← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

تفسير قوله تعالى: (وقالت لأخته قصيه) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص:١١]. وقالت أم موسى لأخته: يا فلانة! قصيه أي: اتبعي أثره، وفي مكة يسمون من يتبع آثار السارق والفار والهارب القاص، وهي لغة عربية فصيحة. وقوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١]: أي: فاتبعت أثره من جنب: أي: من جانب بعيد بحيث لا يشعرون بأنها تتبع الوليد، وتترسم خطاه ونهايته، فرأته ببصرها لا بعلم قلبه ولا بإخبار أحد أنه في الشاطئ، وأن جواري فرعون نزلن للشاطئ وأخذنه، فاطمأنت أنه لم يمت وبشّرت أمها بأن موسى لم يغرق ولم يضع ولم تأكله هوام البحر، ولكنها زادت رُعباً عندما دخل قصر فرعون، فإنه سيذبحه لأنه لم يكن هذا إلا لأنه كان عبرانياً إسرائيلياً. وقوله تعالى: (وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) أي: لا يشعرون بأنها تتبع أثره وتترسم خطاه، وتريد أن تعلم ماذا جرى له، ولو انتُبه لها لضغطوا عليها وهي صبية ولعذّبوها إلى أن تقول الحقيقة فيضيع موسى، ولكن الله لطيف لما يشاء كما قال يوسف في قصته مع إخوته.

стр. 982

تفسير قوله تعالى: (وحرمنا عليه المراضع من قبل) قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢]. أي: أتوا بالمرضعات في القصر وخارج القصر فامتنع أن يرضع من أي امرأة، وهذا تنفيذ وعد الله. (وَحَرَّمْنَا عَلَيْه) أي: تحريماً قدرياً بمعنى: منعنا. (الْمَرَاضِعَ) جمع مرضعة، فكانوا يتجولون بالطفل في الطرق وزوجة فرعون تكاد تُجن أكثر من أمه الحقيقية، وإذا بأخت موسى تقف عندهم وتقول لهم: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) فقالوا لها: ما يُدريك؟ هل الولد وليدكم؟ هل أنتم الذين قذفتموه في البحر؟ فقالت: إن أُمي مسكينة وتحتاج إلى مساعدة الملك، ثم هي تنصح الملك فيما ينالها من سروره وبهجته وقرة عينه، وقد ولدت في السنة الماضية وليداً حيث كان لا يُذبح أولاد بني إسرائيل، فهي لا تزال ترضعه ولا يزال ثدياها يجريان بالحليب. وكان كلام أخت موسى كلاماً ظاهراً مقبولاً، فلو لم يكن لها وليد ووجدوها تُرضع لقالوا لها: من أين الرضاع ولا رضيع؟ ولكن الأمور كلها جاءت طبيعية ليتم وعد الله بالحق. فقوله تعالى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل أن يصل إلى أمه وهم يتجولون به ثلاثة أيام أو أربعة أيام حتى كاد أن يموت، وأمه التي تريد أن تتبناه وهي زوجة فرعون كادت أن تُجن عليه أكثر من أم موسى. ومعنى قوله: (يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ) أي: يحضنونه ويحفظونه ويضمنون حياته وصحته وإشباعه وريّه. (وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) أي: ينصحونه ويخلصون له ويبرّون له رجاء خدمة الملك ومعروف الملك ومسرة الملك، وهي مرضعة لها وليد تُرضعه. فكان الكلام مقبولاً فاستجابوا لها، فذهبوا به إلى أمه.

стр. 983

تفسير قوله تعالى: (فرددناه إلى أمه) قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص:١٣]. كان ذلك سبباً في أن يأتي الطفل إلى أمه، وجاءوا بالوليد فسلّمته الثدي مع العطف والشوق، وإذا بالحليب يدر من أول مرة كأنه نافورة، وإذا بالطفل يشم رائحة أمه فيلتقم ثديها ولو توسع فمه الصغير لارتضعه جميعاً، فسرّت أم موسى وبلغ ذلك زوجة فرعون، فسرّت وفرحت وقرّت عينها وطلبت منها أن تأتي إلى قصرها فجاءت، فقالت لها: أنت في بيتي وواحدة من أهلي فاخدميه وأرضعيه هنا. فقالت لها أم موسى: هذا يسرني ولكنني زوجة لرجل وأم لأولاد ومكلّفة ببيت، فلمن أترك الزوج والأولاد، فدعيه عندي فأنا سأخدمه بعيني وأنصح لكم فيه، فوافقت. وذكر النبي ﵊ أن الرجل يعمل العمل فيحتسب به على الله فيؤجر عليه كما أُجرت أم موسى على وليدها، أرضعت ولدها وأخذت أجرة. ووعد الله كان بأسرع وقت، وعدها الله بأن يرده إليها فرده خلال يومين أو ثلاثة أيام بالأكثر، قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا): أي: تزداد فرحاً وسروراً وارتياحاً وبهجة بوليدها حيث سترضعه أمام الملأ دون خوف ولا وجل ولا رُعب؛ لأنه لو بقي عندها لأرضعت ولداً من أولاد بني إسرائيل، ومهما حاولت أن تُخفيه فهي في رعب مستمر، ويقع عليها رعب أشد من الرعب الأول عندما ألقته في اليم، أما الآن فهي تُرضع ولد الملك بإجلال وباحترام وبإعزاز، وهكذا وعد الله الحق إذا وعد أحداً بأن يفعل له وأن يكرمه كان وعده الحق ﷻ ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] أي: لا أحد. وقوله تعالى: (وَلا تَحْزَنَ) فقد ذهب حزنها وانتهى بأسرع وقت. (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولتزداد أم موسى علماً وإيماناً ويقيناً بأن وعد الله حق، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) ولكن أكثر الناس لا يثقون بعهد الله ولا بوعده ولا يؤمنون بذلك فهم كفرة فجرة، وقد يكونون مسلمين يعلمون وعد الله الحق بنصرة المسلمين ومع ذلك لا يطمئنون، وذاك من ضعف إيمانهم وقلة يقينهم.

стр. 984

تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) ولما ذكر الله تعالى ولادته وطفولته ورضاعه، ذكر بعد ذلك نشأته من بداية شبابه إلى اكتماله ونضوجه، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:١٤]. لما بلغ موسى الحلم والأشد: ما بين الثامنة عشرة إلى الثالثة والثلاثين من بداية الشبيبة إلى اكتمالها ونضجها (وَاسْتَوَى) أي: أتم الأربعين، لا يكون استواء الرجولية إلا عند الأربعين عاماً من عمر الإنسان، فهو العمر القابل لإرسال الرسالات ووحي الله تعالى لعبيده من البشر كما أرسل نبينا محمداً ﷺ وهو ابن أربعين سنة. وقوله تعالى: (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) أي: آتاه الله الحكمة والعلم والفهم، أما النبوة فلم تأت له إلا بعد أن يترك البلد ويهدد بحياته ويصبح في أرض مدين، وتلك مرحلة ثالثة وليست المرحلة الأخيرة من المراحل التي قص الله علينا من سيرة موسى. فعندما بلغ موسى هذا السن وهو ما دون الأربعين سنة أكرمه الله بالفهم والحكمة، ومن ذلك أنه كان على دين آبائه، كان موحداً ومؤمناً بما تبقى من رسالات بني إسرائيل. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) كل من عاش محسناً في حياته مطيعاً لربه مصدّقاً بوعده غير مخالف ولا عاص فإن الله يحسن إليه كما أحسن إلى موسى ﵊؛ فالله القديم الأزلي الذي لا أول له ولا آخر له وهو على ما كان عليه كائن، وكما أكرم الأولين فهو يُكرم الآخرين وفضل الله تعالى لا يحجّر ولن يحجّر، من أحسن في دينه وطاعته وأكرم مثوى نفسه وأخلص الخدمة لعباد الله المؤمنين؛ فلم يسرق ولم يزن ولم يخالف فإن الله تعالى يجزيه أحسن ما يجازي به عباده الصالحين، كما أحسن لموسى يحسن لمن فعل فعله من الطاعة والامتثال فزاده العلم والحكمة.

стр. 985

تفسير قوله تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها) قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٥]. بعدما أصبح موسى في هذه الدرجة من الوعي والفهم والعلم، بينما هو في يوم من الأيام قد دخل المدينة واسمها عين الشمس، وهي المدينة التي نشأ فيها، ولكن كان وهو كرئيس وابن الملك قلما يخرج للشوارع، فبدا له أن يخرج يوماً في وقت خلاء الشوارع وليس فيها أحد كشأن الكبراء عندما يريدون أن يتنقلوا ويسيحوا في البلاد. فخرج في وقت القيلولة والراحة أو ما بين المغرب والعشاء، وهو وقت نهاية عمل اليوم والعودة إلى البيت للعشاء والراحة، فخرج في هذا الوقت وكانت الطرق خالية ليس فيها أحد، وإذا به وهو يتجوّل يجد رجلين يقتتلان ويتخاصمان ويتنازعان ويضرب بعضهما بعضاً، ويكاد يقتل أحدهما الآخر أو يُقتلان معاً، (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِه) أي: الإسرائيلي فهو من قومه (عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه) أي: القبطي، وكان موسى قوي الجسم متين العضلات فجمع أصابع يده فوكز القبطي بضربة فألقاه ميتاً، وهو لا يريد قتله ولكن يريد الانتقام منه نصرة للذي من شيعته وقومه. فقوله: (فَوَكَزَهُ مُوسَى) الوكز الضرب بجمع اليد عند الصدر. (فَقَضَى عَلَيْه) أي: كانت القاضية على حياته، فعندما رآه موسى يُصرع ميتاً (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان) أي: أنا لم أرد قتله ولم أفعل ما يكون سبباً لقتله، فالشيطان هو الذي تدخل في الموضوع فدفع موسى وحمسه إلى أن قتله. (إِنَّهُ عَدُوٌّ) أي: إن الشيطان عدو للإنسان منذ امتنع من السجود لأبيه آدم، و (مُضِلٌّ مُبِينٌ) فهو لا يسعى إلا في ضلال الناس وفي إفسادهم، فهو مضل ظاهر بيّن واضح لمن عمي قلبه قبل أن يعمي بصره، إذ ذاك موسى وقد أوتي الحكمة والعلم والفهم والدين ولم يوح إليه بعد فقال كما ذكر تعالى:

стр. 986

تفسير قوله تعالى: (قال رب إني ظلمت نفسي) ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص:١٦]. اعترف أنه ظلم نفسه بقتله من لا يستحق القتل ولغير سبب من أسباب القتل ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص:١٦]. ولكن موسى لا يدري أن الله قد غفر له فذاك يحتاج إلى وحي، والوحي لم يأته بعد، فالله غفر الله لأنه قتل من يستحق القتل، لأنه كان كافراً، والكافر والكلب سواء فلا حرمة لدم الكافر ولا لماله ولا لعرضه؛ وهذا معروف من الدين بالضرورة، وإن كان موسى قد رأى أنه قد تسبب بقتل إنسان لا يستحق القتل فقال: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) فهذا الموضوع يحتاج إلى استغفار، فرفع يديه بالاستغفار، (فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). فالله هو الغفور وهو الرحيم يغفر عن زلات الزال وعن ذنوب المذنب وعن سيئات المسيء، يرحم ضعفه ويرحم ما قام به في حالة ضعف وغلط وفتنة.

стр. 987

تفسير قوله تعالى: (قال رب بما أنعمت علي) ثم وعد موسى ربه وعداً حقاً فقال: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧]. أي: رب بسبب إنعامك عليّ من الحكمة والعلم والفهم والدين فلن أكون بعد اليوم ظهيراً ومعيناً ومساعداً للظالمين والمجرمين، ودخل في هذا الوعد فرعون وقومه والكفرة من بني إسرائيل، وكأن هذا الإسرائيلي الذي تعصّب له موسى وقتل القبطي من أجله لم يكن مؤمناً، فقد ناصر مجرماً كما ناصر فرعون ببقائه معه في قصره بعد العقل والفهم والإدراك وهو لا يستحق ذلك؛ فموسى مؤمن أوتي العلم والحكمة وفرعون يدّعي الإلوهية، ولذلك كم من ذنب تنشأ عنه حسنة وهذا من ذاك. ومعنى ذلك أن مساعدة المجرم حاكماً كان أو تاجراً ظلم وإجرام وهكذا؛ وهو سبب في العقوبة كما قال ربنا: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:١٢٩] فالظلمة يسلّطهم الله على بعض، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] ثم يُقذف بالكل إلى قعر جهنم، فمن أعان ظالماً سُلّط عليه، قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] فكل هذا قد حرّمه الله ورسوله، وحرّمته شريعة الإسلام. قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:١٨]. بعد هذا الموقف ترك موسى دار فرعون ولم يعد إليها، لأنه قد قتل نفساً قبطية بغير نفس فخاف من المتابعة وإن كان لم يراه أحد، ولكن خاف من الإسرائيلي أن يبلّغ عنه فهو قد كان كافراً وقد يحمله الكفر والرعب والهلع من طُغيان فرعون أن يبلّغ عن طغيان موسى.

стр. 988

تفسير سورة القصص [١٨ - ٢٢] كان سيدنا موسى ﵇ قد قتل قبطياً وجده يختصم مع أحد بني إسرائيل، ثم ندم على فعلته واستغفر ربه فغفر له؛ لكنه ظل خائفاً يترقب، ثم جاء في اليوم الثاني فوجد ذلك الإسرائيلي يختصم مع قبطي آخر فاستصرخه فهب لنصرته ففضحه، وخاف موسى على نفسه فخرج من مصر وتوجه تلقاء مدين.

стр. 989

تفسير قوله تعالى: (فأصبح في المدينة خائفاً يترقب) قال الله ﷻ : ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص:١٨]. لا نزال مع موسى ﵇، حيث خرج إلى المدينة فاستغاثه إسرائيلي من قومه على قبطي من أعدائه فوكزه فقتله، وكان الوقت وقت غفلة وفراغ من الناس في الأزقة والدروب، حيث كان وقت القيلولة والزوال أو وقت المغرب والعشاء وما بينهما، وإذا بموسى يُصبح خائفاً مترقباً متوقعاً شيئاً من فرعون وملئه لإيذائه والبطش به: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ). وإذا باليوم التالي لم يرجع موسى إلى فرعون ولا إلى بيته، وأصبح الصباح وهو في خوف وترقب، وفي انتظار طلبه وكشف فعلته لقتله القبطي. قوله: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) أي: يجول في الأسواق ويقطع الدروب وهو وجل خائف من قوم فرعون الأقباط. (فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) أي: وإذا بصاحبه الذي من أجله قتل النفس القبطية بالأمس يستصرخه ويناديه لينصره مرة أخرى على قبطي آخر: يا موسى أغثني! وإذا بموسى يقول له: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ). أي: فقال له موسى: إنك غوي تدعو للضلالة، وبسببك أزهقت روحاً بالأمس، إن ضلالتك وغوايتك بيّنة، فماذا تريد اليوم وأنا لا أزال أفكّر في فعلتي بالأمس، يا هذا! إنك ضال مضل، غوايتك وفسادك بيّن ظاهر فكلمة الأمس تعني أي يوم سابق ليومه، فإذا لم تدخلها الألف واللام فهي معرفة مبنية على الكسر وإذا دخلت عليها الألف واللام نكرت كما هنا.

стр. 990

تفسير قوله تعالى: (فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ [القصص:١٩]. أي: فلما أراد موسى أن يضرب قبطياً آخر نصرة لقومه ولهذا الإسرائيلي من جماعته وعشيرته، وإذا بالإسرائيلي يصيح في موسى ويقول له: ﴿يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص:١٩]. هذا الإسرائيلي عندما رأى موسى مقبلاً عليه، هاجماً إليه وهو قد قابله بهذه الكلمة: إنك غاو مضل بيّن الغواية والضلالة، فعندما أقبل موسى ظن هذا الإسرائيلي أن موسى يريد البطش به لا بالقبطي، ففزع، وكما قال ربنا: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا) والذي هو عدو لموسى ولهذا الإسرائيلي هو قبطي. (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى) قال ذلك الإسرائيلي ونادى موسى وسمّاه وكشفه أمام هذا القبطي: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْس) وناداه باسمه يا موسى، فكان بذلك قد أعلن جريمته في نظر القبطي، وكشف حادثته، وكان الأقباط مع فرعون يبحثون عن قاتل هذا القتيل الذي وجد ملقىً في الشوارع ولم يعرف من القاتل، ولم يوجد شاهد ولا دليل، إذ قتله في وقت غفلة من الناس ولم يكن في الشارع أحد إلا موسى وهذا الإسرائيلي والقبطي. ولكن هنا عندما كادت تتكرر الحادثة مع الإسرائيلي السابق نفسه ووبّخه موسى وقال: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) ثم أراد البطش بالقبطي ظن الإسرائيلي أنه سيبطش به لا بالقبطي، فصاح فيه مسمياً له: (يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْس) وبهذا سمع القبطي الذي كان يريد موسى أن يبطش به مرة ثانية أن القاتل بالأمس هو موسى. قوله: (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْض) أخذ يشتم موسى ويصفه بالجبروت والطغيان، وبالاستعلاء والظلم، والجبّار من الناس هو الظالم المتكبّر، وهو المؤذي، هو الذي إن قتل لا يبالي وإن شتم لا يبالي؛ فذهب هذا الإسرائيلي يشتم موسى بوصفه جبّاراً في الأرض. (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ) أي: لست تريد إلا أن تكون جبّاراً من الجبابرة. (وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) ولا تريد الخير ولا الصلاح ولا الإحسان، فأنت ظالم بين الظالمين. وإذا بالقبطي يفر ويذهب مسرعاً إلى فرعون قائلاً: لقد اكتشفت قاتل القبطي بالأمس، إنه موسى الذي نشأ في بيتك وعلى فراشك، وتغذى بنعمتك، وكان موسى قد ترك قصر فرعون وقال عن نفسه: ﴿رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص:١٧] فكان من ذلك أن ترك فرعون وقومه واستقل بنفسه على خوفه ووجله من أن يُحاسب بالقتيل ويُكشف أمره، وهذا ما حذر منه.

стр. 991

تفسير قوله تعالى: (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى) وإذا باليوم الثاني، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠]. أي: بلغ الخبر فرعون، وجاء رجل من قصر فرعون (يَسْعَى) أي: يهرول ويجري، ويبادر ليبلّغ موسى قبل حبسه وقتله وتوصل فرعون لإيذائه والبطش به. قالوا: هذا المبلّغ كان مؤمن آل فرعون، الذي أخبر الله ﷻ عنه في سورة غافر، ويقال: اسمه شمعون، وقيل: شميع، وهذه أسماء لا أصل لها ولم تُذكر في القرآن، ولم تثبت في السنة؛ وإنما هي أشبه بالإسرائيلية. (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي: من أبعد المدينة حيث يسكن فرعون على ثلاثة أميال من مصر كما قالوا، وأقصى المدينة تدل على ذلك، وسرعته وسعيه وجريه للوصول إليه يؤكّد ذلك. (قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ) أي: يتآمرون عليك ويتباحثون في الانتقام منك جزاءً لما صنعت بالقبطي من قومهم وجماعتهم، ومن رجالهم. (فَاخْرُجْ) أي: اترك البلد واخرج منه (إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) أي: أنا أنصحك يا موسى إن كنت تريد حياتك والحفاظ عليها، فإن القوم تجمّعت لهم عنك مؤاخذات في شتمك وتسفيهك لـ فرعون، وعدم اعتقادك بألوهيته، وبقتلك للقبطي، وبدفاعك عن قومك، هذا الذي يريد الآن فرعون أن يبطش بك وينتقم لجماعته منك ولنفسه. (فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) أي: أمحضك النصح وأحثك على خير نفسك، وألا ينالك من الجماعة مكروه.

стр. 992

تفسير قوله تعالى: (فخرج منها خائفاً يترقب) فبلغ الخبر موسى وكان خائفاً مترقباً ينتظر ما يسمع وينتظر ما يبلغه، وإذا بما كان يخاف منه قد بلغه، قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص:٢١]. ترك المدينة ترك مصر، وخرج من الأرض هارباً بنفسه وبحياته من ظلم فرعون، وحقد الأقباط وتآمرهم على قتله وعلى البطش به. ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢١] خاف أن يُدركوه فأصبح بكل خلايا بدنه يسمع لعله يُصرخ عليه من هنا! لعله يلاحق من هنا! لعله لا يستطيع الخروج عن حدود مصر وحكم فرعون! خرج هائماً لا يعرف طريقاً، ولا يعرف سبيلاً، ولكن فعل ما فعل اعتماداً على ربه أن يهديه سواء السبيل، وأن يُنجيه من فرعون وقومه. (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) نجّني منهم احفظني من بطشهم احفظ حياتي من إيذائهم ومن مكرهم وتآمرهم.

стр. 993

تفسير قوله تعالى: (ولما توجه تلقاء مدين) قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص:٢٢]. ترك مصر وأخذ الطريق إلى أرض مدين وهو لا يعرف طريقاً أقبل بوجهه سائراً إليها لا يعرف طريقاً، ولا يعرف مسلكاً، وهو خائف من أن يراه أحد يعرفه فيقبض عليه ويسلّمه لـ فرعون، فهو مع هذا مترقّب ومتخوف ومتوجس شراً من هؤلاء. قوله: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) أي: تلقاء أرض مدين. (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) يرجو ربه ويدعو إلهه ﷻ أن يهديه للطريق السواء المستقيم، حتى يصل إلى قبائل مدين وأرض مدين، وهي على بعد ثلاثة أيام من مصر بسير الإبل. فاستجاب ربه له، وقطع الطريق خلال أيام ليس معه إلا ربه، قالوا: خرج جائعاً عطشان في مثل هذه الصحاري، ما تجرأ أن يطلب طعاماً، وخاف من أن يتكلم، أو أن يطلب ماءً، والحذاء كذلك قد تآكل، فأخذ يمشي في هذه الصحاري مع شدة الحر، يصل الليل بالنهار إلى أن وصل إلى بئر يستقي منها الناس، قال تعالى: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) ولم مدين؟ مدين أرض أجداده، ومدين هو ابن إبراهيم ﵇، وموسى من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، أراد أن يذهب إلى أرض فيها آثار عشائره، وفيها آثار آبائه ليس فيها حكم فرعون ولا حكم الأقباط أخذ الطريق ودعا ربه أن يهديه الطريق المستقيم إلى مدين، ووصل مدين وهدي إلى الطريق.

стр. 994

تفسير سورة القصص [٢٣ - ٣٠] ولما خرج موسى من مصر توجه تلقاء مدين وهو جائع عطشان، فوصل إلى ماء مدين وكان ما حدث من قصته مع البنتين وأبيهما وزواجه بإحداهما، ثم عودته بعد عشر سنين إلى بلده فرأى في الطريق نوراً في الجانب الأيمن من وادي الطور عند الشجرة.

стр. 995

تفسير قوله تعالى: (ولما بلغ ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون) قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]. جاء وهو عطشان محتاج للماء والطعام، ولكن الطعام قد يصبر عليه الإنسان أياماً، أما الماء فلا يستطيع أن يصبر عليه ساعات عند اشتداد العطش واشتداد الحر. قوله: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) الورود: الدخول، والمراد البلوغ، أي: بلغ البئر التي تستقي منها قبائل مدين في أرض مدين. لما وصل إلى البئر أخذ كفايته من الماء، ورأى ازدحاماً من الشباب الأقوياء من الرعاة للغنم في سقي غنمهم وقطعانهم، وأخذهم الماء لبيوتهم، ورأى امرأتين خلف الناس، بعيدتين عن الناس، تذودان غنمهما وتدفعانها وتحبسانها؛ لكي لا تختلط بغنم الغير فتضيع عليهما، ولا تستطيعان المزاحمة مع الرجال، أولاً: لأنهما أضعف من الرجال ثانياً: لأنه لا يليق بالمرأة أن تُزاحم الرجال، فهما تنتظران أن يذهب هؤلاء ثم تستقيان، وقد يطول ذلك اليوم بكماله إلى العصر أو المغرب. قوله: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاس) أي: وجد على ماء مدين جماعة من الناس. قوله: (يَسْقُونَ) أي: يشربون ويسقون أغنامهم، ويأخذون الماء لدورهم للسقيا. قوله: (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَان) ووجد خلف الناس امرأتين تدفعان وتحبسان أغنامهما على ألا تختلط بأغنام أولئك. فوقف ونظر ذلك المنظر، وكأنه أشفق على هاتين المرأتين أن تكونا في هذا العذاب أمام هذه الجماعة من الرجال الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم، ولا يقدّمونهما لا شفقة لأنوثتهما، ولا خشية على ضعفهما، وإذا بموسى يتقدم ويسألهما: ما خطبكما؟ لم أنتما خلف هؤلاء؟ ولم أنتما في هذه المشقة؟ (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) أي: لا نستطيع السعي لسقي أغنامنا (حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) أي: حتى يذهب الرعاء وينتهوا من السقي، ونبقى وحدنا دون زحام، ودون مقاتلة مع الرجال والشباب. والرعاء: جمع راع كتاجر جمعه تجار، والمعنى: لا نستطيع سقي أغنامنا حتى يذهب هؤلاء، ويرجعوا عن السقي ويعودوا إلى مكانهم، عند ذلك نجد المكان فارغاً، والبئر ليس عليها ازدحام، فنسقي أغنامنا. واعتذرا فقالا: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) بمعنى: هما ليستا بمتزوجتين، ولا رجال لهما يقومون مقامهما، وليس لهما أخ يقوم بمثل هذا، وأبوهما الذي سيفعل هذا رجل كبير عاجز عن السقي والرعي، وعاجز عن خدمة داره وبناته. وإذا بموسى ﵇ يشفق عليهما ويسعى لخدمتهما طلباً للأجر والثواب، وشفقة ذاتية من شخصه، وهذه المرحلة الثالثة من حياة موسى؛ وكانت المرحلة الأولى التي قصها الله علينا مرحلة ولادته ورضاعه ونشأته عند فرعون، وكانت المرحلة الثانية كبره وخروجه للشوارع والأسواق، وقتله للقبطي، والمحاولة الثانية لقتل قبطي آخر، وإذا به يترك القصر ويقول: لن أكون ظهيراً ولا مساعداً للمجرمين بعد اليوم، فينذر ويخوّف من مؤمن آل فرعون بأن يترك البلد ويخرج، وإلا فـ فرعون والأقباط قاتلوه، فترك مصر وخرج هائماً على وجهه لم يسبق قبل أنه ترك أمه وترك أخواته وقومه، وخرج على وجهه لا يدري أين يذهب. ولكن من أول مرة قصد أن يذهب إلى أرض مدين وهو لا يعرفها، فسأل ربه ﷻ أن يهديه إليها، ففعل، وهدي إليها ووصل، وكان أول ما وجد القوم على ماء مدين يسقون الأغنام ووجد بين هؤلاء الرجال امرأتين بكرين لم تتزوجا بعد، ولا أخ لهما، وأبوهما رجل كبير يعجز عن السقي والرعي، وعن خدمة البيت، فالبنتان هاتان هما اللتان تقومان بعمل الرجال، وهي عادة بدوية لا يستغني البدوي عنها وهم في حاجة إليها، وكان هؤلاء في البدو.

стр. 996

تفسير قوله تعالى: (فسقى لهما ثم تولى إلى الظل) وإذا بالله يقول عن موسى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]. قالوا: لم يأكل أياماً وهو على غاية ما يكون من الجوع والحاجة للطعام، كان يأكل أوراق الشجر في الطريق حتى اخضر وجهه، وتعب بدنه، فسقى لهاتين المرأتين حسبة وخدمة. (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) أي: ذهب إلى تحت شجرة يستظل بظلها من حر الشمس والصحراء، وللراحة من الكلل والتعب. وقيل: إنه عندما ذهب للسقي أخذ يدافع الرجال بقوته، ووجد صخرة على فم البئر لا يكاد يُسقى إلا بقلة، وهم يحتفظون بذلك، فجاء إلى الصخرة فحملها قالوا: ويعجز عن حملها الرجال الكثيرون، فحملها كمن يحمل بيده شيئاً خفيفاً، ورمى بها ثم سقى لأغنامهما، ثم صرفهما وعاد مستريحاً تحت الظل، فاستظل بظل الشجرة وقال: يا رب! إني لما أنزلت إليّ من خير، أي: مما أكرمتني من خير وبما أكرمتني من فضل وعلم وحكمة، وأنجيتني من فرعون وظلمه وسلطانه وطغيانه، مع ذلك فأنا فقير يقول: أنا جائع فأطعمني يا رب.

стр. 997

تفسير قوله تعالى: (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) يقول تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص:٢٥]. معناه: ذهبتا وقصّتا على أبيهما قصة هذا الرجل الغريب، واستنكر أبوهما أن تأتياه مسرعتين على خلاف عادتهما؛ لأن وقت السقي كان يستغرق منهما اليوم كله، وإذا بهما لم يكادا يغيبان أكثر من ساعة أو ساعتين فعادا والأغنام شاربة ومكتفية، والمياه معهما لسقي البيت فقال لبنتيه: ما خطبكما؟ فأخبرتاه أن رجلاً غريباً صادفنا على فم البئر فسقى لنا وحمل من الصخر ما حمل إلى أن اكتفينا، وذهب يستظل تحت ظل شجرة وهو في أسمال بالية، وفي نعل ممزقة، فصاح لربه يدعوه ويقول: على ما أكرمتني من خير وسعادة أنا فقير يا رب. وإذا بأبيهما يرسل إحداهما إلى موسى يدعوه: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥]. بلّغت البنتان أباهما، فأرسل أبوهما إحداهما فجاءت إلى موسى على حياء وخجل قال عمر بن الخطاب: جاءت وعيناها في الأرض، وكمها يستر وجهها قال هذا عمر من أين؟ لعله سمعه من أحد ولم يروه عن رسول الله ﵊، ولكن نحترم قول عمر ونقول: جاءته إحداهما تمشي على استحياء، فالشأن فيها أن تكون هكذا، جاءت في حياء النساء كما وصفها عمر قال: ليست بولّاجة وخراجة، وليست من النساء اللاتي يتجرأن على الرجال في كلامهم، وفي الأخذ معهم، وفي المفاوضة لهم، جاءت وهي بكر عذراء يغلبها حياؤها، أخذ هذا من قوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا). وكانت مهذّبة فلو قالت له: اذهب معي أنا أدعوك لظن بها السوء ولما استجاب لها، ولكن من أول مرة ذكرت الدعوة وسببها، وإلا كيف يدعوني هذا الرجل وأنا لا أعرفه وهو لا يعرفني وأنا رجل غريب؟! إذاً هذه حيلة من البنت تُريد أن تختلي بالشاب، ولكن لذكائها ذكرت الدعوة وسببها: (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا). قوله: (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ) جاء موسى ودخل بيت والد هاتين البنتين، وقص عليه قصته مع فرعون، وقتله للقبطي وقذفه للنيل وهو لا يزال رضيعاً في أيامه الأولى، وقتل فرعون لفتيان وأطفال بني إسرائيل، وهأنذا بعد ذلك كله قد جئتك (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَص) قال والد البنتين: (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). أي: أنت الآن في غير حكم فرعون، ولست في أرض مصر، ولا سلطان لهم عليك ولا علينا هنا، ولا على هذه الأرض، فقد نجّاك الله واستجاب دعاءك. وإذا بالبنتان وقد أراحهما موسى بالأمس عزّ عليهما أن يُترك هذا الغريب جائعاً محتاجاً، وأن تبقيا على سقيهما للأغنام، وهذا الشاب القوي غريب شريد طريد لا أهل له، فلم لا يكون معهما في البيت ومع أبيهما؟

стр. 998

تفسير قوله تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره) عندما قال ذلك أبوهما لموسى: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥] وإذا بإحداهما تقول: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [القصص:٢٦]. أي: اقترحت إحداهما: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦]. خافتا أن يذهب عنهما ولا يخدمهما بعد ذلك، وليس في الدار شاب يشتغل ويرعى ويخدم ويسقي، ويقوم بالوالد وبالبنتين، فاقترحت إحداهما على الوالد، وكان هذا من ذكائها وفراستها (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ)، أي: خذه أجيراً ودعه يعمل عندك يسقي غنمك، ويخدم بيتك، ويقوم بدارك، ويكفيك مئونة أهلك، أما نحن فبنتان نعجز عن أن نقوم بما نضطر إليه من رعي وسقي. (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ): أحسن صفة في الأجير والخادم أن يكون قوياً وأميناً. وإذا بالوالد يسأل هذه البنت التي عرفت الرجل ووصفته بالقوة والأمانة فقال لها: ومن أين عرفت قوته؟ ومن أين عرفت أمانته؟ قالت: يا أبت عندما أراد أن يسقي لنا دخل في الجموع من الرجال فتفرقعوا وفروا من أمامه وعجزوا أن يجادلوه، وجاء إلى صخرة لا يحملها إلا العشرون من الرجال فأخذها بيد واحدة ورماها بعيداً فهذه قوته، وسقى أغنامنا بأسرع وقت. قال: والأمانة؟ قالت: عندما أرسلتني إليه وأخذت أقوده لك تقدّمته وإذا بالرياح تلعب بثوبي، فقال لي: يا أمة الله! تعالي خلفي وأشيري إلي بالطريق بصوتكِ أو بأصبعكِ وهذه أمانة ومروءة وعفّة وشهامة. إذ ذاك اطمأن شعيب واستراحت نفسه، وسُر لاقتراح هذه البنت وأراد من يريحه ويريح بنتيه، وأراد أن يزوج البنتين كذلك ويستريح من مشكلتهما، فيكون قد ضرب عصفورين بحجر، فزوج موسى إحدى البنتين، وأتى بمن يخدمه مع أمانة وقوة، وماذا يريد الإنسان أكثر من ذلك؟ قال كثيرون: هو شعيب نبي الله الذي ذُكر في القرآن، وأنه أُرسل لأهل مدين، ولكن هذا القول أنكره ابن تيمية وجهّل من قاله، وقال المحققون من المفسّرين مثل قول ابن تيمية ومن بعده - والأمر كما قالوا - شعيب كان بعد لوط بقليل، وموسى كان بعد ذلك بقرون، ولذلك قصص الأنبياء في القرآن تذكر أولاً قصة آدم فقصة نوح فقصة هود فقصة صالح فقصة لوط، ولوط ابن أخي إبراهيم وفي عصره، تنبأ في عصره وكان ما كان من تدمير أرض سدوم في فلسطين، وجعل عاليها سافلها، لما اختصوا به من فواحش ومنكرات والجري وراء الذكران دون النساء، بلية لم تسبق أن كانت قبلهم، كما قص الله تفاصيل ذلك ومضى أكثر من مرة. أما موسى فقد جاء بعدهم بأكثر من أربعمائة عام وتزيد، فادعى بعضهم أن شعيباً بقي حياً هذه المدة الطويلة، وهذه دعوى لا دليل عليها ولا برهان لها، والله هنا ذكر البنتين ولم يذكر أن شعيباً أبوهما، وذكر من قبل شعيباً ولم يذكر أنه صهر موسى، ولا صاحب موسى، ولا شيء من ذلك؛ ولذلك ابن تيمية عندما يذكر ذلك يقول: لا كما تقول الجهلة إن شعيباً نبي الله هو صاحب موسى وهو والد البنتين في قصة فرار موسى من فرعون وطغيانه وزواجه بإحدى بنتيه، والأمر كما قال. وقيل: هو ابن أخي شعيب وأيضاً هناك كلام آخر. وقيل: اسمه ترتون، وقالوا أسماء أخرى. وعلى كل اعتبار فالقرآن لم يذكر شيئاً من هذا، وفي السنة النبوية لم يصح شيء من هذا، يبقى هذا كلاماً ذُكر من أخبار الإسرائيليات، ولا ثقة بها ولا دليل لقبولها، نقول البنتان وأبوهما ولا نزيد (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) خذه أجيراً، واستخدمه عندك خادماً بأجرة (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ).

стр. 999

تفسير قوله تعالى: (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين) قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص:٢٧]. كانت هذه البنت المقترحة لهذا الاقتراح قد ضربت على الوتر الذي في نفس أبيها، فبادر أبوها بكل إسراع في الحين، وعرض البنتين معاً على موسى ليختار إحداهما كما يريد، فلم يلزمه بالكبيرة قبل الصغيرة ولم يدعه للصغيرة قبل الكبيرة وخيّره قال: هاتان بنتاي أريد أن أزوجك فاختر إحداهما إن شئت، وكانت الأجرة التي طلب ليست مالاً ولكن كانت عملاً، فطلب أن يخدمه ثمان سنوات، فيقوم برعي غنمه وبالخدمة الكاملة له ولزوجه ولبنتيه، ولما تحتاجه الدار. ثم قال له: أنا أطلب ذلك لمدة ثمان سنين فإن أتممتها عشراً فمن عندك. (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) ستجدني صهراً صالحاً، وستجد مني ما تقر به عينك، وستجد مالي مالك وداري دارك، وإحدى ابنتي زوجتك، وأنت ستكون كابني. وماذا يريد موسى الغريب أكثر من ذلك؟ فهو لا يعرف أهلاً ولا داراً، وهو يحتاج إلى الخبز والماء، وعندما وصل إلى والد البنتين عرض طعاماً للأكل قال: لا، نحن قوم لا نبيع ديننا بالدنيا، أنا لا أريد أجراً على ما سقيته لابنتيك، وإنما ذلك احتساب، قال: لم أفعل ذلك أجرة وإنما أفعله كرماً على عادتي وعادة آبائي وأجدادي، وكان أيضاً من بني إسرائيل؛ عند ذلك قال: ألست بجائع؟ قال: بلى، أنا جائع قال: كل إذاً، فأكل، فوجد المنزل والصهر الصالح، وكان من المؤمنين الصالحين.

стр. 1000

تفسير قوله تعالى: (قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين) وإذا بموسى يستجيب بسرعة ويقول: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ [القصص:٢٨] أي: قد استجبت وقبلت، فالأمر بيني وبينك في أن أتم ثمان سنين كما طلبت أو أزيد عليها سنتين، وسأنتظر عون الله وأنظر ما يفعل الله، ولكل إرادة ويفعل الله ما يشاء. قوله: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص:٢٨] أي: فلا معاتبة ولا محاسبة إن قضيت الثماني حجج فذاك الشرط، وإن زدت سنتين فأصبحت عشراً فذلك فضل مني وليس شرطاً، أيّما الأجلين: أجل الثماني سنوات أو العشر سنوات قوله: (قَضَيْتُ) أي: أتممت. (فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ) أي: لا يعتدى عليّ بمساءلة ولا بمتابعة ولا بمحاسبة، ثم أشهد الله على النكاح فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص:٢٨] أي: الله وكيل عليك في تزويجك إحدى ابنتيك لي، والله وكيل علي أني قبلت واستجبت لخدمتك واستئجارك لي على الثمان سنين أو العشر؛ هذا التزويج والنكاح في الآية أئمة المسلمين الأربعة وغيرهم من أئمة الاجتهاد تنازعوا في أحكامه نزاعاً طويلاً عريضاً. هل يصح أن يأتي إنسان فيزوج إنساناً بهذه الطريقة؟ يأتي ببناته ويقول زوجتك بإحداهن، أليس من الضروري تعيين إحداهن ليقع الزواج عليها؟ وهل يمكن أن يتم الاختيار في النكاح ويتم العقد بذلك؟ قالوا جميعاً: لا يتم ذلك، وإن كان يوجد من صنعه وهو أبو البنتين فشريعة من قبلنا ليست شريعة لنا، ولا شرع لنا إلا ما أقرّه الشرع وأكده القرآن، وأكده رسول الله ﵊، ثم قالوا: المهر يكون أجراً للبنت أو لأبيها؟ ماذا استفادت البنت؟ ولا بد من المهر للبنت، فالأجرة كانت للأب، وهو سيكون أجيراً للأب، أيصح هذا أو لا يصح؟ وقالوا لم يكن في هذا النكاح شهود، بل كان التزويج بين والد البنتين وبين موسى، لم يحضر في ذلك شهود فيشهدون عليه ويؤكدونه، وإنما أشهدوا الله على ذلك، وجعلوه وكيلاً فهل يصح هذا في شريعة الإسلام؟ نبتدئ بالمؤخرة، قال الشافعي: لا يجوز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يتم زواج بغير عدلين، وقال مالك: يجوز أن يكون ذلك كما فعل والد البنتين؛ لأن هذه معاوضة، والمعاوضة يكفي فيها التسليم فلا حاجة للإشهاد. لم تذكر الآية هل استشار البنت أم زوجها جبراً؟! وظاهر الآية أنه زوجها بلا اختيار منها ولا موافقة منها؟ قال مالك والشافعي: يجوز تزويج البنت جبراً ولو قالت: لست أرضى، وإن كان النبي ﵊ يقول: (البكر تستأمر وإذنها صماتها، والثيب تُعرب عن نفسها) فلا بد من إذن البنات الأبكار التي لم يسبق لهن زواج، يقال لها: فلان يخطبكِ وصفته كذا وكذا؟ ويقال لها: سكوتك رضاً إن أنتِ سكت اعتبرنا سكوتك موافقة، فإن سكتت فالزواج قد تم، وإن عارضت فلا زواج. والنبي ﵊ فسخ نكاح ابنة من الصحابيات أجبرها أبوها على الزواج من شخص بغير رضاها؛ فكان ذلك توكيداً لهذا الحكم مع القول العمل، لكن قالوا: هذا في الصغيرة غير البالغة؛ لأن غير البالغة لا تُعرب ولا رأي لها، والموضوع الكلام فيه طويل كل هذا الذي قالوا لا موضوع له ولا معنى، أولاً: الله قص علينا قصتهما وليست قصة كما تحكى الروايات، وإنما أعطانا منها العبرة، فذكر منها ما نحتاج إليه، وألغى الباقي، وفي أول السور ماذا قال تعالى؟ ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ [القصص:٣] أي: من بعض قصصه، ومن بعض أخباره، لا أن يحكي لنا القرآن كل الحكايات، ذكر القرآن للقصص لا لأنها قصص، ولكن لأخذ العبرة منها، وهنا لا حاجة إلى التفاصيل ولا إلى ذكر اسم البنتين، حتى سموهما صفوراً وصفراء وأسماء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، وسموا الأب عدة أسماء لا حاجة لذلك. فنقول: ليس هذا الفعل من والد البنتين يعد تزويجاً، وإنما هذا عرض، ثم ماذا حدث بعد ذلك لم يذكره الله، وإنما ذكر نعمته وإفضاله وتمننه على موسى أنه لم يتركه، وأنه آواه وهيأ له داراً وبيتاً، وهيأ له زواجاً، وهيأ له بيتاً سيكون سيده بعد هذا الرجل العجوز، أما التفاصيل فلم يذكرها، وهنا العبرة في تحقيق وعد الله لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. ثم هذا الكلام الذي دار بينهما إنما هو عرض، وليس معناه التزويج، فلو جاء إنسان إلى آخر في لغة إسلامنا وشريعتنا وقال: أنا أريد أن أزوجك ابنتي، هل يعتبر هذا زواجاً؟ هل إذا أشهد عليه يعتبر زواجاً؟ هي إرادة لكن هل نفذ هذه الإرادة أم لم ينفّذها؟ هذا ليس إلا عرضاً، عرض والد البنتين على موسى أن يزوجه إحدى البنتين، وبعد موافقة موسى واختياره لإحداهما سيكون التزويج إذ ذاك بالعين، فليس هناك تزويج بالاختيار، وليس هناك تزويج بلا شهود، وليس هناك تزويج بلا مهر، كل ما ذكر الله أنه ختنه، أما كونه أعطى مهر البنت أو لم يعط فلم يذكر القرآن هذا، والحكم بشيء لم يذكر افتئات على القرآن وما جاء فيه. وعرض البنت على الرجل الصالح هي سنة المرسلين والسلف الصالحين، وقد عرض على رسول الله ﷺ نساء أن يتزوجنه فلم يوبّخهن، ولم يلمهن، ولم يتزوجهن. وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة عندما تأيّمت من زوجها على أبي بكر فسكت، ثم عرضها على عثمان فأباها وامتنع، فلم يكن العرض تزويجاً، وإلا لأصبحت زوجة لـ عثمان، فتبيّن بعد أن أبا بكر لم يجب لأنه سمع النبي ﵊ يريد أن يخطب من عمر ابنته الأيّم، وبعد الزواج قال هذا لـ عمر قال: يا عمر! قد أخبرني رسول الله برغبته بالتزويج ببنتك، وما كنت لأقول ذلك فأفشي سر رسول الله، ولو تركها لأخذتها. أما الزواج بالأجرة فنعم هو وارد في الإسلام، لكن الأجرة للزوجة لا لأبيها، الرجل الذي حضر مجلس رسول الله ﵊ مع المرأة التي عرضت نفسها على الرسول ﵊، فأباها، كان جالساً بمحضره رجل، فلما رأى أن النبي ﵊ رفضها قال: يا رسول الله! إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها قال: (ما معك؟) قال: لا شيء والقصة لها كلام، وليس هذا موضعها، وموضع الشاهد أنه بعد أن عجز حتى عن خاتم من حديد قال: (ما معك من القرآن؟) قال: كذا وكذا وعدَّ سوراً من سور القرآن الصغيرة: (قل أعوذ برب الفلق) و (قل هو الله أحد) و (إنا أعطيناك الكوثر) قال: (زوجتكها بما معك من القرآن) أي: يكون مستأجراً لزوجته مقابل تعليمه لها هذه السور. فإذاً: هو أجير للمرأة، وهنا في هذه القصة هو أجير لأبيها، والمهور لا يأخذها الآباء ولا الأولياء، وهي منحة للبنت نفسها، فكيف يكون المهر بالأجرة للغير؟ نقول: كذلك هذا شيء والتزويج شيء آخر، ولكن أبا البنتين استأجر موسى أو عرض عليه استئجار واشترط: على أن تأجرني ثماني حجج، لن أزوجك إن وافقت إلا بعد أن تخدمني، هذه الخدمة وهو يريد أن يساكنه، ماذا حدث من بعد؟ ماذا أعطاه من مهر؟ أخذ الكبيرة أو أخذ الصغيرة؟ أيأخذهما معاً؟ لا يمكن، وهو لم يعرضهما عليه معاً: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص:٢٧] الله لم يقل لنا أنه زوجه كلتيهما! وهذا لا يكون، لأن الأختين لا يجتمعان في عقد واحد، ولا في عصمة واحدة؛ إذاً: لا يمكن الاستدلال بفعل والد البنتين من ختن موسى بحال من الأحوال؛ فهذا الذي ذكره الله عرض وليس تزويجاً. ووافق موسى على العرض، هذا كل ما حدث، لكن هل أخذ الكبيرة أم الصغيرة؟ القرآن لم يذكره، ولا حاجة لذلك، إذ الحكمة بما أكرم الله به موسى لا في كونه أخذ صغيرة أو كبيرة، على أنه سئل رسول الله ﷺ ما الذي فعله موسى مع ختنه؟ هل خدمه ثمان سنين أو عشراً؟ قال ﷺ : (آجره أوفاهما وأكملهما) أي: عشر سنوات. ثم سأله: أتزوج الصغرى أم الكبرى؟ قال: (الصغرى) سألوه ﷺ ، وهذا عن أبي ذر وأبي هريرة وجماعة من الصحابة، من التي أرسلها أبوها إليه عندما جاءته تمشي على استحياء وتقول له: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص:٢٥]؟ في هذه الحالة قالوا: إنها الصغيرة هي التي أرسلها، فرأته فأُعجبت به ووصفته بالقوة والأمانة، ورأى هو منها طاعة وحياءً، فهو تزوج بعد المعرفة والرؤية، النبي ﷺ يقول ذلك، والقرآن لم يقله، ولو رواه أحد غير رسول الله ﵊ لاعتبرناه من الإسرائيليات، على أن الأسانيد في ذلك يصححها البعض، ويطعن فيها البعض. يقول ربنا ﷻ حاكياً عن موسى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ [القصص:٢٨] أي: هذا النكاح بالثمان سنين والعشر (أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ) أي الأجلين، قالوا: (ما) صلة، وهي في الحقيقة تأكيد لهذا (أَيَّمَا الأَجَلَيْن) أي: أجل الثمانية والعشرة (قَضَيْتُ) أي: آجرت نفسي لك (فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ) أي: لا معاتبة، ولا محاسبة، ولا مسئولية، فالثمان لا بد منها، والعشر إفضال وتكرّم، وأنا سأترك هذا من بعد ولا أعد بشيء. (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) وكّل الله موسى لا في الزواج وإنما في التأجير؛ لأن الكلام الذي تكلم به موسى هو عن التأجير، وإن كان التأجير شرطاً للنكاح، الله وكيل على أن أفعل معك كل ما أستطيعه، وسأخدمك خدمتي لأبي، وقد وفّى موسى وأحسن.

стр. 1001

تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص:٢٩]. خرج موسى سائحاً، أيرجع مصر ومنها فر؟ أيذهب إلى دار مستقلة لم يهيئها الله بعد، كل ما هنالك: قبل أن يذهب أعطاه والد البنتين قطيعاً من الأغنام ليعيش بها، ويجعلها رأس مال للعمل، وذهب في ليلة مظلمة باردة، وأرض مدين وأرض الأردن وفلسطين شديدة البرودة خاصة أيام الشتاء. (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ) أي الأجل قضى موسى؟ القرآن لم يذكر؛ لأن الموضوع ليس موضوع قصة بتفاصيلها، العبرة أخذت، والحكمة أخذت، وهذه التفاصيل والزوائد لا حاجة إليها، وإن كان النبي - زيادة في العلم ﵊ قال: (قضى أكمل الأجل) وأوفى الأجل: عشر سنوات. قوله: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِه) أي: أخرج أهله معه، ومعنى هذا: أن الزوج له الحق أن يذهب بزوجته حيث شاء، لا حق لها في الامتناع، ولا حق لأوليائها أن يمنعوها، فهو قد ترك ختنه وداره، وليس ملزماً بخدمته إلى الأبد. قوله: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) آنس: انتبه واستأنس وشعر (مِنْ جَانِبِ الطُّور) أي: جبل الطور في سيناء أو قرب سيناء، ماذا وجد؟ شعر بنار من بعيد، وكان موسى ضالاً، ضاعت عليه الطريق، وهو لا يعرفها، وكانت امرأته في غاية ما يكون من البرد والقشعريرة، وكان هو كذلك، لكن الرجل يصبر أكثر مما تصبر المرأة؛ فعندما رأى النار شعر بها واستأنس. (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) أي: أقيموا وانتظروني، (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أنا رأيت ناراً من بعيد (لَعَلِّي) يرجو ويطمع (آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) أي: من يدلني على الطريق، ويدلني على أي الدروب سأسلك، أأقيم هنا أو أقيم بعيداً؟ ضائع! (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّار) جمرة من النار مشتعلة (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) وتصطلون: تستدفئون فيذهب ما بكم من برد وقشعريرة، وهذه المرحلة الثالثة والأخيرة، مرحلة الانتقال من بيت ختنه بعد أن تزوج وولد له، فهو الآن يذهب لسعادته ولتحقيق وعد الله لأمه، فرأى هذه النار، وهو في الحقيقة رأى نوراً فاختلط عليه النار بالنور.

стр. 1002

تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠]. ذهب موسى إلى النار ليأتي بها أو بخبر منها، وإذا به عندما وصل إلى شاطئ الوادي الأيمن، أي: الذي على يمينه والوادي: الطريق بين الجبلين، والشاطئ: الجانب، لما وصل إلى هذا الجانب في البقعة المباركة التي تباركت بكلام الله لموسى، وتجلي الله عليها لموسى، وبكون موسى فيها نبئ وأُرسل، وفيها كُلّم ومنها أخذ لقب كليم الله. قوله: (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَة) كان النداء من الشجرة، وقالوا عن الشجرة: هي سمرة، وهي عوسج، وكل هذا أيضاً كلام لم يقله النبي ﷺ ، والقرآن لم يذكره، ونقول ما قال ربنا: هي شجرة، نودي من هذه الشجرة التي هي على الشاطئ الأيمن في البقعة المقدّسة. قوله: (أَنْ يَا مُوسَى) نودي باسمه (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) قالوا: هذه الشجرة كانت خضراء يانعة، وهي تشتعل نوراً بما ظنه موسى ناراً؛ وليس هو ناراً ولكنه النور، كيف سمع هذا الكلام؟ فعلماء الكلام والأشاعرة والماتريدية والمعتزلة أكثرهم قال فلسفات يونانية ما أنزل الله بها من سلطان، ولا دليل عليها من قرآن، ولا حجة عليها من سنة الرسول سيد ولد عدنان ﷺ ، ونحن نقول ما قال الإمام مالك عندما جاءه من يسأله في مثل هذه الآيات المتشابهة فقال له: يا أبا عبد الله! يقول ربنا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] كيف استوى؟ فأطرق مالك ملياً وعدّ هذا السؤال غير وارد، ثم رفع رأسه وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، أين أنت يا شرطي؟ أخرج هذا من المسجد. سأل سؤال البدعة؛ لأن ربنا في ذاته لا يُعلم، فكل ما خطر ببالك فربنا مخالف له، عقولنا لا تتصور ذلك، عقولنا الحادثة لا تتكيف ولا تتصور ذات الله، فالحادث لن يستطيع أن يعيش بتصور القديم الذي لا أول له.

стр. 1003

تفسير سورة القصص [٢٩ - ٣٥] لقد قضى سيدنا موسى ﵇ في ديار مدين عشر سنين، وعند عودته إلى وطنه أخذ أهله معه، وحدث له ما حدث من الاصطفاء والتكليم قبل أن يصل إلى دياره.

стр. 1004

تفسير قوله تعالى: (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [القصص:٢٩]. هذه المرحلة الثالثة من مراحل موسى ﵇ في قصته المفصلة في هذه السورة من كتاب الله، ففي المرحلة الأولى فسّرنا الآيات الواردة في ولادة موسى ورضاعه وعودته لأمه بعد أن كاد يُذبح أو يغرق في النيل، ثم نشأته في بيت فرعون إلى أن أصبح شاباً يافعاً لا يُعرف إلا بموسى بن فرعون، إلى أن صار يخرج للأسواق، فقتل قبطياً انتصاراً وإغاثة لإسرائيلي من عشيرته وأتباعه وأنصاره، كان بعد ذلك أن خرج من مصر خائفاً يترقب، فيذهب إلى مدين على بعد ثلاثة أيام من مصر، إلى بلد آبائه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ومدين هو ابن إبراهيم. ذهب موسى تائهاً لا يعرف طريقاً فطلب من ربه أن يهديه سواء السبيل، فهدي إلى مدين، وبعد أن خدم من سمي شعيباً وسمي بغير ذلك من الأسماء، فزوجه إحدى ابنتيه وأقام عنده عشر سنين كاملات، ثم بعد تمام هذه السنين أراد أن يخرج من عنده مستقلاً بنفسه مخرجاً لأهله معه وقد أصبح أباً، فهو خارج لا يدري أين يذهب؟ أيعود إلى مصر وقد خرج منها خائفاً من فرعون وملئه أن يقتلوه بالقبطي أو يذهب إلى جهة أخرى؟ وما هي؟ وبينما هو خارج في ليلة شديدة البرد خرج وهو لا يعرف طريقاً ولا يهتدي لمسلك من المسالك؛ وهذه ابتداء المرحلة الرابعة. قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَل) لقد شارط موسى شعيباً أن يبقى عنده ثمان سنين أو عشر سنين، وبقاء السنتين تكملة العشر فضل من عنده، وقد سئل ﷺ : (ما الأجل الذي قضى موسى؟ فقال: قضى أوفاهما وأكرمهما) أي: أتم عشراً، قضى موسى عشر سنوات من رعيه لغنم صاحب مدين، ومن القيام بحاجته رعياً وزراعة وما يحتاج إليه. وقوله: (وَسَارَ بِأَهْلِه) أي: أن موسى ترك ختنه وصهره وصحب زوجته وأهله، والأهل كلمة أول ما تُطلق على الزوجة وتشمل مع الزوجة الأولاد والخدم والحشم، ومن تجمعه دارك من أقارب. وقوله: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) أي: أبصر نوراً من بعيد، ولا شك أن الوقت كان ليلاً، وإلا قلما تُرى النار من بعيد في النهار المنير المشرق، فموسى لما رأى النار ومعه أهله وهم على غاية ما يكونون من البرد والزمهرير، (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا) أي: أقيموا وانتظروني، (إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) أي: لقد رأيت ناراً من بعيد. (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: انتظروني وارتقبوا عودتي، سأذهب إلى هذه النار لعلي أجد عليها قوماً أو أي إنسان يرشدني إلى الطريق، وإلا جئتكم من هذه النار بجذوة وبقطعة وبجمرة، وفي اللغة: جَذوة وجُذوة وجِذوة مثلثة الجيم، (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أي: لعلكم تستدفئون بها فيزول عنكم الزمهرير وشدة البرد، فذهب موسى وإذا به وجد شجرة تشتعل على شدة اخضرارها والنار لا لهب لها ولا دخان ولا خشب ولا شجر يحترق، ولكنه النور. عندما طلب موسى رؤية ربه ماذا قال له ربه؟ ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] فلم يستقر الجبل وتجلى ربه له فجعله قاعاً صفصفاً ولم يبق هناك جبل لم تبق إلا أرض لا أمت فيها ولا عوجاً ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]. فموسى ﵇ وجد النور بدل النار.

стр. 1005

تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص:٣٠] لما وصل موسى إلى الشجرة إذا به يُنادى من جانب الطور الأيمن ومن شاطئ الوادي، والوادي هو الطريق بين جبلين. وقوله: (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَة) أي: البقعة المقدسة التي تجلى الله فيها لموسى، والتي أشرقت أنواره سبحانه فيها، ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥] فموسى عندما وصل هناك يفاجأ بما سيكون به قرير العين وبما ترتفع رتبته من مجرد إنسان عادي إلى نبي ورسول كريم، وإلى رسول من أولي العزم الخمسة من الرسل، وإلى أن خُص بكلام الله، فأصبح يلقب بكليم الله، أي: الذي شرّفه الله بكلامه، فناداه من عند الشجرة من الشاطئ الأيمن من الوادي في البقعة المباركة المقدسة من الطور: (أَنْ يَا مُوسَى) ناداه باسمه ﷻ . ثم قال: (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: أنا ربك ورب فرعون وملئه ورب بني إسرائيل، ورب العوالم كلها علويها وسفليها بجميع أنواعها ملائكة وإنساً وجناً، وكل ما وجد على الكون فالله ربه وخالقه ومولاه والقائم به ﷻ . وقوله: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) وكانت في يد موسى عصا، وفي آية أخرى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٧ - ١٨] أراد الله أن يسليه ويقوي قلبه ويبين له أن هذه العصا ليست كبقية العصي وإنما هي معجزة وستكون آيته الكبرى إلى فرعون وملئه، فقال الله له: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [القصص:٣١] فامتثل وفعل وقذفها، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [القصص:٣١] أي: لما ألقى العصا انقلبت حية تسعى، فلما رأى موسى هذه العصا تهتز وتلتوي التواء الأفعى، إذا به يفر ويهرب منها خائفاً، (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ) أي: تضطرب. (كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا) أي: أدبر على عقبه وذهب فاراً خوفاً من هذه الأفعى. (وَلَمْ يُعَقِّبْ) أي: ولم يلتفت خلفه ليرى ماذا هناك، هو يظن أن هذه الأفعى تتبعه تريد افتراسه وتريد إيذاءه. فقال تعالى له: ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] ناداه الله مرة أخرى وكلمه وقال: (يَا مُوسَى أَقْبِلْ) أي: عد إلي وتعال إلي (وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ) لن تؤذى، وأنت آمن على نفسك وعلى حياتك وعلى مستقبلك، فلم الخوف والهرب والله هو الذي يكلمك؟!

стр. 1006

تفسير قوله تعالى: (اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) قال الله تعالى له: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [القصص:٣٢]. أراه الله وأطلعه على الآية الأولى لتكون علامة صدقه ومعجزة نبوته ورسالته إلى فرعون الكاذب المتأله، وإلى قومه بني إسرائيل المستعبدين في مصر كذلك، فأراه الآية الأولى والمعجزة الأولى وهي العصا، ثم أراه المعجزة الثانية وقال له تعالى: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) أي: أدخل يدك في شق قميصك، قالوا: الشق يكون عند الصدر، وقالوا: الشق يكون في اليمين أو اليسار وليس هذا مهماً المهم أن الله تعالى قال له: أدخل يدك في جيبك (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ) فأدخل يده في جيبه وفي شق قميصه ثم أخرجها كما أمره ربه، وإذا يده كأنها الكوكب الدري، كأنها اللمبة الكهربائية ذات الإضاءة والإنارة القوية. وقوله: (مِنْ غَيْرِ سُوء) أي: من غير مرض ولا برص، تخرج بيضاء لا بياض مرض ولا بياض برص، ولكن بياض معجزة وإنارة، ويكون ذلك متى تريده ويزول متى تريد، فلما أدخل موسى يده في جيبه رأى يده تشتعل كما رأى الشجرة من بعيد وقد حسبها ناراً، ولكنه مع ذلك لم يفزع، فقد استأنس من المرة الأولى عندما قال له ربه: ﴿أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ [القصص:٣١] فأمن على نفسه وزال قلقه واضطراب بشريته، ووقف لأمر ربه ليتلقى الآيات والمعجزات التي سيذهب بها إلى فرعون وملئه. ثم قال الله له: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) قرئ: (الرّهْب) و (الرهَب)، أي: الرُعب، وجناح الإنسان يداه. فقوله: (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْب) أي: إذا أنت رُعبت وخفت عند استقبالك فرعون فضم يدك إلى صدرك، فيزول عنك هذا الرُعب. وقد قال مفسّرو الآية الكريمة كذلك: من ارتُعب من شيء يراه أو شيء يسمعه أو خواطر سوء تخطر بباله فليضم يده إلى صدره وليتل وليذكر فيزيل الله بإذنه رُعبه وخوفه وهلعه، كما أزال خوف موسى ورعبه وقلقه. وقوله: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ) أي: إلقاء العصا وصيرورتها حية، وإدخال يدك في جيبك تخرج بيضاء كأنها الكوكب الدري، تانك علامتان ودليلان وبرهانان ومعجزتان سترسل بهما إلى فرعون وملئه، وهما آيتان دالتان على صدقك، ومعجزتان من جملة معجزات الأنبياء. وقوله: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِه) أي: إلى وزرائه وجماعته وكبراء قومه وأشرافهم، والملأ كبراء القوم وأشرافهم وزعماؤهم. وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) أي: كان قوم فرعون جماعة فاسقين، فسقوا عن أمر ربهم، وخرجوا عن التوحيد، وكفروا بالله وأشركوا به، فألهوا فرعون وزعموه إلهاً ورباً من دون الله، فاذهب إلى هؤلاء الفاسقين وادعهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فإن هم كذّبوك فأظهر هاتين العلامتين وهذين البرهانين الدالين على تصديقك، وإذا بموسى ﵇ بعد أن وعى الرسالة وحفظ المهمة وعرف ما أُريد به يذهب متجهاً إلى فرعون وقومه.

стр. 1007

تفسير قوله تعالى: (قال رب إني قتلت منهم نفساً) قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص:٣٣]. أي: يا رب هؤلاء الذين ترسلني إليهم من فرعون وملئه لهم عندي جريرة فإني قتلت منهم فرعونياً، فأخاف إن هم رأوني أن يقتلوني مقابل قتلي لذلك الفرعوني. ثم طلب من ربه أن يعينه بأخيه فقال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص:٣٤] أُمر ببلاغ رسالة وبأدائها! ولكنه اعتل بعلتين: العلة الأولى: أن هؤلاء الذين سيُرسل لهم قد قتل منهم نفساً فيخاف أن يقتلوه، ثم بعد ذلك هو عيي اللسان ليس فصيحاً في القول، فكان في لسانه لثغة فيخاف إن ذهب إليهم ألا يستطيع البلاغ ولا أداء الرسالة ولا أن يُفهمهم، ولربما لم يدعوه لإتمام القول فتكون القاضية عليه، فطلب ورجا ربه أن يرسل معه أخاه هارون، فقال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا). لقد سبق أن ذكرنا هارون وقلنا: إنه أسن من موسى بعام، وهو لا يزال حياً في مصر مع أمه، وأخوه موسى هنا في أرض مدين، فموسى ﵇ طلب من ربه لأخيه ما لم يطلبه بشر منذ عصر آدم إلى عصر نبينا ﵊، طلب لأخيه النبوة والرسالة، ولم يحدث أن كان هذا قط في القرون الماضية ولا التالية إلى ختم نبوة نبينا صلوات الله وسلامه عليه. فقوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا) أي: معيناً ومساعداً ووزيراً ومؤازراً. وقال في سورة أخرى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٧] يدعو موسى ربه عندما أرسله أن يحلل العقدة التي في لسانه، ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٧ - ٣٢]. وطلب موسى من ربه أن يشرك أخاه هارون معه في أمر الرسالة والنبوة، وأن يزيل العقدة أو يخفف لكنته وعيّه، فاستجاب الله ﷻ له، قال نبينا ﵊ كما في الصحاح لـ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). فنبينا ﷺ جعل علياً منه بمنزلة هارون من موسى؛ أخوة وتقديراً وإشادة ورفعة، ولكنه استثنى من هذه الأخوة أن يكون علي نبياً بعد محمد ﷺ ، كما كان هارون نبياً في حياة موسى وبعد موسى؛ إذ لا نبي بعد محمد فهو خاتم الأنبياء وخاتم الرسل الكرام صلى الله عليه وعلى آله. وقوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) أي: هارون هو أفصح من موسى؛ لأن موسى أخذه فرعون في السنتين الأوليين وأجلسه على فخذه، وأخذ يداعبه، وإذا بموسى يمسكه من لحيته وينتف منها شعرتين أو ثلاثاً، وإذا بـ فرعون ينزعج ويقول: هذا لا شك أنه عبراني إسرائيلي، أين الذبّاحون؟ يريد قتله، وإذا بمربيته وحاضنته زوجة فرعون آسية بنت مزاحم تقول له: يا فرعون! هو طفل رضيع لا يفهم ولا يعي، ائته بجمرة وائته معها بدرة، وانظر ماذا سيختار؟ ففعل فرعون وأتاه بدرة تتلألأ وأتى معها بجمرة تشتعل، ولكي ينقذه الله من الذبح جعله يأخذ الجمرة ويضعها في لسانه، فتحرق لسانه فتصبح فيها عقدة، عند ذاك تركه فرعون؛ وكان هذا الذي حصل له من العقدة في اللسان فدى لحياته، وهكذا بقيت هذه العقدة معه إلى أن مات، ولذلك عندما جاء إلى فرعون قال لقومه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] (مهين) أي: لم يلبس ألبسة الملوك من حرير وديباج وأساور ذهب على الأيدي والأعناق والتيجان على الرءوس، (وَلا يَكَادُ يُبِينُ) للثغة التي في لسانه، يقول الكلمة وينعقد لسانه، فهو يحتاج إلى زمن حتى تخرج الكلمة، ولذلك أول ما كلّفه الله بالرسالة فكّر في شيئين: الأول: أنه قتل نفساً من آل فرعون وقومه فهل سيتركونه. الثاني: أن في لسانه عقدة ولكنة فكيف سيبيّن ويؤدي الرسالة إلى فرعون، فطلب من ربه أن يجعل معه أخاه هارون رسولاً؛ لأنه كان فصيحاً بليغاً ولم تكن فيه هذه العلة في لسانه. قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا) أي: اجعله معي رسولاً وردءاً ووزيراً معيناً ومساعداً مؤازراً ومؤيداً. (يُصَدِّقُنِي) لم يصدّقه فرعون ولا الملأ، فهو لم يقل: يصدّقونني، وإنما قال: (يصدقني) أي: يصدّقه هارون فيما يقوله ويكرره هارون مصدقاً لكلام موسى، وأن موسى نبي الله المبلّغ عن الله حقاً، وهذا معنى المؤازرة والتأييد، ثم قال: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا) وقرئ: (رِدَاً) على عادة قراءة نافع في زوال الهمز. وقوله: (فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) أي: يصدّقني هارون أمام فرعون، وقد يمكن وهو ليس بالسياق: ليصدّقني فرعون، إذ سيسمع الرسالة وبيانها بالأدلة والبراهين، وموسى لم تكن معجزته فصاحته وبلاغته، ولكن معجزته كانت شيئاً يُرى بالعين ويُسمع بالأذن، فهو سيرى الحية وتلاعبها وقد تحولت من عصا، وسيرى اليد وقد انقلبت من يد إلى كوكب دري يكاد يأخذ بالأبصار. وقوله: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُون) أي: بسبب العجز عن البلاغة والفصاحة مع اللكنة والعقدة التي في لساني، فأخاف أن يكذّبني فرعون وملؤه وقومه، فأنا أطلب أن تُرسل معي هارون لأبين ولأُبلّغ، فهو أفصح مني وأبلغ في أداء الرسالة.

стр. 1008

تفسير قوله تعالى: (قال سنشد عضدك بأخيك) وإذا بالله الكريم يستجيب دعاءه وطلبه فيقول ﷻ : ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص:٣٥]. فوعده الله وقال له: سنشد عضدك ونؤيدك ونقويك ونساندك، والعضد هو كناية عن المعاونة والمؤازرة والوزارة والتأييد والتصديق. فقوله: (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ) أي: سنقويك ونجعل أمرك شديداً بإسعافك في إرسال هارون رسولاً معك وشريكاً ووزيراً. وقوله: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) أي: هيبة وجاهاً ومقاماً وعزة ورفعة، فسيراكما فرعون وتنقلب الآية، فعوضاً من أن تخاف يا موسى منه فهو الذي سيخاف منك، وهو الذي سترتعد فرائصه منك. وكان نبينا ﵊ يُنصر بالرُعب مسيرة شهر من الجهات الست شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً ومن الأطراف، فقد كان إذا سمع به الأعداء من فارس والروم والأحباش وغيرهم ترتعد فرائصهم منه ويخافونه، وكان إذا رئي ﷺ ترتعد فرائص من يراه ممن لم يكن مؤمناً به؛ ولذلك جاءه رجل وطلب منه شيئاً وأخذ يرتعد، فقال له النبي ﵊: (إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد) يعني: لم تنزعج؟ هكذا يقول النبي ﵊ تسلية له، وإزالة لخوفه واضطرابه، وهو في هذا ﵊ لم يصنع شيئاً مما يجعله الملوك من جيوش وحُراس من الأمام والخلف، ومن أسلحة تحرسه عن اليمين والشمال، ومن مظاهر الملك والسلطان، بل كان النبي ﵊ نبياً عبداً، وإن كان قائد جيش ولكن ذلك كان أصغر ألقابه وأصغر أوصافه، والوصف الذي يوصف به هو رسول الله ونبي الله؛ وإن كان قد قاد الجيوش وأسس الدولة وأقام النظام، وولى وعزل من المدنيين والعسكريين، وجند الجيوش وخرجت تكتسح العالم، ابتدأها فأتم ذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. وقوله: (فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) أي: لن يستطيعوا الوصول إليكما ولن يستطيعوا أن يؤذوكما في شيء. وقوله: (بِآيَاتِنَا) أي: بمعجزاتنا وبعلاماتنا وبراهيننا، بل هم الذين سيرعبون منكم ويخافون. وقوله: (أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) أي: أنت يا موسى وأخوك هارون ومن اتبعكما من المؤمنين، سواء من قوم فرعون ولم يكن ذلك إلا قلة لا تكاد تُذكر ولا تعد على الأصابع، ومن اتبعك من عشائرك من بني إسرائيل، أنتم الذين ستكونون الغالبين القاهرين وهم الأذلاء المغلوبون.

стр. 1009

تفسير سورة القصص [٣٦ - ٤٣] أيد الله رسوله موسى ﵇ بالمعجزات الواضحات التي تدل على أنه رسول الله حقاً، فلما جاء فرعون وقومه يدعوهم إلى الله اتهموه بالسحر والافتراء واستكبروا عليه تيهاً وضلالاً، فأخذهم الله بالعذاب ولم يبال بهم.

стр. 1010

تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦]. أي: جاء موسى إلى مصر بعد غيبة عشر سنوات، خرج فاراً بحياته وفاراً من فتنة فرعون وملئه، ترك أمه وأخاه هارون، وترك أخته التي قصت أثره عندما أرسلتها أمها لتتبع أثره عندما قذفته في النيل. جاء إلى أمه على قدر، وهي تنتظر تنفيذ وتحقيق وعد الله عندما وعدها عند الولادة: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] عندما أمرها الله ﷻ وأوحى إليها بأن تُرضعه فإن خافت عليه فلتقذفه في اليم ولا تخف عليه غرقاً ولا موتاً؛ لأن الله سيرده، بل وسيجعله من المرسلين. فقد تحقق الوعد الأول فرده الله إليها مع عز وكرامة وأمن، والآن سيعود إليها نبياً رسولاً كريماً، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ﴾ [القصص:٣٦]. أي: ولما رجع موسى إلى مصر دخل على أمه وأقر عينها بعودته وأقر عينها برسالته، وبلغ هارون رسالة ربه وأمره بالذهاب معه، وذهبا إلى فرعون. فوجئ فرعون بأن موسى قد حضر ولم يكن خائفاً ولا راجياً، ولم يحضر على أنه ابنه الذي تبناه وعاش في بيته، ولكنه جاءه مسفهاً لدينه ومكذّباً بألوهيته، وداعياً له إلى ربه ومنذراً له إذا لم يؤمن، وإذا لم يسلِّم له بني إسرائيل ويترك الاستعباد والاضطهاد والآلام والتذبيح للذكور والاستحياء للنساء منهم، فلا يلومن إلا نفسه بغضب من الله في الدنيا وغرق، وبغضب وعذاب يوم القيامة أشد وأنكى. فلما جاءه موسى وقابله دعاه إلى الله الواحد القهار، وبين له أنه رسول من الله يدعوه إلى رب العالمين؛ فأخذ فرعون يقول: وما رب العالمين؟ فهو يتساءل في ذلك هازئاً جاهلاً. وقوله: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَات) أي: جاءهم بالعلامات والبراهين البيّنة الواضحة المشرقة، إذ عندما قال لـ فرعون: أنا رسول ربك إليك، قال فرعون للملأ معه: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، جاء بما لم تعرفوه ولم تدركوه. فقال موسى: عندي ما يصدقني، قال: أبن ذلك وأظهره إن كنت من الصادقين! وإذا به يلقي العصا ويقذفها بينه وبين فرعون، وإذا بـ فرعون يُرعب ويرجع إلى الخلف، ويرجوه أن يُعيدها كما كانت، فيأخذ موسى الحية فتعود عصا. ثم يدخل موسى يده ويخرجها وهي شعلة من نار، لم ير فرعون في ذلك إلا ناراً ولم ير نوراً، فزاد رعبه وزاد هلعه وزاد فزعه، فأدخلها موسى في جيبه وخرجت كما كانت، لما رأى فرعون وملؤه وجماعته وكبراء دولته وأتباعه من الفجرة الفسقة هذه الآيات البينات ماذا كان جوابهم؟ (قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى) أي: ليس هذا إلا سحراً كاذباً مخترعاً ولا رسالة ولا نبوة؛ لأن السحر كان إذ ذاك في مصر وعند فرعون هو العلامة الكاشفة للأمة المصرية للأقباط والفراعنة، فعندما جاءهم بشيء يشبه ما هم عليه من السحر وتغيير الأجناس وتغيير الطبائع قالوا: هذا شيء، نعرفه وبلدنا فيها الكثير من هذا ليس هذا إلا سحراً مفترى. قوله: (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) أي: لم نسمع عن آبائنا ولا أجدادنا أن هناك رباً غير فرعون أو إلهاً خالقاً غير فرعون. وهؤلاء البقر يرون فرعون يشيب ويمرض ويعجز ثم يموت، فكيف لرب أن يموت؟ وكيف لإله يعجز؟ ولكنها هكذا العقول إذا ابتُليت بالشرك وبالكفر ذهب نورها وفهمها، وذهب وعيها فكانت كالأنعام، بل الأنعام أشرف وأكمل منهم، بل هم أضل من الأنعام كما وصف الله ﷻ . فقولهم: (وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ) كذب وافتراء، بل قد سمعوا بأخبار الأنبياء قبل، فهذا يوسف كانت نبوته في مصر، وكان ملكاً عليها، وكان يوسف يتصرف في مصر وسمعوا به، وسمعوا بأبيه يعقوب، وسمعوا بجده إسحاق، وسمعوا بجد الكل إبراهيم، وسمعوا بنوح، وبالتالي سمعوا بجد البشرية وأبيها الأول آدم عليه وعليهم جميعاً سلام الله، ولكن الفراعنة حكام مصر لا يعلمون إلا أنهم آلهة وأرباب، يقول فرعون وهو يضحك على قومه ويستخف عقولهم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] من يملك هذا الجزء الصغير الحقير من الدنيا كيف يكون رباً وإلهاً؟! هذا أحد خلفاء بني العباس يتذكر قصة فرعون فقال: أنا أملك الدنيا وأتمدد على ظهري وأقول للسحب: صبي هنا أو هنا فخراجكِ سيصل إليّ، ومع ذلك أبيت أبكي ساجداً ممرغاً جبيني ووجهي على التراب أطلب رحمة ربي ومغفرته، ومصر ليست إلا جزءاً صغيراً من مملكتي وأرضي، فيدّعي هذا المجنون الألوهية لذلك، والله لن أولي على مصر إلا عبداً وخادماً من خدمي، فولى كافور الأخشيدي وكان مسلسل الشعر، مشقوق القدمين، إلى آخر الصفات، ومع ذلك فقد كان ملك كافور وحكمه وولايته من أحسن ما يكون عدلاً وإدارة وإتقاناً، فأين فرعون وما تركه من شرك؟!

стр. 1011

تفسير قوله تعالى: (وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص:٣٧]. قال موسى بعد أن جاء بالبينات: (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى) أي: فكيف تدعون الألوهية وأنتم أعجز ما يكون عن خدمة أنفسكم، وعن جلب الخير لكم ودفع الضر عنكم، هل أنتم الذين جئتم بالخير أم الله سبحانه؟! فقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ [القصص:٣٧]، أي: جاء بما يهدي الخلق ويهدي الفراعنة الأقباط، جاء بالهداية من الله وجاء بالتوراة وبالحكم وبالصلاح، وبالنور بعد الظلام. وقوله: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ [القصص:٣٧] أي: لمن ستكون عاقبة دارنا الآن، والعاقبة يوم القيامة، وسترون بعد ذلك إن أنتم كذبتم هل ستكون العاقبة لي أو لكم؟ وهل سأنتصر أنا أو أنتم؟ وهل سينتصر الله ﷻ القاهر فوق عباده، أم أنتم معاشر الكفرة الفجرة الذين أنتم أعجز من حيوان صغير فضلاً عن أن تدعوا الألوهية والربوبية؟! وقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [القصص:٣٧]. الظالمون الكافرون المشركون لا فلاح ولا نجاح لهم، ولا سعادة لهم في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 1012

تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨]. قال قولته الفاجرة التي تهتز لها الأرض استنكاراً واستقباحاً واستهجاناً، وقال في آية أخرى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ليس إلهاً فقط بل الإله الأعلى، وهو عندما يستدل على ألوهيته يقول: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] ليس العالم كله، وإنما له شيء من الماء اسمه النيل، فأين هو من البحر الأبيض ومن البحر المحيط؟! إذا قيس النيل بالبحار فما هو إلا قليل، أما إذا قيس بالمحيط فلا قياس. وقال فرعون لملئه ولقادة دولته ولضباطه ووزرائه وهم بمحضر موسى وهارون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] و (من) إذا دخلت على النكرة عمت، أي: ليس هناك إله ألبتة إلا هو، وكما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]. استخفهم وأضاع عقولهم وأذهب وعيهم، فأطاعوه على أنه رب وإله، قال: لا أعلم لكم من إله غيري، ثم التفت إلى وزيره هامان فقال له: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨]. أي: يا هامان اصنع لي آجراً بالنار واجعل آجرة على آجرة، ثم بعد ذلك اجعل لي صرحاً أي: قصراً ومنارة عالية لأصعدها، وأطلع إلى إله موسى أين هو؟! ثم قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص:٣٨]. ومن أول مرة قال: سأصعد وسوف لا أجده، مع أن الله معه: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد من الذي أحياني وأحياكم؟ من الذي أمدني بالحركة وبالقوة وأمدكم؟ من الذي جعل الليل سكناً والنهار مبصراً؟ من الذي خلق السماوات؟ من ومن؟ سنبقى نقول: من إلى يوم القيامة ولم تنته من! فالله تراه في كل شيء، فالكل خلقه، والكل أمره، والكل أثر من آثاره، وكان الله ولا شيء معه، وهذا الكون لم يكن موجوداً، ولم يكن هناك أحد، فخلق أبانا الأول من تراب، وأمنا من ضلع آدم، ثم خلقنا من ماء دافق، من صلب الأب ومن رحم الأم، واختص عيسى بأن خلقه من الأم بلا أب. من الغريب أن يخطر ببال إنسان في الأرض أن يدعي الألوهية، نعم، قد يدعي المرء الملك أو الجاه فهذا ممكن، أو يدعي العلم أمام الجهال فيظنونه عالماً، أو يدعي المال والغنى فقد يسرق ويخطف ويأخذ أموال الناس، أما أن يدعي الألوهية وأنه يحيي ويميت فلا!! وقد سبقه نمرود عندما ذهب إليه إبراهيم يدعوه لعبادة الله وقال عن ربه: إنه يحيي ويميت، فقال نمرود: أنا أحيي وأميت، كيف ذلك؟! يأتي بالإنسان فيقتله فيقول: أنا أمته، ويأتي بآخر يريد قتله فيتركه من القتل فيقول: أحييته، فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: أن الله يخرج الشمس من المشرق فائت أنت بها من المغرب، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨] صار كالأبله والمجنون. إذاً: أرسل الله الرسل إلى البشر؛ ليعلموهم عبادة ربهم وتوحيده، وأنه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته ولا في أفعاله.

стр. 1013

تفسير قوله تعالى: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق) قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٣٩]. كان فرعون جباراً مفسداً كما وصفه الله من قبل، واستكبر وتعالى على ربه وظن أنه يستطيع أن يفعل شيئاً. فقوله: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص:٣٩] هل لـ فرعون حق في هذا الاستكبار؟ هل خلق كخلق الله؟ هل أحيا كإحياء الله؟! هل أمات كإماتة الله؟! كل ذلك لم يكن. وقوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٣٩]، أي: خطر ببالهم وظنوا أنهم لا يموتون ولا يعودون إلينا، ولا يحاسبون على شركهم ولا على كفرهم، ولا على تألههم، ولا على ظلمهم، ولا على ما يصدر منهم، فكانت النتيجة كما قال نبينا ﵊: (من يتأله على الله يكذب). وتكذيبه في إذلاله وتحقيره ليراه من عبده بغير حق، وأنه بئس العابد والمعبود من كل بشر، ومن كل كاذب ومدع مفتر على الله.

стр. 1014

تفسير قوله تعالى: (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٤٠]. كانت العاقبة الوخيمة لـ فرعون المتأله الكاذب أن أخذناه هو وجنوده من ملئه وكبرائه وأتباعه وأشياعه ومناصريه، فقذفناهم في البحر كما يقذف الشيء الذي لا قيمة له ولا شأن له، قذفهم الله في اليم فغرقوا وضاعوا وكأن لم يكن، وأبقى جثة فرعون على حالها؛ لتكون لمن خلفه آية؛ لأنهم زعموا أن الرب انتقل إلى مكان آخر، وأن فرعون لا يموت ولا يقتل، فعندما غرق في النيل أخرج الله جثته من النيل ليصبح جيفة تحتقرها النفوس، وإذا بها بقيت على حالها تعرض على الملأ يراها من يرى فرعون ويعرفه ويعلمه، بحيث تحققوا أن هذا الإله كاذب ليس إلا إنساناً كالناس أحياه الله فأماته، وهذه الجثة لا تزال إلى اليوم في متاحف مصر في الموميات، ولكن لا تعرف بعينها، ويقولون لك: هذه الجثث العشر أو العشرين هي لفراعنة مصر، هذا فلان، وهذا فلان، وهذا فلان، ولكن بالتأكيد القاطع: أن هذا فرعون موسى يحتاج ذلك إلى دليل، وأين الدليل؟ وأين البرهان؟ ولكن لاشك أنه واحد منهم، لأن الله أخبر بأنه سيجعله آية لمن يأتي بعده ولمن يأتي خلفه، وهو آية لا تزال إلى يومنا. ذهب فرعون كما يذهب البشر وهلك وذهبت دعواه، وذهب قومه، وأورث الله الأرض موسى ومن معه، وأذل أولئك وسحقهم، وكانت العاقبة للمؤمنين، ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٣]. وقوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٤٠]، أي: انظر يا محمد وانظر يا من آمن بمحمد، ومن جاء بعده وإلى يوم القيامة كيف كانت عاقبة المشركين الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس، والكاذبين على الله المدعين ما ليس لهم.

стр. 1015

تفسير قوله تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار) قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ﴾ [القصص:٤١]. هم أئمة نعم، هم حكام وملوك وسادة وزعماء، ولكن زعماء إلى النار، وأئمة الكفر لا يكتفون بالكفر في أنفسهم، بل يأبون إلا أن يكفروا ويدعوا غيرهم للكفر، وأن يشركوا ويدعوا غيرهم للشرك، وأن يظلموا ويدعوا للظلم. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ﴾ [القصص:٤١]. أي: لم ينصروا في الدنيا، وكذلك يوم القيامة في الآخرة لا ينصرون؛ لا ينصر الله كافراً ولا يرحمه؛ لأنه ليس للكافر إلا الذل والهوان والغضب، والخلود في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. قال الله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص:٤٢]. معنى ذلك أنه يشرع لمن ذكر هذا الكاذب المتأله وأمثاله أن يتبع ذكره باللعنة، فيقول: قال فرعون لعنه الله، وقال الأقباط لعنهم الله، فهم متبوعون باللعنة وبالخزي وبسوء الذكر وبالاحتقار؛ نتيجة دعواهم ما ليس لهم به حق، فهؤلاء تتبعهم اللعنة في الدنيا، وهم يوم القيامة من المقبوحين الخزايا الملعونين الخالدين في النار، الذين لا يكاد يذكرهم أحد إلا بالخزي والبراءة من أعمالهم. وليس فرعون إلا مثالاً لمن فعل فعله، وليس هو شخصاً بعينه، بل كان مثالاً لكل من جاء بعده إلى يوم القيامة، فكل من ادعى دعوى فرعون وقال: لا إله أو أنه الإله، أو ظلم وسفك وأكل المال الحرام، وجعل من نفسه رباً دون الله، فإن له اللعنة والخزي في الدنيا، وله القبح والتقبيح والخزي يوم القيامة، والخلود في النار أبد الآبدين.

стр. 1016

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]. بعد ذلك أنزل الله على موسى التوراة فيها الهدى والنور، وفيها التوحيد، وفيها ما في الكتب السماوية السابقة، فهذه هي صفة التوراة عندما نزلت، ولكنّ العبرانيين أتباع موسى بعد ذلك غيروا وبدلوا وحرفوا، فالتوراة التي بين أيدينا والتي كانت منذ عصر الوحي المحمدي قام علماؤهم وكبراؤهم فبدلوا فيها وغيروا وحرفوا وزادوا ونقصوا، وأدخلوا فيها الشرك بعد ذلك، فلقد قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]. فزعموا أنهم أبناء الله، فلم يشركوا بالله واحداً بل أشركوا كل البشر؛ لأن ابن الإله إله إن صح أنه ابن ولا ابن لله، ولا يليق بالله سبحانه أن يكون له ابن، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:١ - ٣]. ولكن لشركهم قالوا ذلك، والتوراة بين أيدينا فيها الطعن في جلال الله، وفيها اتهام الأنبياء بالكبائر: بالسكر وبالزنا وبالفساد، وبإتيان المحارم، وفيها ما لم يكد يخطر على بال. ومن هنا كان اليهودي في دمه وفي عرقه وفي نشأته وفي بيئته عنصراً للفساد، فهم يدينون بشتم الله، ويدينون بقذف الأنبياء، ويدينون بسفك الدماء، ويدينون بنشر الفاحشة ونشر السوء بين البشر، ولذلك هؤلاء الذين يسعون من الحكام إلى فتح الحدود معهم، إنما يزيدون شعوبهم فساداً وفاحشة وكفراً وبلاءً، فإن هذا لبلاء مبين، فأرجو الله تعالى أن يزيله وألا يتمه، وأن يخيب آراءهم، وأن يرد كيدهم في نحورهم جميعاً هم وأنصارهم ومن يريد أن يفعل ذلك منهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص:٤٣]. أرسل الله موسى بالتوراة من بعد قرون سابقة عنه هلكت وبادت وانتهت، والقرون هم قوم نوح، وقوم هود وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم إبراهيم، وقد قص الله علينا قصصهم. والقرن هو المائة من السنين، والقرن هو الجيل بعد الجيل. وموسى جاء متأخراً بعد ذلك، وقد سبقه هؤلاء كلهم، فـ شعيب أرسل إلى مدين، وإبراهيم إلى نمرود، ولوط إلى أهل سدوم في فلسطين، وهود وصالح إلى عاد وثمود، ونوح إلى البشرية، وكانت لا تزال قريبة العهد بآدم، ليس بينها وبين آدم إلا ألف عام، ولبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فقص الله علينا ما قص مما مضى جميعه بعد هذه القرون الطويلة، وهذه الأجيال المتتابعة التي أهلكها الله وذهبت في أمس الغابر. وأرسل الله بعد ذلك موسى، وسبقه من بني إسرائيل يوسف وأيوب ويعقوب وإسحاق، بل يعقوب هو إسرائيل وهو كبير أنبياء بني إسرائيل، أما إبراهيم وإن كان أباً لهم فهو كذلك أبو العرب الأول، وهو الذي مكن للعرب هنا، وأتى بولده إسماعيل وأسكنه هنا في هذه الأرض المقدسة، فكان إسماعيل نبي الله ورسول الله الجد الأعلى لنبينا ﵊، والجد العالي لجميع عرب اليوم، أما الذين كانوا قبله فيسمون بلغة الأنساب والأحساب: العرب العاربة، وهؤلاء انتهوا ولم يبق منهم أحد، ولذلك الله عندما ذكر إبراهيم قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] والخطاب للعرب، فهو أبو العرب، وهم نسله، ولذلك دعا إبراهيم ربه لإسماعيل أن يجعل رسولاً من سلالته، ولذلك كان يقول نبينا ﵊: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وأنا بشرى أخي عيسى، هو الذي بشر الناس باسمي، وقال لهم في الإنجيل: يأتي من بعدي رسول اسمه أحمد) ومحمد وأحمد اسمان كريمان للكريم خاتم الأنبياء ﵊.

стр. 1017

تفسير سورة القصص [٤٣ - ٤٦] آتى الله سيدنا موسى الكتاب هدى لبني إسرائيل؛ لكنهم عاندوا وطلبوا ما ليس لهم أن يطلبوه، وقد أقام الله عليهم الحجة وأثبت صدق رسله وأنبيائه.

стр. 1018

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب) قال الله ربنا ﷻ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]. لا نزال مع موسى وما أكرمه الله به من إشادة وذكر في العالمين منذ طفولته، بل منذ ولدته أمه إلى أن أصبح نبياً كريماً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [القصص:٤٣]. فبعد أن كلم الله موسى ﵇ وشرفه أنزل عليه التوراة فيها هدى ونور، وفيها الصلاح والفلاح والدعوة إلى الله، وهكذا كان هذا الكتاب يوم نزوله، ووقت وجود موسى وهارون ﵉، ثم بدلوه وغيروه من كتاب توحيد إلى كتاب شرك ووثنية، فجعلوا لله شركاء وجعلوا أنفسهم أبناءً لله، وقذفوا الأنبياء واتهموهم بالكبائر، وقالوا عن الله ما لا يقوله إلا كافر أرعن أحمق. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص:٤٣]. فقد جاء موسى ﵇ وأرسل بالكتاب إلى بني إسرائيل بعد القرون الماضية والأجيال السابقة، قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم إبراهيم، فجاء بعدما هلكوا وبادوا. وفسر بعض المفسرين الآية: أن الأمم والأنبياء من قبل موسى لم يشرع لهم القتال والجهاد، فإذا كفرت أمة وأشركت بادرها الله بالعقوبة في الدنيا بأمر منه، فحين عصى قوم نوح نوحاً أفاض الله عليهم الماء فأغرقهم، وأهلك عاداً بما أهلكهم به من الصيحة والفزع، وأهلك قوم صالح كذلك، وأهلك قوم لوط بأن جعل عالي الأرض سافلها، وأهلك قوم فرعون بالغرق والضياع، ثم لما جاء موسى شرع القتال والحرب، فلم تبق الفتنة ولا العذاب ولا القضاء شاملاً عاماً لكل الأمة ممن كفر بالله وأشرك به، ولكن الله تعالى شرع للمؤمنين أن يقاتلوا الكافرين؛ ليذلوا ويسحقوا ويؤدبوا على يدهم، ومنذ موسى ﵇ رفع الخسف والصعق والغرق والبلاء على الأمم عامة، إلا ما كان من القتال والجهاد، يكرم الله به المؤمنين، وهم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأولادهم رخيصة لإعلاء كلمة الله. ومع ذلك فإن قرية من القرى أيام موسى ﵇ عندما تحايلوا على الصيد في يوم السبت وحاصروا الحيتان وحجزوها إلى يوم الأحد مسخوا قردة، قالوا: ولم يحدث بعد ذلك أن كان شيء من هذا، وإنما الهلاك يكون على يد الأمم بعضها بعضاً، فيسلط الله قوماً على قوم، وأمة على أمة، فقد يكون المسلمون - وهو هذا الشأن - هم المظفرون المنصورون، ولكن إذا بدلوا كذلك وغيروا كما صنع اليهود والنصارى قبلهم سلط الله عليهم شعوباً أخرى أذلوهم واستعبدوهم واستعمروهم، كما نعيش منذ قرون، ولا يزيد الأمر إلا شدة؛ لأن المؤمنين زادوا كفراً وخلافاً وعصياناً، وبقدر ما يزيدون يزيد الله عذابه ونقمته وتأديبه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص:٤٣]. القرون جمع: قرن، تطلق على المائة سنة، وعلى الجيل، وهنا أطلقت على الأجيال والأمم والشعوب ما مضى منها وما تلا، وإلى عصر موسى وما بعد عصره، ثم أوقف الله عذابه الشامل للأمم، واكتفى بأن أمرهم بالجهاد، ليقاتل المسلمون الكافرين، وأرسل موسى بالتوراة والكتاب بصائر للناس، أي: للتبصر والتنور والوعي والإدراك والإيمان عن بصيرة، فكان بصائر للناس وهدى؛ ليهتدوا بذلك ويزول ما هم فيه من ظلمات بعضها فوق بعض، ثم هو هداية يهديهم من الضلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الشرك إلى التوحيد، ورحمة ومغفرة ودخولاً للجنان وقبولاً لتوبة من آمن به والإيمان والإسلام يجب ما قبله. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٣]. فأرسل الله موسى ﵇ بالتوراة؛ ليتبصر بها بنو إسرائيل، ويخرجوا من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، وأرسل هداية؛ ليتركوا الضلال إلى الهدى، ثم رحمة لمن آمن به، وصنع ذلك بهم لعلهم يتذكرون ويعون ويفكرون، ولعلهم يقولون يوماً: ربي الله، ويدعون الكفر والظلام والضلال إلى الإيمان والهداية والنور.

стр. 1019

تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي) قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤]. هذا من ظواهر المعجزات التي أتى بها نبينا ﵊ التي ينص عليها الله في كتابه؛ ليعيها الشاك والمرتاب والمتردد، وليزداد بها المؤمن إيماناً وإيقاناً وثباتاً في الله وفي دينه. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ [القصص:٤٤]. أي: يا محمد! لم تكن حاضراً في الجانب الغربي جانب الطور وجانب الشجرة والبقعة المقدسة المباركة التي نادى فيها الرب ﷻ عبده موسى، فكلمه وشرفه وأرسله، فأنت لم تكن حاضراً، ولم تكن من الشاهدين ولا من الحاضرين، ومع ذلك أنت الآن علمت ذلك كما لو كنت شاهداً وحاضراً، وأمتك لم تكن أمة قارئة، بل كانت أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولم ينزل على أمتك وشعبك قبلك نبي ولا كتاب، وها أنت ذا تتكلم بالحقائق، وتتحدث عن الأنبياء السابقين منذ آدم إلى نوح إلى موسى وعيسى ﵈، بما كانوا عليه من حقائق، وبما عاشوا فيه من واقع، وتتحدث عن الدنيا منذ كانت، إلى أن وصلت إليك، إلى ما بعدك وإلى يوم القيامة، وأنت لم تكن حاضراً هذا مع موسى؛ لأنك لم تكن خلقت بعد، فبينك وبينه الآلاف من السنين، فلم يكن ذلك إلا وحياً وإنباء وإخباراً من الله؛ لتعلمها أنت وتعلمها لهم ولغيرهم. أفلا يكفي الكافرين من العرب والعجم من السابقين في عصر النبي ﷺ ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة أن يروا هذا الرجل الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب يأتيه الوحي في غار حراء، فإذا به ينطق بالحكمة ويقول الحقائق والعلوم التي لم يعلمها سابق ولا لاحق؟ فمن أين ذاك؟ أعلمه الناس كما زعم بعض الكافرين قديماً وحديثاً، فقد زعموا أن حداداً كان في مكة هو الذي علمه، وهو لا يكاد يبين بالعربية، ونبينا لا يعرف سواها، وهذا الحداد ما عسى أن يعرف أو يعلم، فهو جاهل ولا يكاد يعلم ما في يومه فضلاً عن أمسه وعن مستقبله، وهذا الذي أتى به من المعارف والحقائق وما فرض على الناس يؤمن به من أصلح الله قلبه وغسله من الشرك والظلمات والكفر والعناد على الكفر. وفي عصرنا هذا كتب أحد النصارى الفرنسيين كتاباً قارن فيه بين القرآن والتوراة والإنجيل، وقال: كل ما جاء في التوراة فقد حرف، والإنجيل قد حرف، وكل ما أتى به هذان الكتابان التوراة والإنجيل يخالف الحقائق والعلوم والواقع، إلا القرآن فما نطق القرآن بشيء عن السماوات والأرض وأنباء الأنبياء السابقين والأديان السابقة إلا وهو حق وصدق أيدته الكتب السابقة والعلم الحديث والحفريات على الآثار التي اكتشف بها الكثير مما كان يجهله الناس، وهكذا الله ﷻ يلفت أنظار العقلاء والذين يبحثون عن الحقائق؛ ليعيشوا مع الحق والواقع، لا مع الأوهام، والأكاذيب والأباطيل والأضاليل. وفكر يوماً أيها المشرك الكافر! من أين لمحمد العربي الأمي هذه العلوم والحقائق، وهذه القصص عن موسى منذ الولادة إلى النهاية، وهو لم يكن شاهداً ولا حاضراً، وهذا ما يلفت إليه القرآن أذهان الناس وعقولهم، فقال: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص:٤٤]، أي: لم تكن بجانب الجهة الغربية من الشجرة المباركة في البقعة المقدسة عندما أوحى الله إلى موسى ﵇ ما أوحى وكلمه بما كلمه، وقضى الله ﷻ الأمر والرسالة والنبوة، والهداية والتكليف منه ﷻ إلى موسى، وهو الأمر الذي يشار إليه بالأمر، فلم تكن حاضراً إذ ذاك، فمن أين لك هذا لولا أن الله أكرمك بالوحي، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيماً؟ كما أن له الفضل على أتباعه المؤمنين به وبجميع ما جاء به ففضل الله عليه وعلى أتباعه عظيم. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص:٤٤]، أي: لم تكن بجانب الغربي مع موسى عندما كلمه الله، ولا من الحاضرين في عصره، المشاهدين لحياته، كيف ولد، وكيف قذف في اليم، وكيف أخذ إلى فرعون، وكيف كبر، وكيف قتل الفرعوني، وكيف خرج من مصر، وكيف بقي في مدين إلى أن تزوج وأصبح زوجاً وأباً، وكيف رحل بعد ذلك إلى أن كلم بالوحي، ثم كيف عاد إلى مصر، فمن أين لك كل هذه الحقائق لولا إنعام الله عليك بالوحي وبالعلم وبما علمك به؟

стр. 1020

تفسير قوله تعالى: (ولكنا أنشأنا قرونا) قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]. الكلام هنا مع اليهود والنصارى أولاً، ثم مع الكفار عموماً من كفار مكة والجزيرة إلى كفار الأرض بكل مللهم وأجناسهم ونحلهم. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]، أي: ولكن الله بعد موسى والتوراة أنشأ وخلق قروناً وأجيالاً وشعوباً وأمماً أخرى طويلة في مئات وآلاف من السنين. ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]، أي: طال على أهل الكتاب نصارى ويهوداً، وعلى المشركين الذين لم يؤمنوا بكتاب قبل ولم يرسل إليهم نبي ولا كتاب، فطال عليهم العمر والزمن من قبل ومن بعد إلى نسوا الكتاب فحرفوه وبدلوه وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتسافدوا تسافد البهائم في الشوارع، وأصبح القوي يأكل الضعيف، والغني المتجبر الطاغي يستعبد الخلق والبشر. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ [القصص:٤٥]. ومعناه: لكن هؤلاء بدلوا وغيروا وأنكروا أن يكون النبي ﷺ ذكر في التوراة والإنجيل، وأبوا إلا الكفران والجحود كما كفروا قبل ذلك بشريعتهم، فغيروها وحرفوها وبدلوها، وغيروا كتب الله ورسالاته، حتى إذا جاءهم سيد البشر ﷺ مبيناً لهم الحقائق مصححاً لهم الوقائع والأحداث أبوا إلا العناد والجحود والكفران والتألب والتواطؤ والتآمر على هذا الدين الجديد وعلى نبيه المرسل إليه صلوات الله وسلامه عليه.
следующие страницы →