← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6721–6760 · переход к 6726.

стр. 6721

حق الابن في التنشئة الصالحة المقدم: أحسن الله إليكم، أحياناً يتفق الزوجان فتقول المرأة الزوجة: أنا أسمي البنات، ويقول هو: أنا أسمي الأولاد، وهذا حل وسط كما يقولون، طيب ماذا عن حقوق الأولاد عند النشأة يعني: لربما يتساءل البعض يقول: لي أولاد كيف أنشئهم التنشئة الصالحة وما حقوقهم عليَّ؟ الشيخ: أما بالنسبة لهذه القضية الخطيرة والمهمة التي نهمل فيها كثيراً -أيها الإخوة! والأخوات- أن هذا الولد من ذكر وأنثى أمانة بيد الأبوين، هذه نفس تحتاج إلى صيانة، ٩٠% من التعليم بالعادات يكتسب في الصغر، في الخمس السنوات الأولى تكتسب أشياء كثيرة ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولا يلين إذا قومته الخشبُ قد ينفع الأدب الأحداث في مهلٍ وليس ينفع في ذي الشيبة الأدبُ يجب أن تكون القضية منذ البداية، تعليم ومراعاة الحاجات العبودية والحاجات النفسية، وأيضاً قيامٌ بحق هذه الروح في التهذيب والتربية إيمانياً وصلة بالله ﴿ُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧] يا بني ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] وهكذا يعلمه التوحيد وضده الشرك، والصلاة والعبادات، لقمان يعلم ولده وهذا النبي ﵊ يقول: (يا غلام! احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) وهكذا يقول للآخر عندما يرى يده تطيش في الصحفة: (يا غلام! سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك). ينبغي -أيها الإخوة- أن نقوم بقضية التعليم والتربية والتأديب للأولاد، في قديم الزمان كان عند الناس رجل اسمه مؤدب، يؤدب الأولاد، يرتاد الأب المساجد مع الأولاد، يقوم معهم بصلة الرحم، يعلم البنت الحجاب منذ الصغر، وليس إذا بلغ تفاجأ بالأوامر، الأذكار يقولها بصوت مسموع ليحفظه الأولاد: اصطحابهم عند أفعال الخير إلحاقهم بتحفيظ القرآن التحدث أمامهم بالعربية الفصحى توطيد العلاقات بالعائلات الطيبة لإيجاد بيئة ينشأ فيها أولاد المتدينين معاً ويتأثرون بالجو الذي لا بد أن يكون لهم. أصدقاء الأولاد من هم؟ من يعاشرون؟ تعزيز العلاقات الطيبة، يدربون على الأعمال النافعة وعلى العادات الطيبة، يعودون على الأكل مما هو موجود، لماذا يكون عند الأولاد ترفٌ قاتل؟ يمنعون من السهر الأخلاق الحميدة تغرس فيهم كيف يكرم الضيف الشجاعة، بعض البادية عندهم أشياء قد تكون أفضل من المدينة. أب يريد أن يعلم أولاده الشجاعة فقال: أنتما تسابقا إلى حوض السيارة، وقد وضع في حوض السيارة ثعباناً ميتاً، فأسرعا معاً فقفز الكبير في داخل السيارة فرأى الثعبان فخاف ورجع وهو يصرخ، الصغير وقف هنيهة ثم قلب الثعبان فوجده ميتاً فجلس وأخذ الجائزة، ثعبان كان قد قتله ووضعه، وأنا أضرب مثال فقط، ويعود الولد ألا يخشى الظلام، لا يخشى قول الحق، وأنا ذكرتها طرفة؛ لأن الثعبان مقتول. القضية في العبادة الاهتمام بالعبادات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصبر وعدم الشكوى الشكوى لله. اهتمام بإقامة حلق العلم في المنزل ربط القلب بالله ، كلما صارت حادثة تربط بالله يحبب الولد بالله من خلال ذكر النعم. إذا أمرت الابن في شيء تابعه في تنفيذه، قضية المشاعر توجه مشاعر الولد الغضب الفرح الحزن لتكون أشياء شرعية، تربط العبادات بالله أنها ليست قضية عادة وليس لأنك رأيت أباك يصلي، إحضاره مجالس الكبار، يعلم عادة شكر الناس، كيف يثني عليهم، يعاملهم بالأمر الطيب والكلام الطيب، نرى في بعض المجتمعات الإسلامية الولد الصغير يقول كلاماً طيباً، لأن أباه رباه هكذا، يقول للضيف الواحد يقول: أنتم تريدون الشاي بسكر أم بغير سكر، يخاطبه بلفظ الجماعة، لأنه هكذا علم، فرق أن يقول أنت يا كذا، أنت يا كذا ويخاطب الضيف بطريقة ساخطة، يعلمه حسب السن، لاعبه سبعاً، أدبه سبعاً، صاحبه سبعاً.

стр. 6722

قصة والد اهتدى على يد طفله من حق الولد أن يجد أباً مربياً ناصحاً معلماً موجهاً قدوة في الخير وفي الصلاة وفي البر. يا أخي! هذه قصة سمعتها من ولد صغير -في الأولى أو ثانية ابتدائي- أبوه لا يعرف القبلة في البيت، ولذلك الابن هذا ما رأى أباه يصلي أبداً، لما ذهب الابن إلى المدرسة رزقه الله بمدرس في الفصل، إنسان متدين يخاف الله، ويعرف أمانة الطالب الذي بين يديه، فدعاهم إلى صلاة الجماعة، حببها إليهم، وفضل صلاة الفجر، والمشي في الظلمة إلى المسجد، الولد صار عنده إقبال وانجذاب إلى الصلاة، فلما رجع للبيت، ضبط الساعة المنبه على صلاة الفجر كما علمه المدرس، فلما قام وتوضأ وذهب وفتح باب الشارع وجد في الطريق ظلاماً فخاف، ورجع، يفتح الباب ويغلقه متردد يفتح الباب ويغلقه -وهذا طبيعي في الولد يهاب الظلمة- حتى سمع شيئاً يطرق على الرصيف، إنه عكاز جد صاحبه أحمد في الحارة يمشي يذكر الله، فمر من أمام باب البيت، فتشجع الغلام وخرج مع هذا الشايب ورافقه كظله إلى المسجد وصلى ثم انتظر الشايب حتى يرجع فرجع معه، ثم توالت الأيام على هذا الحال. في يوم من الأيام أبو الولد دخل البيت ووجد الولد يصرخ ويبكي بكاءً حاراً قال: ما لك يا ولد؟ فسكت، ما لك يا ولد؟ يلح عليه، في النهاية الابن تكلم، قال: جد جارنا أحمد مات، قال: وماذا يعني أن جد جارك مات؟ من يكون جد جارك؟ لماذا تبكي عليه؟! الولد سكت، قال أبوه: أهو أبوك؟! قال: يا ليت الذي مات أنت وليس هو -تجرأ الولد- الأب انصدم من هذه الكلمة، قال: يا ولدي! ماذا تقول؟ قال: هذا العجوز كنت أذهب معه إلى المسجد، هذا كان نعم الرفيق لي في الظلمة، أنت ما رأيتك في البيت تركع لله ركعة. فكانت كلمة هذا الصغير سبباً في هداية أبيه لطريق الحق والمحافظة على الصلاة. من حق الولد أن يجد في البيت أباً يعقل، وليس أباً ذاهب العقل بالمسكرات والمخدرات، والأم المسكينة تداري الموضوع، والولد يقول: ماذا يشرب أبي؟ ولماذا يشرب كثيراً؟ وما هذا؟ وتقول له: ماء، ويقول: والدي يحب الماء؟! والأسئلة تتوالى، يدخل وهو سكران، يسب ويلعن ويشتم الزوجة والأولاد، كم مرة طلق الأم المسكينة وهي لا تدري تعيش معه بالحلال أم بالحرام؟ وهذا الآخر السكران الذي يخرج أغلب الأوقات ما يغيب عن عقله أكثر مما يفيق، الأولاد محرومون من رؤيته، هو ينزوي في الغرفة يشرب، الأولاد يضيعون، عندنا في الحي أولاد لأب من هذا النوع يمشون يطوفون على البيوت يسألون الناس، بنت عمرها اثنا عشرة سنة بشكلها تطرق الباب تسأل الناس يمدون أيديهم للناس؛ لأن أباهم يشرب الخمر، المال كله ذهب في المسكرات والسفريات القريبة والبعيدة، سألت الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ قلت: يا شيخ! الآن المجاهرة بالمعصية إثمها عظيم، الذي يسر غير المجاهر، قلت له: الأب إذا جاهر داخل البيت، إذا عمل المنكر أمام أولاده عمل أي منكر أمام أولاده، هل يعتبر مجاهراً أم لأنه داخل البيت يعتبر مسراً، قال الشيخ: أعوذ بالله! أعوذ بالله! هذه أعظم من المجاهرة، هذه مجاهرة وإساءة تربية، والنبي ﷺ قال: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين).

стр. 6723

حق الولد في اللعب من حق الولد أن يلعب، تصور أن طفلاً يقول: أبي لا يشتري لنا ألعاباً، لماذا؟ أبوه في شركة محترمة وراتبه كبير، لكن تذهب في المسكرات في المحرمات في السفريات، والنبي ﷺ قبَّل الحسن والحسين، ترك ابنه يرتحله كما ترتحل الدابة، والآخر يلعب فوق ظهره، حتى في السجود ترك لهم المجال، يذهب خصيصاً لزيارة ولده الرضيع إبراهيم، عندما كان يرتضع يذهب لزيارته، ويذهب خصيصاً لزيارة الحسن، ويطرق الباب ينتظر حتى فاطمة تلبس الحسن، ويخرج إليه يمد يده، فالحفيد يمد يده، فيحضنه في حجره ويقبله ويجلع له لسانه علاقة عاطفة محبة حتى عائشة لما انتقلت إلى النبي ﵊ بألعابها سمح لها أن تلعب؛ لأنها كانت صغيرة في السن، تلبية حاجة الولد في الألعاب، لكن أي ألعاب؟ البلاستيشن ألعاب صلبان! أي ألعاب؟! الفئة السحرة! وتطير على مكنسة! الموسيقى! أي ألعاب؟! التي فيها نساء بملابس شبه عارية! أي ألعاب التي يلعب بها؟! ألعاب هادفة وليست ألعاباً مدمرة للنفس والأخلاق.

стр. 6724

بعض سلبيات الآباء المقدم: الله يبارك فيكم أنا قلت: كم من أناس كانت هدايتهم على أيدي أبنائهم، ولله در بعض الآباء الواعين الفاضلين يأتي إلى غرفة أبنائه في الليل ويصلي فيها ركعتين أو ما كتب الله فينظر الأبناء إلى أبيهم وقد ركع في غرفتهم يعني ممارسة عملية تطبيقية، فيكون هذا أدعى إلى الاقتداء به. هذا الأخ يوسف الحيدان يقول: ما رأيكم يا شيخ محمد بما نعايشه ونشاهده في ميدان التربية والتعليم حينما ندرس حالة طالب بئيس حزين هزيل نجد أن أمه مطلقة، ويعيش مع والده، ووالده يمنعه من مشاهدة أمه إذا لم يحقق كذا وكذا في الدراسة، فهل من توجيه لهذا النوع من الآباء؟ أيضاً تساؤل جيد من أبي نواف يقول: أنا شاب متزوج وعندي أطفال، ولقد رزقني الله بطفلٍ ولكن أبي أجبرني على أن يكون اسم الطفل مثل اسمه، رغم أن اسم والدي فيه شيء من الغلظة والقسوة، أنا أحياناً أرفض وإذا صرحت في الرفض يقول أبي: أنت عاق، فهل هذا من العقوق وما نصيحتك لوالدي، وإذا لم أسم وهجرني ما الحكم في ذلك رغم أني أريد أن أسمي أسماءً جيدة مثل عبد الله وغيره من الأسماء التي فيه تعبيد لله تعالى، ويقول: والأسماء التي عندنا مثل: مطعش اشبيد سدك مسرف؟ أنا معي إبراهيم الطلحة ثم أعود إليك لتعلق، وأيضاً لنأتي على قضية النفقة وحقوق النفقة وما يتعلق بها؛ لأن هناك أناس ربما يفهمون موضوع النفقة مائة وثمانين درجة، أفهام متخالفة ومتباينة. الأخ إبراهيم! السلام عليكم. السائل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. المقدم: حياكم الله السائل: مساكم الله بالخير جميعاً المقدم: مساك الله بالخير أهلاً وسهلاً. السائل: أشكرك -يا شيخ عبد المحسن - على هذه الجودة المباركة. المقدم: الله يبارك فيك. السائل: نحن في مستشفى الأمل بحكم أني رئيس الشئون الدينية فيه، فهناك نعاني بشدة من إهمال الآباء في أبنائهم، حتى أوقعتهم في شباك المخدرات، وأصبح الكثير من الشباب يعاني أو يكل السبب الكبير للآباء، وهناك بعض العناصر من جراء الجلسات الفردية مع بعض المدمنين أو بعض الشباب، هناك بعض الأمور التي أوقعت بعض الشباب في المخدرات وقد جلست مع أحد الشباب وعمره تقريباً سبعة عشر عاماً، فتكلمت معه بخصوص كيف وقع في المخدرات، فيذكر لي أن سبب وقوعه في المخدرات أول وقت كان في الابتدائية -في سادس ابتدائي- بدءوا وقعوا بالمخدرات من سادس ابتدائي، فسألته عن والده ما كان يراقبك؟ كيف كنت تخرج؟ قال: والله كان هناك إهمال كبير من الوالد، وعدم المراقبة من المنزل هذه أيضاً من الأسباب التي أوقعت كثيراً من الشباب في المخدرات، أيضاً أب من الآباء يقول: أنا السبب في إدمان ابني قلت: كيف ذلك؟ قال: أنا أعطيه المال ولا أراقبه، وكل ما أراد من مال أعطيته، والآن هذه هي النتيجة؛ الوقوع في المخدرات. أيضاً من السفر للخارج وهذه النقطة مهمة -يا شيخ عبد المحسن - وخاصة أنها تكثر في الإجازات الصيفية فبعد الإجازات الصيفية نستقبل أكبر عدد من المدمنين فهذه من أهم النقاط أيضاً: التفرقة بين الأبناء هذه التفرقة بين الأبناء يصاب الابن بأمراض نفسية تقوده إلى الوقوع في المخدرات أيضاً. أيضاً الدعاء على الأبناء هذه قضية يجب الانتباه لها. الإهمال من الصغار الآن بعض الآباء يأتينا -يا شيخ عبد المحسن - ويقول: أتمنى أن يهتدي ابني وأن يترك هذه المشاكل، فإذا هو من الصغر مهمل، فكيف يريد النشء الآن وفي هذا السن أن يلحق به أيضاً: ممارسة المعاصي أمام الأبناء وهذه ذكرها الشيخ وهي مهمة أيضاً. آخر شيء -يا شيخ! -: منظر عجيب في أحد أقسام الشرطة، امرأة طردها ابنها وهي كبيرة في السن، والضابط تكلم مع ابنها في الهاتف قال: لا أريدها، وهي أيضاً رفضت أن تذهب إليه قالت: إنه يضربني!! وهي امرأة كبيرة في السن!! أسأل الله جل وعلى أن يبارك فيكم جميعاً. المقدم: شكراً جزاك الله خيراً. المقدم: السؤال طبعاً يقول الأخ يوسف الحيدان: إن هناك ما نعايشه في ميدان التربية والتعليم حينما ندرس حالة طالب بئيس لأن أمه مطلقة وهو يعيش مع والده ووالده يمنعه من مشاهدة أمه إذا لم يحقق كذا وكذا في الدراسة. الشيخ: بالنسبة للسؤال الأول هذا ليس من حق الأب أن يمنع الابن من رؤية أمه حتى لو اختار، قال العلماء: لو أن عند الطلاق في الذكر إذا بلغ سبع سنين يخير بين أبيه وأمه، والبنت طبعاً ستذهب إلى أبيها؛ لأنها طبعاً ستخطب منه، لو أن الابن اختار الأب والابن غير رأيه إلى الأم يجوز أن يذهب إليها، لو اختار الأم ثم غير رأيه إلى الأب، يجوز أن يذهب إليه، ولو اختار الأب لا يجوز أن يمنعه من زيارة أمه، ولو اختار الأم لا يجوز أن تمنعه من زيارة أبيه، وهذه من المشكلات الكبيرة حتى القضاة يعانون منها مع بعض الناس. وأما بالنسبة لقضية تسمية الأب لابنه باسم أبيه، فهذا طيب إذا كان اسم الأب طيباً، أما إذا كان اسم الأب قبيحاً فالابن ليس ملزماً أن يضع عنواناً لولده عنواناً قبيحاً إلى أن يموت؛ لأن الاسم هذا يلصق بالولد حتى يموت. أما بالنسبة لقضية حقوق الولد في العاطفة والرحمة كنت قد تكلمت عن موضوع النبي ﷺ مع الحسن والحسين، والأطفال عموماً وكيف النبي عليه الصلاة السلام قصر الصلاة مراعاة لمشاعر الأم ومراعاة للطفل كذلك، ينبغي أن يكون هناك عاطفة.

стр. 6725

أهمية الحنان للطفل من الأشياء المفقودة -أيها الإخوة والأخوات- في علاقة الآباء والأمهات في الأولاد قضية العاطفة، العاطفة مفقودة لا يوجد الحنان الكافي، الولد مع الخادمة، الولد يسكت على يد الخادمة، ولا يسكت إذا حضنته أمه، من كثرة الإهمال وترك الأم للأولاد، والأب كذلك مشغول وحتى لو جاء يمكن أن يقتصر كلامه على الزجر والتهديد والوعيد. هناك أبيات لطيفة قالها أحد الشعراء المسلمين يعبر فيها عن هذه العاطفة لما ودع أسرته وأولاده؛ سافروا في الصيف وبقي هو في البيت ورجع بعد وداعهم، يقول الشاعر ﵀: أين الضجيج العذب والشغبُ أين التدارس شابه اللعبُ أين الطفولة في توقدها أين الدمى في الأرض والكتبُ أين التشاكصٌ دونما غرضٍ أين التشاكي ما له سببُ أين التسابق في مجاورتي شغفاً إذا أكلوا وإن شربوا يتزاحمون على مجالستي والقرب مني حيثما انقلبوا فنشيدهم "بابا" إذا فرحوا ووعيدهم "بابا" إذا غضبوا وهتافهم "بابا" إذا ابتعدوا ونجيهم "بابا" إذا اقتربوا بالأمس كانوا ملء منزلنا واليوم ويح اليوم قد ذهبوا إني أراهم أينما التفتت نفسي وقد سكنوا وقد وثبوا في كل ركنٍ منهم أثرٌ وبكل زاوية لهم صخبُ في النافذات زجاجها حطموا في الحائط المدهون قد ثقبوا في الباب قد كسروا مزالجه وعليه قد رسموا وقد كتبوا في الصحن فيه بعض ما أكلوا في علبة الحلوى التي نهبوا في الشطر من تفاحة قضموا في فضلة الماء التي سكبوا إني أراهم حيث ما اتجهت عيني كأسراب القطا سربوا دمعي الذي كتمته جلداً لما تباكوا عندما ركبوا حتى إذا ساروا وقد نزعوا من أضلعي قلباً بهم يجبُ ألفيتني كالطفل عاطفة فإذا به كالغيث ينسكبُ قد يعجب العذال من رجلٍ يبكي ولو لم أبك فالعجبُ هيهات ما كل البكا خورٌ إني وبي عزم الرجال أبُ القضية في الاهتمام بالأولاد، قضية النزهة إلى الأماكن الحلال المباحة، هذا يشتكي يقول: أبي لا يأخذنا إطلاقاً، لا إلى فسحة ولا إلى نزهة، أمي مرة سألته قالت له: إلى أين تذهب يا أبا فلان؟ قال: أنفه الغنم وأطلق أرجلها، الآن أطلق أرجل الغنم وهو إذا سأله ثم قال: سمعنا مرة -عنده بقر في مزرعة- أنه أتى بطبيب بيطري للبقر بأربعمائة ريال قال: ونحن نحيا ونموت ونمرض ونقوم، ولا يذهب بنا ولو مرة إلى المستشفى، يقول: دبروا أنفسكم!!

стр. 6726

التحذير من التدليل الزائد للأبناء العاطفة -يا إخوان ويا أخوات- لا تعني التدليل الزائد؛ لأن من المصائب التي نحن فيها الآن قضية التدليل الزائد للأولاد، أي شيء يريد أعطيته، ما معنى أن تذهب بنت إلى طبق خيري أو يوم مفتوح في المدرسة معها ثلاثمائة ريال، تشتري بها الطبق الخيري أو اليوم المفتوح، هذا كم ستصرف البنت في العادة، ولو اشترت قوالب الكيك فأين ترمى؟! ثم كسر نفوس الطالبات اللاتي ليس عندهن هذه القدرة، هذا التدليل الزائد ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] ثم نكسر بها قلوب الفقراء. هذا شخص عنده خمس بنات، سبحان الله! تولد له البنت تحمل الأم تضع ذكراً يموت، ثم تلد بنتاً ثم تحمل بذكر ويموت، خمس مرات، لما جاءه الذكر الأخير وعاش؛ فتن به أعطاه كل شيء أعطاه الأموال، حتى قال ذات مرة لمن حوله: أي شيء تريدونه عن طريق ولدي هذا، الذي يأتي عن طريق ولدي هذا أنا أنفذ مباشرة، وفي النهاية الولد فسد، سرق من مال أبيه أخذ من هنا، نهب منه، الأب الآن يشتكي يعض أصابع الندم على هذه التربية التي حصلت، وعقوق، وارتفع ضغط أبيه وأصيب بالأمراض وشاب رأسه من وراء هذه القضية. إذاً قضية كل شيء نعطي الأولاد، أي شيء نعطي الأولاد، يا أخي دعهم مرة يتعلمون العمل، إذا كنت ستعطيهم قل لها: إذا نظفت المطبخ وغسلت الأواني أعطيتك كذا، دربها قليلاً يمكن أن تذهب إلى زوج وما عنده خادمة، وهي لا تعرف شيئاً في البيت أبداً، ويعطيها مكافأة مالية، قل له: قص الزرع واغسل الحوش، وأعطه مالاً، درَّب الأولاد على قضية العمل ويأخذون مقابلاً عليها، لا مانع.

стр. 6727

الحذر من الشدة في التأديب المشكلة في قضية التأديب -يا شيخ عبد المحسن - هنا بعض الآباء والأمهات يسرفون يعني: يمكن أن يقشر سلك الكهرباء ويضرب فيه، يقول لي ولد من الأولاد: أنا أبي لا يضرب بسلك عادي، بل يقشره ويضربني به، أو يضعني على غرفة على السطح في البرد وما عندي لحاف ولا يوجد أكل. طبعاً لماذا؟ لأن أمه تطلقت وتزوج بأخرى وامرأة الأب اضطهدت. واحد آخر يقول: أنا أكبر أولاد أبي وأمي مطلقة، وأبي أبيض وتزوج امرأة بيضاء وجاء له أولاد بيض وأنا أمي سمراء وجئت أنا أسمر والآن لا يكاد يتعرف عليَّ ولا يعترف بي، لماذا؟ يقول: لماذا لونك أسمر؟ يا أخي! سبحان الله! الله الذي خلقه هكذا، يعني: ما ذنب الولد في قضية اللون، ينبغي ألا نمزق الأولاد عاطفياً، فتمزيق الأولاد عاطفياً من المصائب. المدرسة في رياض الأطفال تقول: تكلمت عن موضوع ففوجئت ببنت صغيرة في الروضة تقول لي: هل يصح أن الأب يضرب الأم؟ فقلت لها: لا. لكن هي تسرعت في الجواب، فقالت: لكن أنا (بابا) يضرب (ماما) دائماً في البيت. فإذاً تمزيق الولد عاطفياً يحدث نتيجة الصراع بين الأبوين العلني الذي يمكن أن يكون ضرباً، كذلك من التمزيق العاطفي أن الولد لا يجد أمه في البيت، بل يجدها خراجة ولاجة. هي الأخلاق تنبت كالنبات إذا سقيت بماء المكرماتِ تقوم إذا تعاهدها المربي على ساق الفضيلة مثمراتِ ولم أر للمكارم من محلٍ يهذبها كحضن الأمهاتِ وهل يرجى لأطفال كمالٌ إذا ارتضعوا ثدي الناقصاتِ من حق الابن أن يرى أباه وأمه أمامه. ليس اليتيم من انتهى أبواه من هم الحياة وخلفاه ذليلا إن اليتيم هو الذي تلقى له أماً تخلت أو أباً مشغولا

стр. 6728

الأبناء بين معاصي الأب وشرور الفضائيات المقدم: يا شيخ محمد! هذه أم معاذ، وتساؤلها طيب تقول: كلامكم عن أهمية النزهة وعلى الأخلاق الحسنة والاستفادة والتربية على شرع الله تعالى، لكن إذا كان الأب غير صالحٍ والأم مستقيمة على شرع الله؛ فماذا تعمل؟ تقول: فقد لاحظت أن أبنائي بدت تصرفاتهم تكون طبقاً لتصرفات أبيهم، فهل أبين لهم خطأ أبيهم؟ أم أنفصل عنه أنا وأبنائي؟ وهذه يبدو أنها أيضاً كذلك، تقول: بعض الأمهات تتدخل في شئون ابنتها الخاصة، بحجة أنها أمها، وتدخل الأم في هذه الأمور قد يسبب للبنت بعض الإحراج، فهل هذا من حق الأم؟ وهل يجب على البنت إخبار أمها بذلك؟ بعض الأمهات -هداهن الله- تكون أخلاقها مع الناس طيبة ولسانها عذباً، ولكن مع أبنائها على العكس من ذلك، أرجو توجيه نصيحة لمثل هذه الأم؟ بعض الأمهات حينما تحدثها ابنتها بحديث تحدث به جدتها أو عمتها، رغم أن هذا الحديث قد يكون مشكلة بينها وبين زوجها، أو شيئاً من أمورها الخاصة، فما موقف الابنة في هذه الحالة؟ إذا سمحت لي معي عبد العزيز الحسن الزهراني من مكة وقد عودنا بمداخلات طيبة. السائل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته المقدم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. السائل: تحية ببراعة الكبار تشوبها براعة الصغار تنطلق إلى العاصمة الحبيبة الرياض. المقدم: الله يبارك فيك ويحييك. السائل: أستاذي الكريم موضوعكم جد طويل ولا أظن أن حلقة واحدة أو حلقتين ستكفي هذا الموضوع الطويل والهام في مجتمعنا، لكنني أسأل وبسرعة حول التنشئة على كتاب الله ومرة في الواقع حدث هذا الأمر أمامي حينما سأل أحد الضيوف ابنة صغيرة عن سورة قصيرة، فقالت: لا أحفظ هذه الأغنية!! أيضاً الجرأة العجيبة على الآباء وتعليم الأبناء الجرأة على الآباء حتى أنهم يقولون: قم اضربني!! أو قم تكلم عليَّ! أو قم ابصق في وجهي!! وهذه أشياء فعلاً تعود الطفل على العقوق منذ نعومة أظفاره. ما نراه الآن على القنوات الفضائية الغريبة من برامج خاصة تحث على طرائق غريبة وعجيبة في تربية الأطفال تبث باللغة العربية، وربما ببعض اللهجات المحببة، وتحث على ما يسمى بالتربية الجنسية، أريد من الدكتور أن يقدم لنا نصيحة في مثل هذه المواضيع وشكر الله لكم المقدم: شكر الله لك وجزاك الله خيراً على هذه الإطلالة الطيبة.

стр. 6729

حكم بقاء الزوجة مع زوجها الفاسق المقدم: السؤال الماضي، أم معاذ تقول: لاحظت أن بعض أبنائي تكون تصرفاته تطابق تصرفات أبيه، فهل أبين لهم أخطاءه؟ الشيخ: نعم. السؤال بالنسبة لقضية الأب إذا كان فاسقاً مقصراً في أموره الدينية ما دام الأب مسلماً لم يرتكب ناقضاً من نواقض الإسلام كسب الدين أو الاستهزاء ببعض أحكام الشريعة أو ترك الصلاة بالكلية ونحو ذلك، فيجوز للمرأة أن تبقى معه، وهنا تواجه المرأة بين بقائها مع هذا الزوج الفاسق بما فيه وبين قضية الطلاق، لا بد بالحكمة ودراسة وتأخذ رأي أهلها والعقلاء في العائلة لكي تقرر هل تستمر أو تبقى، فإذا وجدت أن مفاسد الطلاق أكبر بقيت تتحمل وتذود أطفالها ما استطاعت عن هذا الفساد، وتعلمهم الحق ولو قالت لهم: أبوكم مقصر وانصحوه، لا مانع، لكن لابد أن ينصحوه بأدب؛ لأنه وإن كان مشركاً فإن له حقاً كما تقدم. وأما بالنسبة لتدخل الجدة في تربية الأحفاد أو تدخل الجد في تربية الأحفاد هذه قضية مشاهدة، التدخل أحياناً قد يكون حميداً وهنا في هذه الحالة نقره ونفرح به والجد والجدة لهما مسئولية وليس فقط مسئولية، بل أحياناً بعض المشكلات -يا إخوان- بعض مشكلات الجد والجدة يتقنان حلها في الأحفاد أكثر من الأبوين، وخصوصاً في قضية التعامل مع الولد، أحياناً إذا بلغوا استمالة الولد عن قرناء السوء ونحو ذلك، وأحياناً تكون العاطفة والعلاقة تجذب الولد عن شرور إلى جده وجدته فينبغي أن تغتنم هذه العلاقة بالتوجيه الجيد. وأما إذا كان التدخل تدخلاً غير جيد من الجد والجدة وهذا يحدث ويقول: أبي يخرب عليَّ تربيتي لولدي، والبنت تقول: أمي تخرب علي تربيتي لولدي، فهنا ينبغي مراعاة الأمر؛ لأنه أب وأم، وهنا في هذه الحالة أحياناً قد لا يستطيع الأب أن يخطئ الجد أمام الحفيد، لكن إذا رجع إلى البيت حاول أن يتدارك الموضوع ويتلافاه، يعني: العملية عملية مداراة، لأن هذا أبوه وهذه أمة.

стр. 6730

خطورة مشاهدة الفضائيات النقطة التي أشار إليها الأخ الكريم الذي اتصل من مكة، وهو في الحقيقة أثار نقاطاً مهمة جداً وخصوصاً أثر الفضائيات والبرامج المدبلجة والأشياء المترجمة، والأشياء الغربية، يعني: من حقوق الولد على الأب أن يجنبه الشرور، ولا أعظم من أن تضع له دشاً أو تضع له هذه الأطباق يا أخي! الآن أبلغونا أن بعض القنوات انفك تشفيرها، صارت قضية الزنا علانية، ثم ماذا نتوقع؟ أن يقع الأخ على أخته، ماذا نتوقع؟ أن يتجهوا إلى الفواحش، الجريمة الكبيرة في تركهم هكذا، ثم قال: أنا أعطيتهم كل المحتاج، أو وضعت جهاز تلفزيون لكل ولد في غرفة ووضعت هاتفاً لكل بنت في غرفتها، يعني: شاشة بهذه الطبق وهاتف وجوال. إذاً ماذا نتوقع، إلى أين تتجه؟ النبي ﷺ قال: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول) والله قال قبل ذلك: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] صار هذا لا يقي أهله ولا نفسه ناراً، هذا يجلب النار لنفسه ولأولاده، أنريد أن نتجه إلى الغرب بما فيه من القرف وجميع الرذائل؟! قننوا ستة عشر سنة إباحة الشذوذ، يعني إلى أين سنصل؟ لم يعد هناك خوف من الله، ولا مراقبة لله!! أين الذين يرجون الله واليوم الآخر؟

стр. 6731

قضية العدل بين الأبناء بالنسبة لقضية العدل بين الأبناء؛ فإن هذه المسألة في غاية الأهمية؛ لأنها داخلة في التربية أيضاً والنبي ﷺ أمر بها: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) أمر بها وكرر الأمر في ذلك. ولما جاءه أب يقول: نحلت ابني غلاماً -وهبه عبداً- والأم طلبت أن أشهدك عليه يا رسول الله، اشهد لي يا رسول الله! قال: (أله إخوة؟ قال: نعم. قال: أفكلهم أعطيت مثلما أعطيته؟ قال: لا. قال: فليس يصلح هذا، إني لا أشهد إلا على حق) وفي رواية: (إني لا أشهد على جور) وفي رواية أن النبي ﷺ سماه جوراً، إنه ظلمٌ إذاً الذي يحدث هذا وقال: (أشهد على هذا غيري) ورفض أن يشهد، هذه قضية العدل بين الأولاد. وهناك قصة لطيفة رواها البيهقي في شعب الإيمان: أن رجلاً كان جالساً مع النبي ﷺ فجاء ابن له ذكر، فقبله وأجلسه في حجره، ثم جاءت ابنته -بنت نفس الأب هذا- فأخذها فأجلسها إلى جنبه. إذاً الابن في حجره والبنت إلى جنبه، والابن قبله والبنت لم يقبلها بل أجلسها إلى جنبه فقط، فقال النبي ﷺ : (فما عدلت بينهما) والحديث صححه الألباني ﵀. السلف يستحبون العدل بين الأولاد حتى في القبلات، العدل مأمورٍ به يؤتى يوم القيامة مغلولاً يفكه عدله، أو يوبقه جوره وظلمه. قضية العدل التي تجعل تسوية الأعطيات في العيديات موجودة، وللذكر مثل حظ الأنثيين على ما رجحه عددٌ من أهل العلم كـ ابن القيم رحمه الله تعالى، والتفضيل في الزيادة إذا كانت لسبب شرعي فلا بأس، هذا الولد تفوق في الدراسة، هذا الولد حفظ السور وما حفظها الآخر فيعطى جائزة والآخر لا يعطى، لكن لأجل السبب، لكن الأشياء التي ليس لها سبب لا يجوز فيها التفضيل وإعطاء واحد أكثر من الآخر قال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ويؤدي عدم العدل إلى الكره بين الإخوة، إلى عقد نفسية، إلى إتاحة الفرصة لأصدقاء السوء ليعطوا هذا الشخص المبخوس حقه ويجروه إلى عالم المخدرات والرذائل، قضية عدم العدل التي تسبب ألا يضروه، لا يضروا أباهم، ولذلك قال له في الحديث: (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء؟) يبروك معاً. وبعض الآباء -هداهم الله- يفاضلون بدون أسباب شرعية، فيقول: هذا يشبهني، فيعطيه زيادة، هذا يشبه أخواله هذا ليس تابعاً لنا، سبحان الله العظيم! ولكن يقول: هذا يطيعني يخدمني، ذاك لا يخدمني، هذا ليس سبباً للمفاوتة، بل المساواة تؤدي إلى أن الآخر يخدمك كما خدمك ذاك، وهكذا -أيها الإخوة والأخوات- ينبغي أن نتحرى العدل في أولادنا ذكوراً وإناثاً، ونسأل الله سبحانه التوفيق.

стр. 6732

حرمان الابن من الزواج بعد البلوغ المقدم: الله يبارك فيك، ربما يتساءل بعض الأبناء يقول مثلاً: أصل إلى سن الزواج وأجد أن أبي لا يزوجني، بل ربما أنه زوج أخي الأكبر وتركني بحجة أنه نفذ المال وما عنده شيء، فهل فقهاً وشرعاً يجب على الأب تزويج ابنه؟ الشيخ: نعم، ذهب عدد من أهل العلم إلى أن الابن إذا خشي على نفسه الحرام فيجب على الأب أن يزوجه إذا كان الأب مقتدراً، إذا كان الأب مقتدراً والابن يخشى على نفسه الحرام يجب عليه أن يزوجه يجب، وعلى الأب إعفاف ابنه -هكذا نصه على ذلك- لكن طبعاً بعض الآباء الآن يقول يأتيه الولد ويقول: يا أبي! أنا أخاف الحرام، وأنا كذا وطبعاً العصر الذي نحن فيه لا يتحمل تأخير الزواج إطلاقاً، في الواقع الآن لا يتحمل التأخير إطلاقاً يقول: يا أبي أعطني يا أبي! زوجني، يقول: أنت ليس لك مصروف، ولا دخل، من أين ستنفق على نفسك؟! فإذا كان الابن يستطيع أن يدبر النفقة اليومية، فأنا أقترح أن الأب يتحمل النفقات الأساسية الكبيرة التي لا يطيقها الشباب والأولاد والأبناء في أول أمرهم في الغالب، فمثلاً: المهر، وليمة الزفاف فرش البيت، ثم يقول له: اشتغل واصرف على نفسك، حي وإذا لمس الأب -فعلاً- أن الابن يريد لكن ما وجد عملاً فإذا كان مقتدراً لماذا لا يعطيه مرتباً شهرياً، يعيش معه في البيت يأكل ما يأكلون منه ويشرب مما يشربون وصحيح أن الابن لا يجوز أن يعود على الاتكالية، وهذه المسألة كثير من الزوجات تقول: زوجي عالة على أهله زوجي لا يعمل زوجي كسلان زوجي شله البلوت زوجي سهرات في القهاوي، لماذا؟ أهله يصرفون عليه هذه المسألة تحتاج إلى علاج يمكن يهدده يقول: دبر نفسك!! نعم في هذه الحالة لكي يعمل، لكن عندما تلمس -مثلاً- ولداً متديناً يريد العمل ولم يجد وظيفة ساعده وأعطه.

стр. 6733

حق الابن في اختيار زوجته المقدم: أحياناً ربما يرضخ الأب ويوافق ويقول: أنا سأزوجك، لكن ما في إلا بنت عمك، فما أدري هل هذا الشرط والقيد يستساغ شرعاً؟ الشيخ: هذه البنت ستعيش مع زوجها، أو هذا الابن سيعيش مع زوجته، الأصل في النكاح الاستدامة والدوام، فهل من الحكمة أن تزوجه امرأة لا يطيقها وسيجلس معها إلى آخر العمر؟ ليس من الحكمة لكن لو كانت البنت غير معيبة وجيدة، نعم ممكن أن تطلب منه أن يتزوج بنت عمه، قد تكون الأمور أيسر ولا يطلبون مهراً كثيراً بحكم القرابة، وتكون القضية ملمومة محدودة ما فيها إسراف ولا تبذير، فإذا كان يرغب نعم، وأما إذا كان لا يرغب، رآها فلم يردها، قال: أنا لا أطيق هذه البنت، فليس من الحكمة إطلاقاً أن تغصبه وربما يطلقها وربما رجعت لأهلها ومعها ولد أو ولدان، وليس هذا من الحكمة.

стр. 6734

حكم بعض الأسماء وأهمية متابعة الابن بعد زواجه المقدم: هذا الأخ أبو مشاري من الباحة يريد أن يردنا إلى قضية الأسماء وأنا أعده أن أضع عن الأسماء -إن شاء الله- حلقة خاصة وقد سبق أني وضعت، يقول: هل يجوز التسمية بمثل هذه الأسماء: روز، جلنار وهي بمعنى: زهرة الرمان، كذلك مطحس وصحن ونجل ومرشوش وحطيف ومحجن يقول: كلها أسماء متداولة ومعروفة؟ هل ينتهي دورنا بتزويج أبنائنا؟ يقول: أنا لا دخل لي به أنا قمت بتزويج ابني، فماذا تريدون مني بعد ذلك، صار الولد رجلاً؟ الشيخ: أما بالنسبة للأسماء التي طرحها الأخ فهي تتفاوت، مثلاً: محجن غير حطيف، هذا حطيف من الأسماء القبيحة جداً يعني أن يسمى حطيفاً كيف يعيش؟ كيف ولد في الفصل ينادى عليه: حطيف تعال، حطيف اقعد، حطيف موجود، حطيف حاضر، بعض البنات لم تستطع أن تواصل في دراستها لأن اسمها وحش، بنت! هذه بنت يعني غداً عندما يتزوجها رجل والعلاقة بين الزوجين كيف يناديها، وحش!! ما هذه؟ ولذلك من القرارات الجيدة الجميلة التي اطلعنا عليها قرار بمنع التسمي بأسماء لكن طبعاً أناس يرتكبون خارج اللائحة، ولذلك الموظف يجب أن يكون حكيماً في هذه القضية وينصح، واحد ذهب يسمي ولده همام، قرر أن يسميه همام، في الطريق همام همام وصل الموظف قال الموظف: أيوه؟ نسي الاسم، قال: نريد أن نكتب وما تذكر إلا هيام، قال الموظف: أسرع خلفك أناس، قال: هيام، ولد اسمه هيام، ذكر اسمه هيام! فإذاً ينبغي على الموظف فعلاً هذه مسئولية الموظف الآن أنا أرى أنه يتحمل جزءاً من المسئولية أنه إذا رأى من الأسماء القبيحة هذه أن يرده يقول: ارجع اختار اسم آخر أما بالنسبة لقضية المتزوجين فلا تنتهي في نظري مسئولية الأب بعد تزويج الولد، بل عليه أن يتابع؛ لأن لديه خبرة، الآن هنا عامل الخبرة هناك فرق كبير، الأب عنده خبره في الحياة والابن ما عنده، والابن في أول الأمر ممكن مع زوجته تصير مشكلات تؤدي إلى أن تتفاقم وممكن يفكر في الطلاق بسرعة فالأب دوره دور المساندة يعني: التفقد والدليل على ذلك هذا الحديث أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: [أنكحني أبي عمرو بن العاص ﵁ امرأةً ذات حسب فكان يتعاهد كنته] لاحظ الحديث، عمرو بن العاص يتعاهد كنته في فترة يمر هاه كيف ولدنا، كيف الأمور؟ هل ينقصكم شيء؟ [فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشاً ولم يفتش لنا كنبا منذ أتينا] ما فتش عنا، فلما طال ذلك عليه، لماذا طبعاً؟ لأن عبد الله بن عمرو بن العاص منشغل بالعبادة، شاب نشيط في العبادة فكان منصرفاً عن شهوة النساء لأجل العبادة فأبوه لما طال الأمر ذكر ذلك للنبي ﷺ اشتكى للعالم -تدخل العالم مهم الآن- فقال: (القني به -شوف النبي ﷺ إمام الأمة يريد أن يساهم في حل المشكلة، حل مشكلة- قال: القني به فلقيته بعده، فقال: كيف تصوم؟ قلت: كل يوم، قال: كيف تختم؟ قلت: كل ليلة -هذا الاجتهاد- فقال: صم في كل شهرٍ ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر الحديث). إذاً: الشاهد -أيها الإخوة والأخوات- الاهتمام بالولد بعد الزواج، أكمل المعروف يا أخي، أكمل من الإحسان.

стр. 6735

وقفة مع مشكلة العضل المقدم: والحقيقة أن نحن الذين نخرب أبناءنا، كما في التدليل أو ترك المسئولية عند تزويجه، مشكلة العضل يا شيخ محمد، ماذا نقول فيها؟ الشيخ: أما بالنسبة لقضية العضل فإنها من الأمراض الاجتماعية المزمنة مع الأسف، العضل: الحبس، حبس البنت عن الكفء هذا هو العضل، أن يحبس الولي موليته عن النكاح بدون سببٍ شرعي، يأتي لها الكفء فيرده، قال بعض العلماء: إذا رد الكفء ثلاث مرات تسقط ولايته، ثم قال بعضهم: القاضي يزوجها، وقال بعضهم: ينقلها إلى الولي الذي بعده بترتيب الولاية، ينقلها إلى الولي الذي بعده ويزوجها، والله قد حرم العضلة وقال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] ولو كانت انفصلت عنه ثم أرادت أن ترجع إليه بعقد جديد؛ لأنها ما زالت الطلقة الأولى أو الثانية فلا يجوز له أن يقول: ما دام طلقك وأهانك ما لك رجعة، والدليل على ذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت رجل، فطلقها ثم خلا عنها حتى انقضت عدتها ثم خطبها فحمي معقل -حمي يعني: جاءته النخوة الآن، جاءت النخوة كيف نطلقك ثم نعيدك إليه أبداً؟ - فقال: خلا عنها، وهو يقدر عليها ثم يخطبها!! أبداً فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢]. إذاً قضية العضل هذه قال بعض العلماء: إنها من الكبائر والشيخ ﵀ في فتاويه قال: لا يصلي إماماً -العاضل- ويفسق، وترد شهادته، إنها قضية خطيرة، ولذلك بغض البنات تدعو على أبيها، بل عندي قصة أن بنتاً تأخرت في الزواج ومرضت مرضاً خطيراً على فراش الموت وخطر على بال الأب أن يستسمح البنت قال: سامحيني، قالت: الله لا يسامحك وماتت، وأخرى سامحت أباها عند وفاته، فالشاهد أن البنت التي تقول: بأي حق أحبس؟ ثم يتقدم السن ثم تتعدى سبعة وعشرين يقول: لا يهم فخذ القبيلة نكتفي أن يكون من بطنها، حتى تبلغ ثلاثين عاماً، ثم يقول: لا نسأل من بطون القبائل، بل نكتفي بالقبيلة، حتى تصل إلى سن الأربعين، ثم يقول: أي واحد ثم بعد ذلك يقول: كيف يتجرأ ويطرق بابي وهو ليس من قبيلة كذا، كيف يتجرأ يطرق، يا أخي! النبي ﷺ زوج أسامة لمن؟ وتزوج هو من؟ يعني: يجب أن نفكر، صحيح أنك تختار من جماعتك، لكن إذا لم يوجد تبقى البنت حتى تصبح عانساً تتعرض للفتن والزنا! نسأل الله السلامة والعافية المقدم: الله يبارك فيك، وأحسن الله إليك، والحقيقة إن كان هناك من كلمة أختم بها فهو يجب على الآباء أن يتنبهوا بأن الأبناء قد يشبهوا زمانهم أكثر من شبههم بآبائهم وهذه كلمة عظيمة يقولها الفاروق عمر ﵁: [الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم]. لا يسعني إلا في هذه العجالة إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل بعد شكري الله تعالى إلى صاحب الفضيلة الشيخ: محمد بن صالح المنجد إمام وخطيب جامع عمر بن عبد العزيز بـ الخبر ويمتد الشكر إلى مخرج هذه الحلقة الأستاذ هزاع الشيري وكافة زملائه الكرام لغة الإشارة الأخ الأستاذ عبد الرحمن الفهيد، تنسيق البرامج الدينية الأخ الأستاذ عبد الله السبيعي، إلى الملتقى بكم في حلقة قادمة أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 6736

بطولات نادرة ترفع المعنويات في هذه المادة قصص من البطولات والتضحيات لرجال باعوا أنفسهم لله جل وعلا، ومن أولئك الرجال: أنس بن النظر طارق بن زياد ابن فتحون ابن الجزري ألب أرسلان الذي باع ملك الروم بأبخس ثمن، وغيرهم ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

стр. 6737

شراء الله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وبعد: هناك آياتٌ عظيمة يخبر الله تعالى فيها أنه عاوض من عباده المؤمنين، فباع واشترى عن أنفسهم وأموالهم إذا بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، قال الحسن ﵀: [بايعهم والله فأغلى ثمنهم] قال بعض السلف: ما من مسلمٍ إلا ولله في عنقه بيعة وفىَّ بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١] فهذا هو المبيع ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] وهذا هو الثمن: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] وهذه شروط العقد: ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١] وهذا الضمان لأجل العقد: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] فلا أحد أوفى بعهده من الله، ثم طلب الاستبشار من المؤمنين: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. قال عبد الله بن رواحة للنبي ﷺ ليلة العقبة: (اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترطُ لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم، قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة:١١١]) وقول الله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١] أي سواءً قُتِلُوا أو قَتَلُوا، أو اجتمع لهم هذا وهذا، فقد وجبت لهم الجنة، ولذلك قال النبي ﷺ : (تكفل الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادٌ في سبيلي وتصديق برسلي، بأنه إذا توفاه الله أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة). وهذا البيع العظيم وصفه الله بالفوز العظيم، وعلى ذلك دارت رحى المعارك.

стр. 6738

بطولات وتضحيات خُلِّدت في التاريخ قام المسلمون يبذلون أنفسهم في سبيل الله، وضرب الصحابة المثل العظيم للتضحية بالروح في سبيل الله، والهجوم على الأعداء، ونقض النحر للعدو، والانغماس في جيشهم، والقتال حتى الموت، حتى أن جثة أنس بن النضر لم تعرف إلا من بنانه فقط، أما بقية الجسد فقد صار أشلاء، وجدوا فيه أكثر من سبعين ضربةً من سيفٍ ورمحٍ وسهمٍ، معنى ذلك أنه ظل يقاتل ويقاتل بالرغم مما أصابه حتى تلاشى ذلك الجسد، وتحول إلى أشلاء في سبيل الله، وصار التابعون ومن بعدهم على هذا المنوال، وقدمت الأمة شهداء، وأثبتت أنها أشجع أمة في العالم، ولم يوجد فدائيون مثلما وجد في هذه الأمة؛ لأنه لا يوجد محرك عند غيرهم يحركهم للشهادة كما يوجد في هذه الأمة، وهذا أمرٌ واضح، وقضية مفهومة، وجود الباعث على الشهادة، أن الحياة ستنتهي وتمضي، وأنها لذة عابرة، فلماذا لا تنفق من أجل شيء ثمين باقٍ وهو الجنة، لأجل تلك السلعة ضحى المضحون بأنفسهم وأموالهم، وأثبت المسلمون الشجاعة الفائقة في الحروب، لقد ردت هذه الآية أشخاصاً عن الهزيمة، وشجعت أشخاصاً على تقديم الروح في سبيل الله، فكان قائد المسلمين يتلوها وهو ذاهب إلى ميدان المعركة، ومن صدق مع الله صدقه الله.

стр. 6739

طارق بن زياد ودخوله الأندلس وقد دخل طارق بن زياد إلى الأندلس في ألف وسبعمائة رجل وقاتل جنود اللذريق ملك النصارى والذي جاءهم في تسعين ألف فارس يقاتلون المسلمين ثلاثة أيام واشتد في المسلمين البلاء فقال طارق: إنه لا ملجأ لكم بعد الله غير سيوفكم، أين تذهبون وأنتم في وسط بلادهم، والبحر من ورائكم محيطٌ بكم؟! وأنا فاعلٌ شيئاً إما النصر وإما الموت فقالوا: وما هو؟ قال: أقصد طاغيتهم -أي: ناحيته- فإذا حملت فاحملوا بأجمعكم معي، ففعلوا ذلك فقتلوا اللذريق وجمعاً كثيراً من أصحابه، وهزمهم الله تعالى، وتبعهم المسلمون ثلاثة أيام يقتلونهم قتلاً ذريعاً، ولم يقتل من المسلمين إلا نفر يسير.

стр. 6740

عبد العزيز بن زرارة وقتاله في سبيل الله لما غزا المسلمون القسطنطينية سنة خمسين للهجرة جعل عبد العزيز بن زرارة يتعرض للشهادة، والتحمت الحرب، واشتدت المقارعة فشد على من يليه، وانغمس في جمهورهم؛ فشجرته العلوج برماحها، أي: اشتبك الجسد برماحهم، فاستشهد ﵀ من كثرة رماح العدو في جسده واختلافها فيه.

стр. 6741

علي بن أسد يطلب الشهادة فينالها علي بن أسد كان رجلاً مسرفاً على نفسه بالمعاصي، قتل حراماً، وصنع أموراً عظاماً، فمر ليلةً بـ الكوفة، فإذا برجل مسلم يقرأ القرآن في جوف الليل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فقال علي: أعد، فأعاد، ثم قال: أعد، فأعاد، ثم قال: أعد، فأعاد، فعمد فاغتسل ثم غسل ثيابه فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء، وصارت ركبتاه كركبتي البعير أي: من كثرة سجوده، فغزا في البحر وهو كهل يظن بأنه لا يذهب إلى الجهاد، فلقي الروم مع المسلمين فقال: لا أطلب الجنة بعد اليوم أبداً، هذا هو اليوم الذي أطلب فيه الجنة، فاقتحم بنفسه في سفنهم فما زال يضربهم وينحاز، ويضربهم وينحاز، عندما اقتحم السفينة جعل يضربهم فيهربون من موضعٍ إلى موضع، يخشون جرأته وبأسه وشجاعته؛ يقتل من يقتل، ويهرب الباقي إلى طرفٍ في السفينة، حتى انكفأت السفينة فانقلبت؛ فغرق وعليه أدراع الحديد فمات شهيداً في البحر يرحمه الله. ورمى العدو جند المسلمين بالنصل فقال معاوية ﵁: [أما إذا فعلوها فافعلوا، فكانوا يترامون بها، فتهيأ روميٌ لرمي سفينة أبي الفادية من المسلمين -سفينة عليها قائد هو: أبو الفادية - جعل هذا الرومي نصلاً مشتعلاً في طنجرة ليرميه على سفينة المسلمين، فرماه أبو الفادية بسهمٍ فقتله قبل أن يقذف الطنجرة؛ وخرت الطنجرة المشتعلة في سفينة النصارى فاحترقت بأهلها وكانوا ثلاثمائة] فكان يقال: رمية كرمية أبي الفادية قتلت ثلاثمائة نفر.

стр. 6742

ابن الجزري وقتاله لعلج من النصارى الحرب كانت بين الروم والمسلمين يوماً، وكان من النصارى رجلٌ مبارزٌ قال: يا معشر العرب! ليخرج منكم عشرون فارساً أبارزهم، فهابه الناس، وكان في عسكر المسلمين رجلٌ يعرف بـ ابن الجزري معروف بالنجدة، موصوفٌ بالشجاعة، فقال: أنا أخرج إليه وأستعين بالله عليه، وأعطي فرساً وسلاحاً فقال: لا أريد -أي: إلا ما معه- فانحدر بعد أن ودعه الرشيد ودعا له، ونزل معه عشرون فارساً ليودعوه، فلما صار في بطن الوادي قال الرومي: غدرتم يا مسلمون! طلبت عشرين فنزل واحدٌ وعشرون، فقالوا: ما يبارزك غير واحد، ونحن مودعوه وراجعون، فقال العلج: سألتك بالله أنت ابن الجزري؟ قال: نعم. قال: كفء كريم، فرجع المسلمون، وتطاعنا حتى كلاَّ، واشتد الحر عليهما، والمسلمون والمشركون ينظرون إليهما فولى ابن الجزري كأنه منهزم فعطعط المشركون -أي: صاحوا إعجاباً- وضج المسلمون والعلج في أثره، ثم عطف ابن الجزري على العلج فجأة فاختطفه من سرجه، وما أوصله إلى الأرض إلا بعد أن حز رأسه عن جسده، فكانت مكيدة: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ﴾ [الأنفال:١٦] فكبر المسلمون تكبيرة واحدة، وزجوا في القتال ففتح الله عليهم.

стр. 6743

ابن فتحون بطل من أبطال المسلمين وكان ابن فتحون من أشجع المسلمين وكان المستعين يرى له ذلك المكان ويعظمه لشجاعته، حتى عرفت النصرانية بأسرها مكانته حتى أن النصراني كان إذا سقى فرسه فلم يشرب يقول له أصحابه النصارى: ما بك اشرب لماذا تخاف؟ اشرب أو رأيت ابن فتحون في الماء؟ فكان يضرب به المثل، فيخافه الأعداء، فغزا المستعين بلاد الروم، وتوافق المسلمون والمشركون صفوفه، فبرز علجٌ وسط الميدان ينادي هل من مبارز، فخرج إليه فارسٌ من المسلمين فتجاولا ساعةً فقتل المسلم؛ فصاح الكفار سروراً، وانكسرت نفوس المسلمين، ثم برز له آخر فقتل المسلم فجعل الرومي يكر بين الصفين ويقول: هل من مبارز واحد لاثنين؟! واحد لثلاثة؟! فضج المسلمون، فقيل للمستعين ما له إلا ابن فتحون، فدعاه وقال: ما ترى يصنع هذا العلج، قال: هو بعيني، قال: فما الحيلة فيه؟ قال أبو الوليد ابن فتحون: ماذا تريد؟ قال: أن يكفى المسلمون شره قال: الساعة يكون ذلك إن شاء الله، فلبس قميص كتان واسع الأكمام، وركب فرساً بلا سلاح، وأخذ بيده سوطاً طويل الطرف، وفي طرفه عقدة معقودة، ثم برز إليه، فعجب النصراني منه يخرج إليه دون سلاح ومعه هذا السوط فقط، فحمل كل منهما على صاحبه، فلم تخطِ طعنة النصراني سرج ابن فتحون، فتعلق ابن فتحون برقبة فرسه لما قطع سرجه، ونزل إلى الأرض ثم استوى على سرجه، وحمل على النصراني فضربه بالسوط على عنقه فالتوى السوط على عنق النصراني، فأخذه بيده فاقتلعه وجاء به إلى المستعين، فألقاه بين يديه.

стр. 6744

بطولات صاحب النقب وهكذا لما حاصر المسلمون حصناً في إحدى غزواتهم فاستعصى على المسلمين، وكثر الأذى فيهم من رمي النصارى لهم، حتى قال قائلهم مسلمة بن عبد الملك: من يدخل النقب -وهو فتحة تلقى منها الفضلات والقاذورات- فإن كتبت له الشهادة فاز بالجنة، وإن كتبت له النجاة ذهب لباب الحصن ففتحه؟ فخرج رجل ملثم قال: أنا من سيدخل النقب، فدخل وكبر وقاتل، فسمع المسلمون صوته، فاقتحمه، فقاتل حتى وصل الباب ففتحه، وسمع المسلمون صوت التكبير فهجموا على الباب فدخلوا؛ ففتحوا الحصن؛ وانتهت المعركة على يد ذلك الرجل، ولكنه لم يعرف، فاشتهى مسلمة أن يعرفه ليكافئه، فنادى في جيش المسلمين بعد المعركة أين صاحب النقب؟ فلم يجبه أحد، فعاد الكرة فلم يجبه أحد، فقال في النهاية: إني أمرت حاجبي بإدخاله عليَّ حين يأتي، فعزمت عليه بما لي عليه من الحق -أي: الطاعة في الإمرة، حقي عليه الطاعة- فحلف عليه إلا أن يأتيه في أي وقت شاء من ليل أو نهار، فجاء رجل ذات ليلة إلى حاجب مسلمة، فقال: استأذن لي على الأمير، قال: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه، فلما صار بين يدي مسلمة قال: إن صاحب النقب يشترط عليكم ثلاثاً: ألا تبعثوا باسمه في صحيفةٍ إلى الخليفة، وألا تسألوه من هو، وألا تأمروا له بشيء، قال مسلمة: فذلك له، فقال الرجل باستحياء: أنا صاحب النقب، اتقِ الله -يا مسلمة - أحرجتني فأخرجتني، ثم انطلق مسرعاً فلم يدر من هو، فكان - مسلمة - لا يصلي بعدها صلاة إلا دعا فيها اللهم اجعلني مع صاحب النقب يوم القيامة.

стр. 6745

عبد الله بن المبارك وجهاده عبد الله بن المبارك ﵀ كان من أولئك المجاهدين الذين كانوا لا يريدون أن يعرفوا في الغزو، مع شدة بلائهم في المعارك، فعن عبدة بن سليمان المروزي قال: كنا في سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم؛ فصادفنا العدو، فلما التقى الصفان خرج رجلٌ من العدو فدعى إلى البراز؛ فخرج إليه رجل فقتله، ثم آخر فقتله، ثم آخر فقتله، فصعب ذلك على المسلمين وشق عليهم، ودعى النصراني للبراز فخرج إليه رجل من المسلمين ملثم، خرج إليه رجل من المسلمين يتخفى، فطارده ساعة فطعن المسلم النصراني فقتله، فازدحم المسلمون على أخيهم يريدون أن يعرفوا من هو الذي أنهى هذا الطاغية، قال: فنظرت إليه فإذا هو عبد الله بن المبارك وإذا هو يكتم وجهه بكمه، فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو هو، فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا؟!

стр. 6746

عبد الوهاب بن بخت وإقدامه في المعركة وكذلك كان عبد الوهاب بن بخت ﵀ لما انهزم الناس وانكشفوا جعل يكر على فرسه ويقول: ما رأيت فرساً أجبن منه، وألقى بيضته عن رأسه وصاح: أمن الجنة تفرون؟ يريد المسلمين، ثم تقدم في نحور العدو فمر برجل من المسلمين يقول: واعطشاه -يريد الماء- فقال عبد الوهاب: تقدم الري أمامك -إذا أردت الارتواء فإلى الأمام- يعني: في الجنة إذا قتلت، فخالط القوم فقتل وقتل فرسه.

стр. 6747

نبذة من بطولات القائد ألب أرسلان وكان المسلمون مع قلة عددهم أمام الكفار يثبتون في معارك كثيرة، وكانت أكثر معارك المسلمين فيما مضى ضد النصارى، وحفظ التاريخ لنا موقفاً عظيماً لقائدٍ مسلمٍ سلجوقي تركماني هو ألب أرسلان الملك العادل أبو شجاع من عظماء المسلمين، خرج إليه طاغية الروم أرمانوت في جحافل أمثال الجبال، في نحوٍ من مائتي ألف مقاتل، لا يدركهم الطرف، ولا يحصرهم العدد، كتائب متواصلة، وعساكر متزاحمة، كلما مر ببلدٍ من بلاد المسلمين أقطعها بطارقته وقال: هذه لك يا فلان، وهذه لك يا فلان، يوزعها عليهم حتى وزع بغداد عاصمة الخلافة، وقال للنصراني الذي وهبه البلد هو يأمل أن ينتصر فيوزع البلاد كما وعد وقال لمن جعل له بغداد: استوصِ بالخليفة خيراً، استوصِ بالشيخ، ارفق بذلك الشيخ -يزدري المسلمين- فخرج إليه ألب أرسلان ﵀ في خمسة عشر ألف فارس فقط، فقال لجنده: أنا صابرٌ في هذه الغزاة صبر المحتسبين، وملاقيهم وحسبي الله ، فلما التقى الجمعان، ورأى ألب أرسلان كثرة جند الروم، ورأى ما يحير الألباب، ويطير الصواب؛ فأرسل يطلب الهدنة، وفي النهاية عزم على القتال، وكان اليوم يوم جمعة، يريد أن تكون المعركة يوم الجمعة لالتماس دعاء الخطباء، فلما زالت الشمس صلى وقال: ليودع كل واحدٍ صاحبه، فودع كل واحد من جيش المسلمين صاحبه، وتواعدوا على الموت، ولما تواجه الفريقان، نزل السلطان فصلى وسجد لله وعفر وجهه في التراب، ودعا واستنصر، وابتهل وتضرع، وبكى ثم قال: يا أمراء! من أحب أن ينصرف فلينصرف فما هاهنا سلطان يأمر، ولا عسكرٌ يؤمر، فإنما أنا اليوم واحدٌ منكم، وغادٍ معكم، فمن تواضعه لله أعلن تخليه عن الملك في ميدان المعركة تواضعاً لملك الملوك، قالوا: نحن معك تبعناك وأعناك فافعل ما تريد، فلبس الكفن الأبيض وتحنط -أي: وضع من الطيب ما يوضع للميت- ثم قال: إني عازمٌ على الحمل فاحملوا معي، فحملوا معه حملةً صادقة، فوقعوا في وسط العدو فألقى الله في العدو الرعب، فجعلوا يقتلون منهم كيف شاءوا، فلم ينج من النصارى إلا شريدٌ أو أسير، وأنزل الله نصره على المؤمنين، وأسر طاغية الروم أرمانوت، أسره مملوكٌ من مماليك المسلمين، فلما جيء به إلى ألب أرسلان وفي عنق النصراني حبل ملك النصارى، وقائد الجيش الذي كان يوزع بلاد المسلمين وهو يسير إلى المعركة جيء وفي رقبته حبل، فقال: ما تصنعوا بي؟ قال ألب أرسلان: ما تظن أني صانعٌ بك؟ قال: لا أشك أنك تقتلني، قال: أنت أقل في عيني من أن أقتلك، اذهبوا به فبيعوه، فطافوا به جميع العسكر والحبل في عنقه ينادى عليه بالدراهم والفلوس فما يشتريه أحد من المسلمين، حتى انتهوا في آخر العسكر إلى رجل من المسلمين قال: إن بعتمونيه بهذا الكلب الذي معي اشتريته، فجاءوا بالجندي ومعه الكلب الثمن، وبملك النصارى إلى ألب أرسلان مجروراً بالحبل، فأخبروه بأن هذا يريد شراءه بالكلب، فقال ألب أرسلان: الكلب خير منه؛ لأنه ينفع، وهذا لا ينفع، لكن خذوا الكلب، وادفعوا له هذا الكلب، ثم أمر بعد ذلك بإطلاقه وجعل الكلب قريناً له مربوطاً في عنقه وأوصله إلى بلاده؛ فلما رأى الروم ما حل بملكهم عزلوه عن الملك وكحلوا عينيه -أي: غوروهما وأذهبوهما- بعد أن رأوا أنه لا يساوي شيئاً، وهكذا كان حفظ الله للمسلمين عظيماً.

стр. 6748

أبطال من جيش صلاح الدين سرى سنقر من جيش صلاح الدين كان شجاعاً يقتل من أعداء الله، ويفتك فيهم، وفيه نكايةٌ عظيمة في النصارى، فمكروا به وتجمعوا له، وكمنوا له، وخرج إليه بعضهم وتراءوا له -أي: إغراءً- فحمل عليهم سرى سنقر ﵀ حتى صار بينهم فوثب عليه بقية الكمين وأمسكوا به، وأخذ واحدٌ بشعر المسلم ورفع الآخر سيفه ليضرب رقبة المسلم؛ لأنه كان قد قتل قريباً له، فأراد الله أن تقع الضربة في يد الماسك بشعره فقطعت يده؛ فاشتد يعدو حتى عاد إلى أصحابه المسلمين، وأعداء الله يشتدون خلفه فلم يدركوه. ومرةً من المرات في قتال صلاح الدين مع النصارى قال بعضهم لما طال القتال: إلى كم يتقاتل الكبار، وليس للصغار حظ؟ نريد أن يصطرع الصبيان، صبيٌ منا وصبيٌ منكم، فأخرج المسلمون صبياً منهم، وأخرج النصارى صبياً منهم، واشتد الحرب بين الصبيان، فوثب الصبي المسلم على الكافر فجأةً فاختطفه ورفعه وضرب به الأرض وقبضه أسيراً، وأخذه يشتد به، فلحقه الإفرنج يشترونه، فباعه بدينارين فأطلقه، وكانت تلك من نوادر المعركة. وكانت أقدار الله حافلةً بالأمور العجيبة في جهاد المسلمين، فجهاد المسلمين الصادقين عجائب وملاحم وأمور عظام، وكان في المسلمين في عهد صلاح الدين رجل يستعمل ما وهبه الله من البراعة في الغطس لنصرة دين الله، كان يقال له: عيسى العوام، وفي حصار عكا كان هذا الرجل يأخذ نفقات من الذهب للمسلمين، وخطابات توجيهية وعسكرية من صلاح الدين فيغوص بها قبل مراكب النصارى ثم يخرج بعد أن يغطس من الجانب الآخر إلى ساحل البلدة المحاصرة فيسلم ذلك، فخرج مرة وقد شد على وسطه ثلاثة أكياس فيها ألف دينار وكتبٌ للعسكر، وعام في البحر، فقدر الله أن يجري عليه ما أهلكه فأبطأ الخبر، وكانت عادته أنه إذا دخل البلد طار طيرٌ يعرفهم بوصوله، فأبطأ الطير؛ فاستشعر المسلمون هلاك الرجل، ولكن بعد أيام بينما الناس على طرف البحر ينتظرون قذف إليهم البحر ميتاً غريقاً فافتقدوه فوجدوه عيسى العوام، ووجدوا على وسطه الذهب وشمع الكتب، وكان الذهب نفقة للمجاهدين، فما رُؤي من أدى الأمانة في حال حياته وبعد وفاته إلا هذا الرجل في ذلك الموقف. كانت تلك جولة في عالم الجهاد وفي معارك المؤمنين، وكيف صدقوا مع الله وباعوا واشتروا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]. عباد الله إننا نتضرع إلى ربنا في هذا اليوم أن ينصر المجاهدين، وأن يعلي كلمة الدين، وأن يخذل المشركين، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. أقول قولي هذا وأستغفر الله، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 6749

بطولات من أرض المقدس الحمد لله وحده، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أيها الإخوة لا أكتمكم أن مما بعث على النظر في هذه البطولات، والإتيان بها، والتفكير فيها قصة ذلك المسلم الفلسطيني العجيبة التي حدثت في الساعة السادسة وأربعين دقيقة من صباح الأحد الماضي، عندما قام ذلك القناص المسلم بفتح النار على حاجز عسكري إسرائيلي من جهة الشمال من مدينة رام الله وقريبة من مستوطنة عوقرا، لتسفر العملية عن قتل عشرة من اليهود، وإصابة ستة، ثلاثة منهم جراحاتهم خطيرة، أصيبت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بعدها بالذهول في أعقاب التحقيق الذي أجراه الجيش، إذ تبين أن الذي نفذ عملية الإطلاق قناص واحد استخدم بندقية قديمة من طراز كارين، وحتى التحقيق فإن هذا المجاهد المسلم قد أطلق خمس عشرة طلقة بمعدل طلقة كل دقيقة بحيث أن إطلاق خمس عشرة رصاصة أسفرت عن مقتل وإصابة خمسة عشر جندياً ومستوطنٍ يهودي. ونقلت إذاعة إسرائيل باللغة العبرية عن عدد من المستوطنين الذين كانوا في مكان الحادث ونجوا من الإصابة أن ذلك المسلم الذي اعتلى رأس تلة تشرف على الحاجز بـ وادي الحرامية، الذي يمر به الشارع الذي يربط جنوب الضفة الغربية بشمالها، فأطلق رصاصتين أولاً على جنديين كانا في الحاجز فقتلهما فوراً، ثم أطلق ثلاث رصاصات على سيارة للمستوطنين فقتل الثلاثة الذين كانوا بداخلها، ثم توقف، فلما جاء البقية لإسعافهم شرع مرة أخرى يطلق النار عليهم حتى نفذت ذخيرته، واستمرت العملية عشرين دقيقة، وقتل أربعة آخرين، وأصيب البقية الجرحى، ثم قام ومشى على قدميه، واختفى في الجبال المحيطة بالحاجز. إنها عملية عجيبة، ذكرتنا -فعلاً- بتلك القصص التي كانت في ماضي هذه الأمة، التي أحدثت جرحاً غائراً في معنويات اليهود، وكانت فضيحة كبيرة، وعاراً على القوات اليهودية، إن ذلك يذكرنا بحديث النبي ﷺ : (من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة) رمى بسهم في سبيل الله بلغ العدو أصاب أو أخطأ المهم أن يبلغ العدو فهو له درجة في الجنة، أبو نجيح السلمي لما سمع الحديث قال: بلَّغتُ يومئذٍ ستة عشر سهماً، ماذا لدى المسلمين من القوة؟ ماذا لديهم من الإمكانات؟ يقارعون الدبابات، والأباتشي، والإف ستة عشر بالبنادق والرشاشات، هذا ما لديهم، لكن إذا صدقوا مع الله تأتي نتائج عجيبة لا تخطر بالبال. من الذي يخطر بباله أن تقع مثل هذه العملية؟ إنها شيء من الأحلام، هذا رجل يقتل كل هؤلاء ثم ينفذ بجلده ويسلم إنه شيء عجيب! لو صدق المسلمون مع الله فماذا ستقع من المصائب على رءوس اليهود وغيرهم من أعداء المسلمين؟ ثم هؤلاء اليوم يفعلون الأفاعيل بإخواننا، ويستهدفون طواقم الإسعاف، وصبية المدارس، ويقتل أكثر من مائة وخمسين تلميذاً داخل المدارس وحولها في المدة الأخيرة، وفي الأيام الأخيرة معدل القتل في المسلمين إحدى عشر قتيلاً يومياً، هذا في الأيام الأخيرة؛ لأن الكلب شارون يريد أكبر عدد من القتلى في المسلمين، وهذه الأمة المسكينة المغلوبة الضعيفة فيها من روح البذل والفداء، وفيها أمثلها، واتصال بالماضي، وفيها بقية من خير نريده أن يتعاظم، فيها بقية خير لا بد أن يكثر ليتحقق النصر، والنماذج التي نراها أدلة واقعية على تحقق النصر لو صدق المسلمون مع الله، وعلى أن الله يسدد عباده، وعلى أن الله يرمي ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧] ويبلغ العدو رصاص المسلمين. عباد الله: لا زلنا مع إخواننا قلباً وقالباً، ونسأل الله تعالى أن ينصرهم على عدوهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يهديهم سبل السلام، ويخرجهم وإيانا من الظلمات إلى النور، وأن يجعلنا من المجاهدين الصادقين العاملين لدينه، الناصرين لشريعته. اللهم ثبت أقدام إخواننا المسلمين، وانصرهم على القوم الكافرين، اللهم ألف بين قلوبهم، وسدد رميتهم، اللهم أيدهم بنصرك وكن معهم ولا تكن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، اللهم أيقظ في قلوب المسلمين الحمية لجهاد اليهود، واجمع كلمة المسلمين على قتال إخوان القردة والخنازير، يا سميع الدعاء! اللهم كن مع إخواننا في الهند يا رب العالمين. اللهم صبرهم على ما أصابهم، اللهم ارزقهم الصبر على مصابهم، اللهم اجبر مصابهم يا رب العالمين! اللهم اخذل أعداء الدين، واجعل بأسهم بينهم يا رب العالمين! اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اللهم احصهم عددا، واقتلهم بددا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 6750

تتمة نواقض الإيمان [١ - ٢] إن الله خلقنا لعبادته، وأمر بتوحيده، وحذر من الوقوع في الشرك بأي شكل من أشكاله، ومع ذلك ترى أناساً في هذه الأمة يأتون بأمور تناقض هذا الدين وتنافي التوحيد، وقد تطرق الشيخ في هذه المادة بشيء من البسط إلى نواقض الإيمان.

стр. 6751

إقامة الحجة في باب التكفير قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء:٩٩]. القسم الثاني: وانظر التقسيم الدقيق لـ ابن القيم ﵀ لقضية أتباع طريقة كفرية ما. أولاً: الجهال بدينهم ثانياً: المتمكن من السؤال وطلب العلم ومعرفة الحق، ولكنه يترك ذلك اشتغالاً بدنياه ورئاسته ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهو مفرط مستحق للوعيد آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى ردت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى قبلت شهادته، ولاحظ ما قاله فلم يقل: عرف الحق ورفض لا. إنما قال: يتمكن من البحث والتعلم، يتمكن عنده كتب، عنده مصادر، عنده مشايخ، عقل، لكنه ترك البحث في الحق وعن الحق وقال: أنا أقلد هذا وأنتهي لماذا ترك البحث والتعلم؟ للاشتغال بالدنيا، وهذا فاسق. القسم الثالث: أن يسأل -انظر كل الكلام عن الأتباع- ويطلب ويتبين له الهدى ويتركه تقليداً أو تعصباً أو بغضاً أو معاداةً لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكون فاسقاً، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل. فمما سبق يتبين لنا إعذار الأئمة لمن وقع في الكفر تقليداً إن كان جاهلاً لا بصيرة له ولا فقه، أما من كان قادراً على فهم الحجة وفرط في طلبها فإنه يأثم، ولكنه لا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه. وقد قلنا سابقاً: إن قيام الحجة مسألة نسبية، وإنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والأمكنة والوسائل، وقلنا: بعض البلدان قد يكون فيها مقرر التوحيد في المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية على جميع الطلاب والطالبات مأخوذ من الكتاب والسنة، قائم على الطريقة السلفية الصحيحة، ومفند للمذاهب الباطلة، مثل مقرر التوحيد الموجود عندنا الآن هنا هذه إذا كان أهل البدع قد درسوها وعرفوا ما فيها وعندهم عقول، فبعض المقررات الدراسية قد تكفي في إقامة الحجة عليهم، بينما بلدان أخرى يمكن أن يقرر عليه الكفر ولا يدري، يقول: هذا هو العقل. وكذلك هناك وسائل -مثلاً- يمكن الآن في الإنترنت إقامة الحجة على أناسٍ في أقصى العالم لا يمكن للإنسان إقامة الحجة عليهم من قبل، أنت الآن ممكن أن تقيم الحجة على شخصٍ ما في نيودلهي أو البرازيل أو الأرجنتين أو أستراليا وفي آخر الدنيا، يمكن أن تقيم عليه الحجة في الإنترنت. إذاً هناك وسائل وأشياء من الممكن أن تستعمل في إقامة الحجة، وقلنا: الدعاة مطلوب منهم جداً قضية الاشتغال بإقامة الحجة؛ لأن الله يريد إقامة الحجة على الناس ﴿لأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥] واشتغال الدعاة بذلك تحقيق مقصد شرعي ومطلب رباني من الأمة أن تقوم بإقامة الحجة على الخلق ويكونوا شهداء على الناس. وبعد أن عرفنا موانع التكفير ندخل الآن في المكفرات (نواقض الإيمان) في الكفر بأنواعه، والشرك بأنواعه، ونتحدث عن هذه القضايا العظيمة.

стр. 6752

من نواقض الإيمان: كفر الجحود والتكذيب كفر الجحود والتكذيب وكذلك الاستحلال أمر معلوم تحريمه من الدين بالضرورة. أما مسألة: كفر الجحود والتكذيب من جهة، والاستحلال والإنكار من جهة أخرى فلعل التفريق بين هذا وهذا ليس بكبير، ولذلك من المحال أن تجد هذا في كلام الأئمة. قال الإمام ابن بطة ﵀: "فكل من ترك شيئاً من الفرائض التي فرضها الله في كتابه أو أكدها رسوله ﷺ في سنته على سبيل الجحود لها والتكذيب بها فهو كافر بين الكفر". وقال القاضي عياض: "وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع وما تواتر، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس". وكذلك يقول ابن قدامة ﵀: "وأما إذا كان الجاحد لها ناشئاً -هذا الكلام على فريضة الصلاة- في الأمصار بين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحودها" لا يقال: عندك علماء عندك عذر. كما أسلفنا وقلنا: إنسان نشأ بين مسلمين، خطباء، وأئمة، وكتيبات، وأشرطة، ومطويات، وإذاعة القرآن الكريم، والدعاة إلى الله يتكلمون، ويدرس التربية الإسلامية في المدارس، ثم يأتي يقول: أنا ليس عندي علم أن الصلوات الخمس واجبة؟ ونقول: معذور بجهله؟ لا يمكن أبداً. على أنه أيضاً -أضيف نقطة- بعض الذين ينشئون في الطبقات في بعض البلدان والمجتمعات ربما لا يمرون على ما يمر عليه غيرهم من عامة الناس من جهة التعرض للعلم والمعلمين، فيمكن أن يكون معزولاً تماماً بمربٍ أو مربية في بيئة محاصرةٍ لا يصل إلى سمعه الدين بالشكل الصحيح، أو بعض تفاصيل الدين بالشكل الصحيح؛ ولذلك قضية إطلاق التكفير قضية اجتهادية، تقول: فلان أقيمت عليه الحجة أو لم تقم عليه الحجة؟ أنت ممكن أن تقول: أقيمت. وأنا ممكن أن أقول: ما أقيمت. أنت ممكن أن تقول: والله وصلت إليه، وغالب الظن أنه سمع، معقول هذا ما سمع؟! وأنا أقول: والله إن كان سمع قد يكون سمع بشكل مشوه، لا نعلم يقيناً أن أحداً ناقشه أو كلمه أو أقام عليه الحجة. وهذا يقول: لا، أكيد الآن في الآفاق العلم منتشر في بعض البلدان، وإن كان قليلاً، فيه نشر كبير واضح للدعوة، أكيد أنه سمع وعرف، وأين يعيش هذا؟ معزول بالمرة؟ لا يصلي الجمعة؟ لا يسمع من الخطباء؟ فالقضية إذن قد يكون فيها خيار في الاجتهاد بالتكفير هل أقيمت الحجة أم لا؟ وهناك قضايا واضحة لا ينبغي النقاش فيها. قال ابن قدامة في مسألة جاحد الصلاة: "وأما إذا كان الجاحد لها ناشئاً في الأمصار وبين أهل العلم فإنه يكفر بمجرد جحوده". ثم قال: "ومن اعتقد حل شيء أُجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير". ما هي الشبهة لو قال شخص عنده شبهة في لحم الخنزير؟ وقد تذكرت رجل عنده شبهة في لحم الخنزير قال لشخص: لحم الخنزير الآن ليس بحرام. قال: نعم! لماذا؟ قال: لحم الخنزير كان حراماً في الماضي؛ لأنه كان يأكل القاذورات، أما الآن فالخنزير أكله نظيف، فليس بحرام. وهذا من الاستهزاء أصلاً، يعني: يصعب أن تقول: إن هذا عنده عذر فعلاً، قاذورات وما قاذورات، أنت أمامك نص: لحم الخنزير حرام، حتى لو يأكل جوافة ودرر. فإذاً: يقول كما قال ابن قدامة ﵀: "وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر". إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.

стр. 6753

الفرق بين التكذيب والجحود لو قال إنسان: ما هو الفرق بين التكذيب والجحود وبين الاستحلال والإنكار؟ فيمكن أن يقال: إن التكذيب أعم من الجحود، إذ الجحود يكون باللسان، والتكذيب يكون بالقلب واللسان والعمل، فيقال: كل جحود تكذيب وليس كل تكذيب جحود، لكن كلها كفر، هذا كفر وهذا كفر، ولكن ليعلم أن ما يقولون من كفر التكذيب وكفر الجحود، قلنا: إن بعض التفريقات فنية، يعني: تسمية اصطلاحات وتقسيمات فنية؛ لتسهيل الفهم وإلا قد تكون النتيجة واحدة، لكن لتسهيل الفهم. قال الشيخ حافظ الحكمي ﵀: أنواع الكفر لا تخرج عن أربعة: كفر جهل وتكذيب، وكفر جحود، وكفر عناد واستكبار، وكفر نفاق. وقال -أيضاً-: وإن انتفى تصديق القلب مع عدم العلم بالحق فكفر الجهل والتكذيب، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩] وإن كتم الحق مع العلم بصدقه، فهذا كفر الجحود والكتمان، قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] والجحود كثيراً ما يقترن بالعناد.

стр. 6754

تعريف كفر الاستحلال وبعد أن عرفنا التكذيب والجحود، فما هو الاستحلال؟ هو: اعتقاد أن الله لم يحرم شيئاً حرمه تعالى، واعتقاد أن الله أباح الشيء الذي حرمه الله عز جل، فهذا إذاً كفر اعتقادي مختص في مخالفة النواهي باستحلالها. ونذكر هنا: أن الإنسان قد يكفر باستحلال الحرام حتى لو لم يعمله، فلو قال: أنا أعتقد أن الزنا حلال وأنا ما زنيت ولا مرة. فنقول: أنت كافر ولو لم تزنِ ولا مرة. وذاك الذي زنا وهو معتقد بتحريم الزنا لا يكفر، وإنما مرتكب كبيرة، مستحق للعذاب لكنه لا يكفر.

стр. 6755

تعريف كفر الإنكار وأما الإنكار فهو يقابل المعرفة كما أن التكذيب يقابل التصديق، وأما كلام الأئمة حول كفر الجاحد والمكذب والمنكر فقد أجمعوا على كفر من أنكر فريضةً من الفرائض الظاهرة المتواترة، أو كذب حكماً من أحكام الله الظاهرة المتواترة، وكلامهم هذا منتشر في كتب العقائد والأحكام. وطرح هذه القضية في هذا الزمان مهم جداً جداً؛ لأن سوق التكذيب والجحود الآن، وسوق استحلال الحرام ومعاندة الله في أحكامه سوق رائجة، وأصبح إعلان الكفر -الآن- على الملأ في الروايات والكتب وغير ذلك أمر مشاهد وهذا شيء كبير وخطير، فلا بد من توضيح قضية أنواع الكفر للناس؛ لأنهم قد يسمعونها صباحاً ومساءً، كالذي ينكر تحريم الربا وغيره من الأحكام، والمسألة الآن مسألة لها أهمية بالغة. قال القاضي عياض ﵀: ونقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقيناً بالنقل المتواتر من فعل الرسول ﷺ ، ووقع الإجماع المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس أو عدد ركعاتها وسجداتها. وقال -أيضاً-: وكذلك من أنكر القرآن أو حرفاً منه أو غيَّر شيئاً منه أو زاد فيه، وكذلك من أنكر شيئاً مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس، وهو صاحب المسلمين، ولم يكن جاهلاً به، ولا قريب عهد بالإسلام، وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة، كافر بإجماع النص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواتراً. وكذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ومن جحد وجوب بعض الواجبات الظاهرة المتواترة أو جحد تحريم بعض المحرمات الظاهرة المتواترة كالفواحش وظلم الخلق والميسر والزنا وغير ذلك، أو جحد حل بعض المباحات الظاهرة المتواترة كالخبز واللحم والنكاح، فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل. إذاً: لو جحد تحريم الزنا أو جحد حل الخبز يكفر. أيها الإخوة: إن القضية ليست قضية أكل الخبز واللحم، يعني: هذه المسألة مسألة مبدأ: أن الله أحل هذا أم لا؟ بغض النظر ما هو الخبز، فإذا جاء إنسان وقال: لا، حرام. هذا معاند، ومكذب لله، الله يقول: حلال. ثم يأتي ويقول: حرام. إذاً: هذا كافر، فليست القضية قضية خبز ولحم، فالقضية قضية المعاندة وإنكار الأحكام الشرعية، والإصرار على مضادة حكم الله ورسوله، وهذا التكذيب يكفر من هذا الباب.

стр. 6756

أنواع كفر الجحود قال ابن القيم ﵀: وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، كأن يقول: كل هذه الشريعة لا تصلح، هذا تخلف، وهذه شريعة زمان مضى، والآن الناس طلعوا القمر وهذه تقال كثيراً، وتجد أصحاب الأدب المعاصر وغيرهم يصرخون: الشريعة موضة قديمة، انتهت. فكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، أو يجحد إرسال الرسول ﷺ ، يجحد السنة كلها والقرآن. والخاص المقيد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته أو صفة مما وصف الله بها نفسه أو خبراً أخبر الله به، عمداً أو تقديماً لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض كأن يأتي إنسان ويختار شيئاً من الإسلام ويقول: هذا أنكره أنا من رأيي. أو يقول: متابعةً للشيخ الفلاني: أو لفلان الفلاني أو لأي غرض من الأغراض. وكفر من استحل المحرمات الظاهرة المتواترة قضية خطيرة جداً كما قال القاضي عياض ﵀: "وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة ". وقال ابن قدامة ﵀: "من اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر" لكن الأئمة وإن قالوا: إن مستحل الكبائر كافر، لم يقصروا التحريم على مستحل الكبائر فقط، بل لو استحل من الصغائر ما تواتر النقل في تحريمه يكفر. ولذلك قال صاحب نهاية المحتاج فيما يوجب الردة: أو كذَّب رسولاً أو أحل محرماً بالإجماع وقد علم تحريمه من الدين بالضرورة، ولم يجز خفاؤه علينا كالزنا واللواط وشرب الخمر، أو نفى مشروعية مجمع على مشروعيته معلوماً ولو نفلاً كالرواتب. إنسان يعرف أن الله شرع الرواتب فليس فيها نقاش فيجحد مشروعيتها يكفر، فالآن لا تنظر قضية كبائر وصغائر، وقضية مستحبات وواجبات، قضية مبدأ: أن الله شرع هذا، شرعه مستحباً أم واجباً وحلله أم حرمه؟ في عبادة أو في قضية خبز ولحم؟ مبدأ المضادة والمعاندة لله. وكصلاة العيد، لو أن إنساناً أنكر صلاة العيد وهو يعلم أنها مستقرة في الشريعة تماماً، ولو كانت صلاة العيد غير واجبة على قول الجمهور يكفر، كما صرح به البغوي. ولا بد أن نعلم أن المتواتر على نوعين: أولاً: ما علمه العامة مع الخاصة كمثل كلمة التوحيد وأركان الإسلام فيكفر جاحده مطلقاً؛ لأنه قد بلغه التنزيل. ثانياً: ما لم يعرف تواتره إلا الخاصة وهناك أحكام في المواريث نقل فيها التواتر، لكن لا يعرفها العامة، فلو أنكرها العامي وهو لا يعلم أنها متواترة فلا بد من التفريق، فقضية التكفير ليست سهلة. وما لم يعرف تواتره إلا الخاصة، فلا يكفر مستحله من العامة؛ لأنه لم يبلغه، وإنما يكفر من استحله وهو يعلم حرمته بالضرورة، مثل: تحريم الصلاة على الحائض إلى غير ذلك من الأمثال الكثيرة فهذا بين التواتر لا يكفي وإنما لا بد أن يكون العامي أو الشخص الذي ينكر يعلم أنه متواتر، ويعلم أنه شيء مستقر في الشريعة، وليس عنده شك أنه مشروع وموجود في الدين، ولذلك أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخاص والعام كالصلاة مثلاً فهذا من أنكرها فهو كافر. لكن لو جاء إنسان وجحد أن بنت الابن تستحق السدس مع البنت، أو جحد تحريم نكاح المعتدة وهو لا يعرف، وهذه مجمع عليها في الشريعة ومتواترة، لكنه أنكرها، فليس بكافر. وخلاصة ما سبق: أن من أنكر أو جحد أو كذب خبراً من الأخبار الظاهرة المتواترة كالإيمان بعذاب القبر أو بوجود الجن -وليس تلبس الجني بالإنسي، فلو قال: الجن ليسوا موجودين، أنا أنكر وجود الجن. معناه أنه مكذب بسورة الجن وبسورة الرحمن وسورة طه، وقد قاله الله -أيضاً- في الأحقاف، إذاً: المسألة أنه يكذب بما قال الله- كالإيمان بعذاب القبر أو بوجود الجن أو برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ونحو ذلك، أو أنكر حكماً من الأحكام الظاهرة المتواترة، سواء كان هذا الحكم واجباً أو محرماً أو مستحباً كقضية الصلاة والزكاة وبقية الأحكام، أو وجوب بر الوالدين، وصلة الأرحام، وما يشبه ذلك، أو تحريم الخمر والسرقة والربا إلى آخره، أو أنكر سنية الوتر أو الأضحية أو السنن الرواتب إلى آخره فإنه يكفر إذا قامت عليه الحجة، ومثله من استحل محرماً من المحرمات الظاهرة المتواترة سواء كان هذا من الصغائر أو من الكبائر كاستحلال الغيبة، واستحلال النظر إلى النساء، ونحو ذاك والله أعلم.

стр. 6757

من نواقض الإيمان: الشك في حكم من أحكام الله أيضاً من المكفرات العظيمة: الشك في حكمٍ من أحكام الله أو خبرٍ من أخباره، فمن شروط لا إله إلا الله: اليقين المنافي للشك. وحديث النبي ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلق الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة) لاحظ قول: (غير شاك فيهما) وحديث أبي هريرة: (اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة). وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٤٥] واضح جداً أن من شروط الإيمان: اليقين وعدم الشك والارتياب. إذاً: الذي يشك في هذا الأمر يكفر، ويناقض لا إله إلا الله. قال ابن القيم ﵀: كفر الشك ألا يجزم بصدقه ولا يكذبه بل يشك في أمره. ونوضح ذلك بمثال: قال القاضي عياض: ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو وقف فيهم -يا أخي! اليهود والنصارى كفار أم لا؟ قال: والله أنا أتوقف- أو وقف فيهم أو شك -يقول: أنا أشك، ولست متأكداً أنهم كفار، فمن دان بملة غير ملة المسلمين أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم -قال: هم على حق ونحن على حق- وإن أظهر مع ذلك الإسلام والشهادتين وصلى وصام وزكى فهو كافر. إذاً: المسألة مسألة خطيرة والقضية مهمة، وقد ذكر شيخ الإسلام حكم من يكفر الكافر سواء كان كافراً أصلياً كاليهود والنصارى، أو ثبت كفره يقيناً كـ الباطنية، فقال في الرد على أهل الحلول والاتحاد، وأقوال هؤلاء، يعني: أهل الحلول والاتحاد يقولون: إن الله حل في كل المخلوقات، كل ما تراه بعينك فهو الله، تعالى الله عن قولهم، قال شيخ الإسلام: "وأقوال هؤلاء -جماعة ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض - وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى" النصارى يقولون بالتثليث، أما هذا فكل شيء عنده هو الله، يعني ملايين الأصوات بل بلايين. إذاً: النصارى أعقل منهم. قال: وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، وبذلك يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى، وبالوحدة تارة، فإنه مذهب متناقض في نفسه، ولهذا يلبسون على من لم يفهمه، فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم، ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كما يشك في كفر اليهود والنصارى أو المشركين. كذلك قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: الثالث: من المكفرات: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعاً، وقال حفيده الشيخ سليمان: فإن كان شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة. قلنا: النصارى يقول الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] فإن قال: أنا لا أستطيع أن أكفر النصارى، أنا متوقف، أنا لا أدري هم كفار أم لا، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر. إذ كيف تشك بكفر الكافر؟ وكذلك فإن الشك في أصول الدين كفر، فلو أن إنساناً قال: أنا أشك في الجنة والنار، أنا أشك في البعث، فقد يكون هناك بعث وقد لا يكون، تصور شخصاً من أبناء المسلمين في جامعة، قال ذات مرة: أنا أصلي احتياطاً. قلت: كيف تصلي احتياطاً؟ قال: إذا صح أن هناك يوماً آخر وهناك حساباً نكون قد صلينا، أي: وإذا لم يصح فما خسرنا شيئاً. هل تعرف ما معنى هذا؟ معناه أن هذا إنسان كافر بالله العظيم، خارج عن ملة الإسلام، لا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا زكاته ولا حجه ولا شيء، وشهادته التي يقولها حبر على ورق، لأنه شك في قضية أصلية هي قضية الدين، شك فيها، وأكثر منه ذلك الأب الذي قام ينصح ولده - له ولد وعلى كلام العامة صار مطوعاً متديناً ومجتهداً في العبادة- قال: يا ولد! قال: نعم يا أبي. قال: لا تتعب نفسك كثيراً، لا تجتهد كثيراً لماذا؟ قال: يمكن يطلع ما في شيء وهذا أكفر من الأول. فلذلك الشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ونحو ذلك، فالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوب الصلاة، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريم الزنا، وهذا كفر بإجماع المسلمين وقد قاله شيخ الإسلام ﵀.

стр. 6758

وسوسة الشيطان بالكفريات مع عدم الاقتناع بها وهنا مسألة دقيقة: لو قال قائل: يا أخي، لا يخلو الإنسان من الوساوس، أي: يأتينا الشيطان ويوسوس لنا ويقول: يمكن الله موجود أو غير موجود واليوم الآخر وهكذا فهل نحن كفار وخارجون عن الملة؟ فنقول: فرق بين الشك المنافي لليقين وبين الوسوسة، فالوسوسة مما يهجم على الإنسان بغير اختياره، فإذا كرهها ونفاها كان ذلك صريح الإيمان عنده، فلو جاءك الشيطان وقال لك يمكن يوجد ويمكن لا. وتقول: والله لئن ألقى من جبل ولا أن أقول الشيء الذي يوسوس به الشيطان، أنا كاره، يوسوس لي بأشياء أعوذ بالله، أشياء فظيعة. معناه: أنت كاره لهذه الوسوسة. إذاً: ما عليك شيء، وبالعكس هذا صريح الإيمان، اطمئن، لكن الذي يشك بدون وسوسة، هكذا عقيدته يقول: أنا أعتقد أن هذا غير موجود ويمكن أن يكون موجوداً، هذا إنسان عنده شك في قلبه، ولذلك لو وسوس الشيطان فكره ذلك فليس عليه شيء إطلاقاً، وأما إذا استكان لوسوسة الشيطان وصدقها وبنى عليها فقد كفر. إذاً: المسألة الآن لا تحتاج إلى قضية قلق وإزعاج؛ لأن بعض الناس يأتيهم من هذه القضية فيعتبر نفسه كافراً، وهذا لا يجوز، اطمئن، ما دمت موقناً بالله وأنه الخالق الرازق المحيي والمميت، ويجب عبادته وحده لا شريك له، موقناً بالجنة وأن الله خلقها من زمان، وأن الله خلق النار من زمان، وأن البعث والجنة حق والنار حق والحساب حق وعذاب القبر حق والساعة آتية وأن الله يبعث من في القبور، ما دمت جازماً بهذا فلا يضرك لو أن الشيطان جاء وألقى لك بعض الأفكار الخبيثة التي أنت تقاومها وتكرهها وتطردها، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان وتتفل عن يسارك ثلاث مرات، فهذه لا تضرك إن شاء الله.

стр. 6759

من نواقض الإيمان: الشرك في الربوبية ومن نواقض الإيمان -أيها الإخوة- ولا شك: الشرك بالله ، ومن ذلك الشرك في الربوبية وهو أن يوصف أحد من الخلق بأي صفة من صفات الله الذاتية أو الفعلية المختصة به كالخلق أو الرزق أو علم الغيب أو التصرف في الكون، حتى ولو أثبت هذه الصفات لله، فلو قال: الله يعلم الغيب وفلان يعلم الغيب مثلاً؛ فإن ذلك يعتبر من المخالفة للتوحيد مخالفة أساسية ناقضة للإيمان، وهذا الشرك يكثر لدى الفرق المنحرفة كغلاة الصوفية والباطنية حيث يعتقد أهل الرفض مثلاً في أئمتهم المعصومين الاثني عشر بزعمهم أنهم يعلمون الغيب، وتخضع لهم ذرات الكون ونحو ذلك. وهذا ولا شك شرك في الربوبية، فمن اعتقد أن الأئمة يعلمون الغيب فهو مشرك كافر خارج عن الملة، ونوع الشرك بالتحديد والتوصيف شرك في الربوبية.

стр. 6760

الشرك في الخلق والرزق وأما شرك الخلق والرزق فيقر به عامة الصوفية، وكذلك المشركون الأوائل يعتقدون بأن الله هو الخالق الرازق لكن يدعون ويستغيثون بالأولياء من دون الله؛ لزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ولذلك اقتصر مفهومهم بالشرك باعتقادهم أن الأولياء يخلقون أو يرزقون من دون الله، أو باعتقاد تصرفهم في الخلق باستقلالهم.
следующие страницы →