﵏ يقرءون بسرعة، كان ابن حجر يقرأ قراءة سريعة مركزة، كيف سريعة ومركزة؟ قرأ السنن لـ ابن ماجة في أربعة مجالس، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس، سوى مجلس الختمة في يومين وشيء، وقرأ السنن الكبرى للنسائي في عشرة مجالس كل مجلس نحو أربع ساعات، وأسرع شيء وقع له أنه قرأ في رحلته الشامية، معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا الكتاب مجلد يشتمل على نحو ألف وخمسمائة حديث، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس أربع ساعات، يقرأ على شيخ، حتى قراءة الضبط، فالقراءة أنواع: قراءة دقيقة متأنية، أي: بمعدل مائة وخمسين كلمة إلى ثلاثمائة كلمة تقريباً في الدقيقة، هذه قراءة بدقة متأنية، لماذا؟ مثلاً: شخص يريد أن يرد على كتاب، فلابد أن يقرأ بتؤدة شديدة. فالقراءة السريعة بمعدل ثلاثمائة كلمة إلى ستمائة كلمة في الدقيقة مثل مراجعة الحفظ، قراءة الحدر. قراءة التصفح والاستعراض أي: بواقع تقريباً ألف وخمسمائة كلمة في الدقيقة، كيف ألف وخمسمائة في الدقيقة؟! مثلاً: يقرأ أول جملة من كل مقطع، يقرأ أسطراً معينة حتى يأخذ فكرة عن الكتاب قبل شرائه مثلاً، أو شخص -مثلاً- مسئول مكتبة يريد أن يعرف هل الكتاب جيد أو لا؟ الكتب كثيرة جداً، كيف يفعل؟ فيقرأ من كل صفحة ويأخذ مقاطع. فيتحكم في سرعة القراءة أمور منها: الغرض من القراءة، والخلفية عن الموضوع، بعض الناس يستطيع أن يسرع، وبعض الناس ما يستطيع، لماذا؟ واحد عنده خلفية، وواحد ما عنده خلفية، وهكذا، هناك قراءة إطلاع، مثل واحد يقرأ الجرائد والمجلات فهذه قراءتها ليست مثل قراءة كتب العلم التي تكتسب فيها أشياء جديدة، وحتى قراءة كتب العلم تختلف من فن إلى آخر، فمثلاً: قراءة كتب الفقه ليست مثل أصول الفقه، قراءة كتب التاريخ ليست مثل قراءة كتب العقيدة، ولذلك يجب على الإنسان ألا يتأثر، المبتدئ يقول: والله فلان ينجز كتاباً في ساعتين أنا ما أنجزه إلا بعشر ساعات فتتحطم معنوياته، لا، إذا توسع عدد الكلمات التي يعرفها الشخص فإن قراءته تصبح أسرع، يتحكم في سرعة القراءة، بعض الخبراء يقترح لزيادة سرعة القراءة أشياء، يقول: إذا كانت سرعة القراءة أقل من مائة وخمسين كلمة في الدقيقة، طبعاً أنت اقرأ خمس دقائق ثم عد الكلمات، اقسم على خمسة يطلع سرعتك في الدقيقة كذا، فإذا كان أقل من مائة وخمسين كلمة في الدقيقة معناها أنك بطيء في المواضيع العادية، فيقترح بعض الخبراء، أن تقرأ خمس دقائق لمدة شهر بأسرع ما تستطيع من غير أن تهتم بما فاتك من المعاني، مع مرور الزمن ستلاحظ أنك بدأت تفهم مع السرعة. الحل الثاني: توسيع نطاق النظر، بإقلال زمن الوقت على رسم الكلمة الواحدة، بدل أن تقف هنا، ثم هنا، حاول أن تسرع في الانتقال من كلمة إلى الأخرى، وثالثاً: عدم تحريك الشفة ورفع الصوت وعدم تكرار الكلمة ولو فاتك معناها، فإن الغالب أنك سوف تفهم من سياق الكلام. هناك القراءة الجماعية، القراءة الجماعة مفيدة أحياناً، مثلاً: شيء قد لا تفهمه أنت، وقد يفهمه زميلك، ولذلك لما تكونون مجتمعين وشخص يقرأ والبقية يستمعون، فإن هذا مفيد من هذه الناحية، وبالعكس، قد لا يفهمه زميلك وتفهمه أنت، بالإضافة أنه يشجع بعضهم بعضاً، بالإضافة للفوائد والاقتراحات المفيدة أثناء القراءة، إلى غير ذلك من الأسباب التي تولدها البركة في الاجتماع، لكن هناك شرط مهم جداً جداً في القراءة الجماعية وهو الجدية، لأن كثيراً من الطلاب يجتمعون في المذاكرة فيضيع بعضهم وقت بعض، بالنكت والأضحوكات، والتسالي، وكل واحد يأتي بشيء، فيدور الشاي، وضاع الوقت، فالقراءة الجماعية لها شروط حتى تنجح. وأخيراً: كما يحدث في الجامعات، هناك اثنان في غرفة أو أكثر، عندما تقرأ أنت وزميلك في الغرفة، فلا بد من وضع معاهدة، ولو غير مكتوبة عن أوقات معينة يحترمها الطرفان، لا تنتهك إلا لمرض مفاجئ أو حريق لا سمح الله، وإذا كان جدول الشخصين متفقاً، فإن هذا يسهل، لأن بعض الناس إذا جلس مع شخص في الغرفة فكل منهما يضيع وقت الآخر، وهذا يؤثر على النتيجة الدراسية، فلا بد من احترام أوقات المذاكرة من قبل الطرفين. أيها الإخوة: هذا بعض الأمور في كيفية القراءة، والمسألة جهاد ومجاهدة وجد ومثابرة، وتوفيق من الله ، لتستوعب وتفهم وتحفظ، فإليه الملتجأ وعليه التكلان والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4779

كيف تكون مجالسنا إسلامية؟ [٢] إن المجالس التي يجلس فيها الناس تختلف وتتنوع، فبعضها مجالس دنيوية بحتة ليس فيها أي ذكر لله تعالى، ومجالس فيها معاصٍ ومنكرات ونحو ذلك، فموقف الداعية وطالب العلم من ذلك أن يبادر إلى الإنكار، فإن لم يستطع فليخرج وليفارق ذلك المجلس الذي يعصى الله تعالى فيه، أو يشغل الناس بقراءة كتاب أو تفسير آية وغير ذلك من الأمور.

стр. 4780

أقسام المجالس إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أيها الإخوة! تكلمنا في الأسبوع الماضي عن أنواع المجالس التي يجلس فيها الناس، وتكلمنا أيضاً عن أهمية هذه المجالس وأنها مرآة المجتمع، وأن أفكار الناس وتصوراتهم وآراءهم تطرح في مجالسهم في الغالب، وأن المجالس لها تأثير كبير على عقول الناس، وأن ما يحدث في المجلس ينعكس على داخل الأسرة بشكل مباشر أو غير مباشر، وأن المجلس -أيها الإخوة- فرصة خير لمن أراد الله تعالى به خيراً، ومن أراد الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً، وهو فرصة للازدياد من الشر والسيئات، والوقوع في حبائل الشيطان لمن أغواه عدو الله إبليس وجعله من جنده وأعوانه.

стр. 4781

مجالس دنيوية بحتة ولذلك -أيها الإخوة- ذكرنا في المرة الماضية أن غالب مجالس الناس: إما أن تكون حديثاً دنيوياً بحتاً من أول المجلس إلى آخره ليس فيه ذكر لله تعالى، ولا تسمع فيه آية ولا حديثاً واحداً، وذكرنا بأن هذه المجالس مذمومة، وأن رسول الله ﵊ وصف أهلها الذين لا يذكرون الله تعالى فيها أبداً، ولا يصلون على رسول الله ﷺ بأنهم يتفرقون على مثل جيفة الحمار.

стр. 4782

مجالس منكرات ومعاصٍ والنوع الثاني من المجالس في الغالب مجالس السوء والمعصية التي تمتلئ غيبة وبهتاناً في عباد الله تعالى، وتمتلئ استهزاءً وسخرية بآيات الله وأحكامه وشرعه، وهي كذلك -أيها الإخوة- تمتلئ بالملهيات التي تشغل عن ذكر الله، فمنهم من يقعد يلعب بالورق أو بالألعاب الأخرى حتى يطلع الفجر، أو ينام قبل الفجر بقليل، أو يسهر سهراً طويلاً يضر بحضوره في صلاة الفجر، فتفوته هذه الصلاة بالكلية، لا يصليها في بيته فضلاً عن أن يصليها مع الجماعة في المسجد. وكذلك -أيها الإخوة- فإنك ترى في المجالس من الاشتغال بأحاديث المنكر والاشتغال بالملهيات عن ذكر الله أمراً فظيعاً، أمراً لا تكاد تحتمله عقول المسلمين ولا فطرهم الصافية، إنك ترى الناس كثيراً ما يشتغلون بأحاديث الرياضة، والملهيات، وأخبار الكرة، ويوالون عليها ويعادون فيها، ويتقسم الناس أحزاباً وشيعاً بفعل انقسامهم بحسب ميولهم الرياضية ونحوها. ونحن أيها الإخوة نعلم جميعاً بأن الإسلام حث على تقوية البدن وعلى الاشتغال بما يفيده، ولكن منع أيما منع من الالتهاء بها حتى تكون هم الإنسان الشاغل، وحتى تكون معاداة الناس وموالاتهم على مثل هذه الأشياء التي لا يرضاها الله . وبالجملة: فإن مجالس الناس في هذه الأيام لا يرضى الله عنها لما امتلأت به من أنواع المنكرات والفواحش. ونريد أن نوضح في هذا المقام كيف نجعل من مجالسنا مجالس إسلامية يرضى الله تعالى عنها وعن أهلها، ويثيب الله تعالى القاعدين عليها درجات.

стр. 4783

فلينظر أحدكم من يخالل لا بد يا إخواني! بادئ ذي بدء لا بد لكل واحد فينا يجلس في مجلس، أو يدعو الناس إلى مجلسه، أو يجيب دعوة الناس أن ينظر في حال من يجالس، إن انتقاء الجليس من الأمور الأساسية المهمة، ولذلك أخبر الله تعالى بأن رجلاً من أهل النار قد وقع في سوء العذاب بسبب قرينه: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨] لماذا؟ ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾ [الفرقان:٢٩] لا نريد أن نأتي يوم القيامة -أيها الإخوة- ويتحسر الواحد منا، ويقول يوم لا تنفع الحسرة والندامة: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨] يا ليتني ابتعدت عنه ونبذته، يا ليتني لم أقترب منه ولم أجلس معه لحظة واحدة، لقد كان سبباً في ضلالي وفي وقوعي في حبائل الشيطان، لقد كان يزين لي المنكر ويحثني عليه ويجعلني شريكاً معه في الإثم وعبادة الطاغوت. ومدح الله رجلاً من أهل الجنة، وأخبر أن سبب نجاته أنه تخلص من حبائل صديقه وجليسه وخليله الفاسق أو الكافر في اللحظات الأخيرة، فقال الله تعالى حاكياً عن رجل من أهل الجنة قعد يبحث عن جليسه وصديقه الذي كان يخالله في فترة من الدنيا، فوجده في النهاية: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] اطلع هذا الرجل من الجنة فرأى صاحبه في سواء الجحيم؛ في وسط جهنم: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] لترديني معك فيها: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] في هذا الحساب والعذاب.

стр. 4784

السلف وحرصهم على مجالسة الصالحين أيها الإخوة! إن الجليس له خطورة كبيرة على جليسه وتأثير بالغ، وبعض الناس قد أعطاهم الله قدرة في الإقناع وقدرة في الجذب، فقد يجذبك معه إلى سوء الضلالة والعياذ بالله، ويستطيع أن يتفنن في إغوائك وأن يضلك عن سبيل الله ومنهج الله، إن أناساً يستطيعون أن يجذبوا نفوس الناس، ويسحروا عقولهم ليردوهم في نار جهنم، إن هناك شياطين من الإنس كما أن هناك شياطين من الجن، قل لي من تجالس؛ أقول لك من أنت. إذاً، كان الجليس عنوان جليسه، هذه هي النقطة الأولى، والشيء الثاني الذي يجعلنا على أن يكون جلساؤنا من أهل الخير والصلاح: حال السلف رحمهم الله تعالى عندما كانوا يبحثون عن جلساء الخير، وهذه القصة التي رواها الإمام البخاري ﵀ تبين هذا المقصود: عن علقمة؛ وكان من كبار التابعين وأجلائهم، قال: قدمت الشام فصليت ركعتين في المسجد ثم قلت -انظروا أيها الإخوة كيف كان السلف يدعون الله، وبماذا كانوا يدعون الله، ثم قلت -بعد أن فرغ من تحية المسجد-: اللهم يسر لي جليساً صالحاً. هذا كان دعاؤه، يذهب إلى المسجد إلى مظنة وجود الجلساء الصالحين، أين تجد الجلساء الصالحين؟ في الأسواق؟ في الدكاكين؟ في الشوارع وفي الطرقات؟ كلا. إنك تجدهم في المجالس، إنك تجدهم في المساجد أولاً، فلتكن نقطة الابتداء من المسجد. ثم قلت: اللهم يسر لي جليساً صالحاً، فأتيت قوماً من الناس -جالسين في المسجد- فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جاء حتى جلس إلى جنبي، قلت من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء الصحابي الجليل صاحب الرسول ﷺ أبو الدرداء، فقلت -يقول علقمة - فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليساً صالحاً، فيسرك لي إلى آخر الحديث. كانوا يدعون الله بشروط الدعاء المستجاب؛ فيستجيب الله لهم في الحال وييسر لهم جلساءً صالحين، فهذا الرجل التابعي رزقه الله بصحابي جليل ليجلس إليه ويستمع منه ماذا كان رسول الله ﷺ يفعل ويقول. الجليس -أيها الإخوة- له صفات كثيرة وله حقوق. قال سعيد بن العاص رحمه الله تعالى: لجليسي عليَّ ثلاث خصال: إذا دنا رحبت به، وإذا جلس وسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه. لنا جلساء ما تمل حديثهم ألباء مؤملون غيباً ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا هذه صفات جلساء الصلاح والتقوى. وفقنا الله وإياكم لأن نجلس معهم وأن نجدهم ونتأدب معهم بآداب رسول الله ﵊.

стр. 4785

ما يجب على من يجلس مجالس المنكرات فإذا جلست يا أخي في مجلس من المجالس، فإنه يجب عليك لكي يكون هذا المجلس مجلس خير أن تفعل أشياء كثيرة:

стр. 4786

الذب والدفاع عن أعراض المسلمين منها: أولاً: سيقول كثير من الناس كلاماً منكراً، وزخرفاً من القول وزوراً، وستنطلق ألسنة السفهاء في غيبة عباد الله ونهش لحومهم، كثير من المسلمين يجلسون بلا مبالاة ولا ينكرون هذه المنكرات التي يسمعونها، ورسول الله ﵊ يقول في الحديث الصحيح: (من ذب عن عرض أخيه بالغيبة -عندما يكون أخوه غائباً- كان حقاً على الله أن يعتقه من النار) ويقول في اللفظ الآخر الذي رواه أحمد بإسناد صحيح: (من رد عن عرض أخيه؛ رد الله عن وجهه النار يوم القيامة). المجالس اليوم مجالس غيبة كبيرة وكثيرة، لا بد أن ترد الغيبة عن أخيك، لا بد أن تنكر على هذا الذي يتكلم في عرض أخيك، وإلا فلا يجوز لك الجلوس ولا السكوت، لا بد أن تتكلم وتنكر ما يقولون، وتبين بالحق خطأ ما يفعلون.

стр. 4787

الخروج من المجالس المستهزئة بكتاب الله وآياته وكذلك أيها الإخوة تتعرض مجالس المسلمين اليوم لغارات يشنها أعداء الله من داخل المجالس لا من خارجها، إنهم يستهزئون بشرع الله ودينه، إنهم يغيرون على أحكام الله تعالى بسهام القدح والاستهزاء والسخرية، حتى يجعلوا من نصوص الكتاب والسنة أضحوكة في عقول الناس، إنهم يريدون أن يميعوا قضايا التميز والولاء في عقول المسلمين، بعض هؤلاء الناس -أيها الإخوة- يفعلون هذه القضية بجهل، ولكن الله تعالى لا يعافي هؤلاء من هذا الجهل، إنه جهل مذموم لا يعذر الله تعالى صاحبه، وبعض الناس يتقصد آيات الكتاب وأحاديث رسول الله بسوء نية وخبث طوية، فيجعل منها أضحوكة وسخرية في المجالس، يستهزئ بالأحكام، وبالمظاهر الإسلامية، يستهزئ بثياب المسلمين وأشكالهم، وبالأحاديث التي تذم الغناء والملاهي والمنكرات. إنهم يستهزئون بأشياء كثيرة، ماذا يكون موقف المسلم الجاد الذي يريد أن يسلك طريق الله المستقيم، ويغير واقع المجالس الفاسدة، ماذا يفعل؟ وكيف يتصرف؟ وأنى له معرفة الطريق السليمة في هذه الحالة؟ اسمع معي -أيها المسلم- لهذه الآية التي تهز كيان المؤمن هزاً عنيفاً، كأن قلبه سينخلع عندما يسمع وقع هذه الآية على قلبه، يقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠] ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء:١٤٠] ما هو التصرف؟ ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠] حتى يغير الموضوع، ويقلع عن هذه المعصية، وهذا الكفر أعظم المعاصي، يقلع عن الكفر ويبدأ في موضوع آخر: ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء:١٤٠] تقوم من المجلس وتنكر عليهم إنكاراً شديداً وتقرأ عليهم هذه الآية توبخهم بها على هذا الفعل الشنيع: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] وتقول لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ [النساء:١٤٠]. أيها الإخوة! المسألة خطيرة جداً بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فهناك أناس كثيرون اليوم من المسلمين يستهزئون في المجالس بأشياء كثيرة من أحكام الدين وشرائع الله وسنة المصطفى ﷺ ، ما هو الحل؟ الحل موجود في هذه الآية، وكثير من المسلمين لم يسمع الآية من قبل مطلقاً: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٤٠] ماذا نزل عليكم في الكتاب؟ نزل علينا أيها الإخوة آية أخرى تشبه هذه الآية، ومضمونها مضمون هذه الآية، الآية المذكورة في سورة النساء، والآية المشار إليها التي سنقرؤها الآن في سورة الأنعام، ما هي الآية الثانية؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] أعرض عنهم بالقول، وبترك المجلس، وبالتوبيخ والزجر، وأعرض عن الاشتراك معهم في هذه الجريمة، فالساكت عن الحق شيطان أخرس: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام:٦٨] فإذا نسيت وأنساك الشيطان أن تترك المجلس، نسيت الموضوع واسترسلت معهم في الكلام ما هو الحل؟ ليس هناك مشكلة في الإسلام ليس لها حل، قال تعالى في تمام السياق: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨] ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ [الأنعام:٦٨] في حالة أن أنساك الشيطان الموقف الصحيح، فماذا تفعل؟ إذا تذكرت ورجعت إلى رشدك وانتبهت من غفلتك: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [الأنعام:٦٨] بعد التذكر ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. إنها آيات مفاصلة، آيات شديدة أيها الإخوة، تعاليم الإسلام اليوم مضيعة بين الناس، لا يفهمون حدود الله تعالى، فليس في الإسلام تلاعب، ولا تمييع للعقيدة، ولا سماح لأي مغرض بأن يمس العقيدة بأدنى سوء، المسألة إذاً خطيرة فلذلك كان الجواب حاسماً: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء:١٤٠]، ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]، ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء:١٤٠] مثلهم في الكفر، إنها الخطورة أيها الإخوة، الإسلام لا يرضى أن تمس عقيدتك يا أخي المسلم بأي سوء. وكذلك مجالس أهل البدع، مجالس المنكرات والفسق والمعاصي، وكثير من الناس يجلس في مجلس فأهل المجلس يدخلون في أعراض الناس أو يتبادلون قصص المنكرات، يقول هذا: أنا فعلت كذا وكذا، وأنا سافرت إلى مكان كذا وفعلت كذا، ويتبجحون، يسترهم الله تعالى وهم يكشفون ستر الله عليهم، يتبجحون بالمعصية، هؤلاء أيضاً لا يجوز لك أن تسكت عما يقولون مطلقاً، لا بد أن يكون لك موقف، يا أخي المسلم! لا بد أن تفهم أنك صاحب موقف، لا بد أن تفهم أنك صاحب رسالة، ما خلقك الله هملاً. قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل مع الأغنام والماشية، لا تمش بلا هدف، فالمؤمن صاحب رسالة وهدف وحق ومواقف إيمانية، أينما حل، وأينما ارتحل، وأينما جلس في أي مجلس يفصح عن عقيدته، ويلقن الناس الدروس الإيمانية فيما يحمله في طيات قلبه من مبادئ وأفكار أنزلها الله في القرآن والسنة. لا تكن يا أخي المسلم غير مبال، لا، هذا خطأ كبير، إن الله لم يخلقك لتجلس في هذه المجالس ثم تصمت على هذه المنكرات وتكون شيطاناً أخرس.

стр. 4788

دعوة أهل الخير والصلاح إلى هذه المجالس لسد الفراغ كذلك يا إخواني! من المقترحات التي ينبغي الأخذ بها لتحسين أحوال مجالسنا، اليوم الناس غارقون في هذه المنكرات والمجالس، والتحسين يحتاج إلى وقت وإلى جهد، يحتاج إلى عمل دءوب، يحتاج إلى نوع من التمرس والمرونة في قلب هذه المجالس المنكرة إلى مجالس خيرة. فمن المقترحات أيها الإخوة: أن يدعى أهل الخير لحضور المجالس، كثيراً ما يقيم الناس ولائم للزفاف، أو يعمل الإنسان عقيقة فيذبح لولده ويدعو الناس، أو بعضهم يعمل مثلاً وليمة عند قدومه من سفر، أو عند نزوله في بيت جديد، أو يكون هناك دورية بين الناس، كل يوم في الأسبوع على واحد منهم، هذه المجالس -أيها الإخوة- هي الآن من شغل الناس الجالسين، تسأل عن فلان بعد صلاة العشاء غير موجود أين؟ عنده دعوة، عنده دورية، عنده ديوانية، عنده مجلس، عنده ضيوف، وهكذا. هذه الأوقات -أيها الإخوة- لا يصح بأي حال من الأحوال أن تذهب سدى، لا بد أن تستغل، ماذا نفعل؟ من الحلول أن ندعو وأهل الخير أهل العلم وطلبة العلم؛ لكي يجلسوا في هذه المجالس ويلقوا علينا وينصحونا ويعظونا ويذكرونا ويبينوا لنا شيئاً من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، يذكرون بالله وبأيام الله، وباليوم الآخر، وبعذاب القبر، وبأشياء كثيرة وأحكام فقهية، ويحيون واعظ الله في قلوبنا. إننا نحتاج إلى هذه النوعية أشد الحاجة، أن ندعو هؤلاء الناس إلى مجالسنا، هؤلاء الناس الذين نتوسم فيهم الخير، قد يكون لك قريب خيّر طيب ملتزم بأحكام الله ادعه إلى هذا المجلس، ألح عليه بالحضور، واطلب منه أن يفتح في ذلك المجلس حديثاً إسلامياً، يستفيد الجالسون منه، وإذا خاض الناس في إفكهم فقل لهم: لحظة يا جماعة! فلان موجود نريد منه أن يحدثنا عن كذا وكذا موجود فلان الذي عنده سؤال يطرح السؤال، لا بد أن ننتهز وجود هؤلاء الناس فنطرح عليهم هذه الإشكالات التي تواجهنا، والشبهات الممتلئة بها عقولنا، كثير من الناس عندهم شبهات، نجلس في بعض المجلس تجد أن بعض الناس عنده شبهات ضد الأنبياء، شخص يقول في مجلس: نبي الله يوسف كان شهوانياً، ويقول دليلاً على ذلك: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] ولا يعرف ما معنى قول الله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] ولا يعرف ما الفرق بين قول الله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف:٢٤] ولا الفرق بين هم يوسف وهم امرأة العزيز. إذاً: أيها الإخوة إن عقول المسلمين اليوم نتيجة ابتعادهم عن دينهم، أصبحت ممتلئة بهذه الشكوك والشبهات، ممتلئة بالشبهات حتى أعلاها.

стр. 4789

استغلال المجلس في قراءة كتاب أو تفسير آية كذلك أيها الإخوة ما المانع أن يكون في مجلس الواحد منا كتاب؛ تفسير قرآن، كتاب: رياض الصالحين فيه أحاديث الرسول ﷺ ، كتاب عن أحكام، خطب جمعة مكتوبة، أحاديث ترقيق وترغيب وترهيب، فإذا جاء جلساؤه قال: يا جماعة لحظة لا نريد أن يضيع المجلس، فيأخذ الكتاب ويفتح ويقرأ، يقرأ الأحاديث يا أخي، (رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ربما ينتفع من هذه الكلمة أناس يخرجون من المجلس فيغيرون من واقعهم، وأنت السبب ويعود لك مثل أجورهم، ما المانع أن يقول الإنسان لولده الطيب الصالح: تعال يا بني! أنا لا أقرأ أنت تقرأ، أنا تقدم بي السن وفاتني علم كثير وأنت فتح الله عليك، تعال يا ولدي اجلس في هذا المجلس حدثنا، ماذا سمعت من مدرس الشريعة؟ ماذا سمعت في خطبة الجمعة؟ ماذا سمعت في الدرس الفلاني في المحاضرة الفلانية؟ أعطني ملخصاً لشريط سمعته من خطيب أو عالم من علماء المسلمين. وبعض شيباننا ولله الحمد أيها الإخوة فيهم طيبة كبيرة، ولقد سمعنا ورأينا أناساً من كبار السن الذين أنعم الله عليهم بفطرة صافية، وخشية لله تعالى، يقول لولده: تعال يا ولدي لقد فاتني كثير وأنت عندك شيء كثير أعطني مما عندك، ويأتي به على أعين الناس في المجالس ويقول له: علمنا واقرأ علينا وحدثنا، هذه النوعية أيها الإخوة موجودة ولكنها تحتاج إلى تكثير وتحتاج إلى تشجيع. اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، اللهم إنك تقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، واجعلنا من الجالسين على ذكرك، ومن المرافقين لأهل طاعتك، ووفقنا اللهم لذكرك وإحسانك، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 4790

أسباب الأمر بالصلاة على النبي ﷺ وحِكمه الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. أيها الإخوة! ولا بد من الإكثار من ذكر الله تعالى في المجلس، وذكرنا بأن ذكر الله والصلاة على رسول الله ﵊ واجبة في كل مجلس من المجالس، ولهذا أسباب وحكم منها: إنه من الصعب على الإنسان أن يقول في المجلس: لا إله إلا الله اللهم صل على محمد فلان بخيل وفلان كذا وكذا، فإنه لا يحدث التوافق بين هذه الأمور، يريد الله منك أن تذكره في المجلس حتى تطرد الشيطان، ويريد أن تشغل لسانك بذكره حتى لا تنشغل بذكر الناس وعيوب الناس. كذلك في الوقت الذي نحث الناس فيه على إحياء مجالسهم بذكر الله تعالى وأهل الخير، نحث الدعاة إلى الله تعالى على انتهاز مثل هذه الفرص، ومجامع الناس ومجالسهم؛ ليعلموا الناس دين الله تعالى، واجب ومسئولية عظيمة وخطيرة على الدعاة إلى الله في الاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، فقد كان يغشى الناس في مجامعهم فيعرض عليهم الدعوة إلى الله ويعلمهم العقيدة، المجالس -أيها الإخوة- فرصة مهمة جداً إذا فوتت فقد فات خير كبير، أين تجد هؤلاء الناس مجتمعين حتى تتكلم معهم؟ إذا لم أتكلم أنا ولم تتكلم أنت ولم يحضر المجلس فلان وفلان من أهل الخير من الذي يحضر؟ ومن الذي يتكلم؟ ومن الذي يعلم وينصح؟ إنها مسئوليتنا جميعاً أن تجلس مع الناس، انتهز كل فرصة لتطرح الخير الذي عندك، صحح تلك المفهومات الخاطئة في العقيدة والعمل، وفي التصورات التي امتلأت بها عقول الناس، إذا سمعت رجلاً في مجلس يقول: ودخلت على المدير الفلاني في المشكلة الفلانية وقلت له: مالي إلا الله وأنت، وأنا مشكلتي كذا قل له: يا أخي! هذه الكلمة التي تفوهت بها كبيرة عند الله، ما يجوز لك أن تقول: مالي إلا الله وأنت، هذا شرك بالله، تقول له: مالي إلا الله ثم أنت، أعتمد على الله ثم عليك، وهكذا، وأحياناً نسمع كلمات تخرج في المجالس عفوية من الناس لكن لها مدلولات خطيرة تقدح في العقيدة، أجلس مع واحد من الناس فأقول له: ما حال فلان وفلان؟ فيقول: أما فلان فهذا ربنا افتكره ومات، فهل الله كان ناسياً هذا الرجل ثم تذكره وأخذ روحه؟!! هذه كلمات تنطلق على ألسنة الناس، أخطاء عظيمة تدل على أن هذا الرجل لا يعلم ولا يفهم ولا يعي أن الله يعلم كل خافية: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس:٦١] فالناس عندهم أخطاء إذا لم تصلح هذه الأخطاء فمن ذا الذي يصلحها؟! فإذاً أيها الإخوة القضية عظيمة والمسئولية مشتركة. نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للقيام بها حق القيام.

стр. 4791

كيف تكون مجالسنا إسلامية؟ [٣] تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن مسألة التناجي بين الناس، وحكمه وأحواله، ومتى يجوز ومتى لا يجوز، ثم أتبع ذلك بذكر صور يجوز فيها التناجي، وصور لا يجوز فيها التناجي، ثم ختم ذلك بالحديث عن التميز في التناجي وذمه، وأنه لابد من الوضوح في الشخصية اقتداء بالنبي ﷺ .

стр. 4792

التناجي وأحكامه في الإسلام إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: أيها الإخوة! ذكرنا في الخطبتين الماضيتين شيئاً من أحكام المجالس وآدابها في الإسلام، وقلنا: إن ذلك الموضوع حساس ومهم، ونحن اليوم نتكلم عن أدب آخر من الآداب وهو وإن كان داخلاً في ضمن آداب المجالس إلا أن العلماء قد أفردوه في أبواب مستقلة من خلال مصنفاتهم، نظراً لأهميته؛ ولشدة الآيات والأحاديث الواردة فيه؛ ونظراً لفشو هذه القضية بين الناس اليوم في مجالسهم، فكان لا بد من إلقاء الضوء على هذه المسألة، وإيجاد حل لها، من خلال كلام ربنا ، وأحاديث نبينا محمد ﷺ . ألا وإن هذا الموضوع -أيها الإخوة- هو موضوع التناجي، الذي قال الله في شأنه في ثلاث آيات متتابعة في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:٨ - ١٠].

стр. 4793

الحكمة في تحريم النجوى فبين الله أن الحكمة في تحريم النجوى: أنها تحزن الذين آمنوا. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة:١٠] يعني: عندما يصدر هذا عن المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة:١٠] أي: ليسوءهم: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة:١٠] مطلقاً، ومن أحس من التناجي ضرراً فماذا يفعل؟ فليستعذ بالله وليتوكل على الله فإنه لا يضره شيء بإذن الله. فإذا أحسست يا أخي المسلم بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك، فإنه يشرع لك أن تستعيذ بالله وتتوكل على الله، وتنزل هذه الضائقة بالله فيكشفها الله عنك.

стр. 4794

سبب نزول آيات التناجي والتناجي -أيها الإخوة- من صفات المنافقين فإنهم كانوا يتناجون دون المؤمنين؛ حتى يحزنوا الذين آمنوا، وكان اليهود يتناجون أيضاً إذا رأوا مسلماً يمر من أمامهم فيتناجون حتى يخيفوا ذلك المسلم ويوهموه بأنهم يدبرون حوله مؤامرة، ويحيكوا حوله أخدوعة لعلهم يهلكونه بها، فكان المسلمون يحزنون لذلك فيجتنبون تلك الطرق، فنزلت هذه الآية تشتد على هؤلاء اليهود والمنافقين، وتبين للمؤمنين بأن هذا التناجي لا يضر مطلقاً إلا بإذن الله: ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:١٠] فهم يتوكلون على الله؛ فيمنع الله عنهم ذلك الكيد، وذلك العداء.

стр. 4795

العلة في النهي عن التناجي وقد جاءت سنة نبينا محمد ﷺ مبينة لهذه الأحكام، فقال ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس) لماذا؟ ما هي العلة المهمة جداً التي ينبغي لنا أن نفقهها؟ لأن عليها مدار الحكم فإذا انتفت العلة انتفى الحكم، وإذا وجدت العلة وجد الحكم، ما هي العلة في منع التناجي؟ يقول ﷺ في بقية الحديث: (فلا يتناجى اثنان دون الآخر، حتى تختلطوا بالناس؛ من أجل أن ذلك يحزنه) فصار الحزن -أيها الإخوة- هو المانع من التناجي وهو السبب، لماذا يحزنه؟ يحزنه لأسباب ذكر العلماء بعضها فقالوا: أولاً: ربما توهم هذا الرجل الثالث أن نجواهما لتبييت رأي أو تجسيس غائلة ضده، ربما يتوهم هذا الرجل الثالث بأن هذين المتسارين يبيتان له أمر سوء ويحيكان شراً حوله، فلأجل ذلك منع التناجي. والعلة الأخرى: من أجل الاختصاص بالكرامة، يعني: كأن هذين المتناجيين يقولان بلسان الحال لا بلسان المقال: إنك أيها الثالث الذي تناجينا دونك لست بأهل لسماع كلامنا، وهذا الكلام ليس على مستواي إلا أنا وصاحبي، أما أنت فلست بأهل له، وليست هذه كرامة لك، وإنما كرامة لنا نحن المتناجيين، فهذه العلة أيها الإخوة أيضاً فيها الحزن الذي بينه رسول الله ﷺ ، يعني: أن فيها احتقاراً للشخص الثالث؛ لأنه ليس على مستوى الكلام كما يدعيان.

стр. 4796

النهي عن التناجي يحتمل التحريم وإذا نظرنا إلى الحكم في التناجي فقد ذكر بعض العلماء أن حكمه الكراهة، وذكر بعضهم أن حكمه التحريم، والظاهر أيها الإخوة أن الحكم في ذلك التحريم؛ لأن النهي يقتضي التحريم، ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] وأذية المؤمن محرمة، ولذلك يقول الله في هذه الآية: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] وبما أن في التناجي إيذاء للمؤمن، إيذاء المسلم لأخيه المسلم، والإيذاء محرم بنص القرآن، فلذلك صار التناجي محرماً. وقد فهم صحابة رسول الله ﷺ هذه المسألة حق فهمها، فروى الإمام مالك في الموطأ عن عبد الله بن دينار قال: (كنت أنا وابن عمر عند دار خالد بن عقبة في السوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه -جاء رجل عند ابن عمر، وابن عمر يريد أن يناجيه- وليس مع ابن عمر أحد غيري، فدعا ابن عمر رجلاً آخر من السوق -قال لرجل رابع تعال- حتى كنا أربعة، ثم قال لي وللرجل الثالث الذي دعا استأخرا شيئاً -واستأخرا من التأخر حتى يبلغ المناجي مراده، تأخر أنت والرابع شيئاً حتى أتمكن من كلام هذا الرجل الذي معي- فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يتناجى اثنان دون الثالث).

стр. 4797

إذا وُجِد رجلان يتناجيان فلا يُدخَل بينهما ويقول ابن مسعود ﵁ لما جاءه رجل يريد أن يدخل بينه وبين رجل آخر؛ لكزه في صدره وقال له: (ألم تسمع أن رسول الله ﷺ يقول: إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما). فالحكم الثاني من أحكام المناجاة: أنك يا أخي المسلم إذا رأيت اثنين يتناجيان فيما بينهما، وأنت لم تكن معهما وإنما دخلت عليهما الآن فإنه لا يجوز لك أن تدخل وتجلس بينهما، أو تقرب رأسك منهما حتى تسمع كلامهما، لأن رسول الله ﷺ قال في الحديث الصحيح: (إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما). قال ابن عبد البر ﵀: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين في حال تناجيهما. وقال في الآداب الكبرى: ويكره أن يدخل في سر قوم لم يدخلوه فيه، والجلوس والإصغاء إلى من يتحدث سراً. وقد أخبر رسول الله ﷺ في هذا الحديث بمنع الرجل أن يدخل بين اثنين. وهذا يعم عدم الدخول بينهما حتى ولو تباعد عنهما، حتى لو جلس بعيداً عنهما إلا بإذنهما، إذا قال: عن إذنكم أنا أدخل وأجلس في المجلس وهما يتكلمان، فأذنا له فيجلس بعيداً عنهما؛ لأنهما لما افتتحا حديثهما سراً وليس عندهما أحد دل على أن مرادهما ألا يطلع أحد على كلامهما، ويتأكد ذلك إذا كان صوت أحدهما جهورياً لا يتأتى له إخفاء كلامه ممن حضره، بعض الناس طبيعة صوته أنه مرتفع، فقد لا يستطيع أن يهمس همساً ويسر إسراراً فلذلك نهي عن الدخول بين المتناجيين، وقد يكون لبعض الناس قوة فهم، بحيث إذا سمع بعض أطراف الكلام استنتج فحوى الكلام كله، ولذلك لا يجوز الدخول على المتناجيين، أما المسألة الأولى التي تكلمنا عنها فإنه لا يجوز لاثنين أن يتكلما بحضرة رجل ثالث وهو موجود أصلاً. ويقول ﵊ في تأكيد المنع في هذه المسألة: (ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون؛ صب في أذنه الآنك) والآنك أيها الإخوة: هو الرصاص المذاب من شدة الحرارة، يوم القيامة يصب في أذنه الآنك وهو الرصاص المذاب؛ لأنه قد دخل في حديث رجلين يستسران بينهما بغير إذنهما، وهذا يبين خطورة التجسس والتنصت على أسرار المسلمين.

стр. 4798

شروط التناجي ويشترط في جواز التناجي شروط منها: أولاً: أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، ولذلك قال النووي ﵀ في رياض الصالحين باب: النهي عن تناجي اثنين دون الثالث بغير إذنه إلا لحاجة. فصار هناك شرطان لجواز التناجي: أولاً: أن يكون بإذن الشخص الثالث، ويجب أن يراعى -أيها الإخوة- ألا يكون الشخص الثالث مكرهاً، لأن بعض الناس عندما يجلس في المجلس ثلاثة أشخاص يقول: عن إذنك يا فلان! ويتكلم مع الثاني، بدون أن يأخذ إذنه وبدون أن يستمع إلى إذنه، بل وبدون أن يكون الشخص الثالث راضياً، لأنه قد يحرج فيأذن وهو غير راض، لا بد أن يأذن الثالث الإذن الذي يدل على رضاه، وإلا فلا تناجي، وهذه أيها الإخوة من المسائل المخالفة للشريعة، الواقعة كثيراً، المنتشرة في المجالس. والشرط الثاني: أن يكون هناك حاجة فعلاً، يعني: مصلحة راجحة مؤكدة تتغلب على مفسدة مشكوك فيها وهي: إحزانه، فإذا كانت المصلحة قوية جداً، وإحزان الشخص هذا مشكوك فيه عند ذلك يجوز التناجي.

стр. 4799

صور التناجي المحرمة والمباحة هذا هو الضابط الذي ذكره العلماء، ومن هذه الصور مثلاً: أحياناً يأتيك ضيف أنت وهو في المجلس فيأتي إليك ولدك أو خادمك فتضطر أن تسر في أذن الولد أو الخادم كلاماً عن تجهيز الطعام مثلاً، أو عن تفريغ طريق مثلاً، أو أحياناً يقول لك ولدك: إن أمي تقول كذا وكذا، وفي هذه الحالة فقد درجت مروءة الناس على عدم الجهر بهذه الأشياء أمام الضيوف، فهذه المسألة هي مصلحة راجحة تقاوم المفسدة المشكوك بها، لأن الضيف سوف يقدر أن ولدك هذا عندما تسر إليه بكلام لن تقول كلاماً سيئاً عنه، وإنما سوف ترتب أنت وإياه أمراً يتعلق بالضيافة، أو يتعلق بداخل أهلك بداخل البيت، فلذلك لن يحزن، هذا مثال على التناجي الجائز، وإلا أيها الإخوة فأغلب صور التناجي الواقعة اليوم هي صور محرمة. وكذلك لو سأل إنسان: هل يدخل في التناجي أن يتكلم اثنان بلغة أخرى جهراً أمام ثالث لا يفهم هذه اللغة؟ لنفترض أن هناك ثلاثة رجال في مجلس واحد أحدهما لا يعرف اللغة الإنجليزية مثلاً، فأنت تكلمت مع صاحبك وأنت وإياه تفهمان هذه اللغة والثالث لا يفهم اللغة، تكلمتما بصوت مسموع، هل يدخل هذا في التناجي؟ قال العلماء: نعم. يدخل ذلك في التناجي. ومنه قول النووي ﵀ وفي معناه معنى التناجي: ما إذا تحدثا بلسان لا يفهمه لأن العلة موجودة، كأنك أنت وهو تساررتما لأن الشخص الثالث لا يفهم شيئاً، ففي هذه الحالة لا يجوز التناجي بهذه اللغة الثالثة. أما لو كان عندك في البيت مثلاً خادم أو سائق لا يتكلم بالعربية فهل يكون تناجياً أن تتكلم بالعربية مع صاحبك في البيت بحضرة الخادم؟ الظاهر أن هذا لا يدخل في الحديث لماذا؟ لأن هذا الخادم موجود في البيت أصلاً، وكلامك مع صاحبك ليس عن الخادم، ولا من أجل الإضرار به. وكذلك فإن الخادم لن يحزن في هذه الحالة. وكذلك لأن التناجي هنا في الحديث خاص بالثلاثة الموجودين في المجلس في بعض الحالات، وليس الناس الموجودين في البيت من الخدم وأصحاب البيت مثلاً. فلذلك لا حرج أن يتكلم مثلاً اثنان من أهل البيت أمام الخادم باللغة العربية وهو لا يفهمها إذا كانا لن يتكلما في شأنه أو يغتابانه مثلاً، فإنك تجد بعض الناس الآن للأسف عندما يأتي خادم مسلم قد لا يتكلم اللغة العربية فتجد شخصاً يقول للثاني: انظر إلى هذا الغشيم كيف يضيف الناس، هذا عمره ما يتعلم، لو جلست، فيغتاب الرجل، ويشرِّح في عرضه، وينبذه بالألقاب التي نهى الإسلام عنها، والخادم أمامه مسكين لا يفهم، فإنه في هذه الحالة لا يجوز ذلك مطلقاً. وكذلك لو سأل إنسان فقال: هل يدخل في التناجي مثلاً عندما أكون أنا مع اثنين وأكتب لثالث صاحبي كتابة في ورقة وأريه الورقة والشخص الثالث لا يعلم ما هو المكتوب؟ الجواب أيها الإخوة: إن هذا داخل في التناجي قطعاً، بل ربما كانت الكتابة في الأوراق أشد من الكلام، وبعض الناس يستعمل هذا، تجد ثلاثة في مجلس واحد يتكلم مع الثاني فيقول له: بكم اشتريت هذه أو كذا وكذا فلكي لا يخبر الثالث يكتب هذا في ورقة ويريه الورقة، يزعم أنه قد تخلص من هذا المحظور ولم يقع فيه، والحقيقة -أيها الإخوة- أنه ما تخلص منه مطلقاً، بل إنه وقع في عين التناجي، لأن هذه الكتابة في الورقة ستحزن الشخص الثالث ولا شك في ذلك. فلو كان هناك في المجلس أكثر من ثلاثة أو أربعة أو عشرة، هل يجوز أن تناجي تسعة دون العاشر، أو تناجي الثمانية دون التاسع؟ الجواب كلا، بل هو ربما أشد من ذلك، يعني: ذكرت الثلاثة في الحديث لأنه أقل ما يتصور فيه التناجي لكنه عام، لو كان في المجلس خمسة أشخاص فاجتمع أربعة على جنب يتكلمون سراً والخامس موجود ألا يعتبر هذا تناجياً؟ الجواب نعم. وكذلك أيها الإخوة فإنه يجوز أن يتناجى جماعة دون جماعة؛ لأنه وقع في الحديث الصحيح من حديث ابن مسعود أنه قال: (فأتيته وهو في ملأ فساررته) فلو كان هناك جماعة وجاء واحد منهم وأسر في إذنك شيئاً، والبقية موجودون فلا حرج في ذلك كما ذكرنا آنفا. هذه بعض الأحكام المتعلقة بالتناجي. نسأل الله أن يجنبا وإياكم المحرمات والمنهيات، وأن يوفقنا لاتباع دينه، والتأدب بآداب نبيه محمد ﷺ .

стр. 4800

ذم التميز في المناجاة الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيله القويم. أيها الإخوة! قد جرت عادات بعض الناس في مجالسهم أنهم يتناجون، أو يأتي شخص ويتكلم مع واحد والآخر موجود، وصار هذا عرفاً في بعض المجالس ومنها وللأسف مجالس الدعاة إلى الله . واعلموا -أيها الإخوة- أن هذه العادة عادة سيئة مرذولة، وكثير من الأحيان يتوهم الشخص أن فيها مصلحة وأن المصلحة راجحة، والحقيقة أنه ليست هناك مصلحة على الإطلاق، أو قد تكون المصلحة مرجوحة وإحزان الشخص الثالث أمر مؤكد لا شك فيه. فلذلك ينبغي ألا يلبس الشيطان على عباد الله الصالحين فيوقعهم في حبائله، فيظنون أن بعض أنواع التناجي للمصلحة لا شيء فيها، وهي ليست كذلك، وكما ذكرنا فإن العلة هي الإحزان، فإذا انتفت العلة مطلقاً وهذا أمر يصعب التأكد منه جداً، فإنه لا بأس من ذلك، بل إنه في كثير من الأحيان قد يدفع الشيطان إنساناً ليسر شيئاً في أذن أخيه بحضرة أخ له ثالث موجود، يحسب أن ذلك مصلحة، وقد يكون هذا خدعة من خدع الشيطان كيف ذلك؟ قد يأتي في نفس الإنسان -أيها الإخوة- أحياناً حب التميز عن الآخرين، فيأتي في مجموعة وفيهم شخص فيسر إليه بحديث، ويأتي الجواب من ذلك الرجل ثم يتكلم، ويأتي كلام آخر سراً، لا لأن هناك مصلحة في هذا التسار ولكن لأن الشيطان قد لعب بنفس هذا الرجل وأدخل فيه قضية حب التميز عن إخوانه الآخرين، فهو يحب أن يكون له أسرار وأن تكون له قضايا خاصة، وأنها ليست بمستوى الموجودين، وأنه يتكلم مع شخص بعينه ولا يتكلم مع الآخرين، ليبدي لهم بأنه أعلى شأناً منهم، هذا أيها الإخوة من مداخل الشيطان على عباد الله. وفيه إدخال لحظوظ النفس وخلطها في مصالح الدعوة إلى الله، وهذا خلط لا تقره الشريعة ويأباه الإسلام ويدفعه بكل وسيلة؛ لأن الإسلام أيها الإخوة يحرص على وضوح شخصية الداعية إلى الله، وهذا أمر مهم جداً، لا بد أن تتصف شخصية الداعية بالوضوح التام أمام الناس، سواء كانوا من إخوانه الخلص أو من عامة الناس.
следующие страницы →