← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]. بعد ذلك أنزل الله على موسى التوراة فيها الهدى والنور، وفيها التوحيد، وفيها ما في الكتب السماوية السابقة، فهذه هي صفة التوراة عندما نزلت، ولكنّ العبرانيين أتباع موسى بعد ذلك غيروا وبدلوا وحرفوا، فالتوراة التي بين أيدينا والتي كانت منذ عصر الوحي المحمدي قام علماؤهم وكبراؤهم فبدلوا فيها وغيروا وحرفوا وزادوا ونقصوا، وأدخلوا فيها الشرك بعد ذلك، فلقد قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]. فزعموا أنهم أبناء الله، فلم يشركوا بالله واحداً بل أشركوا كل البشر؛ لأن ابن الإله إله إن صح أنه ابن ولا ابن لله، ولا يليق بالله سبحانه أن يكون له ابن، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:١ - ٣]. ولكن لشركهم قالوا ذلك، والتوراة بين أيدينا فيها الطعن في جلال الله، وفيها اتهام الأنبياء بالكبائر: بالسكر وبالزنا وبالفساد، وبإتيان المحارم، وفيها ما لم يكد يخطر على بال. ومن هنا كان اليهودي في دمه وفي عرقه وفي نشأته وفي بيئته عنصراً للفساد، فهم يدينون بشتم الله، ويدينون بقذف الأنبياء، ويدينون بسفك الدماء، ويدينون بنشر الفاحشة ونشر السوء بين البشر، ولذلك هؤلاء الذين يسعون من الحكام إلى فتح الحدود معهم، إنما يزيدون شعوبهم فساداً وفاحشة وكفراً وبلاءً، فإن هذا لبلاء مبين، فأرجو الله تعالى أن يزيله وألا يتمه، وأن يخيب آراءهم، وأن يرد كيدهم في نحورهم جميعاً هم وأنصارهم ومن يريد أن يفعل ذلك منهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص:٤٣]. أرسل الله موسى بالتوراة من بعد قرون سابقة عنه هلكت وبادت وانتهت، والقرون هم قوم نوح، وقوم هود وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وقد قص الله علينا قصصهم. والقرن هو المائة من السنين، والقرن هو الجيل بعد الجيل. وموسى جاء متأخراً بعد ذلك، وقد سبقه هؤلاء كلهم، فـ شعيب أرسل إلى مدين، وإبراهيم إلى نمرود، ولوط إلى أهل سدوم في فلسطين، وهود وصالح إلى عاد وثمود، ونوح إلى البشرية، وكانت لا تزال قريبة العهد بآدم، ليس بينها وبين آدم إلا ألف عام، ولبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فقص الله علينا ما قص مما مضى جميعه بعد هذه القرون الطويلة، وهذه الأجيال المتتابعة التي أهلكها الله وذهبت في أمس الغابر. وأرسل الله بعد ذلك موسى، وسبقه من بني إسرائيل يوسف وأيوب ويعقوب وإسحاق، بل يعقوب هو إسرائيل وهو كبير أنبياء بني إسرائيل، أما إبراهيم وإن كان أباً لهم فهو كذلك أبو العرب الأول، وهو الذي مكن للعرب هنا، وأتى بولده إسماعيل وأسكنه هنا في هذه الأرض المقدسة، فكان إسماعيل نبي الله ورسول الله الجد الأعلى لنبينا ﵊، والجد العالي لجميع عرب اليوم، أما الذين كانوا قبله فيسمون بلغة الأنساب والأحساب: العرب العاربة، وهؤلاء انتهوا ولم يبق منهم أحد، ولذلك الله عندما ذكر إبراهيم قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] والخطاب للعرب، فهو أبو العرب، وهم نسله، ولذلك دعا إبراهيم ربه لإسماعيل أن يجعل رسولاً من سلالته، ولذلك كان يقول نبينا ﵊: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وأنا بشرى أخي عيسى، هو الذي بشر الناس باسمي، وقال لهم في الإنجيل: يأتي من بعدي رسول اسمه أحمد) ومحمد وأحمد اسمان كريمان للكريم خاتم الأنبياء ﵊.

стр. 1017

تفسير سورة القصص [٤٣ - ٤٦] آتى الله سيدنا موسى الكتاب هدى لبني إسرائيل؛ لكنهم عاندوا وطلبوا ما ليس لهم أن يطلبوه، وقد أقام الله عليهم الحجة وأثبت صدق رسله وأنبيائه.

стр. 1018

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) قال الله ربنا ﷻ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]. لا نزال مع موسى وما أكرمه الله به من إشادة وذكر في العالمين منذ طفولته، بل منذ ولدته أمه إلى أن أصبح نبياً كريماً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص:٤٣]. فبعد أن كلم الله موسى ﵇ وشرفه أنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، وفيها الصلاح والفلاح والدعوة إلى الله، وهكذا كان هذا الكتاب يوم نزوله، ووقت وجود موسى وهارون ﵉، ثم بدلوه وغيروه من كتاب توحيد إلى كتاب شرك ووثنية، فجعلوا لله شركاء وجعلوا أنفسهم أبناءً لله، وقذفوا الأنبياء واتهموهم بالكبائر، وقالوا عن الله ما لا يقوله إلا كافر أرعن أحمق. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص:٤٣]. فقد جاء موسى ﵇ وأرسل بالكتاب إلى بني إسرائيل بعد القرون الماضية والأجيال السابقة، قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم إبراهيم، فجاء بعدما هلكوا وبادوا. وفسر بعض المفسرين الآية: أن الأمم والأنبياء من قبل موسى لم يشرع لهم القتال والجهاد، فإذا كفرت أمة وأشركت بادرها الله بالعقوبة في الدنيا بأمر منه، فحين عصى قوم نوح نوحاً أفاض الله عليهم الماء فأغرقهم، وأهلك عاداً بما أهلكهم به من الصيحة والفزع، وأهلك قوم صالح كذلك، وأهلك قوم لوط بأن جعل عالي الأرض سافلها، وأهلك قوم فرعون بالغرق والضياع، ثم لما جاء موسى شرع القتال والحرب، فلم تبق الفتنة ولا العذاب ولا القضاء شاملاً عاماً لكل الأمة ممن كفر بالله وأشرك به، ولكن الله تعالى شرع للمؤمنين أن يقاتلوا الكافرين؛ ليذلوا ويسحقوا ويؤدبوا على يدهم، ومنذ موسى ﵇ رفع الخسف والصعق والغرق والبلاء على الأمم عامة، إلا ما كان من القتال والجهاد، يكرم الله به المؤمنين، وهم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأولادهم رخيصة لإعلاء كلمة الله. ومع ذلك فإن قرية من القرى أيام موسى ﵇ عندما تحايلوا على الصيد في يوم السبت وحاصروا الحيتان وحجزوها إلى يوم الأحد مسخوا قردة، قالوا: ولم يحدث بعد ذلك أن كان شيء من هذا، وإنما الهلاك يكون على يد الأمم بعضها بعضاً، فيسلط الله قوماً على قوم، وأمة على أمة، فقد يكون المسلمون - وهو هذا الشأن - هم المظفرون المنصورون، ولكن إذا بدلوا كذلك وغيروا كما صنع اليهود والنصارى قبلهم سلط الله عليهم شعوباً أخرى أذلوهم واستعبدوهم واستعمروهم، كما نعيش منذ قرون، ولا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأن المؤمنين زادوا كفراً وخلافاً وعصياناً، وبقدر ما يزيدون يزيد الله عذابه ونقمته وتأديبه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص:٤٣]. القرون جمع: قرن، تطلق على المائة سنة، وعلى الجيل، وهنا أطلقت على الأجيال والأمم والشعوب ما مضى منها وما تلا، وإلى عصر موسى وما بعد عصره، ثم أوقف الله عذابه الشامل للأمم، واكتفى بأن أمرهم بالجهاد، ليقاتل المسلمون الكافرين، وأرسل موسى بالتوراة والكتاب بصائر للناس، أي: للتبصر والتنور والوعي والإدراك والإيمان عن بصيرة، فكان بصائر للناس وهدى؛ ليهتدوا بذلك ويزول ما هم فيه من ظلمات بعضها فوق بعض، ثم هو هداية يهديهم من الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ورحمة ومغفرة ودخولاً للجنان وقبولاً لتوبة من آمن به والإيمان والإسلام يجب ما قبله. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]. فأرسل الله موسى ﵇ بالتوراة؛ ليتبصر بها بنو إسرائيل، ويخرجوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، وأرسل هداية؛ ليتركوا الضلال إلى الهدى، ثم رحمة لمن آمن به، وصنع ذلك بهم لعلهم يتذكرون ويعون ويفكرون، ولعلهم يقولون يوماً: ربي الله، ويدعون الكفر والظلام والضلال إلى الإيمان والهداية والنور.

стр. 1019

تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي) قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤]. هذا من ظواهر المعجزات التي أتى بها نبينا ﵊ التي ينص عليها الله في كتابه؛ ليعيها الشاك والمرتاب والمتردد، وليزداد بها المؤمن إيماناً وإيقاناً وثباتاً في الله وفي دينه. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ [القصص:٤٤]. أي: يا محمد! لم تكن حاضراً في الجانب الغربي جانب الطور وجانب الشجرة والبقعة المقدسة المباركة التي نادى فيها الرب ﷻ عبده موسى، فكلمه وشرفه وأرسله، فأنت لم تكن حاضراً، ولم تكن من الشاهدين ولا من الحاضرين، ومع ذلك أنت الآن علمت ذلك كما لو كنت شاهداً وحاضراً، وأمتك لم تكن أمة قارئة، بل كانت أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولم ينزل على أمتك وشعبك قبلك نبي ولا كتاب، وها أنت ذا تتكلم بالحقائق، وتتحدث عن الأنبياء السابقين منذ آدم إلى نوح إلى موسى وعيسى ﵈، بما كانوا عليه من حقائق، وبما عاشوا فيه من واقع، وتتحدث عن الدنيا منذ كانت، إلى أن وصلت إليك، إلى ما بعدك وإلى يوم القيامة، وأنت لم تكن حاضراً هذا مع موسى؛ لأنك لم تكن خلقت بعد، فبينك وبينه الآلاف من السنين، فلم يكن ذلك إلا وحياً وإنباء وإخباراً من الله؛ لتعلمها أنت وتعلمها لهم ولغيرهم. أفلا يكفي الكافرين من العرب والعجم من السابقين في عصر النبي ﷺ ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة أن يروا هذا الرجل الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب يأتيه الوحي في غار حراء، فإذا به ينطق بالحكمة ويقول الحقائق والعلوم التي لم يعلمها سابق ولا لاحق؟ فمن أين ذاك؟ أعلمه الناس كما زعم بعض الكافرين قديماً وحديثاً، فقد زعموا أن حداداً كان في مكة هو الذي علمه، وهو لا يكاد يبين بالعربية، ونبينا لا يعرف سواها، وهذا الحداد ما عسى أن يعرف أو يعلم، فهو جاهل ولا يكاد يعلم ما في يومه فضلاً عن أمسه وعن مستقبله، وهذا الذي أتى به من المعارف والحقائق وما فرض على الناس يؤمن به من أصلح الله قلبه وغسله من الشرك والظلمات والكفر والعناد على الكفر. وفي عصرنا هذا كتب أحد النصارى الفرنسيين كتاباً قارن فيه بين القرآن والتوراة والإنجيل، وقال: كل ما جاء في التوراة فقد حرف، والإنجيل قد حرف، وكل ما أتى به هذان الكتابان التوراة والإنجيل يخالف الحقائق والعلوم والواقع، إلا القرآن فما نطق القرآن بشيء عن السماوات والأرض وأنباء الأنبياء السابقين والأديان السابقة إلا وهو حق وصدق أيدته الكتب السابقة والعلم الحديث والحفريات على الآثار التي اكتشف بها الكثير مما كان يجهله الناس، وهكذا الله ﷻ يلفت أنظار العقلاء والذين يبحثون عن الحقائق؛ ليعيشوا مع الحق والواقع، لا مع الأوهام، والأكاذيب والأباطيل والأضاليل. وفكر يوماً أيها المشرك الكافر! من أين لمحمد العربي الأمي هذه العلوم والحقائق، وهذه القصص عن موسى منذ الولادة إلى النهاية، وهو لم يكن شاهداً ولا حاضراً، وهذا ما يلفت إليه القرآن أذهان الناس وعقولهم، فقال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص:٤٤]، أي: لم تكن بجانب الجهة الغربية من الشجرة المباركة في البقعة المقدسة عندما أوحى الله إلى موسى ﵇ ما أوحى وكلمه بما كلمه، وقضى الله ﷻ الأمر والرسالة والنبوة، والهداية والتكليف منه ﷻ إلى موسى، وهو الأمر الذي يشار إليه بالأمر، فلم تكن حاضراً إذ ذاك، فمن أين لك هذا لولا أن الله أكرمك بالوحي، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً؟ كما أن له الفضل على أتباعه المؤمنين به وبجميع ما جاء به ففضل الله عليه وعلى أتباعه عظيم. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤]، أي: لم تكن بجانب الغربي مع موسى عندما كلمه الله، ولا من الحاضرين في عصره، المشاهدين لحياته، كيف ولد، وكيف قذف في اليم، وكيف أخذ إلى فرعون، وكيف كبر، وكيف قتل الفرعوني، وكيف خرج من مصر، وكيف بقي في مدين إلى أن تزوج وأصبح زوجاً وأباً، وكيف رحل بعد ذلك إلى أن كلم بالوحي، ثم كيف عاد إلى مصر، فمن أين لك كل هذه الحقائق لولا إنعام الله عليك بالوحي وبالعلم وبما علمك به؟

стр. 1020

تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قرونا) قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]. الكلام هنا مع اليهود والنصارى أولاً، ثم مع الكفار عموماً من كفار مكة والجزيرة إلى كفار الأرض بكل مللهم وأجناسهم ونحلهم. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]، أي: ولكن الله بعد موسى والتوراة أنشأ وخلق قروناً وأجيالاً وشعوباً وأمماً أخرى طويلة في مئات وآلاف من السنين. ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]، أي: طال على أهل الكتاب نصارى ويهوداً، وعلى المشركين الذين لم يؤمنوا بكتاب قبل ولم يرسل إليهم نبي ولا كتاب، فطال عليهم العمر والزمن من قبل ومن بعد إلى نسوا الكتاب فحرفوه وبدلوه وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتسافدوا تسافد البهائم في الشوارع، وأصبح القوي يأكل الضعيف، والغني المتجبر الطاغي يستعبد الخلق والبشر. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]. ومعناه: لكن هؤلاء بدلوا وغيروا وأنكروا أن يكون النبي ﷺ ذكر في التوراة والإنجيل، وأبوا إلا الكفران والجحود كما كفروا قبل ذلك بشريعتهم، فغيروها وحرفوها وبدلوها، وغيروا كتب الله ورسالاته، حتى إذا جاءهم سيد البشر ﷺ مبيناً لهم الحقائق مصححاً لهم الوقائع والأحداث أبوا إلا العناد والجحود والكفران والتألب والتواطؤ والتآمر على هذا الدين الجديد وعلى نبيه المرسل إليه صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1021

تفسير قوله تعالى: (وما كنت ثاوياً في أهل مدين) قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص:٤٥]. أي: لم تكن حاضراً بين قوم شعيب، ولم تكن ثاوياً مقيماً بينهم، حتى تعلم عنهم وتدرك حالهم وتعرف أخبارهم بنفسك وتتلو عليهم آياتنا، ولم تكن نبياً إذا ذاك ولا معلماً ولم يظهر شخصك بعد، ولكن ذكرك واسمك سبقاك، فذكرت في توراة موسى وإنجيل عيسى ﵉، وبشرت بك الخلائق من قبل جيلاً بعد جيل، وديناً بعد دين، وقرناً بعد قرن، ولكن هؤلاء أبوا إلا التغيير والتبديل والانحراف. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ [القصص:٤٥]، أي: وما علمناك وأخبرناك من قصص شعيب ومن قبله ومن بعده لم تكن بينهم ولا حاضراً معهم، ولا تلوت عليهم كتابك، فلم تكن بعد لا أنت ولا كتابك ولا رسالتك. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص:٤٥]، أي: ولكننا بعد ذلك شرفناك ورفعنا ذكرك، وقرناه باسمنا في الشهادتين وفي الإقامة وفي مفاتيح الإسلام، فلا تتم شهادة الدخول في الإسلام إلا بقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ولا يتم أذان ولا إقامة إلا إذا قرن اسم محمد ﷺ باسم الله خالقه ومرسله، ﷺ ، وتعالى ربنا وعز. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص:٤٥]، أي: ولكن سبب مجيئك بهذه الأخبار مع أنك لم تكن حاضراً هو أننا أرسلناك فعلمناك وهديناك وأنزلنا عليك القرآن خاتم الكتب السماوية والمهيمن عليها والمتحكم فيها والمبين لحقائقها والمزيف لأباطيلها، فعند ذلك تكلمت بالحق والصدق وبالوحي من الله، فكان كلامك عن الله، سواء القرآن الذي هو كلام الله باللفظ والمعنى، أو السنة التي هي بيان وتفسير وشرح للكتاب. قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] ومن هنا كان قول النبي ﵊ شرعاً، وفعله شرعاً، وإقراره شرعاً في الغضب والرضا، في السفر والحضر. ولذلك عندما كان يكتب عبد الله بن عمرو بن العاص كل ما يسمع من النبي ﷺ قال له بعض الجهلة من قريش: أتكتب عن رسول الله كل شيء، وهو بشر يغضب ويرضى؟! فكف، فسأله النبي ﷺ : لم ذاك؟ فقال: قال لي فلان وفلان من قريش كذا وكذا، فقال: اكتب، فوالله لا يخرج منه إلا الحق في الغضب والرضاء. فلا هوى له ﷺ ، وما هو إلا الوحي والحق والدعوة إلى الله، ولم يكن يعتبر لنفسه كياناً ولا وجوداً، بل كان يتسامح فيما يتعلق بشخصه إلا إذا انتهكت محارم الله فهو الأسد الهصور، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

стр. 1022

تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الطور) قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦]. أي: كذلك لم تكن مع موسى عندما جاء يبحث عن هذه النار التي رآها وهو لا يريد منها إلا جذوة أو خبراً من أي أحد من الناس يهديه الطريق ويعرفه كيف يذهب في مسالك الأرض، ولم تكن معه عندما نودي من الشجرة المباركة: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]. فلم تكن بجانب الطور إذ نادينا وقلنا: يا موسى! ومع ذلك علمت ما لم يعلم غيرك ممن مضى أو حضر، ومن باب أولى ممن يأتي إذ لا نبي بعده ولا رسول. وهذا تأكيد لقوله في الآية الأولى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص:٤٤] أي: بالجانب الغربي من الشجرة المباركة من البقعة المقدسة، أي: لم تكن بجانب الطور وجبل سيناء عندما نادى الله موسى وكلمه، وقال: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] ومع ذلك علمت ذلك وتحققته وأمرت بمعرفته، وذلك لتعرف به الناس وتصحح أغاليطهم التي حرفوها وأتوا بها منحرفة في التوراة والإنجيل والزبور. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٤٦]. رحمة: مفعول مطلق، أي: ولكن رحمك ربك رحمة. ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٦] فقد أرسلناك وبعثناك نذيراً لقوم لا يعرفون من قبل نذيراً، ولم يرسل إليهم رسول، ولم يبعث إليهم هاد، ولم يأتهم كتاب، فقد جئتهم على قدر يا محمد! فرحمه الله وأكرمه بالوحي وبالرسالة وبختم الأنبياء والرسل، وأرسل لقوم ابتداءً، وإلا فهو قد أرسل لكل البشر. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]. وقال ﷺ : (أرسلت إلى الأبيض والأحمر، لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وليس هذا موضع نزاع من أحد، ومن هنا كانت القاديانية وكل ملة وفرقة تزعم أن لها نبياً بعد محمد ﷺ هي أديان كاذبة باطلة، ومعتقد ذلك كافر، فإن كان قبل مسلماً فقد ارتد، فإما أن يعود إلى الإسلام، وإما أن يقتل بسيف الإسلام. والله أرسل النبي ﵊ على ثلاث مراحل، فقيل له أولاً: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فأنذر عشيرته الأقربين، وأخذ ينادي: يا صفية بنت عبد المطلب! يا فاطمة بنت محمد! يا فلان! يا فلانة! وقال لهم: إني نذير من الله لكم بين يدي عذاب أليم. ثم بعد ذلك دعا الأبيض والأسود، ودعا المشرك واليهودي والنصراني، ودعا كفرة الأرض جميعاً بكل أشكالهم، ومن كان في الأصل صاحب كتاب ثم أشرك فحرف وبدل، ومن لم يكن له كتاب أو كان يؤمن بخزعبلات من الاعتقاد في الحجارة وفي البشر، وقد كان بعضهم يعبد النار، وبعضهم يعبد عزيراً والمسيح، وبعضهم يعبد الشيطان، وبعضهم يعبد الأحجار، وبعضهم يعبد غير هؤلاء، فكل هؤلاء كفرة مشركون، وكلهم إما أن يدخلوا الإسلام، وإما أن يجاهدوا، بل يجب جهادهم حتى يؤمنوا، ومن لم يفعل يؤدي الجزية عن يد وهو صاغر. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٦] أي: لتنذر وتدعو قوماً لم يرسل لهم قبلك نذير، وهكذا كانت الرسالة في الشهور الأولى، ثم عمت، وشملت الشرقي والغربي، والكتابي والوثني والمشارق والمغارب، وجميع أمم الدنيا، وقال الله له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، أي: لعلهم يتذكرون وبرحمة من ربك أرسلك نذيراً إلى العرب الذين لم يرسل لهم قبلك نذير ولا رسول ولا كتاب؛ لعلهم يتذكرون ويذكرون أن هذه نعمة من الله لم ينعم بها على أحد قبلهم، إذ الأديان قبلهم كانت قومية خاصة بالأقوام. وأما الرسالة التي أرسل بها نبينا ﷺ فهي رسالة شاملة عامة، تعم كل الكون الجن والإنس.

стр. 1023

تفسير سورة القصص [٤٧ - ٥٤] إن من عادة أهل الكفر والجحود أن يتعنتوا أنبياءهم ورسلهم بالمطالبة بالآيات التي لو استجيب لهم فيها ما آمنوا بها، ولو عذبوا لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، فإذا جاءهم الرسول اتهموه بالسحر والأباطيل.

стр. 1024

تفسير قوله تعالى: (ولولا أن تصيبهم مصيبة) قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]. أي: لولا أنه لم يسبق أن أرسلنا للعرب رسولاً ونذيراً نتيجة ما قدمت أيديهم من معاص وذنوب وشرك وكفر وظلم لعاجلناهم بالعقوبة، هذا هو جواب (لولا) المفهوم من سياق الكلام. أي: لولا أن يصيب العرب ممن لم ينذروا قبل برسالة أو هداية مصيبة أو بلية أو كارثة تجعلهم كمثل السابقين من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم هود. وذكر الأيدي لأن أغلب الظلم والطغيان والجبروت يكون باليد، وليس المقصود بما قدمت أيديهم فقط، وإنما بما قدمت أنفسهم نطقاً باللسان أو اعتقاداً بالجنان أو عملاً بالجوارح. قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [القصص:٤٧]. فيعاجلوا بالعقوبة فيصيحوا: ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [القصص:٤٧] أي: يا ربنا عجلت لنا العقوبة في شيء نجهله ولا نعلمه، فنحن لا نعرف كيف نعبدك وندين لك؟ ومن الذي يعلمنا؟ فلم ترسل لنا نبياً، ولله الحجة البالغة، وما أرسل الرسل مبشرين ومنذرين إلا لتكون الحجة له على البشر، وقد قال ربنا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. قال تعالى: ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧]. وهذا لو أن الله عجل لهم العقوبة، ولكنه لم يفعل؛ لتبقى الحجة له ﷻ ، ولكي لا يقولوا هذا ويعتذروا به، فإذا عوقبوا لا يقولون: هلا يا ربنا! أرسلت لنا رسولاً كما أرسلته للأمم السابقة والقرون الماضية.

стр. 1025

تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم الحق من عندنا) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القصص:٤٨]. أي: فلما جاءهم الحق من الله ﷻ وأرسل لهم آخر الأنبياء النبي الخاتم الشامل العام بشيراً ونذيراً، كما قال الله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص:٤٨] وفي قراءة: (وقالوا ساحران تظاهرا)، وهما قراءتان سبعيتان. فالله أرسل لهم ما طلبوا وتمنوا بقولهم: هلا أرسلت إلينا رسولاً، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ [القصص:٤٨] والحق هنا: هو النبي ﷺ ، أخذوا يعترضون ويصرون على الكفر، فقالوا: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص:٤٨]، أي: لم لم يأت محمد بالمعجزات كما أتى بها موسى؟ ولم لم ينزل عليه القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؟ ولم لم يأتي بمعجزة العصا ومعجزة اليد ولم يفعل ما فعل موسى؟ فإذا بالقوم متنطعون معاندون لا يريدون إيماناً، وإنما يريدون الهزل والحجاج بالباطل والعناد والدوام على الكفر. فقال لهم ربنا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:٤٨]. فالآن يقولون: موسى، وهل آمنوا بموسى من قبل؟ وعرب مكة والجزيرة لا يعرفون عن اليهودية والنصرانية شيئاً، وأنبياء بني إسرائيل لم يرسلوا إليهم، ولكن أرسلوا إلى بني إسرائيل، ولكن عندما ظهر النبي ﵊ في هذه البطاح المقدسة أرسلوا إلى يهود المدينة، ولم يكن بمكة يهود ولا نصارى، فقالوا: أبلغكم ما يزعم هذا الرجل؟ قالوا: نعم. وقد قرأنا في التوراة وفي الإنجيل أنه سيبعث نبي يكون آخر الأنبياء في آخر الزمان، فعندما سمعوا ذلك وقالوا لهم بأن موسى عليه نزل كتاب عليه، وكان وكان، فأخذوا يقولون: جاءنا محمد بغير ما جاء به موسى، فلم يأت بمعجزة كمعجزة موسى، فقال الله لهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:٤٨]. فما أوتيه موسى من التوراة، هل آمنوا بها؟ وكيف لم يتذكروا الإيمان بالتوراة إلا الآن؟ قال تعالى: ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص:٤٨] أي: سحر التوراة وسحر القرآن، واعتبروا جواب اليهود تواطؤاً وتعاوناً مع النبي ورسالته ﵊، وكان اليهود قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة كثرة متضافرين، وكانت لهم السيادة العلمية على الأوس والخزرج في المدينة، ففرحوا بمبعثه، وكانوا يظنون أنه لا يطلبهم أن يؤمنوا به، وأنه إنما جاء لمن لا كتاب له ولم يرسل له نبي من قبل، وقالوا: سنتعاون معه على احتلال الجزيرة وامتلاك العالم، فعاشوا سخفاء إلى أن سبقهم الحق ونبذهم وطردهم وألزمهم بالإيمان، فما آمن منهم مع النبي ﵊ إلا ما لا يكاد يعد إلا على الأصابع. فعندما قال اليهود لقريش ذلك ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ [القصص:٤٨]. أي: القرآن سحر، والتوراة سحر، والقراءة التي فيها: (ساحران تظاهرا) وهي قراءة نافع، أي: الساحر موسى كما قال عنه الكفرة من الفراعنة، ومحمد ساحر، كما كذبوا وزعموا، وحاشا نبينا وموسى من كل ذلك. قوله: ﴿تَظَاهَرَا﴾. أي: كان بعضهم ظهيراً ومساعداً ومؤيداً ومؤازراً لبعض، فقالوا سحران تظاهرا ثم زادوا فأصروا، ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص:٤٨] أي: بالتوراة والقرآن وبموسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وزعمهم وقولهم: لم لا يكون عند محمد من المعجزات ما عند موسى قول سخيف من عقول سخيفة، وإلا فقد أتى نبينا ﵊ من المعجزات بما تجاوز وسبق كل الأنبياء السابقين، فما من معجزة أتوا بها إلا وأتى النبي ﵊ بمثلها وزيادة، وبأكثر منها ﷺ ، فالنبي ﵊ حدثته الدواب والحيوانات، وشكت إليه الجمال، وشكى إليه الذئب، وحن لفراقه الخشب وهو جامد يابس عندما ترك المنبر الذي كان يخطب عليه في المسجد النبوي، وكثر القليل في يده الذي لم يكن يكفي شخصين أو ثلاثة، فكفى الجيش بما فيهم العشرات والمئات، ونصره الله على عدوه نصراً عزيزاً مؤزراً، وموسى لم يأت من المعجزات إلا بالعصا واليد. وأما نبينا ﵊ فقد خصصت كتب في معجزاته وخصائصه، ولقد كتب الإمام السيوطي ﵀ كتاب الخصائص، فتجاوز بها مائتي خصيصة، كلها مما اختص به نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ولم يأت نبي قبل موسى أو بعده بالمعجزة الخالدة العروج إلى السماء من بيت المقدس سماءً سماء إلى سدرة المنتهى إلى أن كان قاب قوسين أو أدنى، ثم صلى ﷺ بأرواح جميع الأنبياء، فكان ذلك إشارة بأنه إمامهم وكبيرهم وسيدهم ﷺ ، وهل تحدث موسى وكتابه عن العلوم والمعارف والحقائق الكونية والشرعية والحكمية كما تحدث عنها القرآن الكريم الذي أنزل على نبينا صلوات الله وسلامه عليه؟ ولكن العناد وصعود الران على القلب والخذلان من الله ترك هؤلاء يقولون ذلك. على أن هذا الذي قالوه قد ذكره أكثر المفسرين عن كفار مكة، وقاله في عصرنا هذا المستشرقون من كفرة اليهود والنصارى والمجوس، وقبل ذلك قالوا: إن محمداً لم تكن معه معجزة، وكرروا كل ما ذكره القرآن عن الكافرين السابقين، وقد قال ذلك الفرس والروم والأحباش وكل ملل الكفر قديماً وحديثاً، والكفر ملة واحدة كما يقال، والواقع ينفي ذلك، والتاريخ المتواتر يذكر من معجزات نبينا ﷺ ما لم يسبق له نظير من أحد من الأنبياء قط، لا الخليل إبراهيم، ولا الكليم موسى، ولا عيسى، ولا أولي العزم الخمسة من الرسل عليهم جميعاً سلام الله وصلاته.

стр. 1026

تفسير قوله تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما) قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ [القصص:٤٩]. عندما قالوا هذا وتحدوا النبي ﷺ ، فإنهم في الحقيقة تحدوا ربهم وأساءوا الأدب معه وأنكروا كتابه ونبيه، بل والكتب والأنبياء السابقين جميعاً، فعندما قالوا: التوراة والقرآن سحران، وقالوا: موسى ومحمد ساحران، قال الله لنبيه: قل لهم يا محمد! ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩]. أي: يا هؤلاء! إن كانت التوراة والقرآن سحرين ونبياهما ساحرين فأتوا أنتم بكتاب من عند الله وادعوه أن يرسل لكم نبياً ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [القصص:٤٩]، أي: في أنكم تريدون البحث والنقاش والمجادلة لمعرفة الحقائق والوصول إلى التوحيد والإيمان، ولكنهم كذبة فجرة.

стр. 1027

تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم) قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص:٥٠]. أي: إن لم يأتوا بكتاب من عند الله هو أكثر هداية ونوراً وبصائر من التوراة والقرآن وأهدى من محمد وموسى ﵉ (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ) أي: اعلم إنما يتبعون الأهواء، وهي جمع هوىً، أي: النزوات والأغراض والكلام بلا دليل ولا برهان ولا معنىً من عقل ولا نقل، وإنما يحملهم على ذلك الجهل والعناد والإصرار على الكفر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، هل هناك أضل وأكثر ضلالاً وكفراً وشؤماً وعناداً في الكفر والشرك ممن أضله هواه ونطق وسعى به وعاش بالنزوات وبالشهوات وبالباطل والضلال، وكل من ليس مسلماً في الأرض هو هكذا، فكلهم حيوانات عجماء، يعيشون بقراً، والبقر أشرف منهم، وحتى أولئك الذي يوسمون بالعلم والاختراع والفهم والتأليف، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فهم في غفلة وضلال وكفر وفسوق، والدواب والحيوانات أعقل منهم وأفهم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]، أي: اتبع الهوى بغير هاد من كتاب سماوي، أو هاد من نبي مرسل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٥٠] الذين لا يريدون الهداية ولا الإيمان، ويأبون إلا الشرك والكفر والعصيان، فيصعد الران على قلوبهم، وينقلب النور الذي في نفوسهم إلى ظلمة، إذا أخرج أحدنا يده لم يكد يراها من ظلمة هؤلاء وكفرهم وشركهم.

стр. 1028

تفسير قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٥١]. الله ﷻ كما قال نبينا ﷺ : (لا أحد أصبر على الأذى من الله)، فهو يرزقهم وهم يكفرون به، ويمهلهم وينظرهم السنوات وعشرات السنين، والله يمهل ولا يهمل، فإذا أخذ الكافر لم يفلته، فيأخذ أخذ عزيز مقتدر، قال ربنا في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص:٥١]، وصلنا: تابعنا، فهو أرسل الرسل من قبل على هؤلاء البشر منذ آدم إلى نبينا عليهم الصلاة والسلام، فقد أنزلنا القرآن وتابعنا فيه القول آية بعد آية، وسورة بعد سورة، وكلفنا نبينا وعبدنا محمداً ﷺ بالبلاغ، فهو يأتي للآية فيفسرها ويؤولها ويشرحها بلغات مختلفة، ويقولها تارة بعبارة، وأخرى بعبارة، وكان ﵊ إذا قال الكلمة أعادها ثلاثاً؛ لتفهم عنه، وقد يقرأ الآية ويشرحها سواء في حضر أو في سفر أو في مجلس خاص أو في المسجد النبوي أو في ليل أو في نهار، لا يمل ولا يكل، وكان يقول: (إنما علي البلاغ وليس علي الهداية)، فالهداية بيد الله والبلاغ علي، فكان لا يكل ولا يمل، والله يقول ﷻ : ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ [القصص:٥١]، فوصل القول لكل الخلق والبشر، وتابعه آية بعد آية، ونبياً بعد نبي، وكتاباً بعد كتاب. قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٥١]، لعلهم يوماً يعون ويفهمون ويدركون ويقولون: لقد ظلمنا يوماً، وينتهزون حياتهم قبل مماتهم، وشبابهم قبل شيخوختهم، وغناهم قبل فقرهم، وبالتالي حياتهم قبل موتهم، وإلا فإذا وصلت الروح إلى الحلقوم، فلن ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٥١]، أي: تابع ووصل بعضه ببعض، وجعل بعضه في ذيل بعض، في كل وقت وزمن وعصر، وفي كل كتاب نزل من السماء، ومع كل نبي أرسل من قبل الله ﷻ ، ونبينا ﷺ كلف بأن يزيد البلاغ والشرح والبيان، وقد فعل ﷺ .

стр. 1029

تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٥٢]. فطائفة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا بمحمد ﷺ وبأنبيائهم من قبل، وآمنوا بالتوراة والإنجيل، ثم آمنوا بالقرآن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ [القصص:٥٢]، وهذا يشمل اليهود والنصارى وكلهم بنو إسرائيل. ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص:٥٢]، أي: يؤمنون بالقرآن وبمحمد ﷺ كذلك.

стр. 1030

تفسير قوله تعالى: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به) قال تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [القصص:٥٣]. وإذا يتلى عليهم القرآن وقد تلاه عليهم نبي الله ﷺ آمنوا به وأعلنوا إيمانهم وقالوا: قد كنا مؤمنين به من قبل أن نراك ونسمعك، وقبل رسالتك والكتاب المنزل عليك وقد آمن من اليهود عبد الله بن سلام وجماعة معدودين على اليد، وآمن سلمان الفارسي وتميم الداري وكانا نصرانيين، وآمن جماعة من أرض جيزان، وآمن ملك الحبشة فأسلم هؤلاء، وكانوا من أهل الكتاب، وقالوا للنبي ﵊: وجدنا صفتك، وكنا مؤمنين بك من قبل، وكنا مسلمين من قبل، ووجدنا اسمك يا محمد! وكتابك في كتبنا، وتحدثت إلينا أنبياؤنا عنك، وبشرونا بظهورك وبالوقت الذي ستظهر فيه في جبال مكة، وأنك ستظهر في آخر الزمان، ولذلك بمجرد أن ظهرت وطابقنا صفتك مع ما نعلمه من التوراة والإنجيل وجدنا الصفة تامة منطبقة عليك، فآمنا، وكنا من قبل نؤمن بأنك آت، وأنك مرسل، فآمنا بك وبالكتاب الذي سينزل إليك. ولذلك عندما سمعوا القرآن وسمعوا عيسى يقول كما تلا القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]، فهذا الوصف وجد في الإنجيل وفي التوراة، وبعض العلماء من الهنود له كتاب طبع أكثر من مرة جمع فيه النصوص من التوراة ومن الإنجيل ومن الزبور كما هي اليوم، وهي كلها تؤكد بشارة الله للقوم من قبل بظهور نبي في آخر الزمان، وصف بالحمد وبراكب الجمل، ولا يوجد في الأنبياء من اسمه محمد، أو أحمد، أو محمود إلا نبينا ﵊، على أن عيسى قد سماه وقال: أحمد، وأولئك حاولوا التحريف والتغيير، ولكن هيهات، فقد كانت الآيات في ذلك كثيرة، فحرفوا البعض وبقي الكثير مما يؤكد رسالة نبينا ﷺ في هذه الديار المقدسة. وجاء في الإنجيل وفي التوراة: أنه سيظهر في جبال فاران، وجبال فاران هي جبال مكة، وقد وصف براكب الجمل، ولم يركب الجمل إلا هو ﵊، فلم يكن في بني إسرائيل ولا في أرض بابل والعراق التي ظهر فيها إبراهيم خليل الله ﵇ جمال، ولكن الجمال عرفت في جزيرة العرب، وعرف العرب بها فهي صفة لازمة، فلم تكن هناك طيارات ولا سيارات ولا صواريخ ولا بواخر بحرية، وما كان إلا الجمل، ولذلك كان يسمى سفينة الصحراء، فكما يسافر الناس في البحار على السفن فإنهم يرحلون في البراري على الجمال.

стр. 1031

تفسير قوله تعالى: (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤]. فهؤلاء الذين آمنوا بالقرآن وبالمنزل عليه نبينا ﵊ قبل بروزه وبما جاء به كانوا في حقيقتهم قد آمنوا بكتابهم، وكتابهم اشتمل على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبالقرآن، ولذلك قالوا: كنا من قبله مسلمين، أي: قبل ظهور القرآن وظهور نبينا ﵊؛ لأن التوراة والإنجيل بشرا به. ولذلك يقول نبينا ﵊ كما في الصحيح: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى). وعندما بشر الأقوام به قال: يأتي من بعدي رسول اسمه أحمد، ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧] وهي صفات ونعوت لا تنطبق إلا على نبينا ﵊، وتلك الشدائد والحديد والأغلال الذي كان في شريعة موسى وعيسى ﵉، أزيل ورفع كله، وجاء الإسلام بالجسد والروح، وجاء بالمادة كما جاء بالروح، وقال لنا: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]. وعلمنا أن نقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة:٢٠١]، فلم يحرم دنيا، ولكنه جمع لنا بين الدين والدنيا، وأمرنا أن نطلبهما معاً، بما لا يفسد خلقاً ولا ديناً، ولا يهتك عرضاً، ولا يأكل مالاً، والدين لا بد منه، وهو معنا، ففي الصباح وفي الزوال وفي العصر وفي المغرب وفي العشاء نصلي لله، ونناجيه ونسجد بين يديه، ونخاطبه في الصلاة خطاب المفرد الذي زالت بيننا وبينه الكلف، فنقول له: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ونقول له: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. وكما قال نبينا ﵊: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من السجود، فقمن أن يستجاب لكم). فأقرب حالة بين العبد ومولاه هو هذا السجود، الذي نضع فيه الجباه والأنوف والركب والكفين ذليلة لله، وخضوعاً وتوحيداً له، ولا يليق أن يكون شيء من ذلك لأحد من الخلق، لا لنبي مرسل ولا لصحابي ولا تابعي. ولما أراد معاذ بن جبل أن يسجد للنبي ﷺ حيث رأى الروم تسجد لأباطرتهم منعه وقال: (لا يجوز السجود إلا الله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها)، فلم يأمره ولم يأذن له. وقال: (لو كنت آمراًَ لأمرت المرأة)، ولو حرف امتناع لامتناع، فهو لم يأمر وبالتالي فلا سجود، وهكذا شريعتنا جاءت بالتوحيد الخالص وبالعبادة الخالصة لله، التي لا تجوز أن تكون لعبد بشراً كان أو إنساً أو جناً. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص:٥٤]. (أولئك) أي: الطائفة من أهل الكتاب التي جاءت إلى النبي ﷺ في المدينة المنورة ودخلت عليه إلى مكة المكرمة - والسورة مكية - فجاءت إلى مكة فسمعت الحق والوحي وكلام الله وبيان رسول الله ﵊، وآمنت بمجرد السماع، ودمعت عيناها، وفاض قلبها إيماناً ورحمة، فأخبروا النبي ﵊: إننا قبل لقائك كنا مؤمنين بك؛ لأن كتبنا التوراة والإنجيل بشرت بك ووصفتك وذكرتك، كما جاء في الكتاب المرسل إليك، فنحن قبل ذلك كنا مسلمين ومؤمنين، فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص:٥٤] المرة الأولى لإيمانهم بكتبهم ودينهم السابق، والمرة الثانية لإيمانهم بالنبي اللاحق صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي الصحيحين قال النبي ﵊: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: كتابي آمن فهو يؤجر لإيمانه بكتابه ونبيه السابق، ويؤجر لإيمانه بي وبالقرآن الكريم وبالإسلام، وعبد عبد ربه وأطاع سيده يؤجر مرتين، لعبادته لله، ولطاعته لسيده)، حتى لقد قال أبو هريرة: والله لولا أمي وبرها، ولولا الجهاد وأجره، ولولا الحج وكون الإنسان يخرج منه كيوم ولدته أمه، لعبدت نفسي ولتمنيت أن أكون عبداً؛ لأوجر مرتين، ولكنه لم يفعل؛ لأنه يريد أن يبر بأمه وكان باراً بها، ويريد الحج ويريد ويريد. قال ﷺ : (ورجل كانت له أمة فعلمها وأدبها وغذاها وأحسن تربيتها، ثم أعتقها وتزوجها)، فله أجر على كونه أعتقها وأدبها ورباها، وله الأجر الثاني على كونه بعد ذلك لم يتركها سبهللاً ضائعة، فتزوجها وصانها وحفظها. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص:٥٤]، صبروا على الدين الأول بما فيه من شدة وبلوى وأغلال وصعوبة، وصبروا على الإيمان بالدين الجديد من جهاد وبذل روح وعطاء وزكاة واجبة ومستحبة ونفقة واجبة، فهم مأجورون أجرين؛ لأنهم صبروا مرتين على الدين القديم والجديد. قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [القصص:٥٤] أي: يدفعون، يقول النبي ﵊: (ادرءوا الحدود بالشبهات)، أي: ادفعوا الحدود. قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد:٢٢]، أي: يدفعون بالحسنة فيفعلونها ويقومون بها ويمحون السيئة والمعصية السابقة والشرك السابق، وقد قال ﵊ كما في الصحيح: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)، أي: إن ارتكبت السيئة عمداً أو جهلاً فحتى تتوب ويغفر لك فأسرع بحسنة بعدها، فعسى تلك الحسنة أن تمحو السيئة، وخالق الناس بخلق حسن، أي: كن معهم خلوقاً ومهذباً ومتحملاً. قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص:٥٤]، فينفقون من أموالهم فرائض وزكوات ونفقات وإحساناًً وصدقات.

стр. 1032

تفسير سورة القصص [٥٥ - ٥٧] لما أنزل القرآن على سيدنا محمد ﷺ وبعث رحمة للعالمين كان قد بشر به في كتب الأقدمين، وقد جاء وفد النجاشي من الحبشة فآمنوا به وصدقوه وأقروا له بالرسالة وأنه صاحب البشارة، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وكفر به أقرباؤه من قريش، والهدى بيد الله.

стр. 1033

تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) قال جل وعز: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥]. يشهد الله سبحانه لمن آمن من أهل الكتاب بنبيه وبالكتاب المنزل عليه، ثم آمن بخاتم الأنبياء ﷺ ، وبالكتاب المنزل عليه، وأخبر أن له أجرين ومقامين، وأثنى عليه الله بأنه مع إيمانه ينفق مما رزقه فيؤدي الزكوات الواجبة وزكوات التطوع، ويؤدي النفقات الملزمة، والنفقات السنة. ثم يقول الله ﷻ عنهم كذلك: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) واللغو: الباطل، وما ليس بحق، وهو السفه والكلام الذي لا يقوله مؤمن مهذب صالح. سبب نزول هذه الآيات التي جاءت في نسق واحد: أن النبي ﵊ جاءه إلى مكة المكرمة وفد من عند النجاشي الذي آمن بنبي الله وبدينه وبالكتاب المنزل عليه، ويقول له: لولا عملي في دولتي لجئت فغسلت رجليك ولأقمت بين قدميك، ودخل وفد النجاشي مكة، ووجد النبي ﵊ في المسجد الحرام، وفي المسجد جماعة من الكفار كـ عبد الله بن أمية بن المغيرة وأبي جهل بن هشام وآخرين. فجاءوا إلى النبي ﵊، وسألوه عن هذا الدين الجديد وعن فرائضه وسننه وعما يدعو إليه، فدعاهم لعبادة الله الواحد، ودعاهم لبقية الفرائض والأحكام وأن يكونوا عند طاعة الله في كتابه، وطاعة النبي ﵊، فدمعت أعينهم وقبلوا ذلك، وأعلنوا إيمانهم، وقالوا: لقد كنا من قبل مسلمين، إذ وجدنا صفتك ونعتك في الإنجيل، وحيث قال الله عنهم: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]. فكانوا قد آمنوا بما في الإنجيل وبما فيه من ذكر أحمد والتبشير به، وأنه سيكون آخر الأنبياء والرسل، فما كانوا يحتاجون إن أدركوا عصره إلا أن يعرفوا عينه ويسمعوا رسالته، فيؤكدوا إيمانهم به، وكما آمنوا به عندما بشر به عيسى في الإنجيل آمنوا به كفاحاً ووجاهاً، وأصبحوا مجددين للدين الحق الخالد دين الإسلام، وإذا بـ أبي جهل يقوم إليهم ويقول لهم: يا خيبة لكم من وفد جئتم رواداً لقومكم، سائلين عن هذا النبي وعما يقول، وإذا بكم تركتم دين آبائكم وصدقتموه لأول مرة، فيا قبح ما جئتم به! فقالوا له: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] أي: لا نسافهكم ولا نشاتمكم، نحن أعلم بمصالحنا وأعلم بما يجب علينا، ولن نكون سفهاء مثلكم، فأثنى الله عليهم لهذا، وقال عنهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص:٥٥] أي: لم يجيبوا عنه، ولم يكونوا سفهاء كأولئك الذين تسفهوا وجهلوا، وقالوا الباطل ظلماً وعدواناً تنفيراً عن الإسلام والإيمان وتنفيراً عن رسول الله ﷺ . قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص:٥٥]. أي: لا تسألون عنا ولا نسأل عنكم، لكم دينكم ولنا ديننا، أعمالنا نحن أعلم بما نفعل منها وما ندع وأعلم بما ينفعنا، وأنتم أعلم بدينكم وشرككم ووثنيتكم. ثم قالوا: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص:٥٥] أي: ليس سلام تحية، ولكن سلام ترك وهجران وبعد، وقالوا لهم في ذلك: لكم منا السلام والأمان، لن نشتمكم ولن نطاردكم، ولن نكون سفهاء مثلكم، فقد هذبنا الدين وعلمنا الإسلام، وكنا من أتباع محمد ﷺ ، إذ رأينا العلامات التي ذكرها الإنجيل والتوراة وذكرها الأنبياء السابقون فصدقناه وآمنا به، ونحن بذلك مغتبطون، ولله حامدون وشاكرون. قوله: ﴿لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] أي: لا نريد الجهلة السفهاء، الذين يأبون إلا شتم الناس وسبابهم، فإن كنا ضيوفاً في بلدكم في بيت الله الحرام، وأبيتم إلا الشتم والسباب فلن نشتمكم ولن نخرج عن آداب ديننا الذي دعا إليه محمد صلوات الله وسلامه عليه. وهذه الإشادة من الله بهؤلاء معناها: أنه هكذا ينبغي للمسلم ألا يشاتم ولا يتسفه، وكان من صفة النبي ﵊ في التوراة والإنجيل أنه ليس بسباب ولا صخاب في الأسواق، وهكذا فإن قريشاً تشتمه وتقول وتقول، وهو لا يجيبها، بل استمر في طريقه إلى أن نصره الله النصر العزيز المؤزر ففتح مكة، وطرد كفارها ومشركيها ونشر الإسلام في جميع جزيرة العرب، فمن أسلم فالخير له، ومن أبى إلا الكفران عرض للسبي وللقتل والطرد، وباء في الدنيا بالذل والهوان، ولعذاب الآخرة يوم القيامة أشد وأنكى. وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان:٧٢] يصف الله المؤمنين الصالحين الذين يأبون إلا الفضل والنطق بالصلاح والعمل للخير، ولا يريدون أن يكونوا سبابين شتامين. فقوله تعالى: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] أي: ابتعدوا عنا، قد شتمتمونا فهنيئاً لكم ذلك وهنيئاً لنا ديننا وإيماننا بمحمد، واكفروا أنتم بما شئتم، فنحن قد آمنا في غبطة وسرور وحمد لله وشكر.

стр. 1034

تفسير قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]. ليست وظيفة النبي والرسول الهداية، إن الهداية بيد الله يهدي من يشاء، وإنما وظيفة الرسل البلاغ والدعوة وتلاوة القرآن عليهم ونشر الأحكام كما شرعها الله ﷻ ، فعليهم بيانها وتفسيرها بحاله ومقاله؛ بأن يفعل ذلك أولاً في نفسه وهو أول المسلمين وأول المرسلين، فهو أول ما أرسل أرسل لنفسه، فهو رسول للناس ولنفسه، فجميع ما أمر الناس به من فرائض ونوافل وأركان وأحكام كان هو المأمور بها أولاً، ثم بعد ذلك أمر بها الناس، ولذلك كان المصطفى ﵊ رسول نفسه أولاً، ثم هو رسول الناس جميعاً. قال الله له: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. أي: ليست الهداية بحبك ولا بإرادتك، وليست بوظيفتك، وإنما على الرسل البلاغ، وأنت منهم يا محمد لم تطالب بالهداية، ولكنك طولبت بالبلاغ والبيان وإسماعهم القرآن حتى يعلموه ويدركوه. وقد ذكر الله في هذه الآية المنطوق والمفهوم، فالمفهوم من الفقرة الأولى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] أي: ليست الهداية لك، بل هي لله، ثم صرح بالمفهوم فأصبح منطوقاً، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]. والإيمان هداية القلب، فمن أكرمه الله وأسعده وفتح قلبه لسماع الحق، ولدخول النور اهتدى، ومن أصم أذنيه وأعمى قلبه وأتبع ذلك بصيرته ضاع عن الإيمان والإسلام وعاش سبهللاً كافراً. فقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]. أي: الله أعلم بمن يهديهم ويصلحهم، فهذا يستحق الكفر لفجوره وفسوقه، لم يرد حتى الحوار ولا السؤال، ولم يفتح أذنيه لكلمة الحق، وهكذا كان حال من دعاهم في مكة وجزيرة العرب، وهكذا كان حال رسل رسول الله ﷺ عندما نشروا الإسلام خارج حدود الجزيرة، فعم الإسلام الكون مشارقه ومغاربه، ولم يطل ذلك أكثر من نصف قرن حتى كانت أعظم دولة في الأرض هي دولة الإسلام، فقد كانت شرقاً من بلاد السند، وغرباً إلى عمق أوروبا وأسبانيا والبرتغال وفرنسا وما بينهما شمالاً وجنوباً، ولم يتجاوز ذلك نصف قرن، فأصبحوا أئمة الناس ومعلميهم وحكامهم، والآمرين لهم والناهين، يقتلون من شاءوا بأمر الله، ويحيون من شاءوا بإذن الله، فنصر الله بهم الحق والإيمان، فالهداية لله وليست لأحد، والأنبياء خلفاؤهم هم الخلفاء الراشدون؛ وخلفاؤهم كذلك العلماء، فالعلماء ورثة الأنبياء، وما كان الخلفاء الراشدون إلا علماء بالله عارفين بكتابه وبنبيه وسنته. قال تعالى: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي: أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، وأعلم بمن لا يستحقها وليس أهلاً لها، ولذلك فإن الكفار الأول في مكة المكرمة سمعوا القرآن فاستنكروه؛ لأنهم لا يعرفونه لجهالة وضلالة سابقة، ولكنهم لم يعادوا نبي الله، ولم ينصبوا من أنفسهم أعداءً لله ولرسوله، فهؤلاء مع الأيام آمنوا وأسلموا، أما من كان عدواً لرسوله كـ أبي لهب وأبي جهل وأمثالهما من صناديد كفار مكة فهؤلاء آذوا وعتوا ونفروا عنه، فلم يختم الله لهم الحياة إلا بسوء الخاتمة، ولذلك يقول ابن تيمية عن كل من تعرض للإسلام ولمقام رسول الله ﷺ بقلة الأدب قولاً أو حالاً أو نفساً: لا يختم له إلا بشر، ولا يختم له إلا بسوء الخاتمة، وفسر بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥]. وحكى من ذلك قصصاً وروايات وأحداثاً في أعظم كتبه على الإطلاق الذي طبع أكثر من مرة وهو كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول) فقد قال: شاتم الرسول -أي: قليل الأدب مع الرسول بالقول أو بالإشارة أو بالتعريض- يقتل إجماعاً، ولو قال: أنا تائب، فـ أبو لهب وأبو جهل وهؤلاء الذين تصدوا بعداوتهم لله ولرسوله وللإسلام ختم الله لهم بسوء الخاتمة، وهكذا كل من يتعرض للإسلام ويتعرض لرسول الله ﷺ لا يختم له إلا بالشرك وسوء الخاتمة، ونعوذ بالله من الخذلان.

стр. 1035

سبب نزول قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت) هذه الآية كان سبب نزولها عم النبي ﵊ أبا طالب، ولله الأمر من قبل ومن بعد، فقد كان أبو طالب شديد الحب للنبي ﵊ وشديد الخدمة له مدة سنوات النبوءة في مكة المكرمة، وهي اثنتا عشرة سنة وأشهر، كان مع النبي ﵊ المنافح والمدافع والحريص على حياته وعلى ألا يؤذيه أحد من كفار قريش، وبذلك كان النبي ﵊ محفوظاً من كفار قريش حرمة لعمه أبي طالب الذي بقي على دينهم، وطالما أشاد بالنبي في قصائد بليغات، هي من عيون الشعر ومن عيون اللغة تدرس في المدارس والجامعات، ويتعلم منها البلاغة والفصاحة ومفردات اللغة العربية وجملها، ومقام النبي ﷺ حتى عند من لم يسلم بعد. وكان النبي ﷺ حريصاً على أن يسلم عمُّه ويهتدي، ولطالما دعاه وألح عليه، وأبو طالب يأبى أو لا يجيب، إلى أن احتضر أبو طالب فدخل عليه ابن أخيه ﷺ ، فقال له: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها يوم القيامة عند الله) أي: يشهد له بأنه موحد وبأنه مات مسلماً، وكان بحضرته الشيطان المفسد الخبيث أبو جهل، وكان عنده كذلك عبد الله بن أمية بن المغيرة وكلاهما من أعداء الإسلام وأعداء رسول الله ﷺ ، فقد أكل الحقد قلوبهم والعداوة نفوسهم. فعندما أخذ يقول هذا لـ أبي طالب، أخذا يقولان له: يا أبا طالب! أتتبع دين ابن أخيك أتترك دينك ودين آبائك أتترك دين قريش؟ والنبي ﵊ يقول له في حرقة وألم: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله يوم القيامة)، وإذا بآخر كلمة يقولها أبو طالب: يا محمد! والله لولا أن تقول قريش أني قلتها جزعاً من الموت لأقررت بها عينك، ومات. وإذا بالنبي يقول له: (والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك)، فأنزل الله في شأنه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣]، فأوقف الاستغفار، والأمر أمر الله، والخلق خلق الله ما شاء فعل، ثم نزل قوله تعالى للنبي ﵊: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] والقصة في صحيح البخاري ومسلم، ولولا قداسة الصحيحين وثقة رجالهم لحاولنا البحث في الأسانيد، ولكن البخاري له جلالته، ولـ مسلم كذلك جلالته، ورجال أسانيدهما قد تجاوزا العقبة ثقةً وعدالةً وضبطاً وإيماناً ودعوةً إلى الله، فلو حاولنا أن نطعن في أسانيدها بلا دليل ولا برهان لكنا كبعض الفرق الضالة؛ لأننا إذا حاولنا أن نهدم البخاري ومسلم لتوصلنا بذلك للقرآن، ولا يفعل ذلك مسلم، ولكننا نعيد ونقول ما قال الله لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص:٥٦]. توفي أبو طالب في السنة الثامنة من البعثة النبوية، وفي نفس السنة كذلك توفيت أم المؤمنين خديجة رضوان الله عليها، فاشتد حزن رسول الله ﵊، اشتد حزنه ثلاث مرات: مرتين على أبي طالب، ومرة على خديجة، وسمى هذا العام عام الحزن؛ مرتين: على أبي طالب وعلى موته، وكان باراً به، وقد نشأ في بيته وفي حضانته، وكان الأب الثاني له بعد أبيه عبد الله، وجده الثاني بعد جده عبد المطلب براً وعنايةً وتنشئةً وعطفاً واهتماماً. ثم بعد أن دعاه للإسلام لم يسلم، ولكنه كان باراً به حريصاً على راحته، ينافح عنه ويدافع عنه، ولما قاطعته قريش ثلاث سنوات كان أبو طالب مع الصباح والمساء يأبى هجرانه والابتعاد عنه، ويأبى إلا أن يدافع عنه، فحزن لموته ﵊؛ لأنه عمه، والعم: صنو الأب كما قال النبي ﵊، وزاد حزنه أكثر حيث لم يهتد للإسلام، ولم يقل بالكلمة التي أمر بها الخلق كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فكان حب أبي طالب للنبي ﵊ ليس حباً شرعياً، ولكن كان حباً طبعياً، كما يحب الإنسان ابنه وابن أخيه، والبار به وتلميذه ومحبه والحريص على خدمته، وهذا لا يكفي، إذ لابد أن يكون حب رسول الله ﷺ في الدرجة الأولى. ولذلك نحن أيضاً نحزن لحزن رسول الله ﵊، ولا نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك، وأكد هذا مرة أخرى، إذ سئل ﵊ فقيل له: حب أبي طالب لك وخدمته لك ومنافحته عنك أتنفعه يوم القيامة؟ قال: (نعم، هو الآن في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، ولولا ذلك لكان في قعر النار)، ومعنى هذا: أنه وإن خفف عنه فهو في النار. ولذلك يقول ربنا ﷻ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. ويقول ﷻ : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ومجال القول ضيق أمام الأدلة والنصوص.

стр. 1036

تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧] وقرئت: (تجبى إليه) فهي قراءتان سبعيتان متواترتان، قال كفار مكة -والسورة مكية- كنا نؤمن بك يا محمد! ونحن نعلم أنك جئت بالحق ولم نجرب عليك كذباً حتى في شئون الدنيا، فلا يمكن أن تكذب على ربك، ولكن إيماننا بك ليس فيه مصلحة لنا. وهكذا تقول العقول السخيفة الضالة، يقولون ما لا يعقلون وما لا يفهمون، فقد خافوا أن يطردوا من مكة وهو خوف لا محل له وكذب وبهتان، ولم يخافوا لعنة الله وغضبه، ولم يخافوا خلودهم في النار، ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧] أي: إن نؤمن بدينك ونتبع دعوتك ونقل قولك نتخطف من أرضنا. وقولهم: (مَعَكَ)، يعني: أنهم على هدى، ولكنهم تركوا هداية محمد، وهذا من تمام السخافات والضلالات. قولهم: (نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) أي: نخطف ونخرج ونطرد وتحتل بلادنا، ومعنى الذي يقولون: أن جميع جزيرة العرب والعالم كله لن يؤمنوا بك ولن يصدقوك ولن يعتبروك نبياً ولن يعتبروا ما جئت به كتاباً لله وكلاماً له، فنحن لو تحدينا العالم جميعاً وآمنا بك لقاتلونا عن قوس واحدة، ولاختطفونا من أرضنا وأخرجونا من بلادنا ونحن أعجز من أن نقاتل جميع العرب، بل جميع الناس في الأرض، فالله كذبهم وسخف عقولهم فقال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص:٥٧]. فهؤلاء في الوقت الذين يقولون لك ذلك مكنا لهم، أي: أسكناهم في مكة، وهي الحرم الذي يحرم به السفه والجرم والسرقة والاختطاف والإيذاء، وكان هذا في أيام الجاهلية، فجميع العرب تحترم مكة وتحترم سكانها، فلا سرقة فيها ولا فساد، ولا أكل مال بباطل، فكيف يدعون هذا؟ وهل يكونون آمنين وهم على جهالة وكفر بالله وضلال عن دينه، حتى إذا وحدوا وأسلموا واهتدوا ينقلب الأمان خوفاً، وينقلب الحرم أرضاً مفتوحةً لكل غاز؟ وهذا الكذب بعينه. فقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ [القصص:٥٧] أي: نجعلهم متمكنين من مكة، سكاناً وحكاماً وسادة وقادة، وبذلك هم سادة العرب وحكامهم، والمرجع لهم جميعهم، فكيف مع هذا يدعون أنهم يمكن أن يختطفوا أو يهجم على مدينتهم أو تحتل أرضهم؟ فقوله: (أَوَلَمْ) استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، ينكر الله عليهم دعواهم أنهم لم يؤمنوا خوفاً من أن تهجم عليهم العرب ويختطفوهم ويسرعوا بالقضاء عليهم ويحتلوا مكة بلدتهم، فكان الجواب ( أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) أي: قل لهم يا محمد! (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا) أي: آمناً من السوء ومن السرقة ومن الاعتداء، وهم في الجاهلية على شركهم لا يعبدون إلا الأصنام. قوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧] تجبى إليهم أي: تجمع وتصدر وتورث، فيأتيهم ثمرات كل شيء من كل الأرض من المشارق والمغارب، من رحلات الصيف والشتاء، من أرض الشام الخصبة ومن الجزيرة نفسها، ومن الطائف ومن اليمن، وهي أرض خصبة، ومن المدينة المنورة إذ هي أخصب من مكة ببساتينها وزروعها وثمارها، ومن جميع الأرض أيضاً. وهذه الفقرة في هذه الآية من المعجزات التي في عصرنا، فقد كان ذلك خبراً لأولئك، ولكن نحن جئنا بعد نزولها بألف وأربعمائة عام، ولا تزال هي هي، ونعلم وكل ساكن في هذه البلاد أن منافع الأرض الملبوسة والمفروشة والمأكولة والمترفة بها توجد في هذه الديار المقدسة في أرض الحجاز الشريف، ويؤتى بها من مشارق الأرض ومغاربها، والحجازي جالس ولا يتكلف لها بكبير شيء حتى تصبح بين يديه، وتصله فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وتأتيه أفضل الألبسة كان ذلك في الجاهلية واستمر الأمر في الإسلام وإلى الآن، وقد مضى على القرآن ١٤٠٠ سنة، والأمر لا يزال هو نفسه؛ إذ تجبى إلى مكة ثمرات كل شيء من كل أرض وبقعة. فقوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا): أي: أولم نسكنهم ونملكهم أولم يتمكنوا تمكن التملك والسلطان والمقام، فهذا الحرم الآمن مكة المكرمة حرم الله صيدها وقطع شجرها، والفسق والظلم فيها، والظلم يعتبر ظلماً خارج مكة، أما في مكة المكرمة فالظلم ظلمان والجريمة جريمتان، حتى لقد قال علماؤنا: إن الصلاة في بيت الله الحرام بمائة ألف صلاة، والغرم بلغ مائة ألف غرم، وكذلك السيئة بمائة ألف سيئة، وهذا قول ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما، وخوفاً من أن تأتي السيئة فتجرف معها الحسنة بكل أعدادها ومئات آلافها، أبوا إلا أن يسكنوا الطائف بعيدين عن الحرم حتى تبقى السيئة سيئة واحدة، فيأتون إلى مكة كل جمعة لصلاة الجمعة وهم لا يتكلمون، قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]، فلا يأتون إلا للذكر والمذاكرة، وتلاوة قرآن والصلاة، ثم يعودون إلى بلدتهم، وكل يعرف مقام عبد الله بن عباس حبر القرآن الصحابي الجليل، الواسع العلم، مرجع جميع المفسرين ممن أتى بعده، وكل تفسير إذا لم يقل عن ابن عباس فهو تفسير لا مرجع له ولا سند له، وهكذا قل عن عبد الله بن عمرو بن العاص الذي اختص بمزية لم يسبق إليها قط، وهو أنه كان يكتب كل ما يسمع من رسول الله ﵊، وجمع ذلك في كتاب سماه الصادقة، فيه ألفا حديث، وقد أكدت فيما كتبته عن ذلك في تخرجي لأحاديث فقه الحنفية وهو مشهور ومتداول، بأن التدوين كان في عصر النبي ﵊ وفي حياته، وذكر الصادقة ورد اسمها في كتاب سنن الدارمي الذي قيل عنه: هو سابع الكتب الستة، وعند جماعة من الأئمة يعدونه سادس الكتب الستة ويقدمونه على سنن ابن ماجه، هذا مع صلاح ابن عمرو بن العاص وعلمه وجلالته، ومع ذلك خاف على نفسه من المقام في مكة كثرة السوء والذنوب والمعاصي، وخوفاً من أن الحسنات تنهار كلها. قال تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧]، ذكرت الياء بمناسبة كل، مع أن الثمرات مؤنثة بالتاء، وكل ما كان كذلك فليس التأنيث فيه حقيقة، ولذلك نزل الوحي في القراءات السبع: بيجبى وتجبى، تجبى لمراعاة الثمرات وتاء التأنيث، ويجبى لذكر كل شيء، أي: يجبى كل شيء ويجمع ويورث وأهل مكة جالسون وأهل الحجاز ينتظرون إفضال الله عليهم. قال تعالى: (رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) أي: نرزق ذلك أهل مكة والحجاز، فقوله: (رزقاً): مفعول مطلق منصوب. قوله: (مِنْ لَدُنَّا) أي: من لدن الله، ومن عند الله كرماً وفضلاً منه، لمقام مكة في الإسلام، حيث كانت مسقط رأس رسول الله ﷺ ، وكانت المنزل الأول للوحي، وحيث كانت فيها هذه البنية المقدسة الكعبة المشرفة، التي طاف بها جميع الأنبياء؛ من آدم أبي البشر وأول الأنبياء إلى خاتمهم نبينا عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:٥٧] أي: أكثر الناس لم يؤمنوا بالله، بل كفروا به ولم يعلموا هذا الحق، ولم يؤمنوا به، ولم يؤمنوا برسول ولا بكتاب ولا بآيات القرآن وما فيه من دلائل وبراهين قاطعة، ومعجزات تصدق المنزل عليه محمداً ﷺ في كل ما قال.

стр. 1037

تفسير سورة القصص [٥٨ - ٦٣] إن العتاة والمجرمين عادة ما يقابلون الرسل بالتكذيب والإعراض فيكونون سبباً لهلاك قراهم وأقوامهم الذين يضلونهم بغير علم، والله تعالى لا يهلك قرية حتى يقيم عليها الحجة، ثم يوم القيامة يجمع الأتباع والمتبوعين فيعذب الجميع.

стр. 1038

تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها) قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨]. هنا النذير والتهديد والوعيد لكفار مكة. يقول تعالى: يا كفار مكة وغيرها من الكفار السابقين واللاحقين! لا تطغوا ولا تتجبروا، فكم من قرية بطرت معيشتها فأهلكناها، وبطر المعيشة: كفر النعمة، والتعاظم بها والتكبر بما أنعم الله به على الإنسان. والإنسان عندما يغنى ويكون صغير العقل ضعيف الدين يطغى بماله وبما رزقه الله وأنعم عليه، فكان من الواجب عليه أن يشكر الله على ذلك ويزداد شكراً وحمداً ونشراً للنعمه التي أنعمها الله عليه، فيعطي منها المستحقين من آل وفقراء ومحتاجين وسائلين، فالله وصف المؤمنين فقال عنهم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤]، وقال أيضاً: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩]. أما الذين إذا أغناهم الله ورزقهم وأوسع الله عليهم يبطرون ويحصل لهم تيه بالمال وعلو وفساد في الأرض، وكبرياء وجبروت، تكون نهايتهم أن المال لم يكن إلا فتنة وابتلاء، فلم يشكروا الله عليه، فحري أن يسلبوه في الدنيا ويعاقبون على ذلك يوم القيامة، وقد قال ربنا ﷻ : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فمن يشكر النعمة تزدد عنده وتكثر لديه، ومن يجحدها ويكفر بها ولا يعط المستحقين منها ويمنع حقوق الله من زكاة ونفقات في ماله فقمن بأن يسلب النعمة وتزول وكأنها لم تكن، ونعوذ بالله من السلب بعد العطاء. فقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا)، أي: تعاظمت بها وتاهت وتجبرت ودخلها طغيان بمالها والنعم المحيطة بها، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]. فالإنسان يطغى إذا رأى نفسه قد استغنت، وذلك عندما يكون ضعيف العقل قليل الدين. قال تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [القصص:٥٨]، ماذا صنع الله بها؟ أهلك أهلها فماتوا وانتهوا، قطعت سلالاتهم وخربت دورهم وسلبوا النعمة في الدنيا، فلا ذرية ولا أحد يأتي بعدهم يقول: كان أبي كذا ﵀، أما الصالح والمتصدق والمنفق مما أعطاه الله، يطلب من الفقراء والمساكين، وممن استفادوا بماله، أن يذكروه بخير وأن يترحموا عليه، ماداموا في الوجود ويتسلسل ذلك. ومن بقاء وتمام النعمة والشكر عليها أن يرزقه الله أولاداً صالحين، وابن آدم إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث، منها: ولد صالح يدعو له، فيقول: كان أبي، وعلمني أبي، وأنفق علي أبي، فيترحم عليه بعد موته، ويكون ذلك من عمله وفي صحائفه. ومن ذلك أيضاً: العلم ونشره لساناً وكتاباً، ونحن الآن نذكر الأئمة الأربعة والسلف الصالح وشيوخنا ونترحم عليهم وندعو لهم؛ لأنهم خلفوا العلم ونشروه وتركوه في الكتب والصحائف، فتعلمناه منهم أباً عن جد، وشيخاً عن شيخ، فترحمنا على السابقين، وذكرناهم بخير؛ وكان ذلك نتيجة إحسانهم، ونتيجة إيمانهم وعدم بطرهم، لا بعيش من حيث المال ولا بعيش من حيث العلم، فلم يبطروا لا بهذا ولا بهذا. والمسكن: الدار، فمساكن جمع مسكن، فهذه المساكن الموجودة في جميع بقاع الأرض قد خربت وبادت، وقد كانت يوماً مساكن لملوك ومترفين ولنساء ولرجال ولشباب ولقوة ولمال ولرفاهية، أين هي؟ ذهبت في أمس الدابر وكأنها لم تكن، وصب الله عليهم العذاب، بالزلازل والصواعق الإغراق. وتلك المساكن سُكنت قليلاً؛ لأنه قد يكون المسافر والرحالة إذا مر عليها يحتاج إلى ماء وراحة واستظلال بسقف أو حائط أو شجرة، فيجد هذه البيوت الخاوية فيدخلها ساعة أو ساعتين من اليوم، وإن أطال بات ليلة ثم ذهب، فكانت السكنة قليلة لعابري السبيل، ولمن لم يجعلوها سكناً ولم يتملكوها ولا حاجة لهم بها؛ لأنها مساكن من غضب الله عليهم وقضى عليهم وقطع دابرهم. قال تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:٥٨] أي: خربت ولم تسكن ولم تورث. ومعنى كونها لم تورث: لم يخلفوا أولاداً، وإن خلفوهم هلكوا معهم؛ فانقطعت الذرية والسلالة، فلو أنهم خلّفوا أولاداً لورث تلك المساكن الأولاد وأولاد الأولاد والأسباط والأحفاد ولكن انقطع الكل وكأنهم لم يكونوا، إذ كانوا فبادوا وأصبحوا ورقاً معلقاً يقص عنهم القاص: كان وكان وليس أكثر من ذلك. فهذه الآية نذير ووعيد من الله ﷻ لهؤلاء الكفار ولأمثالهم من كفار كل عصر وجيل، وكفّار كل جنس إذا بطروا النعمة واتخذوا منها تيهاً وجبروتاً وطغياناً على الخلق، فيوشك أن يسلبهم الله تلك النعمة فيذهبوا وتذهب دورهم ومساكنهم وما كانوا يتمتعون فيه، ويرث ذلك الله وحده ولا يبقى لهم ولد ولا سبط ولا حفيد. وهكذا حدث لهؤلاء الذين ماتوا على الكفر انتهوا وبادوا وزالت الأملاك وأُعطيها غيرهم، ومع الأيام لم يذكروا إلا باللعنة والخزي، وفي الفتوح الإسلامية كم من مدن بأكملها وقرىً بتمامها ذهبت وخربت وبادت؛ نتيجة الكفر والعصيان وحرب الله ورسوله والمسلمين.

стр. 1039

تفسير قوله تعالى: (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً) قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] يقول الله كرماً منه وفضلاً وعدلاً: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص:٥٩] وهذه كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [القصص:٥٩] أي: أهلها وسكانها من الكفار؛ ما كان الله ليهلكهم وهم صالحون مؤمنون، حتى ولو كانوا ضالين كافرين لا يفعل ذلك ما لم يرسل في أمها -أي: في أم تلك القرى- رسولاً، فالله ذكر القرى وأمها، فأم القرى هي مكة المكرمة، فهي أم الدنيا منها كانت الدعوة للهداية، ومنها برز سيد الخلق، وفيها ترعرع ونشأ ﷺ ، وفيها دعا الناس للإيمان به وبرسالته، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] ولها أوجب على كل إنسان في الحياة أن يأتيها مرة في العمر حاجاً وطائفاً وساعياً وواقفاً في عرفات وبائتاً في منى ليلتين أو ثلاثة، ومن لم يفعل ذلك وقد قدر عليه وأُعطي الزاد والراحلة يقول النبي ﵊ عنه: (إن شاء مات يهودياً أو مات نصرانياً) ويكون قد ترك ركناً من الأركان الخمسة، ويُستحب إن استطاع أن يُعيد الحج مرة عند كل خمس سنوات، للحديث الوارد في مسند الإمام أحمد. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ [القصص:٥٩] أي: لم يكن ربك يا محمد! ليهلك أهل القرى والمدن والناس، وتُذكر دائماً المدن؛ لأن شأن سكان المدن هم الأشراف والكبار، وهم الذين يعلمون البدو والأعراب، وهم الذين يستطيعون تلقي الوحي والرسالة ليعلّموها بدورهم من هو أصغر منهم عقلاً وأقل منهم علماً وفهماً، وخاصة أولئك البدو والأعراب. أما لو نزل الإسلام بين البدو والأعراب لما فهموا ولما أدركوا، وقلما يحصّلون، فهم يحتاجون إلى التعليم من كبرائهم وكبراء بلدتهم وكبراء الدنيا من المؤمنين، وهكذا فعل الله، ومن هنا سُميت أم القرى، فهي أم المدن ومعناه: عاصمة الدنيا، ولا شك أنها عاصمة الدنيا، إذ لا يتم إيمان مؤمن ما لم يأت إليها طائفاً ساعياً واقفاً نائماً في منى، فإن كان قادراً فقد أخل بركن من الأركان وأنذره النبي ﵊ إن ترك ذلك وهو قادر عليه بأنه: إن شاء مات يهودياً أو نصرانياً، أي: ليس بمسلم. فقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص:٥٩] كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] ولذلك فإن العرب الذين لم يُرسل إليهم نبي لا يعذبون إلا من أدرك الرسالة المحمدية والدعوة النبوية، فأبى الإيمان وأبى إلا الجحود فهذا عصى عن علم وسابق تقدير؛ فهذا هو الذي يُعتبر كافراً ويُعذّب؛ لأن الله قد أرسل إليه؛ والعرب لم يُرسل إليهم أحد إلا نبينا ﵊ والذين سبقوه بقرون وآلاف من السنين لم يُرسل إليهم ولم يبعث لهم ولم ينطق بلغتهم، فكان أنبياء بني إسرائيل لا يخاطبون بالإيمان إلا بني إسرائيل؛ وهكذا قل عن جميع الأمم والشعوب الذين أُرسلت إليهم رسل وأنبياء، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]. قال تعالى: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص:٥٩] أي: يبلّغهم كتابه وأحكامه وآياته ودلائله وبراهينه، والمعجزات التي تُصدِّق ذلك الداعي بأنه نبي من الله. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] وقد أكّد الله هذا المعنى في الآية مرتين: ما كنا لنهلك أهل قرية لم يُرسل إليهم، فنحن نُرسل إليهم ومع ذلك لا نُهلكهم إلا إذا كانوا ظالمين أي: مشركين كافرين، ومن سوى ذلك لا يُهلك؛ لأنه لم يُرسل إليه. ولذلك في سؤال القبر يأتي منكر ونكير ويُلقى الميت في قبره فيسألانه: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فإذا قال: لا أعلم يقال له: ألم يُرسل لك رسول؟ يقول: قد قالوا ذلك، إذاً: لم لا تؤمن به؟ فتكون حجة الله البالغة عليه، ويكون قد كفر عن علم وبلاغ فاستحق العذاب، فيُعذّب روحاً في قبره إلى أن يُعذّب بعد ذلك يوم القيامة جسداً وروحاً. فقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] أي: إلا وهم مشركون كافرون، والظلم إذا أُطلق لا يُطلق في القرآن إلا على الشرك.

стр. 1040

تفسير قوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص:٦٠]. يخاطب الله الكافرين والجاحدين والعصاة بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [القصص:٦٠] أي: من مال ورفاهية وشباب وقوة، ليس كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا وزينتها تتمتعون به متاعاً مؤقتاً، كأكلة أكلتها صباحاً فقذفتها مساء، كشباب كان بالأمس كذلك مضت عليه سنوات ثمَّ انتهى بالشيخوخة وانتهى سواد الشعر بالشيب، وانتهت الحياة بالموت، ولا يبقى إلا الله، فالدنيا دار زوال وفناء بما فيها وبما عليها. قال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص:٦٠] أي: ما عند الله يوم القيامة من جنان خالدات وحور عين ورؤية لله جل وعزّ؛ فذلك أبقى وأدوم ولا يفنى. فيقول الله: (أفلا تعقلون؟) أي: أليست هناك عقول؟ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة:٦١] خير لأنه أدوم وأبقى وألذ، ولذائذه كما وصفها القرآن، والنبي ﵊: فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. يقول ابن عباس: كل ما ذُكر من سمة للحور العين والفواكه والأطعمة والطير واللحم ليس فيه من الدنيا إلا الأسماء، فما عند الله يوم القيامة هو فوق ما يظن الظّان ويخطر على باله، من متع دائمة ولذائذ باقية وسعادة لا تنتهي ليلاً ولا نهاراً، فهي الظل الممدود وهي الحياة الدائمة التي لا موت بعدها أبداً. فقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص:٦٠] أي: أليس لكم عقول تفكرون بها؟

стр. 1041

تفسير قوله تعالى: (أفمن وعدناه وعداً حسنا فهو لاقيه) قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١]. استفهام إنكاري تقريعي أي: أيهما أحسن؟ هذا الذي وعدناه منا وعداً حسناً، وعدناه إن أنت آمنت وأسلمت وأصلحت فيوم القيامة لك من الخير والرضا والجنان والقصور والحور العين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أهذا خير أم ذاك الذي متّعنا متاع الحياة الدنيا وعاش في الدنيا ليأكل ويشرب كما يأكل ويشرب الحيوان؟ فشأن المؤمن والعاقل في الأرض أن يأكل ليعيش، والحيوان يعيش ليأكل؛ ولذلك وصف النبي ﵊ بأن الكافر يأكل بسبعة أمعاء، إذ لا يكتفون بمرتين في اليوم أو ثلاث مرات، لكنهم يأكلون خمس مرات ولا تكاد تجدهم إلا يأكلون، وما دامت المعدة صالحة فهو يأكل، حتى إذا فسدت وخربت وما عادت تهضم إذ ذاك يأكل بالحمية والجوع، فإذا زاد على الأكل بما لم يسمح له به الطبيب أضر بنفسه وقد يتعرض للموت، وأخطر من الموت أن يعيش سنوات مريضاً مهملاً مشلولاً أو لا يكاد يتحرك، نسأل الله اللطف والسلامة. قوله تعالى: ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ [القصص:٦١] أي: سيلقى ما وعدناه به، وسنفي له بالوعد ونحقق له المبتغى، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] فهو مستقبله ومحصّل له وسيكون له يوماً. قال تعالى: ﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٦١] أي: هل هذا أحسن أو ذاك الذي متّعناه في الحياة الدنيا بطعام وشراب ثم انتهى طعامه وشرابه وانتهى هو أيضاً؟ ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [القصص:٦١] فبعد هذه المتعة غير الدائمة وهذا الطعام الذي لا يفيد سيفنى ويموت، ويكون يوم القيامة من المحضرين للحساب والعقاب ولعذاب الله ودخول النيران؛ فهو يحضر ليُعذَّب وليُحاسب: لمَ لم تؤمن؟ لم أصررت على الشرك؟ ألم يرسل إليك رسل؟ ألم يقُل لك علماؤك؟ ألم تقرأ كتاب ربك؟ ألم ألم، فيجد نفسه عاجزاً عن الجواب؛ لأنه قد رأى النبي أو سمع به وأبى إلا التكذيب والكفران، واغتر بجاهه وسلطانه وماله ومتع فرجه وبطنه وظهره، فما أوصله ذلك إلا للعنة والخراب ولعذاب الله يوم القيامة.

стр. 1042

تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]. يؤتى بهم يوم القيامة ويناديهم الله، أو يكلّم الله من يناديهم من الملائكة، فيقال لهم: أين ما كنتم تزعمون وأنتم في دار الدنيا من شركاء لي؟ لماذا لم يدافعوا عنكم؟ ولماذا لم يحموكم؟ ولماذا لم يرزقوكم الجنة؟ ولماذا لم يزيلوكم من بين أيدينا؟ أي: يحاسبون حساباً عسيراً. وتقول السيدة عائشة رضوان الله عليها: قال رسول الله ﷺ : (ومن نوقش الحساب عُذِّب) فإذا حوسب المرء يوم القيامة يُحاسب عن النقير والقطمير، وعلى ما أكل وشرب ونطق، والله قد قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. فالكافر يُحاسب على الذرة من شره وبلائه وكفره، والمؤمن يغفر الله له الكثير، وذلك أنه إذا توضأ ذهبت ذنوبه مع الماء، وإذا مضت الجمعة إلى جمعة أخرى وجدد التوبة تاب الله عليه ما سبق منه في تلك الجمعة، فإن ارتكب ما عسى أن يرتكب ثم تاب إلى الله وأناب وأوفى الوعد مع ربه ولم يعد لتلك الذنوب غفر الله له. أما الكافر مهما استغفر فلن يُغفر له؛ لأنه لا مغفرة لكافر، ولذلك فإن الذنوب تزداد والآثام تزداد فيُحاسب يوم القيامة على النقير والقطمير وعلى الذرة. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٦٢] أي: يوم القيامة ينادى الله هؤلاء ويدعوهم ويحاسبهم، وتدعوهم الملائكة بأمر الله، وما أمر الله به فهو قوله وفعله ﷻ . قال تعالى: ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢]. أي: أين أولئك الشركاء؟ أين مناة؟ أين اللات؟ أين من كنتم تعبدونه من الجن والحشرات والبشر كـ ماركس ولينين، وأمثال هؤلاء الأقذار الأوساخ المشركين، الذين يجب أن تُقدّس الأماكن المحترمة عن ذكرهم؟ ولكن الله ذكر الكثير من هذه الأسماء عظة وعبرة؛ لكي يتلافى الناس ذلك ويبتعدوا عنه.

стр. 1043

تفسير قوله تعالى: (قال الذين حق عليهم القول) قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣]. أي: أولئك الذين كانوا يعبدون الشياطين والإنس وأئمة الضلالة وزعماء النار. فقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ [القصص:٦٣] أي: وجب عليهم العذاب، فإذا بهم يتبرءون، فتسوقهم الملائكة مسحوبين على وجوههم إلى النار، فيقول هؤلاء: ﴿رَبَّنَا﴾ [القصص:٦٣] أي: يا ربنا ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ [القصص:٦٣] أي: أضللنا وأفسدنا، وأبعدناهم عن الأنبياء والإيمان بهم، فهؤلاء ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص:٦٣] فلن يستطيعوا الانتقام من الله، ولكنهم ينتقمون من أمثالهم، فكما ضلوا وغووا وأفسدوا وكفروا يقولون: لم نُعذب وحدنا؟ فينطلقون إلى البشر فيغوون ويضللون ويكفرون، وهكذا شأن أئمة الضلالة زعماء النار الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا﴾ [القصص:٦٣] أي: هؤلاء الذين نحن أغويناهم وأضللناهم، لم أغويتموهم؟ قالوا: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص:٦٣] لأنهم هم غووا وضلوا وكفروا وفسدوا وأرادوا أن ينتقموا من هؤلاء؛ لأنهم لن يستطيعوا أكثر من ذلك فأغووهم وأضلوهم وكفّروهم وأفسدوهم، قالوا: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ [القصص:٦٣] أي: تبرءوا منهم كما قال ربنا في آية أخرى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] فالذين اتُّبعوا هم أئمة الضلالة يتبرءون من الذين اتبعوهم، وهكذا قول الله أيضاً: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣]. أي: كانوا ضلالاً وكفّاراً يعبدون أهواءهم ويعبدون فروجهم وبطونهم وظهورهم، إنما نحن دفعناهم للفساد والضلال والكفر ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص:٦٣].

стр. 1044

تفسير سورة القصص [٦٤ - ٧٣] إن المشركين الذين يتخذون من دون الله شركاء قد خسروا أنفسهم، فإن الله يسألهم يوم القيامة ويكلفهم أن يدعوا شركاءهم فلا يستجيبون لهم، ثم يسألهم ماذا أجبتم المرسلين فلا يستطيعون الجواب، حينئذ يعلمون أن الله هو الخالق المتصرف يخلق ما يشاء ويختار.

стр. 1045

تفسير قوله تعالى: (وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) قال الله جلت قدرته: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص:٦٤]. الكلام لا يزال على هؤلاء الكفرة الذين أصروا على العصيان والجحود والنكران، إذ يقال لهم يوم القيامة: أين شركاؤكم الذين كنتم تدعون في دنياكم من دون الله؟ ادعوهم لينصروكم، ادعوهم ليؤازروكم ويخرجوكم من عذاب الله وغضبه ولعنته. قوله: (قيل) أي: تقول الملائكة لهم ذلك عن أمر الله. قال تعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ [القصص:٦٤] أي: دعوا الشركاء، وإذا بالشركاء يتبرءون منهم ويكفرون بشركهم ويقولون لله: إنا برآء منهم، فقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص:٦٤] أي: لم يجيبوهم ولم يلتفتوا لهم. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [القصص:٦٤] وهنا رأوا عذاب الله ولعنته في دخولهم للنار جزاءً وفاقاً على شركهم. قال تعالى: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ [القصص:٦٤]. أي: ودّوا إذ ذاك لو أنهم اهتدوا في دار الدنيا كي لا يروا عذاباً ولا يدعوا شركاء، وودوا لو يحصل لهم ما يحصل للمؤمنين التائبين. والجواب مقدّر، أي: ولو أنهم كانوا يهتدون لما رأوا عذاباً ولما دخلوا ناراً ولا عوملوا معاملة الجاحدين الكافرين، فالله يقص علينا حال الكفار يوم القيامة عندما يقومون للعرض عليه ﷻ ، ماذا سيكون لهم ويقص ذلك على الكافرين لعلهم يتوبون ويئوبون، ويقص ذلك على المؤمنين ليزدادوا إيماناً.

стр. 1046

تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم) إلى قوله: (فهم لا يتساءلون) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]. أي: يوم يأمر الله الملائكة فتدعو كل واحد باسمه، فيقال لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] أي: عندما جاءت رسلكم وأنبياؤكم ودعوكم للإيمان بالله وعدم الشرك والكفران، ودعوكم إلى الإيمان بما جاءت به كتب الله من أوامر ونواهٍ، وحلال وحرام، ماذا كان جوابكم لهم؟ وسبق أن قال ربنا في الآية السابقة: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢] فالسؤال هنا سؤالان، كسؤال الملائكة للميت في القبر، إذ يكون السؤال أولاً عن الله ووحدانيته: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٦٢] ثم يسألون ثانية: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥] أي: وماذا كان جوابكم للرسل عندما جاءوكم؟ هل استجبتم وأطعتم وحللتم ما أحلوا وحرمتم ما حرموا؟ وهكذا الميت عندما يُدفن في القبر يأتيه الملكان فيسألانه، فأول سؤال يسألانه: من ربك؟ ثم بعد ذلك يسأل: من نبيك؟ فإن أجاب جواب المؤمنين المسلمين سئل بعد ذلك عن الصلاة والزكاة وبقية الواجبات، فإن لم يجب رأى العذاب والمحنة، وإن أجاب رأى الرحمة والرضا؛ وهكذا يوم القيامة يُعاد السؤال أين ما كنتم تزعمون من دون الله؟ ثم يسألون مرة أخرى: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٦٥]. فيكون الكافر أخرس لا جواب له؛ لأنه لم يوحد الله بل أشرك به ولم يستجب للرسل في دعوتهم، بل كفر بهم. قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص:٦٦]. فالجواب عن السؤال يوم القيامة عن الله وعن الإيمان برسل الله تعمى عليهم وتضيع، والأنباء: الأخبار، أي: لا يستطيعون خبراً ولا نبأً ولا جواباً؛ لأنه لا جواب عندهم، فإنهم سيذهلون عن السؤال، إذ لو أجابوا فلن يكون جوابهم إلا أنهم أشركوا بالله ولم يستجيبوا لرسل الله. قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ﴾ [القصص:٦٦] أي: ضلوا إلى أن أصبحوا عمياً، وأصبحت الأنباء والأخبار عنهم في عمى وضياع فلا جوا ب منهم ولا خبر يستطيعون الجواب فيه لله أو لملائكة الله. قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص:٦٦] أي: يوم القيامة، يوم العرض على الله. قوله: ﴿فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [القصص:٦٦] أي: فلا يسأل بعضهم بعضاً، ولا يستخبر بعضهم بعضاً إذ ليسوا في موضع جواب ولا موضع سؤال، وإذا سُئلوا لم يجيبوا لما هم فيه من ذهول الكفر والمحنة والغضب واللعنة من الله، فالله يقص هذا في حال الدنيا على الكافرين لعلهم يتوبون ويذكرون حال الكافرين السابقين لمن لا يزال حياً؛ ليستدرك حياته قبل موته فيتوب إلى الله ويئوب.

стр. 1047

تفسير قوله تعالى: (فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين) قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص:٦٧]. أي: من تاب في دنياه من الشرك وعمل صالحاً وقام بالأركان والواجبات فصلى وصام وحج وزكى وقام بما عليه من أوامر وترك ما نُهي عنه من نواهٍ، وتاب من الكفر وصدّق بالله وبرسله وبكتبه، فمن جاء هكذا يوم القيامة فهو من المفلحين كما قال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص:٦٧]. و (عسى) من الله موجبة وللتحقيق، أي: يكون يومئذ مفلحاً وفائزاً، ويكون يومئذ من القوم الذين يرضى الله عنهم ويقبل توبتهم في الدنيا، حتى إذا أقبلوا عليه جازاهم برحمته وجنته.

стр. 1048

تفسير قوله تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]. يقول ﷻ عن هؤلاء الذين أشركوا من دون الله إنه ليس لهم خلق ولا أمر ولا اختيار، فالرب هو الذي انفرد بالخلق والحياة والرزق فالخيرة له والأمر له والخلق له، ولا يحتاج لشريك ولا معين ولا مؤازر، والكل عبد لله صاغر في الدنيا والآخرة، لا شريك له في صفات سبحانه ولا في أفعال ولا في ذات، جل عن أن يوصف بما يوصف به الخلق، وجل عن أن يُشبّه بخلقٍ من خلقه، هو الله الواحد الذي لا شبيه له في ذات ولا صفة ولا فعل. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]. والخيرة: اسم للاختيار، فليس لهم أن يخلقوا وليس لهم أن يختاروا بين الخلق، فلله الاختيار ولله الخلق والأمر، والله قد توحّد وتنزّه وتعالى عمن أشركه به اليهود والنصارى والوثنيون والمعطّلون، فكلهم كفرة فجرة فسقة. ويكاد جميع التلاوات السبع في القرآن تقف على قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص:٦٨] ثم تستأنف: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] وقلة أيدها شيخ المفسّرين محمد بن جرير الطبري، فوقف على قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] فجعل (ما): اسماً موصولاً مفعولاً به، أي وربك يختار لهم ما فيه خيرهم؛ وهذا كلام جعلوه هكذا، فتأيد به مذهب الاعتزال الذي يقول بالأصلح والأكمل، وهو كلام في الأصل لا حقيقة له ولا وجود له وليس له علاقة بالعقائد، فرسول الله فضلاً عن الله ﷻ يقول تعالى عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. إذ لا خيرة لأحد مع رسول الله فهو صاحب الأمر والنهي، والحلال والحرام المبلّغ عن الله ﷻ ، فإذا كان ذلك من رسول الله العبد المخلوق النبي الرسول الكريم فما بالك من الله؟ فالله يخلق ما يشاء، فليس لأحد اختيار قط، فما هنا: نافية وليست باسم موصول ولا تُعرب مفعولاً. فنقول كما قال ربنا: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) قف إذ تم الكلام، ثم استأنف الكلام: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨] أي: لم يكن الاختيار لمن أشركوا به من دون الله ولا لهؤلاء الذين يُشركون، لا لملك مقرب ولا لنبي مُرسل، فالكل لله انفرد بالخلق والأمر والاختيار؛ وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة، وهي التلاوة كما وردت في القراءات السبع. ومن هنا سبّح الله نفسه ونزّهها وعظّمها، فهو يعلمنا كيف نعرف الله ونمجده فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] أي: تنزّه ربنا وتعالى وانفرد بالخلق والاختيار والأمر، وتنزّه وتعظّم عن شرك المشركين وكفر الكافرين وغثاء الجاهلين. فقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [القصص:٦٨] أي: أنزِّه الله والله ينزِّه نفسه عن أن يُشبه أحداً من خلقه أو يُشبهه أحد من خلقه، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]. قوله: ﴿وَتَعَالَى﴾ [القصص:٦٨] أي: تعاظم وتقدّس وتنزّه ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] أي: عن شركهم وشركائهم ملائكةً كانوا أو أنبياء، شياطين كانوا أو إنساً، جمادات كانوا أو حيوانات؛ فكل أولئك الذين أشركوهم المشركون مع الله هم أقل من أن يكون لهم خلق أو أمر أو اختيار، فالله الواحد الذي انفرد بالخلق والأمر والاختيار؛ ومن هنا علّمنا ﷺ أننا إذا أقدمنا على شيء ونحن لا نعلم الخيرة في شيء - هل يكون ذلك لخيرنا وصالحنا؟ أو يكون ضرراً علينا - أن نستخير الله تعالى، ونطلب منه أن يختار لنا ما فيه خيرنا وصلاحنا! وفي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة كما يعلّمنا السورة من القرآن، أي: أن نستخير ونطلب خيرة الله واختياره لنا، فالغيب لا يعلمه إلا هو، والمستقبل لا يعلمه إلا هو، يقول جابر: كان يعلمنا رسول الله ﷺ الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول - أي: النبي ﵊ (من هم بأمر فليصل ركعتين سوى ركعات الفريضة وليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم إنك أنت علّام الغيوب، اللهم إن كان هذا الأمر (ويسميه) خيراً لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاقدره لي ويسّره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان هذا الأمر شراً لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري آجله وعاجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ورضّني به). وقال علماؤنا: والاستخارة ينبغي أن تكون في كل شيء فيما أنت متردد فيه، أتفعل أو لا تفعل! أتصاهر أو لا تصاهر! أتشارك أو لا تشارك! أتعمل أو لا تعمل! أما ما وجدته في نفسك إقبالاً وميلاناً وعزماً ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] ولا تكون الخيرة والاستخارة إلا عند التردد والحيرة. وقالت عائشة رضوان الله عليها: كان نبي الله ﵊ يُكثر أن يقول عند كل أمر: (اللهم خر لي واختر لي). وقال أنس ﵁: قال النبي ﵊: (من هم بأمر فليستخر الله سبع مرات، حتى إذا وجد من قلبه انشراحاً للأمر فليفعله) وليس الأمر متوقفاً على رؤيا أو ما أشبه ذلك، وإنما هو متوقف على الانشراح القلبي، فما انشرح له قلبك فذاك، وما لم ينشرح فاتركه، وقد تكون رؤيا ولكن ليس ذلك ضرورياً، ولا الاستخارة متوقفة عليها، وقالوا: يصلي ركعتين فيقرأ في الأولى الفاتحة وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١]، وفي الثانية يقرأ الفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]. وقال قوم: يقرأ في الأولى الفاتحة وهذه الآية الكريمة: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨] ويقرأ في الثانية الفاتحة وقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ألا يكون لهم خيار ولا أمر، هذا مقبول وهذا مقبول، والنبي ﷺ لم يحدد ماذا تقرأ وإنما هذا استحبه العلماء، وإنما قال النبي ﵊: (ليصل المستخير ركعتين من غير الفرائض) وعقب الركعتين يدعو الله بهذا الدعاء وينتظر الانشراح الذي سيلهمه الله إياه وينشرح به خاطره، وقد تكون رؤيا ولكن ليس هذا من اللازم.

стр. 1049

تفسير قوله تعالى: (وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون) قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص:٦٩]. هؤلاء الكفرة يعلم الله ﷻ ما تكنه صدورهم وتكتمه، وما يتكلمون به من كفر ونفاق وانطواء على شر، كما يعلم ربنا ﷻ ما تنطوي عليه السرائر والضمائر من خير وإيمان، إذ يعلم كل ذلك من المؤمن وغيره والكافر وغيره، قوله: ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص:٦٩] أي: يعلم الذي يُعلنونه مع غيرهم في المجالس العامة أو في كتابة أو خطابة أو أي نوع من أنواع الإعلان.

стр. 1050

تفسير قوله تعالى: (وهو الله لا إله إلا هو) قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٧٠]. أي: لا شريك له ولا ثاني له، وكل من أشرك به أتى بالزور والباطل والكذب والبهتان، وليس له على ما أتى سلطان ولا دليل لا من عقل ولا من منطق ولا من نقل، إن هي إلا خزعبلات وأباطيل، أتوا إلى حجارة لا تضر نفسها ولا تنفعها فضلاً عن أن تضر غيرها أو تنفعها، أتوا إلى خلق من خلق الله ملائكةً أو رسلاً أو بشراً أو جناً أو حيوانات، فجعلوها شركاء لله وهي جميعها لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً، والكل عبد لله خاضع لجلاله تحت أمره ونهيه، ومن أحياه عاش ومن أماته ذهب إلى أمس الدابر. فقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص:٧٠] أي: هو المعبود بحق، الواحد الذي لا ثاني له وكل ما عداه مما قال الكاذبون وافترى المبطلون وكرره المشركون ليس ذلك إلا باطلاً وكذباً وزوراً وبُهتاناً، فلا إله معبود بحق إلا هو المنفرد بالألوهية والربوبية له الخلق وله الأمر والاختيار، وهو المحيي والمميت. قال تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾ [القصص:٧٠] أي: له الحمد المطلق في الأولى: في الدنيا، يحمده الناس على ما رزقهم سبحانه فالمؤمن يحمده ويشكر على حمده، والكافر يأبى ونعمة الله متجلية عليه ظاهرة وباطنة من صحة وشباب وحواس ورزق وحياة وعطاء، والواجب أن يُحمد الله الفاعل لكل ذلك المتمنن والمتفضّل بكل ذلك. قال تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾ [القصص:٧٠] أي: وله الحمد يوم القيامة كذلك على ما أعطى عباده المؤمنين الصادقين من جزاء بدخول الجنة ورحمة ورضا حتى إنه ابتدأ الأمر بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] وانتهى بقوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠] فنبتدئ الحياة منذ أن ندرك ونحس بوجودنا ونستشعر بأنه ﷻ الخالق الرازق المحيي المميت؛ وهكذا نبقى مدة حياتنا، حتى إذا عُرضنا عليه مرة ثانية وأكرمنا الله برحمته ورضاه تكون آخر دعوانا مرة أخرى: الحمد لله رب العالمين. ومن هنا فرض علينا رسول الله ﷺ أن تكون الفاتحة المبتدأ بها كتاب الله والمبتدئة بالحمد، وتقرأ باستمرار في جميع الركعات فرائض ونوافل، للإمام والمأموم والفذ، فأول ما نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] أي: الحمد الكامل لله رب العالمين، فهو ربهم وإلههم وخالقهم وذو الفضل والمن عليهم. قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص:٧٠] فهو الذي يفصل بين العباد يوم القيامة إما إلى جنة وإما إلى نار، وهو الذي يفصل بين الأديان والأحزاب والملل والنحل، فيقول لهذا: أصبت ويقول لهذا: لم تصب، على أن ذلك قد أرسل به الرسل وأنزل عليهم الكتاب بذلك، ولكن المتشككين الكافرين الذين لا يؤمنون بالغيب ويأبون إلا الجحود والكفران عندما يرون ما كان إيماناً بالغيب شهوداً وحضوراً، ويرون العرض على الله يوم القيامة، وقد كانوا في دنياهم يُنكرون ذلك، ويرون الجنة والنار بأعينهم وكانوا في الدنيا منكرين لذلك، يعلمون أنه له الحكم إذ ذاك، فهو الحاكم الذي سيفصل بينهم، ويحكم لهذا بالجنة ولهذا بالنار. قال تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠] أي: رجوعنا لله، فقد جاء بنا الله ﷻ خلقاً من خلقه وسنموت دهراً ثم نعود إليه يوم القيامة؛ ليحاسب المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته.

стр. 1051

تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١]. يعيد الله ويذكر لنا علامات ودلائل وبيّنات وجلال قدرته، وأنه القادر على كل شيء، فيقول: يا محمد! قل لهؤلاء: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص:٧١] أي: إذا جعل الدنيا كلها والزمن كله ليالي لا نهار فيها ولا ضياء ولا شمس، إذا جعل الكون كله ظلاماً لا شمس ولا ضياء ولا نور ولا نهار. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص:٧١] يعني: هل هؤلاء الذين أشركتموهم بي يستطيعون أن يأتوكم بالنهار أو يأتوكم بالشمس، أو يستطيعون أن يأتوكم بالنور والضياء؟ الجواب لا، وكلهم أقل من ذلك وأعجز، فالذبابة لا يستطيعون خلقها، بل إذا أخذت الذبابة منهم شيئاً لا يستطيعون أن يختطفوها منها، وكما قال ربنا ﷻ : ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] فالمطلوب هو المشرك به من دون الله وهو ضعيف ضائع، والطالب ذلك من غير الله ضعيف ضائع، وإذا سألت فاسأل الله، فوحده القادر على كل شيء ﷻ وعلا مقامه، فلو أن الله جعل سنيَّ الدنيا كلها ليلاً، لا ضياء فيها ولا نهار ولا شمس ولا نور، فهل هذه الآلهة المزيّفة الباطلة تستطيع أن تُنجزكم وتغيثكم وتجعل لكم ضياء ونوراً؟ الجواب لا، وكلهم أعجز من ذلك. قال تعالى: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] سماع فهم وقبول وإدراك، فقد عدّهم الله كما وصفهم أكثر من مرة بأن لهم آذاناً لا يسمعون بها، وإذا سمعوا لا يعقلون ولا يدركون ولا يعون.

стр. 1052

تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] أي: قل لهؤلاء المشركين الذين يعبدون الأحجار: لو أن الله ﷻ جعل الدنيا والسنوات كلها نهاراً وضياءً وشمساً فهل آلهتهم المزيّفة تستطيع أن تأتيهم بليل يسكنون فيه ويجدون راحتهم وهدوءهم واستقرارهم من عذاب النهار وتعبه ومشاقِّه؟ الجواب باستمرار: لا، وليس ذلك إلا لله وحده القادر على كل شيء. قال تعالى: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] أي: أليس لكم بصائر! لم يقل: (أعين) هذه المرة؛ لأن العمى عمى البصر ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وقد تجد الإنسان مفتّح العينين، لكنه أشد عمى من الأعمى؛ لأن البصيرة عمياء لا تُبصر ولا تُدرك ولا تفهم ولا تعي ما يقال لها، لا بما رأته عيناً ولا بما سمعته أذناً ولا بما أحسّته ببشرتها. فقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] استفهام إنكاري توبيخي تقريعي؛ لأن الليل جُعل للسكن والراحة، لتهدأ الروح والحواس، وجُعل النهار للأعمال فتتعب الروح والحواس وتتعب الأيدي والأرجل، فلو لم تسترح هذه الحواس وهذا الجسد وهذه الروح فإنها مع الأيام تهلك وتموت؛ وهكذا لو كان الليل باستمرار ولم تُشرق الشمس فسيكثر أمراض البيت، وتكثر أوبئته، ويكثر فساده، والجسد إذا لم ير الشمس ويسطع عليه نورها وتمسه شعاعاتها يمرض ويكل، والنبات كذلك إذا لم ير الشمس وتشرق عليه فإنه يذبل ولا يكاد يُعطي ثمرة، والليل كذلك، فإن ضياء القمر به يرى الإنسان نفسه ويرى النبات، وهكذا نرى البحار بين مد وجزر تأثراً بالقمر.

стр. 1053

تفسير قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) جمع ذلك كله ربنا في آية ثالثة فقال: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣]. فمن رحمة الله بكم أيها الناس مؤمنين وكافرين! أن جعل لكم الليل وجعل النهار، وجمع بينهما ثم قضى عليهما معاً؛ لتسكنوا إليه ولتبتغوا من فضله، وهذا يقال له في علم البلاغة: الطي والنشر، وهو أن يُقال الكلام مسلسلاً ثم يأتي ما يناسبه. قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص:٧٣] أي: لتسكنوا لليل وتستريحوا فيه. وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص:٧٣] وفضل الله هنا: الضرب في الأرض من تجارة وسياحة وزراعة وأعمال، ويكون ذلك في النهار، فالله جعل الليل للسكون والراحة ولاطمئنان الجسد واستقراره، ولاطمئنان الروح واستقرارها، وجعل النهار للأعمال والمشاقّ والتجارة والزراعة والضرب في أرض الله الواسعة جبالاً ووهاداً بحاراً وأجواء، والله عندما يذكر لنا ذلك ويعدده ويمتن علينا به، والشيء إذا تكرر تقرر، يعني: هل تكرار ذلك سيجعلنا نفهمه ونعي ونُدرك؟ ولعل الكافر منا يتوب إلى الله ويعود للإسلام، ولعل العاصي منا يتوب من معصيته، ويتذكر إفضال الله عليه فيتوب ويئوب ويعلم ذلك ويفهمه ويعمل بمقتضاه.

стр. 1054

تفسير سورة القصص [٧٤ - ٧٨] يوم القيامة يكون الحساب ويخرج الأنبياء شهداء على أممهم ببلاغ الرسالات. وإن الذين لم يؤمنوا باليوم الآخر قد بطروا وتكبروا، ومنهم قارون ذو الكنوز والأموال الطائلة، لكن ذلك لا ينفعهم شيئاً ولا يغني عنهم من عذاب الله.

стр. 1055

تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٧٤]. هذه الآية بنفسها تقدّمت معنا بالأمس قبل آيات مضت، وكررت هنا لزيادة التوبيخ والتقريع، وجاءت بعد تعداد نعم الله وقدرته من خلق الليل والنهار، واستراحة الناس في الليل وسكونهم، وضرب الناس في النهار وعملهم وتجارتهم وزراعتهم، فعاد فقال لهؤلاء المشركين عقب كل ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٧٤] أي: ينادي الله أو تنادي ملائكته عن أمر الله. قال تعالى: ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٧٤]. أي: أين الذين زعمتموهم شركاء لله في ملكه وفي قدرته، هل يستطيعون خلقاً أو ملكاً أو اختياراً؟ هل يستطيعون خلق ليل أو خلق نهار؟ كلهم أعجز من ذلك! إذاً: لماذا لم يغيثوكم ولم ينقذوكم من عذاب الله ولعنته؟ فكل هذا يُقال في الدنيا لمن يسمع من الكفار علّه يتوب ويئوب، ويقول: رب اغفر لي قبل أن يموت. وفي هذا المعنى يقول النبي ﵊: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك). وإلا ضاعت على الإنسان حياته في البرزخ، فهي الطريق للآخرة، والمدرسة التي من نجح فيها أخذ كتابه وشهادته بيمينه يوم القيامة فكان من الناجحين والفائزين، والذي لم ينجح فيها إذ لم يوحّد الله ويعبده يأخذ يوم القيامة شهادة الخسران والرسوب بشماله فيدخل النار مع الداخلين.
следующие страницы →