← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١]. يعيد الله ويذكر لنا علامات ودلائل وبيّنات وجلال قدرته، وأنه القادر على كل شيء، فيقول: يا محمد! قل لهؤلاء: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص:٧١] أي: إذا جعل الدنيا كلها والزمن كله ليالي لا نهار فيها ولا ضياء ولا شمس، إذا جعل الكون كله ظلاماً لا شمس ولا ضياء ولا نور ولا نهار. ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص:٧١] يعني: هل هؤلاء الذين أشركتموهم بي يستطيعون أن يأتوكم بالنهار أو يأتوكم بالشمس، أو يستطيعون أن يأتوكم بالنور والضياء؟ الجواب لا، وكلهم أقل من ذلك وأعجز، فالذبابة لا يستطيعون خلقها، بل إذا أخذت الذبابة منهم شيئاً لا يستطيعون أن يختطفوها منها، وكما قال ربنا ﷻ : ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] فالمطلوب هو المشرك به من دون الله وهو ضعيف ضائع، والطالب ذلك من غير الله ضعيف ضائع، وإذا سألت فاسأل الله، فوحده القادر على كل شيء ﷻ وعلا مقامه، فلو أن الله جعل سنيَّ الدنيا كلها ليلاً، لا ضياء فيها ولا نهار ولا شمس ولا نور، فهل هذه الآلهة المزيّفة الباطلة تستطيع أن تُنجزكم وتغيثكم وتجعل لكم ضياء ونوراً؟ الجواب لا، وكلهم أعجز من ذلك. قال تعالى: ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص:٧١] سماع فهم وقبول وإدراك، فقد عدّهم الله كما وصفهم أكثر من مرة بأن لهم آذاناً لا يسمعون بها، وإذا سمعوا لا يعقلون ولا يدركون ولا يعون.

стр. 1052

تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] أي: قل لهؤلاء المشركين الذين يعبدون الأحجار: لو أن الله ﷻ جعل الدنيا والسنوات كلها نهاراً وضياءً وشمساً فهل آلهتهم المزيّفة تستطيع أن تأتيهم بليل يسكنون فيه ويجدون راحتهم وهدوءهم واستقرارهم من عذاب النهار وتعبه ومشاقِّه؟ الجواب باستمرار: لا، وليس ذلك إلا لله وحده القادر على كل شيء. قال تعالى: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] أي: أليس لكم بصائر! لم يقل: (أعين) هذه المرة؛ لأن العمى عمى البصر ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] وقد تجد الإنسان مفتّح العينين، لكنه أشد عمى من الأعمى؛ لأن البصيرة عمياء لا تُبصر ولا تُدرك ولا تفهم ولا تعي ما يقال لها، لا بما رأته عيناً ولا بما سمعته أذناً ولا بما أحسّته ببشرتها. فقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص:٧٢] استفهام إنكاري توبيخي تقريعي؛ لأن الليل جُعل للسكن والراحة، لتهدأ الروح والحواس، وجُعل النهار للأعمال فتتعب الروح والحواس وتتعب الأيدي والأرجل، فلو لم تسترح هذه الحواس وهذا الجسد وهذه الروح فإنها مع الأيام تهلك وتموت؛ وهكذا لو كان الليل باستمرار ولم تُشرق الشمس فسيكثر أمراض البيت، وتكثر أوبئته، ويكثر فساده، والجسد إذا لم ير الشمس ويسطع عليه نورها وتمسه شعاعاتها يمرض ويكل، والنبات كذلك إذا لم ير الشمس وتشرق عليه فإنه يذبل ولا يكاد يُعطي ثمرة، والليل كذلك، فإن ضياء القمر به يرى الإنسان نفسه ويرى النبات، وهكذا نرى البحار بين مد وجزر تأثراً بالقمر.

стр. 1053

تفسير قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) جمع ذلك كله ربنا في آية ثالثة فقال: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣]. فمن رحمة الله بكم أيها الناس مؤمنين وكافرين! أن جعل لكم الليل وجعل النهار، وجمع بينهما ثم قضى عليهما معاً؛ لتسكنوا إليه ولتبتغوا من فضله، وهذا يقال له في علم البلاغة: الطي والنشر، وهو أن يُقال الكلام مسلسلاً ثم يأتي ما يناسبه. قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص:٧٣] أي: لتسكنوا لليل وتستريحوا فيه. وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص:٧٣] وفضل الله هنا: الضرب في الأرض من تجارة وسياحة وزراعة وأعمال، ويكون ذلك في النهار، فالله جعل الليل للسكون والراحة ولاطمئنان الجسد واستقراره، ولاطمئنان الروح واستقرارها، وجعل النهار للأعمال والمشاقّ والتجارة والزراعة والضرب في أرض الله الواسعة جبالاً ووهاداً بحاراً وأجواء، والله عندما يذكر لنا ذلك ويعدده ويمتن علينا به، والشيء إذا تكرر تقرر، يعني: هل تكرار ذلك سيجعلنا نفهمه ونعي ونُدرك؟ ولعل الكافر منا يتوب إلى الله ويعود للإسلام، ولعل العاصي منا يتوب من معصيته، ويتذكر إفضال الله عليه فيتوب ويئوب ويعلم ذلك ويفهمه ويعمل بمقتضاه.

стр. 1054

تفسير سورة القصص [٧٤ - ٧٨] يوم القيامة يكون الحساب ويخرج الأنبياء شهداء على أممهم ببلاغ الرسالات. وإن الذين لم يؤمنوا باليوم الآخر قد بطروا وتكبروا، ومنهم قارون ذو الكنوز والأموال الطائلة، لكن ذلك لا ينفعهم شيئاً ولا يغني عنهم من عذاب الله.

стр. 1055

تفسير قوله تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٧٤]. هذه الآية بنفسها تقدّمت معنا بالأمس قبل آيات مضت، وكررت هنا لزيادة التوبيخ والتقريع، وجاءت بعد تعداد نعم الله وقدرته من خلق الليل والنهار، واستراحة الناس في الليل وسكونهم، وضرب الناس في النهار وعملهم وتجارتهم وزراعتهم، فعاد فقال لهؤلاء المشركين عقب كل ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص:٧٤] أي: ينادي الله أو تنادي ملائكته عن أمر الله. قال تعالى: ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص:٧٤]. أي: أين الذين زعمتموهم شركاء لله في ملكه وفي قدرته، هل يستطيعون خلقاً أو ملكاً أو اختياراً؟ هل يستطيعون خلق ليل أو خلق نهار؟ كلهم أعجز من ذلك! إذاً: لماذا لم يغيثوكم ولم ينقذوكم من عذاب الله ولعنته؟ فكل هذا يُقال في الدنيا لمن يسمع من الكفار علّه يتوب ويئوب، ويقول: رب اغفر لي قبل أن يموت. وفي هذا المعنى يقول النبي ﵊: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك). وإلا ضاعت على الإنسان حياته في البرزخ، فهي الطريق للآخرة، والمدرسة التي من نجح فيها أخذ كتابه وشهادته بيمينه يوم القيامة فكان من الناجحين والفائزين، والذي لم ينجح فيها إذ لم يوحّد الله ويعبده يأخذ يوم القيامة شهادة الخسران والرسوب بشماله فيدخل النار مع الداخلين.

стр. 1056

تفسير قوله تعالى: (ونزعنا من كل أمة شهيداً) قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص:٧٥]. أي: أخذ من كل أمة شهيداً؛ وشهداء الأمم رسلهم وأنبياؤهم، قال تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١]. يُخاطب الله نبينا بهذه الآية، وعندما تلا هذه الآية ذرفت عيناه ﷺ ، فالله يوم القيامة عند مُحاسبة كل أمة وعند عرض أعمالها عليها يدعو نبيها وينزعه من بين أمته ويقول: اشهد، هل بلّغتهم؟ فلا يستطيعون النكران. قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص:٧٥]. أي: دليلكم على الشرك وسلطانكم على الكفر وبرهانكم على أن ما عشتم فيه في دنياكم كان حقاً وصواباً، قال تعالى: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص:٧٥]. أي: علموا بعد فوات الأوان أن التوحيد هو الحق وأن الرسل هم الحق، أن الله هو الحق، وأن الكتب هي الحق، فاعترفوا بعد فوات الأوان يوم ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨]. قال تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص:٧٥]. أي: غاب عنهم افتراؤهم وكذبهم وضلالهم وشركهم وكفرهم ومعاصيهم، فكل هذا يعرضه الله علينا في الدنيا ولم يحدث بعد، ولكن لنعلم ونأخذ منه العبرة والدروس، حتى إذا جئنا إليه ﷻ جئنا ونحن نعلم ما سيكون بعلم الله ووحيه وبلاغ رسله عليهم الصلاة والسلام، ولتكون الحجة البالغة لله، فلا يقول قائل منا: لم يأتني رسول! لم أسمع كتاباً! لم أسمع وحياً! بل سيكون أول السؤال من نبيك؟ هل آمنت بنبيك؟ فلن يستطيع أن يقول: لم أسمع بنبي، ولم أدرك نبياً، ولم يبلغني أحد عن نبي؛ وهنا يضيع عنهم كفرهم وكذبهم وبُهتانهم في الدنيا.

стр. 1057

تفسير قوله تعالى: (إن قارون كان من قوم موسى) قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦]. هذه آيات استطرادية قيلت لكفر فرعون وملئه وكفر من كفر كفرهم وأشرك شركهم، فقد قص الله علينا قصة موسى مع فرعون صغيراً وكبيراً، نبياً وغير نبي، إلى أن ذهب فرعون مع الذاهبين وأخذه اليم وابتلعه مع جنوده جميعاً. أما قارون فقد عوقب عقوبةً أخرى، وقارون لم يكن قبطياً ولا فرعونياً، بل هو إسرائيلي من قوم موسى، بل هو ابن عم موسى، إذ إن أبا موسى وأبا قارون أخوان شقيقان، وزعم قوم أنه عمه، وأجمعوا جميعاً أنه من بني إسرائيل، والقرآن يؤكد ذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦]. فرغم كونه من قومهم وانتصر بانتصارهم بغى على بني عمه، وظلمهم وتكبّر عليهم، وتعالى بنفسه وأمواله وأرزاقه وسلطانه وبنفوذه وجاهه، وزعم قوم أن قارون آمن ثم أصبح منافقاً وهذا لا يدل عليه القرآن بحال، فالله أخبرنا أنه خسف به وبداره الأرض، ووصفه وصف الكافرين المشركين، ولم يخبر بأنه آمن يوماً حتى نقول: إنه آمن ثم نافق. والمعلوم من سيرته أنه حسد موسى وهارون، وقال لموسى: يا ابن عم! أخذت النبوءة وسلكت معك أخاك هارون فما تركت لي؟ وكأن موسى هو الذي نبأ نفسه، وهو الذي أرسل نفسه! قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦] أي: رغم كونه من قومهم لكنه كان باغياً، والبغي: الظلم، فقد كان ظالماً متعالياً، ولم يكن أقل من فرعون طغياناً وجبروتاً. وللمال طغيان وجبروت وبطر، وهكذا كان قارون يتكبر على قومه قبل غيرهم، بل كان متألباً مع فرعون وهامان على موسى وأخيه وقومه. قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ [القصص:٧٦] (ما) في موضع مفعول به، والتقدير: وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ الذي تعجز وتثقل حتى تتمايل يميناً وشمالاً العصبة أولو القوة، وهم الجماعة القوية الشابة المتكاثرة. وقالوا: (العصبة): بين الثلاثة والعشرة، وبين العشرة والثلاثين، وبين الثلاثين والأربعين. وقوله: ﴿الْكُنُوزِ﴾ [القصص:٧٦] جمع كنز من الأموال بجميع أشكالها، ذهباً وفضةً وجواهر ولآلئ، وألبسةً وثياباً وحبوباً وأرزاقاً ومطاعم، قالوا: وقد كانت. والمفاتح: جمع مفتح، وإذا قلنا: مفتاح، فالجمع مفاتيح. قال تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ [القصص:٧٦] (ما) اسم موصول يطلق على المذكر والمؤنث، فلو حملتها جماعة ذات قوة واقتدار لناءت ولأخذت تتمايل، ويثقل عليها حمل المفاتيح فقط، قالوا: وكان المفتاح في قدر إصبع، وكان من الحديد ثم حوله إلى الخشب، ومع ذلك كان في هذا الثقل، قالوا: وكان إذا خرج في زينته وجماعته، تبعه ستون بغلاً يحملون هذه المفاتيح للكنوز خاصة. فقوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص:٧٦] أي: ظلم وتكبر وتعالى على أنبياء الله، ومن يتكبر على أنبياء الله يكفر مع أن قارون لم يدخل في الدين قط. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ [القصص:٧٦] أي: لا يدخلك بطر ولا تتكبر علينا ولا تظلم ولا تظن نفسك شيئاً، لا مالك دائم، ولا حياتك باقية. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] أي: لا يحب الفرحين بالباطل والبغي والطغيان والفرحين بجمع المال من حله وحرامه، فذاك ما يكرهه الله ولا يحبه.

стр. 1058

تفسير قوله تعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة) ثم قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]. وهذا كلام المؤمنين الموحدين قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] أي: هذه الكنوز والأموال التي أكرمك الله بها وأعطاك، ابتغ فيها وفي عملها وتوزيعها الدار الآخرة، فاجعل هذه الأموال للفقراء والمساكين والمحتاجين، ولأسرك وأقاربك ورحمك، ولأداء الحقوق الواجبة من زكوات، ولإجابة السائل الفقير المحتاج، واتخذها طريقاً للآخرة. قال تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ولم نقل لك: وزعها على الناس وانسَ نفسك، بل خذ حصتك منها حلالاً ليس حراماً، خذ من الحلال والطيبات ومما أباح لك الشارع. وهكذا كان نبينا ﵊ رغم زهده في الدنيا، فقد كان يأكل الحلوى، ويأكل أنواع اللحوم، ويلبس من الثياب ما وجد، ومرة اشتريَ له ثوبٌ بمائة ناقة، وكان يستقبل به الضيوف والوفود، وكان له جوار وغلمان وزوجات ولكن كل ذلك كان نفقة لهؤلاء، وما فضل منها يكون للفقراء والمساكين وذوي الأرحام، فهو لم يحرم حلالاً، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]. وإنما منع نفسه من أكل الضب، وقال: ليس بحرام؛ لأنه عافه وكرهه؛ ولأن قومه بمكة لم يكونوا يأكلونه. وإنما منع نفسه من البصل والثوم لكراهته في رائحته، وقال: ليس بحرام: (ولكني أناجي من لا تناجون)، أي: يستقبل الوحي ويناجي ملائكة الرحمة وجبريل رسول الله إليه، أما غير ذلك فقد كان يأكل ما وجد، إن وجد اللحم أكله، وإن وجد التمر أكله، وإن لم يجد شيئاً صبر وصام ﵊. وكان ينهى عن التكلف، كما قال سلمان ﵁: (أمرنا رسول الله ﷺ ألا نتكلف للضيف) أي: لا يتكلف لإيجاد مفقود، ولا يبخل بموجود. فقوله تعالى: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] أي: خذ سهمك وحصتك من الحلال تزوج وكل واشرب من غير سرف ولا تبذير، ولا تشرب خمراً ولا تأكل خنزيراً، ولا تأكل حراماً، فقد أباح الله من المناكح والمآكل والمشارب والطيبات ما كان حلالاً طيباً، وما سوى ذلك فحرمه الشارع لمصلحة الإنسان نفسه، لما فيه من الضرر والأذية، ولما فيه من فساد هذا الجسم البشري. قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]. فقد أحسن الله إليك بهذا الغنى الواسع، فأحسن كذلك، أعط السائل والفقير، وأعطِ المحتاج والقريب والبعيد، وشارك في بناء المعابد والمساجد والمعاهد، واكسُ العريان وأطعم الجائع، واسق العطشان، وأعز الفقير بعطائك، وهكذا أحسن، وترك المفعول في قوله: أحسن لشموله وعمومه، أي: أحسن للخلق إنساناً وحيواناً، وكما قال النبي ﵊: (في كل ذات كبد حرى صدقة)، حتى إطعام الحيوان وإطعام الطير فيهما أجر وثواب، وقد قال ﵊: (دخلت امرأة النار في هرة، فلا هي أطعمتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، فهذا حيوان مستأنس داجن حبسته فجاع حتى مات فعوقبت بسبب ذلك بالنار. وقال: (رحم الله بغياً رأت كلباً يلهث على رأس بئر في صحراء ما استطاع أن ينزل إلى الماء، ولا وجد الماء عالياً فيشرب منه، فجاءت وأخذت نعلها، وأخذت قطعة من ثوبها، وفتلتها حبلاً ثم سقت في تلك النعل ماء وأشربته إلى أن ارتوى، فقال النبي ﵊: فغفر الله لها)، ولذلك كان يقول ﵊: (من لا يرحم لا يرحم). ورحمة الله سبقت غضبه سبحانه، يقول النبي ﵊ في الحديث القدسي: (سبقت رحمتي غضبي). ولذلك نبتدئ القرآن، ونبتدئ السورة بقولنا: (بسم الله الرحمن الرحيم) وهي آية في سورة النمل: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، فهو الرحمن، وهو الرحيم، وهو من سبقت رحمته غضبه. قال تعالى: ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧]. أي: لا تفسد في الأرض ولا تزهق الأرواح ظلماً ولا تأكل أموال الناس باطلاً ولا تأت على شجر فتقطعه للفساد، ولا تفسد على الناس مياهها وآبارها، ولا تنشر الفساد كأنه مذهب ودين، بل كن براً عطوفاً محسناً متصدقاً، كن لين العريكة، واخفض جناح الذل من الرحمة للمؤمنين وعباد الله الصالحين، هذا يقوله المؤمنون، ويكرره الله إشادة به، ومعناه أيضاً: المخاطب به، ولكل من كان له مال كـ قارون وغيره أن يتمتع بالطيبات والحلال، وأن يحسن كما أحسن الله إليه، وأن يأخذ نصيبه من الطيبات، ولا يجعل نعمة الله عليه وبالاً، ولا يفسد بها في الأرض، فيوشك أن يعاقبه الله عليها، وأن ينزعها منه كما فعل مع قارون. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]، وإذا قال الله: (لا يحب) فمعناه: حرم وكره، ومعناه: نهى ومنع.

стр. 1059

تفسير قوله تعالى: (قال إنما أوتيته على علم عندي) أجاب قارون قومه: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]. فقال الله مخبراً موسى ونبيه ﷺ : ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. أي: أهلك من كان أشد منه قوة وأكثر منه جمعاً - أي: لهذا المال - فلم يكن المال فقط لـ قارون وانفرد به في الكون، فقد سبق قبله الكثيرون ممن كانوا أغنى منه وأقوى، وفي عصرنا الكثيرون يملكون ما لم يكن يملكه قارون، ويفعلون ما كان يفعله قارون، يطغون بذلك المال ويبطرون، فلا يحسنون كما أحسن الله إليهم وتكون النتيجة بعد ذلك، أن ذهبوا وبادوا، ويبقى المال لمن لا يرحمهم عليه، أو تأتي الشيوعية فتنزعه عنهم عقوبة سماوية، والجزاء من جنس العمل، وهكذا وقع في كثير من بلاد المسلمين، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. فقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] معناه: لم أعط هذا المال هكذا بلا سبب، بل أنا رجل نشيط، ولي علم بأنواع التجارة والزراعة وتنمية المال، فأنا أخذته بعرق جبيني وبعلمي ومعرفتي. وقال الكثيرون من المفسرين: إنه كان يستعمل الكيمياء والإنس والجن، وكل هذا كلام إسرائيلي لا معنى له، والآية لا تدل عليه، فنحن نرى الكثيرين في عصرنا هذا يملكون ما لم يكن يملكه قارون، ولم يقل أحد منهم: جمعت ذلك المال بالكيمياء، فقد يكون لعمل من الأعمال كانتهاز منصب واستغلال بيئة ومعرفة بالتجارة أو بالزراعة، أو معرفة بالصناعة، ولا حاجة إلى أن يكون هناك كيمياء أو تحويل للأصل، ولا أن يكون خدمة من جن ولا شيء من ذلك. فقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] أي: كان ذلك بمعرفتي وبنشاطي ومسارعتي لمعرفة الأسواق، والتجارات وما إليها، فلم يقل: رزقته بعون الله وفضله ومنه، حتى لو قلنا أوتيتها بمعرفتك فمن الذي أعطاك المعرفة؟ من الذي هيأ لك الجو؟ والكثيرون ممن أخذوا الشهادات وأنواع الدراسات، ومن أعلم الناس بأنواع التجارة والزراعة والصناعة لم يملكوا شيئاً، فكانوا فقراء ولا يزالون قديماً وحديثاً، ولِمَ هؤلاء لم يرزقوا، ورزق هؤلاء؟ الجواب هؤلاء أراد الله رزقهم، إما إفضالاً عليهم وإما امتحاناً لهم واختباراً، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، وكما يكون البلاء والاختبار بالشر كذلك يكون بالخير. إن تعذيب الإمام أحمد ﵁ وفتنته من المأمون والعباسيين كان شراًّ امتحن به، بعد ذلك جاء المتوكل فأطلق سراحه، وحاول أن يقربه ويعطيه، فكان يقول: شرطت عليكم ألا يكون إلا ما أريد، فلا أريد زيارتكم، ولا هداياكم، ولا أن تأتوا إليّ، فكلما أتوه بشيء امتنع، وكان يقول: هذا فتنة، فقد افتتنت بالشر، وأنا الآن أفتن بالخير، فتركوه وذهبوا لأولاده وولوهم القضاء وأعطوهم الأموال فهجر أولاده، لكي لا يكون هذا الإحسان للأولاد طريقاً إليه، وقال: اصنعوا ما شئتم، هذا المال مشبوه، وهذا العطاء مشبوه، وأراد بذلك الدنيا لا الآخرة. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ﴾ [القصص:٧٨] أي: قد أهلك الله قبل قارون من القرون الماضية والأجيال السالفة: ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص:٧٨] أي: أهلك من كان أكثر قوة وحشماً وخدماً وأتباعاً، وقد قالوا عن قارون: كان إذا خرج خرج بألف من الرجال من أمامه، وألف من الرجال من خلفه، وكذا وكذا من الجواري، وكذا كذا من العبيد، وكذا كذا من الخيام، وكذا كذا من الخيل والبغال، وكانوا يصفون البغال والجمال بأن عليها الذهب والفضة وأنواع الجواهر، فهم لم يروا ذلك ولم يذكره النبي ﷺ ولم يذكره القرآن، ولكن فهموا ذلك من وصف الله غناه ورفاهيته، قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص:٧٩] فتصوروا أن هذه الزينة لا تكون إلا بذلك، وليس ذلك ببعيد، وظاهر القرآن يدل عليه. فقال الله عنه: ألم يفكر ويعتبر، ألم يبلغه ويسمع أن الكثيرين ممن سبقوه، ممن كانوا قبله من الأجيال الماضية، أهلكناهم ودمرناهم وعاقبناهم لكفرهم ككفره وبطرهم كبطره، وكانوا أشد منه قوة وأكثر منه جمعاً. قال تعالى: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨]. إذ يعرف المجرمون يومئذ بسيماهم ويأت الملائكة للمجرمين بلا سؤال، كما أن الكثيرين يدخلهم الله الجنة بلا سؤال ولا حساب. فالكثيرون من المجرمين يعرفون بسيماهم ويجرون على وجوههم إلى النار بلا سؤال؛ لأن كفرهم وشركهم وطغيانهم وجرائمهم ظاهرة على جباههم تقرأها الملائكة فهم عرفوا بسيماهم وحالتهم وبأوصافهم فدخلوا النار، وهكذا وصف قارون بالبطر والبغي والظلم والاعتداء والتعالي على الله.

стр. 1060

تفسير سورة القصص [٧٩ - ٨٤] لقد بطر قارون بماله وطغى بجماله واستكبر على قومه، وخرج في زينته، فتمنى ضعفاء النفوس لو كانوا أمثاله، فلما خسف الله به وبداره أشفقوا على حاله ومآله، وحمدوا الله أن لم يكونوا في سلطانه وماله، وعلموا أن الدار الآخرة خير للمؤمن وأبقى.

стр. 1061

تفسير قوله تعالى: (قال الذين يريدون الحياة الدنيا) قال الله جلت قدرته: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]. قارون الذي طغى على قومه واتخذ نعم الله وآلائه، وخيراته وأرزاقه كفراً ومساعدة في الشر، وعوناً على العصيان والكفر، فقد ضرب الله به مثلاً للذين يريدون الحياة الدنيا ولا يريدون الآخرة. وذات يوم خرج على قومه بني إسرائيل في زينته، في مهرجانه، وصولجانه، فقد خرج معه كذا وكذا ألفاً من الرجال والشباب والغلمان، والجواري على أنواع من الخيول والبغال في حرير وديباج وذهب وفضة وأنواع من الطرب والموسيقى، وهو يتيه بنفسه، ويأشر بماله، ويطغى بما يكسب، ويتعالى بذلك على قومه، وإذا بضعاف النفوس من قومه ممن يريدون الحياة الدنيا ولا يريدون الآخرة يقولون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩]، فلما رأوا هذا المنظر تمنوا على ربهم أن يكون لهم ما لـ قارون من المال والجاه والزينة والنشب، وأنواع ما يتيه به ذوو المال والجاه العريض في الأرض. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩]. أي: إنه لذو مال وجاه عظيم فقد أدركه الحظ والذكر الحسن بين قومه.

стр. 1062

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم) هكذا كان ضعاف النفوس عندما رأوا قارون في هذه الزينة الفاتنة وإذا بقوم آخرين وهم قلة ينكرون عليهم كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ﴾ [القصص:٨٠]. أي: قال الذين أوتوا العلم والمعرفة بالله ممن رأوا قارون وهو في هذا التيه والخيلاء، ورأوا أولئك الذين يتمنون زينته وماله وجاهه، فقال هؤلاء العلماء بالله، والعارفون بالدنيا وزوالها، والمدركون لخلود الآخرة وما فيها من نعيم دائم. فقالوا لهؤلاء: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠] وكلمة الويل تقال إشفاقاً، وتقال طعناً وشتماً. والويل: واد في جنهم، فهم قالوا لهؤلاء: يا ويلهم، وسوء تدبيرهم وأفكارهم، عندما يتمنون هذه الدنيا الزائلة، وهذه الزينة الباطلة، ولم يتمنوا ما عند الله من خير، ومن إفضال، ومن نعمة دائمة ورضاً يفوزون به في الدنيا والآخرة. وعبادة الله في الدنيا يترتب عنها الثواب في الآخرة، وهو خير من كنوز قارون ومال قارون وزينة قارون، فثواب الله خير لمن آمن بالله رباً وعمل الأعمال الصالحة من الفرائض والنوافل، أما الفرائض فقد قام بها جميعها، وأما النوافل فقد قام بما يستطيع منها جهد طاقته. ثم قالوا لهم: ﴿وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص:٨٠]، أي: لا يلقى ولا يجازى ولا يصل هذا المقام من رضا الله وكرمه وإفضاله الله إلا الصابرون على طاعة الله، وامتثال أمر الله، وطاعة رسول الله وامتثال أمره صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه. وصدق بجنانه، وعمل بأركانه، ولا يلقى مثل هذا إلا الصابرون على الطاعات، والفرائض، والنوافل.

стр. 1063

تفسير قوله تعالى: (فخسفنا به وبداره الأرض) قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]. هذا الذي تمنوا مكانه، وقالوا إنه ذو حظ عظيم، وتمنوا أن يكون لهم من الزينة والكنوز والأموال، وإذا به وهو في زينته، وهو يطأ الأرض يتيه في خيلاء، وتعاظم وتعالى على خلق الله، وإذا بالله الكريم يخسف به الأرض، فتغيب به الأرض وتزول من تحت قدميه، وإذا به يهبط إلى أن يصبح داخلها، وكأنه لم يكن يوماً في هذه الدنيا. فالله تعالى أخسف به الأرض، فانشقت، وأصبحت ذا هوة سحيقة وإذا به يدهده ويغيب فيها ثم تغيب داره، وكنوزه وأمواله وزينته وكل ما كان عنده. فهذا الذي تعاظم على الله وعلا على خلق الله، وطغى بما ملكه الله من زينة وأموال وجاه، فعوضاً عن أن يشكر الله عليها، ويأتيه مما آتاه الله، ويحسن كما أحسن الله إليه، طغى وبغى في الأرض، فكان جزاؤه أن عذبه الله على ذلك في الدنيا، وسلبه تلك النعمة، بل وغيبه في الأرض ودفنه فيها حياً، هو وداره وجميع ما فيها من كنوز وزينة ونشب وأموال، وإذا بتلك الطائفتين: الطائفة التي كانت تريد الدنيا، وتريد مثل ما أوتي قارون، وغاروا منه، واغتبطوا بحاله، بل وحسدوه على أمواله. وأولئك الذين قالوا لهم: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠]، وإذا بالطائفتين معاً تريان هذا المنظر، وأن قارون الذي كان قبل ساعات مضت ذا حول وطول وسلطان وعلو وطغيان في الأرض، وإذا بالأرض تخسف به، وإذا به يغيب في الأرض والتراب، فيذهب في أمس الدابر، ويذهب قصره وتذهب كنوزه، وكأنه لم يكن يوماً من الأيام متعالياً بكنوزه وجاهه. وعندما خسف الله به الأرض لم تكن له جماعة، ولا أنصار، من أولئك الذين يصحبونه في الذهاب والإياب، فيكثرون جموعه، ويتقدمونه ويتأخرون عنه، ويكونون عن اليمين وعن الشمال، فكل أولئك لم يستطيعوا نصرته، ولا إغاثته، ولا إنقاذه من هذا الخسف، وهذا التغييب في الأرض، وهذا البوار وهذه اللعنة. ولم يجد أحداً ينصره من دون الله، إذ كان مخذولاً هافتاً ضائعاً، ومن الذي يجير على الله؟ ومن الذي يتطاول على أن يغيث أحداً من غضب الله ولعنته؟ إن كل من في الأرض والسماء ومن في الكون إلا آتي الله عبداً، فليس في قدرة أحد أن ينصر من غضب الله عليه. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١]. أي: لم يكن من الذين انتصروا، وأنقذوا، وتعالوا، وقد حلّ عليه قول الله وغضبه ولعنته، وإذا بالطائفتين: الدنيوية والأخروية اللتين رأتا أعماله وزينته، فتمنى ذلك البعض ممن يريد الدنيا، وقالت الأخرى العارفة بالله: إن الإيمان بالله وطاعته خير من قارون وجميع أمواله.

стр. 1064

تفسير قوله تعالى: (وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس) قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢]. (أصبح) يمعنى: صار، يقال: أصبح إذا صار وانتقل من حال إلى حال، وليس من الضروري أن يكون ذلك في وقت الصباح، يقال: أصبح فلان عالماً، فليس معناه عندما أصبح الصباح صار عالماً، فقد يكون ذلك في الصباح أو في المساء ويفهم ذلك من سياق الكلام، تقول: أصبح وأمسى بمعنى بمعنى: الصيرورة والتحول. وإذا بهؤلاء الذين تمنوا مكانه، فقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص:٧٩] عندما رأوا ذلك فزعوا ورعبوا وندموا على ما صدر عنهم، وحمدوا الله وشكروه أن لم يكونوا مكان قارون ليعذبوا ويعاقبوا عقاب قارون بسبب اغتراره بماله وكنوزه وجاهه. وقوله: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ﴾ [القصص:٨٢] كان هذا بالأمس الدابر، والأمس المبني على الكسر يعني به اليوم الذي قبل يومك. ففي اليوم الماضي رأوه وهو على عزه وسلطانه قد خرج في زينته الكاملة، حتى تمنوا مكانه وأعلنوا ذلك، وإذا بهم بعد ذلك يرون قارون وقد خسف الله به الأرض بنفسه وزينته وقصره وكنوزه، فقالوا متعجبين لذلك: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ [القصص:٨٢]. وي: كلمة تعجب، والمعنى: نظن ونعلم أن الله هو الذي يرزق من يشاء بلا حساب ويضيق على من يشاء، يفعل ما يشاء كيف يشاء ﷻ ، فليس الرزق بسبب علم العالم ومعرفة العارف من التجار أو الحكام أو الزراع أو الصناع كما قال قارون وزعم: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]. فليس ذلك بعلمه ولا بقدرته، ولا بسلطانه، ولكن الله ابتلاه وفتنه واختبره، فلم يفز عند هذا الابتلاء، ولم ينجح بل رسب وخسر، فلم يشكر الله على هذه النعمة، ولم يصرفها في نعم الله، ولم يحسن للفقير واليتيم والأرملة، كما أحسن الله إليه، وإذا بالله الكريم الذي أنعم عليه وابتلاه، نزع ذلك عنه، وسلبه إياه، وقضى عليه وعلى ما يملك، وكأنه لم يكن، فعلم هؤلاء المتعجبين أن الله يغني من يشاء من عباده بلا حساب، ويقدر على من شاء من عباده، أي: يجعل رزقه بقدر وحساب، فهو المغني والمفقر، ﷻ يفعل ما يشاء، له الأمر والخلق، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢]، ندموا على التمني السابق، وعجبوا مرة أخرى، فقالوا: يا عجباً! لولا أن منّ الله علينا، وكان هذا المنّ والإفضال في أن الله لم يرزقهم ما رزق قارون، فندموا فيما كانوا قد تمنوه من زينة قارون وكنوزه، ثم حمدوا الله على أن أبقاهم فقراء، ولم يعطهم ما أعطى قارون، ولم يخسف بهم وبدورهم الأرض، ولم ينزع نعمته عليهم، من شباب وقوة وحواس، ومن إيمان بالله كذلك. فهؤلاء إنما كانوا يريدون الحياة الدنيا، وهم ممن آمنوا بموسى من بني إسرائيل الذين نصرهم الله على فرعون، بعد أن عاشوا عبيداً أرقاء له ولقومه قروناً تتبعها قرون، فحمدوا الله على الفقر والمسكنة، ولم يجر بهم ما جرى لـ قارون من خسف الأرض به، وبداره وبكنوزه وبجاهه، وبكل ما أتى به وطغى، أن لو كان لهم ذلك بعد أن تمنوه على الله. وقوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص:٨٢] جواب (لولا) لخسف بنا، أي: لو لم يبقهم الله فقراء، ولم يعطهم ما تمنوا عليه من ملك قارون وجاهه لخسف بهم الأرض كما خسف بـ قارون. وقوله: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص:٨٢]، وهذا مما يزيد التأكيد أن قارون لم يسلم ولم يؤمن بموسى، فلم يكن مؤمناً كما ادعت الروايات الإسرائيليات التي نقلت في أكثر التفاسير أنه كان مؤمناً، وكان إذا تلا التوراة يكون من جمال صوته ما يتأثر به كل سامع مؤمن بالتوراة إذ ذاك، ثم نافق بعد ذلك، وليس في آيات القرآن ما يدل عليه. فالذين تمنوا مكانه بالأمس قالوا عنه كافر، وأيقنوا أن الكافر لا يفلح ولا ينجو ولا يفوز لا في الدنيا ولا في الآخرة، فكانت هذه الكنوز والأموال ابتلاء واختباراً له، فما تمتع بها، بل كانت سبب هلاكه ولعنته وعقابه في الدنيا، ومات مع الكافرين، ولعذاب الله أشد. فالكافر لا يفلح إن عاش كافراً ومات على ذلك. والله قص علينا هذه القصة للعظة وللاعتبار، لنأخذ منها الدروس والحكم حتى إذا رأينا في عصرنا قوارين، لا نأبه لهم ولا نحسدهم على ذلك، ولا نطمع في أموالهم، فنحن لا ندري هل هذه الأموال والكنوز ستكون عليهم وبالاً كما كانت على قارون الذي قص الله علينا، فإذا كان كذلك فما الفائدة من مال وكنوز لا تدوم، ويكون نهايتها الذل والغضب واللعنة والموت على سوء الخاتمة، نسأل الله السلامة والعافية. والمسلم إذا دعا الله يدعوه من خيره وإفضاله ما يكون خيراً له في الدنيا والآخرة، لا فتنة وابتلاءً له في دينه، ولا ضرراً عليه، وصدق رسول الله القائل ﵊: (هلك المكثرون، -أي: هلك ذوو الأموال الكثيرة- إلا من قال: هكذا وهكذا، وهكذا)، أي: إلا من صرف الفاضل من أمواله، في كل جهة من جهات الخير، في الزكوات، والنفقات للسائلين وللمحاويج، لما يعود على الناس بالخير، وليحسن كما أحسن الله إليه. والله تعالى لم يمنع عباده مما أخرج لهم من الطيبات من الرزق، ولم يمنعهم أن يتركوا نصيبهم من الدنيا، فإن كان حلالاً طيباً فليحسنوا كما أحسن الله إليهم، فهذه بعض العبر والحكم من هذه القصة، ولم يؤتَ بها للحكاية والرواية. فقد أوتي بها ليعتبر بها المؤمن والكافر، فالمؤمن يزداد إيماناً ويعيش في حياته عابداً مطيعاً، والكافر تقام حجة الله عليه، وأنه قد ضربت له الأمثال، وذكرت له القصص ليتخذ منها العبر والحكم، لتكون الحجة لله بالغة يوم القيامة، ولا يجد لنفسه عذراً ولا جواباً عندما يسأل عما قدم.

стр. 1065

تفسير قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض) قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. (تلك الدار) الإشارة للتنويه والتهويل، أي: تلك الدار التي وصفها الله تعالى في كتابه المبين ووصفها نبيه ﵊ فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ما لم تره عين ولا سمعت به أذن، ولا خطر من ذلك على قلب بشر. وهي الجنة ذات الأرزاق والنعم الدائمة الخالدة السائدة بفضل الله ورحمته. والدار الباقية لم يجعلها الله لمن كان في الدنيا ذا سلطان ولا حاكماً ولا غنياً ولا ذا أرزاق وكنوز، ولكن جعلها للأتقياء الصالحين الأبرار، كانوا ملوكاً أو خلفاء أو مساكين، أو محاويج، أو ذوي أنساب وأحساب، فتلك الدار جعلها الله تعالى لمن قال فيهم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٨٣] أي: لا يريدون التكبر على خلق الله، ولا الاستعلاء على عباد الله، ولا يتيهون بأحسابهم ولا بأنسابهم ولا بأمومتهم أو أبوتهم، ولا بأموالهم ولا بما ملكهم الله في هذه الدنيا، وإلا لكان ذلك ابتلاءً وفتنة، كما كانت كنوز قارون لـ قارون، فقد فتن بها وعذب في الدنيا، ولعذاب يوم القيامة أشد. والدار الآخرة إنما جعلها الله للذين لا يستعلون على عباد الله، ولا يتكبرون على الإيمان والمؤمنين، إذا قيل لهم: قال الله، قال رسول الله، قالوا: السمع والطاعة، على الرأس وسواد العين، وإذا قيل: هذا مؤمن أخوك، قال: أخي وهو أكرم مني، ولا يعلم الأكرم يوم القيامة إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣] ومن كان في ظاهره متقياً لله سواء في الصلاة وبقية العبادات ومع ذلك حتى لو لم يكن كذلك، فهو لا يدري كيف سيختم له؟ كثيراً ما يكون الخصوص من اللصوص، فقد يتوبون ويغفر الله لهم، ويصبحون في أعلى الدرجات والمقامات، ويكونون خياراً، وما المؤمنون الأُول من الصحابة الأوَل إلا ممن كانوا يعبدون الأوثان والأحجار في أيامهم الأولى، فلما شملتهم العناية الإلهية، والرحمة الربانية، عندما ظهر فيهم سيد البشر محمد ﷺ يدعوهم إلى الإيمان بالله وبه، وبما جاء به من عند الله، آمنوا واستسلموا فأذهب الله عنهم نخوة الجاهلية ومعصيتها، وصاروا سادات الدنيا وأئمتها، لم يسبقهم في الفضل والخير إلا الأنبياء، فهم أفضل الخلق بعد الأنبياء فكانوا من الخصوص بعدما كان مما لم يذكر، ولا حاجة لذكره بعد أن ذهب، والإسلام يجب ما قبله. الدار الآخرة وجنتها ورضاها ورحمتها مقصورة على الذين لا يتكبرون، ومن ينازع الله في كبريائه أذله وحقره. وقوله: ﴿لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص:٨٣]. أي: لا يريدون الفساد في الأرض، وكلمة (فساد) تشمل كل أنواع الفساد من كبرياء وجبروت وعلو على البشر ومعصية لله وإعلانها، من ظلم للخلق وأخذ أموالهم بالباطل، ومن كل ما يطلق عليه إفساد، فمن كان كذلك لا حظ له في الآخرة، ولا في رحمة الله ولا في رضاه. والعلو في الأرض والكبرياء هو الذي أفسد الكافر الأول، ما كان إبليس إلا مع الملائكة، وإن كان جنياً بينهم، فقد كان من العابدين العارفين، ثم ارتد وكفر، وكان ارتداده بسبب كبريائه وطغيانه، وتعاليه على آدم، عندما أمره الله بالسجود إليه أبى واستكبر، وكان من الكافرين كما وصفه الله ﷻ ، وعندما قيل له: لِمَ لم تسجد؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وجعل نفسه خيراً من آدم، مع أنه رأى وعلم وسمع أن آدم خصه الله بأن خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له جميع الملائكة، سجود احترام وتقدير، لا سجود عبادة، ومع ذلك تعالى إبليس، فكان بكبريائه على آدم كافراً مرتداً، وقلما يتكبر أحد على خلق الله، وعلى عباد الله المؤمنين فيفلح، وقد تنتهي أيامه بسوء الخاتمة والردة كما انتهت أيام قارون، وتتبعه اللعنة إلى يوم القيامة، كما تبعت قارون في كتاب الله وفي كل ما يذكر فيه عندما يذكر التاريخ الأول وقصص الأولين. وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]، ليست للأغنياء ولا للحكام، ولا للطغاة، ولا للجبابرة، ولكن للمتقين، والمتقي قد يكون حاكماً وقد يكون سلطاناً، وقد يكون خليفة، فالرابط هي التقوى وليس سواها، والتقوى أن تجعل بينك وبين ربك وقاية من غضبه ولعنته، ولا تكون هذه الوقاية إلا بطاعته وامتثال أمره، والخضوع لكتابه والامتثال لنبيه، وما جاء به من أمر ونهي، تمتثل أمره وتجتنب نهيه.

стр. 1066

تفسير قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٤]. ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [القصص:٨٤] كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]. أي: من جاء بالحسنة جزي عنها بعشر إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] أي: سيئة بسيئة، وقد يغفرها الله ويرحم مرتكبها إن كان موحداً ثم تاب منها. والحسنة هنا: هي كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله، ولا شيء أعلى وأخير من (لا إله إلا الله) إلا رؤية الله في الآخرة، فمن مات موحداً يعتقد أن لا إله إلا الله بالجنان ونطق بها اللسان وعملت بها الأركان، يكرمه الله يوم القيامة بدخول الجنان، وبرؤية الله ﷻ ، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، عليها نضرة النعيم، وفيها جمال النعمة، وراحة النعمة، ثم تكرم بالنظر إلى وجه الله الكريم. ومعنى آخر للحسنة أنها بعشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى ولا يكافأ ولا يعاقب ولا يقابل إلا بما عمله، أي: سيئة بسيئة إذا لم يغفرها الله، ولا تغفر السيئة إن كانت كفراً أو شركاً.

стр. 1067

تفسير سورة القصص [٨٥ - ٨٨] لما هاجر سيدنا رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة كان قد خرج من أحب البلاد إليه، فوعده الله تعالى بالرجوع إليها حتى رجع فاتحاً بعد ثمان سنين، وهو ﷺ مثابر على الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله، ونبذ الشرك والأوثان.

стр. 1068

تفسير قوله تعالى: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص:٨٥]. هذه الآية وحدها في السورة لم تنزل بمكة ولا بالمدينة، فأكثر سور القرآن ما يزيد على (٩٠%) منها إما مكي وإما مدني، إي: ما نزل على رسول الله ﷺ بمكة، أو نزل عليه بالمدينة، وهناك آي من القرآن نزلت عليه وهو في الطريق ما بين مكة والمدينة، في سياحة أو غزوة أو تعليم وتربية لأتباعه. وهذه الآية نزلت على النبي ﷺ عندما خرج من مكة المكرمة مهاجراً إلى المدينة المنورة، عندما اضطره قومه كفار مكة لهجرانها وتركها، وما هجرها إلا وهو متألم، ويود أن لا يتركها، وأن يبقى فيها، فكان حنينه إلى الأرض التي ولد فيها، والتي خرج منها إلى الوجود، والتي هي مسقط رأسه الشريف ومنبت آبائه وأجداده ومرتع صباه، والمنزل الأول للوحي، فخرج مضطراً بعد أن تواطأت قريش على قتله واغتياله. وقد خرج معه أبو بكر الصديق ﵁، وقد سبقهما إلى المدينة المؤمنون المهاجرون، ولم يبقَ في مكة إلا المستضعفون من الصبيان والعجزة ومن حبسهم العذر، وتسلط عليهم قادات مكة ظلماً وطغياناً وعلواً في الأرض وفساداً. خرج ﵊ واختفى في غار ثور ثلاثة أيام، ثم سار في طريق غير معروفة إلى أن وصل للجحفة وهي اليوم جزء من رابغ، والجحفة ميقات أهل مصر وأهل الشام وأهل المغرب وأهل إفريقيا ومن جاء عليها ولم يمر على المدينة، ومن مر على المدينة فميقاته ميقات أهل المدينة، وكل من مر على ميقات قوم لإحرامه يصير ذلك الميقات ميقاته. وهذه الجحفة وردت كثيراً في السيرة النبوية وهي هنا يشار إليها في هذه الآية، والكلام عليها وحدها قد سبق، والكلام فيها يحتاج لدرس أو درسين، وبالمناسبة يأتي ذلك، وقد مضى بعضه. فبينما هو في الجحفة، وإذا بهذه الآية الكريمة تنزل عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ﴾ [القصص:٨٥]، أي: إن الذي أنزل عليك القرآن، وجعله فرضاً عليك لتبلغه للناس، ولتعلمهم حلاله وحرامه، وقصصه وآدابه، وعقائده وجميع ما فيه، فالذي أنزل عليك القرآن وفرضه هو الله ﷻ . وقوله تعالى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]. (لرادك) اللام موطئة للقسم، كأن الله ﷻ يقسم للنبي ﵊ مسلياً له، ومقوياً له ومشجعاً. لقد خرج ﷺ حزيناً حيث خرج من أرضه وبلاده مضطراً عن غير رضا منه، خرج بإخراج أهل مكة له كفراً به وبدينه وبربه، فلما وصل للجحفة نزلت عليه هذه الآية تبشره. أي: يا محمد! يقسم الذي أنزل عليك القرآن، وجعله فرضاً عليك لتبلغ الناس أوامره ونواهيه، حلاله وحرامه، بأنه سيردك إلى الأرض التي خرجت منها وسيعيدك إليها. وقد فعل ﷻ ، ومن أوفى بعهده من الله، قد عاد إليها عزيزاً منتصراً سيداً آمراً ناهياً محكماً في أعدائه، دخل ﷺ مكة على غاية ما يكون من التواضع والأدب مع الله، راكباً ناقته، فالإبل ليست هوجاء وليس فيها تيه، ولا رقص، ومع ذلك دخل ﵊ مكة ورأسه منحن، ولم ينسب لنفسه شيئاً، بل الكل نسبه لله أدباً مع ربه، وهو ينشد نشيد الفتح على خلاف أناشيد الملوك والأباطرة وجبابرة الأرض عندما يدخلون فاتحين، فإنهم يتيهون بأنفسهم وبأقوامهم وبقوتهم وبسلطانهم وبما لهم، ويهددون وينذرون بأنهم سيسحقون الأعداء، وسيدوسون عليهم بالأقدام، وسيحيون كذا ويميتون كذا. دخل النبي ﵊ مكة وهو السيد العزيز المنتصر نصراً عزيزاً مؤزراً، وهو مطأطئ الرأس على جمل وهو يقول: (الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده، وأنجز وعده وهزم الأحزاب وحده)، لم ينسب لنفسه شيئاً ﵊ على ما قاسى من قومه من شدائد، فقد أخرج من بلده مضطراً من غير رضا وأجاعوه ثلاث سنوات حتى كان يعيش على ورق الشجر، وقالوا عنه كذا كذا، وكان ﵊ يعرض عن ذلك ويأبى إلا الدعوة إلى الله والظهور يومياً عند بيت الله الحرام، وعند الكعبة المشرفة، يدعو إلى الله، ويسفه أحلام المشركين ويزيف آلهتهم، إلى أن دخل إليهم بعد ثمان عشرة سنة من النبوءة، في السنة الثامنة من الهجرة، دخل بهذا النشيد النبوي، فكسر الأصنام وأزالها، وكانت ثلاثمائة وستين صنماً على عدد أيام السنة، وأمر بلالاً الذي كانوا يعذبونه ويضربونه وهو يقول: أحد أحد، أن يصعد على ظهر الكعبة إلى أن جنّ جنون قريش، لِمَ هذا الأسود يصعد على ظهر الكعبة؟ وهو الذي كانوا يحتقرونه ويؤذونه ويظلمونه، فنادى بكلمة التوحيد وأذن الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله إلى آخر الأذان. فقال الكثير من الكفار، وهم يحمدون أنفسهم ذلاً وهواناً وكفراً، قالوا: الحمد لله أن أبا فلان مات ولم يرَ هذا المنظر، وأن أخا فلان مات ولم يرَ هذا المنظر، ثم دخل فتجمعوا بين يديه، فقال لهم ﵊: (ماذا ترون يا معاشر قريش أني فاعل بكم اليوم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم)، فما قالوا عنه ساحر ولا مجنون ولا قالوا إنه يطلب الملك والمال والسلطان كما كانوا يقولون بل أخذوا يتمسحون به ويطلبون منه العفو والسلام والأمان. فقال لهم ﵊: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فعفا عن مقدرة، ويسمى هؤلاء في السيرة النبوية الطلقاء، ولذلك فإن عمر عندما طعن وترك الخلافة لستة من الصحابة مات رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، قال ﵁: لا يصلح هذا للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء. هؤلاء الذين لم يسلموا إلا متأخرين بعد أن أتعبوا النبي ﵊ الكثير والكثير، وبعد ثمان سنين من نزول الآية دخل النبي ﵊ مكة عزيزاً سيداً، ثم بعد ذلك نزل قوله تعالى في حجة الوداع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨]. جاء أمر الله بأن المشرك عين النجاسة لأن المتنجس يغسل، أما عين النجاسة فلا تغسل ولو بجميع ماء البحر، والعذرة عذرة لا تطهر، والبول بول، وهكذا المشرك، والكافر، والمنافق. فطهرت هذه الأرض المقدسة وأصبح المحكم فيها سيد البشر محمد ﷺ الذي أخرج من داره وهو مضطر حزين ﵊، فعوضه الله ﷻ المدينة المنورة. وقد ورد في الحديث النبوي في صحيح الحاكم وهو حجة الإمام مالك وعمر بن الخطاب ﵁ وابن شهاب الزهري، وعمر بن عبد العزيز في الأفضلية بين مكة والمدينة، قال: (اللهم كما أخرجتني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك) وما كان أحب لله فهو أفضل، فأنزله المدينة المنورة، فالمدينة المنورة أفضل من مكة لدلالة هذا الحديث، الذي في صحيح الحاكم وهو المستدرك على صحيحي البخاري ومسلم، وهو على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه. فما كان أحب لله فهو أفضل، وهذا رأي الخليفتين الراشدين العمرين ابن الخطاب وابن عبد العزيز، والإمامين البرين العالمين عالمي الحجاز بل عالمي الدنيا ابن شهاب الزهري وتلميذه الإمام مالك بن أنس ﵏ جميعاً. والوعد الذي وعده في كتابه وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥] وقد أقسم الله به وبشره ووعده فقرت عينه، وانشرحت نفسه وبشر بذلك المؤمنين وتلا عليهم الآية، وهو لا يزال في الطريق قبل أن يصل إلى المدينة المنورة، فبعد أن أنجز الله وعده في فتح مكة قال ﵊: (الحمد لله الذي أنجز وعده). وقوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص:٨٥] كان كفار قريش يقولون عن محمد ﵊ إنه ضال، بل وقالوا أكثر من ذلك، وفضلوا دين اليهود على دين الإسلام، وفضّل اليهود دين الوثنيين على دين الإسلام. فتركهم النبي ﵊ استغناءً عنهم، قال الله له قل لهم: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ [القصص:٨٥] فالله أعلم وستعلمون بعد ذلك من هو في ضلال مبين. فالله أعلم بالحقائق، هل أنا الذي على ضلال مبين أو أنتم؟ هل أنا الذي على هدىً من الله وطريق مستقيم ونور بين مشرق أم أنتم؟ وقد بان الأمر بعد ذلك، فسرعان ما أسلم الكثير وذل الكثير وأسر الكثير، وكانت المعركة القاصمة النهائية الفاصلة معركة بدر التي فيها أعز الله الإسلام والمسلمين، وذل كفار قريش، ومن ذلك اليوم لم يرفع لهم رأس.

стр. 1069

تفسير قوله تعالى: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك) قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص:٨٦]. يقول الله للنبي ممتناً عليه، مظهراً كبير إفضاله عليه: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ [القصص:٨٦]. أي: ما كنت تتمنى يوماً ولا خطر لك ببال أن يوحى إليك بالقرآن، ولا أن تكون نبياً ورسولاً، ولكن عناية الله اختارتك من بين البشر، ومن بين العرب، ومن بين قريش، ومن بني هاشم. وبهذا فإن شرف مكة مضاعف ومكرر كالمدينة المنورة، فمنها رسول الله وفيها نزل عليه الوحي، وفيها الكعبة المشرفة وهي منزل أبيه الأعلى إسماعيل، ومدفن أبيه إسماعيل، وهي التي أعز الله بها الإسلام وأعزها بالإسلام. وقل مثل ذلك عن المدينة - مع الخلاف الموجود في الأفضلية - وكلتاهما أشرف بلاد الله على الإطلاق، ومكة أم القرى عاصمة الدنيا، أحب من أحب وكره من كره. فيجب على كل مسلم في الأرض أن يأتي ولو مرة في العمر ليتشرف بالدخول لهذه الديار المقدسة، فيطوف بالكعبة المشرفة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف في عرفات، ويبيت في منى. فقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا﴾ [القصص:٨٦] أي: وما كنت ترجو يوماً، وما كنت تطلب، وما كان يخطر لك ببال. وكما قال الله له: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] أي: ما كان يدري ما معنى الكتاب، فهو أمي ﵊، وما كان يدري ما الإيمان الذي نزل عليه من الله ﷻ ، وإن كان لم يسجد لصنم قط ولم يعبد وثناً قط، ولم يعجبه ما كان يجد عليه قومه قط. وكان يصعد إلى حراء فيتعبد الله بالفكر ويقول في نفسه: هل هذه العوالم كلها صنعتها هذه الأحجار التي يسجد لها قومي؟ ويعجب من ذلك ويدعو الله ويرجوه في نفسه أن يعرفه الحقيقة، وأن يبين له الطريق السوي، إلى أن فوجئ بجبريل رسول الملائكة إلى الأنبياء والمرسلين وآخرهم نبينا ﵊. ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٦] الاستثناء هنا منقطع، والتقدير: ولكن الله رحمك رحمة، فرحمة مفعول مطلق، أي: رحمك الرحمة الشاملة الكاملة، واختارك لهذا الكتاب ولهذه الرسالة الشاملة الخاتمة، إن فضل الله كان عليك عظيماً، ولا شك ولا ريب. وقوله: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص:٨٦] أي: وبهذه الرحمة، وبهذا الإفضال من الله فيا محمد! لا تعن الكافرين، ولا تكن لهم ظهراً وظهيراً ومعيناً، فالعنهم وقاتلهم وذلهم فإن لم يستسلموا لك فافرض عليهم الجزية حتى يؤدوها عن يد وهم صاغرون. ولا تتخذ منهم قريباً ولا صديقاً ولا ولياً، ومن يتول الكافرين يكن منهم، وهذا نهي لنبينا وهو في الحقيقة نهي لنا، لأن الأنبياء معصومون، فكيف بسيد الأنبياء ﵊؟

стр. 1070

تفسير قوله تعالى: (ولا يصدنك عن آيات الله) قال تعالى: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٧]. فقوله تعالى: ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٨٧] فعل مضارع مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، أي: لا يبعدونك، أو لا يجعلونك بعيداً عن الدعوة لله والإيمان بالله والرسالة التي أنزلت إليك وكتاب الله الذي أنزل إليك، والآيات البينات الواضحات التي أنزلت إليك التي ظهر إعجازها وقدرة الله على كل شيء، فإياك أن يغرك هؤلاء المشركون، وأن يصدوك عن الله والدعوة إليه. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٧] وهذا النهي الموجه للنبي ﵊ هو نهي لنا؛ لأن النبي ﵊ معصوم. وقوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ [القصص:٨٧] أي: فلتكن دعوتك باستمرار مدة حياتك الدعوة إلى الله الواحد، الرازق، المحيي المميت لا أول له ولا ثاني له لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال. فلتكن كل حياتك دعوة لله، ولتوحيد الله، ولعبادة الله، وإياك أن يتلاعب بك كفار قريش فيصدونك ويبعدونك عن هذه الدعوة لله ولكتابه، وإلى دين الإسلام. والله يأمر نبيه بما شاء، يقول له: لا تكفر، ولا تشرك، فالرب رب والعبد عبد، والنبي ﵊ يزداد بذلك إيماناً وإيقاناً وثباتاً، والمؤمنون يقولون: إن كان نبينا المعصوم يخاطب بهذا الخطاب فكيف نحن؟ فنحن الذين نؤمر من الله ألا نكون ظهراء ولا معينين على الكافرين، وألا نصد عن طاعة الله وعبادته، وألا نكون مع المشركين، وألا نترك الدعوة إلى الله قائمين وجالسين ومسافرين ومقيمين وفي كل حياتنا. وهذا شأن المسلم.

стр. 1071

تفسير قوله تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر) قال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨]. قال الله لعبده ونبيه وسيد خلقه صلى الله عليه وعلى آله، إياك يا محمد! أن تدعو لإله آخر غير الله، فلا تدع هبل ولا مناة ولا العزى ولا ما يدعو إليه قومك، ولا أحد من الشركاء مما أشرك به الذين لا يملكون عقلاً ولا نوراً ولا هداية. فلا إله إلا الله، فهو الإله الواحد، والرب الواحد، وهو الله الفرد الصمد، وهو الذي لا شريك له، هو الذي لا يشبه أحداً من خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه، فعش على لا إله إلا الله ومت على لا إله إلا الله. وعض على ذلك بالنواجذ، وهو أمر لرسول الله وهو أمر لنا كذلك، فمن غير أو بدل فإنه يوشك أن يخرج عن دين الإسلام، ونرجو الله أن يثبت أقدامنا، وأن يديم إيماننا، وأن يحيينا مسلمين ويميتنا مسلمين، ويحشرنا تحت لواء سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله. ولا إله إلا الله مفتاح الإسلام، وهي أول كلمة في الأذان، وأول كلمة في الإقامة التي لا يتم إيمان المؤمن إلا بها، والتي من قالها حفظ ماله ونفسه وعصما، ومن لم يقلها حل دمه وماله وأهله وعياله. يقول نبينا ﵊: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله). وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: كل شيء هالك إلا ذاته، فيطلق الوجه في كتاب الله ويراد به الذات العلية، وهنا أيضاً استثناء، فهو جل وعلا يستثني وجهه، أي: ذاته من أن تهلك. ومعناه: ليس هناك في الأرض شريك، وإن أشركوا به فهو هراء وباطل. وكما قال النبي ﵊: (أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل). فكل ما خلا الله وكل ما سوى الله باطل، فان، زائل، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. فقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] أي: كل شيء ميت، فان، باطل، ضائع، ولو عبدت شركاء من دون الله، ولو زعمت الألوهية لخلق من الخلق ملائكة وإنساً وجناً وجمادات وحيوانات وكل ما فعله الحقير في هؤلاء الذين ذهب الله بنورهم، وقد رزقهم العقل والسمع والبصر فلم يستفيدوا منه، وكانوا كالأنعام بل هم أضل. وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص:٨٨] أي: الفصل، والحكم لله وحده، فهو الذي يفصل بين العباد يوم القيامة، فيفصل بين النصراني واليهودي والمسلم والوثني. وهو ﷻ يحكم بين عباده، ولن يحكم معه أحد، وبعد أن تفنى الدنيا ينادي الله ﷻ فيقول: أنا الملك، أين الملوك؟ فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه: أنا الملك، ﷻ وعز مقامه. فهو الحاكم الذي يفصل بين الخلق يوم العرض على الله، فيعلم الناس إذ ذاك الحق من الباطل، ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، هيهات! وسيتمنى الكفار على الله ولو ملكوا الدنيا لافتدوا بها على أن يعودوا للدنيا ليعبدوا الله وليؤمنوا به وليوحدوه، ولكن هيهات! ولو عادوا إليها لما فعلوا إلا كما كانوا يفعلون من قبل، هكذا قالت لهم الملائكة، وهكذا حكم الله الحاكم الفرد ﷻ . وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٨٨] يا هؤلاء البشر! يا من كفر بالله! يا من خرج عن دين الله! يا من ضل وأضل وعلا في الأرض طغياناً وفساداً! عما قريب ستهلكون جميعاً، وتموتون جميعاً ولا يبقى إلا وجه الله الكريم، وترجعون إليه ليحكم بينكم إما إلى جنة وإما إلى نار. فمن مات مؤمناً موحداً يرجو الخير ولو عذب ودخل النار، ومهما أقام فيها فنهايته للخروج منها ودخول الجنة، وقد يغفر الله له من أول مرة فلا يدخلها، أو يدخلها شيئاً قليلاً. وأما الكافر الذي مات على الشرك ولم يقل يوماً: ربي الله فهذا لا مغفرة له ولا رحمة له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. وبهذا نكون قد أتممنا سورة القصص ولله الحمد والنعمة والشكر والمنة، ولم نقطع دراستها يوماً، ولم نتأخر عن تدريسها لا يوم خميس ولا يوم جمعة ولا حتى أيام الانتقال للمدينة المنورة التي أتابع فيها دروساً أخرى في الحديث في مسند أحمد، وقد أعان الله عليها ودرسناها وفسرناها متتابعة، وأعنتم أنتم بالحضور وبالسمع، وأعانني الله بمتابعتها وشرحها وبيانها، وهذا بعلم الله وفضله.

стр. 1072

تفسير سورة العنكبوت [١] سورة العنكبوت من السور العظيمة التي أنزلت على رسول الله ﷺ ، وسميت بذلك لأن الله ضرب المثل فيها بالعنكبوت.

стр. 1073

سبب تسمية السورة بهذا الاسم قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]. هذه هي سورة العنكبوت، وسميت بسورة العنكبوت لذكر العنكبوت فيها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١]. وكان النبي ﵊ هو الذي يسمي السور، وينظمها، ويضع هذه الآية هنا وهذه السورة هنا، ولم يترك ذلك لأحد ولا حتى لـ أبي بكر ولا عمر؛ من أجل الحفاظ على القرآن، وكل ما يدعيه المستشرقون من يهود أو نصارى أو منافقين من أن ترتيب الآيات والسور هو من فعل الصحابة، ومن فعل أبي بكر وعمر وعثمان كله كذب على الله، ومع هذا فيدعي هؤلاء أكثر من ذلك، فيقولون عن القرآن: إنه ليس كلام الله، وهم يرون المعجزات المرئية، وبإجماعهم أن هذا القرآن هو الذي نطق به النبي ﵊ منذ ١٤٠٠عام لم يتغير كلمة، ومع ذلك يقولون: افتراه وأعانه عليه قوم آخرون، وقد قص الله علينا كفرهم، وقول هؤلاء القردة والببغاوات هو نفس ما سبق أن قاله الكفار السابقون، وذكر الله كفرهم في القرآن. والبيت المبني من فولاذ لا يخاف من ضرب الحجارة، ولكن بيوت الورق تؤثر فيها أقل نسمة، وهكذا دينهم وفلسفاتهم وعلومهم الباطلة التي لا دليل عليها من منطق ولا من علم ولا من نقل صحيح ولا فاسد، وهم مع ذلك متضاربون ومتشاكسون لم يتفقوا حتى على باطلهم. وسورة العنكبوت اختلف فيها العلماء منذ عصر الصحابة أهي مكية أم مدنية؟ فقال جماعة: مكية، أي: نزلت على رسول الله ﷺ بمكة المكرمة، وقال جماعة من الصحابة: بل هي مدنية، أي: نزلت على رسول الله ﷺ في المدينة المنورة، وقال قوم: لا مكية ولا مدنية، وإنما هي كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، التي نزلت على رسول الله ﵊ وهو بين مكة والمدينة.

стр. 1074

تفسير سورة العنكبوت [١ - ٧] سورة العنكبوت سورة عظيمة ابتدأها الله تعالى بذكر أنه يختبر الناس ويبتليهم، حتى يعلم الصادق من الكاذب، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بسيئاته.

стр. 1075

تفسير قوله تعالى: (الم) قال الله تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]. هذه السورة اختلف فيها الصحابة هل هي مدينة أو مكية اختلافاً قل أن يوجد في غيرها من السور، فقال قوم: هي مدنية نزلت بالمدينة المنورة. وقال قوم: هي مكية، أي: نزلت على نبينا ﵊ في مكة المكرمة. وقال الإمام علي ﵁: بل نزلت على رسول الله ﷺ وهو ما بين مكة والمدينة. وهي ٦٩ آية. وسميت بالعنكبوت لذكر العنكبوت فيها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١]، وهذا من باب تسمية الكل باسم البعض، وجميع سور القرآن على هذا المنوال وعلى هذا الطريق. والحروف المقطّعة ﴿الم﴾ فيها خلاف طويل عريض منذ عصر الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ونحن نرجح ما قاله الإمام الزمخشري ﵀ وأكده الإمام الشنقيطي المتوفى حديثاً ﵀: إن هذه الحروف تعني أن هذا الكتاب آخر الكتب المنزلة من الله على خاتم أنبيائه رسولنا ونبينا محمد صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، وهو المهيمن عليها جميعاً، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونحن اليوم نعيش معجزته، فهو بعد نزوله بألف وأربعمائة عام لم تزد فيه كلمة ولم تنقص كلمة، بل ولم تُنقص منه حركة من ضمة وفتحة وكسرة وسكون ولم تزد، بل أكثر من ذلك فلم تقدم سورة ولم تؤخر، ولم يختلف في وقت من الأوقات في آياته، وذلك كله من الأدلة القاطعة على صدق نبينا ورسالته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن هذا الكتاب هو كتاب الله الذي لم يغير ولم يبدّل. وأما الكتب السابقة جميعاً فبدّلت وغيّرت؛ لأن الله لم يتعهد بحفظها، وإنما عهد بحفظها للعلماء فلم يحفظوها ولم يراعوها، وأما القرآن الكريم فهو الذي تعهد بحفظه ولم يتركه لنبي ولا لصحابي ولا لأحد من الخلق، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. ونحن بعد نزوله بألف وأربعمائة عام نراه واقعاً ومطابقاً للواقع من الإعجاز والصدق والدليل القاطع على حفظ الله له. فنحن نقرؤه اليوم كما أنزله الله في الوقت الذي آمن به الأولون في عصر الصحابة والتابعين، فهم آمنوا به إيمان تصديق ونحن آمنا به إيمان شهود وواقع. قال تعالى: ﴿الم﴾ [العنكبوت:١] فهذا القرآن معجز أعجز الخلائق أولها وآخرها منذ نزوله، فهو معجز بلفظه وبمعناه، وقد تحدى الله الخلق أن يأتوا بمثله أو بسورة منه أو بآية فعجزوا كلهم رغم فصاحتهم. بل إن نبينا وهو سيد الفصحاء والبلغاء والمتكلم البليغ الأول بالعربية وقد أوتي جوامع الكلم ﷺ عندما توازن بين كلامه في السنة النبوية على فصاحتها وبلاغتها وبين كتاب الله وبلاغته وفصاحته تجد الفرق والبون شاسعين، وهو فرق ما بين الخالق والمخلوق، وبين كلام الله وكلام عباده. فقوله تعالى: ﴿الم﴾ [العنكبوت:١] كأنه يقول: هذا القرآن المعجز على إعجازه إنما نُظم ونزل باللغة العربية على محمد ﵊ بواسطة جبريل ﵇، وهكذا يقال في جميع المواضع التي تذكر فيها الحروف المقطعة، مثل قوله: ﴿الم﴾، وقوله: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، وقوله: ﴿ص﴾ [ص:١]، وقوله: ﴿الر﴾ [يونس:١]، إلى جميع تلك الحروف في فواتح السور. ومن هذا كان نظم القرآن وكلامه، فاصنعوا إن قدرتم مثله، وهذه الحروف الهجائية هي بينكم، ولكن هيهات هيهات أن يفعل ذلك أحد أو أن يستطيعه. ولقد حاول الكذاب المتنبئ مسيلمة أن يأتي بشيء سماه قرآناً فأتى بما تضحك منه الثكلى، وأتى بما يستهزأ به وبمثله، وقالوا: إن المعري كذلك حاول أن يفعل مثل ذلك، فأتى بالهراء والسقط من القول.

стр. 1076

تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت:٢]. أظن الناس أن يتركوا وقد زعموا أنهم آمنوا بالله؟ والإيمان يكون بالتصديق بالجنان -بالقلب- وبالقول باللسان وبالعمل بالأركان. أي: أظن الناس أن يُتركوا وقد زعموا الإيمان وزعموا الإسلام وزعموا تصديق محمد في رسالته صلوات الله وسلامه عليه؟ أفظنوا أو حسبوا أن يقولوا ذلك ويعتقدوه ثم يتركوا بلا فتنة؟ أي: بلا اختبار ولا امتحان؟ وهكذا يُبتلى الأطفال ويختبرون ويمتحنون في المدارس هل درسوا؟ وهل لازموا المدرسين والشيوخ؟ فإن أدوا الامتحان فعند الامتحان يُعز المرء أو يهان، إما أن يُعز فينجح، وإما أن يهان ويذِّل فيرسب. وهكذا من كان في الابتدائي أو الإعدادي أو الثانوي أو الجامعات أو التخصص، وهكذا البشر كلهم في الأرض، وهكذا الخلق كلهم، جنهم وإنسهم المكلفون منهم غير المعصومين، حاشا الملائكة فهم معصومون.

стр. 1077

الحكمة من ابتلاء الأنبياء وهكذا يُفتن الأنبياء ويُبتلى الرسل؛ ليُعلم صدق المؤمن في قوله: أشهد أن لا إله إلا الله أصادق هو في دعواه الإيمان أو كاذب؟ قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت:٢]، أي: وقد قالوا: لا إله إلا الله وادّعوا الإيمان بالله، أيحسبون أن يقولوا ذلك وهم لا يُفتنون؟ والفتنة: هي الامتحان والابتلاء والاختبار فلابد من الابتلاء؛ ليعلم الله الصادق من الكاذب، وهو يعلم ﷻ ، ولكن ليدرك الناس ذلك، وليتأكد المبتلى والمُفتتن بهذا حتى إذا أُحسن إليه علم أنه قدّم طاعة، وإذا أُسيئ إليه نتيجة إساءته فإنما نفسه هي التي أساءت إليه، وليعلم أن حجة الله بالغة، فلم يبتل بمحنة ولم يُبتل بعذاب إلا بعد أن أتته الرسل وأتته كتب الله تأمره وتنهاه. ولقد ابتلي الرسل والأنبياء بما فيهم أولو العزم الخمسة، فقد ابتلي إبراهيم خليل الله وأبو الأنبياء عندما قذف به النمرود في النار، ثم أُخرج من بلده وعُذّب العذاب النكر فصبر لذلك، وكان من أولي العزم، وبقي مبتلى إلى أن لقي الله ولم يوجد منه إلا الصدق، وكان مكان الأسوة لبنيه وسلالته والناس أجمعين. وابتلي موسى واستُعبد قومه وأُنذر وهُدد بالقتل وشُرّد وأُخرج من بلده وكان ما كان، فخرج من المحنة والفتنة مضفّراً منصوراً. وهكذا ابتلي خاتمهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قام قومه في وجهه قومة رجل واحد، فكذّبوه وقالوا: مجنون وساحر، وقاطعوه وهجروه ورموه بالحجارة وفعلوا به الأفاعيل إلى أن أخرجوه من بلده ومسقط رأسه، ثم اضطروه للحرب والقتال، فكُسِرت رباعيته ﷺ ولقي ما لقي، فداه نفسي وأبي وأمي وولدي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فخرج من كل ذلك كالذهب الإبريز، وخرج القدوة البشرية العالمية لكل الخلق أجمعين، فإن كان هذا بالأنبياء وأفضل الخلق فكيف بغيرهم؟

стр. 1078

سنة الله في ابتلاء المؤمنين وهكذا كل من يزعم الإيمان أو الصلاح لن يُترك هكذا دون أن يُبتلى، وعند الابتلاء والصبر على الاختبار والامتحان يخرج وقد صُدِّق، ويخرج وقد أصبح على سنن المرسلين والصالحين، وهذا ما أكده النبي ﵊ بقوله في الحديث الصحيح: (أشدكم بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل)، أي: الأصلح فالأصلح والأقرب إلى الدين والصدق وهكذا؛ فإن ابتلي وفتن واختبر فنجح وظفر وصبر كان من أولي العزم، سواء كان من عموم الناس أو من الأنبياء.

стр. 1079

ابتلاء الصحابة ﵃ وقد امتحن الصحابة في حياتهم بالقتال وبالقتل، وبالفقر وبالبؤس، وبالخروج من أرضهم وأموالهم، وبتخلل المنافقين بين أوساطهم، فمن ثبت نال وظفر وأصبح مع محمد ﷺ في الآخرة كما كان معه في الدنيا، ومن لم يصبر فقد نافق وارتد، فمنهم من نافق في الحياة النبوية، ومنهم من ارتد بعد الوفاة النبوية فخسر الدنيا والآخرة، وذلك الذي اضطّر الخليفة الأول أبا بكر ﵁ لقتال هؤلاء الذين ارتدوا وغيّروا وبدّلوا، ولقتال أولئك الذين بقوا على الإسلام ولكنهم حاولوا أن يمنعوا الزكاة، فقاتلهم قتالاً لا هوادة فيه إلى أن انتصر عليهم، فآمن من آمن تائباً عائداً، وقُتل من قُتل، فكان دمه هدراً وقتله سيف الإسلام. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، أي: أظن الناس أن يُتركوا بلا امتحان ولا اختبار ولا ابتلاء ولا فتنة وقد قالوا: إنا مؤمنون؟ والإيمان عمل بالقلب، والقلب لا يعلم دواخله وحقائقه إلا الله؛ ولذلك اختُبر وابتُلي، فمن صدّق بالجنان، وقال باللسان، وعمل الصالحات بالأركان وما إليها، وصبر على الفتنة والبلاء فذاك هو المؤمن الصادق، ومن لم يصبر فقد ذهب بخزي الدنيا والآخرة.

стр. 1080

تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا الذين من قبلهم) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]. أي: وليس هذا مما انفردتم به يا أتباع محمد، بل: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣]. أي: لقد فتنت الأمم من قبل، وأعظم من فُتن بما لم يُفتن به نبي من الأنبياء نوح ﵇، فلم يبتل أحد مثل ابتلائه، فقد بقي ألف سنة إلا خمسين عاماً في غاية الفتنة والبلاء من قومه، وهو صابر يدعو إلى الله صباح مساء، حضراً وسفراً، فكانوا تارة يهزءون به، وتارة يكذبونه، وتارة يشتمونه، وهو مع كل ذلك صابر داع إلى الله، ومع هذه المدة الطويلة ما آمن به من قومه إلا قليل. قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٣]. يعلم الله الشيء قبل أن يكون وبعد أن يكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو العالم بكل شيء. والعلم هنا الرؤية، أي: سيرى الله من خلقه من الذي سيكون بعد الفتنة صادقاً، ومن الذي سيكون كاذباً، ومن الذي سيثبُت على الإيمان بالله جناناً ولساناً، ومن الذي ستتلاعب به الأهواء ويكون كريشة في مهب الريح، والسماء لا تكاد تستقر على حال. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت:٣]. أي: في إيمانهم؛ ليرى الصادق في إيمانه، وليرى الكاذب في إيمانه، وليجازي الصادق على صدقه، وليجازي الكاذب على كذبه، وما خُلقت النار والجنة إلا لأمثال هؤلاء؛ فللمطيع الصادق الجنة، وللكاذب المنافق المرتد المتردد النار. والعياذ بالله.

стр. 1081

تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين يعملون السيئات) قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت:٤]. أي: أم ظن هؤلاء المرتكبون للمعاصي والآثام والذين يعملونها أنهم يسبقونا ويفلتون من عقابنا وعذابنا لهم وامتحاننا لهم؟ إن كان ذلك كذلك ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل:٥٩]، أي: ما أسوأ أحكامهم، وما أسوأ ظلمهم، وما أشد بلادتهم وإعراضهم، فالله ﷻ لن يترك أحداً من غير أن يُفتن؛ ليُعلم صدقه من كذبه. والله ﷻ طالما ضرب لنا الأمثال وأعاد هذه المعاني في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٣]، وقال تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤] فقد زلزل بالفتن والبلاء رسول الله ﷺ والذين آمنوا معه حتى أخذهم ضيق وتبرم وقالوا: متى نصر الله؟ أي: لقد طال البلاء. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤] وإن مع الصبر الفرج، ومع الفرج النصر، وهذه سنة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت:٤]، أي: أظن هؤلاء المسيئون الآثمون أن يسبقوا نقمتنا وغضبنا عليهم؟ وهل ظنوا أنهم سيُفلتون من عذابنا؟ هيهات، ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت:٤]، أي: ما أسوأ حكمهم وأسوأ فهمهم وبعدهم عن الحق وعن الفهم والإدراك.

стр. 1082

تفسير قوله تعالى: (من كان يرجو لقاء الله) قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٥]. أي: من كان يخاف لقاء الله وينتظر الموت، ويخاف العرض على الله يوم القيامة، ويخاف السؤال في القبر من منكر ونكير ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥]، أي: الأجل الذي ضربه الله لوفاة كل إنسان هو في نفسه آت عما قريب لا محالة، وكأن الدنيا لم تكن، فيسأل كل فرد عن نفسه، فقد خرج من الرحم وحده، وسيدخل القبر وحده، لا أب معه ولا أم ولا قريب ولا خدم ولا حشم سواء كان سلطاناً أو مسكيناً، وسواء كان ذا جاه في الدنيا أو كان مجهولاً لا يعرفه أحد، فقد جاء وحده وسيعود وحده. فهذا الذي يرجو لقاء الله والعرض عليه بمجرد موته وبسؤال الملكين عن دينه وعقيدته، وعن حياته كيف قضاها؟ وعن إيمانه بالله وبنبي الله ﷺ كيف هو؟ وعن عمله وما أمره الله به ورسوله ﷺ أقام به أم لم يقم؟ فهو عند الموت يلاقي الله ويلاقي الحقائق، فما كان إيماناً بالغيب يُصبح واقعاً ومشهوداً، ويُصبح وجهاً لوجه مع الحق ومع العرض على الله يوم القيامة ولقائه؛ ومن يرجو الآخرة ويرجو لقاء الله يجب أن يعمل لذلك اليوم. قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت:٥]، وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١]. وأجل الله أي: من الوفاة ومن القيامة والعرض يوم الحساب على الله، فذلك اليوم هو آت لا محالة، ولا يشك فيه إلا منافق أو كافر. قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٥] فالله يسمع، وهذه تتمة كما هي في كل الآيات، وهذه التتمة في كل آية تكون تارة لتمام المعنى وتمكينه ومطابقة له، وتكون تارة بشرى، وتارة نذارة، وهنا تشتملهما معاً، فالله سميع للمؤمن عندما يعلن إيمانه ويصدّق الجنان اللسان، فيسمع عبادته وتوحيده وما يصنعه من طاعات، وهو عليم بحاله إن كان من أهل الخير أو إن كان من أهل الشر، ويسمع من كل إنسان ما يقوله من شر، فيُجازى على الخير خيراً وعلى الشر شراً.

стр. 1083

تفسير قوله تعالى: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه) قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]. ومعنى ذلك: كل شيء يحتاج إلى جهاد. والجهاد يعني: أن تبذل من نفسك جهدها وطاقتها، فإن كان بالسيف فهو القتال، وإن كان باللسان فهو الجهاد باللسان، وإن كان بالعبادة فهو الجهاد بالعبادة، وإن كان بالدعوة إلى الله فهو بالدعوة إلى الله، وإن كان بالشكر فهو كذلك، وإن كان بالصبر على الفتن والبلاء فهو كذلك. والجهاد كما يقول الحسن البصري: لا يكون إلا بالسيف. فالجهاد كما قص الله وكما بين رسول الله ﵊ يكون بالسيف، ويكون باللسان، ويكون بالعمل، ويكون بالمال، ويكون بالرأي، ويكون بكل ما يملكه الإنسان؛ فالطالب عندما يبذل من نفسه الجهد ويتعب في التعليم والدراسة؛ ليصل إلى درجة ينتقل بها من الجهل والأمية إلى درجة القراءة والعلم فما يبذله من نفسه من سهر وملازمة فذاك جهاده، والمدرس والعالم ما يدعو به إلى الله ويكتب به ويخطب به ويؤلفه؛ لنشر العلم ومعرفة الحقائق وتزييف الأباطيل ومحاربة الشرك والأوثان وإذلال الكفر والكافرين والنفاق والمنافقين فذلك جهاده، ومن هنا جاء الحديث: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) وقد يصبر الإنسان على الجهاد الأصغر الذي هو بذل الحياة رخيصة في سبيل الله ولا يطيق الجهاد باللسان وبالعبادة وبالطاعات. فالجهاد هنا يعم كل أنواعه، فتجاهد في الله بأن تترك الفواحش جميعها ما ظهر منها وما بطن، وتبذل الجهد من نفسك لتلتزم طاعة الله وطاعة نبيه ﵊ في جميع الأوامر والنواهي جهد طاقتك، وتبذل من نفسك الجهد لأن تكون مؤمناً حقاً ولأن تكون مسلماً صادقاً. فالمسلم مدة حياته إلى لقاء الله في جهاد، وهذا الجهاد قال الله عنه: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت:٦]، فمآله وثوابه وأجره لن يعود إلى الله ولن يعود إلا للإنسان ولنفسه، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، وكما في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم لما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم لما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أجمعهما لكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). وقال تعالى هنا: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٦]، فهو الغني المطلق ونحن الفقراء إليه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. فحياتنا ومعاشنا وقيامنا ووجودنا لولا الله ومدده لما كان لها أثر، ولولا الله لما بقيت حياة، فالله غني عن عبادتنا وعن كل ما نفعله في هذه الدنيا، ولا يضره كفرنا كما لا ينفعه إيماننا، ولكن مآل جهادنا في أنواع الطاعات والعبادات إلينا، وثوابها راجع لنا، وخيرها نحن الذين نتمتع به، كما قال هنا: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ [العنكبوت:٦]، واللام هنا لام التوكيد في الكلام، وهي تقوم مقام القسم، فالله غني عن العوالم الماضية ملائكة وجناً وإنساً، والعوالم الباقية واللاحقة ملائكة وجناً وإنساً وغير ذلك، فالله غني عن الكل غنىً مطلقاً، ونحن الفقراء إليه فقراً مطلقاً، ولا يستغني أحد عن الله في شيء، فهو الذي أوجدنا، وهو الذي أحيانا، وهو الذي يرزقنا، وهو الذي أصحنا، فإن شاء أبقى ذلك وإن شاء رفعه، لا يزيد ذلك في ملكه ولا ينقص منه، فهو الغني الغنى المطلق عن الكل.

стр. 1084

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧]. في الآية الماضية كان الكلام على الكافرين والمترددين والمنافقين، وسنة الله في كتابه أنه يتكلم عن الكفر بعد الإيمان، وعن الإيمان بعد الكفر، وعن العذاب بعد الرحمة، وعن الرحمة بعد العذاب؛ ليبقى الإنسان بين خوف ورجاء، وبين طاعة دائمة وتردد فيما إذا كان من المنافقين. فلأهل الجنة وللمطيعين آيات الرحمة والوعد بالجنة والرضا، وللكافرين والمنافقين التهديد والوعيد بالنقمة والعذاب والنار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العنكبوت:٧] فلابد مع الإيمان من عمل الصالحات. والإيمان: التصديق بالقلب والقول باللسان وعمل الصالحات بالأركان؛ ليؤكد الخُبر الخبر. قال تعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العنكبوت:٧] أي: من القيام بالأركان الخمسة جميعها بالتزام الشهادتين وآدابها، والتزام الصلوات الخمس في اليوم والليلة، والتزام صيام شهر رمضان من كل عام، والتزام الحج مرة في العمر لمن وجد زاداً وراحلة، وأداء الزكاة لمن رزقه الله مالاً يؤدي زكاته، ويتبع ذلك ترك المنكرات والمحرمات جميعها، وفعل الطاعات حسب جهده وطاقته، وضابط ذلك وجامعه قوله ﵊: (ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]. فلا تزن ولا تسرق ولا تنافق ولا تكذب ولا ترتش ولا تراب ولا تظلم، فهذه النواهي جميعها لا بد منها؛ لأن السلب لا يتعلق إلا بالإرادة، بأن تكون إرادتك قوية وإيمانك صحيحاً، وأما الأفعال فعلى قدر الطاقة، مثل الأمر بالصلاة قياماً، فإذا عجز المريض فقد قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ومثل الأمر بالصيام فإن كانت حائضاً أو نفساء أو وجد مسافر أو مريض فـ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ومثل الأمر بالحج فإن لم يجد هذا المأمور زاداً ولا راحلة فـ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. أما ما لا تفعل فهي في إمكان كل أحد امرأة كانت أو رجلاً؛ لأنها لا تحتاج إلى قدرة، وإنما تحتاج إلى إرادة قوية وإيمان صادق يحقق هذه الإرادة القوية. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [العنكبوت:٧]، فهنا يخبر الله ﷻ ويتعهد باللام الموطئة للقسم ويؤكده بالنون الثقيلة: ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [العنكبوت:٧] والتكفير: الستر، أي: تستر وتزال، أي: لا يحاسب عليها المؤمن الذي يأتي بالصالحات. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧]: أي: يجازيهم الله عن الذي كانوا يعملون بأحسنه، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا حد له مما أراد الله، وقد تكون الحسنة الواحدة سبباً في دخول الجنة، وقد تكون السيئة الواحدة نوعاً من الكفر، قال ﷺ : (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في النار سبعين خريفاً)، أي: ولا يصل إلى القعر، كأن يقول كلمة يمزح بها وهي تتعلق بالذات العلية أو تتعلق بالنبوة الكريمة فيرتد بها ويكفر. وأما المسلم المؤمن الذي يقوم بالصالحات فمهما كان منه من سيئة فإنه يكفّر عنه سيئاته بهذا الشرط، ويجازيه على الحسنات أحسنها وأكرمها وأتمها وأسبقها، والحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. هذا جزاء المؤمن الصادق العامل للصالحات والقائم بها: أن تكفّر سيئاته، وتسجّل حسناته بأحسنها. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٧]، أي: يجازيهم الله ويكافئهم على أعمالهم بأعلى الحسنات والأجر والثواب.

стр. 1085

تفسير سورة العنكبوت [٨ - ١١] يوصي الله تعالى الإنسان بالإحسان لوالديه، وألا يسيء إليهما وإن كانا كافرين، وذكر أنه سيدخل المؤمنين في الصالحين، وأن المنافقين سيبتليهم الله حتى يظهر نفاقهم ويفتضحون.

стр. 1086

تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨]. أي: كما أمر الله بطاعته وبتوحيده وصى بالوالدين، ويكثر في القرآن الكريم أن يقرن الله بر الوالدين بطاعته وتوحيده؛ وذلك لأنه الخالق الرازق، وقد أعطاهم الإيمان وأكرمهم بالرزق وأنعم عليهم بالحسنات، وأما الوالدان فقد كانا سبباً لخروج الابن إلى هذه الدنيا، فإن كان مؤمناً ففي صحيفتهما، وإن دخل الجنة ففي صحيفتهما، وإن عمل في دنياه وفي خدمة العباد، ونشر الإسلام، وقتال الكافرين ففي صحيفتهما، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فكيف إذا لم يشكر أباه وأمه!! ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨] التوصية من الله فرض وأمر، قال تعالى في الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ﴾ [العنكبوت:٨] ولم يقل: المسلم؛ لأن الأوامر والنواهي الإلهية والنبوية يخاطب بها كل إنسان على الأرض، ولكن شرط قبولها أن يكون الإنسان مؤمناً، فهو أول شرط في صحة قيام الطاعات، وأما المخاطبة بها فإن الله يخاطب كل الناس، ونبينا الخاتم نبي لجميع الناس وجميع البشر: أبيضهم وأسودهم، في مشارق الأرض ومغاربها، بل والإنس والجن. والبر قد يكون من الكافر ويكون من المؤمن، فإن الكافر يبر أباه ويبر أمه، وقد يقبل بره أو لا يقبل، ويفرض ذلك على المسلم الذي يأتي بذلك بعد الشهادتين، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨]، أي: أمرناه بالإحسان إليهما، والإحسان كلمة شاملة بأن يكون مطيعاً مؤدباً، وألا يقول لأحدهما أقل كلمة وأحقرها: أف، فحتى التأفف لا يجوز أن يتأفف من أحدهما، وألا يعبس في وجوههما، وألا يرد أوامرهما إلا في حالة واحدة، ذكرها الله في قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]. فالوالدان إن كانا مشركين أيضاً فأنت مأمور بالإحسان إليهما وببرهما وبالقيام على طاعتهما والأدب معهما على كل حال، ولا يعصيان أو يعصى أحدهما إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا أمرا الأبناء أو أحدهم بالشرك بالله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨]. وقال في آية أخرى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]. فما يتعلق بالإيمان والإسلام وبطاعة الله ورسوله ﷺ فلابد أن تقوم بذلك، ولا تطع أمر الوالدين إن حاولا أن يرداك عن الإيمان، ولكن صاحبهما بالمعروف، ومعروف الدنيا السكن والنفقة والكسوة وكل ما يدخل تحت البر وتحت الإحسان؛ فهذا أمر إلهي فرضه الله على الإنسان مع والديه؛ فإن خرج الأولاد عن ذلك انتقلوا من البر إلى العقوق بلا واسطة. وعظم جرم العقوق بينه النبي ﵊ لما سئل: أي ذنب أعظم بعد الشرك بالله؟ قال: (عقوق الوالدين). فكما أن بر الوالدين يأتي في الدرجة الثانية بعد التوحيد والإيمان بالله ورسوله ﷺ فكذلك مخالفة الوالدين وعقوقهما يأتي في الدرجة الثانية بعد الكفر بالله، وليس هناك مصيبة أعظم من هذا البلاء. وطاعة الوالدين معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وكتب السنة عامرة بذلك، والقرآن فيه آيات تتحدث عن ذلك وليست واحدة، وكلها تلح وتؤكد هذا المعنى، ومن باب القاعدة: الشيء إذا تكرر تقرر. أي: عندما يكرر الأمر والنهي فإنه يصبح قراراً وأمراً لا هوادة فيه. وقد نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص أحد الستة الذين اختارهم عمر للشورى في أمر الخلافة، وهو أحد القادة الفاتحين، وأحد الرعيل الأول من الأصحاب المهاجرين، قال ﵁: نزلت في أربع آيات من كتاب الله وذكر منها هذه الآية. وذلك أنه اشتهر ببر أمه، فلما أسلم قالت له: والله يا بني! لن أطعم ولن أشرب ولن يظل رأسي ظل بيت ما لم تعد لديني وتترك هذا الدين المبتدع. فسكت عنها، فمر اليوم الأول فلم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فسكت عنها، ثم مر اليوم الثاني والثالث وهي كذلك، وقد أخذت تضعف وتتدهور صحتها فقال لها: يا أماه! إنك لتعلمين طاعتي لك وبري بك، والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً على أن أترك دين محمد لم أفعل، فانظري لنفسك: كلي أو لا تأكلي، واشربي أو لا تشربي! فعندما رأت الجد والصرامة في قوله دخلت الغرفة فأكلت وشربت. وبسبب إرادته القوية وإيمانه الثابت انضمت إليه فآمنت بإيمانه وأسلمت بإسلامه، وذلك نتيجة شخصيته وقوة عزيمته وقوة إيمانه وإسلامه. ولقد ابتلي المسلمون في مكة أشد البلاء من الجوع والتعذيب والضرب ووضع الحجارة عليهم في وقت شدة الحر عندما تكون الشمس في كبد السماء، ومعلومة شدة الشمس في أيام الحر هنا في مكة، فقد كانوا يضعون الحجارة على بطونهم وظهورهم، ويربطونهم بالحبال ويسلمونهم لعبيدهم وغلمانهم ليجروهم في أزقة مكة ودروبها؛ ليكفروا بالله وليرتدوا عن دين الله، وهم لا يقولون إلا أحد أحد، فمات من مات منهم، وكان أول من مات في سبيل الله سمية أم عمار زوجة ياسر ﵂، ودخلت في عموم قول النبي ﵊: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة). فأول من آمن بهذا الإسلام وبمحمد ﵊ امرأة، وهي أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة رضوان الله عليها، وأول من استشهدت في سبيل الله امرأة، وهي سمية أم عمار، فكان لـ خديجة أجرها وأجر من آمن بعدها، ولـ سمية فيما استشهدت به أجرها وأجر من استشهد في سبيل الله بعدها باستمرار. وأول من هاجرت في سبيل الله البكر العذراء عاتكة بنت عقبة بن أبي معيط، وأبوها الكافر المرتد عقبة كان من أشد أعداء الله على رسول الله، وقد أسر في غزوة بدر فقتله النبي ﵊ كما قتل ذاك الشاعر الذي كان يهزأ بالقرآن وبنبي الله ﵊، الذي كان يقول: أنا أستطيع أن أقول كما يقول محمد، إن هي إلا أساطير الأولين. وعندما أمر النبي ﷺ بقتل عقبة والد السيدة الجليلة عاتكة قال له: يا محمد! لم خصصتني بالقتل؟ فلم يجبه، ثم قال: لمن تترك الصبية؟ قال: للنار، وكان ولده مع دعواه الصحبة منافقاً أو أشبه بالمنافقين، وهو الوليد بن عقبة المشهور في التاريخ الأول في الإسلام، أما عاتكة فقد كانت من أنبل المؤمنين وأول من هاجرت من مكة إلى المدينة، هجرت أباها الكافر وأهلها الكفار، وهاجرت قبل الرجال جميعاً، وعندما اشتد البلاء على المسلمين جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ألا ترى هذا البلاء الذي نعيش فيه؟ فادع الله أن يرفعه عنا، فأخبرهم أن من قبلهم كانوا ينشرون بالمناشير حتى تُقسم رءوسهم، وتمشط أجسادهم بأمشاط من حديد ما بين لحمهم وعظمهم، وهم يأبون إلا الإيمان والصمود على الإسلام والثبات على توحيد الله، ثم قال لهم: (ولكنكم قوم تستعجلون)، ومعناه: أن النصر سيأتي، والعزة ستأتي، ومكة ستنفردون بحكمها وستخرجون كفّارها ومشركيها، ولكن الأمر مرهون بوقته، فمن استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه كما قال الحكيم المسلم الفيلسوف. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨] أي: يا آباء ويا أبناء! ستعودون إليّ وأُحاسب المحسن وأجازيه على إحسانه، وأُحاسب المسيء وأجازيه على إساءته، والله يعلم الصادق من الكاذب، والأعمال الظاهرة تدل على الأعمال الباطنة، وهذه بشرى لفاعلي الخير، وهو نذير لمرتكبي الشر، فهم يرجعون إلى الله جميعاً، وسنرجع جميعنا إلى الله، والله يعلم أعمالنا، وسيجازي كلاً منا على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

стр. 1087

تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٩]. ومعنى ذلك أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كفّر الله عنهم سيئاتهم وجازاهم بأحسن أعمالهم؛ وأدخلهم في عداد الصالحين، فالرسل أولاً فالأنبياء فالصالحون، فهم مع الصحابة في صلاحهم، ومع التابعين في صلاحهم، ومع الأخيار العبّاد في صلاحهم، فهم في طبقة الصالحين الخالدين إذا صدق إسلامهم وبان صدقهم، ومن أسر سريرة ألبسه الله ردائها وأصبح في عداد الصالحين. وفي طبقات الرجال في كتب التراجم يقولون عن فلان: كان صالحاً، وعن فلان: كان منافقاً، وعن فلان: كان صدّيقاً ومنذ عصر الصحابة، فنحن نقول: المهاجرون الأول والأنصار الأول، ونقول: المنافقون والمرتدّون، ونقول: مانعوا الزكاة، إن كان هذا في العصر النبوي فما بالك بما بعده؟ وقد قال النبي ﵊: (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً). وكون المسلم دخل في طبقة من طبقات الصالحين تلك رتبة عالية، فقد أكثر من تكفير السيئات والمجازاة بالحسنات، كما أن الصادق باستمرار يكتب مع الصادقين والله مع الصادقين، وكذلك الكاذب الذي اعتاد الكذب دوماً واستمراراً يكتب مع الكاذبين الذين لا يصدقون. والذي فعله علماء الأمة من السلف الصالح عند تلقيهم وقبولهم للأحكام عن رسول الله ﵊ أنهم سجّلوا الرواة من بعد عصر الصحابة، وبينوا الصادق من الكاذب، أما الصحابة فكلهم عدول، فمن ارتد أو نافق خرج من الإسلام، ومن بقي صادقاً في دينه فهو ثقة، والتابعون يطرأ عليهم الصدق والكذب وإن كان يغلب عليهم الصدق، ومن جاء بعدهم لا بد من معرفة الصدق والكذب، وصدق الصادق، وكذب الكاذب. وطريقة رجال الجرح والتعديل أنهم إذا قبضوا على راو كذبة واحدة لم يؤاخذوه بها فإن زاد كُتب مع الكاذبين وأدخل في سجل الكاذبين، مثل ميزان الاعتدال للذهبي ولسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني وكتب الضعاف في أعلام الجرح والتعديل، ومهما صدق بعد ذلك لا تُقبل له رواية، فيقولون عنه: قد اختلط كذبه بصدقه، وصدقه بكذبه، ولا يستطيعون أن يميزوا ما قاله صدقاً وما قاله كذباً، فيستغنون عنه وعن كلامه، ويبقى الكذب في سنده باستمرار، ويصبح الحديث موضوعاً لوجود فلان فيه وهو كذّاب. ولذا قيل: إن راعياً للأغنام كان يصيح ويقول: الذئب الذئب! فخرج أهله لينقذوه فوجدوه قد كذب عليهم، ثم كررها مرتين أو ثلاثاً، ومرة جاء الذئب حقيقة فصاح بأعلى صوته: الذئب الذئب، فما صدّقه أحد، وإذا بهم يجدونه بعد ذلك قد افترسه الذئب ولم يترك منه شيئاً، فكان ضحية كذبه، فهو على كل حال عبرة للكثير من تلاميذنا وغيرهم. وقوله : ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٩] أكد الفعل المضارع باللام، وبنون التوكيد الثقيلة أنهم سيكونون مع الذين امتحنوا فنجحوا وفازوا وأصبحوا صالحين صادقين مؤمنين حقاً.

стр. 1088

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله) قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠]. أي: من الناس طبقة مترددة بين الكفر والإيمان لا تكاد تُبتلى أو تختبر أو تفتن بشيء إلا وضاع إيمانها ونافقت، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت:١٠] ولم يقل: ومن المؤمنين؛ لأن من نافق ليس مؤمناً، ودعواه الإيمان دعوى كاذبة، وإنما يقول بلسانه. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: إذا امتحن أو اختبر لأجل دينه وصدقه، وطاعته وإعلانه إسلامه؛ أو أصابه الإيذاء البشري عندما يؤذى به يجعل فتنة الناس كعذاب الله، فيضطرب ويرتد عن الإسلام ويترك الإيمان وصار شيوعياً أو اشتراكياً أو ماسونياً! وهذه الأديان اليهودية الجديدة ابتلي بها المسلمون في أقطارهم وفي بلادهم، فعندما يمتحن هذا الامتحان يترك الدين فلا يصلي. فالمنافق إذا أوذي لأجل دينه وإذا امتحن لأجل إسلامه، إذا قيل له: دع الإيمان وكن مع الكافرين، فإنه يضطرب حيناً ويرتد حيناً ويجعل فتنة الناس وعذابهم كعذاب الله، لا يفكّر أنه مهما امتحن ومهما عُذِّب في الدنيا إن هو ضاع إيمانه واستجاب لكلام أئمة الشياطين والكافرين لم يقارن بين عذابهم وعذاب الله فيما إذا ارتد أو نافق أو اضطرب في إسلامه ودينه؛ وهذا لضعف إسلامه من الأصل ولعدم رسوخه في الإيمان من أصله. إذا أوذي في الله لأجل دينه وامتحن لأجل إسلامه يسرع إلى الكفر فيرتد ويجعل عذاب الناس من المصيبة والبلاء يعادل عذاب الله، فلا يخاف من عذاب الله المنتظر له، وإنما يخاف من عذاب الناس له فيرتد ويكفر ويقول للناس: ألا تعذروني! قال تعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠]. والخطاب لنبينا ﷺ وأصحابه المؤمنين الصادقين وقد كان معهم جماعة من المنافقين كـ عبد الله بن أبي ابن سلول كبير المنافقين فقد كان المنافقون من المدينة ومن اليهود ادعوا الإسلام وكانوا كذبة فجرة، فإذا كان النبي في عز ونصر يقولون للنبي وللمسلمين: إنا كنا معكم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: لم لا تقاسموننا الغنائم؟ ولم لا تشركونا معكم في العز والنصر؟ ألم نحضر المعركة؟ وقد حضروا وألبوا على رسول الله، وحضر في غزوة أحد عبد الله بن أبي ابن سلول ومعه المئات من المنافقين أمثاله في عزّ المعركة، فانسحب هو ومن معه فانتقلت المعركة من نصر إلى هزيمة لفعل هذا المنافق، والنبي ﵊ لاقى الشدائد في المعركة، فقد سقط في حفرة وانكسرت ثناياه ﵊، ودخلت حلقتا المغفر -وهو من الحديد الذي كان لابساً له في الحرب- في خده إلى أن وصلت إلى أسنانه، إلى أن جاء الصحابة بعد ذلك فأخذوا هذا الحديد بأسنانهم إلى أن طارت الأسنان والثنايا، ولما أخذوا بيده لم يستطع ﵊ لكثرة ما نزفت دماؤه في الحفرة أن يصعد منها، فوضع الصحابة ظهورهم فصعدوا به بعد بلاء وجهد. وفي غزوة الأحزاب لاقى النبي ﷺ وأصحابه أشد المعاناة، وما كاد أن يصل إلى البيت حتى جاءه جبريل وقال: إنا لم ننزع لأمة الحرب بعد، فاغز بني قريظة، فذهب إلى بني قريظة، وقال ﵊ لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، وذهب معه الكثير من الصادقين من المهاجرين والأنصار إلى بني قريظة وهم جرحى تسيل دماءهم. وقد لقي النبي ﵊ من المنافقين الشدائد، فكان هؤلاء المنافقون إذا كانت المعركة هزيمة أظهروا الكفر وأظهروا التشنيع، وإذا انتصر النبي ﵊ كما انتصر في غزوة بدر جاء المنافقون مسرعين وقالوا: ألم نكن معكم؟ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: في النصر. فهم ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]، فالمنافق ذو وجهين: وجه مع المؤمنين ووجه مع المنافقين، وهؤلاء طبقة لم تنته قط من الدنيا، فقد كانت ولا تزال كما كانت أيام نبي الله ﵊ وأصحابه رضوان الله على أصحابه، فهذه الطبقة ملازمة لكل عصر. وإذا ظن المؤمن أنه سيكون مؤمناً ولا يختبر في دينه ولا يُفتن في دعواه ليُعلم هل هو صادق أو كاذب، فإنه يكون ضعيف الإيمان، ويكاد في أول امتحان يفقد دينه وإسلامه، وقد حصل هذا كثيراً، فيظهر البعض على غاية من التقوى والصلاح فإذا به يُبتلى يوماً إما ببلاء سماوي أو بلاء بشري، وإذا به يتزعزع، وإذا به يترك الصلاة وقد كان يصلي، فكان مؤمناً فأصبح من المنافقين، وهذا إيمانه في الأصل غير ثابت وغير مستقر؛ لأن الإسلام لم يخالط بشاشة قلبه بعد ولم يذق حلاوته. قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠]. يقول الله لنبيه: قل لهؤلاء: إن الله ﷻ أعلم بما في صدور العوالم كلها والخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، فالمنافقون الذين يزعمون الإيمان ويظنون أنهم يخفون على الله، هذا من سخافة عقولهم وضياع إيمانهم، وهذا يدل على أنهم لا عقل ولا دين لهم.

стр. 1089

تفسير قوله تعالى: (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين) قال الله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١]. أي: ليرى ذلك، وإلا فالله يعلم الشيء قبل كونه، ويعلمه بعد كونه، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ [العنكبوت:١١] أي: ليري ذلك في أنفسهم، وليراه غيرهم، وليكونوا على قناعة أنهم اكتشفوا وفضحوا. وأكد الفعل المضارع (يعلم) بلام التوكيد للقسم، وبالنون الثقيلة، فالمؤمنون يعلمون حتى يظهر إيمانهم ويراه الناس ويكونوا على ثقة بأنفسهم، والمنافقون ليتأكدوا بأنفسهم، وليعلموا أن الله يعلمهم.

стр. 1090

تفسير سورة العنكبوت [١٢ - ١٧] الكافرون المجرمون يدعون الناس إلى باطلهم وكفرهم، ويذكرون لهم أنهم مستعدون أن يحملوا أوزارهم وخطاياهم، وهم كاذبون في ذلك، وقد ذكر الله تعالى قصة نوح مع قومه وصبره على الدعوة، وكذلك سيدنا إبراهيم؛ ليكون فيهما تسلية لرسول الله ﷺ .
следующие страницы →