Полный текст (7 040 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.
стр. 5111
ما يترتب على المدح من فساد
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
стр. 5112
فساد اجتماعي
إخواني المسلمين: إحدى المشاكل الاجتماعية التي هي واقعة بكثرة في حياة المسلمين اليوم شيء مما يتعلق بعيوب اللسان، وهذا العيب وهذه الآفة تؤدي إلى مخاطر كثيرة، هذه الآفة: مسألة التمادح.
كثير من الناس اليوم يطلقون ألفاظ المديح والثناء ويكيلونها لكل أحد حتى ولو لم يكن أهلاً لها، فتجد هذا يقول: فلان الفلاني كذا وكذا من ألفاظ المديح، وهذا الرجل من أفجر الناس ومن أفسق الناس، وقد يكون منافقاً أو كافراً والعياذ بالله.
هذه المسألة أيها الإخوة! كيل الثناء والمدح لمن ليس له بأهل تؤدي إلى مخاطر كثيرة سواء على الصعيد الاجتماعي في قضايا الزواج مثلاً أو التعامل والوظائف، لأن الإنسان إذا مدح رجلاً فإنه يوثقه عند الآخرين، فقد يستخدمونه وهو ليس بأهل للاستخدام في هذا الجانب، وقد يؤدي إلى إفساد قلب الرجل ونيته؛ لأن كيل ألفاظ الثناء والمدح مما يخرب الإخلاص ويجرحه تجريحاً، ولذلك كان لا بد من إلقاء الضوء على هذه المسألة بحسب ما جاء في سيرة النبي ﷺ وأحاديثه، وما ذكر العلماء في هذه القضية.
стр. 5113
فساد الشخص نفسه
اعلموا رحمكم الله تعالى أنه قد ورد في الحديث الصحيح عن همام بن الحارث أن رجلاً جعل يمدح عثمان ﵁، فعمد المقداد -أحد الصحابة وكان جالساً في المجلس- فجثا على ركبتيه وكان رجلاً ضخماً فجعل المقداد الصحابي يحثو في وجه المادح الحصباء، الحصى الصغير مع التراب يحثوه في وجه المادح، فقال له عثمان: (ما شأنك؟ ماذا جرى لك؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) رواه مسلم.
وعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير قال: [مدحك أخاك في وجهه كإمرارك على حلقه موسي رهيصاً].
كأنك تمرر على حقله موسى شديداً وحاداً جداً.
ومدح رجل ابن عمر ﵁ في وجهه، فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب، ثم أخذ ابن عمر التراب فرمى به في وجه المادح وقال: هذا في وجهك، هذا في وجهك، هذا في وجهك، ثلاث مرات) أخرجه أبو نعيم، قال في الصحيحة: السند جيد.
стр. 5114
توضيح لكيفيةحثو التراب
هذا الفعل أيها الإخوة -حثو التراب في وجوه المداحين- من سنة رسول الله ﷺ ، ولكن لا بد عند تطبيق الأحاديث من مراعاة أحوال الحديث، فهذا لا يقول لك بأنه إذا جاءك رجل يمدحك الآن فإنك تأخذ التراب وترميه في وجهه مهما كان حاله، كلا يا أخي! فلا بد من مراعاة حال المادح فقد يكون جاهلاً لأحكام المدح وما يترتب عليها، ثم إن ابن عمر ﵁ من فقهه أنه علَّم الرجل أولاً وقرأ عليه الحديث ثم حثا في وجهه التراب.
ثم أنك إذا رأيت بأن حثو التراب في وجه هذا المادح قد يباعد فيما بينك وبينه، ويصده عن الإسلام، ويمنعه من التأثر فيك أو الاقتداء بك فإن من الحكمة في هذه الحال عدم استعمال هذا، ليس تعطيلاً للحديث وإنما حكمة في الدعوة إلى الله، وترفقاً بالجاهل.
وكذلك يا أخي المسلم! فإن رسول الله ﷺ يقول في هذا الحديث: (احثوا في وجوه المداحين) وأتى بصيغة المبالغة (المداحين) وهم الذين يكثرون المدح ويستعملونه بكثرة فيجعلونه صنيعهم ودأبهم الدائب.
قال ابن العربي ﵀: وصورة تطبيق هذا الحديث أن تأخذ كفاً من تراب وترمي به بين يديه، وليس في وجهه فتعمي به عينيه، كلا، وإنما ترميه أمامه، لماذا؟ فإنك تقول له: ما عسى أن يكون مقدار من خلق من هذا.
لماذا قال ﵇ التراب؟ من الحكم أيها الإخوة: أنك تأخذ التراب وترميه أمامه وتقول له: أنا خلقت من هذا التراب، فهل أنا أهل لهذا المديح وما خلقت إلا من الطين؟ وأنت كذلك ما خلقت إلا من هذا التراب فاربأ بنفسك عن هذه الآفات التي تعرضك إلى ما لا يُحمد عقباه، وتعرف المادح قدرك وقدره.
قال النووي ﵀: ومدح الإنسان قد يكون في غيبته وهو غير موجود، وفي وجهه، ففي الحالة الأولى إذا مُدح وهو غائب عن المجلس فإن هذا المدح لا يمنع منه إلا إذا دخل المدح في الكذب حتى ولو كان الممدوح غير موجود؛ لأنه يدخل في الكذب لا لكونه مدحاً.
ويستحب كذلك أيها الإخوة: أن الإنسان إذا مدح ألا يبالغ حتى ولو كان الممدوح أهلاً لهذا المدح، كما سيمر معنا بعد قليل.
стр. 5115
علل وآفات يسببها المدح للمدوح
وقد بين الرسول ﷺ خطورة المدح فقال: (إياكم والتمادح فإنه الذبح) فإنه في خطورته مثل الذبح، مدحك لأخيك في وجهه مثل أن تذبحه بالسكين.
رواه ابن ماجة، وهو في صحيح الجامع.
وقال أيضاً: (ذبح الرجل أن تزكيه في وجهه) هذا قوله ﵇، وهو حديث مرسل تشهد له أحاديث أخرى، وهو في صحيح الجامع.
هذا المدح أيها الإخوة يسبب عللاً كثيرة وآفات كبيرة في دين المادح والممدوح، فلذلك سماه ﵊ ذبحاً لأنه يميت القلب ويخرج الممدوح عن دينه، وفيه ذبح للمدوح أيضاً من جهة أنه يغره بأحواله ويغريه بالعجب والكبر، ويرى نفسه أهلاً للمدحة لا سيما إذا كان من أبناء الدنيا، لذلك قال بعض السلف: لو أن إنساناً صنع إليك معروفاً وهو يحب المدح والثناء والظهور بين الناس فلا تمدحه على صنيعه، لا تمدحه ولكن ادع له أدعية، مثلما قال ﵊: (من صنع لأخيه معروفاً فقال له: جزاك الله خيراً فقد أجزل في العطاء، أو فقد أجزل في الثناء).
الدعاء له لا بأس به، أما لو شعرت بأن هذا الرجل الذي صنع لك معروفاً وهو يحب من وراء هذا المعروف أن تمدحه وتثني عليه في المجالس، وتذكر سيرته أمام الناس ففي هذه الحالة لا تمدحه، ولذلك قال ﵊ ناهياً عن الإطراء وهو الزيادة في المدح، قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى) ما قال ﵇ لا تمدحوني، ولكن قال: (لا تطروني) والفرق أيها الإخوة! أن الرسول ﷺ يستحق المدح، ومع ذلك فقد أوصانا بعدم إطرائه، والإطراء هو المبالغة في المدح حتى يرفعه فوق قدره ومنزلته التي أنزله الله إياها.
ولذلك قال بعض العلماء: ويحرم مجاوزة الحد في الإطراء في المدح وترد به الشهادة.
كان قضاة المسلمين إذا جاء رجل معروف بالإطراء والزيادة في المدح، وعادته الثناء على الناس بما ليسوا له بأهل كانوا يردون شهادته ولا يقبلونها.
وهذه الحالة أيها الإخوة! معروفة في الشعراء كثيراً، ولذلك قال بعضهم: لا تؤاخي شاعراً لأنه يمدحك بثمن ويهجوك مجاناً، يمدحك ويأخذ أجراً على هذا الشعر، ولكنه إذا أراد أن يهجوك هجاك مجاناً، ولذلك وقع من جراء التمادي في المدح في بعض أشعار السابقين واللاحقين أشياء لا يرضاها الله تعالى، فمن ذلك قول الشاعر ابن هانئ الأندلسي، وهو يمدح المعز المعبدي مخاطباً له، وصل به الإطراء إلى درجة أنه قال له هذا البيت مخاطباً إياه:
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
هذه الصفات لمن أيها الإخوة؟ هذه الصفات لله ، هو الذي يشاء ومهما شاء البشر فمشيئته نافذة، وهو الذي يحكم وهو الواحد القهار، وصل الحال بهذا الشاعر لدرجة أن خرج عن الملة بإطلاق هذه الألفاظ على عبد من العبيد.
وروى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: عن أبي موسى قال: (سمع النبي ﷺ رجلاً يثني على رجل ويطريه في المدحة -يبالغ في المدح- فقال: أهلكتم، أو قطعتم ظهر الرجل) وترجم عليه البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب الشهادات، قال معنوناً: باب ما يكره من الإطناب والمدح.
وعن أبي بكرة ﵁: أن رجلاً ذُكر عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجلٌ خيراً، فقال النبي ﷺ : (ويحك، ويحك، ويحك! قطعت عنق صاحبك يقول ذلك مراراً).
يقول له: ويحك قطعت عنق صاحبك (إن كان أحدكم مادحاً لا محالة -يقول ﵊ موجهاً للأمة: إن كان أحدكم لا بد أن يمدح- فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك).
ليس فقط أن يقول المدح، وهذا لا يعني أن يستاهل في المدح حتى ولو قال: أحسبه كذا لا بد أن يكون مصلياً حتى تقول: أحسبه من أهل الصلاة، أما إن كان غير مصلٍ فلا يجوز أن تقول له من أهل الصلاة حتى لو قلت قبلها أحسبه، لأنه ليس من أهل الصلاة، فيقول ﵊: (إن كان يرى أنه كذلك، والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحداً) لذلك إن رأى إنسان أن يمدح إنساناً لحاجة شرعية أو مصلحة شرعية فليقل في مدحه: أحسبه والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً أن الرجل هذا من أهل كذا.
وبوب النووي رحمه الله تعالى على هذا الحديث باب: كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه -يعني: بلا كراهة- لمن أُمن ذلك في حقه، وذلك لكمال تقواه ورسوخ عقله ومعرفته.
стр. 5116
شروط جواز المدح
شرط جواز المدح ألا يكون فيه مجازفة، فإذا كان فيه زيادة عن حال الرجل ومجازفة فإنه عند ذلك لا يجوز مطلقاً.
وكذلك أيها الإخوة من أفرط في مدح آخر بما ليس فيه فإن الممدوح لا يأمن على نفسه العُجب، فربما ضيع العمل والزيادة من الخير اتكالاً على ما وصف به، لو أنك أخذت إنساناً ومدحته وقلت: أنت كذا وكذا أمام الناس أو بمفرده ماذا يحصل لهذا الرجل؟ يحصل بسبب مدحك إياه بأنه قد وصل إلى منزلة عالية من الخير، وأنه عند الله في كذا وكذا، وأنه من أهل الجنة مثلا، هذا الشيء يدفعه إلى ترك العمل لأنه يشعر بأنه قد أمن على نفسه، وبأنه قد أصبح في المنزلة العالية، ولذلك قال العلماء: إن الرجل لا يعمل إلا إذا أحس بالتقصير، فأنت إذا مدحته مدحاً زائداً فإنك تزيل عنه التقصير من نفسه، تزيل عنه الإحساس بالتقصير فلذلك يتكاسل عن العمل ويتوانى، هذه أيها الإخوة من أضرار الإفراط في المدح.
وأما من مدح إنساناً بما فيه وكان هذا الرجل من أهل الصلاح والتقوى، ولا يوجد عنده حب للظهور، أو لا يوجد عنده اغترار بالكلام الذي سيمدح به فإنه والحالة هذه لا يكره مدحه، ولكن هذا الأمر لعمر الله يحتاج إلى فراسة إيمانية لا تتوفر لكثير من الناس، لذلك كان الأحوط ألا تبالغ في المدح ولا تمدح إلا للضرورة الشرعية.
ولذلك قال ابن حجر ﵀ في الفتح: وقد ضبط العلماء المبالغة الجائزة من المبالغة الممنوعة، بأن الجائزة يصحبها شرط أو تقريب والممنوعة بخلافها.
يعني: أنت أحياناً تضطر إلى المدح فماذا تقول في مدحك؟ فلان إن شاء الله من أهل الخير ما دام متمسكاً بالدين، أو ما دام متبعاً لسنة الرسول ﷺ ، هذا الشرط أو التقريب ما دام متبعاً مهمٌ جداً لكي يكون المدح شرعياً وإلا كان إطلاق المدح: فلان من أهل الخير والصلاح هكذا تزكية ومدح بدون قيد أو شرط، هذا المدح يخشى أن يكون مما لا يرضي الله ، أو تقول: فلان نحسبه من كذا على سبيل التقريب، نحسبه من أهل كذا، هذه الصيغة لا بأس بها إذا احتاج الإنسان إليها.
стр. 5117
ما يسببه المدح للمادح
وكذلك فإن المادح نفسه يتضرر من وراء هذا المدح، فيضطر للكذب في المدح، وقد يضطر للرياء، وقد يرتكب منهياً عظيماً من المنهيات وهو يمدح إنساناً فاسقاً أو ظالماً، وقد يطلق الكلام لا على سبيل التحقق يقول: فلان من أهل كذا، وفلان صفته كذا وهو ما تحقق ولا تأكد؛ خصوصاً أيها الإخوة أن بعض الأشياء التي يمدح بها بعض الناس لا سبيل إلى التأكد منها مطلقاً، لأنها قد تكون أشياء قلبية، كيف اطلعت على قلبه لتقول هذا الرجل من المخلصين وإيمانه كامل، وكذا وكذا؟ والإيمان محله القلب ويصدقه العمل، أنت تحكم بالعمل فقط ولم تطلع على قلبه؟ وتحكم لفلان من الناس بكمال الإيمان وهي مسألة الحكم بها مستحيل لأنها تحتاج على اطلاع على القلب، وهذا ليس إلا لله .
стр. 5118
عادة السلف وأهل العلم في المدح
أيها الإخوة: بعض الناس قد يقول: فلان ورع، فلان تقي، فلان زاهد، هذا المدح ليس بصحيح، هذا بخلاف ما إذا قال: رأيت فلاناً يصلي، رأيت فلاناً يحج، رأيت فلاناً يزكي.
لو طلب منك شهادة في فلان في مسألة زواج مثلاً، لا تقول: فلان ورع وتقي وعابد وزاهد وكامل الإيمان، ولكن تقول مثلاً: أنا رأيته يصلي، رأيته يدعو إلى الله على بصيرة، رأيت فيه علماً، فلا تطلق الألفاظ، تقول هذا الكلام مما يسهل الاطلاع عليه لأنه يسهل الاطلاع على فلان أنه من أهل الصلاة، يسهل الاطلاع على فلان أنه من أهل العلم وهكذا.
وكذلك أيها الإخوة قال سفيان بن عيينة: إذا مدح الإنسان في وجهه ماذا يقول؟ (اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيراً مما يظنون) أخرجه البيهقي في الشعب.
وتستنكر هذا المدح وتنكر على هذا الرجل هذا الكيل المتدفق في المدح لأنه مخالف لسنة رسول الله ﷺ ، وعلماؤنا من السلف رحمة الله تعالى عليهم كانوا لا يكيلون المدح جزافاً ولا يطلقونه إطلاقاً؛ بل إنك إذا رجعت إلى كتب الجرح والتعديل التي فيها تقييم لرجال الحديث؛ وجدت العلماء من السلف في هذا الجانب يدققون جداً، لا يقولون: فلان إمام عدل ثقة ثبت، ورع زاهد تقي عابد إلا إذا كان من أهل هذه المنزلة فعلاً، أما إذا كان فيه شيء آخر فإنهم يبينونه، فلذلك مثلاً يقول الذهبي ﵀ في ترجمة إسماعيل بن سميع الكوفي: ثقة فيه بدعة، كونه ثقة ما منع الذهبي أن يقول: فيه بدعة، وكونه فيه بدعة ما منع الذهبي أن يقول عنه: ثقة ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف:٨٥] قال عنه: ثقة فيه بدعة.
وقال في ترجمة أبو سليمان داود المدني ﵀: ثقة مشهور له غرائب تستنكر، مع أنه ثقة مشهور لكن عنده غرائب تستنكر منه، ما منع الذهبي ثقة الرجل وشهرته أن يضيف هذه الإضافة: له غرائب تستنكر، لا بد من إنزال الناس منازلهم، وعدم إطلاق ألفاظ الثناء عليهم.
مثال أخير: قال الذهبي ﵀ في ترجمة طلق بن حبيب: من صلحاء التابعين إلا أنه يرى الإرجاء، وقال ابن حبان في نفس الرجل: كان عابداً مرجئاً، الإرجاء بدعة في الدين، وهو مذهب باطل إلا أنهم لما ترجموا لهذا الرجل قالوا: من صلحاء التابعين، هو صالح نعم، لكن عنده في فكره انحراف منهجي في قضية الإرجاء.
ومن أعظم المصائب في قضية المدح: مدح المنافق والفاجر أو الكافر بقول سيد، قال ﵊ في الحديث الصحيح الذي يرويه أحمد وأبو داود عن بريدة وهو في صحيح الجامع: (لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يكن سيدكم فقد أسخطتم ربكم).
قال العلماء في شرح الحديث: إذا قلت للمنافق يا سيدنا أو يا سيدي، وهذا الرجل سيد فعلاً عنده عبيد وعنده أموال وعنده جاه ومنصب، فإن قلت له: يا سيدي وهو منافق فعلاً فقد أسخطت ربك، فكيف إذا كان هذا المنافق ليس بسيد أصلاً، بل هو من عامة الناس، وهو منافق، وأنت تقول له: يا سيد أو يا سيدي؟! ولذلك قال النووي ﵀ معنوناً على هذا الحديث: باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بسيد ونحوه، قال الشارح في دليل الفالحين: ونحوهما -يعني: الفاسق والمبتدع- من الظلمة وأعوانهم، وبعض الناس اليوم عندما يخاطب الكفار يقول له بلهجته أو بلغته الأجنبية: نعم يا سيد، كما يقول بعض الطلبة للمدرس الكافر يقول له: يا سيد! هذا أيها الإخوة داخل في الحديث حتى ولو قالها بلغة الكافر، وهذه اللفظة شائعة على ألسنة كثير ممن يتعاملون مع الكفرة، لماذا هذا النهي وهذا التعظيم وقول الرسول ﷺ : (فقد أسخطتم ربكم) قال الشارح ﵀: لأن فيه تعظيماً لمن أهانه الله، الله يهين منافقاً أو مبتدعاً أو فاجراً ويتوعده في كتابه بالنار والعذاب والإهانة في الدنيا والآخرة، وأنت أيها المسلم تأتي وترفع هذا الرجل إلى مرتبة السيادة، إنه لأمر عجيب فعلاً! وهذا الشيء مقيد بمن لا يكون على نفسه ضرر في أهله أو ماله فلا كراهة حينئذٍ، وقوله: (فقد أسخطتم ربكم) أي: عظمتم من خرج عن عبودية الله واتخذ له ضداً ونداً، وكذلك العصاة فإنهم اشتركوا مع المنافق في الخروج من حزب الرحمن والانتظام في إخوان الشيطان.
هذا أيها الإخوة لا يجوز بحال، كثير من المسلمين اليوم يعظمون الفجار والفسقة والمبتدعين والمنافقين ويكيلون لهم ألفاظ الثناء والمدح بغير حساب.
نسأل الله أن يجنبنا وإياكم هذه الآفات، وإن يرزقنا وإياكم العدل في القول والعمل، وألا نبخس الناس أشياءهم، وصلى الله على نبينا محمد.
أستغفر الله العظيم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5119
نهي الشرع عن مدح الموت
الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا هو عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون، وأشهد أن محمداً ﷺ عبده ورسوله، أقام الله به الملة العوجاء، ودعا الناس إلى لا إله إلا الله وعلمهم ما ينفعهم في الدنيا والأخرى.
أيها الإخوة: ومما يتعلق بالموضوع كذلك: ما تراه أيها المسلم أحياناً في نعي الجرائد، فإن كثيراً من الناس إذا ذهب ينشر نعياً عن ميت من أصحابه أو من أهله، تراه يقول مثلاً في مطلع النعي: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٨] أو يقول في لقب: انتقل إلى رحمة الله فلان، أو يقول: المغفور له فلان قد مات في كذا وكذا، أو يقول: الشهيد فلان، أو مات شهيداً ونحو ذلك، إلى آخر ذلكم من الآيات التي يصدر بها النعي، وإلى آخر ذلك من الألفاظ: المرحوم فلان.
يا أخي المسلم ما يدريك بأنه مرحوم؟ ما يدريك لعله انتقل إلى غضب الله وعذابه بدلاً من أن ينتقل إلى رحمته؟ ما يدريك لعل نفسه أمارة بالسوء وليست نفساً مطمئنةً؟ كيف تحكم عليه؟ كيف تحكم عليه بهذه الأحكام فتقول هذا صاحب النفس المطمئنة: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٨ - ٣٠] ما يدريك أنه قد دخل الجنة عندما مات؟ ما يدريك بأن الله قد غفر له أو لم يغفر له؟ ما يدريك بأنه شهيد؟ ربما كان غير شهيد.
فلذلك أقرأ عليكم أيها الإخوة هذا الحديث الذي رواه البخاري ﵀، والذي يوضح لك بجلاء خطأ ونكارة ما يفعله الناس اليوم في هذه الأمور.
عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء الأنصارية -امرأة من الأنصار- قالت: لما هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة، كانوا فقراء ليس عندهم مأوى ولا مكان يبيتون فيه، إخوانهم الأنصار كانوا يحرصون عليهم أشد الحرص، فتقول المرأة: اقتسموا المهاجرين قرعة، كل واحد من الأنصار قال: أنا أريد فلان أنا أريد فلان، والمهاجرين قلة في العدد أقل من الأنصار، فماذا فعل النبي ﷺ ؟ قسمها بالقرعة، يأتي برجل من المهاجرين، فيقرع بين الأنصار فيخرج هذا من نصيب فلان فيأخذه معه في بيته، ويسكنه ويكرمه ويطعمه، قالت هذه المرأة ﵂: فصار لنا عثمان بن مظعون المهاجري رضي الله تعالى عنه، وأنزلناه في أبياتنا، أكرمناه فوجع وجعه الذي توفي فيه، نزل به المرض والوجع الذي أدى به إلى الوفاة، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه، تقول هذه المرأة التي أضافت هذا الرجل: ما علمت منه إلا كل خير، أي أنها ما رأته إلا عابداً مجاهداً في سبيل الله، تقول: رحمة الله عليك يا أبا السائب -وهي كنية عثمان بن مظعون - حتى هنا الكلام صحيح ودعاء بالرحمة له، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله ﷺ : (وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله! فمن يكرمه الله؟ فقال رسول الله ﷺ : أما هو فقد جاءه اليقين -أي: الموت- والله إني لأرجو له الخير).
انظروا إلى التصحيح والتعليل، المرأة قالت: شهادتي عليك لقد أكرمك الله، ماذا قال الرسول ﷺ ؟ (والله إني لأرجو له الخير) فلو قلت مثلاً: أرجو أن يكون فلاناً من أهل الجنة، أرجو أن الله قد أكرمه، نسأل الله أن يغفر له ذنوبه، نسأل الله أن يبلغه عليين، إلى آخر ذلك من ألفاظ الدعاء للميت، فلا بأس، لكن إطلاق الحكم له بالجنة وإطلاق الحكم له بالمغفرة أو الشهادة هذا مخالف لمذهب أهل السنة والجماعة، لأن من عقيدتهم أنهم يقولون: لا يجوز الحكم لمعين بجنة أو نار إلا من حكم له الوحي، فإذا حكم الوحي لـ أبي بكر أنه من أهل الجنة فنحن نقطع أنه من أهل الجنة، إذا حكم القرآن أن أبا لهب في النار قطعنا بأنه في النار، أما غير ذلك من الأشخاص لا نقطع لهم بجنة أو بنار إلا ما ورد في الوحي، بل نقول: إن فلاناً عمله من عمل أهل الجنة، وفلان عمله من عمل أهل النار، وهكذا.
ثم قال ﵊ مكملاً حديثه: (والله إني لأرجو له الخير، ووالله -انظروا أيها الإخوة إلى هذه العبارة- ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي).
ولذلك تقول هذه المرأة: فما زكيت بعده أحداً أبداً.
стр. 5120
كيفية الاعتدال في المدح
نقطة أخيرة في هذا الموضوع: عندما نقول بالنهي عن المدح والتمادح والثناء فلا نعني أيها الإخوة بأي حال من الأحوال الجفاف في معاملة الناس، وعدم الثناء على من يستحق الخير، وأنه إذا ورد أمامنا ذكر عالم أو رجل من المخلصين ألا نقول له كلمة مدح أو ثناء البتة، كلا أيها الإخوة، ولا يعني ذلك أيضاً أننا في حال الدعوة إلى الله لا نترفق بالناس، ونستثير كوامن الخير في أنفسهم بالثناء على ما فيهم من الخير، أنت كداعية عندما تريد أن تدعو إلى الناس لا تذهب إلى الرجل وتقول في وجهه: افعل كذا وكذا بدون مقدمات تستثير بها عاطفته وتفتح قلبه، فمثلاً تقول للرجل: أحسب أنك من أهل الخير هلا فعلت كذا وكذا، أحسب أنك من أهل طاعة الله لم لا تفعل كذا؟ أو تقول مثلاً لرجل وهو يصلي: يا أخي أنت من أهل الصلاة والحمد لله، وفيك خير كبير، وفيك إيمان ما دمت أنك من أهل الصلاة، لماذا لا تكمل هذا الإيمان بالإقلاع عن المعصية الفلانية والفلانية؟ وقد قال الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام
هذا الأسلوب أيها الإخوة مطلوب، تشجيع طلبة العلم أثناء تعليمهم بقول المعلم للرجل: أحسنت مثلاً، والثناء عليه لا بأس بذلك، تشجيع الناس الذين يفعلون الخير بالكلمات الطيبة لا بأس بها، بشرط أن يؤمن بأنهم لن يأخذوا كلامك هذا ويفسد نياتهم ويتركون العمل، وذلك بأن تقتصد في المدح وتعطي كل رجل الألفاظ المناسبة لحاله بغير أن تخرجه عن الحد المشروع.
ولذلك أيها الإخوة أبو سفيان المشرك لما أسلم ﵁، كيف أسلم؟ من الأسباب التي دعته للإسلام أن الرسول ﷺ أنزله منزلة فيها إظهار لبعض قدره حتى يؤلف قلبه على الإسلام، فلذلك قال ﵇ مخاطباً أهل مكة: (من دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل بيته فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن) لماذا قال هذه الجملة؟ قالها إعطاء لهذا الرجل شيئاً من المنزلة لعل الله أن يهديه، فأصاب أبو سفيان هذه المنزلة تأليفاً لقلبه، وهذا قدوة نقتدي بها أيها الإخوة في باب الدعوة إلى الله .
وفقنا الله وإياكم لمعرفته حق المعرفة، وعبادته حق العبادة، وأن نقوم بحقوق الله جل وعلا، وأن نقيم حدوده في أعمالنا وجوارحنا وألسنتنا، ونسأله تعالى أن يقينا وإياكم آفات اللسان فإنها مهلكة.
اللهم اجعلنا من الطائعين لك سراً وجهراً، ومن القائمين بحقوقك في الليل والنهار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.
стр. 5121
أهلا رمضان
جعل الله شهر رمضان موسماً للخيرات، وندب الناس للاجتهاد فيه، فهو زاد لباقي العام، وفوق هذا فقد وعد الله من صامه إيماناً واحتساباً بالخير الكثير، فكيف بمن قام بغير ذلك من أعمال الخير كالصدقة والبر والصلة إلخ.
وقد قام أعداء الله باستنفاذ كل طاقاتهم من أجل تفريغ هذا الشهر من كل ما فيه، فسلطوا على المسلمين فضائيات اشتكى الفضاء من محتواها، فكيف بعباد الله المؤمنين؟! فالحذر كل الحذر ممن يريدون أن يعبثوا بديننا وخصوصاً في مثل هذا الشهر الكريم.
стр. 5122
ترقب المؤمنين لشهر رمضان
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 5123
حرص الشرع على التشويق لشهر رمضان
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، شهركم على الأبواب، ونفوس المؤمنين تنتظر، والفرحة بقرب قدوم الغائب عمت القلوب التي تنتظره؛ لأن المؤمن يتطلع إلى موسم الخير، وإلى الأوقات الفاضلة، ليتعرض لنفحات ربه.
وها قد اقترب شهر الصيام، وتأججت في النفوس اللوعة ونيران الاشتياق لشهر رمضان، وتأتي الشريعة بالأحكام التي تؤدي إلى حصول الشوق والتطلع، فيقول النبي ﷺ : (لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا من كان يصوم صوماً فليصمه) فمن صام فيما تبقى من الأيام قضاءً عما فاته من رمضان الماضي، أو كفارة ليمينٍ ونحوه فلا بأس بذلك، وأما من صامه بنية الاحتياط لرمضان فهذا منهيٌ عنه، ومن كانت له عادةٌ فوافقت عادته قبل رمضان بيوم أو يومين فهو يستمر على عادته، فلو كان دخول رمضان الجمعة وكان معتاداً على صيام الخميس من قبل، فهو يصومه على عادته كما جاء في الحديث، أما من لم تكن له عادة وليس له قضاءٌ أو كفارة فممنوعٌ من الصيام قبل رمضان بيومٍ أو يومين، لماذا؟ ذكر العلماء عدة أسباب: أولاً: ألا يزاد في رمضان ما ليس منه.
ثانياً: الفصل بين الفرض والنفل.
ثالثاً: الاستعداد للصيام والتشوق له، فيدخل رمضان بطعمٍ جديد، وينحبس الناس عن الصيام ترقباً لدخول الشهر حتى يصوموا، حبستهم الشريعة عن الصيام قبله لكي يدخلوا به وقد استطعموه طعماً جديداً، وحبسوا عن الصيام قبله تشوقاً إليه، فهذه الشريعة تشوقهم لشهر رمضان.
стр. 5124
أخطاء الناس عند الاستعداد لشهر رمضان
ذكر العلماء أن بعض العامة يظنون بأن المراد بالفطر قبل رمضان وعدم الصيام هو اغتنام الفرصة للأكل؛ لتأخذ الأنفس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك، ولذلك يقولون في الأيام الأخيرة من شعبان: هي أيام توديعٍ للأكل، وبعضهم يسميها الشعبانية، وذكر بعض أهل اللغة أن أصل ذلك مأخوذ من النصارى، فإنهم كانوا يفعلونه قرب صيامهم، وليس المقصود بالمنع من الصيام قبل رمضان أن نستعد بالأكل ونشبع، كلا والله.
والعصاة يستعدون بالازدياد من المعاصي قبل دخول رمضان، ويقولون: حتى ندخل فيه فيغفر لنا، فيستهينون بالأيام الأخيرة من شعبان، كما قال بعضهم:
إذا العشرون من شعبان ولّت فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداحٍ صغارٍ فإن الوقت ضاق عن الصغار
ويكثرون من شرب الخمور قبل دخول الشهر والعياذ بالله.
ومن كان هذا حاله، ويظن أن التزود الآن بالشبع والمعاصي قبل دخول رمضان، فالبهائم أعقل منه، وله نصيبٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] وربما يكره كثيرٌ منهم صيام رمضان ودخوله، حتى إن بعض السفهاء كان يسبه لأجل أنه سيحرم فيه من الشهوات، والله جعل الليل مجالاً للأكل والشرب والنكاح، فليس ما سبق بممنوعٍ إلا ساعات، وفي هذا الفصل في هذا الشهر سيكون النهار من أقصر أيام السنة، وربما لا يحس الإنسان بكثير مشقة في الامتناع عن الطعام والشراب، فلابد ألا يُفقد لذة رمضان، وعليه بالازدياد من العبادات، ومن أراد الله به خيراً حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان وجعله الراشدين، ومن أراد الله به شراً خلى بينه وبين نفسه، فأتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين.
باع قومٌ من السلف جارية لهم، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان، لقد كنت عند قومٍ كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم.
وباع الحسن بن صالح ﵀ جارية له، فلما انتصف الليل قامت، فنادتهم: يا أهل الدار! الصلاة الصلاة، تقصد قيام الليل، قالوا: طلع الفجر، قالت: وأنتم لا تصلون إلا المكتوبة، ثم رجعت إلى الحسن الذي باعها، وقالت له: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني.
تتطلع النفوس إلى الشهر الكريم بالازدياد من العبادة، ويقبل الناس على الله تعالى بالدعاء أن يبلغهم هذا الشهر، ويستعدون لذلك بأنواع الاستعداد، ويدرسون أحكام الصيام، ويتنبهون إلى مسألة عقد النية قبل الفجر في أول ليلةٍ من رمضان على العزم على الصوم، والنية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة، ويحتاط إلى أن يستيقظ في جزءٍ من الليل قبل الفجر حتى يعلم هل دخل الشهر أم لا؛ ليكون عنده نية جازمة يدخل بها شهر رمضان.
يا من عليه صيام قضاءٍ! سارع، فما بقي شيء ويا من عصى الله! تب الآن وجدد التوبة، ويا معشر أصحاب الأموال! احصوا الزكاة استعداداً لإخراجها إذا كان الحول يحول في رمضان.
стр. 5125
الاستعداد الواجب لشهر الصيام
عباد الله: إن قوة الترقب لموسم العبادة يدل على قوة الإيمان، والفرح بالقدوم يدل على قوة الإيمان، وحسن الاستعداد يدل على قوة الإيمان.
فيا معشر الأئمة والدعاة إلى الله! بادروا بترتيب الدروس وحسن انتقاء الكتب، وشحن الناس لدخول الشهر، أتاكم شهر رمضان شهر مبارك، وكان عموم الناس يتراءون الهلال على عهد النبي ﷺ من تشوقهم وتطلعهم يقول في الحديث: (تراءى الناس الهلال) الناس يتراءون الهلال، الجود بالعلم والخلق، والقدوة أن يعد نفسه للاقتداء، جيء إلى النبي ﷺ في سفرٍ في رمضان، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإن الناس ينظرون ماذا فعلت، فدعا بقدحٍ من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه.
الدعاة قدوة فينبغي أن يكملوا أنفسهم، لا استعداداً بما فيه معصية كما يفعل الكثيرون، ينبغي إعداد المساجد لصلاة التراويح، ليس بزيادة الأنوار، فزيادة الأنوار في رمضان بدعة، وإنما بتنظيفها وتطيبها وليساهم أهل اليسر والمال في ذلك، فإن فيه أجراً عظيماً، المساجد التي لم تكتمل المساجد التي فيها نقصٌ في فرشها ونحو ذلك مما يحتاجه الأمر، وتجهيز أماكن النساء التي لا يكون فيها اختلاط بالرجال، ولا يجوز أن يحول المسجد إلى مجالٍ للدعاية والإعلان عن السلع التجارية، وتعلق الإعلانات وبعض التقاويم المطبوعة فيها خانةٌ الإمساك قبل الفجر بعشر دقائق وهي بدعة ضلالة.
أيها المسلمون: إن كثيراً من الناس يتجهزون، ولكن مع الأسف لا يتجهزون بالتقوى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] سيأتي رمضان في إجازة، ومعنى ذلك أننا سنتوقع سهراً طويلاً في الليل، والليل طويل، ومعنى ذلك: أن عدداً من الناس سيسهرون ثم يرقدون قبل الفجر، ومعنى ذلك: أن صلاة الفجر ستضيع، وربما رأيت اهتماماً بصلاة الفجر في أول ليلة أو ليلتين ثم يعود الأمر إلى المعتاد أو أقل من المعتاد، وبعض المسلسلات ستجتذب بعض الناس عن صلاة العشاء في الجماعة، وعن بعض صلاة التراويح، وسيأتون إلى المساجد متأخرين لأجل المسلسل الفلاني الذي يعرض؛ فتباً وتعساً لهم لهذا الاستعداد، يتأخر عن الصلاة لأجل اللهو.
стр. 5126
سهام الأعداء في رمضان
عباد الله: هذا الشهر مجالٌ عظيم لاستغلال الطاعات والعبادات، وفيه تضاعف الحسنات والأجور؛ لأن القاعدة الشرعية هي أن الطاعات في الأزمنة الفاضلة تضاعف، والسيئات في الأزمنة الفاضلة تضاعف، ونحن نعلم مكانة هذا الشهر جيداً، ونعلم مكانة الصيام في أركان الإسلام، ونعلم الأجر العظيم في الصيام والقيام والاعتكاف والعمرة في رمضان، وسائر العبادات وتلاوة القرآن.
ولما علم أعداء الله مكانة رمضان في الدين، وأنه شهر توبة للكثيرين والرجوع إلى الله سلطوا سهامهم على شهر رمضان، وأعدوا العدة للانقضاض على روح العبادة في هذا الشهر بأنواع المعاصي التي يجرون إليها الناس، فإذا نظرت وقرأت في الدعايات والإعلانات ماذا ستجد بمناسبة شهر رمضان؟ أصبح الآن قدوم رمضان مجالاً ومناسبة وفرصة للمعاصي بأنواعها، بمناسبة شهر رمضان خصومات على الاشتراك في القنوات الفضائية الأوائل في الفسق والمجون ومبارزة الله بالمعصية، ثلاثة أشهر مجاناً، تسهيلات في قيمة جهاز فك الشفرة خمس قنوات بكذا، وثلاث قنوات بكذا، كنا نعجب من حديث النبي ﷺ لما قال: (ورأيت رجلاً جالساً ورجلاً قائماً بيده كلوب من حديد -حديدة معوجة- يدخل ذلك الكلوب في شدقه ويشرشره ويقطعه من شدقه الأيمن إلى القفا، ثم يعود فيضع الكلوب في الشدق الأيسر ويشرشره إلى قفاه، فيعود الشدق الأيمن سليماً، فيعود فيشرشره وهكذا باستمرار، فسألهم: من هذا؟ قالوا: أما الذي رأيته يشق شدقه فكذابٌ يحدث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة).
والآن بعد وجود القنوات الفضائية لم يعد هناك مجالٌ للعجب، فإنهم ليس فقط يكذبون الكذبة حتى تبلغ الآفاق، وتحمله الموجات إلى أرجاء الأرض، وإنما يدبرون المؤامرات والمعاصي.
تحول شهر رمضان إلى شهر غناءٍ وطرب، وأمسيات رمضانية في المعصية، والأغاني والفلكلورات الشعبية ونحو ذلك، وكذلك الفوازير التي تعرض بالغناء مع اللوحات الاستعراضية الراقصة هكذا شهر العبادة! هكذا شهر الصيام!! مخطط أعداء الإسلام لتفريط رمضان من محتوياته، ما دام شهر توبة وعبادة لابد من الإغارة عليه، ولابد من تفريغه من محتوياته، ولابد من منع تأثيره على الناس، ولابد من عزل هذه الروح العظيمة في هذا الشهر عن الناس، لئلا يتنسموها كيف؟ بهذه المسلسلات والأغاني والعروض، والفوازير والاشتغال بها، ومكاتب تبيع الأسئلة، حتى قضية جمع المعلومات ليس فيها فائدة، وخصوصاً أن بعض هذه الأسئلة لا علاقة لها بالإسلام.
ثم برامج للطبخ، وطبق اليوم، ولقمة هنية طبق رمضان المأكولات العربية، إشغال ربات البيوت في الوقت الفاضل في وقت الصيام في اللحظات الغالية بمتابعة هذه الأطباق، وبعد الإفطار يعرضون مواقف كمودية، والكاميرا الخفية، ونجوم الفكاهة، ويعرضون مسلسلات عن التاريخ الإسلامي بزعمهم أن هذه الأشياء إسلامية، وهي في الحقيقة تشويهٌ -والله العظيم- للشخصيات الإسلامية، فشوهوا شخصية عمر بن عبد العزيز، وشوهوا شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية، وشوهوا شخصية صلاح الدين الأيوبي، وعرضوا المناظر المقذعة الفظيعة التي تبين أنهم عشاق، وهذا له علاقة بالنساء، ونحو ذلك من أنواع التبرج والفجور في الفيلم، ويمثله شخصٌ فاجرٌ يقوم بتمثيل رجلٍ من أبطال الإسلام.
وسنرى الدور على من في تشويه تاريخ المسلمين، ولو قاموا في هذه القنوات الفضائية العالمية التي تبث على العالم بأشياء من الدين أو إجابات أو برامج فإنها لا تخلو من التساهلات والتنازلات، وبالتالي ماذا سيكون أيها الإخوة؟! النهار ليس هناك دراسة عند الطلاب في هذا الشهر، سيتحول النهار إلى أي شيء؟ والليل إلى أي شيء؟ وأوقات صلاة التراويح إلى أي شيء؟ والليل في الألعاب والملاهي والمعاصي والتمشيات، والشباب على الأرصفة، وربما دقوا بالعود وعزفوا وفعلوا وفعلوا، ونظموا المباريات والسداسيات، واشتغلوا بالرياضة عن قيام الليل، وعن اغتنام هذه الأوقات الثمينة بالمعاصي أو الملاهي، ولو قلت: اللهو المباح، فأي غبنٍ أعظم من جعل هذه الأوقات مجالاً للفسق والفجور، وحتى اللهو المباح أليس غبناً؟ أليس خسارةً؟ عباد الله: هل يا ترى سننساق وراء مخططات أعداء الإسلام لتفريغ رمضان من محتوياته أم لا؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، وشتان شتان بين الذين سيسافرون إلى الخارج في هذا الشهر وينقطعون بالكلية عن مجتمعات المسلمين، ويعتبرونها سياحة في الأرض لا يسمع أذاناً، ولا يشهد صلاةً، وبين من سيعد العدة للذهاب إلى مكة.
أراد رسول الله ﷺ الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحجني مع رسول الله ﷺ ، قال: ما عندي ما أحجكِ عليه، قالت: أحجني على جملك فلان، قال: ذاك حبيسٌ في سبيل الله -أي: وقف في الجهاد- ثم أتى رسول الله ﷺ ، فقال: إن امرأتي تقرئ عليك السلام -أدب النساء- وإنها سألتني الحج معك، وقالت: أحجني مع رسول الله ﷺ على جملك، فقلت: ذاك حبيسٌ في سبيل الله، فقال: (أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله، قال: وإنها أمرتني أن أسأل ما يعدل حجةً معك؟ فقال رسول الله ﷺ : أقرئها السلام، وأخبرها أنها تعدل حجةً معي عمرة في رمضان) رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.
وأول رمضان هو ليلة الأول منه، فإذا غربت الشمس وثبت دخول الهلال بدأنا في رمضان، ومن أوقع عمرته في ليلة الواحد من رمضان -الليلة التي تسبق نهار الأول من رمضان- فقد أوقعها في رمضان.
عباد الله: الحذر الحذر من المعاصي، فكم سلبت من نعم، وكم جلبت من نقم، وكم خربت من ديار، فما بقي فيها ساكنٌ ولا ديَّار، وكم أخذت من العصاة بالثأر، وكم محت لهم من آثار.
يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر
فكل نفسٍ ستجزى بالذي كسبت وليس للخلق من ديانهم وزر
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل البصيرة، اللهم اجعلنا من أهل البصيرة، اللهم اجعلنا ممن عرفوا الشر فتركوه، وممن عرفوا الخير فسلكوا طريقه واتبعوه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5127
أصناف الناس في استقبال رمضان
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا هو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: رمضان سيصنف الناس أصنافاً شتى، فمنهم من سيكون همه طاعة الله تعالى صياماً وقياماً احتساباً للأجر ورجاءً للثواب، وطمعاً فيما عند الله، ويتوب إلى الله مما سلف، ويرجع عما كان من المعصية، ويجدد العهد مع الله، لينطلق فيما بقي من حياته إلى طاعة الله تعالى، وطريق الجنة، ومنهم من سيجعل هذا الشهر شهر نومٍ وكسلٍ ولهوٍ وبطالة، وجل النهار وهو نائم، وأكثر الليل وهو لاعب، وربما سهروا إلى بعد صلاة الفجر ثم ناموا وفاتتهم صلاة الظهر والعصر ليستيقظوا عند صلاة المغرب للأكل والشرب.
ومن الناس من سيكون هذا الشهر بالنسبة إليه موسماً للتسول، وسؤال الناس، وتأتيك المعاريض والأوراق ويطوف المحتالون على المساجد.
وينبغي للمسلم أن يكون كيساً فطناً، وأن يتحرى بزكاته وصدقته المحتاجين، وإذا لم يعرف المحتاجين والفقراء يدفعها للثقات من المسلمين ليوصلوها إلى المحتاجين حقاً، فلا يغتر بهؤلاء الذين جعلوا رمضان شهراً للتسول، والازدياد من المال وأكل الحرام.
ومن الناس من سيكون همه التفنن بالأكل والشرب وصنع المأكولات بأنواعها، والمفاخرة، ونصيحة للنساء بالاقتصاد، وعدم ملء هذه اللائحات وهذه القائمات بالمأكولات والمشروبات التي تدفعها إلى زوجها، ليندفع إلى السوق ويشتري الناس ثلاثة أضعاف ما كانوا يشترونه في الأيام العادية، هل هذا هو المطلوب في هذا الشهر؟ ثم تنشغل المرأة والخادمة معها بطبيعة الحال في المطبخ ساعاتٍ طويلة، ثم بعد ذلك تمد السفرة على الأصناف، وينهمك الجميع في الأكل وقد صوبوا أنظارهم تجاه الشاشة، ويزدادون شراهةً، وتمتلئ البطون بأنواع المأكولات والمشروبات، وما سيرمى في القمامة أكثر.
ثم جعل الصيام شافعاً للعبد يوم القيامة كما جعل للصائم فرحة عند لقاء الله.
يا عبد الله! الفرحة عند لقاء الله لا تعدلها فرحة، ومن فرح ذلك اليوم فلا يحزن أبداً: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] فهذا الصائم إذا لقي ربه فرح بصومه، والصيام يقول يوم القيامة: (أي رب! منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، فيشفع فيه).
стр. 5128
بشرى لكل محتسب لأجر الصيام
جعل الله رائحة فم الصائم الكريه عند الناس أطيب عنده من ريح المسك، وجعل الصوم جُنة ووقاية من عذاب النار، وأخبر نبيه ﷺ أن (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً).
يا معشر المسلمين: أبشروا أبشروا! (إن في الجنة باباً يقال له: الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم -خصوصية للصائمين- فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد).
يا عباد الله! اُشعروا بالنعمة العظيمة عندما تفتح أبواب الجنان في أول ليلة من رمضان، وتغلق أبواب جهنم وتصفد الشياطين.
هذه النعمة: تصفد الشياطين، وتفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النيران، وضاعف الأجور، وهو يقول لك: يا عبدي! هلم فاعمل، وكثر شهوة نفسك بما أعانك على ذلك من منعك عن الطعام والشراب في النهار، والجسد ينجذب إلى الأرض، والروح تحتاج إلى غذاء، وخفة المعدة والتجرد من الشهوات يؤدي إلى صفاء النفس وفراغ الخاطر، فيعرف المسلم تفاهة الدنيا، فيحن إلى الآخرة حنين الطائر إلى وكره، والسمك إلى مائه إنه الحنين إلى الآخرة.
فحيا على جنات عدنٍ فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم
أخرج أبونا من الجنة بمكيدة إبليس، والجنة وطننا الأصلي الذي نزل فيه أبونا الجنة هي الدار الأصلية لهذا المخلوق البشري، ولكن مكيدة إبليس أخرجت الأب من الجنة، فهل يا ترى سنرجع إلى وطننا الأصلي؟ هل سنرجع إلى أرضنا الأصلية أرض الجنة؟ هل سنرجع إلى تلك الدار أم لا؟ السعيد من رجع بسلام، والشقي من تاه عن درب الجنة، فسقط في عذاب النيران.
عباد الله: صيام شهر رمضان يعدل صيام عشرة أشهر: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) إيماناً بالله، وإيماناً بفرضية الشهر، وعدم الشك بوجوبه إيماناً بما أعد الله للمؤمنين، واحتساباً للأجر، فهو لا يزال يراجع نفسه ويذكرها بأجر الصوم، في نهاره يقول لنفسه: إلا الصوم، فإنه لله وهو يجزيني به إلا الصوم فإن جزاؤه بلا حساب، يرجو ثواب الله، ويأمل في موعود الله، ويتعلق أمله بهذه الحسنات العظيمة يوم يقال للصائمين: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] منعناكم عن الطعام والشراب والنكاح في نهار أشهر رمضان في أعماركم، خذوا الآن الأجر: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤].
الاحتساب مهمٌ جداً في حصول الأجر، والذي لا يحتسب لا يرجو رحمة ربه لا يأمل في الثواب لا تتعلق نفسه بالحسنات، فيفوته أجرٌ عظيم، تذكر الحديث إيماناً واحتساباً في كل أيام الشهر، تذكر الحديث (إيماناً واحتساباً) ولله ، عند كل فطرٍ تفطره في أيام هذا الشهر له فيه عتقاء من النار فيا فرحة الذي كتب في العتقاء في ليالي هذا الشهر، نسأل الله أن يكتبنا فيهم، ونسأل الله أن يجعلنا منهم، ونسأل الله ألا يحرمنا الأجر في هذا الشهر.
عباد الله: إذا كانت المسألة عظيمة إلى هذه الدرجة، وإذا كانت القضية خطيرة ولها شأنٌ عظيم، الأمة كلها مطالبة بأن تصوم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) وجعل القمر دليلاً عينياً على بلوغ الشهر أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، فعند ذلك تتجه الأمة وتتوحد، وقد آلمنا وآلم المسلمين تفرقهم شيعاً وأحزاباً، دولاً وبلداناً، تفرقوا والإسلام فيه ما يجمع (صوموا لرؤيته).
ولذلك قال جمهور العلماء: إذا رأى رجل ثقة من المسلمين الهلال صام المسلمون كلهم في أرجاء الأرض: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) لا حسابات ولا فلكيات، ولكنه دليلٌ عينيٌ، المسلم الثقة الذي يوثق ببصره وخبره إذا رأى الهلال صامت الأمة كلها.
стр. 5129
عتاب لكل من ضيع رمضان
عباد الله: إذا كانت القضية بهذه الخطورة فهل يجوز لنا أن نذهب الحسنات بالانشغال بالترهات والسيئات والأفلام والمسلسلات والمباريات والجلسات الفارغات، أو التسكع في الطرقات، أو اللهو بالسيارات، أو الازدحام في الأرصفة والطرقات؟ هل يجوز لنا إذا كان هذا هو الأجر، وهذا هو المغنم أن ننام ونضيع الصلوات أو نفوت الجماعات؟ هل يجوز لنا بأي حالٍ من الأحوال أن نسافر إلى بلاد الكفار للتمتع بالإجازات في موسم الخيرات؟ هل يجوز لنا أن نفعل المنكرات حتى في المساجد؟ هل يجوز أن يحول الشهر إلى شهر لهوٍ ولعب وصفقٍ بالأسواق، وتطوافٍ على المحلات وتتبعٍ للبضائع، والله يدعونا إلى مائدته، ونحن نعرض عنها؟ كلا والله، فاترك هذه الملهيات التي خطط لها أعداء الإسلام جيداً وحبكوا طرائقها حبكاً محكماً من أجل أن يلهوك أنت يا أيها المسلم لأنك أنت المستهدف وأنت غنيمتهم ومرادهم وبغيتهم، لا يجوز لك أن تجعل الحيلة تنطل وأن تقع في الفخ اترك اللهو اترك هذه الملهيات اترك الانشغال بالقنوات وما أدراك ما القنوات، وأقبل على الله تعالى عَِّد الطاعات خذ آداب الصيام من الحرص على السحور وتأخيره، وتعجيل الفطر، وعدم الإكثار من الطعام، ولا تشغلوا نساءكم في البيوت بالطبخ حتى لا يعود لهن وقتٌ يعبدن الله فيه جودوا بالعلم، جودوا بالمال، جودوا بالجاه في هذا الشهر، الأجر مضاعف، جودوا بالبدن، جودوا بالخلق الحسن، (كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان -كل ليلة اجتماع ثنائي بين النبي ﷺ وجبريل، ما هو موضوع الاجتماع؟ ما هو جدول الاجتماع؟ - فيدارسه القرآن) هذا شهر القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، (فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) فإن قلت يا عبد الله: إنني عازمٌ على الختمة، والله أيها الإخوة! إن الذي بدأ رمضان يريد الوصول إلى الله سيصل ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] وعدٌ قاطع من الله، لما غربت شمس الأمس ففتح ذلك الرجل مصحفه وأقبل على القراءة، عازم على البداية الصحيحة، أن يختم -والصحابة كانوا يختمون القرآن في كل أسبوعٍ مرة- سيختم، والذي لهى وأجل وسوف فلن يتقدم.
стр. 5130
نقاط على الطريق لمن أراد الخير
أولاً: أن يقرأ القرآن لله، لا من أجل الناس؛ لأن الله يقول لأحد الناس يوم القيامة: (ألم أعلمك ما أنزلته على رسولي؟ قال: بلى يا رب! قال: فماذا فعلت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به أناء الليل، وأناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلانٌ قارئ فقد قيل، ثم يسحب إلى النار).
ثانياً: أن يتلوه على طهارة، ويستقبل القبلة، ويستخدم السواك (إن أفواهكم طرق القرآن فطيبوها بالسواك) وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأفضل صيغها: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) الترتيل وتحسين الصوت التأني والترسل في القراءة الصبر على مشقة التلاوة لمن لا يحسن تهجي الحروف أو به علةٌ في نطقه البكاء والتباكي: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٩] وبكى النبي ﷺ عند قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً * ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً﴾ [النساء:٤١ - ٤٢].
ودخل عمر دير راهب فناداه فأشرف الراهب، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، فسألوه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: [ذكرت قول الله : ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤]] مع عملها ونصبها تصلى ناراً حامية؛ لأنها تعمل وتنصب في الباطل والبدعة والشرك.
وكتب عمر إلى رجلٍ سمع أنه يشرب الخمر: [من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان: سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣]] ولما بلغت الرجل الرسالة جعل يقرأها ويردد، ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى، وبعد ذلك نزع ما كان فيه من شرب الخمر.
يا أيها الناس يا عباد الله! لقد تفشى شرب الخمور في المجتمع تفشياً عظيماً، والأغنياء يشربون النوع الأصلي، والذين هم أقل يأخذون الزجاجة أو القارورة الكبيرة بخمسين والصغيرة بخمسٍ وعشرين، والذي يشرب الخمر يسقيه الله من ردغة الخبال يوم القيامة، وهي عصارة أهل النار، قرف وعرق وصديد وقيح أهل النار، هذا هو شرابه يوم القيامة، والذين أساءوا وأسرفوا على أنفسهم ينتهزون رمضان ليجعلوه فرصةً للتوبة، نريد أن يكون هذا الشهر -أيها المسلمون- شهر انقلاب في حياتنا، نريد أن نتغير فعلاً، نريد أن نحول مسارنا من مسار المعصية إلى مسار الطاعة، وعددٌ من الناس الذين يرتكبون المعاصي عندهم صراع نفسي، فإذا جاء رمضان غلبت نزعة الخير في أنفسهم نزعة الشر وأقبلوا على الله، وجاءوا إلى المساجد زرافاتٍ ووحداناً، يتقاطرون إلى بيوت الله تعالى، يشهدون الإفطار، يأكلون بعد صيام، ألا ليتذكروا أنه الذي قال: (يدع طعامه وشرابه وزوجته من أجلي) الذي قالها في الحديث القدسي (يدع شهوته)، وفي رواية: (يدع زوجته) يدع طعامه وشرابه من أجلي إذا كانت حلال وتركها لله وهي حلال؛ لأن الله أمره بتركها في نهار رمضان فحريٌ به أن يترك الآن الحرام الذي هو حرام في الأصل زنا خمر مخدرات علاقة بالنساء ربا أموال حرام ظلم، اترك وأقبل على الله، هذا موسم التغيير، فإذا لم تتغير الآن فمتى تتغير؟ وإذا لم تقبل الآن فمتى تقبل؟ بكى الصحابة من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق:١٩]، وقرأت عائشة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] فلا زالت تبكي وتبكي مدةً طويلة، وبكى الصحابة من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] وبكوا من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦] استبطأ الله إقبال قلوب المؤمنين، فقال لهم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد:١٦] ما جاء الأوان بعد، فإذا ما جاء الأوان في رمضان فلن يأتي في الغالب، هذه هي الفرصة، هذه رقة ما بعدها رقة، وفرصة ما بعدها فرصة، فغير يا عبد الله! وتخلص من اللهو، وتخلص من أدوات المنكر الآن قبل أن يفوت الأوان.
ثالثاً: من آداب التلاوة أن يكون بصوتٍ ليس بجهرٍ ولا مخافتة، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:١١٠]، أن يكون بين الجهر والإسرار، والإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو خاف أن يتأذى من بجانبه من صوته، والجهر أفضل لطرد الشيطان والنوم رتب السور، وحافظ على ترتيب المصحف ما أمكنك، فإنها السنة، وكف عن القراءة عند النعاس أو التثاؤب أو خروج الريح، وإذا مررت بسجدةٍ فاسجد، ولا تقطع القراءة لكلام الناس إلا عند الحاجة، وقف عند رأس الآية، والوقوف عند رءوس الآيات سنة وإن تعلقت في المعنى بما بعدها، واستحضر عظمة الله تعالى المتكلم بهذا القرآن، وقراءة التفسير تساعدك على التدبر، واستشعر بأنك المخاطب بهذا الكتاب، نسأل الله أن يجعلنا من أهل القرآن.
стр. 5131
حال السلف في رمضان
عباد الله: الجمع بين القيام والصيام وإطعام الطعام من أسباب دخول الجنان، ولذلك فإن هذا الشهر تجتمع فيه هذه الأمور، صيامٌ وقيامٌ وإطعام، ومن فطَّر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء، كان كثير من السلف يؤثرون بإفطارهم وهم صيام، منهم: عبد الله بن عمر وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل ﵏، وكان من السلف من يطعم إخوانه الطعام ويجلس يخدمهم.
وكان رجالاً من بني عدي يصلون في هذا المسجد، كما قال أبو السوار العدوي: ما أفطر أحدٌ منهم على طعامٍ قط وحده، إن وجد من يأكل معه أكل وإلا أخرج طعامه إلى المسجد فأكل مع الناس وأكل الناس معه.
إطعام الطعام، والإتيان به إلى المساجد التي فيها الفقراء والغرباء لإطعامهم، والمسألة تحتاج إلى تنظيم وترتيب حتى لا تتكدس الأطعمة في مكانٍ وتنقص في مكان، فاعملوا لذلك الجهد.
يا عباد الله! هذا الشهر فرصة لصلة الأرحام التي انقطعت، ولتطييب النفوس والخواطر والاسترضاء، وإزالة الشحناء وقلب العداوة والبغضاء إلى مودةٍ وإخاء، وصلة الأرحام تهلهلت عند كثير من الناس، وتقطعت بهم الأسباب، والمادة غلبت عليهم، ولذلك وجدت حالات كثيرة من المآسي، ولا بأس بالتهنئة بدخول الشهر زوروا أرحامكم وأقرباءكم في هذا الشهر بروا آباءكم وأمهاتكم في هذا الشهر العظيم.
أحد الناس عنده خيرٌ ونعمة، لكن لما رأى أباه قد بلغ من الكبر عتياً، وصار عالةً وكلاًّ وتعباً عليه ولم يطق أن يتحمل أباه في بيته.
ويقوم بخدمته، ذهب به إلى مستشفى العجزة والمعاقين، وتركه هناك وذهب، وبعد فترة من الزمن قفز الابن في بيته في بركة السباحة الموجودة في البيت، فوقع على رقبته فأصيب بشللٍ رباعيٍ كامل، لا يستطع حتى النطق، وفي النهاية لما رأوا أنه لا يفيد علاجه نقلوه إلى هذا المستشفى -مستشفى العجزة والمعاقين- وَوُضِعَ في سريرٍ بجانب سرير أبيه، وكان والده يقوم على خدمته، وهو ينظر إلى والده ويبكي، حتى الكلام لا يستطيع أن يتكلم، فقط ينظر إلى هذا الوالد الذي جنى عليه وعيناه تمتلئان بالدموع.
أيها المسلمون: نريد أن نجعل من هذا الشهر صلةً للرحم، كما أنه طاعة لله وإقبال على الله، كذلك هو شهر برٍ وخيرٍ وصلة.
اللهم إنا نسألك في هذا اليوم يوم الجمعة، وفي هذا الشهر شهر رمضان أن تعتق رقابنا من النار، اللهم أعتق رقابنا من النار، واغفر لنا يا غفار! اللهم قدمنا عليك في شهرك هذا بذنوبٍ كثيرة، وسيئات عظيمة، وأنت غنيٌ عن عذابنا ونحن محتاجون إلى رحمتك فلا تعذبنا، اللهم ارحمنا أجمعين، واغفر لنا ذنوبنا يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عتقائك في هذا الشهر الكريم، اللهم من كان منا مقصراً فرده إليك رداً جميلاً، اللهم من كان منا مشتغلاً بمعصية فارزقه التوبة منها يا رب العالمين! اللهم اجعلنا أخياراً أبراراً يا أكرم الأكرمين! اللهم انصر الإسلام وأهله اللهم انصر الإسلام وأهله في الأرض يا رب العالمين! اللهم اخز اليهود والنصارى والمشركين، اللهم اجعلها عليهم دماراً، اللهم أهلكهم وانصر المسلمين عليهم، اللهم اكشف أستار المنافقين، اللهم اهتك أستار المنافقين، اللهم واجعل عبادك الأخيار في خيرٍ ونصرٍ وعافية يا رب العالمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 5132
تأملات في الزلزال الأليم [١]
بدأ الشيخ في خطبته بالتحدث عن الزلزال الذي سيحدث عند قيام الساعة، ثم تطرق إلى موضوع الزلازل التي تحدث على الأرض عموماً، وبيَّن أن الزلزال آية من آيات الله يخوف بها عباده، فواجبنا عندما تقع هذه الكوارث أن نرجع إلى الله ونتوب، ونفزغ إلى الصلاة.
كما وضح أن من أسباب الزلازل الذنوب والمعاصي.
стр. 5133
زلزال الأرض عند قيام الساعة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
الجواب
=٦٠٠٠٣٩٤> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
الجواب
=٦٠٠٠٤٩٣> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
الجواب
=٦٠٠٣٦٠٢> يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
الجواب
=٦٠٠٢٥٩٥> يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
الجواب
=٦٠٠٤٩٨٢> إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً * وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً﴾ [الواقعة:٤ - ٧].
الجواب
=٦٠٠٦١٣٨> إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:١ - ٨].
عن عمران بن حصين ﵁ (أن رسول الله ﷺ قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير، رفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢] فلما سمعوا أصحابه بذلك حثوا الخطى وعرفوا أن عنده قولاً يقوله، فلما تأشفوا حوله قال: أتدرون أي يومٍ ذلك؟ ذاك يوم ينادى آدم ﵇، فيناديه ربه ، يا آدم! ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول له: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة) فأبلس أصحاب النبي ﷺ حتى ما أوضحوا بضاحكة، ولا ظهر لهم سنٌ من الأسنان التي تظهر عند الضحك، وفي رواية البخاري: (تغيرت وجوههم، ثم أخبرهم ﷺ : أن يأجوج ومأجوج ما كانتا في شيءٍ إلا كثرته، وقال: أبشروا واعملوا، وأمرهم بعمل الصالحات وإرضاء الله هذا الحديث رواه الترمذي وهو صحيح.
فإذاً من الأشياء التي تكون يوم القيامة زلزال عظيم جداً، وهو أعظم زلزالٍ على الإطلاق: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:٢] وقال بعض العلماء: إنه يكون في آخر الدنيا على مشارف يوم القيامة، فإذا تكلمت الأرض فهذا في يوم القيامة، هذا الزلزال ليس من زلازلنا الآن، إنما هو زلزالٌ عظيم جداً: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٢] ثم قال الله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٤ - ٥] تتزلزل الأرض زلزالاً عظيماً وتتكلم وتخبر بما فعل عليها من خير أو شر.
فيا أيها الإنسان! اعمل ما شئت فإن الأرض التي أنت عليها ستحدث يوم القيامة بما عملت عليها من خير أو شر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:٤ - ٥] وكان الزلزال ولا يزال من العذاب الذي يرسله الله على من يشاء من خلقه، فكان عذاب قوم شعيب الزلزال، من العذاب الزلزلة، قال الله عن قوم شعيب: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف:٧٨] هلكوا عن آخرهم: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف:١٥٥] ابتهل موسى إلى الله، قال المفسرون: كانوا لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل، هؤلاء السبعون لما يزايلوا قومه في عبادتهم العجل ولا نهوهم، فكان هذا من أسباب أخذهم بالرجفة، وقال الإمام مجاهد ﵀ في قول الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: الصيحة، والحجارة والريح، وقال الله: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال مجاهد ﵀: الرجفة والخسف وهما عذاب أهل التكذيب، وعن مجاهد قال: عذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة.
إسناده صحيح.
فالله يرسل العذاب من الأعلى والأسفل، من فوق ومن تحت، ولذلك في الدعاء العظيم: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، واحفظني من بين يديَّ ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) قال وكيع: هو الخسف، وهذا من أدعية الصباح والمساء التي ينبغي على المسلم يحافظ عليها، والشاهد من الحديث قوله ﷺ : (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) لأنه عذاب شديد؛ لأنه أخذٌ شديد.
ومن أشراط الساعة، قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل) رواه الإمام البخاري ﵀، وهذا من أشراط الساعة.
وفي الحديث الصحيح الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود قال ﵊ لأحد الصحابة: (يا بن حوالة! -قال للرجل الحوالي من بني حوالة- قال له ﵊ يا بن حوالة! إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة -قالوا: هو انتقال الخلافة من المدينة إلى بلاد الشام في عهد بني أمية- فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذٍ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك) فكثرة الزلازل ووقوعها دلالة على قرب قيام الساعة، وهي من وجهٍ رحمة من الله، الله يكفر بهذه الزلال أموراً كثيرة من الذنوب والمعاصي والآثام، قال رسول الله ﷺ : (أمتي هذه أمةٌ مرحومة، إنما عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل والبلايا) حديث صحيح.
стр. 5134
الزلزال آية من آيات الله التي يخوف بها عباده
فالزلازل إذاً آية من آيات الله، يخوف الله بها عباده، قال شيخ الإسلام ﵀: والزلازل من الآيات التي يخوف الله بها عباده، كما يخوفهم بالكسوف، وغيره من الآيات.
والحوادث لها أسبابٌ وحكم، فكونها آية يخوف الله بها عباده هي من حكمة ذلك، وكون الزلازل لها أسباب يشرحها علماء الأرض المقصود بهم طبعاً علماء طبقات الأرض، هذه الأسباب لا تنفي كون هذه الزلازل آيات يخوف الله بها عباده، مثل الكسوف، له سبب وله حكمة، السبب معروف من وقوع الكواكب الثلاثة الأرض والشمس والقمر في مسافات معينة في ترتيبٍ معين، فيكون كسوفاً أو خسوفاً، لكن الحكمة يخوف الله بها عباده، فينبغي ألا يخلط المسلم بين السبب والحكمة، وينبغي ألا يشغله السبب عن الحكمة؛ لأن الماديين الأرضيين الذي لا يؤمنون بالله رباً، ولا بالإسلام ديناً، ولا بمحمدٍ نبياً، إذا عرضوا قضية الزلازل فقصارى عرضهم لقضية الزلازل أنهم يتكلمون عن تحرك الصفحات الأرضية وعن الموجات والاهتزازات، هذا حسبهم، لكن نحن إذا سمعنا بها عرفنا أن هذه مجرد أسباب للزلزال (السبب الدنيوي) لكن الحكمة هي أن يخوف الله بها عباده، وهؤلاء كثيراً ما يكذبون، فيقولون: نتوقع زلزالا ولا يحدث، أو لا يتوقعون شيئا أصلا، ولا يخبرون عنه بشيء، آتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فاختلطت حساباتهم وكان الزلزال مفاجأة للجميع، لم يتنبأ أحد به، ولم يخبر عنه، بل إن الزلازل تحدث في العادة في المناطق الساحلية كما يقولون نتيجة تحرك الصفحات الأرضية، وقرب البحار ونحو ذلك، أما أن يضرب الزلزال في وسط قارةٍ، في وسط الأرض، فهذا ما لم يكن لهم بحسبان، فأين حساباتهم وأين تنبؤاتهم: ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] كل هذه آيات يا أيها الناس! قد خلت النذر من بين أيدينا ومن خلفنا، كل هذه أمور من الله يخوف الله بها عباده، له في ذلك حكم ، ولذلك فإنه يجب اللجوء إلى الله.
إن قضية الحسابات والأرقام، ومقياس ريختر لا يقدم ولا يؤخر في القضية، الآن حصل ما حصل، والمسألة هي اللجوء إلى الله، أما تحليلها علميا وفي حسابات أرضية، وقد ظهر فشله في كثير من الأشياء، وخابت توقعاتهم، بل إنهم فوجئوا كما فوجئ غيرهم، المقصود قول الله : ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء:٥٩] لكن أين الذي يخاف؟ قال الله : ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠].
بعض الناس لو حصلت الزلازل بعضها وراء بعض وتتابعت ليس هناك فائدة، قلبه ميت مظلم صلب، لا يدخل إليه شيء: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠]، ولذلك مهما حدث من الزلازل والخسف والآيات، فإن بعض القلوب القاسية لن تتحرك ولن تلين، وستستمر في الكفر والعجرفة مهما حصل لها: ﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:١٢٦] ويرسل الله الآيات للناس لأجل ماذا؟ ليحسبوها بمقياس ريختر؟ أهذا هو السبب؟ أهذه هي الحكمة؟ إنما يخوف الله بها عباده: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء:٥٩].
من الحكم في الآيات لجوء الناس إلى الله، تضرعهم إلى الله: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣] هلا فعلوا ذلك؟ ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣] الرسول ﵊ لما نزل عليه قول الله : ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: (أعوذ بوجهك) ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] الخسف والزلازل، قال: (أعوذ بوجهك).
الجواب
=٦٠٠٥٢٥٦> أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء:٦٨] سبحان الله!
стр. 5135
سرعة اللجوء إلى الله عند الكوارث
ولذلك العلماء لما تكلموا في موضوع الزلازل -ونقصد علماء الشريعة- تكلموا في هذا المبحث عن اللجوء إلى الله، تكلموا عن الصلاة وهل يصلى للزلازل كصلاة الكسوف أم لا؟ وهل يجتمع الناس للصلاة أم أنهم يصلون متفرقين؟ أخرج البيهقي بإسناد صحيحٍ عن ابن عباس في زلزلة بـ البصرة فأطال القنوت، ثم ركع، ثم رفع رأسه، فأطال القنوت، ثم ركع، ثم رفع رأسه فأطال القنوت، ثم ركع وسجد فقام في الثانية ففعل مثل ذلك، فصارت صلاته أربع ركعات وست سجدات، قال ابن عباس: هكذا صلاة الآيات، هذا قولٌ من أقوال أهل العلم يصلى لها كصلاة الكسوف، وعن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز في زلزلة كانت بـ الشام: " اخرجوا يوم كذا، ومن استطاع منكم أن يخرج صدقة فليفعل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] وإسناده حسن.
قال الشافعي ﵀ في الصلاة للزلازل: آمر بالصلاة منفردين، ويستحب أن يصلي منفرداً ويدعو ويتضرع لئلا يكون غافلاً، إذ بالرغم من هذه الأشياء يغفل الناس وهذه مصيبة، كل هذا التذكير وهذا التخويف ثم الناس قلوبهم جامدة، يتحدثون في الأشياء العلمية، فلئلا يكون غافلا يصلي منفرداً، يصلي ويدعو ويتضرع إلى الله .
النبي ﵊ كان إذا حزبه أمر، إذا كربه أمر أقبل على الصلاة، قال: وكذلك سائر الآيات كالصواعق والريح الشديدة، وقال الإمام أحمد ﵀: يصلى للزلزلة الدائمة؛ لأن النبي ﷺ علل الكسوف بأنه آية يخوف الله بها عباده، والزلزلة أشد تخويفاً، فأما الرجفة فلا تبقى مدة تتسع للصلاة، فإذاً من العلماء من قال: يصلون مثل صلاة الكسوف جماعةً، وبعضهم قال: يصلون منفردين، كالإمام الشافعي ﵀، وبعضهم قال: صلاة عادية: (إذا رأيتم الآيات فاسجدوا) رواه أبو داود بسندٍ صحيح.
فإذاً ينبغي الفزع للصلاة والخروج من المباني عند الزلزال ليس من الأمور المذمومة، وإنما هو اتخاذ أسباب النجاة، لكن بالأناة والرفق والحكمة، وقد كان المسلمون يفزعون إلى الصلاة عندما تحدث فيهم الزلازل، والزلازل قد حدثت، فمن الأمور ما قال الإمام الذهبي ﵀ في كتابه العبر في حوادث سنة (٢٣٢ للهجرة): كانت الزلزلة المهولة بـ دمشق ودامت ثلاث ساعات، وسقطت الجدران وهرب الخلق إلى المصلى يجأرون إلى الله، وهذا هو الشاهد، ومات كثيرٌ من الناس تحت الردم، وامتد إلى أنطاكية، وفي حوادث سنة (٢٣٣ للهجرة) ذكر ابن عساكر ﵀ في تاريخ دمشق فقال: زلزلت دمشق يوم الخميس ضحى فقطعت ربع الجامع وتزايلت الحجار العظام -يعني: عن أماكنها- ووقعت المنارة، وسقطت القناطر والمنازل وامتدت في الغوطة، فأتت على دارية والمزة وبيت لهية وغيرها، وخرج الناس إلى المصلى يتضرعون إلى قريبٍ من نصف النهار فسكنت الدنيا، وعاد الأمر إلى الهدوء، وهذا هو الشاهد.
ومن الأمور التي تندب عند حدوث هذه الآيات وعظ الناس وتخويفهم بالله ، أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسندٍ حسن عن صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر قالت: [زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر، فخطب عمر الناس، فقال: أحدثتم، لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم] قال: ما حصل إلا بسبب أمرٍ ارتكبتموه، وذنوب اقترفتموها، قال: [أحدثتم، لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم] يعني: يعظهم ويذكرهم بالله ، هذا ما ينبغي فعله من اللجوء إلى الله والصدقة، وقال العلماء: العتق وهو من أنواع الصدقات.
فإذاً اللجوء إلى الله والذكر والتضرع والدعاء والصدقات، نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا آمنين مطمئنين، وأن يدفع عنا الزلازل والمحن والبلايا، وأن يجعلنا وإياكم ممن بات في سربه آمناً، وممن حفظه الله بالإسلام قائماً وقاعداً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5136
الزلزال عقوبة أم ابتلاء ؟
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، أشهد أن لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، وأشهد أن لا إله إلا الله الحي القيوم مالك الملك، يفعل في خلقه ما يشاء: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] فلله الحكمة البالغة يفعل ما يشاء، هو الذي خلق الخلق إن شاء أحياهم وإن شاء أماتهم وهم داخلون في ملكه، وهم المقهورون الأذلاء بين يديه، إن شاء صعقهم وإن شاء خسف بهم وإن شاء رحمهم: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] مالك الملك يفعل ما يشاء، لا اعتراض على حكمه، ولا خروج لأحدٍ عن علمه، ولا عن فعله، ولا عن اختياره ، وله في كل فعلٍ حكمة، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، صلى الله عليه صلاةً دائمة إلى يوم الدين، صلى الله عليه بما هدانا وعلمنا وأرشدنا وذكرنا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون: هل الزلازل ابتلاء أم عقوبة؟ ما هو الفرق بين أن تكون ابتلاء أو عقوبة؟ إذا كانت ابتلاء لرفع درجات وزيادة حسنات، فقد تكون لأتقى خلق الله، الابتلاء قد يكون لأتقى خلق الله، ولو لم يعمل معصية، يزيد الله في حسناته ويرفع درجاته في الجنة.
أما إذا كان عقوبة فإنه يكون للمعصية، للشرك، للتوسل إلى الأموات والطواف بالأضرحة والقبور وتقبيل الأعتاب، وترك الشريعة وتحكيم الجاهلية، والكفر بالله، وشرب الخمور، وارتكاب الموبقات والملاهي والمحرمات بأنواعها، وأكل الربا، وعقوق الوالدين، وتولي الكفر، والتبرؤ من الإسلام وأهله، هذه من أسباب العقوبة، هل يمنع أن يكون الحدث ابتلاء وعقوبة في نفس الوقت؟
الجواب
كلا.
فإنه ابتلاء للمؤمنين، فكل مؤمن أصابه من البلاء ما أصابه، وهو طائع لله، يدعو إلى الله، متمسك بدين الله، موحد لله غير مشرك به، فإنه ابتلاء بحقه، فإذا مات أو سقط عليه البناء، أو جرح أو كسر، أو مات له أولاد أو زوجة أو أقرباء وانهدم بيته وتهشمت سيارته، وعدم أثاثه ونحو ذلك، هذا في حقه ابتلاء يزيد الله حسناته ويرفع به درجاته.
أما إذا كان من المتولين عن الله، المعادين لدين الله، الخارجين عن طاعة الله، فهذا في حقه عقوبة وشر مستطير نزل به، قد يرجع إلى الله فيتوب، وهذا هو المرجو، الله يذكرنا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام:٤٢] ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٤٨] لعلهم يعقلون ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢٢١] وقد لا يحدث له إلا الزيادة في الكفر والزيادة في المعاصي: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٦٠].
стр. 5137
عقوبة الله تعم الجميع
السؤال الثاني: هل يكون الحدث على الجميع؟
الجواب
قالت الصحابية الجليلة للنبي ﵊: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخبث) أي: انتشر، يهلك الجميع إذا كثر الخبث إلا المصلح: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥] والفرق بين الصالح والمصلح أن الصالح صالحٌ في نفسه، لكن لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا يجاهد في الله، أما المصلح فهو الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لحدوث العذاب ونزول الانتقام من الله على الصالح والطالح، أما الذين ينهون عن السوء هؤلاء قد يكون لهم ابتلاء يرفع الله درجاتهم، وقد ينجيهم ربهم بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
إذا كثر الخبث، إذا ظهر الفساد، إذا ترك الأمر والنهي نزلت العقوبة على الجميع، ولذلك يجب أن نكون أمارين بالمعروف ناهين عن المنكر، نجاهد في الله حق جهاده، وإلا فالويل لنا جميعاً بلا استثناء: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] إذا سكتوا عن الظالم أوشك أن يعمهم الله بعقابٍ من عنده، إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب، هكذا قال أبو بكر ﵁.
стр. 5138
الحكمة من حدوث الزلازل والكوارث
هل للحوادث والزلازل حكم من الله؟ طبعاً هي كثيرة، فمنها تذكير الأقوام وتخويفهم، وتذكير من حولهم: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد:٣١] لعلهم يعقلون، لعلهم يرجعون وتكون عقوبة وانتقاماً من الله لأهل الباطل، وهذا أمر آخر: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
ثالثاً: إشغال أهل الباطل بأنفسهم عن الكيد لأهل الحق، فيكونون مندفعين في الكيد لأهل الحق، ومحاربة المصلحين، ومحاربة الدعاة إلى الله فيشغلهم الله بأنفسهم.
رابعاً: اصطفاء شهداء لله: إذا كان الإنسان تقياً، مقبلاً على الله فأصابه زلزال، فقبضت روحه أو حصلت له جراحٌ وكسور وابتلي في ماله وأهله فماذا يكون؟ أما إذا مات في مثل الزلازل فإني لا أظنه إلا في حديث المصطفى ﷺ : (والهدم شهيد) الهدم: يعني: الذي ينهدم عليه بيته، ويذهب في هذه الحادثة فهو شهيد تجري عليه أحكام الشهداء، يعني: شهيد الآخرة.
أما في الدنيا فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه مثل بقية الأموات، لكنه في عداد الشهداء، والشهداء مراتب أعلاهم قتلى المعارك في سبيل الله، والهدم شهيد، فإذاً الذين يموتون تحت الأنقاض إذا كانوا من عباد الله الموحدين فنرجو أن تكون لهم شهادة.
وكذلك من الحكم إظهار أهل الخير على خيرهم، فإنكم تسمعون ونسمع جميعاً ما حصل من قيام الوعاظ بالتذكير، والخطباء المصلحين بأمر تنبيه الناس عن الذنوب والمعاصي في البلاد التي أصابتها الزلازل، وكذلك قيام الدعاة وأهل الخير بإغاثة المنكوبين ومساعدة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين ومد يد العون لهم، وهذا فيه فائدة عظيمة وهي إظهار الحق للناس، وأن أولى الناس بالناس هم الدعاة المصلحون، هم الذين إذا حصلت الفتن قاموا ينبهون، وإذا نزلت الكوارث وحلت قاموا يساعدون، يدفعهم الدافع الإيماني والرغبة في الثواب، ولذلك فإنهم يحتسبون الأجر من الله في تقديم كل مساعدة إلى من يحتاج إلى مساعدة، رغم قلة الإمكانيات وضعف الذات يقدمون ما لديهم، فيتعلم الناس كما تعلَّموا في كثير من الأزمات، أن أولى الناس بالناس هم الدعاة المصلحون، أهل الخير المستقيمون، أول من يعاون وأول من يشارك، وأول من يساهم بدون مرتبات، أطباء ومهندسون قاموا لله يساهمون في مساعدة الناس بدون رواتب، احتساباً، ولله حكم في تحطم معابد أهل الوثنية، والآثار الجاهلية، لو جلسنا نتأمل في حكم الله في الأحداث الواقعة والله ما ننتهي لو كان عندنا عقل أو ألقينا السمع ونحن شهداء.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا آمنين في أوطاننا، اللهم باعد بيننا وبين الزلازل والمحن، واجعلنا آمنين مطمئنين وسائر المسلمين يا رب العالمين، اللهم احفظ بلدنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه، اللهم ادفع عنا وعن المسلمين البلاء.
стр. 5139
حكمة إبراهيم الخليل
قصَّ الله علينا في كتابه من أخبار الأنبياء ما هو مجال للاقتداء، ومن هؤلاء أبو الأنبياء وإمام التوحيد إبراهيم ﵇، ففي هذه الخطبة ذكر لحياته ﵇ وجوانب من دعوته لقومه، إضافة إلى بيان مدى استسلامه ﵇ لأوامر الله تعالى مع ذكر بعض مناقبه.
стр. 5140
مولد إبراهيم ﵇ ونشأته
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.
إن الله قص علينا في كتابه من أخبار الأنبياء ما هو فعلاً مجالٌ للاقتداء والاقتفاء بأولئك الأنبياء، بل إن الله أمر نبيه ﷺ بالاقتداء بهم وبهديهم: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام:٩٠].
والأنبياء على مراتب، وقد فضل الله بعضهم على بعض: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وأفضل الأنبياء على الإطلاق نبينا محمد ﷺ والذي يليه في الفضل والمرتبة خليل الرحمن إبراهيم ﵇، هذا النبي الجليل الكريم الذي قام يدعو إلى الوحدانية ويحارب الشرك، وهذا أهم ما تميزت فيه دعوته من خلال عمله ومناظراته مع أهل الكفر، وكان مع ذلك إنساناً تتجلى فيه المعالم الجليلة التي أودعها الله في نفسه، وكان شخصية متكاملة، وهو بحق أبو الأنبياء، وهو الذي آتاه الله نبوة عظيمة، ومرتبة جليلة.
وُلد إبراهيم ﵇ في أرض بابل، وهي أرض الكلدانيين كما ذكر ذلك مؤرخو الإسلام، واسم أبيه آزر كما قال الله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام:٧٤] وقال الطبري ﵀: قال عامة السلف من أهل العلم: كان مولد إبراهيم ﵇ في عهد النمرود، هذا الملك الطاغية الظالم الغشوم، الذي جعل نفسه إلهاً يعبد، وحمل الناس على ذلك، وفي هذه البيئة الفاسدة من عبادة الأوثان والأصنام عاش إبراهيم ﵇، فلا يوجد أثر للوحدانية ولا للتوحيد؛ لأن البشرية كانت قد انحرفت في ذلك الوقت، فأراد الله أن يعيدها إلى التوحيد، فابتعث فيهم إبراهيم.
عاش إبراهيم ﵇ في هذه البيئة، ولما شب تزوج بـ سارة وكانت عقيماً لا تلد، وكان منذ صغره صائب الرأي، ثاقب الفكر، راجح العقل، قوي الحجة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١].
وقد ابتلاه الله بكلمات قيل: هن سنن الفطرة خمس في الرأس وخمس في الجسد، فأتمهن، فجازاه الله بالإمامة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة:١٢٤] وهكذا لا تكون المراتب العالية إلا بعد المجاهدة، فمن أراد أن يكون قدوة للناس وأن يكون إماماً يؤتم به، فلا بد أن يجاهد نفسه حاملاً لها على طاعة الله والتزام أوامره، فلما أدى الأمانة؛ رزقه الإمامة: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧] بما أمره الله به، وكان من صبره وجلده أنه اختتن كبيراً كما جاء في البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدُّوم) القدُّوم بالتشديد اسم آلة، وفي رواية: بالقدوم وهو اسم موضع.
стр. 5141
دعوة إبراهيم ﵇ لأبيه
ولما عرف إبراهيم التوحيد؛ سار إلى الله تعالى بخطى ثابتة يدعو قومه، فكان أول ما بدأ به دعوة أبيه إلى الإسلام وإلى التوحيد، فقد كان أبوه من عباد الأصنام ومن سدنتها، فبدأ به كما قال الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] وهكذا الترتيب في الدعوة يا معشر الدعاة! فيبدأ بالأقربين: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ [مريم:٤١ - ٤٥].
فكان جواب الأب الظالم الغشوم: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم:٤٦] هل أنت تريد أن تبتعد وتترك هذه الآلهة وتخرج عن عبادتها؟ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ [مريم:٤٦] عن هذه المفارقة للآلهة وهذه الدعوة التي أتيت بها: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ [مريم:٤٦] فارقني وابتعد عني وإلا رجمتك، كان هذا جوابه، فبماذا أجاب الولد البار بأبيه المشرك؟ ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ [مريم:٤٧].
هذا هو الأسلوب الدعوي الجذاب الذي حاول فيه إبراهيم الخليل، أن يكسر حجة أبيه وأن يعيده إلى جادة الصواب، لقد استخدم هذا الأسلوب الموجب للعطف والحنان، لكي يهدئ من ثورة أبيه المشرك ويحاول اجتذابه، لم يبدأ إبراهيم بالحديث عن غزارة علمه أو قوة حجته، وإنما تكلم بهذا النداء "يا أبتِ" المنطوي على غاية التواضع لهذا الأب له لعله يهتدي، كما أنه لم يصف أباه بالجهل ونفسه بالعلم وإنما قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ [مريم:٤٣] وهكذا تكون الدعوة مع كبار السن ومع الآباء والأجداد بالتلطف والرفق وإدخال عامل العاطفة والحنان والمناشدة والنداء؛ عل الله أن يفتح بذلك قلباً أغلف أو أذناً صماء أو عيناً عمياء.
كان استغفار الابن لأبيه في بداية دعوته؛ لما لم يتبين له بعد إصرار أبيه على الشرك: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة:١١٤] لكن لما: ﴿تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة:١١٤] ومات على الشرك: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤].
ولذلك قال النبي ﷺ كما في صحيح الإمام البخاري: (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة -سواد وغبرة- فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب! إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، فيقال: يا إبراهيم! انظر ما بين رجليك، فينظر فإذا هو بذيخ -أي: ضبع، متلطخ قذر منتن- فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار) قال الحافظ ﵀: وفي رواية إبراهيم بن طهمان: (فيؤخذ منه فيقول: يا إبراهيم! أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل، فينظر فإذا ذيخٌ يتمرغ في نتنه) ضبع في صورة قبيحة ورائحة منتنة.
وفي رواية أيوب: (فيمسخ الله أباه ضبعاً فيأخذ بأنفه - أي: إبراهيم يأخذ بأصابعه أنفه من نتن الرائحة- فيقول: يا عبدي! أبوك هو؟ فيقول: لا وعزتك) قال الحافظ ابن حجر ﵀: قيل الحكمة في مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه، لئلا يبقى في النار على صورته، فيكون غضاضة على إبراهيم، وهكذا ينتهي الأب المجرم بهذا المصير المخزي؛ لما رفض سماع كلام الولد الصالح، فماذا عسانا نقول لأولئك القوم الذين غلوا في طغيانهم وفجورهم، فلما هدى الله أولادهم إلى الصراط المستقيم من قاموا لهم بالنصيحة وبينوا لهم الطريق القويم، ولكن أخذتهم العزة بالإثم فلا يريدون الرجوع عن طريق الغواية إلى طريق الحق والهداية، ويصرون على الباطل ويستهزئون بالولد الصالح وهو يدعوهم إلى الله تعالى وإلى ترك الفجور والخنا على الكبر والشيب، وترك الخمرة في نهاية العمر، ولكن لا فائدة، فأي مصير ينتظرهم وهم المعرضون عن التذكير والنصح؟ فتباً لتلك الأفئدة ما أقواها على النار! وهي لا تقوى على النار.
стр. 5142
دعوة إبراهيم ﵇ لقومه
انطلق إبراهيم الخليل في دعوة قومه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٥ - ٨٧].
فماذا كان جواب القوم؟ وبأي شيء اصطدم إبراهيم الخليل في أول دعوته؟ لقد اصطدم بجدار عجيب، لقد اصطدم بعقبة كئود، لقد اصطدم بعائق كبير إنه تقليد الآباء والأجداد، فكان الرد من قومه على دعوته: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٧٤] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥١ - ٥٤].
واليوم يكون عائق تقليد الآباء والأجداد عائقاً كبيراً يصد عن ترك العادات والتقاليد المخزية المنافية للشريعة المتينة التي تنتشر في أوساط الناس لجهلهم، فكلما أردت أن تعلم شخصاً شيئاً من أحكام الصلاة ونحو ذلك، قال: وجدت أبي هكذا يصلي، ويستمر الخاطئ على الخطأ، وهكذا لو قلت: هذه عادة قبيحة، هذا جهل، قال: هكذا وجدنا أنفسنا منذ صغرنا وعلى هذا تربينا ونشأنا.
﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] فما معنى إذاً الاستمرار على العادات والتقاليد المخالفة للشريعة والشعور بالعيب والنقص إذا تركها الشخص؟ لا شك أن في ذلك سفاهة عقل وبعداً عن الحق وتقديماً للآباء والأجداد على الله ورسوله، وهذا مبدأ في غاية الخطورة، يذوق منه الدعاة الويل اليوم في واقع الناس.
وكان إبراهيم ﵇ قد أوتي حجة من الله، مؤيداً بالوحي، ينطق لسانه بالحق والحكمة، فبدأ في مناظرة قومه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] فهو من المؤمنين والمسلمين، ولم يشرك إبراهيم قط: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ [الأنعام:٧٦] والقوم موجودون حضور وشهود: ﴿رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] فكيف أتخذ رباً يأفل! ﴿فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * ﴿فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٨].
كانوا يعبدون الأصنام والأوثان فأراد بهذه الطريقة الذكية أن يستدرجهم بالكوكب والقمر والشمس إلى إقامة الحجة عليهم، والقوم يشاهدون هذه الظاهرة، وقال إبراهيم في نهاية كلامه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ [الأنعام:٧٩ - ٨٠] خوفوه بالآلهة، خوفوه بالأنداد والأصنام، ولكن إبراهيم يقول: ﴿وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام:٨٠ - ٨٢] لم يخلطوا ﴿إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢]، بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢].
أقام عليهم الحجة فأفحمهم وأسكتهم، ولذلك قال الله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:٨٣] ولا يجوز الاعتقاد بأي حال من الأحوال أن إبراهيم كان مشركاً أو أنه كان لا يعرف ربه، أو أنه كان محتاراً شاكاً فهذا قول الضلال، فإن إبراهيم كان موحداً وهذه طريقة للدعوة وللاستدراج وللإقناع والتنزل مع الخصم، ولا تدل بأي حال من الأحوال أبداً على إن إبراهيم كان مشركاً أو مشككاً أو متحيراً، فإن الله قال عنه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥] وقال العلامة الأمين الشنقيطي ﵀: ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:١٣٥] ولا في أي وقت من الأوقات، لم يكن إبراهيم ﵇ من المشركين.
стр. 5143
إبراهيم يحاجج النمرود
لم يكن إبراهيم بذلك الرجل يناقش الضعفاء والعامة ويترك الأقوياء والكبراء، وإنما كان يثبت الحق عند الجميع، لم يكن ليخاف في الله لومة لائم، ولذلك لما وصلت القضية إلى النمرود، قام إبراهيم لله بالحجة بين يديه فأمره ونهاه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٥٨] ألم تر إلى هذا الحقير! ألم تر إلى وتتعجب منه ومن حاله وغروره: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨] بدلاً من أن يشكر هذه النعمة إذا به يكفر ويشرك: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨] بدلاً من أن يشكر نعمة الملك إذا به يدعي أنه رب، ويقول إبراهيم أمامه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] بكل صلافة ووقاحة، أنا أحيي وأميت، فيأخذ رجلاً ويقتله، وآخر حكم عليه بالقتل فيعفو عنه، ويقول: أحييته، فلما يرى الداعية الفقيه أن هناك مجالاً للطاغية أو للفاسق والفاجر في المناقشة في أمرٍ الحق فيه واضح، ولكن يريد أن يرد، ينتقل إلى أمر لا يمكن فيه أن يرد: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] بهت وتحير واضطرب وتغير وأسقط في يده، فماذا عساه أن يقول الآن؟ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨] وهكذا قام إبراهيم لله بالحجة على هذا الطاغية.
стр. 5144
إبراهيم يكسر الأصنام
انتهز إبراهيم فرصة خروج قومه في عيدٍ لهم إلى خارج البلد على عادةٍ منهم وتقليد من التقاليد، بعد أن أقام عليهم الحجة: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٤ - ٥٨] لما خرجوا ادعى إبراهيم المرض: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩].
وذلك لكي يعقد لهم هذه الخطة التي تبين لهم في النهاية سفه الرأي وضلالة، فلما خرجوا دخل بيت الأصنام وراغ عليهم ضرباً باليمين، بفأس في يديه راح يكسرها حتى جعلها جذاذاً حطاماً مكسرة كلها إلا كبيراً لهم وضع الفأس في يده إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار، أراد أن ينبههم أيضاً فكيف بالله الواحد القهار؟ ترك الكبير والفأس معلقة في يد الكبير، كأنه يقول لهم: إنه غار من أن تعبد معه هذه الصغار، ليقول لهم بطريقة غير مباشرة: فكيف بالواحد القهار تعبدون معه هذه الأحجار؟! فرجع القوم من عيدهم، ويا لهول ما رأوا! لأن أعظم شيء عندهم عبادة هذه الأصنام، فكان الهم الوحيد لهم: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩] وبدأ التحقيق والبحث والسؤال وجمع الأقوال واتجهت الأنظار إلى إبراهيم الخليل: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] كان فتىً عندما فعل ذلك، كان في مقتبل العمر: ﴿سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١].
هذه المحاكمة والنهاية للإجرام الذي فعله، بدأت المحاكمة العلنية وتقاطر الناس من كل مكان وبدأ التحقيق مع هذا الذي فعل: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٢] كان بإمكانه بأن يقول من البداية: أنا فعلتها ولا يخشى في الله لومة لائم، لكن عنده أمل أن يقتنع القوم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] قيل: هي تورية، وقيل: إن كان ينطق فهو الذي فعله، استخدم إبراهيم ﵇ هذا الأسلوب لإقناع قومه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣].
وهنا كأن القوم قد أسقط في أيديهم: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء:٦٤ - ٦٥] لم يعلوا جواباً ولم ينطقوا بكلمة؛ لأن الحجة قوية فعلاً، هل فعله هذا؟ إذا كان لم يفعله هذا وفعله إبراهيم، فلماذا نعبد هذا إذاً وهو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، نعبد أصناماًَ لا تستطيع أن تدفع عن نفسها؟! وإن كان فعله هذا غيرة على نفسه من الصغار، فكيف إذاً بالواحد القهار؟! فـ ﴿نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء:٦٥] لقد ألجمتهم الحجة والكلمة البينة القاطعة، وهكذا يجب أن تكون الدعوة بلسان واضح صريح وحجة بينة دامغة تسكت المعاند وتلقمه حجراً.
الجواب
=٦٠٠٢٥٤٨> قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:٦٦ - ٦٧].
ولكن الذي يبتلى به كثير من الناس هو العناد والمكابرة رغم وضوح الحق: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٦٨] وانتقموا من أجلها: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨] جمعوا الحطب وأججوا النيران، وألقوا إبراهيم فيها جزاءً أمام الناس، ولكن الذي خلق النار قادر أن يسلب منها خاصية الإحراق: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩].
فكانت برداً قلع منها الحر، وسلاماً على إبراهيم: لا يؤذيه لا حرها ولا بردها: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٧٠] وهكذا ينجي الله أولياءه وعباده الصالحين من الشرور إذا هم توكلوا عليه وأنابوا إليه، وهذا درسٌ عظيمٌ ينبغي أن يتأمل فيه كل إنسان يقوم لله بالحجة.
إن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه، فلذلك كان فيها أجر لمن قتلها، من قتل وزغاً من أول ضربة كان له مائة حسنة، والثانية خمسون حسنة، كله تذكير بعهد إبراهيم، وأمر إبراهيم، وكان لـ عائشة رمح تقتل به الأوزاغ.
قال ابن عباس: [كان قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل] حسبي الله: يكفيني، ونعم الوكيل، ولذلك نجاه الله من النار، إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب ولأولي الأبصار.
فاعقلوا واتعظوا يا أيها المسلمون! من سيرة هذا النبي الجليل، أحبوه من قلوبكم؛ لما قام لله بالحجة والحق، أَحِبُّوه؛ لأنه كان إماماً وقدوة، أَحِبُّوه؛ لأنه كان موحداً لا يخاف في الله لومة لائم.
اللهم اجعلنا على ملة إبراهيم، وارزقنا اتباع التوحيد والدين القويم إنك أنت الغفور الرحيم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 5145
ضيافة إبراهيم ﵇ للملائكة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﷺ ، خاتم الأنبياء والمرسلين وإمام المتقين، وحامل لواء الحمد يوم الدين، وصاحب الشفاعة العظمى الذي ترغب إليه الخلائق كلهم حتى إبراهيم، كما جاء في الحديث الصحيح عنه ﷺ وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: لم يكن إبراهيم داعيةً إلى التوحيد فحسب، وإنما كان إنساناً كريماً يكرم الضيف كما قال النبي ﷺ : (كان أول من أضاف الضيف إبراهيم) ومعلوم خبر الملائكة الذين أتوا إليه، وكانوا يريدون القضاء على قوم لوط الذي كان من آل إبراهيم موحد مثله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٥] فرحب بهم ولو أنه لا يعرفهم، وفتح الباب لأجلهم، دخلوا عليه فقالوا سلاما، أي: بابه مفتوح للضيوف، فراغ إلى أهله خفية حتى لا يشعروا بالحرج، لأنه يريد أن يقدم لهم ضيافة: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات:٢٦] جاء بعجل سمين على وجه السرعة، عجل مشوي على الرضف المحمى، طعام نفيس للضيوف، ولم يقل: تعالوا وإنما قربه إليهم ودعاهم إلى الأكل فقال: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧]؟ حتى يبتدءوا، لأن الناس يجلسون على الطعام ينتظرون إشارة المضيف، وإبراهيم يسارع ويقول: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات:٢٧] وسائر أنواع كرم الضيف تجدها في سيرته ﵇ وهو يكرم أولئك الملائكة الذين لم يأكلوا؛ لأنهم لا يأكلون.
стр. 5146
استسلام إبراهيم ﵇ لأوامر ربه
لقد كان إبراهيم مسلماً لأمر ربه لا يخرج عن طاعته، وكان استسلامه لأمر الله عجيباً يتمثل ذلك في عدة مواقف منها:
стр. 5147
حادثة ذبح ابن إبراهيم
في حادثة الذبح المشهورة، إبراهيم ما كان ينجب من زوجته، ومع ذلك يدعو الله ولو كان في الكبر، يقول: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] ولم يقل: هب لي ولداً ذكراً وإنما ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يريد صالحاً؛ لأن مجرد الولد قد يكون عاراً وشناراً على أبويه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] فتعلم يا عبد الله! يا أيها المتزوج! كيف تطلب الولد من الله من سيرة أبيك إبراهيم ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
المهم أن يكون صالحاً: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات:١٠١ - ١٠٢] لما كبر الولد وشب وأطاق السعي مع أبيه، إذا بهذا الابتلاء العظيم من الله: يرى إبراهيم في المنام رؤيا ورؤيا الأنبياء حق: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] الولد من تربية الوالد: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٢ - ١٠٣] الولد والوالد: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] قلبه على قفاه لكي لا يشاهد علامات التألم عند الذبح، فربما يتردد، فشرع في الذبح ولكن الله كان يريد أن يبتلي ابتلاء يرفع به درجة ذلك النبي وولده: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٦].
أن يذبح الولد الذي جاءه الآن بعد انتظار سنين طويلة دون إنجاب، بعدما بلغ معه السعي، فأي استسلام هذا! وأي طاعة لأمر الله! وفداه الله بذبح عظيم صار شعاراً وسنة وإلى الآن يذبح الناس الضحايا تذكيراً بسيرة ذلك النبي الكريم.
стр. 5148
ترك إبراهيم لزوجه وولده في مكة
أيها الإخوة: لقد كان إبراهيم ﵇ آية من آيات الله ، كان إبراهيم نبياً كريما، تجلى استسلامه أيضاً لله لما ترك ولده وأم الولد في مكة في أرض ليس فيها بشر ولا زرع لأن الله أمره بهذا، ورفض أن يتردد ومضى حتى علمت ولحقت به أم الولد تقول: أين تتركنا في هذا المكان؟ حتى علمت أن الله أمره بهذا، فقالت: لن يضيعنا.
كان إبراهيم يرجع ليتفقد أولاده وتركته، فهو يرعى مصلحة الأسرة فلما رأى الزوجة التي عند ولده فيها فساد واعوجاج أمر بطلاقها، ولما رأى الزوجة التي تليها صالحة بارة، أمر بإبقائها.
стр. 5149
من مناقب إبراهيم ﵇
كان إبراهيم يستعين بولده في بناء البيت، وهو يدعو أن يبعث الله فيمن بعده نبياً حتى تستمر الدعوة ويستمر التوحيد؛ لأنه يعلم أنه ميت، فإبراهيم حريص على مستقبل هذه البشرية، ولذلك فإن لهذا النبي الكريم من المناقب أموراً كثيرة: الأولى: أنه أول من يكسى من الخلق كما قال النبي ﷺ ، ونحن نتبع في الحج كثيراً من شعائر إبراهيم، كونوا على مشاعركم هذه، فإنكم اليوم على إرث من إرث إبراهيم، ونحن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى كما أمرنا: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [البقرة:١٢٥].
وقد كان النبي ﷺ يحب إبراهيم حباً شديداً حتى سمى ولده باسمه: (إنه ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم)، ولما شبه الأنبياء قال: (أما إبراهيم فأشبه الناس بي فانظروا إلى صاحبكم) يعني نفسه، ولقد استفدنا من إبراهيم حياً وميتاً، واستفدنا من إبراهيم بعد وفاته بهذه السيرة التي ذكرها الله لنا، ونستفيد منه لكفالة أولاد المسلمين الذين ماتوا، قال النبي ﷺ : (أطفال المسلمين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة).
فهنيئاً لك يا عبد الله، يا من مات لك ولد وأنت في الإسلام ثابت على هذا الدين صابر ومحتسب لأمر الله، فإن ولدك عند إبراهيم، لقد استفدنا من إبراهيم بعد وفاته في أنه يكفل أولاد المسلمين، وهذه وصية من إبراهيم لنا بعد وفاته، قال النبي ﷺ : (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام -هذا إبراهيم يسلم علينا نحن أمة النبي ﷺ وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) فمن شاء أن ينفذ وصية إبراهيم له، وأن يقوم بهذه الوصية من إبراهيم بعد موته؛ فليأخذها إذاً بكثرة ذكر الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر اليهود والمشركين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم إنهم طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد؛ فصب عليهم سوط عذاب، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يخافك ويتقيك، اجعلنا من عبادك الأخيار، وجندك الأبرار، وارحمنا في هذه الساعة في هذا المكان يا أرحم الراحمين.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
стр. 5150
ذكرى المثوى
هذا اللهو وهذه الغفلة، وهذا التجاهل المتعمد لحقيقة وجودنا، كل ذلك يمثل احتشاداً لمهرجان البكاء الأعظم، والحزن الذي لا ينتهي، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، فالموت أمره عظيم، وكفى به واعظاً!! وهذه المادة عبارة عن تنبيهات هامة في موضوع الموت وسكراته، وكيف أهمّ السلف وأهمله الخلف، وكيف ينبغي أن نتعامل معه كحقيقة مرة لا محيص عنها.
следующие страницы →