Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6686–6725 · переход к 6691.
стр. 6686
أنواع شهداء الآخرة
شهيد الآخرة الذي يكون له أجر شهيد في الآخرة لكنه في الدنيا يطبق عليه ما يطبق على الميت العادي فهذا أصناف منهم المقتول ظلماً من غير قتال، وكالميت بأنواع من الأمراض ونحو ذلك، وكالغريق في البحر الذي ركبه وكان الغالب فيه السلامة بخلاف من ركبه وكان الغالب عدم السلامة، أو ركبه لإتيان معصية من المعاصي ونحو ذلك، فأما الاستشهاد في ساحة القتال فإن أجره عظيم جداً، وهو قمة مراتب الشهادة، ولا يمكن لأي نوع آخر من الشهداء أن يصل إلى هذا المقام، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٠ - ١٧١] وقال ﷺ : (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه).
وجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي وسنده صحيح، فترجى هذه الشهادة لمن سألها مخلصاً من قلبه ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة لقوله ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق؛ بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ولذلك كان لا بد من سؤال الله الاستشهاد في سبيل الله بصدق لتحصيل هذا الأجر العظيم، ولو مات الإنسان حتف أنفه.
- وكذلك من أنواع شهداء الآخرة: الموت غازياً في سبيل الله لقوله ﷺ : (ما تعدون الشهيد فيكم قالوا: يا رسول الله! من قتل في سبيل الله فهو شهيد.
قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قالوا: فمنهم إذاً يا رسول الله؟ قال: من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد).
- عباد الله ومن أنواع شهداء الآخرة: الموت بالطاعون، قال ﷺ : (الطاعون شهادة لكل مسلم) وقال -أيضاً- لما سئل عن الطاعون: (إنه كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد) وقال ﵊: (يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء.
فيقال: انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دماً، ريح المسك، فهم شهداء، فيجدونهم كذلك).
وكذلك فإن من أنواع شهداء الآخرة من مات بداء البطن لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: (إن شهداء أمتي إذاً لقليل -ثم ذكر أنواعاً- ومن مات في البطن فهو شهيد) وعند عبد الله بن يسار قال: كنت جالساً وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة فذكروا أن رجلاً مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهداء جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : (من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره، فقال الآخر: بلى، وفي رواية: صدقت).
- وكذلك من أنواع شهداء الآخرة الموت بالغرق والهدم لقوله ﷺ : (الشهداء خمسة: المطعون -الذي أصيب بالطاعون- والمبطون -الذي قتل بداء البطن ومات بسبب مرض في بطنه، وأمراض البطن كثيرة ومنها: الكوليرا- والغرق -الذي مات غريقاً- وصاحب الهدم -الذي انهدم عليه بيته، الذي يسكن فيه، أو وقع عليه جدار أو حائط، مات بسبب الهدم، وكثير من الذين يموتون في الزلازل كذلك- وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله).
- ومن أنواع شهداء الآخرة موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها لحديث عبادة بن الصامت: (أن رسول الله ﷺ عاد عبد الله بن رواحة فما تحوز له عن فراشه -أي: تنحى- فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قال: قتل المسلم شهادة.
قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء -التي تموت وفي بطنها ولد- والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة يجرها ولدها بسرره إلى الجنة) والسرة: ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، هذا هو السرر، الحبل السري يجرها به ولدها إلى الجنة، وهذا مخصوص بالمسلمة التي تموت في حمل صحيح، ولذلك استثنى العلماء من هذا الحديث من ماتت بحمل من زنا والعياذ بالله.
- وكذلك من شهداء الآخرة الموت بذات الجنب كما قال ﷺ : (وصاحب ذات الجنب شهيد) وهو ورم يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع، أورام في الجانب يموت بسببها الإنسان، ونرجو -إن شاء الله- أن يكون كل مسلم مات بالسرطان من شهداء الآخرة الذين لهم أجر شهيد، الميت من ذات الجنب شهيد.
- وكذلك من أنواع شهداء الآخرة الموت بداء السل لقوله ﷺ : (القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة) قال في الحديث: (والسل شهادة، والبطن شهادة) فالذي يموت بالسل شهيد إن شاء الله.
وكذلك الموت في سبيل الدفاع عن المال المراد غصبه قال ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد) وعن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله -وليس الأمر للوجوب- قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار) رواه مسلم.
وعن مخارق ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يأتيني يريد مالي؟ قال: ذكره بالله، قال: فإن لم يذكر؟ قال: فاستعن عليه من حولك من المسلمين، قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإن نأى السلطان عني وعجل علي؟ -هذا اللص قاطع الطريق عجل علي ولم يكن هناك وقت للاستنجاد- قال: قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة أو تمنع مالك).
- ومن الشهداء -أيضاً-: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس، قال ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد -الذي يقتل دفاعاً عن عرضه- ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) وقال ﵊: (من قتل دون مظلمته فهو شهيد).
والموت في الرباط في سبيل الله من أعظم الميتات وأطيبها، قال ﵊: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان).
وأما من مات على عمل صالح قبض عليه فإنه من علامات حسن خاتمته، قال ﷺ : (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن صام يوماً ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة).
- أيها المسلمون وإن من أعظم أنواع الشهادة -أيضاً- الموت بالحرق لقوله ﷺ : (الشهداء سبعة سوى القتل في سبيل الله) وقال: (والحرق شهيد) فالذي يموت محترقاً فهو من أنواع الشهداء، ولا يصح التساهل في إطلاق لفظ الشهيد على الأشخاص، فالله أعلم من الذي يموت شهيداً في سبيله.
نسأل الله تعالى أن يحسن خاتمتنا، وأن يتوب علينا، وأن يوفقنا لعمل الصالحات وترك المنكرات، وحب المساكين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 6687
أحكام شهداء الآخرة في الدنيا
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا الله رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله إن النبي ﷺ حذرنا وهو يحذر أمته من كل شر من خطورة النار، فقد روى البخاري ﵀ عن أبي موسى قال: احترق بيت بـ المدينة على أهله، فحدثت النبي صلى الله علي وسلم بشأنهم، فقال: (إنما هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم) ونظراً لشناعة الاحتراق كان النبي ﷺ يستعيذ من الموت بها، لا لأنه ليس له أجر شهيد بل لشناعتها في الدنيا، فكان رسول الله صلى الله علي وسلم يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً) رواه النسائي وأبو داود وهو حديث صحيح، لكن إن حصل ومات بالحرق فإن له أجر شهيد كما تقدم، والله يفعل ما يشاء، وهو أعلم بمصائر العباد، وهو مقدر الأقدار .
وهؤلاء الأصناف الذين تقدم ذكرهم من شهداء الآخرة ماذا يفعل بهم من جهة الأحكام في الدنيا؟ قال العلماء: لا يغسل الشهيد -أي: قتيل المعركة مع الكفار- سواء كان مكلفاً أو غير مكلف إلا إن كان جنباً أو امرأة حائضاً، أو نفساء طهرت من حيضها أو نفاسها، وإن سقط من دابته، أو وجد ميتاً، أو سقط من شاهق في القتال، أو رفسته دابة في القتال، أو عاد إليه سهمه الذي أطلقه بالخطأ فالصحيح أنه يغسل إذا لم يكن ذلك من فعل العدو، لكن إن قتله العدو فلا يغسل ويبقى أثر الشهادة عليه، ومن قتل مظلوماً بأي سلاح كقتيل اللصوص ونحوه يلحق بشهيد المعركة في أصح الروايتين في مذهب الإمام أحمد ﵀، وقال بعض العلماء بتغسيله، وكذلك الغريق والمبطون والمرأة التي ماتت في الولادة فإنهم شهداء في الآخرة يغسلون باتفاق الفقهاء.
وأما الميت المحترق فقد ذهب العلماء إلى أن من احترق بالنار يغسل كغيره من الموتى إن أمكن تغسيله؛ لأن الذي لا يغسل إنما هو شهيد المعركة، ولو قتل في المعركة محترقاً أو أحرق العدو حصناً للمسلمين ونحو ذلك كان شهيداً لا يغسل، أما المحترق خارج المعركة فهو من شهداء الآخرة لا تجري عليه أحكام شهداء الدنيا فإنه يغسل، فإن خيف تقطعه بالغسل يصب عليه الماء صباً ولا يمس، فإن خيف تقطعه بصب الماء لم يغسّل، ولكن ييمم إن أمكن كالحي الذي يؤذيه الماء، وإن تعذر غسل بعض دون بعض غسل ما أمكن غسله، وييمم الباقي كالحي سواء.
وهذا المحترق يصلى عليه صلاة الجنازة، لأنه لا وجه لترك الصلاة عليه فإنه يصلى عليه ولو صار رماداً، يجمع رماده ويصلى عليه، وقال بعض أهل العلم بعدم الصلاة عليه واشترطوا حضوره أو حضور أكثره فإنه إذا صار رماداً لا يصلى عليه، ومذهب الإمام أحمد ﵀ الصلاة عليه وإن صار رماداً.
عباد الله إذاً الذي يموت محترقاً له أجر شهيد، ويغسل إن أمكن وإلا ييمم ويصلى عليه.
وكل ما تقدم من الكلام كما يظهر لكم كانت مناسبته حضور هذا الحريق الذي سمعنا عنه في منى، وقد احترق أكثر خيامها بسبب ذلك الحريق، والله يقدر ما يشاء ويفعل ما يريد، ولا شك أن المصاب الذي حصل إنما هو مصاب لكل مسلم قلبه حي، فأما المسلم الذي في قلبه دغل فلا يكاد يكترث، وأما المسلم الذي قلبه حي فإنه يحس أن المصيبة مصيبته هو، وعزاؤنا فيهم أمور منها: أنهم ماتوا محترقين، ومن مات محترقاً له أجر شهيد.
وثانيا: أنهم ماتوا محرمين في عبادة وعمل صالح، فاجتمع لهم علامة من علامات حسن الخاتمة، والله تعالى يصطفي من عباده ما يشاء، وإن كان الأمر في الظاهر شراً بالنسبة إلينا فإنها إن شاء الله نعيم لهم في قبورهم، ورحمة لهم من ربهم، وثواب جزيل يكتب في صحائف أعمالهم، وخاتمة حسنة نرجو لهم بها الشهادة عند ربهم، فالحمد لله على كل حال، والحمد لله على ما قضى وقدر، ونسأل الله لهم الرحمة والمغفرة.
اللهم ارحم شهداء حريق الحج، اللهم ارحم شهداء حريق الحج، اللهم ارحم شهداء حريق الحج، اللهم أعظم لهم الأجر والثواب، اللهم ثقل موازينهم، اللهم وآتاهم أجر حجهم الذي قصدوه، اللهم إنا نسألك لهم الرحمة والمغفرة، ولأهليهم الصبر على مصابهم فيهم، اللهم إنا نسألك حسن العزاء فيهم، اللهم إنا نسألك قبول حج من حج من المسلمين، ونسألك أن تخلف بخير للقاعدين من المسلمين، اللهم إنا نسألك رفع الدرجات، وزيادة الحسنات، وتكفير السيئات.
اللهم إنا نسألك النصر للإسلام والمسلمين، اللهم عجل فرج المسلمين، اللهم عجل فرج المسلمين، اللهم عجل فرج المسلمين يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك الأمن في أوطاننا ودورنا، اللهم إنا نسألك النصر على أعدائنا، اللهم إنا نسألك قضاء ديوننا، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا حقوقك التي علينا يا رب العالمين! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 6688
أهمية الإيمان باليوم الآخر
إن الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، والبشر لا يمكن أن تستقيم لهم حياة أو نظام أو علاقة أو أعمال إلا بالإيمان باليوم الآخر؛ وهنا يتحدث الشيخ عن أهمية الإيمان باليوم الآخر وآثاره على حياة المسلم، مع ذكر فوائد الإيمان به.
стр. 6689
الإيمان باليوم الآخر
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون) َ) [آل عمران:١٠٢].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إخواني: جعل الله اليوم الآخر بعقابه وثوابه نهايةً لهذا العالم الذين نعيش فيه، والله حكمٌ عدلٌ لا يظلم أحداً، جعل الجنة أهلاً لمن أطاعه، وجعل النار عقاباً لمن عصاه، وأخذ العهد على نفسه أن يثيب من أطاعه وألا يظلمه شيئاً، وأخذ العهد على نفسه أن يجعل الكفار المشركين في النار خالدين مخلدين، فقال : ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:١٤].
أيها الإخوة: واليوم الآخر نعمة عظيمة من نعم الله، والإيمان به ركن من أركان الإيمان، وهو أن تؤمن بالله واليوم الآخر وبالرسل والكتب والنبيين وبالقدر خيره وشره، والذي لا يؤمن باليوم الآخر عاقبته سوداء، ومصيره إلى جهنم -والعياذ بالله- وقد كابر في هذه المسألة المشركون كثيراً، وناقشوا رسول الله ﷺ فيها طويلاً، وكان أحدهم يأتي بالعظم البالي فيفته بين يدي رسول الله ﷺ ، ويقول: أتزعم أن ربك يعيد هذا؟ ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩] فأنكر الكفار اليوم الآخر.
إن الكفرة العصاة لا يستطيعون أن يتحملوا التفكير في أن هناك يوماً آخر، وأن هذه الأعمال التي تعمل في الدنيا لا بد من الجزاء والحساب عليها، وأهل الشهوات لا يستطيعون أن يتحملوا في أدمغتهم وأذهانهم شيئاً اسمه اليوم الآخر؛ ولذلك فهم يسارعون إلى نفيه ويتكبرون ويستكبرون في الاعتراف به، وبعضهم يتناساه ويتغافل عنه ولا يفكر به نهائياً؛ لأن التفكير في المصير أمر مؤلم خصوصاً بالنسبة لأولئك العصاة الذين حادوا عن منهج الله ، والله الحكيم العليم يعلم أن البشر لا تسمح حواسهم أبداً على هذه الأرض، ولا يستقيم لهم نظام، ولا تحكم أمورهم وعلاقاتهم وأعمالهم إلا باليوم الآخر الذي يكون وراء هذه الحياة الدنيا.
وبدون اليوم الآخر فإن هؤلاء البشر -كما هو حادث الآن- سينطلقون في شهواتهم في كل اتجاه، ويتكالبون على المتاع المحدود -متاع الحياة الدنيا- وترى المصارعة والتصارع بين الأفراد والأنظمة، والأجناس والطبقات يغير بعضهم على بعض، وينطلق الكل في الغابة كالوحوش الكاسرة يأكل القوي الضعيف، والظالم يأكل المظلوم وهكذا، لشيء واحد وهو أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، والله يبتلي البشر ليعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو في شك.
стр. 6690
انعكاسات وآثار الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم
أيها الإخوة: إن الإيمان باليوم الآخر له انعكاساته وآثاره في حياة المسلم، الإيمان باليوم الآخر هو الذي يهيئ الاهتمامات، ويجعل التعلق بالدنيا أمراً لا مجال له عندما يعلم الإنسان أن هذه الدنيا زائلة، وأن الآخرة مقبلة، وأن هذه الأيام والأنفاس ستنقضي لا محالة، وأنه سيقدم على الله في يوم يعرض فيه على ربه لا تخفى منه خافية؛ فنتيجة للإيمان بهذا اليوم، وبأن هناك حشراً وحساباً وصراطاً وجنةً وناراً، عذاباً وجزاءً، نتيجةً لهذا ستنشأ سلوكيات لم تكن لتنشأ لولا الإيمان باليوم الآخر، وستنشأ هناك أعمال لله لم تنشأ لو لم يكن هناك إيمان بالله واليوم الآخر.
وسيتسع تصور المسلم للحياة وللكون عندما يؤمن ويوقن بأن هناك يوماً آخر، وسيعلم بأن الموت في هذه الحياة ليس نهاية كل شيء، وأن هناك أشياء أخرى أعظم مما يجري الآن بكثير، ولا يمكن المقارنة أبداً، ستنفتح عيناه عليها في اليوم الآخر.
وأما أولئك الكفرة الذين لا يؤمنون باليوم الآخر فإنهم يحشرون تصوراتهم وأنفسهم وقيمهم في جحر ضئيل ذليل حقير هو الحياة الدنيا، فالكفار -الآن- يعملون وينشطون ويجدون ويخترعون، ويبنون ويعمرون، ويعملون متناوبين آناء الليل وأطراف النهار؛ لأنهم يظنون أن هذه الحياة هي الحياة فقط، وأنه لا شيء بعد ذلك، وأن هذا العمر هو العمر فقط، وأنه لا عمر بعد ذلك، فلأجل ذلك هم يستغلون كل لحظة من هذه الحياة وهذه الأيام وهذا العمر؛ لكي يتمتعوا ويتقدموا، ولكي يأخذوا حظهم من هذه الحياة الدنيا، ولذلك ليس عندهم أي تفسيرٍ فيما وراء هذه الحياة الدنيا: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤] لهي الحياة الحقيقة كما أخبر الله ، وهي الحياة الدائمة، وحياتنا هذه لا تساوي شيئاً بالنسبة للحياة في اليوم الآخر.
هذا اليوم الذي يبدأ بانقلابات في هذا الكون ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٦].
﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه:١٠٥].
﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧].
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر:٢١].
ولما تقع الواقعة: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً﴾ [الواقعة:٢ - ٦] وفي ذلك اليوم: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] فيقدم الله ويجيء مجيئاً يليق بجلاله وعظمته إلى ساحة القضاء للفصل بين العباد، فيُحاكمون بين يدي الجبار، والملائكة صفوفاً صفوفاً في عظم خلقتهم التي خلقهم الله عليها، فيكون الموقف عظيماً، ويكون المشهد جسيماً، وتكون العاقبة هناك فعلاً لأهل الإيمان وأهل الكفران.
أيها الإخوة: نحن لم نر الجنة ولا النار، ولا الصراط، ولا الشمس وهي تدنو من رءوس الخلائق، لم نر هذه الأشياء؛ فهي لذلك بعيدة عن الحس، ولكن حس من؟ حس الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، أما حس المؤمن فهو عندما يقرأ هذه الآيات في القرآن، وعندما تتلى على مسامعه أحاديث رسوله ﷺ فإنه يحس أن الجنة والنار فعلاً أقرب إليه من شراك نعله، يحس أنها قريبة جداً وأن الآزفة قد أزفت، وأن الموعد قد اقترب؛ فهو لأجل ذلك يعمل لآخرته ويكدح ويجد أكثر مما يعمل أهل الدنيا لدنياهم، فإذا كان أهل الدنيا يجعلون هذا اليوم الأربعة والعشرين ساعة يجعلونه على مراحل ومراتب؛ لكي لا يخلو يوم من العمل ولا ساعة من الساعات، حتى في الليل فهم يعملون في نوبات متواصلة لأجل البناء والتعمير كما يزعمون في الدنيا.
بالمقارنة أهل الآخرة يقول الله في شأنهم، هم يعملون -أيضاً- في نوبات ليلية: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩] ساجداً وقائماً لأي شيء؟ ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] والله مدح المؤمنين بأنهم يصدقون بيوم الدين، ومدحهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٣].
стр. 6691
فوائد الإيمان باليوم الآخر
الإيمان باليوم الآخر -أيها الإخوة- له فوائد عظيمة جداً ونتائج باهرة، فمن فوائده:
стр. 6692
من فوائد اليوم الآخر: أن النفس إذا علمت العوض استعدت للبذل
النفس عندما تعلم ضخامة العوض، وأن طاعة الله عاقبتها جنة عرضها السماوات والأرض، نعيمها لا يفنى، وعيشها دائم، أكلها وظلها دائمان، وما فيها من أنواع النعيم، فإن هذا الجزاء العظيم ينسي المسلم تعب العمل وكده لله ؛ لأنه يتطلع إلى الأمام، يتطلع إلى الآخرة، فنعيم الجنة ينسيه ما في طاعة الله من المشقة والتعب.
والعبادة لله تكاليف فيها مشقة على العبد، في الصيام، أو في الحج، وحتى في إخراج زكاة المال فيها تكاليف شاقة لكن العباد يستطيعونها، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، لكن هل فيها مشقة؟ نعم، هل فيها جهد؟ نعم، هل فيها عمل؟ نعم، لا جنة بلا عمل أو تعب أو جهد أو مشقة يقوم بها العبد فكيف إذاً سيتحمل العباد المشقة والجهد في طاعة الله؟ وكيف سيتخلون عن هذا النعيم؟ كيف سيقوم المصلي لصلاة الفجر من دفئ الفراش والنوم الهانئ؟ كيف سيقوم منه إلى صلاة الفجر بتلك المشقة والتعب؟ إذا لم يكن هناك عوض ولم يكن هناك جزاء هل كان سيهجر مضجعه ليقوم إلى المسجد لصلاة الفجر؟ وقل مثل ذلك في جميع الأعمال التي يقوم بها العباد لرب العالمين، فاليوم الآخر إذاً هو المتنفس هو الأمل هو النعيم الحقيقي الذي ينسي المسلم التعب الذي يتعبه في الدنيا، وهو النعيم الذي يعوض المؤمن عما يفوته الآن من نعيم الدنيا؛ لأنه يعمل لله رب العالمين.
إن النفس إذا علمت عظم العوض استعدت للبذل، ما الذي يجعل المقاتل المجاهد في سبيل الله يدفع روحه ونفسه وماله لله رب العالمين؟ إذا لم يكن هناك عوض أكبر من التضحية بالنفس والمال هل كان سيضحي بنفسه وماله؟ والكفار على النقيض من المؤمنين لا يفكرون في اليوم الآخر مطلقاً، ولا يحسبون له أي حساب: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ [الإنسان:٢٧] الدنيا، ولكنهم: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧] ثقيلاً عليهم بطوله، كان مقداره خمسين ألف سنة، ثقيلاً عليهم بتبعاتهم لأنهم سيحملون أوزارهم على ظهورهم وينتظرون في ذلك الموقف العظيم تحت الشمس الدانية من رءوسهم والعطش الكبير، ثم يقولون: عطشنا ربنا فاسقنا؛ فإذا جهنم يحطم بعضها بعضاً، فيساقون بالسلاسل والأغلال إلى النار ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٢] فهو يوم: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧] هؤلاء الكفرة الذين لم يكونوا في الدنيا يفكرون بهذا اليوم، سيصبح هذا النسيان وبالاً عليهم يوم القيامة.
стр. 6693
من فوائد اليوم الآخر: ظهور آثار أسماء الله وصفاته
ومن أعظم فوائد هذا اليوم: ظهور آثار أسماء الله وصفاته؛ فإن الله رحيم، غفور، شديد العقاب، جبار، يوم القيامة ينادي الجبار في السماوات عندما يقبضها بيمينه والأرض معها، فيقول: (أنا الجبار، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) فلا يجيبه أحد، فيظهر عند ذلك أثر عظيم من آثار أسماء الله وصفاته، عندما يفنى كل شيء: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] فيظهر ذلك الأثر ويعلن في السماوات والأرض أن لا إله إلا الله، وأن كل من عليها فان، وأن الباقي وجه ربك .
ويظهر أثر اسم الله (الرحيم) عندما يدخل الجنة أناساً برحمته، وعندما يستر على المؤمنين ذنوباً كانوا يخافونها ويتوقعون أن يشاهدوها في سجلات أعمالهم.
ويظهر أثر صفة الله بأنه (شديد العقاب) عندما يلقي الكفار والعصاة في النار فيحترقون فيها فيكونون هم حصب جهنم، وهم وقود النار.
ويظهر كذلك أثر اسم الله (الجبار المتكبر) عندما يحشر المتكبرون كأمثال الذر -مثل النمل على صورة الرجال- يطؤهم الناس بأقدامهم.
стр. 6694
من فوائد اليوم الآخر: شفاء صدور المؤمنين والمظلومين
وفي هذا اليوم شفاء صدور المؤمنين شفاء صدور المظلومين، يأتي المقتول يجر القاتل، فيقول: يا رب! انظر هذا فيمَ قتلني؟ يأتي الذين قد عذبوا في الدنيا من المؤمنين فينتقم الله لهم من الكفرة الذين عذبوهم ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦].
وهذا اليوم يقام فيه ميزان العدل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ [الأنبياء:٤٧] وتوزن الأعمال بالدقة، بالشعرة، لا يخفى شيء ولا يفوت منها شيء، فيكون العدل الحقيقي، الآن في الدنيا المحاكم أكثرها على شريعة لم ينزلها الله ولم يأذن بها، فهي تحكم بغير ما أنزل الله، وقد يوجد محاكم على الشريعة ولكن القاضي جائر لا يحكم بما أنزل الله، ويأتيه الهوى وتأتيه الرشاوي فتجعله يحيد عن شرع الله أما يوم القيامة فسيعاد الحق إلى نصابه، وسيقام العدل في أرض المحشر في أرض الحساب، فلا يفوت شيء أبداً، وتظهر عزة المؤمنين وذلة الكفار.
في الدنيا قد يسام المؤمنون أنواع العذاب، وقد يظهر المتمسكون في أعين العامة أنهم أذلاء، وأن السيطرة والقوة للجبابرة العتاة المسيئين، ويوم القيامة يوم تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، تبيض فيه وجوه أهل السنة، وتسود فيه وجوه أهل البدعة؛ فيرى الناس جميعاً أهل المعاصي والكفر والشرك والبدعة والظلم وجوههم قد اسودت، فينادى على رءوس الأشهاد أن لعنة الله على الظالمين، فيظهر عند ذلك العز الحقيقي والذل الحقيقي في ذلك اليوم الذي يكسي الله به وجوه أهل السنة ويذل وجوه أهل البدعة.
وإن كان المسلمون المؤمنون الصادقون في الدنيا فقراء محتاجون، لكن قد لا يعطف عليهم أحد، فإن الله يجعل الكفار في الآخرة يمدون أيديهم يناشدون المؤمنين: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠] هذا من فوائد اليوم الآخر.
стр. 6695
من فوائد اليوم الآخر: أن المسلم لا يندم على كل عمل عمله ولم ير ثمرته في الدنيا
ومن فوائده: أن المسلم العامل لدين الله لا يندم على كل عمل عمله ولو لم ير ثمرة عمله في الدنيا.
إن الذين يريدون إقامة منهج الله في الأرض، ويشتغلون بالدعوة إلى الله والتربية على منهج رسول الله ﷺ ، هؤلاء الناس الذين اصطفاهم الله من بين البشر للقيام بهذه المهمة قد لا يأتي عليهم اليوم الذي يرون فيه ثمرات أعمالهم يانعة، أو يرون فيه قيام المنهج الصحيح كما أراده رب العالمين على الأرض، وقد لا يأتي عليهم اليوم الذي يرون فيه سراج الدين وهاجاً، وقد لا يأتي عليهم اليوم الذي يرون الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، ولكنهم بسبب إيمانهم أن هذه الأعمال لن تضيع، وأن أجرها عند رب العالمين فهم لذلك يعملون مع طول الليل الحالك، ولو لم يروا بزوغ الفجر؛ لأنهم يعلمون أين الفجر الحقيقي، ولأنهم يعلمون أن كل هذه الأعمال لن تذهب سدىً أبداً، وأنهم سيجزون بها عند الله الجزاء الأوفى؛ فيهون على هذا المسلم الصادق طول الطريق والمشقات والعقبات الموجودة في هذا الطريق؛ لأنه يعلم متى وأين سيلقى هذا الجزاء عند رب العالمين.
ولا يقلق على الأجر وإن كان العمل صغيراً، فهو يعلم أن هناك رجلاً دخل الجنة بسبب جذع أزاحه من الطريق كان يؤذي المسلمين، يعلم هذا فهو لا يتهاون بأي عمل: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) وعندما يعلم الإنسان أنه حتى شق التمرة يأخذ عليها أجراً؛ فإنه لن يتهاون بالأعمال الصالحة ولو كانت قليلة، بعكس المتهاونين المفرطين الذين يقولون: وماذا ستغني عنا هذه الأمور؟ ولماذا نتمسك بهذه القشور؟ وما تغني عنا هذه التوافه؟ وليس لنا شأن بالمظاهر، علينا باللب والجوهر؛ فيضيع عليهم هذا الأجر العظيم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
стр. 6696
من فوائد اليوم الآخر: أن الحساب فردي
ومن فوائد هذا اليوم: أن الحساب فيه فردي وليس جماعي، والله لا يحاسب بالقوائم وإنما يحاسب كل فرد بما كسبت يداه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل:١١١]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨] مرتهنة، مقيدة، محاطة بما كسبته.
بعض الناس يقول: الموت مع الجماعة رحمة، وما دام الناس يعصون أنا مثلي مثلهم، فيكون إمعةً، ويزين له الشيطان اجتماع الناس على المعاصي، فيقول: أنا واحد مثل هؤلاء، فيعصي مثلهم وكأنه يظن أن هؤلاء الناس سيشفعون له عند الله، وأن الناس ما دام أنهم تابعوا فلاناً وفلاناً؛ فإنهم عند الله معذورون بهذه المتابعة، ولكن ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧].
بعض الناس يقول: أسأل شيخ علم أو إمام مسجد وآخذ بفتواه وأنا أعلم أنها مخالفة للشرع، وهو يكون ستراً بيني وبين النار، أجعل بيني وبين النار شيخاً أو مطوعاً كما يقولون، كل هذه الهراءات تنسفها هذه الآية من كتاب الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣].
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨].
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم:٩٤ - ٩٥].
بعض الناس الذين يقولون: نحن نقلد تقليداً أعمى، يقلد من يثق به تقليداً أعمى، ما دام يأمرنا فنحن نطيع، وهو يقول وليس علينا شيء، التبعة عليه إن أساء.
نقول لهم: إن الله سيحاسب التابع والمتبوع، ولن يعذر الله التابع بسبب ضلال المتبوع، لماذا لم تفكر؟ لماذا لم تتدبر وتقول في نفسك: هل هذا الذي أمرني به فلان طاعة لله أم لا؟ لماذا التقليد الأعمى؟ إن الذين يحملون قياداتهم مسئوليات أنفسهم في الخير والشر هؤلاء لا يعذرون أمام الله أبداً، وسوف يقف القائد والمقود، والتابع والمتبوع، والمقلَّد والمقلِّد عند الله فيحاسبهم حساباً فردياً، كل واحد يحاسب بما فعل وبما عمل، فليست المسألة -أيها الإخوة- تقليداً أعمى وأننا نجري وراء فلان وفلان والإثم عليهم كلا.
أسأل الله العلي القدير أن يجعلنا وإياكم ممن يخشى هذا اليوم، ويعمل له الأعمال الصالحة، وأن يجعلنا ممن يخشاه في الغيب والشهادة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 6697
من فوائد اليوم الآخر: إرجاع الحق إلى نصابه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، وله الملك وإليه ترجعون، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله دعانا إلى كتاب ربنا وبيَّن لنا الحلال والحرام، وبيَّن لنا سبيل الهدى وسبل الضلال حتى نجتنبها، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة: من فوائد اليوم الآخر إرجاع الحق إلى نصابه، وقد ذكرنا هذا قبل قليل، ولكن لأهمية هذه المسألة لا بد أن نركز عليها -أيضاً- الناس اليوم كما يصف الكثيرون -حتى من العامة- في غابة يأكل القوي الضعيف؛ بسبب البعد عن منهج الله ، ولكن هذا المقبور وهذا المظلوم المغلوب الذي يقع تحت نيل الظلم والغلبة بأولئك الجبارين المتكبرين في الأرض، هذا الرجل أو هذه المرأة سيتكفل الله بإرجاع الحق له يوم القيامة، وربما يكون من الخير له أن ظلم الآن حتى يأخذها يوم القيامة بالحسنات والسيئات، يأخذ من حسنات ظالمه فإذا فنيت حسنات الظالم أخذ من سيئات المظلوم فطرحت على الظالم ثم طرح في النار.
هذا الظلم لا يرضاه الله : (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) ينهى عن الظلم، وهذه قصة مما حدث في عهد رسول الله ﷺ تبين لنا كيف كان صحابة رسول الله ﷺ يتأثرون بهذا المفهوم.
عن عائشة ﵂ قالت: (جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم.
فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك في كفة وعقابك إياهم في الكفة الأخرى، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم -عاقبتهم أكثر مما يستحقون- اقتص لهم منك الفضل -أخذوا منك الفرق- فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله ﷺ : أما تقرأ قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] فقال الرجل: يا رسول الله! ما أجد لي ولهؤلاء شيئاً خيراً من مفارقتهم، أشهدك أنهم كلهم أحرار) رواه أحمد والترمذي وهو حديث صحيح.
فالصحابة ﵃ كانت عندهم شفافية في النفس تجاه الظلم، كانوا يتحرون أشد التحري في قضية الظلم، فهذا الصحابي أعتق العبيد كلهم؛ لأنه خشي أن يكون قد ظلمهم أو عاقبهم أكثر مما أساءوا إليه كل هذا يوم القيامة: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧].
أيها الإخوة: ما الذي يضمن عدم ظلم الزوج لزوجته أو العكس؟ ما الذي يضمن عدم ظلم المدرس لطلابه؟ ما الذي يضمن عدم ظلم المدير لمن تحته من الموظفين والعمال؟ وقس على ذلك، ما الذي يضمن لنا في النظام الإسلامي هذا الأمر؟ قد تقول: المحكمة.
المحكمة قد يوجد في الأرض محاكم تحكم بشريعة الله، وهذا نادر الآن، وقد يوجد محاكم تحكم بالظلم، وقد يكون القاضي صاحب ذمة وضمير متصل بالله وقد لا يكون، قد يقبل الرشوة، قد يكون المشتكى عليه قريباً له فيحكم له ويزور القضية، قد يكون المدرس له واسطة عند المدير فلو جاء الطالب يشتكي عند مدير المدرسة لبرأ سماحة المدرس وربما عاقب الطالب، وقد يكون للمدير الفلاني واسطة ونحو ذلك إذاً: ما الذي يضمن؟ ما هو الضمان الحقيقي؟ إنه اليوم الآخر أيها الإخوة!! بعض العمال قد لا يعلم أن من مستحقاته كذا وكذا فيصفي له صاحب العمل حساباته ويعطيه إياها دون أن ينبهه على أن من حقه كذا وكذا، فهو أصلاً لم يشعر أنه مظلوم حتى يشتكي، هذه الدريهمات التي أكلها صاحب العمل عليه أين ستذهب؟ والذين أكلوا حقوق الأجراء والعمال ولم يعطوهم إياها، أو أعطوهم نصفها أو ربعها أين سيذهب الباقي؟ قد لا يجد العامل المسكين مجالاً ليحصل على حقه، أين الضمان الحقيقي في أرجاء الأرض كلها مشارقها ومغاربها؟ أين سيكون هذا؟ قد يوجد ظلمة يحكمون الناس فيقتلون ويسجنون ويعيثون في الأرض فساداً ثم يموتون وهم على عظمتهم وعلى كراسيهم، هل ستنتهي القضية بهذه السهولة؟ بعض أرباب الأعمال يموت وهو غني ثري وقد أكل أموال كثير من الناس ويموت وهو في أوج غناه وثرائه، أليس كذلك؟ بلى.
هل ستنتهي المسألة بهذه البساطة؟ إذاً: هناك لا بد أن يأتي يوم يرجع فيه الحق إلى نصابه، ويقتص للمظلوم من الظالم.
اليوم الآخر مهم ليحجم أهل الكبائر عن كبائرهم، عندما يعلم الزاني أن هناك فرناً في جهنم للزناة فقط، ويعلم المرابي أنه سيسبح في بحر من الدم ويلقم حجراً في فمه، ثم يعود ويسبح ثم يأتي ويلقم أحجاراً، وعندما يعلم الغادر أن له لواءً ينصب يوم القيامة، وعندما يعلم ويعلم ويعلم إلى آخر أصحاب الكبائر، أليس هذا رادعاً لهم، ما الذي سيحل القضية حلاً جذرياً مثل اليوم الآخر؟!! ويوم القيامة يرفع أهل الحديث أعناقهم؛ لأن الله يقول: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء:٧١] فيأتي الإمام ووراءه المأمومون الذين يأتمون به، فيكون أسعد الناس حالاً هم أهل الحديث؛ لأنهم تابعوا قدوتهم وإمامهم رسول الله ﷺ .
стр. 6698
من فوائد اليوم الآخر: أن المسلم يعمل بجد لهذا اليوم
ومن فوائد هذا اليوم أيضاً: أن الصالح عندما يعلم أن النعيم لا حدود له وأنه سيثاب ويثاب فإنه سيعمل ويعمل، يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: (اقرأ وارتق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) عندما يعلم أنه كلما قرأ تزداد مرتبته في الجنة، وكلما قرأ سيعلو ويعلو، أليس هذا حافزاً له؟ هناك كثير من أصحاب المصائب حتى في الأبدان، هناك كثير من أصحاب العاهات المستمرة، من الناس الذين أصابهم سرطانات -عافانا الله وإياكم- أو أمراض خبيثة لا علاج لها، وهم يعيشون في غرف الإنعاش أو يعيشون على سرر جثة هامدة يسحب منه الأذى ويعطى له الطعام بهذا الشراق الذي يوضع في أفواههم، لا يستطيعون حركة، أولئك المشلولون أصحاب العاهات، اليوم الآخر مهم بالنسبة لهم، ما الذي يصبرهم؟ إنه حديث الرسول ﷺ : (لو يعلم أهل العافية في الدنيا ما لأهل البلاء في الآخرة عند الله لتمنوا أن جلودهم قرضت بالمقاريض) فانظر كيف يدخل الإيمان باليوم الآخر حلاً لجميع المشكلات! هذا -أيها الإخوة- دين عظيم، لكن نحن المسلمين قد يخفى علينا جوانب من عظمة هذا الدين.
اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم واجعلنا ممن يخافك ويتقيك، ويتبع منهجك الذي أنزلت يا رب العالمين.
стр. 6699
أي الناس أنت ؟
خلق الله الناس وقسمهم على الخير والشر درجات مختلفة، وقد بين الله أصناف الناس في القرآن، وذلك في مختلف المواقف، فما عليك إلا أن تتبع القرآن لتنظر من أي الناس أنت، أو فطالع هذه المادة تفتح لك الطريق في ذلك.
стр. 6700
أصناف الناس في القرآن والسنة
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فأي الناس أنت؟ هذا سؤال سألنا أنفسنا فيه: من أي أنواع الناس نحن؟ وقد ذكر الله أنواعاً من الناس فقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٨].
وقال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] وقال جل شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤].
وقال : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣].
وقال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠].
وقال جل وعلا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦].
وهناك في الجانب المقابل يقول الله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة:٢٠٧] إذاً هناك من الناس ألوان وأنواع وأصناف وأجسام وأشكال ذكرها الله في كتابه، وهذا التنويع في الناس يجعلنا نلتفت -أيها الإخوة- إلى هذه الأقسام، ثم نحن نتعرف على حال أنفسنا من خلال هذه الأقسام المذكورة في الكتاب والسنة.
فمثلاً: الله قال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] فجعل الله الأمة على هذه الأصناف الثلاثة، فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه، والمقتصد: هو الذي يؤدي الواجبات ويترك المحرمات، والسابق بالخيرات: هو المحسن الذي يعبد الله كأنه يراه فيزيد في المستحبات ويتقرب إلى الله بالنوافل بالإضافة للفرائض فهذه ثلاثة أقسام -أيضاً- من الناس ذكرها ربنا ، قسم هذه الأمة إلى هذه الأقسام الثلاثة: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢].
وقد ذكر لنا النبي ﷺ سراً من الأسرار في أصل تكوين الناس وأصل خلقتهم، وكيف كان هناك ارتباط بين أصل الخلقة والتكوين من تربة الأرض وبين الطبائع والدين الموجود في النفوس، فقال ﵊ في هذا الحديث: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر هذه القبضة المأخوذة من جميع الأرض، جاء منهم الأبيض، والأحمر، والأسود -هذا من جهة الألوان: جاء من الناس أبيض وأحمر وأسود- وبين ذلك، والخبيث، والطيب، والسهل، والحزن وبين ذلك، فهذه القبضة التي أخذها ربنا من جميع الأرض جاءت فيها اختلاف الألوان والطباع).
يقول المبارك فوري في شرح الحديث: هذه الثلاثة هي أصول الألوان، وما عداها مركب منها، هذه الثلاثة أصول الألوان: الأبيض، والأحمر، والأسود، والألوان الأخرى إذا خلطت بنسب مختلفة جاءت الألوان الأخرى.
ثم بالنسبة للطبائع قال: وجاء منهم السهل: اللين، والحزن: الصعب الشرس الغليظ، والخبيث: خبيث الخصال، والطيب: بحسب الأرض التي خلقوا منها، لوناً وطبعاً وخلقاً، وهكذا تجد الناس باختلاف الطبائع يرجع اختلاف طبعهم إلى اختلاف الأرض، هناك أرض سبخة مالحة ما ينبت فيها شيء، وهناك أرض صخرية ليس فيها أي لين ولا سهولة، وهناك أرض لينة طيبة، وهكذا نفوس الناس من هذه القبضة، وهذا سر من الأسرار وقد اطلعنا عليه من حديث النبي ﷺ .
وكذلك فإنه ﵊ قد أخبرنا عن أنواع من الناس من جهة عطاء الدنيا والآخرة فقال في حديث الإمام أحمد: (الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس: موسع عليه في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقصور عليه في الآخرة، ومقصور عليه في الدنيا موسع عليه في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة) أي: لا دين ولا مال.
وأما الأعمال فقد قال ﵊: (الأعمال موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف.
فالموجبتان: من مات مسلماً مؤمناً لا يشرك بالله شيئاً فوجبت له الجنة -وما هي الموجبة الثانية؟ - من مات مشركاً بالله كافراً وجبت له النار، ومن هم بحسنة لم يعملها علم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقةً في سبيل الله كانت له بسبعمائة ضعف).
الآيات والأحاديث تتكلم عن أنواع من الناس، تقسم الناس إلى أنواع باعتبارات مختلفة، وهذا التقسيم -أيها الإخوة- يفيدنا في فهم الطبائع والأحوال، حتى إذا عرضنا أنفسنا عليها عرفنا أين نحن؟ ما هو نوعنا؟ ما هو جنسنا نحن؟
стр. 6701
أصناف الناس في الدين والدنيا عند العلماء
بالرجوع إلى كلام العلماء -أطباء النفوس- يتبين أن هناك أنواعاً -أيضاً- من الناس باعتبارات كثيرة، ومن هؤلاء العظماء: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وتلميذه ابن القيم، اخترت لكم من كلامهما هذه الأنواع: الناس في الدين والدنيا أقسام، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: منهم أصحاب دنيا محضة ما عندهم إلا الدنيا، أما الآخرة فهم معرضون عنها وليس لهم في الآخرة نصيب، ما لهم نصيب إلا في الدنيا، ومنهم أصحاب دين فاسد وهم الكفار والمتبعة الذين يتدينون بما لم يشرعه الله من أنواع العبادات من جنس الصابئة والهند وغيرهم.
الشيخ العالم/ محمد أمين المصري ﵀، ذهب يدرس في بريطانيا فنزل في عمارة وسكن فيها، وكان له جار بروفيسور هندوسي، فاشترى الشيخ لحماً لبيته -لحم بقر مفروماً- فلما جعله على النار يطبخه مر ذلك الجار به وهو يطبخ اللحم، فنظر إليه فذرفت عيناه وجعل يبكي، فتعجب وقال: ما لك؟ ما الذي يبكيك؟! قال: لا تدري لماذا أبكي؟ قال: لا، لحم مفروم يطبخ قال: إني أرى إلهي يقلى في المقلاة ولا أبكي؟!! لأنه هندوسي من عباد البقر هذا شغلهم.
وبعض هؤلاء يتدينون بترك اللحم، من هذه التدينات من جنس تدين الرهبان ما أنزل الله بها من سلطان كما يقول شيخ الإسلام ﵀: مثل بعض الجهال يمزح يقول: فلان ما نكح ولا ذبح.
يعني: أنه زاهد في الدنيا، لا زواج ولا لحم، وهذا زهد فاسد؛ لأن هدي النبي ﷺ : (أتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني).
فإذاً قال: الناس في مسألة الدين والدنيا أقسام: منهم أصحاب دنيا محضة، غارقون في الدنيا يعبدون الدرهم والدينار فقط، ومنهم أصحاب دين فاسد، مثل هؤلاء الهندوس وغيرهم، وقسم ثالث وهم: أهل الدين الصحيح، أهل الإسلام المستمسكون بالكتاب والسنة والجماعة، إمامهم محمد ﷺ ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
стр. 6702
أقسام الناس باعتبار الحسنات والسيئات ونسبتها إلى الله
تقسيم آخر للناس باعتبار الحسنات والسيئات ونسبتها إلى الله ، الناس -أيضاً- يتفاوتون، يقول شيخ الإسلام: فشرهم الذي إذا أساء أضاف ذلك إلى القدر، واعتذر بأن القدر سبق ذلك وأنه لا خروج له عن القدر، فركب الحجة على ربه في ظلمه لنفسه، وإن أحسن أضاف ذلك لنفسه ونسي نعمة الله في تيسيره لليسرى، فإذا عصى قال: شيء مقدر ومكتوب، ولماذا تلومونني على ما قدر الله علي من المعصية؟ وإذا أحسن قال: أنا فعلت، أنا أنا ولم ينسب إلى الله أن يسره لهذا العمل، يسره لليسرى، كما قال الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي: أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به.
الآن لو أن شخصاً أعطى شخصاً مالاً لكي يضارب به قال: هذه مائة ألف شغلها لي.
جاء في آخر السنة قال: يا فلان المبلغ خسر.
قال: ماذا؟! قال: والله قضاء وقدر.
ماذا سيفعل؟ يناقشه، تعال قضاء وقدر! ماذا فعلت، ولماذا خسرت؟ رجل أعطى شخصاً من رأس ماله يفتح متجراً، كل يوم يمر أمام المتجر، ومرة جاء الشخص متأخراً قال: اليوم شمسك مرتفعة.
يعني: معناها أنك متأخر عن المتجر -فتحه متأخراً- فإذا جاءه في الدنيا لا يقبل قضاء ولا قدراً، لا، يناقشه في قضية الأسباب ولماذا ما فعل كذا؟ ولماذا ما فعل كذا؟ وإذا صارت المعصية قال: قضاء وقدر! تلومونني على القضاء والقدر؟ فهؤلاء شر الناس.
قال: وخير الأقسام -وهو القسم المشروع الذي جاءت به الشريعة- إذا أحسن شكر نعمة الله عليه، وحمده إذا أنعم عليه أن جعله محسناً ولم يجعله مسيئاً، فإنه فقير محتاج إلى الله، وإذا أذنب تاب واستغفر، وهذا هو حال المؤمن.
стр. 6703
أقسام الناس في المحبة والقدرة
تقسيم آخر: الناس في المحبة والقدرة -يقول شيخ الإسلام - أقسام: فمنهم من لهم قدرة وإرادة قوية، عندهم عزم وتصميم وجهد كبير، لكنهم -قال شيخ الإسلام - يستعملون جهدهم وطاقتهم لا في سبيل الله بل في سبيل آخر، إما محرم كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، والإشراك بالله، وإما في سبيل لا ينفع عند الله مما جنسه مباح لا ثواب فيه، لكن الغالب أن مثل هذا كثيراً ما يقترن به ما يجعله في سبيل الله أو في سبيل الشيطان، أي: مباح لا ثواب فيه ولا عقاب، لا يستمر، لا يصفو إما أن يصير في النهاية إلى طاعة الله وإما إلى معصيته.
فيقول شيخ الإسلام: هناك أناس عندهم قدرة، وإرادة، وعمل، وعزيمة قوية؛ لكن يسخرونها في الشر، أو في مباحات ليس منها نتيجة في الآخرة، ولا فائدة له قال: ومن الناس مؤمن قوي، قوم لهم إرادة صالحة، ومحبة كاملة لله، فهؤلاء سادة المحبين المحبوبين المجاهدين في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين عملوا مع النبي ﷺ في رفعة شأن الدعوة، والذين جاهدوا، وعملوا لله تعالى، وحملوا راية الإسلام، دعوا إلى الله، فتحوا البلاد، ذهبوا شرقاً وغرباً، ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، عندهم همة وعمل وجهد فرغوه، وأين وضعوه؟ وضعوه لنصرة دين الله .
قال: والقسم الثالث: قوم فيهم إرادة صالحة ومحبة لله، لكن قدرتهم ناقصة، من ناحية القدرة على نصرة الدين ناقصة، لكن نيته طيبة، عنده إرادة حسنة.
قال: هؤلاء يأتون بمحبوبات الحق من مقدورهم لكن قدرتهم قاصرة، وما زال في المؤمنين على عهد النبي ﷺ ومن بعده من هؤلاء خلق كثير، منهم الذين قال النبي ﷺ فيهم: (إن بـ المدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا سلكتم وادياً إلا كانوا معكم وهم بـ المدينة، قالوا: وهم بـ المدينة؟! قال: هم بـ المدينة حبسهم العذر) وهؤلاء لهم فائدة عظيمة وهي التي قال النبي ﷺ فيها: (وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم).
هتلر كان عنده مبدأ، هتلر يقول: كيف يكون في المجتمع أناس أصحاب عاهات؟ أي: صاحب عاهة لابد أن نعدمه، نقتله؛ لأنه عالة على المجتمع، فنخلص من ميزانية العجزة الكبار والمرضى! هؤلاء النبي ﷺ والمبدأ الإسلامي ماذا يقول فيهم؟ (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) هذه النوايا الحسنة التي عند هؤلاء لها فائدة عظيمة في المجتمع، تمكين النصر، النصر يأتي من الله لسببين: بسبب الضعيف الخيِّر، هذا الضعيف الخيِّر، أما الذي يلام من هو؟ الذي عنده مشكلة في نيته أو عنده قدرة على نصرة الدين ولا ينصره، عنده قدرة ولا يستعملها.
стр. 6704
أقسام الناس في مسألة الغضب للرب والغضب للنفس
تقسيم آخر: الناس أنواع في مسألة الغضب للرب والغضب للنفس، قال شيخ الإسلام ﵀: والناس في هذا المقام أربعة أقسام: منهم من يغضب لربه لا لنفسه وهذا أعلى نوع، ومنهم بالعكس يغضب لنفسه ولا يغضب لربه، ومنهم من يغضب لهما -يغضب لله ويغضب لنفسه- ومنهم الذي ما من ورائه رجاء، لا يغضب لنفسه ولا لربه.
قال: فأعلاهم حال النبي ﷺ ومن اتبعه، يصبرون على أذى الناس ويجاهدون في سبيل الله، وينتقمون لله لا لنفوسهم، ويعاقبون لله لا لأشخاصهم، وهكذا في جهاد الكفار وإقامة الحدود.
قال شيخ الإسلام: وأدناهم عكس هؤلاء، يغضبون وينتقمون ويعاقبون لنفوسهم، إذا أخذت ريالاً من دراهمه ثارت ثورته، إذا آذيت ولده ثارت ثورته، ولكن إذا انتهكت محارم الله؟ قال شيخ الإسلام: فإذا أوذي أحدهم أو خولف هواه غضب وانتقم وعاقب، ولو انتهكت محارم الله أو ضيعت حقوقه لم يهمه ذلك، وهذا حال الكفار والمنافقين.
وأما الذي لا يغضب لا لله ولا لنفسه فهذا إنسان جبان ضعيف، خائر القوى، لا دين ولا دنيا، لا عنده قدرة في الانتصار للدين ولا في الانتصار للنفس، ومن الناس من تجده يغضب لنفسه ويغضب لربه لكن ما هو الأفضل؟ أن الإنسان يسامح في حق نفسه ولا يسامح في حق الدين، إذا انتهكت حرمات الدين يقوم لله، إذا اعتدي عليه هو يسامح في حق نفسه وأجره على الله ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ [الشورى:٤٠].
قريب منه -أيضاً- تقسيم آخر ذكره ﵀ في موضع آخر في مسألة الانتقام، وأن النبي ﷺ ما قال لأنس عشر سنين: (أف) أبداً، ولا قال له لشيء فعله: لم فعلته؟ ولا لشيء لم تفعله: لِمَ لم تفعله؟ مع أنه خادم عنده.
أيها الإخوة هذه قضية صعبة جداً، شخص عنده خادم، تصور أن عندك خادمة في البيت عشر سنوات لا تقول لها: لماذا لم تعملي كذا؟ لماذا عملت كذا؟ انظروا! هذا أنس خدم عند رسول الله عشر سنوات ما قال له لشيء فعله: لم فعلت؟ ولشيء ما فعله: لِمَ لمْ تفعله؟ وهذه قدرة عجيبة على ضبط النفس تخلق بها رسول الله ﷺ .
стр. 6705
أقسام الناس في مسألة العبادة والاستعانة
تقسيم آخر في مسألة العبادة والاستعانة: يقول شيخ الإسلام ﵀: الناس في عبادتهم واستعانتهم على أربعة أقسام: فالمؤمنون المتقون له وبه، أي: العبادة له -لله- والاستعانة بمن؟ بالله، هذا معنى: له وبه، هؤلاء المؤمنون المتقون له وبه، يعبدونه ويستعينون به، وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم تحرياً للطاعة والورع ولزوم السنة، انظر هذه نوعية موجودة من الناس، لكن أحياناً ما نتفطن، وما نربط الأشياء ببعضها ربطاً جيداً، يقول شيخ الإسلام: هناك أناس عندهم تحرٍ للطاعة والورع ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر بل فيهم عجز وجزع، أي: أنك قد تجد شخصاً في الصف الأول في صلاة الفجر في المسجد، ويجلس إلى طلوع الشمس، ويصلي الضحى، ويأتي بالأذكار والأدعية وقراءة القرآن والأوراد والمحافظة عليها وعبادات، لكن إذا مات ولده سقط وانهار انهار!! إذا صار لزوجته حادث انهار! إذا ذهب ماله انهار! يعني: عنده عبادة لكن ليس عنده صبر وتوكل، فهذا الشخص إذاً هو ناقص من هذه الجهة.
وطائفة ثالثة فيها الاستعانة والتوكل والصبر لكن على غير استقامة ولا متابعة للسنة، عندهم صبر وعندهم الاستعانة لكن على غير متابعة للسنة، ولذلك تجد بعض الكفار إذا مات ولده يتجلد ويصبر لفقد الولد، ويوجد شخص مؤمن يموت ولده ولا يصبر لماذا؟ هذا الكافر عنده صبر وتجلد لكن لا يؤجر عليه؛ لأنه لم يفعله لله
وتجلدي للشامخين أريهمُ أني لريب الدهر لا أتضعضع
دخلوا عليه فتجلد عند المصيبة، قالوا: لماذا تجلدت؟ ما شاء الله صبرت، قال: من أجل ألا يشمت الناس بي.
ما صبر لله، فيوجد أناس عندهم صبر وعندهم -كما يقولون- صبر كصبر الحمار، لكن ليس لله، فهناك أناس عندهم صبر وتجلد لكن ما عندهم لزوم السنة ولا استقامة على الدين، توجد نماذج من هذا في المجتمع؟ موجودة، ما يقوله شيخ الإسلام موجود، بعض الكفار عنده قلب أجرأ من بعض المسلمين، وبعض الناس عندهم توكل في المعصية، شخص ذهب لبلد من بلاد الفحش يفعل الفاحشة، فواحش، جاء شخص وقال له: يا أخي اتق الله، وهذه فيها أمراض، فيها أشياء يصيبك إيدز، يصيبك مرض وبلاء.
قال: أنا متوكل ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:٥١] أنا ذاهب، لن يصيبني إلا المقدور، وهذا شيء مكتوب، وإذا عزمت فتوكل على الله، فبعض الناس -ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كلام له- آخر قضية توكل بعض قطاع الطرق، إن بعض قطاع الطرق عندهم توكل عجيب، وأنهم بسبب هذا التوكل يتجاوزون عقباتٍ وأخطاراً ومفازاتٍ، ويقطعون صحاري وينجون ويسلمون ويسرقون ويهربون، عندهم هذه القضية، لكن على ماذا؟ على إجرام، وعلى فساد.
فالمقصود: لا نستغرب إذا وجدنا تجلداً وصبراً عند أهل المعاصي، وبعض هؤلاء عندهم توكل في الأشياء وهم على جريمة، وينجحون في أشياء بسبب ما عندهم من هذه الاستعانة وهذا التوكل، وقد يكونون من أصحاب البدع، كثير منهم أصحاب بدع لكن عندهم توكل، لكن على بدعة.
فإذاً من هم الطائفة؟ ومن هو القسم الناجي؟ ومن هو الذي عنده الاستعانة والتوكل مع العبادة والطريقة الصحيحة، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]؟! من كان على سنة محمد ﷺ لكن بصبر واستعانة وتوكل.
стр. 6706
أين السفر في الإجازة ؟
إعلانات الإجازة الصيفية تطرق الأبواب وتفتحها على مصراعيها للخير والشر، فنشاهد ونسمع الكثير من الدعايات والعروضات البهلوانية، فما هو موقف المسلم من هذا؟ وكيف يقضي إجازته؟
стр. 6707
العروضات البهلوانية في الإجازة الصيفية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أما بعد: فإن البهلوانية وعروض المصارعة الحرة، ومسابقة كمال الأجسام، وملاعب التنس المفتوحة، وكذلك كرة الطائرة الشاطئية، والتزلج على الماء، ومسابقة القوارب الشراعية، ومسابقة بناء القلاع الرملية في المنتزهات البحرية والشواطئ وغير ذلك، من مسرح العرائس، وأضخم الفنادق والمطاعم، والأطعمة الفرنسية الممزوجة بالذوق السويسري، وما شابهه من الدعايات إن هو إلا ضحك على الذقون يبلعون فيه الأموال، وإلا لو تأملت في هذه الأطباق التي تقدمها تلك المطاعم وما تحتوي عليه لوجدت أن في كثير منها تلبيس وغش وتدليس، يسمونها كذلك ولكن في الحقيقة نصب واحتيال بهذه المبالغ الطائلة التي تصرف في فنادق ومطاعم الخمس نجوم، وغيرها، ونحن مسئولون عن الأموال التي ننفقها -أيها الإخوة- في هذه الأشياء.
إذاً: هذه الأمور من الأشياء البهلوانية، فالدلافين، والمراكب الشراعية، والقوارب المائية، والسباقات وغير ذلك إذا لم يكن فيها إضاعة أموال ففيها -أيضاً- اختلاط، فتجد بناتك وزوجتك وأسرتك تقف مع شباب آخرين، وأسرهم وبناتهم في أماكن متقاربة وضيقة ومتراصة ومزدحمة، وكذلك أماكن جلوس متقاربة، وكراسي متجاورة في مسارح ومعارض ولوحات فنية ونحو ذلك، تزجية الأوقات، وإضاعة الأموال، وتقريب الزوجات والنساء من الشباب، وكذلك الذكور الآخرين الموجودين في نفس المكان فما حكم ذلك شرعاً؟ وعندما تنسف الريح تلك العباءات التي تركب هذه المراكب البحرية ما هو الحكم شرعاً؟ لو أن الناس قالوا: نريد أن نذهب إلى أماكن نقية صافية، إلى جبل أو بر أو وادٍ أخضر أو شاطئ نظيف إذاً لقلنا: ترويح، وأمر حسن.
ولو قال: أصيد سمكاً أو غيره.
فنقول: لا بأس بذلك، لكن عندما تكون القضية اختلاط وسفور وتبرج في تلك الأماكن، فما هو حكم الذهاب وحكم الإنفاق؟ إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.
стр. 6708
الحث على قضاء الإجازة في الدعوة إلى الله
أيها الإخوة: إنا نسأل الله أن يجنبنا الحرام، وأن يرزقنا الحلال، وأن يجعلنا في حلنا وترحالنا طائعين له، مخبتين له ومنيبين، وأن يجعلنا ممن عبدوه حضراً وسفراً، واجتنبوا المحرمات ظاهراً وباطناً.
أيها الإخوة: عندما نسافر لو نتذكر فقط إلا طلائع دعاء السفر: (نسألك البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى) لكفى ذلك؛ اجعلوها عبادات في عمرة أو غيرها، واجعلوها طاعات في صلة رحم وغيرها، واجعلوها قياماً بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما كان أسلافكم من هذه الأمة يسافرون طلباً للعلم، حضوراً عند العلماء في حلق الذكر، يجمعون الأحاديث والمسائل، ويعثرون على عيون هذا العلم فيسطرونه وينشرونه، دعوة، نشر للدين، إمامة بقوم جهال، إلقاء الكلمات، المواعظ، الدروس، وغير ذلك من أنواع البر، نشر الخير، إغاثة الملهوف، إقامة المدارس في هذه الأماكن من بلاد المسلمين المجهولة، التي تستحق أن يذهب إليها الدعاة بعيداً عن خطر الفتنة، وإذا كانت فتنة فسلامة النفس أولى، وحفظ رأس المال مقدم على جلب الأرباح.
أخي: اجعل عنوانك في سفرك أن تحفظ أهلك -زوجتك وبناتك- أن تحفظهن من كل منكر، ولو اجتذبوك وضغطوا عليك وأغروك، وطلبوا منك، وقالوا: نريد المكان الفلاني، نريد الملهى الفلاني، نريد المتحف الفلاني، والشاطئ الفلاني، والمدينة السياحية الفلانية، ونحو ذلك، ذكرهم بالله ، واذهب بهم إلى أماكن تكون أبعد ما يكون عن التبرج والاختلاط.
واعلموا -أيها الإخوة- أن المحافظة على أوامر الدين في هذا الزمان لا شك أن فيها صعوبةً بالغة، ولكن ليس لنا خيار آخر، وإذا كان القابض على دينه كالقابض على الجمر في آخر الزمان فلنفز نحن بهذه المرتبة، ولنكن نحن الأخيار في زمن كثرة الشر؛ فإن الله يعطي من الأجر على الغربة -غربة الدين- شيئاً عظيماً، إذا تمسكت بدينك في وقت غربة الدين أجر عظيم لك جداً، فهنيئاً لمن فاز به! أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم، وأوسعوا لإخوانكم وتقاربوا يوسع الله لكم.
стр. 6709
ضرورة قضاء الإجازة مع الأهل والأولاد
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله النبي الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة: عباد الله! إن الموظف إذا أخذ إجازته فإنه يكون له مع أهله وأولاده وقفة، في زيادة التداخل معهم، وكسب قلوبهم بعد أن كان منشغلاً في هم الوظيفة وأوقاتها، ومزيد من التعليم لهؤلاء الأهل والأولاد بعد أن كان منشغلاً عن تعليمهم، وكذلك القيام بحقهم وشراء حاجاتهم وهداياهم ومكافأة المتفوقين من أولاده، وغير ذلك من الأمور الطيبة.
إن دفع الأولاد في الإجازات إلى مراكز تحفيظ القرآن الكريم، وكذلك دفع النساء إلى مراكز تحفيظ القرآن للنساء خير عظيم جداً، وثمار قد ظهرت والحمد لله تعالى، وليس كل الناس يسافرون ولا في كل الأوقات حتى ولو كانوا في إجازة.
إذاً: ينبغي أن تغتنم هذه الإجازة، وهذا الفراغ الذي حل محل الدوام المدرسي بما يرضي الله تعالى، وينبغي الانتباه الشديد للأولاد ذكوراً وإناثاً في قضية ما يسمعونه وما يتفرجون عليه، وأنت مسئول عن ثغر سمعه وثغر بصره، فانظر -رحمك الله- ماذا يسمع ولدك وماذا يرى وإلى أي شيء ينظر؟! وهذا التعليم وبذل الأوقات لإصلاح الأولاد وملاعبتهم له أجر عظيم، فقد كان النبي ﷺ يلاعب أولاده، وكان يشبع الرغبة النفسية للطفل في اللعب، لكنه كان لعباً مباحاً، ليس بالضرورة أن نأخذه إلى مدينة ملاه فيها فسق، أو فيها تبرج واختلاط، أو فيها موسيقى وأمور محرمة، وإنما ملاعبة الوالد لولده ومشاركته له تكون علاجاً نفسياً وهدوءاً وطمأنينةً وإشباعاً لغريزة الطفل بأمور كثيرة قد تكون أبسط وأرخص مما يتصوره البعض.
لقد جن هؤلاء الأطفال بهذه الألعاب الإلكترونية فلم يعد يلعب إلا مع الجهاز، ولا يرى إلا الجهاز، يعكف عليه الساعات الطويلة، فأي شيء يبني هذا من العلاقة بين الوالد وولده أو الأم بولدها؟ أيها الإخوة: لقد غزانا أولئك الكفار بهذه الألعاب، وقلما تجد ولداً ليس في بيته أو لا يطلب من أبيه (سوني بلاير ستيشن) أو غير ذلك من أنواع الألعاب التي ربما تشتمل على نساء بملابس فاضحة من اللاعبين واللاعبات، وأشكال مخزية مما فيه موضات وتقليعات للكفار في شعورهم وأخراصهم في آذانهم، ونحو ذلك، وكذلك صلبان كثيرة في هذه الألعاب، يدخل اللاعب في الصليب ليكسب قوةً إضافية، أو يأخذ روحاً ثانياً وثالثاً، وليس له إلا روح واحدة إذا خرجت من الإنسان مات وهكذا مما تنطوي عليه من المخاطر العقدية.
وأما مسألة سباحة أو رمي أو ركوب خيل ونحو ذلك من الأشياء التي تقوي بدنه فقل ما يحدث ذلك، أو مشاركة فعلية من الوالدين للولد في الألعاب فقل ما يحدث ذلك.
أيها الإخوة: إننا فعلاً ينبغي أن ننتبه لأبنائنا في هذه الإجازات، وأن نراعي مستوياتهم في السن عندما نريد أن نرفه عنهم، وأن نجلب لهم ما يتسلون به، إن هناك الكثير من الألعاب العائلية التي تحصل فيها المشاركة من عدة أطراف تربي الولد على التعاون، وأن يكون جزءاً من كل، وأن يكون حلقةً في سلسلة، وهكذا من الأشياء التي تربي روح الجماعية وليس روح الفردية القاتلة المملوءة بها مثل هذه الألعاب العصرية الحديثة.
أيها الإخوة: اهتمامنا بتحفيظ أولادنا للقرآن، وقص القصص النبوية وسير الصحابة عليهم، والإتيان بالكتب المفيدة لهم، بدلاً من هذه القصص الماجنة، والقصص المصورة التي فيها كثير من الغث والرديء، بل والمنكر والمحرم، إن المسلم يجب أن يكون مفتشاً دقيقاً لما يطلع عليه أولاده فيسمح بالخير ويمنع الشر وهذا من مسئوليته.
اللهم إنا نسألك ذريةً طيبةً تقر بها أعيننا، اللهم إنا نسألك أن تصلح أولادنا وذرياتنا، وأن تجعلنا للمتقين إماماً، وهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، اللهم أصلح أزواجنا وبيوتنا يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
اللهم أهلك اليهود ومن شايعهم، اللهم أهلك اليهود ومن شايعهم، اللهم أهلك اليهود ومن شايعهم، اللهم أقر أعيننا بنصرة أهل السنة والتوحيد على اليهود يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصرة أهل السنة والتوحيد على اليهود يا رب العالمين! وأخرجهم من بيت المقدس أذلةً صاغرين.
стр. 6710
فرح المسلم بما يصيب عدوه الكافر
إن المسلم ليفرح ولا شك بأي مصيبة تصيب الكفار وخصوصاً اليهود الذين هم ألد أعدائنا: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢] ولكن لا تنس قول الله بعد اليهود: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] والذين أشركوا، ولو أن الله ضرب يهودياً بمشرك وألقى بينهم العداوة لفرحنا بهلاك الفريقين جميعاً وما يصابان به، ولا يمكن لمسلم أن يوالي ولا أن يفرح بانتصار مشرك على نصراني أو يهودي، فهو يفرح لهزيمة اليهود، ولكن لا يفرح لانتصار مشرك ولا من خرج من الدين بالردة واعتناق كل كفر أو إلحاد أو شرك أو بدعة مخرجة عن الملة.
وعندما تتأمل في تخلي اليهود عن أوليائهم ستجد العجب العجاب كما قال ذلك النصراني ممن كان يوالي اليهود: تركتمونا خلفكم مثل الحيوانات.
يقول لليهود: تركتمونا خلفكم مثل الحيوانات، وخدعتمونا وكنتم تقولون لنا: كل شيء على ما يرام هكذا يقول: أنا غاضب ومصاب بخيبة أمل، كل شيء انتهى، وهكذا قال أولياء اليهود ممن تساقطوا.
فالعبرة إذاً -أيها الإخوة- أن هؤلاء اليهود لا يرقبون عهداً ولا ذمة، قال الله في وصفهم من قديم: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٠٠] فإذا تخلوا عن أوليائهم النصارى فما بالك بما سيفعلونه بالمسلمين؟! ولذلك فقوم أثبتوا عملياً وأمام مرأىً من العالم سمعاً وبصراً تخليهم عن أوليائهم الكفار، فأي عهد فيهم وأي ميثاق يرجى، وأي أمانة لأولئك القوم.
إن ما رأيناه -أيها الإخوة- كان درساً عظيماً، وكان كشفاً إلهياً لهذه الحقيقة المستقرة في نفوس اليهود منذ القدم، إذا تخلوا عن أوليائهم فما بالك بغيرهم؟! اللهم أخزهم والعنهم لعناً كبيراً، واجعل هزيمتهم عاجلةً يا رب العالمين! اللهم انصر المجاهدين في الشيشان وكشمير والفليبين وسائر الأرض يا رب العالمين! اللهم اجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين، رب اجعل هذا البلد آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.
стр. 6711
بدعة المولد ومحنة مقدونيا
يا مدعي حب طه لا تخالفه الخلف يحرم في دنيا المحبين وقد طرأ على المسلمين في القرون المتأخرة من المحدثات ما هي مخالفة لهدي النبي ﷺ مع ادعاء كمال محبته، ولاندري كيف استطاعوا الجمع بين محبته ومخالفة هديه المخالفة التامة، وإذا أردت معرفة ذلك ففي هذه المادة بيان لما ذكرت، ما بيان لمحنة مقدونيا أحد الجروح النازفة في أمة الإسلام.
стр. 6712
تعظيم الصحابة ومحبتهم للرسول ﷺ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفتح:٨ - ٩] وهكذا أمرنا الله بتعظيم نبينا ﷺ وتضمنت الشهادة التي يدخل بها الإنسان الإسلام توحيدين: الأول: توحيد العبادة لله .
والثاني: توحيد الاتباع لرسول الله ﷺ فينبغي أن نؤمن به وأن نتبعه وأن نوقره وأن ننصره ﷺ فحرمته عظيمة، ومحبته من أركان الدين، وهذه المحبة التي تسابق الصحابة لبذلها لنبيهم حتى قال علي ﵁ عن النبي ﷺ لما سئل عن حبه: [كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ] وخبيب ﵁ لما سئل: هل يسرك أن محمداً عندنا الآن مكانك وأنت في أهلك -وكان مصلوباً أمامهم ليقتلوه- قال: [والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي] فشهد أبو سفيان بعد ذلك عند ملك الروم بقوله: ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمدا، وهكذا بذلوا النفوس لحمايته، وكانوا يتسابقون للموت بين يديه كما مات منهم تسعة متتاليين في غزوة أحد، وهكذا حكموه في أنفسهم وأموالهم، وقالوا: هذه أموالنا بين يديك، فاحكم فيها بما شئت، وهذه نفوسنا بين يديك لو استعرضت بنا البحر لخضناه نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك، فنشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله، كيف كانت محبتهم رضوان الله عليهم لنبيهم؟ قدموه على كل أحدٍ من البشر وكان الواحد يقول: فداك أبي وأمي.
إن الأدب مع النبي ﷺ -أيها الإخوة- شيء عظيم، وخصوصاً عندما نثني عليه ونصلي إذا ذكر؛ لأن البخيل من ذكر عنده النبي ﵊ فلم يصلِّ عليه، والإكثار من ذكره والتأدب معه عند ذكره، وحتى في مسجده وعند قبره وتوقير حديث النبي ﷺ كما كان المحدثون يجلسون في مجالس الحديث على وضوء تامٍ ونظافة وطهارة خشعاً؛ لأجل التحديث عن النبي ﷺ .
ومر مالك بن أنس على أبي حازم وهو يحدث فجازه وقال: إني لم أجد موضعاً أجلس فيه، فكرهت أن آخذ الحديث حديث رسول الله ﷺ وأنا قائم.
وكان محمد بن سيرين يتحدث فيضحك فإذا جاء الحديث خشع.
وكان مجلس عبد الرحمن بن مهدي مملوءاً بالوقار، لا يبرى فيه قلم، ولا يبتسم فيه أحدٌ، ولا يتكلم أحدٌ؛ لأجل الحديث الذي يقوله عن النبي ﷺ .
стр. 6713
بيان المحبة والتعظيم الحقيقي للنبي ﷺ
أيها المسلمون! إن المحبة الحقيقية في تصديقه ﷺ بما أخبر وعدم الشك فيما جاء به واتباعه وطاعته والتأسي بسنته، وليس ترك السنة ولا الإعراض عنها ومخالفتها، فالعجب كل العجب من هؤلاء الذي يزعمون محبة النبي ﵊ في الموالد ثم ترى أشكالهم لا تتفق مع سنة النبي ﵊، وترى أفعالهم فيها من المعاصي والمخالفات لما جاء به النبي ﷺ .
عباد الله: إن التحاكم إلى السنة أمرٌ مهم جداً، والرضوخ لحديث النبي ﵊ أمرٌ مهم جداً، والذب عن سنة النبي ﵊ واجب علينا، والذب عن أصحابه من محبته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] وهكذا الترضي عنهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ [الحشر:١٠] والاهتداء بهدي الصحابة من توقير النبي ﷺ والذب عن زوجاته ﵊ من محبته: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور:٢٦] نخل السنة مما علق بها من الأحاديث الموضوعة، وكذلك التنبيه على الأحاديث الضعيفة ونشرها نقية بين الناس، وعقد الدروس لأجل ذلك من حق النبي ﷺ علينا.
أيها الإخوة! إن الاتباع الحقيقي للنبي ﷺ الاتباع فيما جاء به وعدم الابتداع ولتعلم أن الحذر من الخروج عن السنة، وعن المخالفة أمرٌ في غاية الأهمية، فلذلك لا نزيد عليها لا قدراً ولا كماً ولا كيفاً ولا عدداً.
أيها الإخوة! إننا نرضى بحكم رسول الله ﵊، وإننا كذلك نحترم نصوصه التي جاء بها من الله تعالى ولا نعتدي عليها بتحريفٍ ولا تعطيل ولا نطعن فيها، ولا نقول: إن العقل لا يقبل هذا، أو لا يقبل هذا، فلا يمكن أن نقدم عقلاً على سنة النبي ﷺ ، وكذلك فإننا لا يمكن أن نقدم كلام رجلٍ من الرجال على محبة النبي ﷺ أبداً.
стр. 6714
بدعة احتفال المولد
ولما ثقلت السنة على بعض الناس وخالفت أهواءهم أرادوا من منطلق الانسحاب النفسي وإراحة أنفسهم بزعمهم أن يكون لهم رمزٌ يعبرون به عن محبتهم هذه المزعومة دون أن يتمسكوا بالسنة الثقيلة على أنفسهم، وتداخلت قضية الابتداع بالدين، مع شيء من الرغبات النفسية المنحرفة، مع شيءٍ من التشبه بالنصارى، مع شيءٍ من مكائد الباطنية الذين كانوا في بعض بلاد المسلمين وأرادوا إلهاء المسلمين بمناسبات ابتدعوها، تداخلت هذه الأمور لتولد في القرن السادس أو السابع الهجري بدعة وهي بدعة الاحتفال بمولده ﵊، فجاءت هذه البدعة لتغطي على تقصير أولئك في السنة بزعمهم، ولكي تريحهم شيئاً ما نفسياً من تقصيرهم طوال العام بهذه الحفلة التي يعملونها، كما يعمل الكفار اليوم في عيد الأم فيقذفون على أمهاتهم بهدية في يومٍ في السنة وهم يعقونها بقية العام ويريحون ضمائرهم بزعمهم بعيد الأم ثم يعصونها ويهجرونها بقية العام فلا يتذكرونها إلا في ذلك اليوم يوم الأم وعيد الأم كما يزعمون.
وهكذا قام المبتدعة في المسلمين بإحياء هذه الاحتفالات نتيجة لهذه العوامل المتداخلة، وخرجوا علينا بأن هذا الاحتفال عبادة يعظمون به النبي ﵊؛ لكن أيهم أشد تعظيماً للنبي ﵊ أهؤلاء أم أصحابه؟! هل احتفلوا إذاً بمولده أصحابه؟ ولماذا لم يحتفلوا بما هو أعظم كالبعثة والهجرة؟ أليست البعثة والهجرة مناسبتين أعظم من المولد؛ لأن التغيير الذي ترتب على البعثة والهجرة في التاريخ أشد بل لا يقارن بالتغيير الذي حصل بمجرد مولده، بل إنك لا تكاد تجد تغييراً واضحاً بمجرد مولده، لكنك تجد التغيير بهجرته وبعثته، فلماذا إذاً جعلوها في مولده بالذات؟! لما احتفل النصارى بميلاد عيسى واتبع هؤلاء ملة النصارى في هذه القضية مصداقاً لما أخبر به ﵊: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة) وأقام هؤلاء الموالد واحتجوا بأن أكثر المسلمين يفعلونها، فمتى كانت الأكثرية دليلاً على الحق؟ وقد قال الله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] وقالوا: نحيي ذكراه، فنقول: هو حيٌ في قلوب المؤمنين الصادقين على مدار العام، فكل يومٍ يذكرونه ويصلون عليه، ويسمعونه في النداء، وقد قرن الله اسمه باسمه في الأذان للصلاة: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] وهكذا يحيون سنته ويروون أحاديثه يومياً، فمتى كان جعل يوماً في السنة مغنياً؟ ومتى كان إحداث هذا العيد دليلاً على المحبة؟ إذا كانت المحبة واجبة في جميع أيام السنة، وإذا نظرنا فلم نجد في أصحاب النبي عليه الصلاة السلام ولا في السلف من فعل ذلك وإنما هي على أحسن الحالات استحسانات قام بها بعض الجهلة.
عباد الله: لا شك أن معرفة سيرة النبي ﵊ أمرٌ مهمٌ جداً، ولكن لماذا تخصيص قراءة السيرة في هذا اليوم بالذات يوم المولد؟! أليس الصادق في المحبة يقرأ سيرته ويتداول سيرته على مدار العام ﷺ ؟! إذاً ينبغي أن تكون الذكرى حية على مدار العام وليس أن تحصر في يوم من أيام العام.
стр. 6715
مفاسد الاحتفال بالمولد
لقد صار الاحتفال بالمولد فيه من المفاسد الأمور العظيمة، ومن ذلك ما يرتزق به تجار الحلوى، ومؤجرو الألعاب والملاهي، والباعة الجوالون، والقصاصون والمداحون والمغنون، وأخيراً الراقصون والراقصات، والمغنون والمغنيات في إقامة الحفلات الغنائية، وربما أحياناً بالمجان صدقة لأجل المولد ومشاركة بالأغاني والمعاصي والمحرمات مشاركة وهبة لأجل المولد، وأتيحت الفرصة أمام الفساق والفجار وصارت التعمية على بعض المهرجانات والممارسات المعادية للدين الحق.
إن نابليون -أيها الإخوة- قد أمر بإقامة الاحتفال بالمولد وأعطى شيخاً ثلاثمائة ريال فرنسي وأمره بتعليق الزينات وحضر حفل المولد من أوله إلى آخره، وكشف أحد مؤرخي مصر العظماء وهو عبد الرحمن الرافعي حيلة نابليون وقال عن ذلك: إنه يريد أن يعلن للعالم الإسلامي أنه صديق للإسلام والمسلمين خدعة وكذباً ليتوصل من وراء احتلاله إلى توطيد أركان ذلك الاحتلال بين المسلمين، ودغدغة عواطفهم، هكذا إذاً يشارك حتى الكفرة في هذه القضية ويعلنونها ويشجعون عليها ويحضرونها وينشرونها ويطالبون بها.
فالسنة السنة يا عباد الله، والحرص الحرص على توحيد الله، وكذلك المتابعة للنبي ﷺ .
اللهم اجعلنا من أهل سنتك، واجعلنا ممن يحب صاحبها ويقدم محبته على كل بشر إنك سميع مجيب.
اللهم اجعلنا من أهل شفاعته يوم الدين، واجعلنا ممن رافقه في يوم الدين؛ إنك سميع مجيب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 6716
محاربة أهل الزندقة للنبي ﷺ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً رسول الله البشير والنذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين.
عباد الله: إن مما يثير الحمية في النفس لسنة النبي ﵊ ولشخصه الكريم ما يراه المسلم من هجمات أهل الكفر والزندقة والانحلال، والنفاق في هذا العصر على النبي ﵊ وسنته، وقد صارت هناك موجة وموضة من حرية الكفر لا حرية الفكر في كثير من الأماكن بين المسلمين، عندما يخرج الواحد تلو الواحد لأجل المس بهذا الدين والشريعة والسنة ويكتب من يكتب الكتب التي تلقي الشبهات حول نبينا صلى الله وسلم ونبوته كما فعل واحدٌ منهم في هذه الأيام.
وإن من العلامات التي تدل على صدق محبة الإنسان لنبي الله ﷺ المنافحة عنه وعن سنته ويغلي الدم في العروق وأنت تسمع يا عبد الله تلك الشاعرة التي تلقي قصيدة في مناسبة عيد المرأة، وهذا من فوائد الأعياد المبتدعة إن صح أن يكون لها فوائد، وكلها أضرار، لكن حتى نعلم هذه المبتدعات تقود إلى ماذا؟ في عيد المرأة تحدثت عبر الهواء امرأة في قصيدة لها تقول فيها:
ملعون يا سيدتي من قال عنك أنك من ضلع أعوجٍ خلقتِ
ملعون يا سيدتي من أسماك علامة على الرضا بالصمتِ
من هو الذي قال ذلك؟ من هو الذي قال: (إن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمه كسرته وقال: كسرها طلاقها) ومن الذي قال لما سئل عن البكر إذا استحيت أن تقول عند عقد النكاح صراحة بالنطق نعم، أو تظهر الموافقة بالكلام فقال: (إذنها صماتها) من هو القائل؟ هو النبي ﵊، ففي عيد المرأة تخرج هذه الشاعرة التي ارتدت بالنص، وتكفر على الملأ في هذه الموجات البثية الإذاعية، لتعلن الردة عن الإسلام على رءوس الأشهاد، وعندما يقوم بعض المسلمين للإنكار والمطالبة بالدعوى عليها وإقامة الحد الشرعي وهو حدٌ مهم منسي، حد الردة، تقوم منادية الشرفاء للتصدي للاتهامات الباطلة.
وامرأة أخرى أنالها الله الخزي في الحياة الدنيا والآخرة تقوم أيضاً لتقول في مقابلة صحفية: إن الحج مظهر من مظاهر الوثنية وكذلك تقبيل الحجر الأسود ومسحه، وإن عقلها لا يقبل ذلك، وقالت: الحجاب غير إسلامي، هذه الموضة -أيها الإخوة- من إعلان الكفر على الملأ، هذه الموضة والانحلال من الدين الذي نسمع عنه، إنه فعلاً دليل على وجود صف للمنافقين يعمل داخل هذه الأمة، وأن فيها من المرتدين من يجب إقامة حد الله عليه بضرب رقبته بالسيف حتى يبرد.
ونعلم أيضاً أن المحبة الحقيقية للنبي ﵊ تكون بإقامة الحد على هؤلاء، وليس بإقامة الاحتفالات بالمولد، فإذا رأيتهم يسكتون عن هذه الأقوال ويقيمون الاحتفالات فتعلم وتفهم أي شيء؟ ماذا تستنتج يا عبد الله؟ إقامة البدعة وترك الكفرة والمنافقين والمرتدين يسرحون ويمرحون، أين المحبة المزعومة للنبي ﵊ في نفوس هؤلاء؟! أيها الإخوة! إننا نوقن أنه ليس في أفعال الله شر محض، وأن الله بعث نبيه ﷺ ليبتليه ويبتلي به وقد ابتلى به هؤلاء، ابتلى به، فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
أيها الإخوة! تتزامن الأحداث ليكتشف المسلم أين هي المحبة للنبي ﵊ حقيقة والدفاع عنه وعن دينه وعن سنته وعن شخصه الكريم ﷺ ؟ ولا شك أن المسلم لا بد أن يغار على الدين ولا بد أن يكون له موقفٌ من بطش أولئك المجرمين، ولا بد أن يعلم بأن هذا الكفر الذي ينشر على الملأ وخصوصاً المقابلات في تلك الفضائيات مع هؤلاء الزنديقات والمنحلات وغيرهن من المنحلين -أيضاً- من الدين، أن ذلك مما خطط له الكفار في نشر الردة والكفر علناً حتى تستمرئ أسماع المسلمين سماع مثل تلك العبارات الشنيعة، فيعتادوا عليها مع الوقت، ولكن في نفوس المسلمين حمية للدين لم تمت بعد، وعندهم غيرة لم تضمحل بعد، ولذلك يقوم المخلصون منهم برفع دعاوى الاحتساب، وعمل ما يمكن عمله والمطالبة ورفع الصوت لأجل أخذ الحق للنبي ﵊ من هؤلاء المردة من شياطين الإنس.
أيها الإخوة! نحتاج فعلاً إلى دعوة صادقة وتعليم للسنة، وبيان لمعاني الخروج عن الدين والردة؛ لأنها أمرٌ قد تفشى وأذيع وأعلن، فلا بد إذاً من الحذر والعلم والبيان، وهذه وظيفة أهل العلم.
стр. 6717
محنة المسلمين في مقدونيا
ونحن -أيها الإخوة- كذلك نعيش هذه الأيام مع محنة إخواننا في مقدونيا، ذلك الشعب المسلم الذي يشكل قريباً من نصف سكان مقدونيا (٤٥%) ولا يشكل النصارى الأرثوذكس الذين يمسكون بزمام الأمور في مقدونيا إلا الثلث فأقل، فهم أقل من المسلمين، ومع ذلك يتحكمون في رقابهم، يغلقون جامعاتهم، وقد نصبت هذه الطغمة الأرثوذكسية في تلك البلاد صليباً طوله اثنا عشر متراً ضمن احتفالات الألفية، وهو واحدٌ من عدد من الصلبان التي زرعت في أنحاء البلاد كان أكبرها صليب بطول مائتي متر على قمة أعلى جبل، صمم بحيث يضيء في الليل ليراه الجميع، رفعوا ذلك الوثن، ولوثوا به الهواء والفضاء، ولكن ضاقت أنفسهم بمآذن أحد أعرق المساجد في مقدونيا فأمروا بإغلاقه ومنع إقامة شعائر الدين فيه، وهكذا حُرم المسلمون في مقدونيا من عدد كبير من ميزاتهم وحرياتهم الدينية وحقوقهم، فقاموا يطالبون بلا فائدة، وهكذا لما نفذ صبرهم وقاموا للمطالبة بحقوقهم جند أولئك النصارى جنودهم لكي يكتسحوا قرى المسلمين التي يتحصن فيها أولئك المدافعون؛ ليصبوا عليها جام غضبهم بنيران أسلحتهم، وتقصف المساجد قبل البيوت كما أوضحت ذلك صور الأحداث المنقولة في الوسائل العالمية، تستهدف المساجد أولاً، وهكذا تصب حمم السلاح على رءوس المسلمين فيقتل المدنيون ويشردون بالآلاف المؤلفة وفيهم -الآن- من نتيجة الحصار من الجوع والتشرد ما الله به عليم.
فإلى الله نشكو أمرهم وأمرنا وأمر المسلمين، ونسأله أن يعجل بكشف الغمة، وإنقاذ تلك الأمة المسلمة إنه سميع مجيب.
وقد تحالف الصرب مع المقدون النصارى ومع غيرهم من الأحلاف الأخرى الموجودة في الأرض على أولئك النفر القلة من المسلمين في مقدونيا، وجاء الدور على مقدونيا وكان ذلك معلوماً من قبل، بعدما صارت المذابح في البوسنة وكوسوفا جاء الدور على مقدونيا.
أيها الإخوة! ولا ننسى أيضاً أن إخواننا في فلسطين يعيشون تحت أنواع الحصار الذي يفرضه أولئك اليهود عليهم، يقللون من غاراتهم العسكرية تارة ويكثفونها أخرى، ويقتحمون ديارهم تارة وينسحبون أخرى، وهكذا في عمليات مدروسة لليهود ضد إخواننا.
وإننا لنعجب فعلاً من بطولات ذلك الشعب الأعزل المسلم في فلسطين المحتلة، ذهب أحد الذين يوزعون المساعدات يمشي في طريق من الطرق في تلك البلاد المحتلة بين المسلمين فاندلعت الاشتباكات فجأة في مكان قريب فدخل هذا مسرعاً إلى مكان يلتجئ فيه فقال له أحد المسلمين في فلسطين متأملاً ومتفرساً فيه: أنت لست من أهل هذه البلد، أليس كذلك؟ فقال: نعم، كيف عرفت؟ قال: لأنه عندنا إذا حدثت الاشتباكات من كان بالداخل يخرج إلى الخارج، وليس الذين في الخارج يدخلون إلى الداخل، ولذلك فإننا نعجب فعلاً من ثبات إخواننا العزل تقريباً في تلك الديار، ونحن ندعو لهم بأن يرزقهم الله مزيداً من الثبات، ومزيداً من القوة على مواجهة أعدى أعدائنا وهم اليهود، وندعو الله بأن ينصرهم وهم يقاتلون بالنيابة عن المسلمين في أرض فلسطين ولا نبخل بما نستطيع لأجل نصرتهم.
نسأل الله أن يوحد المسلمين على توحيده، وأن يجمع صفهم وأن ينزل عليهم نصره وأن يسدد رميتهم، وأن يجعلهم حرباً على أعدائه سلماً لأوليائه إنه سميع مجيب.
اللهم عليك باليهود والنصارى والصليبيين، اللهم عليك باليهود والصليبيين، وسائر المشركين والمنافقين المرتدين يا رب العالمين، اللهم العنهم لعناً كبيرا، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، وأخزهم في الدنيا والآخرة وصب عليهم سوط عذاب، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل دائرة السوء عليهم، وائتهم من حيث لا يحتسبون، زلزل الأرض من تحتهم، وأسقط عليهم عذاباً من فوقهم، اللهم عطل أسلحتهم وخيب رميتهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم أسقط دولتهم ومزقهم كل ممزق يا رب العالمين اللهم عجل بنصر المسلمين، عجل فرجنا يا أرحم الراحمين؛ سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 6718
برنامج دين ودنيا حقوق الأبناء على الآباء
يتحدث الشيخ في هذه المادة عن حقوق الأبناء على الآباء، ومن ذلك: اختيار أفضل الأسماء التنشئة الإسلامية العدل بين الأبناء تزويجهم متابعتهم ومراقبتهم إلخ.
كما حذر من أخطاء كثيرة يرتكبها الآباء في حق الأبناء.
стр. 6719
حقوق الابن قبل ولادته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المشاهدون الكرام! أينما كنتم وحيثما كنتم؛ أحييكم بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأهلاً ومرحباً بكم معنا إلى لقاءٍ جديد من برنامجكم دين ودنيا.
الذرية بلا شك عزيزة غالية، فهي قطع الأكباد وثمار القلوب، وعماد الظهور وقرة العيون وزينة الحياة، ثم هي بعد ذلك أمانة من الله سامية يضعها بين أيدي العباد ليرعوها حق رعايتها، ويصونها حق صيانتها، ولكن الآباء في العهود الأخيرة أهملوا أبناءهم إهمالاً شنيعاً، لا نقول: أهملوهم في الطعام والثياب والفراش والسكن، فذلك قدر من العيش ميسور للناس مع اختلاف في الأحوال والأشكال، ولكنهم أهملوهم فيما هو أهم وأعظم وأخطر وأكبر؛ أهملوهم في تقويم نفوسهم وتطهير أرواحهم وتدعيم أخلاقهم، في تنشئتهم على الدين والعبادة، وفي ضرب القدوة الصالحة لهم، وفي تحديد الطريق المستقيم أمامهم، ومن هنا خرج الأولاد بلا هدفٍ ولا إيمان، وبلا رصيد من عزيمةٍ أو أخلاق، فتفرقت بهم السبل وتوزعتهم الأهواء، وتقسمتهم الأخطاء وعاشوا في دنياهم بأفئدة هواء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
أيها الإخوة! كم يطيب لنا وكم يسرنا أن يكون معنا في هذه الحلقة أو الندوة المباركة صاحب الفضيلة الشيخ/ محمد بن صالح المنجد إمام وخطيب جامع عمر بن عبد العزيز بـ الخبر نتلقى اتصالاتكم ورسائلكم عبر هاتف البرنامج وناسوخه، والذي يظهر بين الفينة والأخرى، وأذكر هنا برقم الناسوخ (٤٤٢٥٠١٦).
أرحب بك صاحب الفضيلة فمرحباً بك في برنامج دين ودنيا.
الشيخ: حياكم الله، أهلاً وسهلاً.
المقدم: بارك الله فيك.
الشيخ: الله يحييك.
المقدم: أقول: من ثمرات الزواج إنجاب الأولاد، والذين هم -أعني: الأولاد- قبل ذلك نعمة من الله يمن بها على من يشاء من عباده، يقول الله : ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً ...) [الكهف:٤٦] أقول: ولا ريب أن هذه النعمة إنما تثمر ثمرتها، وتؤتي أكلها بإذن ربها متى ما قام الآباء بالحقوق الواجبة تجاه أبنائهم، فهل لنا صاحب الفضيلة أن نتعرض على طبيعة تلك الحقوق، مثلاً: حقوق الأولاد عند الولادة كيف تكون حقوقهم؟ الشيخ: الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأحييكم في هذه الحلقة، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً الإخلاص والعلم النافع والعمل الصالح.
وقد سبق الحديث عن حقوق الوالدين ونتحدث -أيضاً- عن حقوق الأولاد كما تفضل أخي حفظه الله، وحق الولد على أبيه حقٌ عظيم وعندما نقول: الولد، فإنه يشمل الذكر والأنثى، إنه حقٌ من قبل الولادة بل من قبل الزواج عندما يختار له أمه التي ستربيه: (فاظفر بذات الدين تربت يداك) (تزوجوا الودود الولود) ودعاء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران:٣٨] وعند إتيان الزوجة يسمي الله ، الولد له حق في الحياة فهو يخرج من بطن أمه ولذلك لا يجوز إسقاطه ولا قتله، لا قبل الولادة ولا بعد الولادة ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:٣١] أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك من أكبر الكبائر: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] الجاهلية التي كانت تأخذ الأم عند الولادة إلى حفرة فالقابلة تستلم المولود، فإن كان ذكراً أبقوه وإن كانت أنثى طموا عليها التراب، عوضتنا الشريعة بشيء عظيم في استقبال البنات: (من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جزته -أي: من غناه وماله- كن له حجاباً يوم القيامة من النار).
من حقوق الولد في بطن أمه أنه لا يجوز للحامل أن تتناول أي شيء يضعفه أو يشوهه، بل ينبغي أن تتقوى لتغذيته.
هذه المرأة التي أتي بها لما ثبت عليها الزنا لترجم، النبي ﵊ لأجل حق الولد أبقاها ولم يرجمها حتى تضع، ثم حتى ترضع، وحتى فطمته، وفي يده كسرة خبز، ثم بعد ذلك كان الرجم، هذا الجنين إذا سقط له دية عند الاعتداء عليه.
هذه الزوجة التي ينبغي أن تراعى عند الحمل لأجل المولود، فعليك -يا أيها الزوج- بمراعاتها عند الوحام وغيره، إنها قضية مهمة، النسب من حقوق الولد.
إن إثبات النسب حقٌ لله، وحقٌ للطفل وللأب والأم، هذا النسب الذي يصونه عن الضياع والتشرد، الولاية، الإرث في الصغر، له حقوق كثيرة بسبب النسب، فلا يجوز لأب مسلم أن ينفي ولده دون بينة.
من الأمثال القبيحة التي توجد عند بعض العامة أن يقول: هذا ولدي إن صدقت أمه.
ما هذا الكلام؟ كذلك لا يجوز للإنسان أن يدعي من ليس ولداً له ويضيفه إلى نسبه، ثم يستقبل المولود استقبالاً كريماً بالبشارة وكذلك يؤذن في أذنه اليمنى، فيسمع الولد شهادة التوحيد، يحنك بالتمر المعجون، يحلق رأسه، يدهن بالزعفران.
стр. 6720
حق الابن في تسميته وعقيقته وختانه
إن من حقوق الابن أن يسمى اسماً حسناً، النبي ﵊ سمى الحسن والحسين، وحسَّن على التسمية بعبد الله وعبد الرحمن وسمى بنتاً جميلة، وأخرى حسانة، هذه التسمية في اليوم الأول أو في اليوم السابع كلاهما لا بأس به وفي أي يومٍ آخر، وهنا نرى يا أخي الكريم، والإخوة المشاهدين أشياء عجيبة تحدث في قضية التسمية عندما يسمي بعض الناس أولادهم من ذكور وإناث أسماء عجيبة أسماء جاهلية أسماء مبغوضة شرعاً، ودعنا الآن من قضية الأسماء المعبدة لغير الله المنتشرة، وأشياء لا تليق بالله عند بعض الأعاجم كعاشق الرحمن ونحوه! والأسماء المكروهة شرعاً مثل: فتنة فاتن هيام، هذا اسم مرض يصيب الإبل، واحد اتصل على الخطوط ليحجز؛ قال: عندي امرأة، قال: ما اسمها؟ قال: لحظة، فانتظر موظف الخطوط، ثم قال: ما اسمها يا أخي، قال: لحظة، فانتظر مرة أخرى، ثم قال الموظف: عندنا ناس، قال: يا أخي اسمها: لحظة.
ثم آخر يقول: ما اسم الراكبة؟ قال: اسمها فضيحة، قال: يا أخي! تكلم، لا حرج، قال: اسمها فضيحة، قال: نحن إخوان ثم تبين أن اسم البنت فضيحة، وهذا شخص جاءته خمس بنات، فجاءه توأم بنات، ماذا سماهما؟ اسم الحدث الريح الذي يخرج من الدبر فعله وفعيلة، على وزن فعلة وفعلية.
المقدم: هذه أسماء غريبة جداً، وحتى يحاول أن يجعل لها أصلاً ويقول: هذه موجودة في اللغة العربية ارجع إلى القاموس.
الشيخ: ولو رجع إلى القاموس ربما لا يعرف شيئاً ولا يعرف كيف يستخدم القاموس أصلاً، وآخر من كرهه للبنات توعد زوجته لما جاءت بالبنت السادسة سماها مغضوبة.
واحد يسمي فوطة ومسفوطة، وهذه أسماء حقيقية.
ثم بعد ذلك نسمع ونقرأ في الجرائد واحد من كرهه لزوجته لما جاءه ذكر وأنثى سمى البنت جهنم والابن عزرائيل، ثم يقولون: ما وجدنا في القانون ما يمنع التسمية بهذا إذا كان القانون لا يحمي المغفل، الشريعة تحمي المغفل، عندنا خيار الغبن، وخيار العيب، الشريعة تحمي الولد والمولود والوالدة والأب، الشريعة تحمي الناس، الله أنزلها هكذا، ثم قضية التشبه بأسماء الكفار في بعض الأسماء: روزا، كريستين، ليندا، ديانا، جاكلين، ماري، مادونا، هذه أسماء موجودة، وقد كنت ألقيت محاضرة في مدرسة خاصة للبنات، أعطيتهم أسئلة جاءت الإجابات وكل واحدة مكتوب الاسم الأول، تصور يا أخي بنت مسلمة مكتوب نانسي، لماذا هل الأسماء الإسلامية، عائشة، هل سمعنا أن الكفار يسمون أولادهم عائشة وفاطمة، وحفصة، مثلاً، ونورة وجوهرة، هل يسمون بالأسماء الإسلامية، انتهت الأسماء الطيبة حتى نسمي بأسماء القوم، ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] فلما تسمون بأسمائهم، ثم أسماء رخوة، بدلاً من زينب زيزي، بدلاً من فاطمة فيفي، وهكذا أسماء أعجمية مثل: نيفين ناريمان، لماذا لا نسمي الأسماء الصحيحة؟ هناك ارتباط بين الاسم والمسمى، أسماء عباد الله الصالحين، أسماء الأنبياء.
أيها الإخوة! الأب عندما يسمي لابد أن يقلب الاسم من جميع الوجوه وينظر هل يليق الاسم بالمولود، وإذا كبر هل يليق به إذا صار به جداً أو صارت جدةً.
المقدم: الحقيقة أن الأسماء -ولله الحمد- مجاناً وليست بمال، فوسع الله دائرة الأسماء قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [النجم:٢٣] فهي كثيرة، لكن دعني أطرح هذا التساؤل يا شيخ محمد: هل التسمية من حق الأب أم أنها من حق الأم؛ لأننا لربما أحياناً يلوح في سماء البيت سحابة غضب وزمجرة لماذا لم تسم على اسم أمي؟ والثاني يقول: لماذا لم تسم على اسم والدتي، أنا أحق وهكذا؟ الشيخ: أما التسمية شرعاً فإنها من حق الأب لأنه سيضاف إلى اسمه وينسب إليه كما نص على ذلك العلماء، ولذلك الأم لا تنازع الأب حقه، وعلى الأب ويستحب للأب وينبغي على الأب أن يشاور الأم في هذه القضية، ويأخذ رأيها، هي حملته وتعبت فيه، وتحملت آلام المخاض والوضع فيراعي أيضاً حالها.
ومن الطرائف أن أباً أصر على اسم ابنه فيصل، والأم أصرت على طلال، وأهله معه، وأهلها معها، والولد يعيش إلى الآن باسمين فيصل وطلال، يجب أن نعلم أن هذه التسمية حق للأب شرعاً وهو يراعي زوجته.
قضية العقيقة؛ العقيقة سنة مستحبة من فوائدها فك ربطة الشيطان، تسلط الشيطان على المولود لحديث: (كل غلام مرتهن بعقيقته) مرتهن، فهو مربوط، الشيطان عليه تسلط فإذا ذبحت العقيقة، وإذا لم يكن الأب قادراً -الحمد لله- هي سنة وليست بواجبة، ثم الحلق وبعض الناس ربما يقول: هذه المنطقة لينة في رأس الولد أنا أخشى عليه من الضرر، فنقول: انتق حلاقاً جيداً.
الختان من حق الولد فيترتب له عليه مصالح كثيرة في صغره وفي كبره.
ومن القضايا التي تكون في مسألة الصغر الرضاع الذي ينبغي للأم ألا تهمله، لا بحجة أن شكلها سيسوء، والمحافظة على شكل الصدر، تهمل الرضاع، وتنتقل بالولد إلى ما يضره، وكذلك بعض الآباء ربما الأم ترضع الولد الآن وفي وقت رضعته يقول: اتركي الولد وتعالي إلي، وهذا من حق الولد أن يرضع، فهذه مسائل مهمة عند الولادة ينبغي مراعاتها من حقوق المولود في الإسلام.
стр. 6721
حق الابن في التنشئة الصالحة
المقدم: أحسن الله إليكم، أحياناً يتفق الزوجان فتقول المرأة الزوجة: أنا أسمي البنات، ويقول هو: أنا أسمي الأولاد، وهذا حل وسط كما يقولون، طيب ماذا عن حقوق الأولاد عند النشأة يعني: لربما يتساءل البعض يقول: لي أولاد كيف أنشئهم التنشئة الصالحة وما حقوقهم عليَّ؟ الشيخ: أما بالنسبة لهذه القضية الخطيرة والمهمة التي نهمل فيها كثيراً -أيها الإخوة! والأخوات- أن هذا الولد من ذكر وأنثى أمانة بيد الأبوين، هذه نفس تحتاج إلى صيانة، ٩٠% من التعليم بالعادات يكتسب في الصغر، في الخمس السنوات الأولى تكتسب أشياء كثيرة ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشبُ
قد ينفع الأدب الأحداث في مهلٍ وليس ينفع في ذي الشيبة الأدبُ
يجب أن تكون القضية منذ البداية، تعليم ومراعاة الحاجات العبودية والحاجات النفسية، وأيضاً قيامٌ بحق هذه الروح في التهذيب والتربية إيمانياً وصلة بالله ﴿ُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧] يا بني ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] وهكذا يعلمه التوحيد وضده الشرك، والصلاة والعبادات، لقمان يعلم ولده وهذا النبي ﵊ يقول: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) وهكذا يقول للآخر عندما يرى يده تطيش في الصحفة: (يا غلام! سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك).
ينبغي -أيها الإخوة- أن نقوم بقضية التعليم والتربية والتأديب للأولاد، في قديم الزمان كان عند الناس رجل اسمه مؤدب، يؤدب الأولاد، يرتاد الأب المساجد مع الأولاد، يقوم معهم بصلة الرحم، يعلم البنت الحجاب منذ الصغر، وليس إذا بلغ تفاجأ بالأوامر، الأذكار يقولها بصوت مسموع ليحفظه الأولاد: اصطحابهم عند أفعال الخير إلحاقهم بتحفيظ القرآن التحدث أمامهم بالعربية الفصحى توطيد العلاقات بالعائلات الطيبة لإيجاد بيئة ينشأ فيها أولاد المتدينين معاً ويتأثرون بالجو الذي لا بد أن يكون لهم.
أصدقاء الأولاد من هم؟ من يعاشرون؟ تعزيز العلاقات الطيبة، يدربون على الأعمال النافعة وعلى العادات الطيبة، يعودون على الأكل مما هو موجود، لماذا يكون عند الأولاد ترفٌ قاتل؟ يمنعون من السهر الأخلاق الحميدة تغرس فيهم كيف يكرم الضيف الشجاعة، بعض البادية عندهم أشياء قد تكون أفضل من المدينة.
أب يريد أن يعلم أولاده الشجاعة فقال: أنتما تسابقا إلى حوض السيارة، وقد وضع في حوض السيارة ثعباناً ميتاً، فأسرعا معاً فقفز الكبير في داخل السيارة فرأى الثعبان فخاف ورجع وهو يصرخ، الصغير وقف هنيهة ثم قلب الثعبان فوجده ميتاً فجلس وأخذ الجائزة، ثعبان كان قد قتله ووضعه، وأنا أضرب مثال فقط، ويعود الولد ألا يخشى الظلام، لا يخشى قول الحق، وأنا ذكرتها طرفة؛ لأن الثعبان مقتول.
القضية في العبادة الاهتمام بالعبادات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصبر وعدم الشكوى الشكوى لله.
اهتمام بإقامة حلق العلم في المنزل ربط القلب بالله ، كلما صارت حادثة تربط بالله يحبب الولد بالله من خلال ذكر النعم.
إذا أمرت الابن في شيء تابعه في تنفيذه، قضية المشاعر توجه مشاعر الولد الغضب الفرح الحزن لتكون أشياء شرعية، تربط العبادات بالله أنها ليست قضية عادة وليس لأنك رأيت أباك يصلي، إحضاره مجالس الكبار، يعلم عادة شكر الناس، كيف يثني عليهم، يعاملهم بالأمر الطيب والكلام الطيب، نرى في بعض المجتمعات الإسلامية الولد الصغير يقول كلاماً طيباً، لأن أباه رباه هكذا، يقول للضيف الواحد يقول: أنتم تريدون الشاي بسكر أم بغير سكر، يخاطبه بلفظ الجماعة، لأنه هكذا علم، فرق أن يقول أنت يا كذا، أنت يا كذا ويخاطب الضيف بطريقة ساخطة، يعلمه حسب السن، لاعبه سبعاً، أدبه سبعاً، صاحبه سبعاً.
стр. 6722
قصة والد اهتدى على يد طفله
من حق الولد أن يجد أباً مربياً ناصحاً معلماً موجهاً قدوة في الخير وفي الصلاة وفي البر.
يا أخي! هذه قصة سمعتها من ولد صغير -في الأولى أو ثانية ابتدائي- أبوه لا يعرف القبلة في البيت، ولذلك الابن هذا ما رأى أباه يصلي أبداً، لما ذهب الابن إلى المدرسة رزقه الله بمدرس في الفصل، إنسان متدين يخاف الله، ويعرف أمانة الطالب الذي بين يديه، فدعاهم إلى صلاة الجماعة، حببها إليهم، وفضل صلاة الفجر، والمشي في الظلمة إلى المسجد، الولد صار عنده إقبال وانجذاب إلى الصلاة، فلما رجع للبيت، ضبط الساعة المنبه على صلاة الفجر كما علمه المدرس، فلما قام وتوضأ وذهب وفتح باب الشارع وجد في الطريق ظلاماً فخاف، ورجع، يفتح الباب ويغلقه متردد يفتح الباب ويغلقه -وهذا طبيعي في الولد يهاب الظلمة- حتى سمع شيئاً يطرق على الرصيف، إنه عكاز جد صاحبه أحمد في الحارة يمشي يذكر الله، فمر من أمام باب البيت، فتشجع الغلام وخرج مع هذا الشايب ورافقه كظله إلى المسجد وصلى ثم انتظر الشايب حتى يرجع فرجع معه، ثم توالت الأيام على هذا الحال.
في يوم من الأيام أبو الولد دخل البيت ووجد الولد يصرخ ويبكي بكاءً حاراً قال: ما لك يا ولد؟ فسكت، ما لك يا ولد؟ يلح عليه، في النهاية الابن تكلم، قال: جد جارنا أحمد مات، قال: وماذا يعني أن جد جارك مات؟ من يكون جد جارك؟ لماذا تبكي عليه؟! الولد سكت، قال أبوه: أهو أبوك؟! قال: يا ليت الذي مات أنت وليس هو -تجرأ الولد- الأب انصدم من هذه الكلمة، قال: يا ولدي! ماذا تقول؟ قال: هذا العجوز كنت أذهب معه إلى المسجد، هذا كان نعم الرفيق لي في الظلمة، أنت ما رأيتك في البيت تركع لله ركعة.
فكانت كلمة هذا الصغير سبباً في هداية أبيه لطريق الحق والمحافظة على الصلاة.
من حق الولد أن يجد في البيت أباً يعقل، وليس أباً ذاهب العقل بالمسكرات والمخدرات، والأم المسكينة تداري الموضوع، والولد يقول: ماذا يشرب أبي؟ ولماذا يشرب كثيراً؟ وما هذا؟ وتقول له: ماء، ويقول: والدي يحب الماء؟! والأسئلة تتوالى، يدخل وهو سكران، يسب ويلعن ويشتم الزوجة والأولاد، كم مرة طلق الأم المسكينة وهي لا تدري تعيش معه بالحلال أم بالحرام؟ وهذا الآخر السكران الذي يخرج أغلب الأوقات ما يغيب عن عقله أكثر مما يفيق، الأولاد محرومون من رؤيته، هو ينزوي في الغرفة يشرب، الأولاد يضيعون، عندنا في الحي أولاد لأب من هذا النوع يمشون يطوفون على البيوت يسألون الناس، بنت عمرها اثنا عشرة سنة بشكلها تطرق الباب تسأل الناس يمدون أيديهم للناس؛ لأن أباهم يشرب الخمر، المال كله ذهب في المسكرات والسفريات القريبة والبعيدة، سألت الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ قلت: يا شيخ! الآن المجاهرة بالمعصية إثمها عظيم، الذي يسر غير المجاهر، قلت له: الأب إذا جاهر داخل البيت، إذا عمل المنكر أمام أولاده عمل أي منكر أمام أولاده، هل يعتبر مجاهراً أم لأنه داخل البيت يعتبر مسراً، قال الشيخ: أعوذ بالله! أعوذ بالله! هذه أعظم من المجاهرة، هذه مجاهرة وإساءة تربية، والنبي ﷺ قال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).
стр. 6723
حق الولد في اللعب
من حق الولد أن يلعب، تصور أن طفلاً يقول: أبي لا يشتري لنا ألعاباً، لماذا؟ أبوه في شركة محترمة وراتبه كبير، لكن تذهب في المسكرات في المحرمات في السفريات، والنبي ﷺ قبَّل الحسن والحسين، ترك ابنه يرتحله كما ترتحل الدابة، والآخر يلعب فوق ظهره، حتى في السجود ترك لهم المجال، يذهب خصيصاً لزيارة ولده الرضيع إبراهيم، عندما كان يرتضع يذهب لزيارته، ويذهب خصيصاً لزيارة الحسن، ويطرق الباب ينتظر حتى فاطمة تلبس الحسن، ويخرج إليه يمد يده، فالحفيد يمد يده، فيحضنه في حجره ويقبله ويجلع له لسانه علاقة عاطفة محبة حتى عائشة لما انتقلت إلى النبي ﵊ بألعابها سمح لها أن تلعب؛ لأنها كانت صغيرة في السن، تلبية حاجة الولد في الألعاب، لكن أي ألعاب؟ البلاستيشن ألعاب صلبان! أي ألعاب؟! الفئة السحرة! وتطير على مكنسة! الموسيقى! أي ألعاب؟! التي فيها نساء بملابس شبه عارية! أي ألعاب التي يلعب بها؟! ألعاب هادفة وليست ألعاباً مدمرة للنفس والأخلاق.
стр. 6724
بعض سلبيات الآباء
المقدم: الله يبارك فيكم أنا قلت: كم من أناس كانت هدايتهم على أيدي أبنائهم، ولله در بعض الآباء الواعين الفاضلين يأتي إلى غرفة أبنائه في الليل ويصلي فيها ركعتين أو ما كتب الله فينظر الأبناء إلى أبيهم وقد ركع في غرفتهم يعني ممارسة عملية تطبيقية، فيكون هذا أدعى إلى الاقتداء به.
هذا الأخ يوسف الحيدان يقول: ما رأيكم يا شيخ محمد بما نعايشه ونشاهده في ميدان التربية والتعليم حينما ندرس حالة طالب بئيس حزين هزيل نجد أن أمه مطلقة، ويعيش مع والده، ووالده يمنعه من مشاهدة أمه إذا لم يحقق كذا وكذا في الدراسة، فهل من توجيه لهذا النوع من الآباء؟ أيضاً تساؤل جيد من أبي نواف يقول: أنا شاب متزوج وعندي أطفال، ولقد رزقني الله بطفلٍ ولكن أبي أجبرني على أن يكون اسم الطفل مثل اسمه، رغم أن اسم والدي فيه شيء من الغلظة والقسوة، أنا أحياناً أرفض وإذا صرحت في الرفض يقول أبي: أنت عاق، فهل هذا من العقوق وما نصيحتك لوالدي، وإذا لم أسم وهجرني ما الحكم في ذلك رغم أني أريد أن أسمي أسماءً جيدة مثل عبد الله وغيره من الأسماء التي فيه تعبيد لله تعالى، ويقول: والأسماء التي عندنا مثل: مطعش اشبيد سدك مسرف؟ أنا معي إبراهيم الطلحة ثم أعود إليك لتعلق، وأيضاً لنأتي على قضية النفقة وحقوق النفقة وما يتعلق بها؛ لأن هناك أناس ربما يفهمون موضوع النفقة مائة وثمانين درجة، أفهام متخالفة ومتباينة.
الأخ إبراهيم! السلام عليكم.
السائل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
المقدم: حياكم الله السائل: مساكم الله بالخير جميعاً المقدم: مساك الله بالخير أهلاً وسهلاً.
السائل: أشكرك -يا شيخ عبد المحسن - على هذه الجودة المباركة.
المقدم: الله يبارك فيك.
السائل: نحن في مستشفى الأمل بحكم أني رئيس الشئون الدينية فيه، فهناك نعاني بشدة من إهمال الآباء في أبنائهم، حتى أوقعتهم في شباك المخدرات، وأصبح الكثير من الشباب يعاني أو يكل السبب الكبير للآباء، وهناك بعض العناصر من جراء الجلسات الفردية مع بعض المدمنين أو بعض الشباب، هناك بعض الأمور التي أوقعت بعض الشباب في المخدرات وقد جلست مع أحد الشباب وعمره تقريباً سبعة عشر عاماً، فتكلمت معه بخصوص كيف وقع في المخدرات، فيذكر لي أن سبب وقوعه في المخدرات أول وقت كان في الابتدائية -في سادس ابتدائي- بدءوا وقعوا بالمخدرات من سادس ابتدائي، فسألته عن والده ما كان يراقبك؟ كيف كنت تخرج؟ قال: والله كان هناك إهمال كبير من الوالد، وعدم المراقبة من المنزل هذه أيضاً من الأسباب التي أوقعت كثيراً من الشباب في المخدرات، أيضاً أب من الآباء يقول: أنا السبب في إدمان ابني قلت: كيف ذلك؟ قال: أنا أعطيه المال ولا أراقبه، وكل ما أراد من مال أعطيته، والآن هذه هي النتيجة؛ الوقوع في المخدرات.
أيضاً من السفر للخارج وهذه النقطة مهمة -يا شيخ عبد المحسن - وخاصة أنها تكثر في الإجازات الصيفية فبعد الإجازات الصيفية نستقبل أكبر عدد من المدمنين فهذه من أهم النقاط أيضاً: التفرقة بين الأبناء هذه التفرقة بين الأبناء يصاب الابن بأمراض نفسية تقوده إلى الوقوع في المخدرات أيضاً.
أيضاً الدعاء على الأبناء هذه قضية يجب الانتباه لها.
الإهمال من الصغار الآن بعض الآباء يأتينا -يا شيخ عبد المحسن - ويقول: أتمنى أن يهتدي ابني وأن يترك هذه المشاكل، فإذا هو من الصغر مهمل، فكيف يريد النشء الآن وفي هذا السن أن يلحق به أيضاً: ممارسة المعاصي أمام الأبناء وهذه ذكرها الشيخ وهي مهمة أيضاً.
آخر شيء -يا شيخ! -: منظر عجيب في أحد أقسام الشرطة، امرأة طردها ابنها وهي كبيرة في السن، والضابط تكلم مع ابنها في الهاتف قال: لا أريدها، وهي أيضاً رفضت أن تذهب إليه قالت: إنه يضربني!! وهي امرأة كبيرة في السن!! أسأل الله جل وعلى أن يبارك فيكم جميعاً.
المقدم: شكراً جزاك الله خيراً.
المقدم: السؤال طبعاً يقول الأخ يوسف الحيدان: إن هناك ما نعايشه في ميدان التربية والتعليم حينما ندرس حالة طالب بئيس لأن أمه مطلقة وهو يعيش مع والده ووالده يمنعه من مشاهدة أمه إذا لم يحقق كذا وكذا في الدراسة.
الشيخ: بالنسبة للسؤال الأول هذا ليس من حق الأب أن يمنع الابن من رؤية أمه حتى لو اختار، قال العلماء: لو أن عند الطلاق في الذكر إذا بلغ سبع سنين يخير بين أبيه وأمه، والبنت طبعاً ستذهب إلى أبيها؛ لأنها طبعاً ستخطب منه، لو أن الابن اختار الأب والابن غير رأيه إلى الأم يجوز أن يذهب إليها، لو اختار الأم ثم غير رأيه إلى الأب، يجوز أن يذهب إليه، ولو اختار الأب لا يجوز أن يمنعه من زيارة أمه، ولو اختار الأم لا يجوز أن تمنعه من زيارة أبيه، وهذه من المشكلات الكبيرة حتى القضاة يعانون منها مع بعض الناس.
وأما بالنسبة لقضية تسمية الأب لابنه باسم أبيه، فهذا طيب إذا كان اسم الأب طيباً، أما إذا كان اسم الأب قبيحاً فالابن ليس ملزماً أن يضع عنواناً لولده عنواناً قبيحاً إلى أن يموت؛ لأن الاسم هذا يلصق بالولد حتى يموت.
أما بالنسبة لقضية حقوق الولد في العاطفة والرحمة كنت قد تكلمت عن موضوع النبي ﷺ مع الحسن والحسين، والأطفال عموماً وكيف النبي عليه الصلاة السلام قصر الصلاة مراعاة لمشاعر الأم ومراعاة للطفل كذلك، ينبغي أن يكون هناك عاطفة.
стр. 6725
أهمية الحنان للطفل
من الأشياء المفقودة -أيها الإخوة والأخوات- في علاقة الآباء والأمهات في الأولاد قضية العاطفة، العاطفة مفقودة لا يوجد الحنان الكافي، الولد مع الخادمة، الولد يسكت على يد الخادمة، ولا يسكت إذا حضنته أمه، من كثرة الإهمال وترك الأم للأولاد، والأب كذلك مشغول وحتى لو جاء يمكن أن يقتصر كلامه على الزجر والتهديد والوعيد.
هناك أبيات لطيفة قالها أحد الشعراء المسلمين يعبر فيها عن هذه العاطفة لما ودع أسرته وأولاده؛ سافروا في الصيف وبقي هو في البيت ورجع بعد وداعهم، يقول الشاعر ﵀:
أين الضجيج العذب والشغبُ أين التدارس شابه اللعبُ
أين الطفولة في توقدها أين الدمى في الأرض والكتبُ
أين التشاكصٌ دونما غرضٍ أين التشاكي ما له سببُ
أين التسابق في مجاورتي شغفاً إذا أكلوا وإن شربوا
يتزاحمون على مجالستي والقرب مني حيثما انقلبوا
فنشيدهم "بابا" إذا فرحوا ووعيدهم "بابا" إذا غضبوا
وهتافهم "بابا" إذا ابتعدوا ونجيهم "بابا" إذا اقتربوا
بالأمس كانوا ملء منزلنا واليوم ويح اليوم قد ذهبوا
إني أراهم أينما التفتت نفسي وقد سكنوا وقد وثبوا
في كل ركنٍ منهم أثرٌ وبكل زاوية لهم صخبُ
في النافذات زجاجها حطموا في الحائط المدهون قد ثقبوا
في الباب قد كسروا مزالجه وعليه قد رسموا وقد كتبوا
في الصحن فيه بعض ما أكلوا في علبة الحلوى التي نهبوا
في الشطر من تفاحة قضموا في فضلة الماء التي سكبوا
إني أراهم حيث ما اتجهت عيني كأسراب القطا سربوا
دمعي الذي كتمته جلداً لما تباكوا عندما ركبوا
حتى إذا ساروا وقد نزعوا من أضلعي قلباً بهم يجبُ
ألفيتني كالطفل عاطفة فإذا به كالغيث ينسكبُ
قد يعجب العذال من رجلٍ يبكي ولو لم أبك فالعجبُ
هيهات ما كل البكا خورٌ إني وبي عزم الرجال أبُ
القضية في الاهتمام بالأولاد، قضية النزهة إلى الأماكن الحلال المباحة، هذا يشتكي يقول: أبي لا يأخذنا إطلاقاً، لا إلى فسحة ولا إلى نزهة، أمي مرة سألته قالت له: إلى أين تذهب يا أبا فلان؟ قال: أنفه الغنم وأطلق أرجلها، الآن أطلق أرجل الغنم وهو إذا سأله ثم قال: سمعنا مرة -عنده بقر في مزرعة- أنه أتى بطبيب بيطري للبقر بأربعمائة ريال قال: ونحن نحيا ونموت ونمرض ونقوم، ولا يذهب بنا ولو مرة إلى المستشفى، يقول: دبروا أنفسكم!!
следующие страницы →