Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً)
قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨].
أي: كما أمر الله بطاعته وبتوحيده وصى بالوالدين، ويكثر في القرآن الكريم أن يقرن الله بر الوالدين بطاعته وتوحيده؛ وذلك لأنه الخالق الرازق، وقد أعطاهم الإيمان وأكرمهم بالرزق وأنعم عليهم بالحسنات، وأما الوالدان فقد كانا سبباً لخروج الابن إلى هذه الدنيا، فإن كان مؤمناً ففي صحيفتهما، وإن دخل الجنة ففي صحيفتهما، وإن عمل في دنياه وفي خدمة العباد، ونشر الإسلام، وقتال الكافرين ففي صحيفتهما، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، فكيف إذا لم يشكر أباه وأمه!! ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨] التوصية من الله فرض وأمر، قال تعالى في الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ﴾ [العنكبوت:٨] ولم يقل: المسلم؛ لأن الأوامر والنواهي الإلهية والنبوية يخاطب بها كل إنسان على الأرض، ولكن شرط قبولها أن يكون الإنسان مؤمناً، فهو أول شرط في صحة قيام الطاعات، وأما المخاطبة بها فإن الله يخاطب كل الناس، ونبينا الخاتم نبي لجميع الناس وجميع البشر: أبيضهم وأسودهم، في مشارق الأرض ومغاربها، بل والإنس والجن.
والبر قد يكون من الكافر ويكون من المؤمن، فإن الكافر يبر أباه ويبر أمه، وقد يقبل بره أو لا يقبل، ويفرض ذلك على المسلم الذي يأتي بذلك بعد الشهادتين، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨]، أي: أمرناه بالإحسان إليهما، والإحسان كلمة شاملة بأن يكون مطيعاً مؤدباً، وألا يقول لأحدهما أقل كلمة وأحقرها: أف، فحتى التأفف لا يجوز أن يتأفف من أحدهما، وألا يعبس في وجوههما، وألا يرد أوامرهما إلا في حالة واحدة، ذكرها الله في قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨].
فالوالدان إن كانا مشركين أيضاً فأنت مأمور بالإحسان إليهما وببرهما وبالقيام على طاعتهما والأدب معهما على كل حال، ولا يعصيان أو يعصى أحدهما إلا في حالة واحدة، وهي ما إذا أمرا الأبناء أو أحدهم بالشرك بالله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت:٨].
وقال في آية أخرى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥].
فما يتعلق بالإيمان والإسلام وبطاعة الله ورسوله ﷺ فلابد أن تقوم بذلك، ولا تطع أمر الوالدين إن حاولا أن يرداك عن الإيمان، ولكن صاحبهما بالمعروف، ومعروف الدنيا السكن والنفقة والكسوة وكل ما يدخل تحت البر وتحت الإحسان؛ فهذا أمر إلهي فرضه الله على الإنسان مع والديه؛ فإن خرج الأولاد عن ذلك انتقلوا من البر إلى العقوق بلا واسطة.
وعظم جرم العقوق بينه النبي ﵊ لما سئل: أي ذنب أعظم بعد الشرك بالله؟ قال: (عقوق الوالدين).
فكما أن بر الوالدين يأتي في الدرجة الثانية بعد التوحيد والإيمان بالله ورسوله ﷺ فكذلك مخالفة الوالدين وعقوقهما يأتي في الدرجة الثانية بعد الكفر بالله، وليس هناك مصيبة أعظم من هذا البلاء.
وطاعة الوالدين معلوم من دين الإسلام بالضرورة، وكتب السنة عامرة بذلك، والقرآن فيه آيات تتحدث عن ذلك وليست واحدة، وكلها تلح وتؤكد هذا المعنى، ومن باب القاعدة: الشيء إذا تكرر تقرر.
أي: عندما يكرر الأمر والنهي فإنه يصبح قراراً وأمراً لا هوادة فيه.
وقد نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص أحد الستة الذين اختارهم عمر للشورى في أمر الخلافة، وهو أحد القادة الفاتحين، وأحد الرعيل الأول من الأصحاب المهاجرين، قال ﵁: نزلت في أربع آيات من كتاب الله وذكر منها هذه الآية.
وذلك أنه اشتهر ببر أمه، فلما أسلم قالت له: والله يا بني! لن أطعم ولن أشرب ولن يظل رأسي ظل بيت ما لم تعد لديني وتترك هذا الدين المبتدع.
فسكت عنها، فمر اليوم الأول فلم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فسكت عنها، ثم مر اليوم الثاني والثالث وهي كذلك، وقد أخذت تضعف وتتدهور صحتها فقال لها: يا أماه! إنك لتعلمين طاعتي لك وبري بك، والله لو كان لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً على أن أترك دين محمد لم أفعل، فانظري لنفسك: كلي أو لا تأكلي، واشربي أو لا تشربي! فعندما رأت الجد والصرامة في قوله دخلت الغرفة فأكلت وشربت.
وبسبب إرادته القوية وإيمانه الثابت انضمت إليه فآمنت بإيمانه وأسلمت بإسلامه، وذلك نتيجة شخصيته وقوة عزيمته وقوة إيمانه وإسلامه.
ولقد ابتلي المسلمون في مكة أشد البلاء من الجوع والتعذيب والضرب ووضع الحجارة عليهم في وقت شدة الحر عندما تكون الشمس في كبد السماء، ومعلومة شدة الشمس في أيام الحر هنا في مكة، فقد كانوا يضعون الحجارة على بطونهم وظهورهم، ويربطونهم بالحبال ويسلمونهم لعبيدهم وغلمانهم ليجروهم في أزقة مكة ودروبها؛ ليكفروا بالله وليرتدوا عن دين الله، وهم لا يقولون إلا أحد أحد، فمات من مات منهم، وكان أول من مات في سبيل الله سمية أم عمار زوجة ياسر ﵂، ودخلت في عموم قول النبي ﵊: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة).
فأول من آمن بهذا الإسلام وبمحمد ﵊ امرأة، وهي أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة رضوان الله عليها، وأول من استشهدت في سبيل الله امرأة، وهي سمية أم عمار، فكان لـ خديجة أجرها وأجر من آمن بعدها، ولـ سمية فيما استشهدت به أجرها وأجر من استشهد في سبيل الله بعدها باستمرار.
وأول من هاجرت في سبيل الله البكر العذراء عاتكة بنت عقبة بن أبي معيط، وأبوها الكافر المرتد عقبة كان من أشد أعداء الله على رسول الله، وقد أسر في غزوة بدر فقتله النبي ﵊ كما قتل ذاك الشاعر الذي كان يهزأ بالقرآن وبنبي الله ﵊، الذي كان يقول: أنا أستطيع أن أقول كما يقول محمد، إن هي إلا أساطير الأولين.
وعندما أمر النبي ﷺ بقتل عقبة والد السيدة الجليلة عاتكة قال له: يا محمد! لم خصصتني بالقتل؟ فلم يجبه، ثم قال: لمن تترك الصبية؟ قال: للنار، وكان ولده مع دعواه الصحبة منافقاً أو أشبه بالمنافقين، وهو الوليد بن عقبة المشهور في التاريخ الأول في الإسلام، أما عاتكة فقد كانت من أنبل المؤمنين وأول من هاجرت من مكة إلى المدينة، هجرت أباها الكافر وأهلها الكفار، وهاجرت قبل الرجال جميعاً، وعندما اشتد البلاء على المسلمين جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ألا ترى هذا البلاء الذي نعيش فيه؟ فادع الله أن يرفعه عنا، فأخبرهم أن من قبلهم كانوا ينشرون بالمناشير حتى تُقسم رءوسهم، وتمشط أجسادهم بأمشاط من حديد ما بين لحمهم وعظمهم، وهم يأبون إلا الإيمان والصمود على الإسلام والثبات على توحيد الله، ثم قال لهم: (ولكنكم قوم تستعجلون)، ومعناه: أن النصر سيأتي، والعزة ستأتي، ومكة ستنفردون بحكمها وستخرجون كفّارها ومشركيها، ولكن الأمر مرهون بوقته، فمن استعجل الأمر قبل أوانه عوقب بحرمانه كما قال الحكيم المسلم الفيلسوف.
قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٨] أي: يا آباء ويا أبناء! ستعودون إليّ وأُحاسب المحسن وأجازيه على إحسانه، وأُحاسب المسيء وأجازيه على إساءته، والله يعلم الصادق من الكاذب، والأعمال الظاهرة تدل على الأعمال الباطنة، وهذه بشرى لفاعلي الخير، وهو نذير لمرتكبي الشر، فهم يرجعون إلى الله جميعاً، وسنرجع جميعنا إلى الله، والله يعلم أعمالنا، وسيجازي كلاً منا على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
стр. 1087
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٩].
ومعنى ذلك أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كفّر الله عنهم سيئاتهم وجازاهم بأحسن أعمالهم؛ وأدخلهم في عداد الصالحين، فالرسل أولاً فالأنبياء فالصالحون، فهم مع الصحابة في صلاحهم، ومع التابعين في صلاحهم، ومع الأخيار العبّاد في صلاحهم، فهم في طبقة الصالحين الخالدين إذا صدق إسلامهم وبان صدقهم، ومن أسر سريرة ألبسه الله ردائها وأصبح في عداد الصالحين.
وفي طبقات الرجال في كتب التراجم يقولون عن فلان: كان صالحاً، وعن فلان: كان منافقاً، وعن فلان: كان صدّيقاً ومنذ عصر الصحابة، فنحن نقول: المهاجرون الأول والأنصار الأول، ونقول: المنافقون والمرتدّون، ونقول: مانعوا الزكاة، إن كان هذا في العصر النبوي فما بالك بما بعده؟ وقد قال النبي ﵊: (لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً).
وكون المسلم دخل في طبقة من طبقات الصالحين تلك رتبة عالية، فقد أكثر من تكفير السيئات والمجازاة بالحسنات، كما أن الصادق باستمرار يكتب مع الصادقين والله مع الصادقين، وكذلك الكاذب الذي اعتاد الكذب دوماً واستمراراً يكتب مع الكاذبين الذين لا يصدقون.
والذي فعله علماء الأمة من السلف الصالح عند تلقيهم وقبولهم للأحكام عن رسول الله ﵊ أنهم سجّلوا الرواة من بعد عصر الصحابة، وبينوا الصادق من الكاذب، أما الصحابة فكلهم عدول، فمن ارتد أو نافق خرج من الإسلام، ومن بقي صادقاً في دينه فهو ثقة، والتابعون يطرأ عليهم الصدق والكذب وإن كان يغلب عليهم الصدق، ومن جاء بعدهم لا بد من معرفة الصدق والكذب، وصدق الصادق، وكذب الكاذب.
وطريقة رجال الجرح والتعديل أنهم إذا قبضوا على راو كذبة واحدة لم يؤاخذوه بها فإن زاد كُتب مع الكاذبين وأدخل في سجل الكاذبين، مثل ميزان الاعتدال للذهبي ولسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني وكتب الضعاف في أعلام الجرح والتعديل، ومهما صدق بعد ذلك لا تُقبل له رواية، فيقولون عنه: قد اختلط كذبه بصدقه، وصدقه بكذبه، ولا يستطيعون أن يميزوا ما قاله صدقاً وما قاله كذباً، فيستغنون عنه وعن كلامه، ويبقى الكذب في سنده باستمرار، ويصبح الحديث موضوعاً لوجود فلان فيه وهو كذّاب.
ولذا قيل: إن راعياً للأغنام كان يصيح ويقول: الذئب الذئب! فخرج أهله لينقذوه فوجدوه قد كذب عليهم، ثم كررها مرتين أو ثلاثاً، ومرة جاء الذئب حقيقة فصاح بأعلى صوته: الذئب الذئب، فما صدّقه أحد، وإذا بهم يجدونه بعد ذلك قد افترسه الذئب ولم يترك منه شيئاً، فكان ضحية كذبه، فهو على كل حال عبرة للكثير من تلاميذنا وغيرهم.
وقوله : ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٩] أكد الفعل المضارع باللام، وبنون التوكيد الثقيلة أنهم سيكونون مع الذين امتحنوا فنجحوا وفازوا وأصبحوا صالحين صادقين مؤمنين حقاً.
стр. 1088
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله)
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠].
أي: من الناس طبقة مترددة بين الكفر والإيمان لا تكاد تُبتلى أو تختبر أو تفتن بشيء إلا وضاع إيمانها ونافقت، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [العنكبوت:١٠] ولم يقل: ومن المؤمنين؛ لأن من نافق ليس مؤمناً، ودعواه الإيمان دعوى كاذبة، وإنما يقول بلسانه.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: إذا امتحن أو اختبر لأجل دينه وصدقه، وطاعته وإعلانه إسلامه؛ أو أصابه الإيذاء البشري عندما يؤذى به يجعل فتنة الناس كعذاب الله، فيضطرب ويرتد عن الإسلام ويترك الإيمان وصار شيوعياً أو اشتراكياً أو ماسونياً! وهذه الأديان اليهودية الجديدة ابتلي بها المسلمون في أقطارهم وفي بلادهم، فعندما يمتحن هذا الامتحان يترك الدين فلا يصلي.
فالمنافق إذا أوذي لأجل دينه وإذا امتحن لأجل إسلامه، إذا قيل له: دع الإيمان وكن مع الكافرين، فإنه يضطرب حيناً ويرتد حيناً ويجعل فتنة الناس وعذابهم كعذاب الله، لا يفكّر أنه مهما امتحن ومهما عُذِّب في الدنيا إن هو ضاع إيمانه واستجاب لكلام أئمة الشياطين والكافرين لم يقارن بين عذابهم وعذاب الله فيما إذا ارتد أو نافق أو اضطرب في إسلامه ودينه؛ وهذا لضعف إسلامه من الأصل ولعدم رسوخه في الإيمان من أصله.
إذا أوذي في الله لأجل دينه وامتحن لأجل إسلامه يسرع إلى الكفر فيرتد ويجعل عذاب الناس من المصيبة والبلاء يعادل عذاب الله، فلا يخاف من عذاب الله المنتظر له، وإنما يخاف من عذاب الناس له فيرتد ويكفر ويقول للناس: ألا تعذروني! قال تعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠].
والخطاب لنبينا ﷺ وأصحابه المؤمنين الصادقين وقد كان معهم جماعة من المنافقين كـ عبد الله بن أبي ابن سلول كبير المنافقين فقد كان المنافقون من المدينة ومن اليهود ادعوا الإسلام وكانوا كذبة فجرة، فإذا كان النبي في عز ونصر يقولون للنبي وللمسلمين: إنا كنا معكم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: لم لا تقاسموننا الغنائم؟ ولم لا تشركونا معكم في العز والنصر؟ ألم نحضر المعركة؟ وقد حضروا وألبوا على رسول الله، وحضر في غزوة أحد عبد الله بن أبي ابن سلول ومعه المئات من المنافقين أمثاله في عزّ المعركة، فانسحب هو ومن معه فانتقلت المعركة من نصر إلى هزيمة لفعل هذا المنافق، والنبي ﵊ لاقى الشدائد في المعركة، فقد سقط في حفرة وانكسرت ثناياه ﵊، ودخلت حلقتا المغفر -وهو من الحديد الذي كان لابساً له في الحرب- في خده إلى أن وصلت إلى أسنانه، إلى أن جاء الصحابة بعد ذلك فأخذوا هذا الحديد بأسنانهم إلى أن طارت الأسنان والثنايا، ولما أخذوا بيده لم يستطع ﵊ لكثرة ما نزفت دماؤه في الحفرة أن يصعد منها، فوضع الصحابة ظهورهم فصعدوا به بعد بلاء وجهد.
وفي غزوة الأحزاب لاقى النبي ﷺ وأصحابه أشد المعاناة، وما كاد أن يصل إلى البيت حتى جاءه جبريل وقال: إنا لم ننزع لأمة الحرب بعد، فاغز بني قريظة، فذهب إلى بني قريظة، وقال ﵊ لأصحابه: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة)، وذهب معه الكثير من الصادقين من المهاجرين والأنصار إلى بني قريظة وهم جرحى تسيل دماءهم.
وقد لقي النبي ﵊ من المنافقين الشدائد، فكان هؤلاء المنافقون إذا كانت المعركة هزيمة أظهروا الكفر وأظهروا التشنيع، وإذا انتصر النبي ﵊ كما انتصر في غزوة بدر جاء المنافقون مسرعين وقالوا: ألم نكن معكم؟ قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ [العنكبوت:١٠] أي: في النصر.
فهم ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣]، فالمنافق ذو وجهين: وجه مع المؤمنين ووجه مع المنافقين، وهؤلاء طبقة لم تنته قط من الدنيا، فقد كانت ولا تزال كما كانت أيام نبي الله ﵊ وأصحابه رضوان الله على أصحابه، فهذه الطبقة ملازمة لكل عصر.
وإذا ظن المؤمن أنه سيكون مؤمناً ولا يختبر في دينه ولا يُفتن في دعواه ليُعلم هل هو صادق أو كاذب، فإنه يكون ضعيف الإيمان، ويكاد في أول امتحان يفقد دينه وإسلامه، وقد حصل هذا كثيراً، فيظهر البعض على غاية من التقوى والصلاح فإذا به يُبتلى يوماً إما ببلاء سماوي أو بلاء بشري، وإذا به يتزعزع، وإذا به يترك الصلاة وقد كان يصلي، فكان مؤمناً فأصبح من المنافقين، وهذا إيمانه في الأصل غير ثابت وغير مستقر؛ لأن الإسلام لم يخالط بشاشة قلبه بعد ولم يذق حلاوته.
قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٠].
يقول الله لنبيه: قل لهؤلاء: إن الله ﷻ أعلم بما في صدور العوالم كلها والخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم، فالمنافقون الذين يزعمون الإيمان ويظنون أنهم يخفون على الله، هذا من سخافة عقولهم وضياع إيمانهم، وهذا يدل على أنهم لا عقل ولا دين لهم.
стр. 1089
تفسير قوله تعالى: (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين)
قال الله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت:١١].
أي: ليرى ذلك، وإلا فالله يعلم الشيء قبل كونه، ويعلمه بعد كونه، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ [العنكبوت:١١] أي: ليري ذلك في أنفسهم، وليراه غيرهم، وليكونوا على قناعة أنهم اكتشفوا وفضحوا.
وأكد الفعل المضارع (يعلم) بلام التوكيد للقسم، وبالنون الثقيلة، فالمؤمنون يعلمون حتى يظهر إيمانهم ويراه الناس ويكونوا على ثقة بأنفسهم، والمنافقون ليتأكدوا بأنفسهم، وليعلموا أن الله يعلمهم.
стр. 1090
تفسير سورة العنكبوت [١٢ - ١٧]
الكافرون المجرمون يدعون الناس إلى باطلهم وكفرهم، ويذكرون لهم أنهم مستعدون أن يحملوا أوزارهم وخطاياهم، وهم كاذبون في ذلك، وقد ذكر الله تعالى قصة نوح مع قومه وصبره على الدعوة، وكذلك سيدنا إبراهيم؛ ليكون فيهما تسلية لرسول الله ﷺ .
стр. 1091
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا)
قال الله ﷻ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت:١٢].
إن الكفر أنواع كما أن الإيمان أنواع، فهناك الكافر الداعي إلى النار وإلى الكفر، ولا يكتفي بصد الناس عن الإيمان، ولكنه في وقاحة يدعو المؤمنين إلى الردة، وترك الإيمان واتباع الكفر والشرك، وعصيان الله ورسوله ﷺ ، وهذا هو الذي يحكيه الله ﷻ هنا عن أقوام من الكفار عاصروا رسول الله ﷺ في مكة والجزيرة العربية، وهذا النوع يوجد في كل عصر وفي كل أمة، وهؤلاء نموذج لهم ومثال عنهم، فلم يكتفوا بكفرهم، بل قال هؤلاء الكفار للذين آمنوا بالله وبرسوله وبكتابه: دعوا دينكم ودعوا الإيمان ودعوا الناس، واتبعوا طريقنا وانصروا كفرنا، ونحن نلتزم لكم بأن نحمل خطاياكم وجرائمكم وآثامكم، قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت:١٢].
وصناديد قريش ما كانوا إلا مثالاً للكفار الصادين عن الله ورسله وكتبه، وكانوا قد قالوا للمؤمنين: اتبعوا سبيلنا وطريقنا في الكفر ودعوا الإيمان وعودوا إلى دين الشرك والكفر ونحن نلتزم لكم بأن نجعل آثامكم في أعناقنا، فيتحملون أوزار أنفسهم وأوزار هؤلاء الذين يضلونهم، قال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت:١٢] أي: كذبوا وافتروا، بل كما قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣] أي: أن هؤلاء الذين كذبوا وافتروا: سيحملون أوزار غيرهم.
وهنا يقسم الله ﷻ ، ولام الابتداء هي الموطئة للقسم، وأكد ذلك بنون التوكيد الثقيلة، أي: إن هؤلاء الدعاة إلى الكفر، والذين زعموا للمؤمنين بأنهم سيحملون أوزارهم وآثامهم، سيحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأثقالهم، وهي جمع ثَقل وثِقل، أي: ثقل الجرم وثقل الشرك والإثم وثقل الجريمة، فيحملونها عن أنفسهم؛ لكفرهم ولشركهم ولصدهم عن الله، وليحملن مع أثقالهم وأوزارهم أثقالاً أخرى زائدة على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣]، أي: وسيسألون يوم البعث، ويوم العرض على الله عن هذا الكذب والافتراء: من الذي قاله لهم؟ وفي أي كتاب وجدوه من كتب السماء؟ وفي أي منطق من العقل؟ إن هم إلا كاذبون في ذلك، وسيحملون أثقال أنفسهم وأثقال الذين أضلوهم بغير علم.
وهذا المعنى زاده النبي ﵊ بياناً فذكر أن قوماً يأتون يوم القيامة ومعهم حسنات كثيرة، ولكن صاحبها يأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وأكل مال هذا، فيعرض يوم القيامة على الله وأصحاب الحقوق يطلبون حقوقهم، وإذا كان لا حقوق هناك وليست إلا حسناته فإنه يؤخذ من حسناته وتعطى لأولئك المظلومين، فلا يزال يؤخذ من حسنات هذا الظالم الشاتم حتى لا يبقى له شيء منها، فيقول الله لملائكته: خذوا من أوزار أولئك المظلومين واجعلوها في ميزان هذا الظالم، أي: أنه تضم أثقال هؤلاء إلى أثقاله، وأوزار هؤلاء إلى أوزاره، وآثامهم إلى آثامه.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ سأل أصحابه يوماً: (من المفلس فيكم؟ فقالوا: الذي لا مال له ولا متاع، فقال: المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كأمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا وأكل مال هذا وشتم هذا، فيؤخذ من حسناته وتضم لحسناتهم، حتى إذا فنيت حسناته، أخذ من آثامهم فطرحت عليه، ثم يقال: خذوه فاسحبوه إلى النار).
وقال النبي ﵊: (ما من قتل أو إثم يحدث إلا كان على ابن آدم الأول كفل من وزره؛ لأنه أول من سن القتل)، أي: لأنه كان أول من ارتكب جريمة القتل، فكان وزر القتل عليه حيث قتل فيه نفساً ظلماً وعدواناً، ويبقى عليه وزر من ارتكب هذه الآثام وقتل النفس المؤمنة بغير حق، فيحمل أوزاره وأوزار الآخرين الذين ارتكبوا عمله وتأسوا به.
ويقول ﵊: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة) وهكذا.
فهؤلاء دُعاة النار وهؤلاء الكفار المشركون الصادّون عن الله ودينه قالوا كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ [العنكبوت:١٢].
فطلب الكفار من المؤمنين بعد إيمانهم أن يتبعوا سبيل الكفر والشرك وسبيل التهود والتنصر وقالوا لهم نحن نحمل أوزاركم وآثامكم ويكون ذلك في أعناقنا وفي رقابنا، فقال الله عنهم: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٢ - ١٣]، أي: بل سيحملون أثقال أنفسهم وجرائمهم وآثامهم وعظائمهم وكبائرهم، ويحملون كبائر غيرهم من الذنوب والآثام الذين أضلوهم بغير علم.
﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣]، أي: وسيؤتى بهم يوم القيامة فيسألهم الله ﷻ عن هذا الإفك والكذب الذي كذبوه والباطل الذي زعموه، وذهبوا يضلون الناس به بغير علم ويقولون لهم: نحن نتحمل عنكم آثامكم، وهذا ديدن كل ضال يريد أن يغري غيره بضلاله وبكفره، سواء كان حاكماً أو محكوماً، أو زعيماً أو رعية، أو عالماً أو جاهلاً، وسواء كان داعية للكفر أو للتهود أو للتنصر، فإنه عندما يدعو غيره إلى كفره ونفاقه وبعده عن الله يحاول أن يذكر له أعماله ويفتخر بها، ويلتزم بتحمل وزر أولئك.
والله يكذبهم ويقول: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت:١٢]، أي: بل سيحملون أثقالهم وجرائمهم وجرائم الذين أضلوهم بغير علم.
وعلى هذا قامت النصرانية، فقد جعلوا مبدأهم الصلب والفداء، وذلك عندما زعموا أن عيسى الذي صلبه اليهود رباً، فقيل لهم: كيف يكون عيسى رباً وقد صلبه اليهود وقتلوه؟ فاضطربوا وقالوا تارة عنه: هو الله، وتارة: هو ابن الله، وجعلوا الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، وقال: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠].
وهكذا تعددت أقوالهم الكفرية الصلعاء، ثم زعموا أن عيسى إنما فعل ذلك ليفدي عباده ويفدي خلقه من الإثم والجريمة والخطيئة، فجعلوا شعار دينهم ومبدئه الصلب، أي: إن ربهم صلب نفسه وفعل ذلك عن طواعية، ثم قالوا: الفداء، أي: فداهم بنفسه وتحمل آثامهم وجرائمهم؛ وبهذا كانت النصرانية جزءاً من اليهودية، ولن يكون النصراني نصرانياً إلا بعد أن يكون يهودياً؛ فهم يؤمنون بما يسمونه العهد القديم وهو التوراة، ويزعمون أنها كذلك، ثم بالعهد الجديد وهو الإنجيل.
وعيسى ﵇ لم يُرسل إلا إلى اليهود ولم يُرسل لأحد غيرهم، وقد روي عنه في الإنجيل أنه قال: إنما أرسلت إلى خراف بني إسرائيل الضالة.
وأكّد القرآن هذا الكلام وهو المهيمن عليه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦] فعيسى ﵇ يقول لليهود: لست إلا رسولاً إليكم ومرسلاً لكم ولم أُرسل لغيركم، ولذلك إذا ذُكر في الكتب السماوية وفي الكتاب المهيمن عليها بنو إسرائيل فإنما يُقصد بذلك اليهود والنصارى معاً؛ لأن عيسى ﵇ آخر أنبياء بني إسرائيل، والنصرانية ليست إلا ديناً إسرائيلياً حُرّف وبُدّل كما حُرّفت العقيدة فيه من توحيد إلى وثنية، وإلى جعل الله الواحد ثلاثة وعبادة الله وعيسى ومريم، فكذبوا وأفكوا وقالوا على الله بغير علم.
فهؤلاء عندما جعلوا من دينهم ومبدأ شأنهم شعار الصلب والفداء، قصدوا أنه فدى البشرية بصلبه نفسه، وبذلك فتحوا الأبواب على مصارعها للفواحش والخطايا والجرائم، وقد قالوا لبعضهم: إن عيسى قد تحمّل عنهم وزرهم وخطيئتهم لما سلّم نفسه للصلب، فكان بذلك قد افتداهم وتحمّل خطيئاتهم؛ وهذا يكذّبه القرآن بقوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] وهذا هو المبدأ الإسلامي المنطقي والعقلي.
وكرر الله هذا المعنى هنا بأوسع عبارة فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ [العنكبوت:١٢]، أي: اتبعوا طريق الكفر والوثنية وعبادة عيسى ومريم وقولوا بالفداء والصلب واجعلوا ذلك شعاراً، ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:١٢] فكذّبهم الله فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [العنكبوت:١٢] و (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم جزئيها وكليها، وصغيرها وكبيرها، ثم أكد الله هذا التكذيب فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت:١٢]، أي: كذبوا على الحق وكذبوا على أنفسهم وكذبوا على الناس.
ثم زاد الله فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت:١٣]، أي: عقيدة الصلب والفداء في زعمهم، فلم يكن صلب ولا فداء، وإنما هي خزعبلات وأباطيل وضلالات، فقد لعبت اليهودية بهم فتلقفوها وجعلوها عقيدة، عاشوا عليها وماتوا عليها منذ ألفي سنة أو قريب من ذلك، فكذّبهم الله وقال عنهم: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣].
أي: وسيبعثون بعد الموت يوم القيامة للحساب وللعرض على الله يوم الفصل بين الخلق، فيسألون عن هذا الكذب الذي كذبوه والذي افتروه، وكيف يكون رب قد صُلب و
стр. 1092
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤].
هنا يسلي الله ﷻ نبيه محمداً ﷺ ويعزيه ويقول له: يا محمد! ما لقيت من قومك في مكة أنت وأتباعك من شطط ومن اعتداء وتكذيب فنوح قد سبقكم إلى هذا الصبر والبلاء، فقد بقي مدة ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو قومه إلى الله وإلى عبادته، وبعد هذا العمر الطويل وهذه القرون الممتدة ما آمن معه إلا قليل.
قال بعض المفسرين: لم يؤمن معه إلا اثنا عشر شخصاً، وبالغ من بالغ فقال: آمن معه سبعون شخصاً، وقد قال الله عنه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
وأخبره بأنه لن يؤمن معه إلا من قد آمن، وعندما أخُبر من الله بذلك يئس، وعند ذلك دعا على قومه كما قال تعالى حاكياً عنه: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، فاستجاب الله له وكان ما سيذكره الله.
وقصة نوح ﵇ قد مضت في سورة هود مفصّلة بعض الشيء، وإنما أعيد ذكر نوح هنا للتسلية والعزاء لنبينا ﵊ فيما لقي من قومه من تكذيب وصد، ومن إصرار على إخراجه من بلدته وهي عزيزة عليه، وما تركها -وهي أحب البلاد إليه- إلا مرغماً طاعة لله وثقة في وعده على أنه سيعود إليها فاتحاً مظفّراً منصوراً، وقد نزل عليه ﵊ وهو مهاجر إلى ربه في الجحفة -رابغ- قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، أي: سيُعيدك إلى مكة عزيزاً مظفّراً منتصراً على أعدائك، وكذلك كان، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١].
وقد قال النبي ﵊: (بُعث نوح لقومه وهو ابن خمسين ومائتي سنة، ثم عاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة) أي: أنه عاش ألفاً وأربعمائة وخمسين سنة.
وورد أن ملك الموت عندما جاءه لأخذ روحه قال: يا نوح! ويا أطول الأنبياء عمراً! يا مجاب الدعوة! -وكان قد دعا على قومه- كيف وجدت الدنيا؟ قال: كمن بنى بيتاً وجعل له بابين دخل من باب وخرج من الآخر، فكانت هذه السنون وهذه القرون عند الموت وكأنها لم تكن.
وقد مثّل النبي ﵊ الدنيا كلها كمسافر آذاه حر الشمس فاستظل تحت ظل شجرة منتظراً الفيء ثم مضى، أي: إن الحياة كلها منذ الخلق الأول إلى يوم القيامة ليست عند نهايتها إلا كإنسان آذاه حر الشمس فاستظل تحت ظل شجرة حتى إذا زالت الشمس تابع طريقه، وكأن الدنيا لم تكن.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤].
فهؤلاء الذين عذّبوا وأتعبوا وكذّبوا نوحاً نبي الله طوال هذه القرون الطويلة أغرقهم الله بالطوفان، فقال للسماء: أمطري وقال للأرض: أخرجي، وهكذا.
وقد كُلّف نوح قبل ذلك بأن يبني سفينة ويصنعها، فصنعها وركب معه من آمن، وجاء الطوفان على الخلق كلهم رجالهم ونسائهم، صغارهم وكبارهم، إنسهم وجنّهم، طيرهم وحيوانهم، ولذلك حمل نوح معه من كل شيء زوجين من كل أنواع الدواب ومن كل أنواع الطير إلى أن عادت الحياة مرة أخرى عندما قال الله للأرض وللسماء: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود:٤٤].
وكانت النتيجة ذهاب العقاب وترك أثره عبرة للمعتبرين ما دامت الدنيا وما دام الإنسان على وجه الأرض.
قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤]، أي: أخذهم عذاب الله بطوفان الماء عليهم فماتوا غرقاً وهم ظالمون، وحل عليهم ظلمهم لأنفسهم، والظلم إذا أُطلق لا ينصرف إلا إلى الكفر، أي: وهم كافرون بالله وبنبي الله وبالحق الذي جاء من الله، فعوقبوا في الدنيا بالطوفان والغرق، ولعذاب الله يوم القيامة أشد وأنكى.
стр. 1093
تفسير قوله تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة)
قال تعالى: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:١٥] فطاف الطوفان على الأرض فلم ينج الله منه إلا نوحاً ومن آمن معه، بل إن أحد أولاده لم يؤمن به وأبى إلا الكفر وقال سأستعصم بجبل من الماء، وقال له والده: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود:٤٣] وهكذا حال الموج بينه وبين ولده، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣]، وهو كافر بالله.
فتجددت الحياة بعد ذلك وأنقذ الله نوحاً ومن آمن معه من الغرق، وما آمن معه إلا قليل، وترك الله ذلك آية وعبرة ودرساً للعالمين ولكل العوالم التي ستأتي بعد نوح وتسمع قصته.
وقد ذُكرت هذه القصة في جميع الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والزبور على ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير إلى أن نزل الكتاب الخاتم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فبيّن وفصّل وأظهر ما زاده أولئك الذين انحرفوا وتركوا الدين الحق، وعندما نسخت أديانهم بكتاب الله القرآن وبسنة النبي ﷺ بقوا على ضلالاتهم وأوهامهم وشركهم، لا تزيدهم الأيام إلا إصراراً على الكفر وظلمة وضلالاً.
والضمير في (جعلناها) قال قوم: يعود للعقوبة، أي: تركنا هذه العقوبة التي كانت بالطوفان والغرق عبرة ودرساً للعالمين بكل أنواعهم إلى يوم القيامة.
وقال بعضهم: (وجعلناها) أي: السفينة نفسها بما حملت وأنجت من الذين ركبوها.
وسواء عاد الضمير للعقوبة أو للسفينة أو للنجاة فالمعنى واحد، فقد كان الطوفان عبرة، وكانت نجاة نوح ومن آمن معه عبرة، وكل ذلك تركه الله في كتابه عبرة للمعتبرين وفكراً للمفكّرين ودرساً للدارسين؛ ليتخذوا منه العبر في حياتهم ومستقبل أيامهم، حتى إذا حدّثت الإنسان نفسه بالكفر والشقاق فيجب أن يعلم أن الذي عاقب الأولين بعضهم بالغرق وبعضهم بالخسف وبعضهم بجعل الأرض عاليها سافلها هو الله الذي كان ولا يزال، والذي لا أول له ولا آخر، وهو على ما كان لا يزال ﷻ .
وذلك درس وتهديد ووعيد للكفرة والمنافقين الذين يأبون إلا الإصرار على الكفر والشرك.
стр. 1094
تفسير قوله تعالى: (وإبراهيم إذ قال لقومه)
قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:١٦].
إبراهيم مفعول منصوب لأرسلنا المتقدمة، ويحتمل أن يكون المعنى: واذكر يا محمد! إبراهيم، أي: اذكر قصته وطالما تُليت وكررت في القرآن الكريم عند كل مناسبة لحكمة جدت ولواقعة نزلت ولعبرة دعت إليها، وكذلك هي تسلية وتعزية له ﷺ ؛ لأن نوحاً تحمّل من قومه الشدائد ألف سنة إلا خمسين عاماً، وتحمل إبراهيم من ذلك ما يقاربه أو يزيد، فقد ابتلي في سبيل الدعوة إلى الله من قومه منذ اليوم الأول بأن أُخذ أخذاً وطُرح في النار للحرق وللعذاب والمحنة، ولكن يأبى الله إلا نصرة رسله وأوليائه والعاقبة للمتقين.
فأنت يا محمد! مهما كذّبك قومك وقالوا: إنك ساحر ومجنون، ومهما هجروك وأدموك وأخرجوك من بلدك فلم يحصل لك ما حصل لنوح مع قومه ولا لإبراهيم مع قومه، فكان ذلك من الله ﷻ تقوية لقلب النبي ﷺ ليزداد نشاطاً وحركة ودواماً واستمراراً في الدعاء إلى الله وتبليغ الرسالة والأمر بها بلسانه وبسيفه وفي حياته كلها حاضراً ومسافراً.
وإبراهيم ﵇ دعا قومه إلى ترك الأوثان وإلى نبذها، وإلى أن المعبود هو الله الحق، فهو الخالق وهو الرازق وهو الواحد الذي لا ثاني له ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ [العنكبوت:١٦]، أي: اجعلوا وقاية وشيئاً يقيكم من عذاب الله ولعنته وغضبه وعقابه، وهذه الوقاية هي عبادته وطاعته وامتثال أمر نبيهم.
فقال لهم: يا قومي! إيمانكم بالله وعبادتكم له وحده خير لكم حالاً ومآلاً، وخير لكم في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا ينصركم الله ويملككم رقاب الخلق حُكّاماً عليهم وناشرين للتوحيد والعدل، وفي الآخرة يجازيكم الله ويكافئكم برحمته ورضاه وبدخول الجنان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:١٦]، أي: إن كانت لكم عقول تفهم وآذان تسمع، وعيون تُبصر، وأما إن كانوا كما وصفهم الله بأنهم كالأنعام بل هم أضل فسيصرون على كفرهم وعلى شركهم وعلى عنادهم.
فبعد أن دعاهم إلى الله وبين لهم ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يتركوه ذكر لهم أن ذلك خير لهم لو كان عندهم علم ومعرفة.
стр. 1095
تفسير قوله تعالى: (إنما تعبدون من دون الله أوثاناً)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧].
أي: قال إبراهيم لقومه: هذا الذي تعبدونه من دون الله وتخصونه بالعبادة من دون الله ليس إلا أوثاناً، وهنا أتى بأسلوب الحصر.
والأوثان جمع وثن، والوثن: الصنم والحجر والخشب يصنعه الإنسان ثم يسجد له، وأنواع الأوثان في الأرض كثيرة، فمن الناس من عبد الملائكة، ومن الناس من عبد الجن، ومن الناس من عبد الأنبياء والصالحين كعيسى ومريم، ومن الناس من عبد الأحجار، ومن الناس من عبد ما يسمونه الطبيعة، ومن الناس من عبد اليهود، ومن الناس من عبد ماركس ولينين وتركوا دين الله وقالوا بالشيوعية والاشتراكية كفراً بالله، وابتعاداً عن دينه، وتغييراً لإمام الهداة وإمام الأنبياء إلى أسماء قذرة وسخة عوضاً عن هذا الدين الحق والإمام الحق محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فهذه الأوثان قال إبراهيم عنها لقومه: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧].
أي: إنما تعبدون أوثاناً وأصناماً لا تضر ولا تنفع، فهي لا تنفع نفسها ولا تضرها، فكيف تنفعكم أو تضركم؟ أتركتم الله الخالق الرازق الذي يرزق ويعطي ويمنع وعبدتم المخلوق العاجز!! ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:١٧] وكيفما كان شكلها فهي أصنام لا تضر ولا تنفع سواء كانت جامدة أو متحركة، فهي لا تضر ولا تنفع نفسها فكيف بغيرها؟ ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧].
أي: تصنعون كذباً وزوراً وتأتون إلى هذه الأصنام فتسمونها آلهة، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣].
فلا سلطان علم، ولا دليل عقل، ولا دليل نقل، وإنما هي أمراض وعلل أُصيبت به عقولكم، وتركتم الله الخالق، وتركتم الأنبياء على عصمتهم وعلى رسالتهم، وتركتم خاتم الأنبياء والرسل الذين أُرسل لكل الخلق منذ بعثته كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فكان رسولاً للخلق جميعاً إلى يوم القيامة، ولا دين عالمي جاء لكل الخلق إلا الإسلام.
وأما الأديان الأخر فهي أديان محصورة في أقوام وعصور، ولو ادعى بعضهم أو جميعهم أن أديانهم عالمية، فمثلاً موسى لم يرسل إلا لبني إسرائيل، وعيسى قد ذكرنا قوله في الإنجيل والقرآن، وأما نبينا ﵊ فقد قال: (خصصت بخمس) فذكر منها: (كان الأنبياء قبلي يُرسلون إلى أقوامهم خاصة، وأرسلت للناس عامة).
وقال ﵊: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتّباعي) وعيسى ﵇ كذلك، وهو لا يزال في السماء فقد رفعه الله إليه، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء:١٥٧] وإنما تلك فرية افتراها اليهود وصدقتها النصارى؛ لفساد عقولهم ولسخافة نفوسهم.
وإنجيل برنابا يصرّح بهذا المعنى الذي قاله القرآن الكريم من أن عيسى لم يُصلب ولم يُقتل، وإنما قُتل شبيه له من حوارييه كان منافقاً باعه بدراهم معدودة إلى حاكم القدس إذ ذاك، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، أي: قتلوا شبيهاً له وهم يعلمون أنه ليس بعيسى.
وفي إنجيل برنابا: أن هذا الذي حملوه على الصليب وألبسوه تاج الشوكي كان وهو في الطريق إلى الصلب يبكي ويصيح: لست عيسى، أنا شكوت عيسى وأغريت الروم بعيسى، وهم يلعنونه ويتفلون في وجهه، ولكن الله رفع إليه عيسى! وقد اجتمع به نبينا ﵊ عند المعراج في السماء الأولى، وسينزل في آخر الزمان بنص القرآن ونص السنة المتواترة وإجماع المسلمين، وما أنكر ذلك إلا ضال أو جاهل أن يتعلم، وليس الجهل بعذر، فسينزل عيسى ويكون من أتباع نبينا، وسيحج حجة الإسلام، ويصلي صلاة المسلمين وسيأتم بالمسلمين، وقد ترجم له من كتب في الصحابة، فترجم له الحافظ في الإصابة على أنه من أصحاب رسول الله ﵊؛ لأن تعريف الصحابي ينطبق عليه، فالصحابي هو من رأى رسول الله ﷺ حياً وآمن به ومات على ذلك، وعيسى اجتمع بالنبي ﷺ وهو حي، وسينزل للأرض وهو على دين محمد ﷺ وعلى دين الإسلام، وسيموت على ذلك، فهو إذاً صحابي كما ترجم له من كتب في تراجم الصحابة كـ ابن الأثير وكـ ابن عبد البر والحافظ، وهذا إجماع بين المسلمين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: تخترعون وتختلقون وتصنعون الكذب إفكاً وكذباً وتزعمون أنها آلهة، وأنها معبودات من دون الله، وليس ذلك إلا في عقولكم السخيفة الضائعة، قال الله تعالى عن إبراهيم فيما قاله لقومه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت:١٧].
أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله لا يملكون أن يطعموكم إذا جعتم، أو يسقوكم إذا عطشتم، أو يشفوكم إذا مرضتم، أو يحيوكم إذا متم، فكيف تعبدون من لا يضر ولا ينفع؟ ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: من أراد الرزق فليطلبه من الله، ولا يستغني مخلوق عن الرزق وإلا لمات جوعاً وهلك عطشاً، ولو طلبوا ذلك من الأوثان لما فعلت، فهم يعبدون من لا يعطيهم ويتركون من يعطيهم، فهل هناك سخافة وضياع عقول أقبح من هذا؟ ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: ابتغوا الرزق عنده، فهو ﷻ قادر على رزق هؤلاء العباد بكل أشكالهم وأنواعهم ولا يعجزه عن ذلك شيء، وهو القادر على كل شيء.
قال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧] فالله وحده الذي يجب أن يُعبد فاعبدوه، وهو الذي يجب أن يُطلب منه الرزق ويُبتغى ويُراد فهو القادر، فالشكر له والحمد له.
﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:١٧]، أي: إلى الله الرجوع وإليه المعاد والبعث، وعندما نحيا ونبعث مرة ثانية إلى الله فهو الذي سيحاسبنا على من فعل خيراً فخير ومن فعل شراً فشر، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
فكيف تتركون الخالق الرازق، وتجرون خلف من لا يضر ولا ينفع، ومن لا يرزق ولا يحيي؟!
стр. 1096
تفسير سورة العنكبوت [١٨ - ٢٢]
ينذر سيدنا إبراهيم ﵇ قومه، ويخبرهم أن ما عليه إلا البلاغ، وأن عليهم أن يسيروا في الأرض فينظروا الدلائل على ربوبية الله وألوهيته، ويعلموا أنهم ليسوا معجزين.
стр. 1097
تفسير قوله تعالى: (وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨]: لا يزال إبراهيم يتكلم مع قومه ويقص الله علينا محاورته ودعوته لقومه، وأنه قال لهم: قد كذبت أمم من قبلكم، وكذب الكثيرون منهم، فلم تزيدوا أكثر من أن تلحقوا بهم، وتعاقبوا عقوبتهم.
ولذلك فليس من وظيفة النبي الهداية والتوفيق، وليس من وظيفة النبي أن يدخل الإسلام في قلوبكم وعقولكم.
قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت:١٨] فوظيفتي ووظيفة الأنبياء قبلي وبعدي أن أبلغكم دين الله، وأن أعلن دين التوحيد، وأن أدعوكم إلى عبادة الله الواحد، وأن تتركوا الأصنام والأوثان وما لا يضر ولا ينفع، وأما الهداية فليس عليَّ هداهم ولكن الله يهدي الله من يشاء، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] أي: لعلك يا محمد! مهلك نفسك على أن يؤمن بك قومك، فلم يطلب منك هذا وإنما طلب منك البلاغ كما طلب من الأنبياء قبلك.
فأمر أن يقول لقومه: إن كذبتموني وقلتم إنني كاذب ولست رسولاً من الله، فقد سبق أن كذبت الأمم قبلكم أنبياءهم، وليست وظيفتي الهداية ولكن وظيفتي أن أدعو الناس إلى الله بما أمرني به، وأن تتركوا عبادة الأوثان، وأن تتقوه وحده، فهو المحيي المميت، وهو الخالق الرازق.
стр. 1098
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [العنكبوت:١٩].
هذه الآيات تخللت محاورة إبراهيم لقومه، وقال البعض: إنها من قول إبراهيم.
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت:١٩].
أي: أليست لهؤلاء أعين تبصر وترى؟ ألم يتجولوا ويسيحوا في الأرض وينظروا بأبصارهم كيف ابتدأ الله الخلق أول مرة من العدم؟ وكيف كرره وأعاده؟ ألم يروا إنساناً قد مات وترك ذرية ضعافاً صغاراً فتزوجوا فكبروا وإذا بهم يلدون أولاداً، وأولئك الصغار أصبحوا كباراً، فمن الذي أمات الكبير؟ ومن الذي خلق الصغير؟ وكيف تم هذا التوالي؟ وكل يوم نرى الصلاة على الجنائز، فقوم يذهبون وقوم يأتون.
فالله بدأنا من نطفة نراها، والبنت قبل أن تتزوج وقبل أن تتصل بذكر وفحل لا تلد ولو عاشت عمر نوح، فإذا تزوجت ولدت من السنة الأولى، وقد تلد في السنة الثانية إن قدر لها، فمن الذي خلق ذلك الوليد؟ ومن خلق تلك النطفة في صلب الرجل، وتلك النطفة في رحم المرأة؟ ثم يكبر هذا المولود ثم يذهب إلى ما ذهب إليه آباؤه.
وفي هذه الأرض تأتي الشمس ويأتي الصيف، وإذا بالأرض قد يبست أوراقها وذهبت ثمارها، وأصبحت الأرض بلقعاً ليس فيها شيء، وإذا بالأمطار تأتي وإذا بالربيع يعود بعد ذلك، وإذا بالأرض تهتز بالأشجار وبالأوراق وبالثمار وبالأرزاق والخيرات، فمن الذي أتى بالأول ثم ذهب به؟ ومن الذي جدد هذا؟ فنحن نرى هذه البداية في خلق الله بأعيننا، فمن لم ير ذلك فإن بصره لا يبصر، وسمعه لا يسمع، وقلبه لا يفقه، كما قال ربنا ﴿هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤].
هذا في الدنيا، أما إذا حاولنا أن نستدل على الآتي بالماضي فليفكر كل إنسان في نفسه: أين كنت قبل تلك السموات؟ ومن الذي أتى بي؟ وهل كان أبي يعلم أنني سأكون له؟ وهل كنت أعلم أن ولدي سيكون لي؟ فإذا كنا نرى هذا ونعيش في واقعه ونحس به فلم نستبعد البعث يوم القيامة وقد كنا مخلوقين من قبل.
والبعث أهون من الإيجاد من العدم مع أن كل شيء هين على الله ولا يعجزه شيء.
وهذا كله سهل على الله، ولا يكلفه شيء، ويكفي أن يقول: كن فيكون، فقد خلق سبحانه هؤلاء الخلق المعدودين وقام بهم وبرزقهم، وبكسوتهم، وبما يحتاجون إليه مدة حياتهم، ولو كلفت بذلك دولة لعجزت عن ذلك، وهي نفسها تحتاج لما تحتاج إليه من طعام وسكن وكسوة وصحة.
стр. 1099
تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)
أكد الله تعالى المعنى السابق ليلفت أنظار الخلق لترك الوثنية والشرك والكفر فقال سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت:٢٠].
أي: قل يا محمد لهؤلاء: سيروا في الأرض وانظروا إلى الآثار القديمة، هذه الحفريات، هذه القصور، هذه الأهرامات كيف صنعت؟ وكيف قطعت تلك الأحجار العظيمة الطويلة من مسافات بعيدة؟ وكيف قطعت على نفس الشكل؟ وكيف وضع بعضها على بعض؟ قصور بابل كيف بنيت؟ وكيف بقيت خرائبها؟ كل هذا صنعته عقول البشرية، والله هو الذي خلقها.
فلماذا الطغيان؟ ولماذا يظن إنسان هذا القرن أنه أعلم الناس وأقوى الناس وأعرف الناس؟ يجب على الإنسان أن يعتبر وأن يفكر، ولذلك اعتبر الفكر نوع من العبادات.
فإذا تفكر: من خلقني؟ كيف صنعت؟ من خلق هذه السموات؟ من خلق هذه الآثار؟ تكون النتيجة إن كان سليم العقل وكان مؤمناً هو أنه سيقول بغير شعور: الله، ولن ينكر ذلك إلا من لا عقل له، لأنه لا دليل على الكفر لا من منطق عقل ولا من برهان نقل، لا من القديم ولا من الحديث.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت:٢٠].
الذي أنشأ الخلق وابتدأه لأول مرة قادر على أن يعيده مرة ثانية، فالذي قدر على الأول يقدر على الثاني، والذي قدر على أن يوجدنا من العدم وعلى غير مثال سابق ألا يقدر على أن يوجدنا مرة ثانية؟ إن القرآن ليس كبقية الكتب التي يجب الاستسلام لها دون دليل ولا عقل ولا فكر فيما يزعمون، ومن قال ذلك فقد كذب على الله، فكتاب الله هو الإسلام، والله يخاطبنا في كتابه ونبيه ﵊ في سنته بمنطق العقل، ولذلك تجد في القرآن: (أفلا يعقلون)، (أفلا يذكرون)، (أفلا يبصرون)، ويذكر آيات في خلق الأرض والسماء: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة:١٦٤] إلى آخرها، يقول النبي بعد تلاوة مثل هذه الآيات: (ويل لمن قرأها ولم يتدبرها)، يدعو بالويل على من يقرأ ذلك بغير تدبر، وبغير تفهم وتعقل.
فديننا ليس كدين الرهبان الدجاجلة الذين أضلهم الله، والله إذا أراد ضلال إنسان كان ذلك لفساد ما في نفسه ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠].
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت:٢٠] أي: النشأة الثانية يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت:٢٠].
أي: ليس شيء إلا والله قادر عليه، يفعل ما يشاء، ويقدر على ما يشاء، خلق هذه السموات والأرض، وخلق ما في الكون من عجائب وغرائب، ومن أعجب ذلك خلق الإنسان، وأعجب من الإنسان هذه الحشرة الصغيرة التي لا تكاد ترى إلا بالمكبر خلقت بلسان وأمعاء وسمع، ورزقها وزوجها وجعل لها جنساً، وجعل لها إحساساً، فمن يستطيع أن يصنع ذلك؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ومع ذلك فالإنسان ينكر، وكفار العصر أكثر من كفار الماضي، فالكفار الماضون لم يكونوا ينكرون وجود الله، إنما يدعون له شركاء، أما كفرة اليوم كالشيوعية والاشتراكية والوجودية فتنكر وجود الله.
وبهذا الفكر عاشت بعض دول العالم في فساد وضياع، وحاولت أن تدخل هذا الضياع إلى جامعات المسلمين ومدارسهم، حتى مسخت بعض عقول المسلمين فأصبحوا أشد عداء للإسلام وهم يحملون اسم المسلمين، ويصنعون بالإسلام والمسلمين ما لا يفعله أعداؤه من اليهود والنصارى وغيرهم.
стр. 1100
تفسير قوله تعالى: (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء)
قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١].
فالخلق خلق الله، والكون كونه، والظالم لا يكون ظالماً إلا إذا تصرف في ملك الغير، والله لا شريك له في ملكه، ومع ذلك لا يظلم.
يقول تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا)، وقال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
ولكن الله عندما يعذب يعذب بحق، وعندما يرحم يرحم بحق، ومع ذلك يغفر الذنوب جميعاً إن شاء، إلا الشرك والكفر بالله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
ومن عذبه وقد مات موحداً مؤمناً إنما يمحصه ويطهره من الآثام، ثم تكون النتيجة إخراجه من النار ودخوله الجنة، أما الكافر فلا يخرج أبداً، لأن الله حرم الجنة على الكافرين، ومن مات وهو يشرك بالله ولم يقل في حياته: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين، فهو المشرك الكافر.
قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت:٢١].
أي: إليه المصير، والمعاد، وسنقلب وتعود حياتنا، وسيكون مصيرنا إليه، ليحاسب المحسن على إحسانه فيغفر له ويدخله الجنان، ويحاسب المسيء على إساءته فيغفر له إن شاء إن لم يكن كافراً، ويعذبه بالخلود في النار إن كان كافراً.
стр. 1101
تفسير قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت:٢٢].
أي: يا هؤلاء! مهما ظننتم أنكم من القوة والحول والطول والقنابل الذرية والهيدروجينية، واذكر ما شئت من آلات السحق والمحق وفناء الأرض فهيهات أن يعجزوا الله خالقهم، هو القادر متى شاء أن يفنيهم وأن يسحقهم، والأمم التي سبقتهم لم تكن بأضعف منهم، فأين دولة الفرس؟ وأين دولة الرومان؟ وأين من قبلهم؟ وأين الكثير من الدول التي عاصرناها؟ وأين المملكة التي كانت لا تغرب عنها الشمس؟ أصحبت أذل من شسع النعل تسعى إلى العرب والمسلمين لتعيش على فتات موائدهم.
واذكر غيرهم وغيرهم، ويوشك عن قريب أن يذهب الكل، نتيجة غضب الله عليهم، ونتيجة ارتباط مستقبلهم بمن أذلهم الله وكتب عليهم الذل واللعنة إلى الأبد، ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢]، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]، فذاك وعيد الله ولن تقف قوة في وجهه، ومن حاول فلا يزيد على أكثر من أن يذل نفسه، ويربط مصيره بمصير هؤلاء الأذلاء، وهؤلاء القردة والخنازير وعبدة الطاغوت.
وهؤلاء ليسوا أعداءنا نحن فقط، ولكنهم أعداء الله، ولقد لعنوا في كتبهم وعلى لسان أنبيائهم، وجدد اللعن القرآن الكريم فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٨]، فمن أول أنبيائهم إلى آخر أنبيائهم وهم يلعنونهم، ونزل القرآن على محمد ﷺ فأمر بطردهم من ديار المسلمين، ولكن دولاً متأخرة، ودولاً جاءت بعد عهد الخلفاء الراشدين لم يطبقوا دين الله، ولا حكم الله فأبقوهم، فكان ما كان عقوبة للمسلمين؛ لبعدهم عن الله، وكفرهم به وردتهم، ورحم الله من قال: ردة ولا أبا بكر لها، وكما قال النبي ﵊: (كما دخلتم في دين الله أفواجاً ستخرجون من دين الله أفواجاً).
ومن هنا ونحن نتلو قصة خروج الدابة، فستخرج في مكة قبل غيرها، عندما تكلم الناس ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] ثم هي تجرحهم وتكلمهم وتكتب في جبين كل كافر ومؤمن، فالكافر يفضحه الله ويكشفه أنه مسلم في المظهر وكافر في المخبر، ومنطو على الكفر، وعلى إعزاز اليهودية والنصرانية، وإعزاز النفاق، والله لم يقل: العزة لغير المؤمنين، وإنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون، وقد ذكر الله عن هؤلاء الذين لا يعلمون: أنهم منافقون، وإسلامهم كذب، وليس لهؤلاء أن يعايشوا إلا وهم أذلاء حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأما أن يكونوا سادة وقادة فلا يقبل ذلك، ولا يسعى فيه إلا كاذب منافق ربط مصيره باليهود وذُلّ اليهود ولعنة اليهود.
стр. 1102
تفسير سورة العنكبوت [٢٢ - ٢٧]
إن الناس مهما طغوا وتجبروا وبلغوا من العلم فليسوا بمعجزي الله، فإنما أمره بين الكاف والنون، وقد حاور سيدنا إبراهيم ﵇ قومه بذلك، وبين بطلان وثنيتهم، فأرادوا إحراقه، فأنجاه الله من النار، ونصره على قومه.
стр. 1103
تفسير قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت:٢٢].
لا نزال مع إبراهيم خليل الله وأبي الأنبياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يزيف الأوثان والأصنام وعبادتها، ويدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، ثم ينذر ويهدد هؤلاء الكفرة بأنهم مهما كانوا من القوة والسلطان والجبروت والطغيان فلن يستطيعوا بحال من الأحوال أن يفروا أو يفلتوا من عذاب الله، حتى ولو صعدوا إلى السماء، ولم يكن إذ ذاك عند نزول هذه الآيات الكريمات طيران ولا تحليق ولا صواريخ ولا ما قد عاصرناه وأدركناه، وقد قيل: إن هذه الآية معترضة في محاورة إبراهيم لقومه، فهي من كلام الله الموجه لهم، وقيل: هي من قوله لهم.
قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت:٢٢] أي: يا هؤلاء الذين أشركوا بالله وخرجوا عن أمر الله لستم بحال من الأحوال بمعجزين، بل أنتم أقل وأحقر من أن تعجزوا الله، أو أن تفوتوا عن أمر الله، أو أن تفلتوا من عقوبته ونقمته وعذابه، سواء كنتم في الأرض أو استطعتم التحليق في أجواء السماء.
وكل ما علا فهو سماء، وأما السماء التي بيننا وبينها خمسمائة عام فهي مساكن الملائكة، وأما السماء في الآية فهي ما علا الإنسان.
والأفلاك فيها من الحيوان وفيها من الخلق، وفيها من الدواب التي تدب عليها، وكل ما يدب على الأرض سواء كان داباً على رجلين أو على أربع أو على بطنه فهو خلق من خلق الله.
وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى:٢٩]، فقد بث ونشر في الأفلاك العليا وفي الأفلاك السفلى خلقاً من خلقه تدب على أرضه على رجلين أو أربع، أو تزحف على البطون.
فهؤلاء المشركون حيث كانوا من أفلاك الأرض أو أفلاك السماء لن يعجزوا الله طلباً، ولن يعجزوه إن شاء عقوبتهم والنقمة منهم؛ نتيجة كفرهم وعصيانهم.
قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت:٢٢].
أي: وليس لكم من يتولى عنكم ظلمكم، أو يقف دون الله وعقابه لكم، إذ الكل خلقه، والكل تحت أمره وقهره، ولن يجرؤ أحد على معصيته فضلاً عن عداوته، ولا شريك له مما تزعمون وتفترون وتأفكون.
قوله: (من ولي)، أي: من معين ومساعد ومؤازر.
(ولا نصير): ينصركم على ظلمكم، ومن باب أولى ينصركم على الله، فلن يكون ذلك ولن يوجد وإنما هي خزعبلات نطقت بها ألسنتكم فسميتم الأوثان والأصنام آلهة، وذلك من إفككم ومن اختراعكم، ومن كذبكم على أنفسكم وعلى الحق.
стр. 1104
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بآيات الله ولقائه)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٢٣].
قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:٢٣]: أي: بكتابه، وبرسله، وبالأدلة القاطعة على أنه الواحد المعبود لا شريك له في ذات ولا صفة ولا فعل، فهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله وبلقائه ويكفرون بيوم البعث لا يؤمنون بأن الخلق سيبعثون بعد الموت، وأنهم يحشرون يوم القيامة للحساب والعقاب، ويكون مصيرهم إما إلى جنة وإما إلى نار، فهؤلاء قد كفروا بالله وكفروا بكتبه، وكفروا برسله، وكفروا بلقائه وباليوم الآخر وبالعرض على الله وبيوم القيامة.
﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت:٢٣]: يقول الله عن هؤلاء الكافرين: إنهم قد يئسوا من رحمة الله، فقد يئسوا من الجنة، ويئسوا من أن يغفر الله لهم أو يرحمهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨] فلا يغفر لمن كفر به، ولا يغفر لمن جعل مع الله إلهاً آخر، ولا يغفر لكل من لم يؤمن بالله وبرسوله وباليوم الآخر، وهو معنى اليأس في الآية، فإنهم قد يئسوا من الرحمة، ويئسوا من الجنة، ويئسوا من مغفرة الذنوب.
قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٢٣]: الإشارة في قوله: (أولئك) لهؤلاء الذين كفروا بالله، وجحدوا الله ورسله وكتبه، وكفروا بيوم البعث -اليوم الآخر يوم القيامة- فهؤلاء الذين هذه صفتهم وهذه حالهم لهم عذاب أليم موجع، وقد يئسوا من الرحمة في الدنيا ما لم يتوبوا وينيبوا ويئوبوا إلى الحق، وهم في الآخرة أشد يأساً من الرحمة ومن المغفرة، ولهم مع ذلك العذاب الأليم الموجع المؤلم المذل المهين.
стр. 1105
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه)
قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٢٤].
بعد هذا العرض والمحاورة من إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام، وهو يدعو قومه إلى ترك الأوثان والأصنام، ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد الخالق الرازق الذي لا ثاني له ولا شريك، وبعد أن بين لهم وأنذرهم وبشرهم وأوعدهم كان نتيجة ذلك أن أجابوا إبراهيم.
وقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ [العنكبوت:٢٤] نصب الجواب على أنه خبر كان المقدم، وتقدير القول: كان هؤلاء في جوابهم أن هددوه وأنذروه وأخذوا يختلفون بماذا يعاقبونه، فكان فعلهم ومداولتهم لقتله أو لحرقه هو الجواب، وهم بذلك تركوا المنطق والعقل، وتركوا الحوار بالدليل والبرهان، وعادوا إلى استخدام جاههم وقوتهم وسلطانهم، وظنوا أنه لا آخرة، وأن الدنيا بما فيها من جاه وسلطان وقوة لأصحابها تنجيهم من عذاب الله، وتنقذهم من نقمته وغضبه ولعنته.
قوله: (قالوا)، أي: تداولوا بينهم، واختلفوا هل يحرق أم يقتل؟ فقال قوم: اقتلوه، وقال قوم: حرقوه، ثم اتفق رأيهم بعد ذلك على حرقه؛ زيادة في الحقد والنقمة، كافرين بنبوته جاحدين لنعمته رادين لإرشاده وهدايته مصرين على الكفر والشرك.
والضمير في قوله: (قومه) عائد على إبراهيم، (إلا أن قالوا) أي: لم يشاركوه القول في الدليل والبرهان، ولم يردوا أدلته وبراهينه، بل تركوا كل ذلك وأعرضوا عنه، وهذا فعل الجهلة الأغبياء، ومن على شاكلتهم ممن لا دليل له ولا برهان من منطق عقل أو منطق دليل وإنما الإصرار على ما وجدوا عليه آباءهم وأجدادهم من الشرك وتكديسه ومن الكفر وبقائه.
قوله: ﴿قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت:٢٤] أي: فكان ما وصلوا إليه أخيراً أن قالوا: ابنوا له بنياناً فألقوه في النار، فاتفقوا بعد ذلك على حرقه زيادة في الانتقام منه والحقد عليه، فاتخذوا مكاناً جمعوا له الأحطاب من كل جانب، وجمعوا له الحجارة التي تكون وقوداً من الفحم الحجري الذي تدوم فيه النار أكثر من الخشب، فأشعلوه وتركوا ذلك أياماً إلى أن أصبح ناراً بيضاء، حتى أنها من العلو إذا حلق الطير فوقها احترق وسقط، ثم جعلوه في كفة المنجنيق وقذفوه إلى داخل النار انتقاماً وتحفظاً ونصرة لهذه الأصنام التي لا تعي ولا تعقل، وهذه الأوثان التي صنعوها بأيديهم وأسموها آلهة وأرباباً كذباً على الله وعلى رسل الله.
قوله: ﴿فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ [العنكبوت:٢٤] أي: بعد أن ألقي في النار وبقي أياماً إلى أن همدت النار وإذا بإبراهيم قائم لم تمسه النار بشيء، وكأنه لم يلق فيها ولم ينبذ، وذلك قول الله ﷻ : ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، ولو قال: كوني برداً فقط لمات من الزمهرير وشدة البرد.
ولكن قال: (برداً وسلاماً) لتكون برداً عليه مع السلامة في حياته، والسلامة على صحته، والسلامة على بدنه وجسده، وهكذا كان، بعد أن انتهت الأيام والأسابيع وانطفأت النار وهدأت، فقد رئي إبراهيم في مكانه يعبد الله ويسبحه ويهلله ويكبره، وعاد كيد الأعداء في نحورهم، وغصوا بظلمهم، إذا كان كل ما استطاعوا أن يفعلوه هذا، فلم ينفعهم وبقي إبراهيم على حياته وعلى دعوته في رسالته.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٢٤]: أي: إن في إنجاء الله وإنقاذه لإبراهيم من نار الكفار الوثنيين لآيات ودلائل وبراهين لقوم يصدقون بالحق يؤمنون بالله يؤمنون بالرسل وما جاء عن الله وما بلغته الرسل.
وجمع الله الكلام بين قصة نوح وإبراهيم ليقوي قلب محمد ﷺ ، وليعزيه وليسليه وينشط في تحركاته وبذله لدعوة ربه، وليعطيه نشاطاً إلهياً وحيوية جديدة ليستمر ويثابر على دعاء قومه لله، فلا يمل ولا يقنط، بل يتخذ من أبيه إبراهيم وأبيه الأعلى نوح مثالاً يحتذى، وعبرة يأخذ منها الحكم والدروس فيزداد قوة في الدعوة إلى الله، وإلى التوحيد، محتسباً ما عامله به قومه من التكذيب والتسفيه والقطيعة والاتهام بالباطل، ثم اضطراره لترك بلده وخروجه عنها.
فالله يقول له: كما يقول لأتباعه من المؤمنين الدعاة إلى الله: انظروا كيف كان صبر من قبلكم على الدعوة إلى الله، مع ما لاقوه من أقوامهم طوال هذه القرون من تكذيب، وهجران، وسباب وشتائم، وانظروا كيف عومل الأولون من قذف في النار، وتحريق للأبدان على أن يتركوا الدعوة إلى الله، وليدعوا تزييف الأوثان والأصنام فما تركوا ذلك، بل بقوا على ذلك إلى أن لقوا الله.
فمهما أصابك يا محمد فلن يكون كما أصاب نوحاً أو إبراهيم، فاصبر والعاقبة للمتقين، وهكذا كان صبر رسول الله ﷺ صبر الرجال الأشداء، وصبر الجبال الراسيات، فكانت العاقبة والنصر له، وكان أن أورثه الله ديار هؤلاء الكفرة المشركين من قومه وغير قومه، ونشر دينه وسلطانه في مشارق الأرض ومغاربها خلال خمسين سنة لا أكثر، فأصبح حكم الله الواحد يعلن في جميع بقاع الأرض ولا يزال، وأصبحت الشهادة بتوحيد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، تدور على شفة كل مسلم، وفي جميع بقاع الأرض مشارق ومغارب، فلا تكاد تجد بقعة في الأرض يسكنها رجل وامرأة إلا وبينهم من يدعو إلى الله ويؤمن به، ويعترف لمحمد بالرسالة الخاتمة، وأن لا نبي بعده، وأنه الرسول النبي الخاتم إلى يوم القيامة.
стр. 1106
تفسير قوله تعالى: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً)
قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥].
بقي إبراهيم بعد هذا العذاب، وبعد القذف في النار على دعوته لله، وقال لهؤلاء الكفرة الفجرة: يا هؤلاء! لم تكن عبادتكم للأوثان من دون الله إلا مودة بينكم -أي: إلا بالمودة والمصادقة والمؤاخاة- فما وجدتم شيئاً يجمع إخوتكم ومودتكم وصحبتكم إلا الشرك بالله والكفر به، وعبادة أوثان لا تضر ولا تنفع نفسها فضلاً عن غيرها، أما كان الأجمل بكم والأليق بعقولكم أن تكون المودة الرابطة هي الأة في الله، والحب في الله ذاك الحب الدائم، وتلك المحبة الدائمة؟ والنبي ﵊ يقول: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر منهم-: ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه).
ويقول الله عن أخوة الكافرين: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، وقد جمع بين الأخوة في الله والأخوة في الشيطان، ثم بين أن الأخوة الشيطانية تنقلب إلى عداء وبغضاء يوم القيامة، فيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم ببعض، (إلا المتقين) أي: إلا أخوة التقوى فهي الباقية الدائمة، فكما كانت في الدنيا هي كذلك في الآخرة يوم يجمعهم رضوان الله، وتجمعهم رحمة الله، وتجمعهم الجنان وهم إخوان على سرر متقابلين.
قوله: ﴿قَال﴾ [العنكبوت:٢٥] أي: إبراهيم.
﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ [العنكبوت:٢٥] أي: جعلتموها أرباباً من دون الله.
﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت:٢٥] أي: لأجل المودة والصحبة والأخوة، وليرضى بعضكم عن بعض، ويصاحب بعضكم بعضاً.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت:٢٥]: فليس اتخاذكم ذلك إلا في الدنيا ولمن أصر على الكفر، أما يوم القيامة فسيكفر بعضكم ببعض، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦].
فكل أسباب الصحبة والمودة تنقطع، ويقول الأئمة عن تابعيهم: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة:٤]، ويقول الأتباع: أنتم الذين أضللتمونا فنحن نتبرأ منكم، ربنا زدهم عذاباً ضعفاً من النار، فكان
الجواب
﴿ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨]، ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فأنتم أحقر من أن يطلب أو يتكلم أو يرجو.
وهنا يقول تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت:٢٥]: أي: فشأنكم يوم القيامة التلاعن والشتائم والسباب، يتبرأ بعضهم من بعض، فيتبرأ التابع من المتبوع، والمتبوع من التابع.
قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ [العنكبوت:٢٥]: المأوى: المنزل والمسكن، فيجمع أئمة النار وتابعيهم، ويجمع كبراء الكفر وأتباعهم في النار، فيجادل بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم بعضاً.
قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٢٥]: أي: ليس لكم سلطان ولا جاه، ولا مال ولا قوة، ولا جيوش ولا حشم، فلا ناصر من دون الله، يوم يخذلون من القريب والبعيد من التابع والمتبوع، يوم يأتون فرادى كما خلقوا وينادي الجبار: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]؟ فلا يجيب أحد، ثم يجيب الله نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
стр. 1107
تفسير قوله تعالى: (فآمن له لوط)
قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦].
وبعد هذه المدة الطويلة، وما لقي إبراهيم من عنت قومه، وقذفه في النار لم يؤمنوا له حتى الأقارب إلا لوط ﵇ وزوجته ابنة عمه سارة، وكان لوط ابن أخيه قد آمن بنبوته ورسالته، وعندما آمن قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦]، أي: سأهجر دار الكفر التي يسكنها الظالمون وأهاجر إلى حيث أعبد الله حراً كما شئت وكما يأمرني ربي دون أن أجد معترضاً أو مانعاً أو متسلطاً قهاراً جباراً.
قوله: (فآمن له لوط) أي: آمن به، ومعنى: آمن له، أي: صدقه وقبل رسالته فعبد الله وحده، ونبذ الأوثان والأصنام، وبعد إيمانه قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦].
وقد اختلف في قائل ذلك، فقال بعضهم: الذي قال ذلك هو إبراهيم، والكلام لا يزال عن إبراهيم ولم ينته بعد.
وقال قوم: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور كما هي قواعد لغة العرب التي نزل بها القرآن، والذي ذكر قبل ذلك بقرب هو لوط في قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ُ﴾ [العنكبوت:٢٦].
وسواء قلنا إن المهاجر هو لوط أو قلنا: إبراهيم، فقد هاجر إبراهيم وهاجر لوط، فهاجر إبراهيم إلى الشام، وهاجر معه ابن أخيه لوط إلى الشام، ثم استقل لوط بالهجرة إلى إقليم سدوم من أرض الشام، وهي اليوم أرض الغور في الأردن.
والهجرة إلى الله لا تنقطع إلى يوم القيامة كما قال نبينا ﵊، وأما قوله لمن حاول أن يهاجر من مكة إلى المدينة بعد أن صارت مكة دار إسلام وفتحتها كلمة التوحيد: (لا هجرة بعد الفتح) فإن الكلام مقيد، وقواعد الأصول تقول: إن الكلام إذا قيد بقيد فروح الكلام هو ذلك القيد، وإليه يتوجه النفي والإثبات، فقوله: (لا هجرة بعد الفتح) الفتح هنا هو الفتح المعهود للسامع وهو فتح مكة، فالألف واللام في قوله: الفتح، للعهد الذهني الموجود في ذهن الطالب للهجرة وفي أذهان الحاضرين السامعين لذلك، فقال لأهل مكة: (لا هجرة بعد الفتح) أي: فقد أصبحت مكة دار إسلام فلا حاجة للهجرة منها؛ لأن الهجرة تكون من دار الكفر أو دار الفسق إلى دار الإيمان والتقوى والصلاح، وأما الهجرة من دار إيمان إلى دار إيمان بلا سبب فلا داعي لها ولا مرغب فيها.
ويسنثنى من ذلك إذا كان هناك سبب؛ كالهجرة لمكة المكرمة مثلاً رجاء الأجر في أن تكون الصلاة بمائة ألف صلاة، أو كالهجرة إلى المدينة المنورة رجاء أن تكون الصلاة بخمسين ألف صلاة، أو كالهجرة إلى القدس -وهي دار إسلام وأنوف اليهود وأنصارهم في الرغام- رجاء أن تكون الصلاة بخمسمائة صلاة، وهذا هو معنى قول النبي ﵊: (لا تنقطع الهجرة إلى يوم القيامة).
والمعنى: إذا كانت دار الإسلام فالأندلس مثلاً عاشت مسلمة ٨٠٠ عام، ثم انقلبت إلى الكفر والتنصير -أعادها الله للمسلمين- فإن بقي فيهم مسلم يجب عليه الهجرة منها.
كذلك الهجرة من دار الفاسقين، فقد تكون البلد بلد إسلام ولكن الحكام أصبحوا يتحاكمون بأحكام اليهود والنصارى ويتأدبون بآدابهم، وانتشر الفسق والدعارة علناً، وتكشفت الأعراض وتعرت النساء، وشربت الخمور، وانتشرت الفواحش بكل أنواعها وألوانها، فإن وجدت داراً وأرضاً ليس فيها ذلك، وهي أقرب للإيمان والطاعة فيستحسن بالمؤمن الهجرة إليها إن استطاع فراراً بدينه، وحفاظاً على دين أهله وأولاده، وأسوته في ذلك لوط وإبراهيم، وأصلهما معاً من ضواحي الكوفة، ولم تكن الكوفة إذ ذاك ولكن أرضها وبقعتها في أرض العراق، فأرسل إبراهيم إلى العراق وكان معه لوط في العراق أيضاً، وهم أبناء أسرة واحدة في مدينة الكوفة، ومكانها اليوم، ولا تزال تسمى بهذا الاسم، وهي أشبه بقرية منها بمدينة لها مقامها وسلطانها، فلما كانت الدار لا تزال دار كفر، ولا يزال النمرود سلطاناً عليها هاجر منها إبراهيم إلى الشام ومعه لوط، إلا أن لوطاً هاجر على حدة وهاجر إبراهيم على حدة، وكان مهاجر لوط أرض سدوم من أرض فلسطين في أرض الغور فيما يسمى اليوم بالبحر الميت، وكانت تسمى في التاريخ بالبحيرة المنتنة.
وذكر الهجرة من بلاد الكفر هنا يفيد أنها ستبقى مشروعة لكل المؤمنين، وأن هجران المؤمن بلاد الكفار أو بلاد الفاسقين ماض إلى يوم القيامة، ولكل إنسان نيته، وإنما الأعمال بالنيات.
قوله: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٢٦].
إن ربي هو العزيز يعز من يشاء ويذل من يشاء، إنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.
ترك لوط وإبراهيم أرض الكفر والشرك في العراق طلباً لعزة التوحيد والإسلام والطاعة، ورغبة في عزة عبادة الله في حرية من غير مضايقة من حاكم ولا محكوم؛ ولذلك ختمت الآية بذكر العزة وبكون الله هو العزيز الحكيم، فهو العزيز الذي لا يقاوم وما من عزة إلا منه وإليه، إذ العزة لله، وهو الحكيم الذي يضع الأمور مواضعها أمراً ونهياً، فهو الحكيم في أفعاله، وفي أوامره، وفي نواهيه، وفي عقابه، وفي رحمته ومغفرته.
стр. 1108
تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب)
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت:٢٧].
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ [العنكبوت:٢٧]، مما يؤكد أن الضمير في قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦] عائد على إبراهيم وأنه هو المهاجر؛ إذ الموهوب له إسحاق ويعقوب هو إبراهيم ﵇، فالكلام لا يزال عاماً والآيات في نسقها وتسلسلها كلها عن إبراهيم، وما ذكر لوط معه إلا استطراداً في أنه مع طول هذه الأوقات والأزمان لم يؤمن به أحد إلا لوط ابن أخيه.
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت:٢٧] إسحاق هو الولد الثاني لإبراهيم، وقد وهبه من زوجته سارة، وقبله وهب الله تعالى لإبراهيم إسماعيل، كانت سارة أم إسحاق قد غارت من إسماعيل وأمه أن كان لها ولد وهي عقيم، فأدرك ذلك إبراهيم ﵇، فخاف على ولده إسماعيل منها وهو النبي الكريم والرسول الذي في ذريته النبوة والكتاب، فنقله إلى موضع مكة المكرمة -المكان الذي فيه ماء زمزم- كما مضى ذلك وسيعود في الكلام على ذكر إسماعيل ورسالة إسماعيل ونبوة إسماعيل.
وقد كان إسحاق نبياً فقط، وكان إسماعيل نبياً رسولاً، ولا شك أن النبي الرسول أفضل وأكرم، إذ إن النبوة وحي إلى رجل ليعلمها في نفسه ولم يكلف بأن يبلغها غيره، فمصلحته هو دينه، وعبادته مقصورة عليه فقط، أما الرسول فهو رجل أوحي إليه بشرع، وأمر به في نفسه وأن يبلغه لغيره، وكان كذلك إسماعيل.
وقد وهب الله تعالى لإبراهيم زيادة على أن وهب له قبل ذلك إسماعيل إسحاق، ثم في حياته وهبه حفيداً نبياً كذلك وهو يعقوب بن إسحاق، فما مات إبراهيم حتى كان له من سلالته ثلاثة أنبياء: ولدان وحفيد، والحفيد ولد، فالأب عندما يولد له ولد يكون قد وهب ذلك، فإذا جاء الحفيد كان ولداً مرتين: مرة لأبيه ومرة له.
وقد حاول بعضهم ألا يفهم سياق قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) ولا يقابل الآي بعضها ببعض ويدع بعضها يفسر بعضاً فقال: إن إسحاق ويعقوب كليهما ولدا إبراهيم من صلبه وليس أحدهما ولداً والآخر حفيداً، وهذا كلام مرجوح يدل على غفلة ووهم، وإلا فذاك مذكور ومعروف بالتواتر قرآناً وسنة وفي جميع كتب التأريخ القديمة التي تقص تأريخ الأنبياء وحياتهم.
فمعنى الآلة: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ [العنكبوت:٢٧]، أي: لإبراهيم، ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [العنكبوت:٢٧]، أي: وهب له إسحاق ومن بعد إسحاق يعقوب، فبعد أن يصبح إسحاق رجلاً بالغاً متزوجاً سيولد له كذلك، فولد له يعقوب، ولذلك يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٦] أي: في ذرية إبراهيم وإسحاق، فكل نبي جاء بعد إبراهيم فهو من سلالته وذريته، والذرية: الأولاد والسلالة -ولا تزال هذه الكلمة في لهجة المغرب إلى اليوم فيقولون عن الأولاد: ذراري- وكما جعل الله كل من جاء من الأنبياء بعد إبراهيم من أولاده وسلالته جعل كل كتاب كان بعد إبراهيم في ذريته وسلالته، فإبراهيم ولد إسماعيل وولد إسحاق، وإسحاق ولد يعقوب، ويعقوب ولد يوسف، وكل من جاء بعد ذلك فهم من سلالة يعقوب من أنبياء بني إسرائيل إلى خاتمهم عيسى، فهو ابن إبراهيم من أمه ولا أب له.
فكان يعقوب أبا أمه كما نقول: الحسن ابن رسول الله والحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وعليهما وسلم، فهما ولداه لأنهما من ذريته من بنته فاطمة، ثم هما من عشيرته بني عبد المطلب، فهو يجمع الكل أبوة وهو يجمع الكل أمومة.
فـ الحسن والحسين ابنا علي وعلي ابن عبد المطلب وعبد المطلب كما هو جد علي هو جد النبي ﷺ .
فيعقوب هنا هو حفيد إبراهيم، وجميع من جاء بعده من سلالته هم من بني إسرائيل، فهم جميعاً ذرية إبراهيم، ونبينا ﵊، كذلك فجده الأعلى هو إسماعيل، وإسماعيل هو ابن إبراهيم، فكان من الخصائص التي خص الله إبراهيم ﵇ بها كما خص نوحاً من قبل أن جعل الأنبياء من أبنائه، إذ إن نوحاً انفرد بالأبوة لأن الطوفان غمر كل الأرض، فكان الأب الثاني للبشرية بعد آدم، وكان أبا الأنبياء من بعده إلى إبراهيم، وكان إبراهيم الوالد الأعلى لمن جاء بعده من الأنبياء، فهو والد إسحاق وإسماعيل، وإسماعيل أبو نبينا ﵊ الأعلى، وإسحاق أبو أنبياء بني إسرائيل الأعلى.
أما الكتب فإن التوراة نزلت على موسى وهو من أنبياء بني إسرائيل من سلالة إبراهيم، والزبور نزل على داود وهو من أنبياء بني إسرائيل من سلالة إبراهيم، والإنجيل نزل على عيسى وهو من سلالة إبراهيم، والقرآن الكريم نزل على محمد ﷺ وهو ولد إبراهيم من ولده إسماعيل، فكانت كل الكتب السماوية وكل النبوات والرسالات بعد إبراهيم في سلالته، ولا أشرف ولا أكرم ولا أعظم من ذلك، وليس ذلك فحسب بل إن الله خص إبراهيم بالخلة فكان خليل الله، ثم كان نبينا بعد ذلك خليل الله.
قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد:٢٦]، فالكتاب جنس، أي: كتاب الإله المنزل زبوراً وتوراة وإنجيلاً وقرآناً، فكلها نزلت على الأنبياء والرسل من سلالته ومن ذريته.
قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٧].
وقد أكرم الله إبراهيم حيث وفى بالوعد، وقام بجميع ما أمره ربه به، وكان المثال الذي يحتذى به من أولي العزم من الرسل في جميع ما أمره الله به أو نهاه عنه.
وقد أكرمه الله بإكرامات لم يكن لها نظير أو شبيه، ونبينا ﵊ لم يكن في ذريته النبوة والكتاب، ولكن كان الأمر أعظم من ذلك، فكان هو النبي والرسول لكل الأمم من البشر بعد مبعثه، وأما أولئك الماضون فلم تكن نبوءتهم إلا مقصورة على أقوامهم وتنتهي بوفاتهم، أما نبوة نبينا فلقومه ولمن كان في عصره ولمن جاء بعده إلى عصرنا، ولمن يأتي بعدنا إلى يوم القيامة، فكتابه المنزل عليه هو كتابنا وكتاب الأولين والآخرين، كل ما فيه: (يا أيها الناس!) فنحن الناس المخاطبون، وكل ما فيه (يا أيها الذين آمنوا!) فنحن الذين آمنوا المخاطبون فيه، وكل ما فيه من أوامر ونواه فنحن الذين نؤمر بها وننهى عنها كما أمر الأولون ونهوا، وكما سيظهر التالون وينهون.
فهو الرسول العالمي لكل الأمم والعصور مشارق ومغارب، بيضاً وسوداً، حمراً وصفراً، ولم يكن هذا في إبراهيم؛ ولذلك طلب من الله أن تسترسل النبوءة بعده إلى أن تكون في ذريته.
﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت:٢٧]: والأجر الذي أعطاه وهو لا يزال في الدنيا كونه أولاً وهب له الأنبياء والمرسلين في حياته، وهب له ولدين جميلين نبيين كريمين إسماعيل وإسحاق، ووهب له في حياته يعقوب من ولده إسحاق، ثم جعل النبوءة في سلالته إلى نبينا صلى الله عليه وعليهم أجمعين، ثم أكرمه كذلك فجعل الكتب السماوية جميعها تنزل على سلالته وأولاده: داود وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه، ثم جعله محترماً مقدراً عند جميع الأديان.
فالنصارى يدعونه ويقولون: هو نبينا الأول، فيجلونه ويكرمونه ويذكرونه بالخير، واليهود يقولون ذلك فيجلونه ويكرمونه، والمجوس منهم من يسمون بالبراهمة نسبة إليه، وعبدوا النار قالوا: لأنها أطفئت على إبراهيم؛ فعوضاً عن أن يعبدوا خالق النار والذي أطفأ النار، والذي أنقذ إبراهيم من النار، تركوا المسبب وعبدوا السبب لجهلهم وسخافة عقولهم.
فإبراهيم كان مقدساً محترماً عند المجوس وعند اليهود والنصارى والمسلمين، وبذلك آتاه الله أجره في الدنيا.
﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت:٢٧]: أي: وفي الآخرة سيكون في زمرة الصالحين زمرة أبيه الأعلى آدم وأبيه الثاني نوح، ومع سلالته من الأنبياء والرسل الكرام، فهو أيضاً من جملتهم وينال منالهم ويكرم كرامتهم، ويكون في الفردوس الأعلى من الجنان حيث منازل الأنبياء والمرسلين.
стр. 1109
تفسير سورة العنكبوت [٢٨ - ٣٣]
ذكر الله تعالى قصة لوط وما كان عليه قومه من الفحشاء وفعل السوء الذي لم يسبقهم إليه أحد من العالمين، وما عاقبهم الله به من عذاب، وكأن الله يحذر من يصنع صنعهم ممن مسخ الله فطرتهم ونكست قلوبهم.
стр. 1110
تفسير قوله تعالى: (ولوطاً إذ قال لقومه)
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٢٨].
قصة لوط مضت قريباً، لكن كررها لأن الشيء إذا تكرر تقرر، وذلك لتنفير الناس من مثل فواحش وبلايا قومه.
فالقرآن الكريم وحي الله وكلامه، فالله أنذر من سيأتي بعد هؤلاء أن يفعلوا فعلهم، وقد فعلوا فعل جميع قوم لوط بتفاصيل ذلك وكلياته فأنذروا بذلك، لكنهم أبوا إلا الكفران، وأبوا إلا اتباع أهل الفواحش والمنكرات، عاصين ربهم، خارجين عن دينه، يفعل ذلك من لا يزال كافراً، وفعل ذلك من يزعم أنه مؤمن في دعواه.
وقوله: (ولوطاً) أي: وأرسلنا لوطاً، فهو منصوب على المفعولية.
ويمكن أن يكون التقدير: اذكر يا محمد! لوطاً، وخذ العبرة والحكمة منه لقومك، عندما تدعوهم إلى محاسن الأخلاق وتنفرهم من مساوئها وفواحشها وقبائحها.
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [العنكبوت:٢٨].
يؤكد ذلك بلام التوكيد، يقسم على أنها فاحشة، ويؤكدها بإن المؤكدة أول الكلام.
قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت:٢٨].
أتيتم بفاحشة لم تكن قبلكم قط، لم تعرف في الأنبياء السابقين في أقوامهم، لم تعرف في عهود آدم إلى نوح إلى إدريس إلى شعيب إلى إبراهيم إلى أن قام قوم لوط في سدوم.
هذا وليست الفاحشة فقط هي الجريمة، بل هي علاوة وزيادة على الشرك بالله والكفر وأنواع المناكر، انفردوا بفاحشة من دون العوالم، وهي الاستغناء بالرجال عن النساء بلية وشذوذاً وبعداً عن طبيعة الأشياء، في الأرض العقيم التي لا يصدر عنها ولد ولا إنتاج ولا زراعة، في المكان الذي لا يكون إلا للقذر والوسخ، فتركوا نساءهم التي ينتجون منهن ذرية وأولاداً تعبد الله يوماً، وتخدم المسلمين يوماً، وتنشر الدعوة إلى الله يوماً، وذهبوا إلى أرض جدباء مع القذر والوسخ وعلقوا بذلك وعشقوا وعاشوا فيه مضافاً إلى الكفر والشرك، وإلى الفواحش بأنواعها.
стр. 1111
تفسير قوله تعالى: (أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل)
ثم قال لوط لقومه: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت:٢٩].
كانوا كقوم نمرود، فعندما هاجر لوط إلى سدوم نبهه الله وأرسله إلى قبائل سدوم وإقليمها ومدنها وكان ذلك في حياة إبراهيم، وكان هذا في أيام بني إسرائيل كثيراً.
وهنا كان إبراهيم نبياً ورسولاً، وكان لوطاً بعد ذلك نبياً ورسولاً، وقد آمن قبل رسالته بعمه إبراهيم ورسالته، فكان شكر الله له وجزاؤه بأن أرسله هو كذلك نبياً ورسولاً إلى سدوم.
(أئنكم): استفهام استنكاري تقريعي توبيخي يقرر عليهم ويؤكد، أي: هذه الفواحش التي تأتونها من إتيان الرجال دون النساء ومن قطع الطريق العامة متلصصين منتهكين للأعراض قائمين بالفواحش، قائمين بالظلم، قائمين بالاعتداء مضافاً إلى بليتهم ومصائبهم.
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:٢٩].
ناديهم: أي مجلسهم ومجتمعاتهم يأتون فيها بالمنكرات يباري بعضهم بعضاً يقلد بعضهم بعضاً، وتجري بينهم بعض هذه المنكرات التي ينكرها العقل والطبع والدين والأخلاق الفاضلة، وأما قطع السبيل: فهو اللصوصية والسرقة والقيام في وجه الناس في الأمن العام الذي يستفيد منه سكان البلد.
فكان من خرج على بلده أو في ضواحيها قطعوا عليه طريقه وسبيله، فسرقوا عرضه إن كان رجلاً، وسرقوا ماله إن كان ذا مال، وشتموه وأذلوه وقد يقتلونه.
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:٢٩] ما هو هذا المنكر الذي كانوا يأتونه في مجالسهم؟ كانوا يتسافدون ويركب بعضهم على بعض، وينزل بعضهم على بعض، كانوا شباباً أو كهولاً أو شيوخاً وهم يتضاحكون وكأنهم يأتون بشيء يسير، وكانوا يفتحون أزرار قمصانهم كما يفعل السفهاء في هذا العصر مرة أخرى، وكان يتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، يطيل الرجال شعورهم كهيئة النساء، وتقص النساء شعورهن كهيئة الرجال، كانوا يلبسون الأصفر والأحمر والأخضر وما إلى ذلك كما يفعل اليوم هؤلاء المخنثون.
فالله ﷻ عندما يعيد علينا قصة لوط، وقصة غيره من أنبياء الله فإنما ذلك ليقرع الأسماع ليزدادوا بعداً عن الفواحش إن وفقوا لذلك، ولتلزمهم حجة الله ودين الله والرسالات التي أتى بها نبينا ﵊، حتى إذا دخل قبره يوم يهلك ويأتيه الملكان يسألانه: من ربك؟ من نبيك؟ لا يقول: لم أعرف نبياً، لم يأتني نبي، لم أسمع بكتاب، بل سيضطر للجواب، وهكذا اللعنة تبتدئ من تلك اللحظة فيبقى في العذاب المستمر إلى أن يبعث فيبقى في عذاب النار خالداً فيها إلى الأبد.
стр. 1112
تفسير قوله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله)
قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:٢٩]؟ فما كان جواب هؤلاء؟ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ [العنكبوت:٢٩]، لم يناقشوه، لم يحاسبوه، لم يجيبوه، وبماذا يجيبونه؟ لا منطق ولا عقل معهم، ولا بشرية معهم، إن هم إلا حيوانات، بل الحيوانات أكرم وأشرف، الحيوانات يكتفي الذكر بالأنثى، ولا يتصل الذكر بالذكر، ولا الأنثى بالأنثى، ولا يفعلون هذا.
فالحيوان الحقيقي: هو الإنسان عندما يكون مرتكباً هذه العظائم وهذه المناكر، ويبقى الحيوان أشرف منه وأكرم منه، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت:٢٩]: طلبوا العذاب تكذيباً له وإصراراً، وثقة بأنفسهم أنه ليس رسولاً، وأن لا رب ولا آخرة، ولا حساب ولا عقاب، هكذا خرجوا للوجود عبثاً وسبهللاً، هكذا تحدثهم عقولهم الفاسدة، والفواحش هي التي طبعت قلوبهم فصعد عليها الران، فما عادوا يميزون بين صدق وكذب، بين ظلمة ونور.
وعندما تحدوا لوطاً أجابهم لوط: ﴿قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت:٣٠]: طلب لوط من ربه أن ينصره على هؤلاء المفسدين في الأرض بالفحشاء، بقطع السبيل، بأنواع المنكرات، فما عادوا يعرفون رباً ولا نبياً ولا خلقاً ولا أدباً.
فأخذ الله يقص علينا كيف نصره، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت:٣١].
بينما إبراهيم في داره إذا بشباب طرقوا بابه فرحب بهم ودخلوا، فذهب سريعاً وجاء بعجل سمين محنوذ ووضعه بين أيديهم، وإذا بهم لم يأكلوا فخاف منهم؛ لأن الملائكة لا تأكل، ولا تشرب.
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت:٣١]، وما هي البشرى؟ كانت امرأته واقفة عند دخولهم فبشروا إبراهيم بنصر لوط على قومه المفسدين، وبشروا امرأته سارة بأنها ستلد فصكت وجهها كما تفعل النساء الآن: أيكون هذا وأنا امرأة عقيم كبيرة؟ وكانت قد تجاوزت المائة عام، قال زوجها: الله أكبر، فأكدوا لها أن هذه بشرى الله، وأن أمر الله لا بد منه.
ووضع إبراهيم الطعام فما أكلوا، فأنكر عملهم فكشفوا عن حقيقتهم، ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت:٣١]، وإبراهيم كان رحمة، وكان حريصاً على أن يهتدي قومه وقوم ابن أخيه لوط، فأراد أن ينذرهم قليلاً لعلهم يؤمنون، فما قبلوا ذلك، بل جاءوا بوعد الله، وبعقوبة الله، وبنقمة الله، فهي واقعة لا محالة، فعندما لم يقبلوا ذلك منه قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت:٣٢] أي: كيف ستأتون بالقرية وتهلكونها وفيها نبي الله ورسول الله لوط؟ قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت:٣١]، سيأتون لقرية سدوم يهلكونها ويدمرونها، ويفعلون ما أمرهم ربهم فيها من سحق ومحق وزلازل من الأرض وصواعق من السماء، وجعل عاليها سافلها؛ لأنهم كانوا ظالمين، كانوا مشركين، كانوا فاسقين، كانوا مرتكبين للفواحش بكل أنواعها، فعندما حاول إبراهيم أن يثنيهم أو يدعهم وقتاً ما لعلهم يعودون إلى الله لم يقبلوا، عند ذلك قال إبراهيم لرسل الله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت:٣٢]، أي: نحن نعلم بأن فيها لوطاً، ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٢]، فقر عيناً، فلن يصل لوطاً العذاب، ولن يمس أهله كذلك باستثناء زوجته من بين أهله: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٢]، التي غبرت وسبقت أن كانت كافرة مشركة.
وكانت تساعد قومها على الفواحش، وتتجسس على لوط ومن جاء عنده من الشباب، ومن جاء عنده من الرجال، وقد تجسست عندما أتى هؤلاء لوطاً، وبلغت قومها، وكان بينها وبينهم إشارة.
فقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٢]، أي: إلا امرأته لن ننجيها فيصيبها ما أصاب قومها لكفرها، ولخيانتها في دينها، ولتواطئها مع قومها في الفحشاء والمنكر.
стр. 1113
تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطاً)
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ﴾ [العنكبوت:٣٣].
المحاورة السابقة كانت مع إبراهيم، والكلام كان مع إبراهيم نبي الله وخليله، والآن سيذهبون إلى لوط ليبلغوه الرسالة: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [العنكبوت:٣٣].
معنى ذلك: أن هؤلاء جاءوا في صورة شباب حسان كاملين، فلما جاءوا استاء من مجيئهم واغتم وتألم وتوجع وضاق بهم ذرعاً، فماذا سيصنع؟ إن هو أدخلهم للدار وأضافهم وأكرمهم خاف من أن يأتي قومه إليهم فيؤذونه فيهم، ويفعلون ما يفعلونه عادة بالرجال، وإن هو رفض ضيافتهم ودخولهم للبيت خاف إن وجدوهم أن يأخذوهم بالقوة وبالعنف وبالإيذاء.
فهو على العموم استاء منهم، واغتم من مجيئهم، وحمل هماً كبيراً، وضاق بهم ذرعاً، وتبرم وتحير، وإذا بهم يشعرون بذلك فيجيبونه قائلين له: ﴿وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٣].
أشعروه بأنهم ملائكة، ولم يشعر بهم لأول مرة، كما لم يشعر بهم عمه إبراهيم، فعندما أشعروه بأنهم ملائكة علم أنهم ناجون وأن قومه أحقر وأقل وأذل من أن يصلوا إليهم بسوء، وقد قالت القصة: جاء القوم وبلغت امرأته القوم بإشارة بينه وبينها، فعندما جاءوا وزاد لوط تبرماً، وزاد ضيقاً وإساءة، خرج أحدهم وإذا به يظهر جناحه، فضرب هؤلاء فطمست أعينهم وذهبت، أي: أصبحت لا شيء ولم تبق سوى الجبهة فقط، فأخذوا يصيحون فجاء من ينقذهم فأصيبوا بمثل تلك الإصابة.
قوله: ﴿وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت:٣٣].
أي: لا تخف يا لوط! فلن يمسوك بسوء، ولا تحزن على نفسك، ولا تحزن عليهم، ولا تحزن على أهلك، ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [العنكبوت:٣٣]، أنت ستنجو وستنقذ منهم، وسنمهلك إلى الصباح للخروج عنهم وعن حدود أرضهم: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٣]، سننقذك وأهلك من هذا البلاء، من هذا الذي أمرنا بأن نصنعه بهذه المذنبة وقومها.
стр. 1114
تفسير سورة العنكبوت [٣٣ - ٤٠]
بعدما قص الله علينا قصة قوم لوط وكيف كان هلاكهم، قص علينا قصص غيرهم من الأمم ممن كذبوا الرسل كأهل مدين وقوم هود وصالح وقارون وفرعون وهامان، وقص علينا هلاك كل أمة من الأمم التي كفرت وكذبت الرسل.
стр. 1115
تفسير قوله تعالى: (ولما أن جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم)
قال الله ﷻ : ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٣].
يقول ربنا ﷻ : لما أن جاءت ملائكته إلى لوط اغتم وحزن من أجلهم، وأخذه هم وكرب، وضاق بوجودهم ذرعاً، وخاف عليهم من فسقة قومه إن آواهم، وإن تركهم خاف عليهم كذلك من أن يصلوا إليهم بما اعتادوه من فحشاء وبلاء مما لم يسبقوا له في الأمم السابقة.
ولم يشعر أول مرة بهؤلاء الرسل الكرام، فقد ظنهم بشراً من الناس؛ لأنهم أتوا إليه في صورة شباب حسان، ولم يدر أنهم في الأصل ملائكة، وإذا بهم يشعرونه بحالهم وأنفسهم ويقولون: يا لوط لا تخف من قومك أن يصنعوا شيئاً، فأنت في حفظ متين، ولا تحزن عليهم فسيصيبهم ما أصاب الفسقة الفاجرين أمثالهم، فلا تخف ولا تحزن فإنا قد جئنا لعقابهم أمراً من الله ﷻ ، وإنا منقذوك ومبعدوك عن البلاء الذي سيصيبهم، وكذلك أهلك وأسرتك وبنتيك ومن معك من آل وأقارب وأتباع مؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٣].
أي: إلا زوجتك فإنها كانت ممن غبر في الخيانة والكفر والإجرام والتواطؤ مع قومك على فعل الفاحشة والبلاء، فكانت تدلهم على الشباب الأحداث الذين يحاولون المجيء إلى لوط ﵊، فإنها لن تنجو وستعاقب عقابهم، وتضرب ضربهم.
стр. 1116
تفسير قوله تعالى: (إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت:٣٤].
أي: أمر الله ﷻ الملائكة بأن تنزل عليهم الرجز من السماء، والرجز هو البلاء والعذاب، والرجم بالحجارة، وخسف الأرض بهم.
فقد جاء جبريل ﵊ ومعه جمع من الملائكة الكرام إلى أرض سدوم التي كان يسكنها قوم لوط، فأخذوها واقتلعوها من جذورها ومن أعماقها، وصعدوا بها إلى أعلى الأجواء حتى سمع من في السماء نباح كلابهم، ونهيق حميرهم، وصياح رجالهم، وعويل نسائهم، ثم قلبوا عاليها سافلها، ثم أتبعوهم حجارة من سجيل تضربهم ذات اليمين وذات الشمال، وفي كل جانب يمكن أن يهلكوا به إلى أن هلكوا ودمروا وأصبحوا حديث أمس الدابر.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [العنكبوت:٣٤] الباء هنا باء السببية، أي: بسبب فسقهم وفحشائهم وفسادهم ومنكرهم.
стр. 1117
تفسير قوله تعالى: (ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون)
قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٣٥].
أي: وتركنا من هذه الأرض -أرض لوط- آية وعلامة واضحة ظاهرة (لقوم يعقلون) الأمور، ويعون الأشياء ويفهمونها، وكانت تلك العلامة والبينة عندما أخذت الأرض من قعرها ومن جذورها، وجعل عاليها سافلها، ثم قذف بها في الأرض، وهذه علامة للعرب وهم ينتقلون بين مكة والشام، أصحاب رحلة الشتاء والصيف، فكانوا يمرون على أرض سدوم وإذا بالأرض تصبح بحيرة سوداء الماء منتنة، لا تنبت ولا يصلح فيها نبات، وأصبحت حجارة سوداء وذات مياه سوداء علامة بينة على هؤلاء الذين عوقبوا ورجموا من السماء، وقلبت بهم الأرض عاليها سافلها، وأصبحت أرضاً عقيمة لا تنبت، ولا تنفع، ولا يشرب ماؤها.
كان هذا بين جداً في صدر الإسلام، ولا يزال هذا إلى اليوم، فالقرية تقع في أرض الأردن وهي البحر الميت، وماؤه لا يصلح للنبات، ولا يشرب ولا يسقي شجراً ولا دواب، بل شربه فيه ضرر وأذى لمن شربه من إنسان وحيوان.
فكانت تلك آية بينة، وعلامة واضحة لقوم يعقلون الأمور، ويملكون الفهم والوعي.
وهذا جزاء كل من ارتكب مثل هذه الفاحشة، والعرب لم يكونوا وقت نزول القرآن والبعثة المحمدية يعلمون هذه الفاحشة، ولم يسمعوا بها قط، حتى قال عمر بن الخطاب ﵁: والله لولا أن القرآن ذكر أن هناك أقواماً يأتون الرجال لما قبلت ذلك ولما صدقته، أيخالفون الشيء في طبيعته؟ أيكونون شواذ في خلقتهم؟ يدعون ما خلق الله لهم من أزواجهم، ويأتون هذه الفواحش والمنكرات.
وفي خلافة أبي بكر ﵁ حدث هذا البلاء فرفعت إليه قضية، أن رجلاً أتى رجلاً كما يأتي الرجل زوجته، وإذا به يجمع الصحابة ويستشيرهم في عقوبة الفاعل والمفعول به، فقال قوم: نرميهم من أعلى جبل كما صنع الله تعالى بأهل لوط، عندما رفع أرضهم إلى السماء وجعل عاليها سافلها.
وقال بعضهم: بل نرجمهم بالحجارة كما يرجم المحصن أي: الذي تزوج رجلاً كان أو امرأة.
وقال بعضهم: نحرقهم بالنار؛ لأنهم رموا بحجارة من سجيل، وهي من جهنم فحرقتهم، فاختار أبو بكر ﵁ من هذه المقترحات أن يكشفهم عراة إلا ما يستر العورتين ووضعهم في أعلى الجبل، ثم رماهم من أعلاه إلى أن وصلوا إلى أسفله ممزقين أشلاء وقطعاً.
كان هذا حكم أبي بكر ﵁ لمن صنع هذا الفعل، واختلف الفقهاء في ذلك فقال البعض: يرجم الفاعل والمفعول محصناً كان أو غير محصن.
وقال البعض الآخر: يفتلان معاً.
وقال البعض: بحرقهما.
وقال البعض: يصنع بهما ما صنعه أبو بكر.
وأجمعوا جميعاً على أن فعل ذلك فحشاء ومنكر.
فعقاب الفاعل والمفعول به بما يراه الإمام ردعاً لأمثالهما وزجراً من عودة هذا بين الناس، وعقاباًَ لهما بأن يكونا في باطن الأرض، إذ وجودهما على ظهرها يكون سبباً لنشر هذه الفحشاء، ولعدوى الناس بها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٣٥]، هكذا قال الله، وهذا صنيعه بهم، بسبب كفرهم وما كانوا يرتكبونه من المنكرات من كل لون ونوع في مجالسهم وفي ندواتهم.
стр. 1118
تفسير قوله تعالى: (وإلى مدين أخاهم شعيباً)
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت:٣٦].
أي: كما أرسلنا نوحاً إلى قومه، وأرسلنا لوطاًَ إلى قومه، وأرسلنا إبراهيم إلى قومه، أرسلنا شعيباً إلى أهل مدين نبياً ورسولاً، فجاء يدعوهم إلى الله قائلاً لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت:٣٦].
أي: يا أهلي وعشيرتي! إليكم أرسلت، أن آمركم بالمعروف وأنهاكم عن المنكر، وأدعوكم إلى عبادة الله الواحد، وأن تتركوا عبادة الأوثان والأصنام.
واعتقدوا أن اليوم الآخر آت لا محالة، وهو يوم البعث، فهو اليوم الذي يحاسب الله فيه الناس، من أتى بالخير فله الجنة، ومن جاء بالشر فله النار، فخافوا من عذاب الله وحسابه يوم القيامة، وتوقعوا المجيء واحسبوا حسابه وأعدوا له ما تصنعون من خير، فإن ارتكبتم سوى ذلك فاستغفروا الله وتوبوا إليه، فهو يغفر لمن تاب.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت:٣٦].
العثو أشد أنواع الفساد، ويشمل الكفر بالله وقطع السبيل، وأنواع المناكر، وقوم شعيب كان فيهم من المنكرات ما كان في أمثالهم من الكفار والمشركين وعبدة الأوثان، فكانوا يقطعون السبيل، ويأتون المنكر، ويشركون بالله، فأمرهم نبي الله شعيب ﵊ بعدم الفساد في الأرض، لعل الله يغفر لهم، ويجازيهم بخير.
стр. 1119
تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فأخذتهم الرجفة)
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [العنكبوت:٣٧].
أهل مدين عندما جاءهم نبيهم شعيب برسالة الله وبعبادة الله وحده، كذبوا رسالته، فعاقبهم الله بالرجفة، فرجفت بهم الأرض، وتطايرت حجارها وحصاها ورفعوا إلى عليين، فكان يسقط الرجل منهم إلى الأرض مقطوع الرأس، حتى كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي: كأنهم النخل وقد أزيل سعفها، وهكذا بقوا أجساماً بلا رءوس جاثمين، أي: موتى، بما أرسل عليهم من الرجفة التي رجفت بهم الأرض فهلكوا، هلكوا بريح عاصف فيه حصباء وحجارة، رفعتهم الريح إلى أعلى عليين، ثم هووا على أم رءوسهم، وقد فصلت الرءوس من الأجساد، فأصبحوا كما وصفهم الله ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨]، ذهبوا إلى أمس الدابر، وأصبحوا صحائف تتلى، وأخباراً تقص، وكأنهم لم يعيشوا يوماً.
стр. 1120
تفسير قوله تعالى: (وعاداً وثمود وقد تبين لكم)
قال تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨].
أي: وعاد وثمود أرسل إليهم رسلاً مبلغين، مبشرين ومنذرين، كما أرسل نوحاً وإبراهيم وشعيباً ولوطاً إلى أقوامهم، أرسل إلى قبائل عاد هوداً، وإلى قبائل ثمود صالحاً، وكانت قبائل عاد في الأحقاف قريباً من حضرموت في أرض اليمن، وكان قوم صالح بالحجر في المدائن، في أرض الحجاز، في الحدود بين الحجاز والشام.
وإذا بهم كذبوا وكفروا وقاموا على أنبيائهم بالصد والمعارضة والمقاومة، فقال الله عنهم: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣٨].
أي: وعاداً وثمود قد تبين لكم أيها السامعون كيف كانت عاقبتهم، قد تبين للناس في عصر النبوة عندما ذهب ﷺ إلى غزوة تبوك ومروا على الحجر، فأخذوا ماءها فطبخوا وعجنوا به، وإذا بالنبي ﵊ يأمرهم برمي ذلك العجين وعدم أكل الخبز، وبطرح ذلك الطعام وعدم أكله، وأن يخرجوا من هذه الديار التي غضب الله على أهلها، وألا يدخلوها إلا باكين أو متباكين، حتى لا يصيبهم ما أصابهم من لعنة وطرد من الرحمة، إذ كانوا كفرة بالله، متمردين على الله، وقد رزقهم عقولاً مستبصرة، وأجساماً قوية، فبنوا حضارات سبقوا بها الناس، فكانوا ينحتون من الجبال بيوتاً، وكانوا عمالقة الأجسام أقوياء، وكانوا من أتقن الناس للصناعات وللبناء وللمزارع، وكانوا على غاية ما يكون من الشدة والبأس، ولكنهم لم يشكروا النعمة، ومن يكفر بالنعمة تزال عنه وتسلب منه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
والله تعالى لفت أنظار الناس أن يروا آثار اللعنة والغضب عليهم، وما أصابهم من صيحات ورجفات بحيث أصبحوا كأنهم جذوع نخل خاوية، وقد ذهب بهم الهلاك كل مذهب، فلم يبق منهم أحد، فبعضهم كان في البيوت والغرف، وبعضهم في الأزقة، وبعضهم بين الشجر، وعندما جاء هذا العذاب والبلاء ذهبوا وهلك كل واحد منهم على ما كان عليه في نفس الوقت والحال، وتركوا آثارهم، تركوا الخراب في دورهم، وتركوا المياه متغيرة بالسواد، وتركوا شجرهم وقد احترق وذهب، وذلك في الأحقاف في أرض اليمن قرب حضرموت، وذاك بالحجر من أرض الحجاز قرب تبوك، في الحدود بين الحجاز والأردن من أرض الشام.
فالله يقول: يا هؤلاء الذين كفروا بمحمد ورسالة محمد تفكروا قليلاً، وانظروا ماذا حل بالأمم السابقة من قوم نوح وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم هود، وقوم صالح، وكانت نتائج كفرهم وعنادهم، أن عاقبهم الله وأهلكهم وأنهى ذكرهم ووجودهم، وكأنهم لم يعيشوا يوماً.
وقوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت:٣٨]، أي: تبين لكم آثار دورهم بعد خرابها ودمارها، وآثار ما بقي بعدهم، وما صنع الله بهم من لعنة وغضب.
وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت:٣٨] أي: فقد زين لهم الشيطان أعمالهم، فأخذوا يعتبرونها أعمالاً حسنة وصالحة ومجيدة ينبغي أن يجازوا عليها، وهذا من سخافة العقول، وظلمة الكفر، وضلال الدين، وهكذا صنع بهم، قلبوا الحقائق واعتبروا الهدى فساداً، والظلمة نوراً، إلى أن تربصت بهم الأيام والشيطان يغريهم، ويزين لهم أعمالهم، إلى أن هلكوا وكأنهم لم يعيشوا يوماً.
وقوله تعالى: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [العنكبوت:٣٨].
أي: دفعهم، وأبعدهم عن الطريق الحق، وعن السبيل المستقيم، وعن طريق الهدى والتوحيد والإيمان بالله ورسالاته وكتبه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت:٣٨].
أي: كانوا قبل ذلك ذوي عقول مفكرة، ولكن ذلك في شئون الدنيا لا الآخرة، فكانوا يتمتعون بالقوة أبداناً، وعقولاً، وحرباً وقتالاً، بنوا الأبنية والقصور فوق الجبال وداخل الجبال، فنحتوا من الجبال صخوراً فبنوها قصوراً، ونحتوا داخل الجبال بيوتاً، فأقاموا فيها، فهم في فصل الصيف يشعرون بالبرد، وهم في البرد في حرارة، وكأنها المكيفات في عصرنا هذا، ومع ذلك علموا من الدنيا ظواهرها وهم عن الآخرة غافلون، وبها كافرون، لم يفكروا يوماً من أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ ومن الذي أتى بنا؟ لم يفكروا في الخالق، هل سيعيشون سبهللا؟ هل خرجوا للدنيا عبثا؟ فكانوا غافلين وضالين، إلى أن انتهت حياتهم ووجودهم، وإذا بهم قد أصبحوا عبرة ومثلاً للمعتبر.
стр. 1121
تفسير قوله تعالى: (وقارون وفرعون وهامان)
قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩].
أي: وكذلك أرسل الله تعالى إلى قارون وفرعون موسى ﵊ بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات، يدعوهم إلى الله، إلى ترك الأوثان.
والمعنى: اذكر يا محمد! قارون الذي أوتي من الأموال ما إن العصابة والجماعة من الناس لا تستطيع حمل مفاتيح خزائنها لثقل تلك المفاتيح، وكان في تلك الخزائن الذهب والفضة والمجوهرات التي لم يكد يملكها إلا القليل من الناس قبل وبعد، فإذا به يتيه بهذا المال على الخلق، ويجعل ذلك حقاً من حقوقه، ولا يكاد يهتم بأحد، تعاظماً وتكبراً وطغياناً وجبروتاً.
ومن يتأله على الله يكذبه، والكفر بالقدر بلاء في الدنيا وبلاء في الآخرة، وأول كفر في الأرض كان من إبليس بسبب القدر، وقارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وفرعون الذي قال لقومه: لا أعلم لكم إلهاً غيري، وقال عن نفسه: أنا ربكم الأعلى، واستدل على ذلك بسخافات وحقارات، فمنها ما قاله الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، اتخذ ملكه لجزء من الأرض سبباً لتألهه، وملكه لا يكاد يعتبر نقطة في مياه الأرض العذبة، ونصب نفسه على الناس إلهاً، فكان كاذباً فاجراً سخيفاً.
وهامان كان وزيراً لفرعون وناصره على ذلك وواطأه، وقد أرسل الله لهم موسى يدعوهم إلى الله بالآيات البينات، فقد جاء بتسع آيات، جاء بالعصا، وباليد تخرج من الجيب بيضاء كأنها اللؤلؤ الدري، وبالضفادع، وبالدم إلى أن جاء بأن ينفلق له البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، فكان جواب هؤلاء أنهم كفروا بالله، وخرجوا عن أمر الله، فجوزوا على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩].
هؤلاء الثلاثة جاءهم موسى ﵊ برسالة الله وآياته البينات، فاستكبروا في الأرض، وكذبوا بالآيات التي أتى بها موسى، وجحدوا الحق وأبوا إلا الكفران والجحود، وعاشوا على ذلك، إلى أن عاقبهم الله بما نعلمه وبما سيقصه علينا مجدداً.
اتخذوا الكبرياء رداءً وديناً، وتكبروا على موسى وهارون، وتكبروا على المؤمنين من عباد الله واتخذوهم خولاً وعبيداً.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩].
أي: لم يسبقوا غيرهم إلى الإيمان بالله، أو لم يفلتوا منا عن عقوبتهم، فعاقبهم الله ودمرهم واحداً واحداً.
ولم يكونوا على ما كانوا عليه من شئون الدنيا سباقين للإيمان بموسى وهارون، وللإيمان بما أنزل عليهم من توراة، بل كانوا سباقين للكفر حريصين على الشرك، متكبرين على الله ومتعاظمين عليه.
стр. 1122
تفسير قوله تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه)
قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
يقول ﷻ : ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] التنوين هذا هو تنوين العوض، أي: كل قبيلة، وكل أمة، وكل طاغية وجبار ممن ذكر الله من قوم هود وقوم صالح، وقارون، وفرعون وهامان؛ كل واحد منهم لقي عذابه نتيجة كفره وجرائمه وذنوبه، فكل واحد منهم أخذه الله وأهلكه وعذبه بسبب ذنبه والجرم الذي قام به، وبسبب الشرك الذي عمله.
يقول تعالى: ﴿َفَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ [العنكبوت:٤٠] وهم عاد قوم هود، وذلك عندما كفروا بالله فأرسل الله عليهم الحصباء والريح العقيم، فكانت تضرب هذا وتصيب هذا وتقتل هذا، وتفصل رءوسهم عن أجسادهم، إلى أن أصبحوا كأعجاز نخل خاوية.
وهذه الآية فيها أسلوب اللف والنشر كما هو معلوم في كتب البلاغة، أي: أن كل حكم يعود للأول المذكور على الترتيب، فالمذكور أولاً هم عاد قوم هود، فكان عقابهم أن حصبوا بالحصباء إلى أن طارت الرءوس عن الأجساد.
ومنهم من أخذته الصيحة، فصاح بهم جبريل ﵇، وهؤلاء هم ثمود قوم صالح، وذلك عندما خالفوه، وخرجوا عن أمره، وطلبوا معجزة الناقة أن تخلق من الصخر بطول كذا وعرض كذا، فدعا صالح ربه فكانت الناقة كما طلبوا، فقتلوها عتواً على الله، وكفراً بأنبياء الله، وظلماً لهذا الحيوان الذي لم يصنع شيئاً، وإنما خلق إظهاراً للمعجزة، وإذا بالله الكريم يصيبهم بالصيحة، فصاح بهم جبريل صيحة ارتجت لها الأرض بحيث خرجت قلوبهم من حلاقيمهم وصرعوا جميعاً، وهلكوا حيث هم، وآثارهم لا تزال في أرض الحجر من المدائن، في حدود الحجاز والشام، وتلك آثار من غضب الله عليهم ولعنهم؛ نتيجة كفرهم وشركهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٤٠] وهو قارون، خرج في زينته يتيه ويتعالى على القوم، وقد خرج في كذا ألف راكب، وكذا ألف حصان وجواد، فتمنى القوم زينته وحليته، ويقولون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩].
وهكذا ظنهم وتوهمهم حتى خسف الله به وبداره وبجميع كنوزه الأرض، فأصبح في قعرها وكأنه لم يكن يوماً على وجه الأرض؛ عقوبة لكبريائه، فقد أذله الله.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، والذي أغرق فرعون وهامان وقومهما، عندما كذبوا نبوة ورسالة موسى وهارون، على كثرة ما جاءهم من آيات بينات، ومعجزات واضحات، لكنهم أبوا إلا الكفران.
بعد ذلك أمر الله موسى وقومه بأن يتركوا أرض مصر، فجاوزوا البحر، وإذا بهؤلاء يلحقونهم، فيدخل فرعون وهامان وجنودهما البحر، وأصبحت الأرض قبل ذلك يبساً لا ماء فيها، وأصبح الماء يميناً وشمالاً كالجبلين العظيمين، فدخل موسى وهارون وقومهما المؤمنون، فلحقهم فرعون وهامان، وهما يظنان أن الأرض بطبيعتها وجدت كذلك، ثم دخل جميع الجيش البحر، ولم يبق أحد على الشاطئ، وإذا بالبحر ينطبق عليهم، ويصبحون طعماً للحيتان وهوام البحر، إلا فرعون، فقد حفظ الله جسده ليبقى آية لمن بعده، ولا يزال محفوظاً إلى اليوم في متاحف مصر، وهو من الأجسام المومياء، ولكن لا يعرف بالقطع، هل هذا أو ذاك؟ ولكنه واحد منهم؛ لأن قومه أو البعض الذين لم يلحقوا ممن لم يكونوا جنداً كذبوا أن يكون فرعون قد هلك، وزعموا أنه إله سيعود، إلى أن رأوا جسده جثة هامدة لا تتحرك.
وبعدما رأت الأعين، آمنوا بأن فرعون لم يكن إلهاً، وإنما كان كذاباً دجالاً.
فكما أغرق الله قوم نوح، أغرق قوم فرعون، وكما رجم قوم عاد، كذلك أصيب بالرجم قوم لوط، فقد قال الله عن قوم نوح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤] فأخبرنا تعالى بأنه عاقبهم بالطوفان فغرقوا وذهبوا.
وقال لنا عن قوم لوط عندما جاءه رسل الله من الملائكة: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت:٣١]، إلى أن قال: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٣٥]، فقد دمرها الله بالحاصب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: أن الله ﷻ لم يظلم ولا يظلم أحداً ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
فعندما أغرق الله من أغرق، وخسف بمن خسف، وأصابت الرجفة من أصابت، وحصب بالحجارة من حصب، كان ذلك جزاءً على جرمهم وذنبهم وكفرهم بالله، فأنفسهم ظلموا، وعلى أنفسهم تعدوا، وهل هناك أشد ظلماً من الشرك بالله والكفر به، وجحود آياته وأنبيائه ورسله وكتبه السماوية، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]، فهم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وبالكفر، وبالجحود، وبالخروج عن أمر الله، وعن طاعة رسل الله بما ارتكبوه من ذنوب ومعاص وآثام.
стр. 1123
تفسير سورة العنكبوت [٤١ - ٤٥]
ضرب الله للذين كفروا واتخذوا من دون الله أولياء مثلاً بالعنكبوت اتخذت بيتاً، وهو أوهن البيوت، ثم حذر الله سبحانه من الشرك وأمر بإقامة الصلاة على وجهها حتى تنهى عن الفحشاء والمنكر.
стр. 1124
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت)
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
في هذه الآية ذكر العنكبوت لذا سميت هذه السورة بسورة العنكبوت، وضرب الله فيها مثلاً لكفر هؤلاء ولما يعتمدون عليه من دون الله، فمثلهم مثل العنكبوت اتخذت بيتاً تأوي إليه وتعتمد عليه وهو من أوهن البيوت.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
أي: مثل هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أوثاناً وجعلوها آلهة استمسكوا بها وتعلقوا بها، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً.
والعنكبوت تتخذ بيتها لتحفظ نفسها من الحشرات أمثالها، فهي تنفع نفسها، ولا ينتفع ببيتها البشر، فهؤلاء الكفار وما اتخذوه من أولياء وأصنام كمن يتخذ من البشر بيوت العنكبوت وما يتصل به، ويجعلها عمدة وغوثاً ومرجعاً، وإذا بنسمة خفيفة من الريح تذهب بهذا البيت، وبمن التجأ إليه، وبمن قام عليه.
وهكذا كان تمسكهم وتشبثهم بأوهام لا أصل لها ولا وجود، فقد عبدوا من دون الله أولياء، فهم أشبه بالعنكبوت اتخذت بيتاً تتحصن به، وتختفي فيه وهو من أوهن البيوت وأضعفها، وأكثرها امتهاناً، وأبعدها عن أن تحصن وأن تحفظ وأن تصون، والمراد ببيت العنكبوت هنا الجنس، أي: بيوت العنكبوت أياً كان شكلها ونوعها.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
أي: لو كان لهم علم ومعرفة لما اتخذوا من دون الله أنداداً وأصناماً لا تضر ولا تنفع، فالله هو المعبود وحده، وهو الذي يجب أن يعبد ويطاع، وهو الخالق، الرازق، الضار، النافع، فخف منه قبل أن يرميك في العذاب، فاعبده ليجازيك بالخير خيراً برحمته، وأما ما دونه من المعبودات من ملك أو بشر أو جن أو جماد، فهي أشبه ببيت العنكبوت، وإن من أضعف البيوت أوهاها وأقلها وأذلها بيت العنكبوت، لو كانت لهم معرفة وعلم بالأشياء.
فالذين اتخذوا من دون الله أولياء عاشوا ضالين، وماتوا ضالين، وكانت استغاثتهم بهؤلاء الأنداد والأوثان والأصنام من دون الله أشبه بالعنكبوت اتخذت البيوت لتحصنها وتحفظها، وماذا عسى أن تصنع هذه البيوت!
стр. 1125
تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٤٢].
أي: أن الله ﷻ هو العالم بالخفايا، والعالم بالسر والعلن، والعالم بالسر وما هو أخفى، فهو يعلم ما يدعو هؤلاء من دون الله ويعبدونه من مخلوقات الله مما لا تضرهم ولا تنفعهم، وليست إلا أشبه ببيوت العناكب، فمن فعل ذلك كان ضائع العقل، ذاهب الفهم، حريصاً على الجنون في الدنيا وعدم المعرفة، وما ينور العقل إلا الإيمان بالله وبرسله وكتبه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٤٢].
أي: وهو العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب ولا ينال؛ فإن العزة لله جميعاً، فلا يعز إلا من أعزه الله، ولا عز إلا للمؤمنين، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
والعنكبوت حرم الشارع قتلها، فهي التي نسجت على باب غار ثور الذي اختفى فيه النبي ﷺ وصاحبه من كفار مكة عندما تواطئوا وتآمروا على قتله ومنعه من الهجرة إلى المدينة المنورة، فلما خرجا من مكة تبعهما الكفار فتلمسوا آثار المشي حتى وصلوا إلى فم الغار، فقالوا: هنا انقطع الأثر، فقال قائل: ادخلوا الغار، فقالوا: لو دخله أحد لتمزق بيت العنكبوت ولما عشعش فيه، وهذا الطائر قد باض وفرخ.
فالعنكبوت دافعت عن النبي ﷺ وهي أضعف ما يكون، وكذلك الحمام دافع عن نبينا وهو من أضعف ما يكون، فقد حمى الله به النبي ﷺ ، وصانه من أعدائه، ولذلك أعطي الحرمة.
وقالوا: إن الحمام المعروف يعتبر من نسل تلك الحمامتين، فحرم الله صيد الحمام وإزعاجه وقتله، وحرم أكل فراخه وبيضه.
وحرم قتل العنكبوت أيضاً احتراماً لذلك، وهذا من خصائصها ومما جعل الله على يدها في الحفاظ على حياة رسول الله، وصيانته من أعدائه.
следующие страницы →