← Джавами‘

Джавами‘ · id 7704

دروس للشيخ محمد المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (7 040 стр.). Показаны 6756–6795 · переход к 6761.

стр. 6756

أنواع كفر الجحود قال ابن القيم ﵀: وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، كأن يقول: كل هذه الشريعة لا تصلح، هذا تخلف، وهذه شريعة زمان مضى، والآن الناس طلعوا القمر وهذه تقال كثيراً، وتجد أصحاب الأدب المعاصر وغيرهم يصرخون: الشريعة موضة قديمة، انتهت. فكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله، أو يجحد إرسال الرسول ﷺ ، يجحد السنة كلها والقرآن. والخاص المقيد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام أو تحريم محرم من محرماته أو صفة مما وصف الله بها نفسه أو خبراً أخبر الله به، عمداً أو تقديماً لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض كأن يأتي إنسان ويختار شيئاً من الإسلام ويقول: هذا أنكره أنا من رأيي. أو يقول: متابعةً للشيخ الفلاني: أو لفلان الفلاني أو لأي غرض من الأغراض. وكفر من استحل المحرمات الظاهرة المتواترة قضية خطيرة جداً كما قال القاضي عياض ﵀: "وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة ". وقال ابن قدامة ﵀: "من اعتقد حل شيء أجمع على تحريمه، وظهر حكمه بين المسلمين، وزالت الشبهة فيه للنصوص الواردة فيه كلحم الخنزير والزنا وأشباه هذا مما لا خلاف فيه كفر" لكن الأئمة وإن قالوا: إن مستحل الكبائر كافر، لم يقصروا التحريم على مستحل الكبائر فقط، بل لو استحل من الصغائر ما تواتر النقل في تحريمه يكفر. ولذلك قال صاحب نهاية المحتاج فيما يوجب الردة: أو كذَّب رسولاً أو أحل محرماً بالإجماع وقد علم تحريمه من الدين بالضرورة، ولم يجز خفاؤه علينا كالزنا واللواط وشرب الخمر، أو نفى مشروعية مجمع على مشروعيته معلوماً ولو نفلاً كالرواتب. إنسان يعرف أن الله شرع الرواتب فليس فيها نقاش فيجحد مشروعيتها يكفر، فالآن لا تنظر قضية كبائر وصغائر، وقضية مستحبات وواجبات، قضية مبدأ: أن الله شرع هذا، شرعه مستحباً أم واجباً وحلله أم حرمه؟ في عبادة أو في قضية خبز ولحم؟ مبدأ المضادة والمعاندة لله. وكصلاة العيد، لو أن إنساناً أنكر صلاة العيد وهو يعلم أنها مستقرة في الشريعة تماماً، ولو كانت صلاة العيد غير واجبة على قول الجمهور يكفر، كما صرح به البغوي. ولا بد أن نعلم أن المتواتر على نوعين: أولاً: ما علمه العامة مع الخاصة كمثل كلمة التوحيد وأركان الإسلام فيكفر جاحده مطلقاً؛ لأنه قد بلغه التنزيل. ثانياً: ما لم يعرف تواتره إلا الخاصة وهناك أحكام في المواريث نقل فيها التواتر، لكن لا يعرفها العامة، فلو أنكرها العامي وهو لا يعلم أنها متواترة فلا بد من التفريق، فقضية التكفير ليست سهلة. وما لم يعرف تواتره إلا الخاصة، فلا يكفر مستحله من العامة؛ لأنه لم يبلغه، وإنما يكفر من استحله وهو يعلم حرمته بالضرورة، مثل: تحريم الصلاة على الحائض إلى غير ذلك من الأمثال الكثيرة فهذا بين التواتر لا يكفي وإنما لا بد أن يكون العامي أو الشخص الذي ينكر يعلم أنه متواتر، ويعلم أنه شيء مستقر في الشريعة، وليس عنده شك أنه مشروع وموجود في الدين، ولذلك أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخاص والعام كالصلاة مثلاً فهذا من أنكرها فهو كافر. لكن لو جاء إنسان وجحد أن بنت الابن تستحق السدس مع البنت، أو جحد تحريم نكاح المعتدة وهو لا يعرف، وهذه مجمع عليها في الشريعة ومتواترة، لكنه أنكرها، فليس بكافر. وخلاصة ما سبق: أن من أنكر أو جحد أو كذب خبراً من الأخبار الظاهرة المتواترة كالإيمان بعذاب القبر أو بوجود الجن -وليس تلبس الجني بالإنسي، فلو قال: الجن ليسوا موجودين، أنا أنكر وجود الجن. معناه أنه مكذب بسورة الجن وبسورة الرحمن وسورة طه، وقد قاله الله -أيضاً- في الأحقاف، إذاً: المسألة أنه يكذب بما قال الله- كالإيمان بعذاب القبر أو بوجود الجن أو برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ونحو ذلك، أو أنكر حكماً من الأحكام الظاهرة المتواترة، سواء كان هذا الحكم واجباً أو محرماً أو مستحباً كقضية الصلاة والزكاة وبقية الأحكام، أو وجوب بر الوالدين، وصلة الأرحام، وما يشبه ذلك، أو تحريم الخمر والسرقة والربا إلى آخره، أو أنكر سنية الوتر أو الأضحية أو السنن الرواتب إلى آخره فإنه يكفر إذا قامت عليه الحجة، ومثله من استحل محرماً من المحرمات الظاهرة المتواترة سواء كان هذا من الصغائر أو من الكبائر كاستحلال الغيبة، واستحلال النظر إلى النساء، ونحو ذاك والله أعلم.

стр. 6757

من نواقض الإيمان: الشك في حكم من أحكام الله أيضاً من المكفرات العظيمة: الشك في حكمٍ من أحكام الله أو خبرٍ من أخباره، فمن شروط لا إله إلا الله: اليقين المنافي للشك. وحديث النبي ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلق الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة) لاحظ قول: (غير شاك فيهما) وحديث أبي هريرة: (اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة). وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات:١٥]. وقوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:٤٥] واضح جداً أن من شروط الإيمان: اليقين وعدم الشك والارتياب. إذاً: الذي يشك في هذا الأمر يكفر، ويناقض لا إله إلا الله. قال ابن القيم ﵀: كفر الشك ألا يجزم بصدقه ولا يكذبه بل يشك في أمره. ونوضح ذلك بمثال: قال القاضي عياض: ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو وقف فيهم -يا أخي! اليهود والنصارى كفار أم لا؟ قال: والله أنا أتوقف- أو وقف فيهم أو شك -يقول: أنا أشك، ولست متأكداً أنهم كفار، فمن دان بملة غير ملة المسلمين أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم -قال: هم على حق ونحن على حق- وإن أظهر مع ذلك الإسلام والشهادتين وصلى وصام وزكى فهو كافر. إذاً: المسألة مسألة خطيرة والقضية مهمة، وقد ذكر شيخ الإسلام حكم من يكفر الكافر سواء كان كافراً أصلياً كاليهود والنصارى، أو ثبت كفره يقيناً كـ الباطنية، فقال في الرد على أهل الحلول والاتحاد، وأقوال هؤلاء، يعني: أهل الحلول والاتحاد يقولون: إن الله حل في كل المخلوقات، كل ما تراه بعينك فهو الله، تعالى الله عن قولهم، قال شيخ الإسلام: "وأقوال هؤلاء -جماعة ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض - وأقوال هؤلاء شر من أقوال النصارى" النصارى يقولون بالتثليث، أما هذا فكل شيء عنده هو الله، يعني ملايين الأصوات بل بلايين. إذاً: النصارى أعقل منهم. قال: وفيها من التناقض من جنس ما في أقوال النصارى، وبذلك يقولون بالحلول تارة، وبالاتحاد أخرى، وبالوحدة تارة، فإنه مذهب متناقض في نفسه، ولهذا يلبسون على من لم يفهمه، فهذا كله كفر باطناً وظاهراً بإجماع كل مسلم، ومن شك في كفر هؤلاء بعد معرفة قولهم، ومعرفة دين الإسلام فهو كافر كما يشك في كفر اليهود والنصارى أو المشركين. كذلك قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀: الثالث: من المكفرات: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعاً، وقال حفيده الشيخ سليمان: فإن كان شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة. قلنا: النصارى يقول الله عنهم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] فإن قال: أنا لا أستطيع أن أكفر النصارى، أنا متوقف، أنا لا أدري هم كفار أم لا، فإن شك بعد ذلك وتردد فإنه بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكفار فهو كافر. إذ كيف تشك بكفر الكافر؟ وكذلك فإن الشك في أصول الدين كفر، فلو أن إنساناً قال: أنا أشك في الجنة والنار، أنا أشك في البعث، فقد يكون هناك بعث وقد لا يكون، تصور شخصاً من أبناء المسلمين في جامعة، قال ذات مرة: أنا أصلي احتياطاً. قلت: كيف تصلي احتياطاً؟ قال: إذا صح أن هناك يوماً آخر وهناك حساباً نكون قد صلينا، أي: وإذا لم يصح فما خسرنا شيئاً. هل تعرف ما معنى هذا؟ معناه أن هذا إنسان كافر بالله العظيم، خارج عن ملة الإسلام، لا تنفعه صلاته ولا صيامه ولا زكاته ولا حجه ولا شيء، وشهادته التي يقولها حبر على ورق، لأنه شك في قضية أصلية هي قضية الدين، شك فيها، وأكثر منه ذلك الأب الذي قام ينصح ولده - له ولد وعلى كلام العامة صار مطوعاً متديناً ومجتهداً في العبادة- قال: يا ولد! قال: نعم يا أبي. قال: لا تتعب نفسك كثيراً، لا تجتهد كثيراً لماذا؟ قال: يمكن يطلع ما في شيء وهذا أكفر من الأول. فلذلك الشك هو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول ﷺ ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه ونحو ذلك، فالذي لا يعتقد وجوب الصلاة ولا عدم وجوب الصلاة، أو لا يعتقد تحريم الزنا ولا عدم تحريم الزنا، وهذا كفر بإجماع المسلمين وقد قاله شيخ الإسلام ﵀.

стр. 6758

وسوسة الشيطان بالكفريات مع عدم الاقتناع بها وهنا مسألة دقيقة: لو قال قائل: يا أخي، لا يخلو الإنسان من الوساوس، أي: يأتينا الشيطان ويوسوس لنا ويقول: يمكن الله موجود أو غير موجود واليوم الآخر وهكذا فهل نحن كفار وخارجون عن الملة؟ فنقول: فرق بين الشك المنافي لليقين وبين الوسوسة، فالوسوسة مما يهجم على الإنسان بغير اختياره، فإذا كرهها ونفاها كان ذلك صريح الإيمان عنده، فلو جاءك الشيطان وقال لك يمكن يوجد ويمكن لا. وتقول: والله لئن ألقى من جبل ولا أن أقول الشيء الذي يوسوس به الشيطان، أنا كاره، يوسوس لي بأشياء أعوذ بالله، أشياء فظيعة. معناه: أنت كاره لهذه الوسوسة. إذاً: ما عليك شيء، وبالعكس هذا صريح الإيمان، اطمئن، لكن الذي يشك بدون وسوسة، هكذا عقيدته يقول: أنا أعتقد أن هذا غير موجود ويمكن أن يكون موجوداً، هذا إنسان عنده شك في قلبه، ولذلك لو وسوس الشيطان فكره ذلك فليس عليه شيء إطلاقاً، وأما إذا استكان لوسوسة الشيطان وصدقها وبنى عليها فقد كفر. إذاً: المسألة الآن لا تحتاج إلى قضية قلق وإزعاج؛ لأن بعض الناس يأتيهم من هذه القضية فيعتبر نفسه كافراً، وهذا لا يجوز، اطمئن، ما دمت موقناً بالله وأنه الخالق الرازق المحيي والمميت، ويجب عبادته وحده لا شريك له، موقناً بالجنة وأن الله خلقها من زمان، وأن الله خلق النار من زمان، وأن البعث والجنة حق والنار حق والحساب حق وعذاب القبر حق والساعة آتية وأن الله يبعث من في القبور، ما دمت جازماً بهذا فلا يضرك لو أن الشيطان جاء وألقى لك بعض الأفكار الخبيثة التي أنت تقاومها وتكرهها وتطردها، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان وتتفل عن يسارك ثلاث مرات، فهذه لا تضرك إن شاء الله.

стр. 6759

من نواقض الإيمان: الشرك في الربوبية ومن نواقض الإيمان -أيها الإخوة- ولا شك: الشرك بالله ، ومن ذلك الشرك في الربوبية وهو أن يوصف أحد من الخلق بأي صفة من صفات الله الذاتية أو الفعلية المختصة به كالخلق أو الرزق أو علم الغيب أو التصرف في الكون، حتى ولو أثبت هذه الصفات لله، فلو قال: الله يعلم الغيب وفلان يعلم الغيب مثلاً؛ فإن ذلك يعتبر من المخالفة للتوحيد مخالفة أساسية ناقضة للإيمان، وهذا الشرك يكثر لدى الفرق المنحرفة كغلاة الصوفية والباطنية حيث يعتقد أهل الرفض مثلاً في أئمتهم المعصومين الاثني عشر بزعمهم أنهم يعلمون الغيب، وتخضع لهم ذرات الكون ونحو ذلك. وهذا ولا شك شرك في الربوبية، فمن اعتقد أن الأئمة يعلمون الغيب فهو مشرك كافر خارج عن الملة، ونوع الشرك بالتحديد والتوصيف شرك في الربوبية.

стр. 6760

الشرك في الخلق والرزق وأما شرك الخلق والرزق فيقر به عامة الصوفية، وكذلك المشركون الأوائل يعتقدون بأن الله هو الخالق الرازق لكن يدعون ويستغيثون بالأولياء من دون الله؛ لزعمهم أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ولذلك اقتصر مفهومهم بالشرك باعتقادهم أن الأولياء يخلقون أو يرزقون من دون الله، أو باعتقاد تصرفهم في الخلق باستقلالهم.

стр. 6761

الشرك في علم الله ومن الشرك في الربوبية -أيضاً- الشرك في العلم، بأن يعتقد أن بعض الناس يعلمون مثل علم الله أو يشاركون الله في العلم الذي هو مختص به كما جاء في كتاب المجالس المؤيدية قال -وهذا في عقيدة الإسماعيلية، والمؤلف هبة الله الشيرازي - يقول: الأئمة يعلمون من أمر المبدأ والمعاد ما حجبه الله عن كافة العباد. وكذلك يقول الكليني في الكافي وهو من أهل الرفض وفيه تدليل على أن القوم مشركون شرك الربوبية في قضية علم الله، يقول وقد نسب الكلام إلى جعفر الصادق، وجعفر الصادق من أئمة أهل السنة وهو بريء من هذا الكلام، يقول: إن جعفراً قال: ورب الكعبة، ورب البيت لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما؛ ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأن موسى والخضر ﵉ أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثةً! وينسبون إلى الحسن بن علي ﵁ أنه قال: إنا نعلم المكنون والمخزون والمكتوم الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل غير محمد وذريته. وهذه الفكرة -أيضاً- موجودة عند الصوفية الغلاة، ولذلك بينهم وبين أهل الرفض قرابة المذهب، أولاد عم في الأفكار والمعتقدات. وهذا عبد الكريم الجيلي الصوفي صاحب كتاب " الإنسان الكامل " يزعم أنه كشف له عن حقائق الأمور من الأزل إلى الأبد، وأنه رأى جميع الأنبياء والمرسلين والملائكة. وهذا الشعراني صاحب الطبقات الكبرى ينقل عن شيخه الخواص أنه كان يعلم ما يكتب في اللوح المحفوظ ساعة فساعة. ومما قاله المتصوفة: وينبغي لمن يريد: أن يعلم أو أن يعتقد بشيخه أنه يرى أحواله كلها كما يرى الأشياء في الزجاجة، وهذا الكلام في كتب التيجانية مثل كتاب " رماح حزب الرحيم في نحور حزب الرجيم ". وكذلك فإن أهل السنة والجماعة يعتقدون أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهذا واضح من خلال الآيات: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود:١٢٣]. ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦] ما الفرق بين غيب السماوات والأرض له وبين له غيب السماوات والأرض؟ التخصيص، له غيب السماوات والأرض اختص به : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠] وأولئك يقولون: ورثناها وراثة عنه، عن محمد ﷺ ! كذباً، ينسبون إلى الأئمة الكذب على النبي ﷺ أنهم ورثوه منه وراثة: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] والنبي ﵊ قال: (مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله) لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في الغيب إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله. وكذلك لما قال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ [الجن:٢٦] قال عن نفسه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧] فإذاً: هذا بين أن الله جعله خاصاً مختصاً بعلم الغيب، وأنه إذا أطلع رسولاً على شيء من الغيب لحكمة، مثلما أطلع الرسول ﷺ مثلاً على بعض ما يكون عند قيام الساعة، فحدثنا به ﵊ فيما يعرف بأشراط الساعة، وأطلعه على صنف محدود على شيء معين ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧] فيطلعه على أمرٍ معين وليس على كل شيء: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١٠٩] وقال عن نبيه: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠]. فإذاً: من ادعى علم الغيب لنفسه أو لغيره فهو كافر مكذب بالقرآن، وقد قال الله لنبيه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩] فهذه الأخبار قد جاءت في القرآن الكريم بهذا عن سائر الأنبياء، وأن إبراهيم ﵇ لم يعلم بأنه يولد له ولد من زوجته سارة إلا بعد أن جاءته الملائكة في صورة بشر فلم يعرفهم، فذبح لهم عجلاً، ولم يكن يعرف مقصدهم حتى أخبروه أنهم يريدون أن يذهبوا لتدمير قرية قوم لوط، ولما جاءوا لوطاً ساءه ذلك ولم يعلم حق هؤلاء، وظن أنه قد ابتلي بهؤلاء الأضياف وكيف يدافع عنهم، ثم ما عرف الحقيقة إلا بعد أن أخبروه أنهم ملائكة، وأنهم جاءوا لإنجائه وإنجاء أهله من قومه. إذاً: هو المختص بعلم الغيب ، ولو قيل: إنه قال: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٧] فنقول: هذه في أمورٍ معينة، عند الله تعالى علم الغيب وحده، وبيده طرق الغيب لا يملكها إلا هو، فإذا شاء إطلاع أحد من خلقه من الرسل مثلاً على شيء من الغيب أطلعه عليه كأشراط الساعة، وأن بعض الصحابة في الجنة، وأحوال بعض أهل النار وأهل الجنة كما أطلعه عليها وقال: (رأيت صاحبة الهرة التي حبست هرتها في النار) أخبرنا بأمور من الغيب عن ربه . وأما بالنسبة للغيب فكل ما غاب عنك فهو غيب، فقد يكون في الماضي وقد يكون في الحاضر، مثل أشياء -الآن- في قاع المحيطات، وقد يكون في المستقبل، وهو الذي لا يعلمه إلا الله، فالماضي قد يعلمه بعض الناس، والحاضر يعلمه بعض الناس، ولذلك قضية الغيب للماضي والحاضر قضية نسبية، فبعض الناس يعلمون أشياء لا يعلمها آخرون من أخبار الماضي أو من أخبار الحاضر، أما المستقبل فلا يعلمه إلا الله . ولذلك لا بد من تمييز هذه القضايا لئلا يتسرع بعض سيئي الحكم على أشخاص آخرين بالكفر دون أن يكون هناك بنية شرعية؛ ولذلك الإمام ابن العربي المالكي ﵀ لما علق على قضية مقامات الغيب للخلق التي لا يعلمها إلا الله، وأنه قد تفرد بعلمها، وأن من قال: إنه يعلم ما في الأرحام فهو كافر. وعلم ما في الأرحام يشمل أنه يعلم هل هو شقي أو سعيد، ويعلم عمله ومتى يولد، وكم يوم بالضبط، هل يجهض؟ هل يموت؟ هل يولد ناقصاً أم يكمل المدة أو أنه لا يكمل المدة، أو يسقط جنيناً قبل أن يكتمل؟ كل ذلك لا يعلمه على الحقيقة إلا الله. وبقيت قضايا معينة: مثلاً: هل هو ذكر أو أنثى مثلاً؟ هذه المسألة إذا كان فيها تجربة وقال الإنسان فيها بخبرته وتجربته، قال: من خبرتي وتجربتي أنها تحمل ذكراً. فإن كان لهذا سبب واضح فلا نقول: هذا كافر يقول ابن العربي ﵀: والتجربة منها أن يقول الطبيب إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، وإن كان ذلك في الثدي الأيسر -أي: مسود الحلمة- فهو أنثى، المهم عند بعض الأطباء تجربة وقد تكون صحيحة وقد تكون خطأ، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فهو ذكر، وإن وجدت الجنب الأيسر أثقل فهو أنثى، فإذا ادعى أن هذه عادة وردت له من خلال تجربته، قال: لم نكفره ولم نفسقه، وأما من ادعى العلم في مستقبل العمر فهو كافر. وكذلك الآن لو صورناه في الآلات بعد عمر معين ورأينا كذا لا يقال: هذا كافر؛ لأنه لا يخبر عن المستقبل إلا الله فإنه يخبر عما يراه بالأجهزة الآن، ثم قد يكون صادقاً وقد لا يكون، وقد حدث أن أخبروا رجلاً أن زوجته ستضع أنثى فذهب واشترى ملابس أنثى، ويوم ولدت جاء ذكراً، وكل الملابس التي اشتراها أصبحت لا تفيده. إذاً: حتى هذه القضية ليس بالضرورة أنهم يخبرون بها على الوجه الدقيق، قد يخطئون وقد يقولون: لاف رجل على رجل، لم نعرف ما هو. هذا عند الذين يصورون بجهاز الموجات. قال صديق حسن خان ﵀: فمن اعتقد في نبي أو ولي أو جن أو إمام أو ولد الإمام أو شيخ أو شهيد أو منجم أو رمال أو جفار أو فاتح فأل أو برهم أو خبيث أن له مثل هذا العلم وهو يعلم الغيب فهو مشرك بالله، وعقيدته من أبطل الباطلات وأكذب المكذوبات. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: والمقصود من هذا أن يدعي معرفة علم الشيء من المغيبات، فهو إما داخل في حكم الكاهن وإما مشارك له في المعنى فيلحق به.

стр. 6762

الشرك في التصرف هناك أيضاً مما يخرج من الملة وينقض الإيمان وينافي توحيد الربوبية منافاةً أساسية قضية الشرك في التصرف: الشرك في التصرف من ضمن ما تقول به بعض الفرق كـ الباطنية وتأليههم لبعض الأشخاص، فيؤوله بعض فرق الباطنية علي بن أبي طالب ﵁، وكذلك يؤلهون الحاكم بأمره، وهؤلاء لهم غلوٌ ظاهر، فمثلاً يعتقد بعض الباطنية أن الله يحل في الأشخاص، وأن آخر حلول له كان في علي بن أبي طالب، ذهبوا إلى ما يشبه عقيدة التثليث عند النصارى، إذ أنهم ألفوا ثالوثاً يتكون من علي ومحمد وسلمان الفارسي، ويزعمون أن العلاقة بين أطراف هذا الثالوث علاقة إيجاد، فـ علي خلق محمداً، ومحمد خلق سلمان، وسلمان خلق الأيتام الخمسة، وهم: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وعثمان بن مظعون، وعبد الله بن رواحة، وقنبر بن كادان مولى علي ﵁ وأنه أوكل لهؤلاء الخمسة -الأيتام الخمسة- مسئولية الكون والتصرف فيه وتصريف أموره، فـ المقداد إليه الرعد والصواعق والزلازل، وأبو ذر موكل إليه الرياح وقبض أرواح البشر، وقنبر موكل إليه نفخ الأرواح في الأجسام، وعلي بن أبي طالب وسلمان والأيتام الخمسة يتفردون بتصريف أمور الكون من الخلق والموت والحياة وهذا من أخص صفات الربوبية. فإذاً: من يعتقد هذا فلا شك أنه كافر كفراً أكبر. كذلك تقدم أن الإمامية الاثنا عشرية ينسبون إلى علي بن أبي طالب ﵁ من رواية جعفر بن محمد قوله: انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاة ومنا مكنون العلم، وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج. وكذلك ينسبون إليه أنه قال: انظر الاعتقاد هذا الذي يقول: كيف يكفر؟ يكفر وإذا كان هناك أكثر من الكفر شيء فهو من صاحبه. يزعمون أن علياً قال عن الأئمة: ونحن الذين بنا تمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذننا، وبنا تمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث وتنشر الرحمة. وكذلك قالوا: إن لأئمتنا درجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات الكون. وهذا شرك في الربوبية. وكذلك المتصوفة جعلوا بعض أئمتهم أو الولي عندهم أو الغوث الأعظم مساوياً لله في بعض صفاته، يرون مثلاً: أن الولي الفلاني يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويتصرف في الكون، ولهم تقسيمات لهذه الولاية، فالولي: يعني الولاية، والولي طبقات وأنواع: فهناك الغوث المتحكم في كل شيء في العالم، والأقطاب الأربعة الذين يمسكون الأركان الأربعة في العالم بأمر الغوث، والأبدان السبعة الذين يتحكم كل واحد منهم في قارة من القارات السبع -جيد عندهم علم في الجغرافيا- وكذلك النجباء كل واحد منهم يتصرف في ناحية تتحكم في مصير الخلق، بل يزعم بعض المتصوفة أن من كرامات أوليائهم أنهم يحيون الموتى، وأن أحمد البدوي جاءته امرأة تستغيث بولدها الذي مات، فمد البدوي يده ودعا له فأحياه الله تعالى، ويزعمون أن البدوي يميت من يتعرض له من الأحياء كما فعل مع معارضيه في العراق، فقال لهم: موتوا. فوقعوا على الأرض قتلى. ثم قال: قوموا بإذن من يحيي الأموات ويميت الأحياء. فقاموا.

стр. 6763

الاعتقاد بالأنواء والكواكب ومما يدخل تحت دعوى تصرف المخلوقات بشئون الكون من دون الله: ما يدعيه أهل الجاهلية ومن تبعهم من الاعتقاد بالأنواء والنجوم والكواكب، وأنها تنشئ السحاب وتنزل الغيث، وأن هذه النجوم لها تأثير مباشر على الحوادث الأرضية، وأن بسببها يموت فلان ويحيا فلان، ويحدث كذا، وتقوم حرب وهكذا، فهؤلاء أيضاً مشركون شرك الربوبية. أما أهل السنة والجماعة -المسلمون- يعتقدون أن الله مختص بهذه الأشياء، وأن النفع والضر، والخير والشر والخلق والرزق والإحياء والإماتة، والتصرف في شئون العالم كله بقضائه وقدره ومشيئته وأمره ، وأنه يأمر ملائكته بالأوامر المختلفة فينفذون، وقال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقال : ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ [الجن:٢١] ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦] وقال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] ما لهم نصيب ولا مشاركة ولا تصرف، والحديث: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) وحديث: (وإن اجتمع الخلق على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد قدره الله لك) وكذلك في الضر، قال عن نفسه: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر﴾ [الأعراف:٥٤] . فإذاً: ليس لأحد من مخلوقاته شيء ما بوجه من الوجوه من ناحية التدبير والتصريف، فالكل تحت ملكه سبحانه وقهره إماتةً وخلقاً ورزقاً وغير ذلك، ونحن نعرف حديث النبي ﷺ لما قال بعض الناس على إثر سماء أمطرت: مطرنا بنوء كذا. فنقل لنا عن ربه حديثاً قدسياً: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) رواه البخاري.

стр. 6764

من نواقض الإيمان: الشرك في الألوهية وكما أن هناك شركاً في الربوبية فهناك شرك في الألوهية، على هذا قاتلت الأنبياء، فاعتقاد ألوهية غير الله يناقض قول القلب، وينقل صاحبه من الإسلام إلى الكفر، وصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله شرك في الألوهية، وابن القيم رحمة الله عليه عند كلامه عن الشرك، قال: الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وأفعاله، وهذا شرك الربوبية، وشرك في عبادته ومعاملته، وهذا شرك الألوهية، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، والشرك الأول -وهو الشرك الذي يتعلق بالمعبود في ذاته وصفاته- نوعان: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك كشرك فرعون، قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] لا يوجد: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]. والنوع الثاني: شرك من جعل معه إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته، ما عطلها تعطيلاً كما يفعل الملاحدة والجاحدون لله كفرعون، لكن يشركون معه كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهاً وأمه إلهاً، وكذلك شرك المجوس الذين يسندون حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة، وكذلك شرك القدرية الذين يقولون: كل يخلق أفعاله بنفسه، الله لا يخلق أفعال العباد، من الذي يخلقها؟ قالوا: كل شخص يخلق أفعاله بنفسه، فهؤلاء مشركون أيضاً بالربوبية. كذلك مشركو الصابئة الذين يشركون بالكواكب العلويات، وأن لها أشياء في التدبير، فهؤلاء مشركون شركاً أكبر في الربوبية. النوع الثاني: شرك الألوهية الذي يتعلق بالعبادة، وهو صرف العبادة لغير الله تعالى. وقلنا سابقاً: إن أكثر البشر لم ينكروا توحيد الربوبية -أي: أنكروا وجود الله- لكن أشركوا معه غيره. قال شيخ الإسلام ﵀: ولم نعلم أن أحداً من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح بن مريم شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، لكن أين حصل الشرك؟ في الألوهية، أكثر الشرك حصل في الألوهية، ولكن ينبغي أن نعلم أن هناك شركاً في الربوبية ضربنا له أمثلة حتى لا يعلم فقط أن القضية في صرف سجود أو نذر أو خوف أو رجاء لا، والمسألة فيها حتى في الربوبية أنواع من الشرك.

стр. 6765

من نواقض الإيمان: كفر الإعراض هناك أنواع أخرى من نواقض الإيمان تنافي عمل القلب، أي: هناك أشياء تنافي قول القلب وأشياء تنافي عمل القلب، فمثلاً: كفر الإعراض: هو الإعراض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعمل به، فما هو الإعراض؟ الإعراض عن الشيء: الصد عنه: (ثم أعرض عنها) أي: تركها، ترك القبول، وقد ذكر الله الإعراض في آيات كثيرة من كتابه: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف:٣]. وكفر الإعراض له مظاهر، فقد يكون أحياناً عدم الاستماع لأوامر الله وعدم المبالاة بها وعدم التفكر فيها وهو الغالب، فغالب كفر الإعراض أنه لا يسمع للشريعة أبداً، يقول: الدين على جنب، أو أبسط كلمة يقول: دع الدين على جنب. أي مناقشة في أي قضية اقتصادية أو حياتية أو اجتماعية، قال: دع الدين على جنب. وهذا إعراض واضح يمارسه بعض العامة: لا يدخل الدين في حياتنا ولا في عاداتنا، وكأن الدين هذا لأهل السماوات ولا ندري نحن أهل الأرض ما لنا منه؟! ثانياً: يأتي الإعراض بمعنى عدم القبول، فشيء عدم الاستماع وعدم المبالاة وشيء عدم القبول. ويأتي بمعنى الامتناع والتولي عن الطاعة، وهذا يكون بعد الاستماع والقبول لكن يقول: لا يطيع ولا يفعل، ولذلك يأتي الإعراض -أيضاً- بمعنى ترك العمل بالكلية، وكذلك يأتي بمعنى الصدود وأيضاً ترك التحاكم إلى الله. فإذاً: شيء يتعلق بالعلم وهو قول القلب من عدم الاستماع وعدم المبالاة، وشيء يتعلق بعدم العمل -أي: عمل القلب والجوارح- مثل عدم القبول وعدم الاستسلام، وهذا منافٍ لعمل القلب، ألَّا يعمل بالدين نهائياً ولا بشيء من الدين هذا ترك لعمل الجوارح وهذا كله إعراض.

стр. 6766

الإعراض المكفر والإعراض غير المكفر ينبغي أن نفرق في مسألة الإعراض المكفر والإعراض غير المكفر؛ لأن بعض الناس يعرضون عن مسألتين: عن أشياء معينة يتولون عنها، لا يعملون بها، هل هؤلاء كفار؟ من الكافر؟ من يكفر في الإعراض؟ عرفه ابن القيم فقال: أما كفر الإعراض كأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول ﷺ لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه -إهمال- ولا يصغي إلى ما جاء به ألبتة. وفي موضع آخر قال: العذاب يستحق بسببين: أحدهما: الإعراض عن الحجة، وعدم إرادتها والعمل بها وبموجبها، والحجة: هي الكتاب والسنة. الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها. فالآن لو جاء شخص تتناقش معه وتورد عليه شيئاً من القرآن والسنة يقول: لا، لا، لا تسمع لي ولا أسمع لك، لا تقل لي شيئاً، معرض لا يريد الاستماع أصلاً، يقول: أي شيء فيه دين لا أقبله ولا أسمع، معرض. وهناك أناس يسمع لك لكن بعدما يسمع يرفض ولا يقبل، وأناس قد يسمع ولكن ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء:٤٦]. والإعراض المكفر على حسب ما ذكر لنا ابن القيم ﵀ من نوع اللامبالاة، لا يسمع الحجة ولا يبحث عنها ولا يفكر فيها، وليس هذا فقط هو الإعراض المكفر، لكن هذا الذي ينافي قول القلب وإلا قد سبق الكلام على الإعراض من أنواع أخرى يتعلق بعمل القلب وعمل الجوارح ومكفر. من صور الإعراض المكفر: الإعراض عن حكم الله ورسوله: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٤٧ - ٥١]. إذاً: نستخلص من كلام العلماء في مسألة كفر الإعراض: أن الإعراض الناقض للإسلام على الأقل أن يعرض الإنسان عن مسألة.

стр. 6767

الإعراض الناقض للإسلام ما هو الإعراض الناقض للإسلام؟ هو إعراض العقل عن الإيمان، إما أن يعرض إعراضاً تاماً عن تعلم أصول الدين مع قدرته على ذلك، يقول: لا أريد أن أتعلم الدين ولا أريد أن تسمعني آية، ولا يريد أن يتعلم درساً واحداً، الإعراض عن أصل الإيمان إعراضاً تاماً عن تعلم أصوله مع القدرة، أو عدم قبولها والانقياد لها، يقول: لا أنقاد لحكم شرعي أبداً. سواءً قاله بلسان الحال أو بلسان المقال، أو يعرض عن العمل تماماً، كأن يقول: أنا لا أعمل شيئاً البتة، وهذا الذي يسمونه كفر التولي وترك العمل بالكلية؛ لأننا نعلم -أيها الإخوة- أن مذهب أهل السنة والجماعة في الإيمان: أنه قول القلب -وهو المعرفة- وقول اللسان وعمل القلب وهو القبول والتسليم، وعمل الجوارح. إذاً: أربعة أشياء يتكون منها حقيقة الإيمان، قول القلب: وهو المعرفة والتصديق، وقول اللسان: وهو نطق الشهادتين، وعمل القلب: وهو القبول والتسليم والاستسلام والانقياد، وعمل الجوارح: وهو التطبيق العملي للعبادات وما شابه ذلك. فإذاً: لو أن إنساناً أعرض عن هذا بالكلية، عن أي واحد منها يكفي أن يعرض عنه بالكلية يكفر وينقض إيمانه. قال الشافعي ﵀: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر". وقال حنبل: حدثنا الحميدي وأخبرت أن أناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت ويصلي مستدبراً القبلة حتى يموت فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً، إذا عُلم أن تركه ذلك فيه إيمان إذ كان مقراً باستقبال القبلة -الآن هذا الزعم- فقلت: هذا الكفر الصراح، هذا الكفر الصراح. لأنه لا يعمل شيئاً، تولى عن العمل بالكلية، مثل الذين يعيشون في الخارج مسلمون بالاسم فقط لا يعرفون مسجداً ولا قبلة ولا صلاة ولا يزكون ولا يصومون ولذلك رأينا في الإنترنت أن أحدهم يقول: أنا مسلم بالاسم فقط. فهذا الذي يقول: أنا مسلم بالاسم كافر، لماذا؟ لأنه تولى عن الدين لا يعمل بشيء منه أبداً، لا يعرف أي عبادة، لا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا حج، فهذا الذي يسمي نفسه مسلماً بالاسم فقط هذا إنسان متولٍ عن العمل، وهذا إنسان كافر، وقد قال الإمام أبو ثور ﵀ لما سئل عن الإيمان: هل يزيد وينقص؟ فقال: فأما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فهؤلاء على مذهب المرجئة، ونحن نقول: الذي لا يعمل عمل الجوارح أبداً ليس بمسلم؛ لأن هذا من أنواع الإعراض الذي ذكر الله في القرآن عند تكفير المعرضين، ونحن لا نقول: أعرض عن شيء واحد، أعرض عن صيام يوم من رمضان فلم يصمه لا. إنما أعرض عن العمل بالكلية، ولا يعمل شيئاً، هذا إنسان غير مسلم وإن ادعى الإسلام. فيقول: أما الطائفة التي زعمت أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ما أراد الله من عباده لما قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] أبو ثور ذكي يعرف كيف يناقش، يقول: يقال للذين يقولون العمل ليس شرطاً في الإيمان، ماذا أراد الله من عباده لما قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] الإقرار فقط أم الإقرار والعمل، ماذا؟ فإن قالوا: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل فقد كفروا، فإن قالوا: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم الأمرين جميعاً فلمَ زعمتم أنه يكون مؤمناً بأحدهما دون الآخر وقد أرادهما جميعاً؟؟ أرأيتم لو أن رجلاً قال: أعمل جميع ما أمر الله ولا أقر به -انظر إلى النقاش- لو أن رجلاً قال: أنا أعمل جميع ما أمر الله لكن لا أقر به، مثل ذاك الذي يقول: أنا أصلي احتياطاً أو يقول: يمكن يمكن. فهذا قال: أنا أعمل كل شيء لكن لا أقر به، أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: لا يكون مؤمناً؛ لأن أعماله ليس لها أساس، والعمل بدون إقرار عمل باطل، قيل لهم: فإن أقر بجميع ما أمر الله به وقال: لا أعمل منه شيئاً. أيكون مؤمناً؟ انظروا ولاحظوا! الله أراد إقراراً وعملاً، يقول: يقر أن الله أوجب هذا وحرم هذا، ثم أعمل. فإن قالوا: إنه أراد الأمرين جميعاً فيقال: لو أن رجلاً قال: لا أقر لكن أعمل كل شيء. يقال له: هذا كافر. وإذا قال: أقر لكن لا أعمل شيئاً أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً؟! ومثل الأعمال في الإيمان كمثل القلب في الجسم لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا يكون ذو الجسم الحي لا قلب له، ولا ذو القلب بغير جسم، فهما شيئان منفردان، وهما في الحكم والمعنى متصلان، فلا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بعقل، ومثل ذلك العلم الظاهر والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وأعمال الجوارح، فمثل العلم من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما، تخيل لو أن رجلاً ليس له شفتين عنده لسان وليس عنده شفتين، لا يستطيع الكلام، لأنه بدون شفتين! وكذلك لأن الشفتين تجمع الحروف واللسان يظهر الكلام، وفي سقوط أحدهما بطلان الكلام، وكذلك سقوط العمل بطلان الإيمان احفظوا هذا المثل: (العمل مع الإيمان مثل الشفتين مع اللسان). فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئاً من أمور الدين، من الصلاة والزكاة والصيام والحج ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات، أي محرم يتاح له لا يقصر فيه -هذا كلام ابن تيمية - مثل الصلاة بغير وضوء وإلى غير القبلة ونكاح الأمهات، وهو مع ذلك مؤمن في الباطن. هذا الكلام يتصور؟ أبداً. وسئل الشوكاني ﵀: ما حكم أعراب البادية الذين لا يفعلون شيئاً من الشرعيات إلا مجرد التكلم بالشهادتين هل هم كفار أم لا؟ وهل يجب على المسلمين غزوهم أم لا؟ فقال: من كان تاركاً لأركان الإسلام وجميع فرائضه ورافضاً لما يجب عليه من ذلك من الأقوال والأفعال ولم يكن لديه إلا مجرد التكلم بالشهادتين فلا شك ولا ريب أن هذا كافر شديد الكفر حلال الدم والمال. إذاً الخلاصة التي نستنتجها مما سبق: أولاً: أن وجود جنس العمل شرط لصحة الإيمان، وإذا لم يوجد العمل معناه لم يوجد الإيمان، ويكون صاحبه معرضاً ناقضاً لأصل الإيمان. ثانياً: أن الكلام عن مسألة ترك العمل بالكلية متعلق بكلام السلف عن الإيمان أنه قول وعمل لا يغني أحدهما عن الآخر. ثالثاً: أن هذا دليل على ارتباط الظاهر بالباطن والباطن بالظاهر، وأنه لا يوجد باطن صحيح بدون ظاهر صحيح، كما أنه لا يوجد ظاهر صحيح ومقبول عند الله إلا إذا كان يوجد باطن صحيح. انظر الذي يقول: الذي لا يعمل أبداً هذا دليل على أنه ليس في قلبه إيمان بالله، الذي لا يعمل شيئاً من الدين ماذا يوجد في قلبه؟ لو كان في قلبه إيمان لظهر في التطبيق، ولو كان التطبيق ناقصاً لكان هناك شيء اسمه عمل، أما إذا لم يكن هناك عمل بالكلية فدليل أن داخل القلب لا يوجد فيه شيء بالكلية، وإنما هو ادعاء كاذب. إذاً: تصور الآن ما ينتج عن القول بأن الإيمان هو مجرد التصديق القلبي، وأن الكفر هو التكذيب والجحود فقط، وهذه مصيبة المرجئة، وهذه معركتنا معهم، يقولون: الإيمان هو التصديق، والكفر هو الجحود والتكذيب. وما حال المعرض عن العمل بالكلية وما شابه ذلك؟ إذاً: هنا يتبين الفرق بين مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب المرجئة.

стр. 6768

حكم تارك الأركان الأربعة أيها الإخوة: إن مذهب المرجئة يناسب حال الكفرة -الآن- في هذا العصر، فهم يحبونه جداً؛ لأنه يتوافق مع أهوائهم، ويجعلهم مؤمنين وليس لهم من الإيمان نصيب، وهذا الكلام يقودنا إلى مسألة وهي قضية تارك الأركان الأربعة. الآن عرفنا أن ترك العمل بالكلية كفر، فهل هناك أعمال معينة تركها كفر؟ لو أن رجلاً قام بأشياء أخرى، كبر الوالدين وصلة الرحم والصدقة على الفقراء، صادق ملتزم بالمواعيد، هل هناك أعمال معينة تركها كفر؟ نجد في كلام العلماء أنهم قد قالوا: إن تارك الأركان الأربعة كافر، ولم يخالف في مسألة ترك جنس العمل أحد -كما قلنا- وأما قضية الأركان الأربعة فإن تاركها كافر، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ الأقوال في المسألة، وقال عن الإمام أحمد رواية أنه يكفر بترك واحد من الأركان الأربعة حتى الحج حتى مع الإقرار بالوجوب، وفي رواية أخرى أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة وهي رواية عن أحمد وكثير من السلف وطائفة من أصحاب مالك والشافعي. إذاً: ترك الأركان الأربعة بالكلية يكفر كما أن ترك العمل كله يكفر، أما لو ترك الصيام فالراجح أنه لا يكفر بترك الصيام، أو ترك الحج فالراجح أنه لا يكفر. أما ترك الصلاة فالمسألة فيها خلاف كبير، والراجح أن تارك الصلاة بالكلية كافر حتى لو كان تكاسلاً؛ لأجل النص: (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر) ولا يوجد شيء آخر منصوص على أن تركه كفر من الأعمال -لاحظ- إلا هذا ولذلك قلنا به، قال: (فمن تركها فقد كفر) والراجح -أيضاً- أن أي صلاة يتركها فهو كافر، أو ترك الصلاة في يوم أو يومين أو أسبوع؟ الحديث الراجح والله أعلم كما هو نص الحديث (فمن تركها) أي: الترك الكلي، يعني تارك الصلاة بالكلية كافر ولو أقر، لأنه قال: (فمن تركها) ولم يفرق بين الجحود وعدمه: (فمن تركها فقد كفر). وتارك الزكاة -أيضاً- فيه نقاش كثير وخلاف كبير في قضية، وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى أن تارك الزكاة لا يكفر إلا إذا قاتل، كأن يقول: لا أؤدي وقاتل فهذا كافر. فهذه هي الخلاصة في قضية ترك الأعمال. إذاً: ترك جنس العمل كله كفر، ومن الأعمال الأخرى ترك الصلاة بالكلية -هذا وحده- كفر، والزكاة يكفر إذا قاتل؛ لأن معناه أنه مستعد أن يموت ولا يزكي، معنى هذا أين الإيمان الذي عنده؟ بعض الناس يقول: إن الجمهور يقولون: إن تارك الصلاة لا يكفر، وهذه حقيقة لا ننكرها، لا يقولون: إن ترك أصل العمل لا يكفر، فحتى الذين يقولون بعدم كفر تارك الصلاة من علماء السلف لا يقولون: إن ترك العمل بالكلية لا يكفر لا. ترك العمل بالكلية كفر، لكن حصل خلاف في ترك الصلاة وترك الزكاة.

стр. 6769

اعتقاد أن بعض الناس لا يجب عليهم متابعة النبي ﷺ ومن الأمور التي توجب الكفر أيضاً: اعتقاد أن بعض الناس لا يجب عليهم اتباع النبي ﷺ ، وهذه كارثة ومصيبة عظيمة، وذهب إلى هذا غلاة الصوفية والباطنية. يقول الداعي الإسماعيلي طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني في كتابه " العقد الشريف " وقد حقق كتاب العقد الشريف المفضل الجعفي، يقول -وهو واحد من دعاة الإسماعيلية - حُجج الليل -الإسماعيليون يعتقدون أن هناك حجج الليل- هم أهل الباطن المحض المرفوع عنهم في أدوار الستر التكاليف لعلو درجاتهم. وكلام رءوس الباطنية والإسماعيلية أشبه بالألغاز؛ لأنهم يخفون عقيدتهم عن الناس، ولذا تجد فيها غموضاً، لكن هذا النص واضح في قضية اعتقاد إسقاط التكاليف، وأن هناك أناساً من أهل الباطن، مثلا: ً العامة من أهل الظاهر وهناك مشايخ من أهل الباطن، هؤلاء المشايخ من أهل الباطن تسقط عنهم التكاليف لعلو درجاتهم، وينسبون إلى جعفر بن محمد الباقر قوله: من عرف الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر، ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر. ويقول أحد دعاة الباطنيين: من عرف الباطن فقد عمل الظاهر، وإنما وضعت الأغلال والأصفاد على المقصرين. وسمى التكاليف أصفاداً وأغلالاً، وقال: هذه علينا نحن العامة المقصرين، أما من بلغ وعرف هذه الدرجات التي قرأتها عليك فقد أعتقته من الرق ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر. وعند هؤلاء أيضاً أن المحرمات عليَّ وعليك نحن العامة مثل الزنا وغيره، أما هم أهل الباطن -هؤلاء المشايخ الكبار- ليس عليهم بحرام، وحتى نكاح الأم ووطء الأخت ليس فيها شيء. وقالوا بالنص: إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة، ودليلهم قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن هؤلاء من يستحل بعض الفواحش كاستحلال مؤاخاة النساء الأجانب والخلوة بهن، زعماً منه أنه يحصل لهن البركة مما يفعله معهن، وإن كان محرماً في الشريعة، وكذلك يستحل المردان والتمتع بالنظر إليهم ومباشرتهم. يقول: يرتقي من محبة المخلوق إلى محبة الخالق، ويأمرون بمقدمات الفاحشة الكبرى وقد يستحلون الفاحشة الكبرى، ويحتجون بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ويقولون: اليقين هذا العلم والمعرفة، فإذا حصلت سقطت العبادة. ولو تقرأ كلام بعض الصوفية في هذا الموضوع مثلما ذكره الشعراني صاحب طبقات الأولياء، والنبهاني صاحب جامع كرامات الأولياء سترى العجب العجاب، فمن ذلك ما ذكره العطار عن ذي النون المصري أنه نصح أحد مريديه بترك الصلاة، والعطار الآن ينقل القصة يقول: رجل مصري -وهو من الصوفية - نصح بعض مريديه عنده مشكلة كذا وكذا بأن يترك الصلاة، والعطار يريد أن يوقعها فقال: لو سأل الثاني: ما الحكمة في الأمر بترك الصلاة؟ ف الجواب إن الطريق أحياناً -أي: الموصلة إلى الله- تخالف ظاهر الشريعة، كقتل الخضر الولد بدون سبب ظاهر. إذاً: لا إنكار بالطريقة على مثل هذه الأمور. يقول: لو قال لك شيخ الطريقة: اعمل محرماً أو اترك واجباً فلا تستغرب، لأنه يمكن أن يكون وصل إلى الله بشيء غير الذي أنت تعرف، فإذا قلت: لماذا؟! قال: الخضر قتل الولد، نقول: الخضر قتل الولد بناء على: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] لأنه نبي يوحى إليه، الله الذي أمره بقتله، وأنت من الذي أمرك بترك الصلاة؟ أنت الله أمرك أن تصلي لا أن تترك الصلاة. وحكي عن العطار -نفسه هذا الصوفي- أنه كان تاركاً للصلاة، وكان يقول: إن الله رفع عني فريضة الصلاة، والشعراني في آخر كتابه الطبقات الكبرى لما ذكر مشايخه في القرن العاشر قال: وفيهم سيدي بركات الخياط رضي الله تعالى عنهم، كان ﵁ من الملامتية والملامتية يظهرون المحرمات ليلوموهم بينما هم في الحقيقة يقصدون إخفاء الولاية. فمثلاً: عندما يحلق الولي لحيته يلومه الناس، وقصد الولي أن يخفي الولاية عن الناس بلومهم، حتى لا يرائي يرتكب الزنا، أو يشرب كأس خمر، حتى لا يرائي، يخبئ الولاية عن الناس. فيقول: وفيهم سيدي بركات الخياط ﵁، وكان من الملامتية، وقد مدحته للشيخ جمال الدين الصائغ مفتي الجامع الأزهر وجماعته فقالوا لما سمعوا مدح الشيخ هذا: لابد أن نزوره، وكان يوم جمعة، فكبر المؤذن على المنارة، فقالوا: نصلي الجمعة. فقال: ما لي عادة بذلك. أعاذنا الله! أنا ما لي عادة أن أصلي الجمعة، فأنكروا عليه، فقال: نصلي اليوم لأجلكم، ومنهم سيدي الشريف المجذوب -والجذبة هذه عند الصوفية شيء أساسي، أنه إذا أصابته الجذبة فهذه كرامة- ﵁ كان يأكل في نهار رمضان، ويقول: أنا معتوق أعتقني ربي. وكان يرى حلال زينة الدنيا كالحرام في الاجتناب، وكانت الخلائق تعتقده -يأتون إليه- ويعدون رؤيته عيداً. وهذا موجود في العالم الإسلامي، يعني: الشيوخ من هذا النوع. أيها الإخوة! التكاليف الشرعية مشروطة بالعلم والقدرة، فمتى تحقق العلم والقدرة وجب العمل، ولذلك الذي لا يستطيع لا يكلف كالطفل والمجنون. ثم أعظم الناس درجة عند الله من هم؟ الأولياء أم الأنبياء؟ أليسو الأنبياء؟ فهل رأيت النبي ﷺ في يوم من عمره ترك صلاةً واحدة أو ترك صوم يومٍ دون عذر؟ ألم يكونوا أشد الناس في الشعائر والنوافل، ومن المعلوم عند العلماء أن من استحل الحرام كفر، فكيف بمن يستحل جميع المحرمات ويترك جميع الواجبات؟؟ ثم الولاية، والولاية بيننا وبين الصوفية ميدان للمعركة، الولاية متى تنال؟ وبأي شيء تنال؟ ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] لا يفعلون المحرمات ويؤاخون النساء الأجانب والمردان. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] ما هو اليقين في تفسير السلف؟! قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلاً دون الموت. إذاً: اليقين هو الموت باتفاق المسلمين والمفسرين. ثم قالوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] أي: أن هذا سبب لدخول جهنم: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٥ - ٤٧] ما هو اليقين؟ الموت ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].

стр. 6770

من نواقض الإيمان: النفاق أيها الإخوة! من نواقض الإيمان النفاق، والنفاق: إظهار القول باللسان أو الفعل، بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد، بأن يستر كفره ويظهر إيمانه. وكلمة "النفاق" اسم إسلامي لم يعرفه العرب من قبل، فالإسلام هو الذي جاء بكلمة النفاق ومعناها هذا، فلم تكن موجودة عند العرب ولا يعرفونها من قبل، والنفاق كالكفر يوجد نفاق مخرج من الملة ونفاق غير مخرج من الملة. قال شيخ الإسلام ﵀: فمن النفاق ما هو أكبر يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار كنفاق عبد الله بن أبي وغيره؛ بأن يظهر تكذيب رسول الله ﷺ ، فهذا ضرب النفاق الأكبر. أما النفاق الأصغر فهو النفاق في الأعمال ونحوها. إذاً النفاق المخرج من الملة لا شك أن النفاق الاعتقادي داخل فيه، لكن ليس هو نفاق تكذيب فقط، فمن حصر النفاق المخرج من الملة بالنفاق الاعتقادي فلعله قصد نفاق التكذيب وهو أن يظهر الإيمان وهو مكذب بقلبه، والأقرب والله أعلم تقسيم النفاق إلى أكبر وأصغر، وأن النفاق الأكبر لا يسقط بالجانب الاعتقادي فقط، وهذه مسألة مهمة؛ لأن بعض الناس يعتقد أن النفاق الأكبر الذي يخرج عن الملة فقط هو النفاق الاعتقادي (إظهار الإسلام وإبطان الكفر) فيقال: إن الله ذكر في القرآن خصالاً عن المنافقين تكفرهم -وهي أعمال- مثل: تنقيصهم للرسول ﷺ وسخريتهم بالمؤمنين: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة:٦٦] ومناصرتهم للكفار، ومناصرة الكفار عمل. إذاً: نعرف أن النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة ليس فقط أن الإنسان يظهر الإسلام والقلب مكذب، فقد يكون منافقاً نفاقاً أكبر يخرج عن الملة بأشياء يعملها، مثل: مناصرة الكفار على المسلمين، فلو أن إنساناً ناصر الكفار على المسلمين فهذا كافر وعمله كفر. أيضاً ليس كل نفاق اعتقادي مخرجاً عن الملة، أليس الرياء قلبياً؟ الرياء أليس عملاً قلبياً؟ وليس من الأشياء العملية، ليس نفاقاً عملياً كالكذب وإخلاف الوعد، ومع ذلك إذا كان الرياء يسيراً لا يكفر صاحبه. إذاً: لابد أن ننتبه في قضية النفاق الاعتقادي والنفاق العملي إلى أنه ليس كل نفاق اعتقادي متعلق بالقلب يكفر صاحبه كيسير الرياء، وليس كل النفاق العملي لا يكفر صاحبه، فبعض النفاق العملي يكفر صاحبه هذه الخلاصة. إذاً: النفاق ينقسم إلى قسمين: نفاق أكبر ونفاق أصغر، والنفاق الأصغر معروف كما جاء في الحديث: (آية المنافق ثلاث: إذ حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) والنفاق الأصغر نوعاً من الاختلاف بين السريرة والعلانية لكن لا يصل إلى الكفر، وذلك كالرياء الذي لا يكون في أصل العمل، ومثال ذلك: إظهار مودة أخ والكيد له بالسر، هذا نوع من النفاق لكنه ليس مكفراً، اللهم إلا إذا كان يكيد للنبي ﷺ أو للمسلمين لأنهم مسلمون. والنفاق الأكبر يدخل فيه كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن صاحبه مخلد في النار في الدرك الأسفل مثل نفاق عبد الله بن أبي وغيره بأن يظهر تكذيب الرسول ﷺ أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه. ما الفرق بين الكافر والمنافق؟ إذا كان الكافر يظهر تكذيب الرسول وأنت تقول: إن المنافق يظهر تكذيب الرسول! ممكن يظهر يعتبر من المنافقين، ف الجواب أن الكافر لا ينطق بالشهادتين، ولا يقول أنا مسلم، ولا يدعي الإسلام، ولا يصلي مع المسلمين، لكن المنافق يقول: أنا مسلم، وينطق بالشهادتين ويصلي مع المسلمين. كيف صار منافقاً نفاقاً أكبر؟ بأمور كثيرة: منها: أن يظهر تكذيب الرسول ﵊، وعبد الله بن أبي قال شيئاً من هذا، ولذلك لا يشترط عندما نقول: منافق أكبر أنه لا يظهر منه شيء البتة، يمكن أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله أمام الناس، ويصلي مع المسلمين، ويقول: أنا مسلم. لكن عمله وما يظهره فيه أشياء كفرية واضحة مخرجة عن الملة، فهذا يسمى منافقاً لماذا؟ لأنهم يدعون الإسلام وفي محافل ومناسبات ومحلات ومواضع يظهرون الكفر، ماذا تسميه؟ نسميه منافق، في تصريح ومقالات، وأشياء مكتوبة، وقصائد يظهر الكفر، ولما تأتيه يقول لك: أنا مسلم، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنا أصلي. والظاهر أن بعض العلمانيين الذي يقوم الليل، أقرباؤه يقولون: يقوم الليل، ما رأيك؟ المنافق نفاقاً مخرجاً من الملة لا يشترط أن يكون مستوراً لا يعرف عنه شيء، يظهر الإسلام ويخفي الكفر لا، وحال المنافقين في عهد النبي ﷺ أنه ظهر منهم أشياء لكن لأنهم يقولون ويدعون الإسلام، ينطقون بالشهادتين، ويصلون مع المسلمين، ويصلون العيد، ويحضرون الجمعة لكن عبد الله بن أبي هذا، يفعل ذلك كله، لكن ظهر منه أشياء في تخذيل المسلمين، ونصرة الكفار عليهم، وتكذيب الرسول ﷺ ، والطعن فيه، والطعن في رسالته، والكيد له، والكيد لجماعة المسلمين كلهم، وتخذيل المسلمين في أحد وهكذا. إذاً: النفاق الأكبر المخرج عن الملة، مثل: إنسان يدعي الإسلام وعنده أقوال وأفعال أخرى تناقض ما يقول فيعتبر منافقاً، ومن باب أولى الذي ما أظهر شيئاً أبداً، مثل رجل يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ولم نضبط عليه لا كلمة ولا فعلاً، لكنه في الحقيقة عند الله زنديق، ولذلك قال بعض العلماء: إذا اطلع على الزنديق يقتل ولا يستتاب؛ لأننا لو استتبناه سيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وهو يقولها أصلاً! فنقتله، وإذا كان صادقاً في التوبة تنفعه الشهادة عند الله، وهذا عند الإمام مالك يقول: الزنديق يقتل. لماذا؟ يقول: إذا اكتشفنا وعثرنا على زندقته نقتله. وإذا قال: أنا أقول لا إله إلا الله. نقول: نقتلك وإذا كنت صادقاً تنفعك عند الله. لماذا قال مالك ذلك؟ لأننا إذا قلنا: نستتيبك سيقول أشهد أن لا إله إلا الله، وهو أصلاً يقولها. وقال آخرون: الزنديق يستتاب، فإن تاب يكف عنه، وابن تيمية ﵀ ذكر في النفاق الأكبر قال: كنفاق عبد الله بن أبي بأن يظهر تكذيب الرسول أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دين الرسول. إذا انهزم المسلمون في معركة أظهر السرور؛ لأن المسلمين انهزموا، أو المساءة بظهور دين الله، لو قيل له: دخل اليوم في الإسلام ألف من الكفار. ينغص هذا الخبر عليه، أو يقال: انتصر المسلمون في البلد الفلانية تراه ينغص، هذا منافق لماذا؟ لأنه ساءه ظهور الإسلام وانتصار المسلمين. ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدواً لله ورسوله، وهذا القدر كان موجوداً في زمن رسول الله ﷺ وما زال بعده، بل هو بعده أكثر منه في عهده -انظر كلام ابن تيمية الخبير في الواقع، الإنسان المعايش للناس العارف بطبقات المجتمع- يقول: بل هو بعده -النفاق بعد النبي ﷺ أكثر منه على عهده. وهذا واضح في عصرنا جداً، فالعلمانيون هؤلاء هم المنافقون يظهرون الإسلام، لكن انظر إلى المقالات والأفعال. إذاً: يتبين لنا أن أي مظهر من مظاهر النفاق الأكبر يحكم على صاحبه بالنفاق الأكبر ولو كان يدعي الإسلام مثل تكذيب الرسول ﷺ ، أو بغض الرسول ﷺ أو بغض بعض ما جاء به من الشريعة، المسرة بانخفاض دين الرسول ﷺ أو كراهية انتصار دين الرسول ﷺ ، وعدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر، وعدم اعتقاد وجوب طاعته فيما أمر، وإيذاؤه أو عيبه أو لمزه ﷺ والآن بعض الذين يكتبون في الأدب يأتي بقصيدة أو قصة ويلمز دين الإسلام ويلمز نبي الإسلام، وعندما تأتيه وتقول: أنت كذا، أنت كذا أنت كذا، هذا كفر. يقول: أنا مسلم، انظر إلى إثباتي. نقول: لقد أظهرت الكفر، وهذا العمل لا يحتمل، يعني: يأتي إنسان مثلاً يسب النبي ﷺ فيقول: أنا لا أعرف أن هذا كفر؟ أنا لم أكن أعرف أن هذا كفر؟ فإذا كانت المسألة واضحة جداً، وليس لها تبرير ولا له عذر، فهذا لا يتردد في كفره إذا كان بهذه الطريقة.

стр. 6771

من نواقض الإيمان: مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المسلمين وكذلك مظاهرة الكافرين ومناصرتهم على المؤمنين، أو الاستهزاء والسخرية بالمؤمنين لأجل إيمانهم لا لشيء شخصي بينهم وبينه، وإنما يستهزئ بهم لأجل إيمانهم، والتولي والإعراض عن حكم الله وحكم رسوله. كل هذه الأشياء حصلت من المنافقين، يقولون عن النبي ﷺ كما قال الله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة:٦١]. فرد الله عليهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة:٥٨] فإن أذاهم قد عم المسلمين في عهد النبي ﵊، وإذا دعوا إلى الله ورسوله يتولون ولا يأتون، ولا ينقادون، ويظاهرون الكافرين ويعاونونهم على المؤمنين، والله قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] والموالاة للكفار منها ما يصل إلى درجة الكفر الأكبر، ومنها ما هو دون ذلك، فإذا كانت موالاة تامة، ورضاً بدين الكفار، وتصحيحاً لمذهبهم كما قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٢٨] قال: لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم -أي: على عورات المسلمين- وثغور المسلمين، فإنه من يفعل ذلك فليس من الله في شيء، برئ من الله وبرئ الله منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر. وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في نواقض الإسلام: الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]. والشيخ ابن السعدي ﵀ قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة:٢٣] قال في تعليقه على الآية: وذلك الظلم بحسب التولي، فإن كان تولياً تاماً كان كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ وما هو دونه، مثل شخص لو تشبه بهم أليس نوعاً من التولي لهم؟ تشبه باللباس، لكن قد لا يكفر به، ويعتبر فسقاً وكبيرة ومعصية، لكن لا يعتبر كفراً. فإذاً: التولي درجات، إذا كان التولي عاماً فهو كفر، وتحت ذلك درجات. وكذلك المسرة بانخفاض دين النبي ﷺ واضح من قوله تعالى في وصف المنافقين: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ [التوبة:٥٠] ماذا؟ ﴿تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة:٥٠] وعملنا الاحتياطات، وما خرجنا، والذي خرج هو الذي أكلها: ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة:٥٠] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٤٨] هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بهذه الصفات لا شك أنهم منافقون، وكذلك هم الذين يكرهون ما أنزل الله، ﴿كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [المؤمنون:٧٠] ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٨١].

стр. 6772

الفرق بين ما كره شرعاً وما كره طبعاً لو أن إنساناً قال: نفسي عندما تأتي إلى صلاة الفجر والتكاليف الشاقة، أو لو قيل الآن: جهاد فنفسي لا تحب وتعشق هذا، بل هناك نفور، وعندي شيء في قلبي، مثلاً: أحس بثقل وبمشقة في التكاليف، فالسؤال هو: هل الإحساس بالثقل والمشقة في التكاليف يُعتبر كرهاً لما أنزل الله، ومحبطاً للعمل، ونفاقاً أكبر أم لا؟ الجواب الكره والمشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراه، والكره ما يناله من ذاته، وهو يعاف على ضربين: الأول: ما يعاف من حيث الطبع، والثاني ما يعاف من حيث العقل والشرع، ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد: إني أريده وأكرهه، أي: أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، أو أريده من حيث العقل والشرع وأكرهه من حيث الطبع. ونأخذ مثالاً: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ﴾ [البقرة:٢١٦] ماذا؟ ﴿كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] فالآن خاطب الله الصحابة، قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] هو يثبت أن بعضهم يكرهونه، لكن يكرهونه من ناحية الطبع، وأما من ناحية الشرع فهم يحبون أن يفرض الجهاد، وهذه خذها على مسألة الزوجة الثانية؛ لأن بعض النساء عندهن مشكلة في هذه القضية، لو قلت للزوجة: ما رأيك لو أن زوجك تزوج عليك؟ ما رأيك في الزوجة الثانية؟ تكرهين ذلك أم تحبينه؛ لأن بعض الأزواج يذهب يلبس ليوقع زوجته في مشكلة شرعاً، يقول: يا ويلك إذا كرهت زوجتي فأنت كافرة؛ لأن الله قال: ﴿كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:٩] وعملك حابط. فنقول: إن كرهته طبعاً فلا شيء عليها، وإن كرهته شرعاً كفرت. فإذاً لو قالت: أنا لا أقول شيئاً فهذا شرع الله، لكني بطبعي أكرهه، هذه غيرة. فلا تكفر المرأة، وهذا وضع طبيعي وشيء عادي عند النساء. إذاً: إذا كان الإنسان كره شيئاً طبعاً كأن يكره أن يقوم لصلاة الفجر؛ لأجل النوم ولذة الفراش، لكنك لو قلت له: تحب صلاة الفجر أم لا؟ يقول: أحب صلاة الفجر، لكن نفسي عليها مشقة، نقول: ما عليك شيء، إذا اقتصرت على الكره الطبيعي، وإذا قال لك: أنا عقلي وقلبي يؤمن، لكن نفسي من ناحية التعب البدني، أو الغيرة -مثل ما قلنا في قضية النساء- وبذلك يا أخي يزول الإشكال -إن شاء الله- في هذه القضية مثل قضية الزوجة الثانية، والفرق بين ما كره شرعاً وما كره طبعاً، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 6773

تذكرة في الحر وفصل الصيف لقد أخبر النبي ﷺ أن لجهنم نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، وبيَّن أن شدة الحر من فيح جهنم، مذكراً العباد بشدة حرارة جهنم وشدة استعارها، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن شدة فيح جهنم، ويذكر الأسباب التي تساعد على الوقاية من النار وحرها.

стр. 6774

شدة الحر من فيح جهنم ذإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. عباد الله: إن الله يذكر عباده في الدنيا ببعض ما يكون في الآخرة، كما يذكرهم في الصيف حرارة جهنم، وقد أخبر النبي ﷺ أن شدة الحر من فيح جهنم، وهذا حديث صحيح عن النبي ﷺ يثبت ويبرهن أن ما نحس به من حرارة في هذا الصيف إنما مصدره ومبعثه جهنم، ولا شك أن هذا شيء حقيقي ليس بمجاز؛ فإنه حديث الصادق المصدوق ﷺ الذي قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم) ومعنى أبردوا عن الصلاة، أي: أخروا صلاة الظهر عن أول وقتها حتى تنكسر شدة الحر الذي يكون من أسباب التشويش على المصلي وقلة الخشوع. وكذلك فإنه ﵊ قد أخبر في الحديث الصحيح أن لجهنم نفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، كما استأذنت ربها، وأخبر أن ذلك أشد ما نجد من الحر وأشد ما نجد من الزمهرير؛ ولذلك فإن من عذاب جهنم شدة البرد كما أن من عذابها شدة الحر، وهذا من العجائب، لكن الغالب عليها الحر ولا شك، فإنها كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀: (قالت النار: ربِ أكل بعضي بعضاً، فائذن لي أن أتنفس، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم، وما وجدتم من حر أو من حرور فمن نفس جهنم) رواه البخاري. وشدة الحر من فيح جهنم، وفيحها: سعة انتشارها وتنفسها، وهذا يدل على شدة استعارها، وأنه يأكل بعضها بعضاً، وأن لها وهجاً عظيماً، وأن وهج جهنم يسطع على الأرض ويصل إليها، وكيف يكون علاقة ذلك بالشمس؟ هذا علمه عند الله تعالى، ولكننا نصدق بما أخبرنا به نبينا ﷺ ، فإن شدة الحر من فيح جهنم، والشمس ستكون في النار عذاباً لعابديها يوم القيامة كما جاء ذلك في الأثر. أيها المسلمون: إن هذا التذكير من الله مما نجده من شدة الحر حري بالمؤمن أن يتفكر فيه، وأن يقوم بالأسباب التي تنجيه من عذاب النار.

стр. 6775

وجود العذاب بالنار في البرزخ أيها المسلمون: إن عذاب النار ليس خاصاً بالآخرة وإنما جزء منه ولا شك في البرزخ -أيضاً- كما أنه في الدنيا، في الدنيا يصلنا من حرارتها، وفي البرزخ يكون هناك من الحرارة في القبر على المعذبين، كما جاء في حديث البراء بن عازب الذي رواه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح، قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فلما قعدوا حول القبر وعظهم النبي ﵊ في حال المؤمن وفي حال الكافر والفاجر، فقال في الثاني وذكر موته، قال: وتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار. قال: فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً، قال: فيضربه ضربةً يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، ثم تعاد فيه الروح ويضرب هكذا فيصير تراباً، ثم يعاد فيضرب إلى قيام الساعة). لقد أخبر النبي ﷺ أن حرارة النار تصل إلى الفاجر والكافر في قبره عبر هذه النافذة المفتوحة كما قال: (وافتحوا له باباً إلى النار)، هكذا كان ﵊ يعظ أصحابه ويذكرهم، وقد قال الله مذكراً أنه لا يستوي الظل ولا الحرور، قال: ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:٢١] فبين أن الأشياء المتباينة كالأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور هذه أشياء لا تستوي، وكذلك لا يستوي الكفر والإيمان، وكذلك لا تستوي السنة والبدعة، وكذلك لا يستوي صاحب الدين والخارج عن الدين: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [هود:٢٤] وهكذا الظل والحرور. فأما الجنة فإن فيها ظلاً ظليلاً لا ينحسر، بخلاف ظل الدنيا فإنه ينحسر بحسب حركة الشمس، ولكن ما هو ظل جهنم؟ إنه ظل من يحموم كما أخبر الله ، فأولئك لهم ظل ظليل وهؤلاء لهم ظل من يحموم، وكذلك فإن شرابهم حار غاية الحرارة، كما قال تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] فهم يجدون في النار حراً من وهجها ولهيبها، وكذلك الظل الذي فيها إنه من يحموم، إنه لا يفيد شيئاً، إنه لا يخفف عمن استظل به؛ لأنه من يحموم.

стр. 6776

أسباب تساعد على الوقاية من حر النار هكذا يذكرنا ربنا لنتعظ ونأخذ بالأسباب التي تساعد على الوقاية من حر النار:

стр. 6777

الأول: الاستعاذة من حرها ولذلك فإنه ﷺ قد أرشدنا إلى أمور نتقي بها حرارة النار، فقال ﷺ مذكراً بالاستعاذة من حرها، وهو من أسباب الوقاية منها كما جاء في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول في صلاته: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر، ومن فتنة الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، ومن حر جهنم) رواه النسائي ﵀ هذا في الاستعاذة من حرها، فماذا أيضاً؟

стр. 6778

الثاني: الصوم في سبيل الله والصيام كذلك، كما جاء عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفاً) رواه النسائي وكان أبو سعيد لأجل هذا الحديث ينتقي اليوم الشديد الحرارة فيصومه مع طوله وشدة حره، فمن صام يوماً في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم حر جهنم عن وجهه سبعين خريفاً، وربما صام ﷺ لأجل ذلك -أيضاً- صام في يوم شديد الحر، كان يجعل الإنسان يده على رأسه من شدة الحر، صامه هو وعبد الله بن رواحة ﵁.

стр. 6779

الثالث: الجهاد في سبيل الله وكذلك فإن من الأمور العظيمة التي تعين على الوقاية من حر النار: الجهاد في سبيل الله، ولو كان ذلك في فصل الصيف شديد الحرارة فإنه يجاهد ويخرج للجهاد، ولذلك فإن المنافقين لما قالوا: ﴿لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١] رد الله عليهم بقوله: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾ [التوبة:٨١] ولذلك فإن الجهاد في سبيل الله ماض صيفاً وشتاءً كما كان المسلمون يفعلون (وقد صلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف في يوم شديد الحر، فأطال القيام حتى جعل أصحابه يخرون من شدة الحر، فأطال الصلاة والركوع والسجود، ثم أخبرهم أنه رأى أثناء صلاته النار وفيها امرأة تعذب في هرّة ربطتها، لم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، قال: ورأيت أبا ثمامة عمر بن مالك يجر قتبه في النار، وقد كانوا يقولون: إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، فقال: وإنهما آيتان من آيات الله) الحديث أخبرهم بما رأى في النار، بل إنه جعل ينفخ حرها عن أصحابه خشية أن تأكلهم، وأخبرهم بما رأى فيها، فخر الصحابة وراءه من شدة الحر في الصلاة التي صلاها ﷺ . إننا -أيها الإخوة- إذا ذكرنا حال المسلمين كيف كانوا يصبرون على لأواء المدينة وحرها وشدتها، ومن يصبر على حرها فإنه يؤجر من الله أجراً عظيماً، إنهم كانوا يصلون وراءه ﷺ ، ويعانون معاناةً شديدة، كان الرجل يأتي معه بكف من حصباء من حصى يبردها في يده، يأتي بها المسجد ليضعها موضع سجوده! ونحن تحت الأسقف وفي هذه المكيفات لا بد أن نذكر نعمة الله علينا، والله قد امتن على عباده بأن جعل لهم من الأسباب ما يقيهم الحرارة فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل:٨١] هذه الآية في سورة النعم، وهي سورة النحل التي عدد الله فيها على عباده أنعاماً كثيرة، فإن الثياب ولا شك منها ما يقي الحر كالذي يلبس على الجلد، وكذلك يلبس على الرأس لتغطيته، ولو لم يغطِ رأسه في الحر الشديد أو لم يغطِ جسمه لاحترق جلده، وهذا مشاهد معروف، أو أصيب بضربة شمس، فإذا جعل الملابس تقي الحر فكذلك تقي البرد من باب أولى، وإنما خاطب العرب بذلك لأنهم كانوا أصحاب حر في الغالب، فجعل الله الظلال وجعل الله اللباس، وجعل لنا في هذا العصر المكيفات ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] وهذه نعمة من نعم الله ينبغي أن تذكر فلا يكفر ، بل يحمد سبحانه على ما جعل لعباده من الوسائل الواقية. عباد الله: إننا وفي الجمع وغيرها من مواسم الازدحام في الحر نذكر كيف كان أصحاب النبي ﷺ يصلون معه، فيضع أحدهم طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود، وأخذ العلماء من ذلك جواز أن يسجد الإنسان على طرف ثوبه، وأنه لا بأس ولو كان هذا اللباس عليه أن يضع طرفاً منه على الأرض، وأنه لا يشترط أن يكون منفصلاً، ويؤخذ كذلك من تأخير الصلاة والإبراد بها في الظهر المحافظة على أسباب الخشوع.

стр. 6780

الرابع: الصدقات وكذلك فإننا لا ننسى في هذا الحر الذي نذكر به حر جهنم الصدقات التي تقي حر النار، قال ﷺ : (اتقوا النار ولو بشق تمرة). ومن كرامات بعض الصالحين ما يذكرنا به هذا الحر، فقد روى ابن ماجة وأحمد عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه كان يلبس ثياب الصيف في الشتاء، وثياب الشتاء في الصيف، فسأله أحد من التابعين عن ذلك، فقال: [إن رسول الله ﷺ بعث إلي وأنا أرمد العين يوم خيبر فقلت: يا رسول الله! إنني أرمد العين، فتفل في عيني فقال: (اللهم أذهب عنه الحر والبرد) فما وجدت حراً ولا برداً منذ يومئذ، وقال: (لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار) فأعطاها علياً رضي الله تعالى عنه، قال: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله ﷺ وجهي وتفل في عيني يوم خيبر وأعطاني الراية]. رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأعلى منزلته. اللهم إنا نسألك أن تقينا حر جهنم، اللهم اجعلنا ممن أعتقت رقابهم من النار إنك أنت الرحيم الغفار. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 6781

الإصابة بالحمى مما يذكر بعذاب النار الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا هو العزيز الغفار، وأشهد أن محمداً رسول الله سيد الأبرار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الأطهار. عباد الله: إن من أعراض الجسم ما يذكرنا بحرارة جهنم -أيضاً- ألا وهي الحمى، التي أخبر النبي ﷺ عنها بأن شدتها من فيح جهنم، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ﵀: (إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء)، وهذا يبين أن هناك أموراً غيبية لا تصل إليها عقول العباد، وأن الناس فسروا الأمور بالظواهر، فسروا الأمور بالأسباب الدنيوية فقط، فإنها نظرة قاصرة، فيعتمل في الجسم من أنواع العوامل المؤدية إلى رفع الحرارة ما يرفعها، ولكن هناك ارتباط كذلك (إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء). وقد حصل للنبي ﷺ من ذلك شيء عظيم، فقد روى أبو سعيد الخدري قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله، ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك يضاعف لنا البلاء ويضاعف لنا الأجر، قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء). وقد أصيب الصحابة لما وصلوا المدينة بالحمى، فوعك أبو بكر وبلال، ودخلت عائشة على أبيها فقالت: يا أبت، كيف تجدك؟ ويا بلال، كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً بواد وحولي إذخر وجليل يتذكر حشائش مكة ونباتاتها وجبالها وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وظفيل فقالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها -أي: اجعلها جواً صحياً- وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بـ الجحفة)، فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ ، ونقلت الحمى التي كانت من الأمراض المشهورة في المدينة تعتري من فيها خصوصاً الغرباء، نقلت منها فجعلت في الجحفة، حتى أنه قال القائل: إنه إذا نزل بها البعير ربما أصابته بـ الجحفة، فأما المدينة، طيبة مدينة النبي ﷺ فنقلت الحمى منها، وكان المولود يولد بـ الجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى، كما روى ذلك البيهقي في دلائل النبوة. وهذه الحمى مكفرة للذنوب، فلا يسبها الإنسان، وليس كما يفعله بعض الناس عندما يسبون الحرارة والسخونة من الحمى، وهي حظ المؤمن من نار جهنم، وتكفر عنه سيئاته، وقد نهى النبي ﷺ عن سبها كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة، ومنها قوله ﵊ لأحد الصحابة: (لا تسبها فإنها تمحي الذنوب)، وذكر ابن القيم ﵀ في علاج الحمى من الطب النبوي الآثار في علاجها، ومنها: الماء البارد على الذي أصابته الحمى في وقت السحر ثلاثة أيام متوالية، والعلاج بالتبريد معروف عند الأطباء. ثم ذكر قصة شاعر أصابته الحمى، فلما أوشكت أن تقلع عنه قال: زارت مكفرة الذنوب وودعت تباً لها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت ألا ترجعي قال ﵀: تباً له؛ إذ سب ما نهى رسول الله ﷺ عن سبه، ولو قال: زارت مكفرة الذنوب لصبها أهلاً بها من زائر ومودع قالت وقد عزمت على ترحالها ماذا تريد فقلت ألا ترجعي

стр. 6782

مراعاة المسلمين في كف الروائح الكريهة عنهم كذلك فإننا نتذكر في هذا الفصل -أيضاً- مراعاة المسلمين لإخوانهم في كف الروائح الكريهة عنهم، فإن العرق الذي يكون من الجسم في وقت الحر رائحته شديدة في الملابس كالجوارب، وفي الجسد في الآباط وغيرها، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود عن عكرمة: أن أناساً من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس، أترى الغسل يوم الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدأ الغسل كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقاً مقارباً السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله ﷺ في يوم حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسول الله ﷺ تلك الريح قال: (أيها الناس: إذا كان هذا اليوم -يعني: يوم الجمعة- فاغتسلوا، وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه). ومن هنا ذهب بعض أهل العلم إلى إيجاب غسل الجمعة على من له رائحة كريهة تؤذي المصلين؛ فإنه يجب عليه أن يغتسل قبل إتيانه إلى المسجد وإلا أثم بذلك، ورأى بعضهم أن الغسل واجب في كل حال، يجب عليه الاغتسال لإتيان الجمعة. وكان أهل العلم -أيضاً- يطلبون العلم صيفاً وشتاءً لا يصدهم الحر عن طلب العلم، فإذا كان يؤذيك حر المصيف وبرد الشتاء فمتى تطلب العلم؟ وحكي في سيرة ابن المظفر سبط ابن الجوزي ﵀ الذي ألف الكتاب العظيم في التاريخ مرآة الزمان، كان حسن الصورة، طيب الصوت، حسن الوعظ، حتى أن أهل دمشق كانوا يخرجون إليه في يوم وعظه يوم السبت بكرة النهار، كانوا يبيتون بالجامع لتحصيل حلقة العلم ويتركون البساتين في الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يحضرون الدرس، ثم ينصرفون إلى بساتينهم، وكانوا يخرجون من البلد إلى بساتينهم في وقت الصيف لاتقاء حر الصيف، فكان إذا صار موعد الدرس رجعوا من البساتين إلى البلد، وبات بعضهم في المسجد لأجل حضور الدرس من كثرة ما يزدحمون عليه! ومما يراعى في الصيف -أيضاً- مراعاة البهائم، كيف لا وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (أن امرأةً بغياً رأت كلباً في يوم حار يطوف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموطها -أي: الماء- فغفر لها) رواه مسلم رحمه الله تعالى.

стр. 6783

إن الله على كل شيء قدير وأقدار الله عجيبة؛ فإنه قادر على الإتيان بالبرد في عز الصيف، وقد حكى ذلك المؤرخون من أهل الإسلام في عدد من المناسبات، قال في المنتظم: وفي اليوم التاسع من ذي الحجة صلى الناس العصر في زمن الصيف وعليهم ثياب الصيف، فهبت ريح باردة جداً حتى احتاج الناس إلى الاصطلاء بالنار، ولبسوا الفراء والمحشوات، وجمد الماء كفصل الشتاء، والله على كل شيء قدير والحمد لله الذي جعل الإسلام في العرب الذين قطنوا هذه الجزيرة التي يغلب عليها الحر، فأجسادهم تطيق الحر وتطيق البرد، ولذلك لما انطلقوا في الفتوحات ما أعجزهم الوصول إلى البلاد الحارة والبلاد الباردة، ولو كانوا من أهل البرد لربما ما أطاقوا الجهاد في بلاد الحر، وأنتم تسمعون ماذا يحصل في بلاد الغرب إذا ارتفعت الحرارة عندهم ارتفاعاً أقل مما عندنا بكثير ماذا يحصل لهم، فالحمد لله رب العالمين. وكذلك فإن بعض السلف قد كره أن يقال: هذا يوم حار، وهذا يوم بارد ونحو ذلك؛ لأنه كلام لا فائدة منه، كما يقول بعض الناس: شيء غير معقول، أو يتأفف، فهذا لا يغير شيئاً، ولن يخبر بجديد، ولذلك كرهوا فضول الكلام، وهذا من الأمثال التي ضربوها إنما هو من المباحات على أية حال، ولكنها تذكرة للناس أن يكفوا ألسنتهم عن بعض المباح خشية الوقوع في أمور محظورة، وألا يتكلم الإنسان إلا فيما يفيد، وإنه مما لا يفيد أن يخبر عن شدة الحرارة ونحو ذلك، وهذه تذكرة أنه إذا كان بعض الكلام المباح يمسك عنه الإنسان فكيف إذا كان الكلام محظوراً ومحرماً كالغيبة والكذب والسب والشتم والفحش ونحو ذلك؟ اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى أن تبلغنا جنة النعيم، اللهم حاسبنا حساباً يسيراً، اللهم واجعل سعينا في الدنيا سعياً مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، اللهم إنا نعوذ بك من جهنم وحرها، اللهم قنا عذاب النار، اللهم قنا عذاب النار، اللهم قنا عذاب النار ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان:٦٥ - ٦٦] اللهم إنا نسألك في هذا اليوم العظيم النصر للإسلام والمسلمين، اللهم ارفع البأساء عن إخواننا في كوسوفو وفي كشمير، وفي سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين، اللهم ارفع الضر عنهم، اللهم قهم شر عدوهم، اللهم إن بهم من البأساء ما لا يشكى إلا إليك وأنت على كل شيء قدير، اللهم إنا نسألك لهم النصر والتمكين على العدو الغاصب يا رب العالمين. اللهم حرر المسجد الأقصى من أيدي اليهود العابثين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اجعل بأسهم بينهم، واجعلهم وأموالهم غنيمةً للمسلمين، اللهم خالف بين قلوب اليهود والنصارى، اللهم اجعل بأسهم بينهم، اللهم اجعل ما مكروه بالمسلمين شراً ووبالاً عليهم إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

стр. 6784

تشريعات إلهية في النكاح إن الله حث على الزواج وأمر به في أكثر من موضع من كتابه وسنة نبيه ﷺ ، وذلك لما له من فضل وطمأنينة وأمان وأسرار أودعها الله فيه، وجعل الله أحكاماً لهذا الأمر حتى ينضبط، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن بعض الأمور والأحكام في الزواج.

стр. 6785

الحث على الزواج والأمر به إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد أمر الله عباده بالنكاح في عدة آيات فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء:٣ - ٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢٠ - ٢١]. وقال : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [النساء:١٩]. دلت هذه الآيات على الأمر بالتزوج وجوباً أو استحباباً بحسب الأحوال.

стр. 6786

الحث على تخير النساء الصالحات وقد جاء الحث على تخير النساء الكمّل، كما جاء في الآية الأخرى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] فهو يرشد في سورة النساء إلى توجيه الاهتمام لهذه الطائفة من النساء بقوله: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٤] فهي تحفظ نفسها إذا غاب زوجها، وتحفظ نفسها إذا غابت عن العيون. وقال ﵊: (فاظفر بذات الدين تربت يمينك) وذلك لنفعها زوجها في دينه ودنياه، ولحفظها نفسها وماله وحسن تدبيرها، ولأنها تحفظ نفسها وماله وتحسن التدبير وتنفع العائلة وتربي الأولاد تربيةً دينية.

стр. 6787

فساد نظرية (تعدد الزواج للمرأة الواحدة بأكثر من رجل) لقد أباح الله للرجل أن يتزوج إلى أربع من الحرائر، ومن الإماء ما شاء بملك اليمين، فلو أنه ملك ألف امرأة ملك يمين لكان ذلك جائزاً له شرعاً لا حرج عليه فيه، وأما عندما تتزوج المرأة أكثر من رجل في وقت واحد كما يقول بعض دعاة تحرير المرأة، عندما يتشدقون بمقولتهم: إذا أبحتم للرجل أكثر من امرأة فأبيحوا للمرأة أكثر من رجل فلا شك أن هذا من فساد عقولهم وفطرهم وظلمهم وجورهم، وكل عاقل يعلم بأن هذه الحالة تؤدي إلى اختلاط الأنساب، ويجتمع في المرأة الواحدة في رحمها ماء رجل وماء رجل ثان وماء رجل ثالث وماء رجل رابع ولا يدرى لأيهم الولد، وقد أثبتت الأبحاث الطبية الحديثة أن اجتماع أكثر من ماء رجل في رحم امرأة واحدة يسبب عدة أمراض خطيرة التي تكون نتيجة لاجتماع أكثر من ماء رجل واحد في رحم امرأة واحدة، ولذلك كانت العدة أمراً مهماً للمرأة قبل الزواج الثاني بعد طلاقها، وكذلك عدة الوفاة، ولحق الزوج الميت -أيضاً- والمهم أن تتم براءة الرحم وينتهي أثر ماء الرجل الأول لكي تتزوج برجل ثانٍ، فانظر إلى حكمة العليم الخبير !

стр. 6788

الحث على العدل في الزواج والتزويج وحث الله عباده الرجال على الاقتصار على امرأة واحدة عند الخوف من الظلم، أما عند التحري في العدل والرغبة فيه فإنه أباح لهم إلى أربع من النساء، وأمر بإيتاء النساء صدقاتهن، وأن المهر يصلح بالقليل والكثير والأموال والمنافع، وبين أن من عنده يتيمة وهو وليها ألا يظلمها، وأنه إذا رغب في نكاحها أن يقسط لها في مهرها -أي: يعدل فيه- فلا ينقصها عما تستحقه، وعما يكون لغيرها في مثل حالها. وكذلك لا يعضلها فيحبسها عن الرجال الأكفاء، وأن المرأة الرشيدة إذا طابت نفسها له بشيء من صداقها فله أكله بلا حرج إن لم يكن بسبب حبسه لها وعضله؛ لأن عضلها ظلم، فإن بعض الرجال الظلمة يفعلونه لكي تفتدي منه بما أعطاها أولاً أو ببعضه، فيكون قد أتى إثماً عظيماً، وقد بين تعالى أن الحكمة في ذلك أنه كيف يأخذه وقد استوفى المنفعة؟ يتزوج المرأة ويدخل بها، وتكون ثيباً بعد أن كانت بكراً بسبب دخوله، ثم يريد أن يضيق عليها لتطلب هي الخلع حتى يأخذ المهر، وليس له فيها حاجة وإنما يريد أن يأتي الخلع منها هي، هو في باطن الحال يريد الطلاق لكن لكي لا يدفع شيئاً، ولكي يسترجع ما فاته يريد أن يأتي الخلع منها لكي تعطيه المال الذي أخذته منه أولاً، أخذته منه مقابل أي شيء؟ الميثاق الغليظ، الميثاق الغليظ المؤكد: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء:٢١] فكيف يسترجع المهر الذي أعطاها وقد أتاها وصارت ثيباً بعد أن كانت بكراً، أو صارت زوجةً ثانيةً بعد أن كانت لقبله لمن قبله؟ وهكذا إذاً: الميثاق الغليظ يجب احترامه؛ وهو التزام الزواج المتضمن القيام بجميع الحقوق التي أولها إيفاء الصداق، وإنما يدفع الإنسان نصف الصداق إذا عفا الطرف الآخر -الزوجة- عن النصف، وكذلك إذا طلقها قبل الدخول وقد سمى لها مهراً، فدلت الآيات على أن الصداق ملك للزوجة وحق لها، وأنه يتقرر كله بالدخول، وكذا بالموت لتمام وقته، فلو أنه كان موظفاً في شركة فعقد على امرأة ولم يدخل بها، ثم مات في حادث سيارة -مثلاً- فإن للمرأة الإرث من زوجها بلا شك، وعليها العدة لأجل الميثاق الغليظ المؤكد وهو عقد النكاح.

стр. 6789

المعاشرة بالمعروف وقد أمر تعالى كلاً من الزوجين أن يعاشر الآخر بالمعروف؛ من الصحبة الجميلة اللائقة بحالهما، وكف الأذى، وألا يماطل أحد منهما الآخر بحقه، ولا يتكره لبذله، ويدخل في المعاشرة بالمعروف أن النفقة والكسوة والمسكن وتوابع ذلك راجع إلى العرف إذا اختلفا في تقديره وتحديده، وأنه تابع ليسر الزوج وعسره؛ لأن الله قال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقد أرشد الله وحث على الصبر على الزوجات ولو كرهها الزوج، فقد يبدل الله الكراهة محبةً، وقد تتبدل طباعها، أو يرزق منها أولاداً صالحين بررة يكون فيهم خيرٌ كثير. وقوله : ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً﴾ [النساء:٢٠] يدل على جواز كثرة المهر مع أن الأولى السهولة فيه؛ لأن (خير النساء أسهلن مئونة) كما جاء في الحديث الصحيح، لكن قد يسهل على الغني دفع مهر لا يسهل على الفقير فعله ودفعه.

стр. 6790

حرمة نكاح المسلم للكافرة أو الكافر للمسلمة وقد بين حرمة نكاح المسلم للكافرة والإمساك بعصمتها إلا المحصنات من أهل الكتاب وهن العفيفات، وحرم إنكاح المسلمة للكافر، ومنه المستهزئ بالدين أو الذي يسب الله ورسوله ودين الإسلام، أو الذي يستهزئ بشرع الله تعالى، أو الذي يترك الصلاة تركاً بالكلية لا يركعها أبداً فهؤلاء كفرة لا يجوز لك يا مسلم أن تزوج ابنتك من واحد منهم، وينبغي أن تتقي الله في البحث عن حاله، ونحن مقدمون على موسم زواج في الإجازات، فينبغي إتمام البحث والتقصي حتى لا تسلم امرأةً مسلمةً مصلية لرجل كافر مرتد لا يصلي، أو أنه إنسان خارج عن الدين بأحد المكفرات التي سبق بيانها في خطبةٍ ماضية.

стр. 6791

حكم الزواج من الزاني والزانية ولما شاع الفساد وانتشر بين الناس، وأدت هذه المفسدات الكثيرة في الجو والأرض إلى انتشار الرذيلة والفاحشة فيما بينهم، حتى كثر السؤال عن الحمل من الزنا وما يفعل به، وهذه من الورطات العظيمة التي تؤدي إليها المعصية، ثم قام الكلام والهمس في كثير من المجالس الخاصة في قضية هذه الفتاة التي فقدت عذريتها بسبب هذه العلاقة من رجل قابلها في السوق أو على باب المدرسة أو على باب الكلية، أو أخذها من مكان واعدها فيه ونحو ذلك، صارت هذه القضية مما كثر الكلام حوله؛ ولذلك فليعلم الجميع بأن الله قد حرم نكاح الزانية حتى تتوب، وحرم نكاح الزاني حتى يتوب، فلا يجوز للزاني أن يتزوج امرأةً مسلمة عفيفة، ولا يجوز للزانية كذلك أن تزوج بمسلم عفيف، ولا يجوز للزاني أن يتزوج زانية حتى يتوب كل واحد منهما، لا بد أن يتوب الأطراف أولاً، وثانياً: لا بد أن يتأكد من براءة الرحم وأنه ليس فيها جنين حتى لو كان منه؛ لأن ما كان من الزاني قبل الزواج لا يجوز أن ينسب إليه، بل ينسب إلى أمه. وهؤلاء في هذه الحالات يتحدثون عن ستر الفضيحة بسرعة العقد عليها، ولما تتبين براءة الرحم، وليعلم المسلمون بأن الله لما حرم شيئاً علم أن فيه من الأضرار الأمور الكثيرة، وهذا واحد منها، فهذه العلاقات المحرمة خربت بيوتاً، وشوهت سمعةً، ونشرت رذيلةً، وأفقدت عذريةً، وأنجبت للحرام أولاداً، وهكذا صارت الفضيحة بسبب الفاحشة وشيوعها، والسبب: عدم الخوف من الله، والتساهل مع البنات في خروجهن وعدم متابعة أولياء الأمور، وهذه القضية التي صارت باجتراء هؤلاء الفسقة من الشباب على حدود الله، وانتهاك الحرمات؛ حتى لربما ضاعت الغيرة على أخته من كثرة ما ولغ في الحرام!

стр. 6792

حكم زواج الهبة لغير النبي ﷺ عباد الله: لقد حرم الله النكاح لطرفي الزنا حتى التوبة، وكذلك فإنه بين أن الهبة خاصة بالنبي ﷺ ، كما في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فهذا صريح على أنه ليس للمؤمنين أن ينكحوا إلا بمهر مسمى أو مفروض بعد ذلك، ولذلك فإن فعل بعض الزانيات في بعض الجامعات عندما تهب نفسها لرجل أو طالب جامعي وتقول: وهبت نفسي لك على نكاح الهبة ليعلم أن ذلك عقد باطل، ونكاح باطل ليس في شرع الله أبداً، بل هو زناً محرم. وكذلك فإنه لا بد من موافقة الولي، وهذا العقد الذي يكون من طرفه بقوله: زوجتك. ففعل هذه الزانية عندما تقول: وهبت نفسي لك، ونحو ذلك من الكلام التافه الذي لا يغني ولا يقام له وزن في هذه الشريعة، كل هذا -أيها الإخوة- من تسويلات الشيطان، ورغبة بعض الناس -بزعمهم- في العثور على القضية بسهولة، وقضاء الشهوة والوطر ولم يعقدوا عقداً شرعياً، ولذلك فإن هذا النكاح باطل كما يسمونه في بعض الأماكن "نكاح الهبة" ونكاح الشغار -أيضاً- بأن يزوج كل واحد لآخر موليته، ومهر كل واحدة بضع الأخرى. إذاً: لا يجوز أن تكون هذه مقابل هذه، ولا أن تكون هذه شرطاً لهذه، وإنما لكل واحدة مهر مستقل، وعقد مستقل، وزواج مستقل وهكذا.

стр. 6793

حكم زواج الرجل امرأة تبقى في بيتها ثم إن بعض الناس يتساءل عن حكم أن يتزوج امرأةً تبقى في بيتها أو في بيت أهلها يأتيها متى شاء، فنقول: الجواب على هذا: متى تم الزواج والنكاح بالشرط الشرعي بالإيجاب والقبول من ولي الزوجة مع الزوج مع الشاهدين، وعقد هذا النكاح وأشهد عليه وأشهر فإنه نكاح صحيح، وتنازل المرأة عن النفقة أو عن السكن أو عن ليلتها هو أمر يعود إليها، فلو أنها تنازلت عنه أو عن بعضه فهو أمر يعود إليها، ولا يبطل النكاح ولا يؤثر في صحته إذا تنازلت عن مسكن أو عن ليلة من الليالي، إذا كان الرجل متزوجاً بأخرى فرضيت أن يأتيها مرةً أو مرتين في الأسبوع مثلاً، فإن هذا لا يبطل النكاح ولا يؤثر في صحته، فهي صاحبة الحق، وهي التي رضيت بأن يعطيها بعض الحق، ولذلك يبقى النكاح صحيحاً. أما نجاحه وفشله فهذه قضية أخرى، فقد يكون اجتماعياً يكثر فيه الفشل، أما بالنسبة للحل والحرمة في عقد النكاح فإذا استوفى شروط العقد الشرعي فإنه نكاح صحيح.

стр. 6794

تمتيع الزوجة المطلقة وقد ذكر الله في كتابه أنه لو تزوجها ولم يفرض لها صداقاً ثم طلقها قبل المساس بها أن لها المتعة على الموسع قدره وعلى المقتر قدره؛ أن يمتعها وجوباً إذا لم يسم لها صداقاً وطلقها قبل المساس بها، يمتعها ويعطيها مالاً على حسب حاله. وأما تمتيع الزوجة المطلقة في غير هذه المسألة فإنه سنة مؤكدة، لكل إنسان مسلم زوج إذا طلق زوجته أن يعطيها غير المهر متاعاً، قال الله تعالى عن هذه السنة المهجورة من كثير من المطلقين، بل لا تجد في المطلقين من يطبق هذه السنة إلا القليل جداً والنادر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١]، ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾ [البقرة:٢٤١] حتى التي دخل بها، حتى لو بقيت عنده عشرين سنة ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١]، فمع أنه أوفاها مهرها في الأول وأعطاها نفقتها كاملة طيلة عشرين عاماً، ثم طلقها فإن التمتيع بالمعروف هو سنة مؤكدة جداً؛ لأن الله قال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]، فإذا كنت تقياً يا أيها المطلِّق فلا تنس أن تعطيها مما أعطاك الله في وداعها بعد الطلاق، وأن تقدم لها ما يجبر خاطرها الذي انكسر بالطلاق. هذا المتاع وهذا التمتيع الذي ندر من يفعله في هذا الزمان هو شيء يدل على الوفاء، ويدل على المفارقة بإحسان؛ لأن كثيراً من حالات الطلاق تنتهي بالمضاربات والمشاتمات واللعنات والمسبات بدلاً من أن تنتهي بهذا المتاع الذي ذكره الله في كتابه فقال: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فأين المتقون الذين يؤدون المتاع إذا طلقوا فترجع المرأة إلى بيت أهلها إذا طلقت وفي نفسها ما يطيبها على ذلك المطلق من جبران شيء من الكسر الذي حصل للخاطر بسبب الطلاق؟

стр. 6795

بيان معاملة الزوجة الناشز أيها المسلمون: شرعنا -والحمد لله- شرع شامل كامل، فيه مراعاة للنفوس والخواطر، وفيه إرضاء ومراضاة، ولذلك فإن الله أباح أن يأخذ الرجل من مهر الزوجة إذا رضيت، وأن تسقط المرأة من المهر إذا رضيت، فقال تعالى: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢]، دليل على اعتبار رضا الزوجين، وأن ذلك التراضي مقيد بالمعروف ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٢] وقد أمر الله الزوج إذا نشزت زوجته بإجراءين: الأول: إجراء على ثلاث مراحل: أن يعظها، ويهجرها في المضجع، فإن لم تعتدل ضربها ضرباً غير مبرح، يجتنب الوجه ولا يجرح ولا يكسر عظماً. والإجراء الثاني: إذا خيف الشقاق بينهما، وخيف ألا تقبل الحالة الالتئام ولو بهذه الإجراءات الثلاثة السابقة والخطوات الثلاث والدرجات الثلاث السابقة إذا خيف ألا تقبل الحال الالتئام أن يجتمع حكمان: واحد من أهل الزوج وواحد من أهل الزوجة، فينظران في الاجتماع بينهما، إن أمكن بطريقة من الطرق إما ببذل عوض، أو إسقاط حق من الحقوق، أو بغير ذلك، فلا يعدلا عن ذلك، ولكن إذا تبين أنه لا يمكن الاستمرار في الحياة الزوجية، فلهما التفريق بينهما بخلع من الزوجة أو بتطليق من الزوج، بحسب ما يقتضيه الحال، وما يقتضيه العدل والتجرد والإنصاف من النظر من قبل هذين الحكمين. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الوقافين عند حدودك، المطبقين لشرعك، اللهم اجعلنا ممن أحل الحلال وحرم الحرام إنك سميع مجيب، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم أوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.
следующие страницы →