Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
تفسير قوله تعالى: (وقارون وفرعون وهامان)
قال تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩].
أي: وكذلك أرسل الله تعالى إلى قارون وفرعون موسى ﵊ بالآيات البينات، والمعجزات الواضحات، يدعوهم إلى الله، إلى ترك الأوثان.
والمعنى: اذكر يا محمد! قارون الذي أوتي من الأموال ما إن العصابة والجماعة من الناس لا تستطيع حمل مفاتيح خزائنها لثقل تلك المفاتيح، وكان في تلك الخزائن الذهب والفضة والمجوهرات التي لم يكد يملكها إلا القليل من الناس قبل وبعد، فإذا به يتيه بهذا المال على الخلق، ويجعل ذلك حقاً من حقوقه، ولا يكاد يهتم بأحد، تعاظماً وتكبراً وطغياناً وجبروتاً.
ومن يتأله على الله يكذبه، والكفر بالقدر بلاء في الدنيا وبلاء في الآخرة، وأول كفر في الأرض كان من إبليس بسبب القدر، وقارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وفرعون الذي قال لقومه: لا أعلم لكم إلهاً غيري، وقال عن نفسه: أنا ربكم الأعلى، واستدل على ذلك بسخافات وحقارات، فمنها ما قاله الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، اتخذ ملكه لجزء من الأرض سبباً لتألهه، وملكه لا يكاد يعتبر نقطة في مياه الأرض العذبة، ونصب نفسه على الناس إلهاً، فكان كاذباً فاجراً سخيفاً.
وهامان كان وزيراً لفرعون وناصره على ذلك وواطأه، وقد أرسل الله لهم موسى يدعوهم إلى الله بالآيات البينات، فقد جاء بتسع آيات، جاء بالعصا، وباليد تخرج من الجيب بيضاء كأنها اللؤلؤ الدري، وبالضفادع، وبالدم إلى أن جاء بأن ينفلق له البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، فكان جواب هؤلاء أنهم كفروا بالله، وخرجوا عن أمر الله، فجوزوا على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩].
هؤلاء الثلاثة جاءهم موسى ﵊ برسالة الله وآياته البينات، فاستكبروا في الأرض، وكذبوا بالآيات التي أتى بها موسى، وجحدوا الحق وأبوا إلا الكفران والجحود، وعاشوا على ذلك، إلى أن عاقبهم الله بما نعلمه وبما سيقصه علينا مجدداً.
اتخذوا الكبرياء رداءً وديناً، وتكبروا على موسى وهارون، وتكبروا على المؤمنين من عباد الله واتخذوهم خولاً وعبيداً.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت:٣٩].
أي: لم يسبقوا غيرهم إلى الإيمان بالله، أو لم يفلتوا منا عن عقوبتهم، فعاقبهم الله ودمرهم واحداً واحداً.
ولم يكونوا على ما كانوا عليه من شئون الدنيا سباقين للإيمان بموسى وهارون، وللإيمان بما أنزل عليهم من توراة، بل كانوا سباقين للكفر حريصين على الشرك، متكبرين على الله ومتعاظمين عليه.
стр. 1122
تفسير قوله تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه)
قال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].
يقول ﷻ : ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت:٤٠] التنوين هذا هو تنوين العوض، أي: كل قبيلة، وكل أمة، وكل طاغية وجبار ممن ذكر الله من قوم هود وقوم صالح، وقارون، وفرعون وهامان؛ كل واحد منهم لقي عذابه نتيجة كفره وجرائمه وذنوبه، فكل واحد منهم أخذه الله وأهلكه وعذبه بسبب ذنبه والجرم الذي قام به، وبسبب الشرك الذي عمله.
يقول تعالى: ﴿َفَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ [العنكبوت:٤٠] وهم عاد قوم هود، وذلك عندما كفروا بالله فأرسل الله عليهم الحصباء والريح العقيم، فكانت تضرب هذا وتصيب هذا وتقتل هذا، وتفصل رءوسهم عن أجسادهم، إلى أن أصبحوا كأعجاز نخل خاوية.
وهذه الآية فيها أسلوب اللف والنشر كما هو معلوم في كتب البلاغة، أي: أن كل حكم يعود للأول المذكور على الترتيب، فالمذكور أولاً هم عاد قوم هود، فكان عقابهم أن حصبوا بالحصباء إلى أن طارت الرءوس عن الأجساد.
ومنهم من أخذته الصيحة، فصاح بهم جبريل ﵇، وهؤلاء هم ثمود قوم صالح، وذلك عندما خالفوه، وخرجوا عن أمره، وطلبوا معجزة الناقة أن تخلق من الصخر بطول كذا وعرض كذا، فدعا صالح ربه فكانت الناقة كما طلبوا، فقتلوها عتواً على الله، وكفراً بأنبياء الله، وظلماً لهذا الحيوان الذي لم يصنع شيئاً، وإنما خلق إظهاراً للمعجزة، وإذا بالله الكريم يصيبهم بالصيحة، فصاح بهم جبريل صيحة ارتجت لها الأرض بحيث خرجت قلوبهم من حلاقيمهم وصرعوا جميعاً، وهلكوا حيث هم، وآثارهم لا تزال في أرض الحجر من المدائن، في حدود الحجاز والشام، وتلك آثار من غضب الله عليهم ولعنهم؛ نتيجة كفرهم وشركهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٤٠] وهو قارون، خرج في زينته يتيه ويتعالى على القوم، وقد خرج في كذا ألف راكب، وكذا ألف حصان وجواد، فتمنى القوم زينته وحليته، ويقولون: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩].
وهكذا ظنهم وتوهمهم حتى خسف الله به وبداره وبجميع كنوزه الأرض، فأصبح في قعرها وكأنه لم يكن يوماً على وجه الأرض؛ عقوبة لكبريائه، فقد أذله الله.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، والذي أغرق فرعون وهامان وقومهما، عندما كذبوا نبوة ورسالة موسى وهارون، على كثرة ما جاءهم من آيات بينات، ومعجزات واضحات، لكنهم أبوا إلا الكفران.
بعد ذلك أمر الله موسى وقومه بأن يتركوا أرض مصر، فجاوزوا البحر، وإذا بهؤلاء يلحقونهم، فيدخل فرعون وهامان وجنودهما البحر، وأصبحت الأرض قبل ذلك يبساً لا ماء فيها، وأصبح الماء يميناً وشمالاً كالجبلين العظيمين، فدخل موسى وهارون وقومهما المؤمنون، فلحقهم فرعون وهامان، وهما يظنان أن الأرض بطبيعتها وجدت كذلك، ثم دخل جميع الجيش البحر، ولم يبق أحد على الشاطئ، وإذا بالبحر ينطبق عليهم، ويصبحون طعماً للحيتان وهوام البحر، إلا فرعون، فقد حفظ الله جسده ليبقى آية لمن بعده، ولا يزال محفوظاً إلى اليوم في متاحف مصر، وهو من الأجسام المومياء، ولكن لا يعرف بالقطع، هل هذا أو ذاك؟ ولكنه واحد منهم؛ لأن قومه أو البعض الذين لم يلحقوا ممن لم يكونوا جنداً كذبوا أن يكون فرعون قد هلك، وزعموا أنه إله سيعود، إلى أن رأوا جسده جثة هامدة لا تتحرك.
وبعدما رأت الأعين، آمنوا بأن فرعون لم يكن إلهاً، وإنما كان كذاباً دجالاً.
فكما أغرق الله قوم نوح، أغرق قوم فرعون، وكما رجم قوم عاد، كذلك أصيب بالرجم قوم لوط، فقد قال الله عن قوم نوح: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:١٤] فأخبرنا تعالى بأنه عاقبهم بالطوفان فغرقوا وذهبوا.
وقال لنا عن قوم لوط عندما جاءه رسل الله من الملائكة: ﴿إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت:٣١]، إلى أن قال: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٣٥]، فقد دمرها الله بالحاصب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠] أي: أن الله ﷻ لم يظلم ولا يظلم أحداً ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا).
فعندما أغرق الله من أغرق، وخسف بمن خسف، وأصابت الرجفة من أصابت، وحصب بالحجارة من حصب، كان ذلك جزاءً على جرمهم وذنبهم وكفرهم بالله، فأنفسهم ظلموا، وعلى أنفسهم تعدوا، وهل هناك أشد ظلماً من الشرك بالله والكفر به، وجحود آياته وأنبيائه ورسله وكتبه السماوية، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]، فهم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وبالكفر، وبالجحود، وبالخروج عن أمر الله، وعن طاعة رسل الله بما ارتكبوه من ذنوب ومعاص وآثام.
стр. 1123
تفسير سورة العنكبوت [٤١ - ٤٥]
ضرب الله للذين كفروا واتخذوا من دون الله أولياء مثلاً بالعنكبوت اتخذت بيتاً، وهو أوهن البيوت، ثم حذر الله سبحانه من الشرك وأمر بإقامة الصلاة على وجهها حتى تنهى عن الفحشاء والمنكر.
стр. 1124
تفسير قوله تعالى: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت)
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
في هذه الآية ذكر العنكبوت لذا سميت هذه السورة بسورة العنكبوت، وضرب الله فيها مثلاً لكفر هؤلاء ولما يعتمدون عليه من دون الله، فمثلهم مثل العنكبوت اتخذت بيتاً تأوي إليه وتعتمد عليه وهو من أوهن البيوت.
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
أي: مثل هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أوثاناً وجعلوها آلهة استمسكوا بها وتعلقوا بها، كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً.
والعنكبوت تتخذ بيتها لتحفظ نفسها من الحشرات أمثالها، فهي تنفع نفسها، ولا ينتفع ببيتها البشر، فهؤلاء الكفار وما اتخذوه من أولياء وأصنام كمن يتخذ من البشر بيوت العنكبوت وما يتصل به، ويجعلها عمدة وغوثاً ومرجعاً، وإذا بنسمة خفيفة من الريح تذهب بهذا البيت، وبمن التجأ إليه، وبمن قام عليه.
وهكذا كان تمسكهم وتشبثهم بأوهام لا أصل لها ولا وجود، فقد عبدوا من دون الله أولياء، فهم أشبه بالعنكبوت اتخذت بيتاً تتحصن به، وتختفي فيه وهو من أوهن البيوت وأضعفها، وأكثرها امتهاناً، وأبعدها عن أن تحصن وأن تحفظ وأن تصون، والمراد ببيت العنكبوت هنا الجنس، أي: بيوت العنكبوت أياً كان شكلها ونوعها.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٤١].
أي: لو كان لهم علم ومعرفة لما اتخذوا من دون الله أنداداً وأصناماً لا تضر ولا تنفع، فالله هو المعبود وحده، وهو الذي يجب أن يعبد ويطاع، وهو الخالق، الرازق، الضار، النافع، فخف منه قبل أن يرميك في العذاب، فاعبده ليجازيك بالخير خيراً برحمته، وأما ما دونه من المعبودات من ملك أو بشر أو جن أو جماد، فهي أشبه ببيت العنكبوت، وإن من أضعف البيوت أوهاها وأقلها وأذلها بيت العنكبوت، لو كانت لهم معرفة وعلم بالأشياء.
فالذين اتخذوا من دون الله أولياء عاشوا ضالين، وماتوا ضالين، وكانت استغاثتهم بهؤلاء الأنداد والأوثان والأصنام من دون الله أشبه بالعنكبوت اتخذت البيوت لتحصنها وتحفظها، وماذا عسى أن تصنع هذه البيوت!
стр. 1125
تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٤٢].
أي: أن الله ﷻ هو العالم بالخفايا، والعالم بالسر والعلن، والعالم بالسر وما هو أخفى، فهو يعلم ما يدعو هؤلاء من دون الله ويعبدونه من مخلوقات الله مما لا تضرهم ولا تنفعهم، وليست إلا أشبه ببيوت العناكب، فمن فعل ذلك كان ضائع العقل، ذاهب الفهم، حريصاً على الجنون في الدنيا وعدم المعرفة، وما ينور العقل إلا الإيمان بالله وبرسله وكتبه.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:٤٢].
أي: وهو العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب ولا ينال؛ فإن العزة لله جميعاً، فلا يعز إلا من أعزه الله، ولا عز إلا للمؤمنين، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
والعنكبوت حرم الشارع قتلها، فهي التي نسجت على باب غار ثور الذي اختفى فيه النبي ﷺ وصاحبه من كفار مكة عندما تواطئوا وتآمروا على قتله ومنعه من الهجرة إلى المدينة المنورة، فلما خرجا من مكة تبعهما الكفار فتلمسوا آثار المشي حتى وصلوا إلى فم الغار، فقالوا: هنا انقطع الأثر، فقال قائل: ادخلوا الغار، فقالوا: لو دخله أحد لتمزق بيت العنكبوت ولما عشعش فيه، وهذا الطائر قد باض وفرخ.
فالعنكبوت دافعت عن النبي ﷺ وهي أضعف ما يكون، وكذلك الحمام دافع عن نبينا وهو من أضعف ما يكون، فقد حمى الله به النبي ﷺ ، وصانه من أعدائه، ولذلك أعطي الحرمة.
وقالوا: إن الحمام المعروف يعتبر من نسل تلك الحمامتين، فحرم الله صيد الحمام وإزعاجه وقتله، وحرم أكل فراخه وبيضه.
وحرم قتل العنكبوت أيضاً احتراماً لذلك، وهذا من خصائصها ومما جعل الله على يدها في الحفاظ على حياة رسول الله، وصيانته من أعدائه.
стр. 1126
تفسير قوله تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣].
أي: وتلك الأمثال والذي منها ضرب المثل للمشركين المتخذين من دون الله أنداداً بالعنكبوت اتخذت بيتاً.
والمثل بمعنى الشبه، والله يضرب الشبه بما تراه العين وتحسه، وبما لم تره، أو بما ذكر في الذهن أو مضى في التاريخ لتقريب المعنى، والقرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب مليئة بالأمثال، حتى إن الدارج من لغاتها ولهجاتها في بلاد المشرق والمغرب العربي، فلا يكادون يتكلمون إلا والأمثال تتخلل كلامهم، ومحاوراتهم وصلحهم وجدالهم ونزاعهم تبعاً للغة العرب الأصلية التي نزل بها القرآن، فلقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: حفظت من رسول الله ﷺ أكثر من ألف مثل.
فنبينا محمد ﷺ سيد الفصحاء، وأعطي جوامع الكلم، فـ عبد الله بن عمرو ﵄ سمع من رسول الله ﷺ في حديثه وكلامه ومحاوراته أكثر من ألف مثل، وقد كتب علماؤنا وسلفنا الصالح في أمثال رسول الله الذي تكلم بها، وتوجد هذه الأمثال في عموم كتب السنة، فتوجد في كتب الصحاح، والسنن، والمعاجم، والمسانيد؛ في أبواب العبادات، والمعاملات، والعقائد، والقصص، والآداب والرقائق، صلى الله على نبينا وسلم.
стр. 1127
تفسير قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض بالحق)
قال تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت:٤٤].
يقول الله لهؤلاء الكفار: أتظنون أن الله خلق الدنيا عبثا؟ ما خلقها سبهللا لتعيشوا وتأكلوا وتشربوا وتتكاثروا فقط، ما خلق الله السماوات السبع، والأرضين السبع إلا بالحق وللحق والعدل، وهذا الذي يعلمه المؤمنون.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [العنكبوت:٤٤].
أي: لعبرة، ومعجزة، وعلامة بينة للمؤمنين بالله، والمصدقين لرسل الله، والعاملين بكتب الله أمراً ونهياً، فلم تخلق السموات والأرض عبثاً، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
والعبادة أصل خلقة الإنسان، فإذا ابتعد عنها كان كمن جعل حياته حياة حيوان، بل أقبح وألعن، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
стр. 1128
تفسير قوله تعالى: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب)
قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
والكتاب هو القرآن، والألف واللام للعهد أي: للمعهود ذهنا، فالكتاب الموحى إليك كلام الله، ناسخ الكتب السابقة، والمهيمن عليها.
فالله يأمر نبيه محمداً ﷺ أن يقرأ هذا القرآن ويدعو الناس إليه، ويعرفهم بحلاله وبحرامه وبعقائده، وبآدابه، وبقصصه، وبرقائقه، والعمل بما فيه من أوامر، واجتناب ما فيه من نواهي، وأن يتلوه عبادة، صلاة، وتهجداً، وذكراً، وكذلك المؤمنون من مشارق الأرض ومغاربها.
والأمر الموجه للنبي ﷺ أمر لعموم الناس، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، ولكن لا يقبل ذلك إلا ممن آمن بالله، ولو فعله الكافر وهو على كفره لم يقبل منه، وهو مطالب بالإسلام، لأنه من أمة محمد ﵊.
ومنذ برز النبي ﵊ في هذه الديار المقدسة وقال: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً، وجب على كل الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، أن يطيعوه ويمتثلوا أمره، وهم أمته؛ إلا أنه من استجاب منهم فهو من أمة الإجابة، ومن لم يستجب فهو من أمة الدعوة، أي: الأمة التي دعاها النبي ﵊ للإيمان بالله وكتابه ورسوله ﷺ .
والتلاوة بمعنى القراءة، والدرس، والشرح والبيان، وكل ذلك تشمله هذه الفقرة الكريمة.
стр. 1129
أهمية الصلاة المفروضة
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
أي: أقم الصلاة المعروفة، ذات الركعات وذات التهجد، وذات الركوع، وذات التلاوة، وذات الأذكار والقيام والركوع والسجود، المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم.
وإقامة الصلاة هو الإتيان بها في أوقاتها، بأركانها وشرائطها وواجباتها وآدابها، فمن أخرها عن وقتها، أو لم يطمئن فيها، أو صنع فيها ما لا يجوز أن يصنعه، لم يقم الصلاة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] ومن خصائص الصلاة على من داوم عليها، وأتم أركانها، وقام بالطمأنينة فيها، وبالتدبر لما يذكر فيها من قرآن وأذكار، أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والفحشاء هو كل ما حرم الله، ويكون كبيرة أو صغيرة، والمنكر كل ما أنكره الشرع، وحرمه وكرهه ومنعه.
ومن خصائص الصلاة أن من واظب عليها جماعة في المساجد فهو مؤمن، قال ﵊: (من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان).
وجاء قوم إلى النبي ﵊ فقالوا: (إن فلاناً يصلي دائماً ويقوم الليل، لكنه يسرق ويفسد -وذكروا جرائمه- فقال لهم: دعوه ستنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر)، وليس معنى ذلك ترك إقامة الحدود، إذ لم تتم الشهادة عليه، وإلا لقطعت يده، وإن كان زانياً لجلد أو رجم، ولكن كلاماً يقوله الناس، فكان يقول ﵊: (دعوه إن الصلاة ستنهاه عن ذلك، وتلا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]).
وفي السنن: عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس ﵃ أن النبي ﷺ يقول: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لا نهاه الله).
ومعناه: أن الذي لا يتدبر في الصلاة، ولا يتفكر في معناها، ولا يطمئن فيها، ولا يقوم بأركانها وبواجباتها، إن هي إلا حركات أشبه بنقر الديكة، وحركات الثعلب، فليست صلاة القانتين العابدين، ومن لا يلتزم الوقت، ولا يلتزم آدابها، فإنها ترد عليه، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر كأنه لم يصل؛ لأن صلاته ليست بصحيحة.
стр. 1130
أهمية الذكر
قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
ذكر الله: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أكبر من كل أنواع الأذكار، والصلاة فيها كل ذلك، ففيها ذكر الله: فيها الله أكبر، وفيها سبحان الله، وفيها سبحان ربي الأعلى، وفيها سبحان ربي العظيم، وفيها قراءة الفاتحة وسورة، وفيها السجود، ولقد قال النبي ﵊: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)، أي: جدير للساجد وقد سجد بجبهته، وبأنفه، وبكفيه، وبركبتيه، وبرءوس قدميه وهو بهذا الموقف الجليل الذي لا يليق إلا بالله، جدير أن يستجيب الله له دعاءه، فالصلاة مشتملة على الذكر.
قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ويقول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] أي: ذكر الله لك أيها العبد أعظم من ذكرك له، وأكبر من ذكرك له، وأشرف من ذكرك له، ودليله الآية السابقة، وقول النبي ﵊ في الحديث القدسي: (من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) أي: من ذكر الله وحده ذكره الله وحده، وإن ذكره في جماعة ذكره الله في جماعة خير منها وأفضل، وهم جماعة الملائكة.
إذاً: فذكر العبد لله شيء عظيم، وكون الذكر في الصلاة فهو أعظم، وأعظم من ذلك أن يذكرنا الله عندما نذكره، فيذكرنا بالرحمة، وبالرضا، وبالجنة.
وذكر الله عبده أكبر من كل كبير، فالله الأكبر والأعظم، فإن ذكرك الله كان ذكره لك أعظم من ذكرك له، سواء كنت مصلياً، أو ذاكراً فقط، أو تالياً فقط، أو ذاكراً بأي نوع من أنواع الذكر، فذكر الله لك وحده لأنك ذكرته وحدك، أو في ملأ؛ لأنك ذكرته في ملأ، فذكر الله أعظم من ذلك؛ لأنه يذكرك كما ذكرته.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
هذه فيها بشرى ووعيد وإنذار، فالله يعلم ما تصنعون أيها الناس، فمن كان صنعته الطاعة والعبادة، وكانت صلاته تامة في أوقاتها وبأركانها، فالله عليم بصنعه، وبعمله، فيجازيه بالخير إحسانا، الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، من غير إكراه.
والله يعلم ما يصنع الكافر والعاصي، فيعامل الكافر على الكفر ناراً ومحنة وعذاباً، والعاصي يعامله تأديباً ومحنة ودخول النار، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه.
قال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، بذكر هذه الآية نكون قد ختمنا عشرين جزءاً أي: ثلثي القرآن الكريم، ومن أول هذه الآية نكون قد شرعنا في الثلث الثالث، أعاننا الله على تمامه كما أعاننا على تمام الثلثين السابقين، وقبل الله ذلك منا.
стр. 1131
تفسير سورة العنكبوت [٤٦ - ٤٧]
من آداب المجادلة مع أهل الكتاب أن يجادلوا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقد أنزل الله الكتاب على سيدنا محمد ﷺ فآمن به بعض أهل الكتاب لأنهم وجدوه مطابقاً لما عندهم.
стр. 1132
تفسير قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن)
قال الله جلت قدرته: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦].
يعلمنا الله ربنا ﷻ كيف ندعو الوثنيين والمشركين إليه، وكيف ندعو من كان من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، فلهؤلاء حكم, ولهؤلاء حكم، ويجمع الكل أنهم كفرة لا يؤمنون بالله، وأنهم اتخذوا معه أولياء وشركاء من دونه، فقال ﷻ : ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦].
الجدال: هو الخصام، أي: لا تخاصموهم، ولا تناقشوهم، ولا تحاوروهم إلا بالكلمة الطيبة، فلا تعنيف، ولا شتيمة، ولا صراخ، ولا تقبيح، ولا شتم وذم.
وقد أرسل الله نبيين كريمين -وهما موسى وهارون- إلى من ادعى الألوهية كذباً وطغياناً وجنوناً وحمقاً، ومع ذلك قال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، وهما النبيان الكريمان، والمدعو رجل طغى عليه حمقه ورعونته، فلم يدع النبوة، بل ادعى ما هو أكبر منها؛ ادعى أنه إله معبود من دون الله، ومع ذلك فإن الله ﷻ أمر النبيين الكريمين بأن يكون كلامهما له ودعوتهما إياه باللين والكلمة الطيبة، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥].
وهنا أجدر أن تقبل الدعوة، وأجدر أن ينصتوا للحق ولدليله وبرهانه.
وهكذا هنا فإن الله ﷻ أمرنا عند محاورة أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن نجادلهم وأن نستدل عليهم بالتي هي أحسن، أي: بالكلمة الحسنة والطيبة من غير أن يكون هناك خصام ولا شتيمة.
وأهل الكتاب قوم يظنون أنفسهم مؤمنين، وقد حرفوا وبدلوا التوراة والإنجيل، وأمروا أن يعبدوا إلهاً واحداً فعبدوا ثلاثة آلهة: عبدوا الله، ومريم، وعيسى، وسموها الأقانيم الثلاثة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣].
وازداد اليهود كفراً فعبدوا العجل من دون الله، واتخذوه شريكاً وإلها، ثم زعموا لأنفسهم أنهم أبناء الله، ثم زعم ذلك النصارى بعدهم، وقد حكى الله ذلك عنهم، ثم قالوا كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨].
فكان شركهم قد تجاوز شرك السابقين؛ إذ جعلوا الخلق كله من أصل إلهي، وفيهم جزء إلهي، فكانت الآلهة عندهم بعدد الخلق، فضلوا وأضلوا.
والله ﷻ سماهم الكفار والمشركين من أهل الكتاب، فهم في الأصل أهل كتاب، اتبعوا موسى في زعمهم، وأنزلت عليه التوراة، واتبعوا عيسى في زعمهم، وأنزل عليه الإنجيل، فهم بهذا الاعتبار أهل كتاب، ثم إنهم حرفوا وبدلوا وغيروا ما في الكتب السماوية.
وفي التوراة المحرفة الغرائب والعجائب، ففيها الاستهزاء بالله، وقذف الأنبياء والرسل بكل طامة وكبيرة من المحارم ومن أنواع الفواحش.
وكذلك الإنجيل المحرف فيه عقيدة التثليث، وفيه تأليه البشر: عيسى ومريم، وفيه أن النصارى أبناء لله، وينادون ربهم ويقولون: يا أبانا الذي في السماء! هكذا يكفرون ويشركون.
فالله ﷻ يأمرنا أن ندعوهم إلى القرآن وإلى الإسلام وإلى رسالة محمد ﷺ بالكلمة الطيبة.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦] أي: إلا الظالمين من هؤلاء الكتابيين، فعاملوهم بمعاملتهم، وأجيبوهم بمثل قولهم، وارفعوا السيف في وجوههم، لأنهم كانوا ظالمين، والظلم يعنى به هنا: تجاوز حدهم بالهجوم على الرسالة المحمدية، وعلى محمد ﷺ .
لأن الكفر أظلم الظلم، فكل من كان كافراً كان ظالماً، والكفر ظلم أخص، وهؤلاء منهم من إذا جادلك أو إذا خاصمك، تعرض لنبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسوء، وتعرض لكتاب الله بكل قلة أدب، وقذف وشتم وكذب، وقال ما يقوله كل كافر وقح.
إذا بلغ بهؤلاء وقد ظلموا المسلمين بأقوالهم، وأفعالهم، فلا يكفي فيهم المجادلة بالكلمة الطيبة، ولا بالتي هي أحسن، فمن احتاج السيف فاضربه بالسيف، ومن يكفي فيه الضرب بالعصا، أو السجن وما إلى ذلك، يعامل بمثل ذلك، لا للجدال في الحق، ولكن لتأديبه على ظلمه، وتعديه لسلطانه، وهذا كله مع أهل الذمة، الذين هم تحت سلطاننا وذمتنا من اليهود والنصارى.
أما الحربيون فإنهم يدعون إلى الإسلام، وإلا فالجزية، وإلا فالحرب.
والله أمرنا أن ندعو الخلق كلهم إلى الإسلام، فإن فعلوا فذاك، وإلا فتعرض عليهم الجزية.
والجزية تعني: أن يخضعوا لكتاب الله حكماً، وأن يصبحوا تحت راية الإسلام، فالحكم للمسلمين وهم تحت تصرفهم، مع إبقاء البالغين منهم على دينهم، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦].
ومن دخل الإسلام أرضه، وأصبح الحاكم فيها، ووجد صغار لم يبلغوا الحلم، فالصغار يعتبرون مسلمين إذا بلغوا وهم تحت حكم الإسلام.
قال النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
والفطرة هي الإسلام، وقد أجمع على ذلك شراح هذا الحديث، فإن بلغ الأولاد وهم في بلاد الإسلام فهم مسلمون، ولا يحق لأب أو أم أو لكليهما أن يغيروا دين أولادهم من الإسلام إلى الكفر، ولا يجوز لنا أن نأذن لهم ونتركهم لأن ينصروهم أو يهودوهم، أو يمجسوهم.
وقد كان عمر ﵁ يكتب لولاته وأمرائه وقواده: ألا تدعوا النصارى ينصروا أولادهم، وألا تدعوا اليهود يهودوا أولادهم، وألا تدعوا المجوس يمجسوا أولادهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦].
هذا خطاب لأهل الذمة الذين هم تحت ذمة المسلمين وحكمهم وسلطانهم، أما الحربيون فالإسلام أو الجزية أو السيف، أي: الحرب، وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وليس الأمر كذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [العنكبوت:٤٦]، أي: الذميون الذين تجاوزوا حدودهم من قلة الأدب مع الإسلام ونبي الإسلام وكتاب الإسلام، فليس لهم ذمة.
أما الحربيون إن رفضوا الإسلام والجزية، فليس لهم منا إلا السيف، قال تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
стр. 1133
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب)
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت:٤٧].
أي: كما أنزلنا الزبور على داود، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، وكما جعلناهم أنبياء ورسلاً, وأوحينا إليهم بدين وكتاب، كذلك أرسلناك رسولاً بوحي وكتاب، فأرسلناك بالإسلام للناس عامة، وأوحينا إليك القرآن الكريم المهيمن على ما سبقه من الكتب، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالله ﷻ حفظه وتعهد بحفظه، ولم يكل حفظه لأحد من خلقه.
وأكبر معجزة للنبي ﷺ هي القرآن الكريم، فهو بعد نزوله بألف وأربعمائة عام لم يغير ولم يبدل لا في سورة، ولا في آية، ولا في حركة حرف أو سكونه، وما ذلك إلا لأن الله تعهد بحفظه.
وأما الكتب السماوية السابقة فلم يتعهد الله بحفظها، وإنما عهد بحفظها لعلماء اليهود والنصارى، قال تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤]، فعجزوا عن حفظها، ورعايتها، فبدلوا وغيروا.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٤٧].
أي: القرآن، وهو هدى ونور للمؤمنين بل وللناس كافة، فمن اهتدى به نفع نفسه، ومن جحده أضر بها وما ضر أحداً.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت:٤٧].
أي: والذين آتيناهم الكتاب منهم من آمن بك وصدقك كـ عبد الله بن سلام وقد كان يهودياً، وسلمان الفارسي الذي أسلم وقد كان نصرانياً، فهؤلاء آمنوا بالكتب السابقة، وآمنوا كذلك الكتاب اللاحق وهو القرآن الكريم المنزل إليك.
فهم آمنوا أولاً، وآمنوا أخيراً، لأنهم وجدوا في التوراة والإنجيل اسمك وصفتك ونعتك.
فكان إيمانهم بالكتب السابقة إيماناً بك، لأنهم وجدوا الصفات التي ذكرت في الكتب السابقة منطبقة عليك عندما رأوك وجالسوك، وسمعوا قولك، وسمعوا من القرآن المنزل عليك، فكان ذلك دليلاً وشاهداً وسلطاناً وبرهاناً فآمنوا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [العنكبوت:٤٧].
أي: ومن المشركين الوثنيين من يؤمن بمحمد صلى الله عليه وعلى آله، ويؤمن بالكتاب المنزل إليه، وأنه كلام الله، وأنه الوحي الحق جاء به جبريل ﵇ من الله إلى قلبك لتكون للعالمين نذيراً.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت:٤٧].
الجحود هو معرفة الحق ونكرانه، فأهل الكتاب وجدوا في النبي ﵊ الصفات التي في التوراة والإنجيل فآمنوا به وصدقوه.
ومن العرب من آمن به كذلك، وكان هذا في صدر الإسلام، وهذه السورة مكية، على خلاف في ذلك، كما قررنا ذلك في أول السورة.
فكفار العرب رأوا من أمانة النبي ﵊، وصدقة وكونه لم يكذب قط على الناس إلى أن صار عمره أربعين عاماً، فعلموا أنه لا يكذب على الله بعد الأربعين عاماً، حاشا الله ومعاذ الله، فمن لا يكذب على الناس لا يكذب على الله.
وقد بقي النبي ﵊ صادق القول لمدة أربعين سنة، وقد عرفه بذلك الصغير والكبير، والرجل والمرأة، فلا يخطر ببال أنه بعد ما أتم من الأربعين سنة يكذب على الله، جل الله عن ذلك، وجل نبينا ﵊ عن أن يكذب على الله.
وكان كفار مكة يلقبون النبي ﵊ قبل النبوة بالأمين والصديق، والصديق صيغة مبالغة، وهي تدل على كثرة الصدق، وعدم الكذب قط، لا تلويحاً ولا تصريحاً.
فالكفار آمنوا به بما علموا من خلقه، ومن عشرته الطويلة معهم قبل الإسلام، وأهل الكتاب آمنوا به لما وجدوا من صفته، ومن نعته في كتبهم السماوية التوراة والإنجيل، استناداً على ما عندهم من حق وسلطان ودليل، على أن محمداً النبي الخاتم والرسول الصادق، صلى الله عليه وعلى آله.
стр. 1134
تفسير سورة العنكبوت [٤٨ - ٥١]
القرآن العظيم كلام الله أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ، وتحدى به العرب فلم يقدروا على الإتيان بمثله، فهو المعجزة الخالدة للنبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب.
стр. 1135
تفسير قوله تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك)
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨].
يقول الله لمحمد ﵊: إنك يا محمد كما تعلم أنت ويعلم قومك، ويعلم كل من رآك وعرفك، أنك قبل نزول الكتاب إليك، لم تكن تتلو شيئاً من الكتاب، فقد كنت أمياً لا تقرأ كتاباً ولا تكتبه بيمينك، فأعظم معجزة أنك لم تتعلم، ولم تجلس بين يدي شيخ، ولم تقرأ كتابا ولم تكتب بيدك شيئاً.
ومع ذلك وبعد الأربعين من السنين أصبحت محيطاً بعلم الأوائل والأواخر، علم الأنبياء وعلم الكتب السابقة، بل جئت فصححت ما كان عندهم من كذب، وتحريف، وتغيير، فعلمت علم خلق الدنيا، وخلق السموات والأرض.
وعلمت الله ﷻ بنعوته وصفاته وبمقامه جل وعلا وأنه الخالق الواحد الذي لا شريك له، وعلمت ما كان بعلم الله لك وما سيكون، وعلمت من شأن الأمم قبلك والأمم بعدك ما علمكه الله بما أنزل إليك من هذا الكتاب الكريم، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢].
هذا الكتاب المعجز في لفظه، والمعجز في معناه، جئت به وأنت الأمي، كما يقول العارف: كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فيكفي معجزة لنبينا ﵊ أنه وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب جاء بعلم لم يأت به أحد قبله: لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وكل ذلك قد صادق خبره الخبر، سواء فيما مضى أو فيما هو آت.
فقد جاءكم بكتاب فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، والفصل فيما بينكم، هو الجد ليس بالهزل، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، فيه الحق الصراح في الخبر والنبأ والحكم، والعقائد والقصص والآداب والرقائق.
قوله: ﴿إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨].
أي: لو كان النبي يكتب ويقرأ لقال أهل الباطل من أهل الشرك ومن يهود ونصارى: لا غرابة فيما جاء به محمد، فهو قد قرأ كما يقرأ الناس، وكتب كما يكتب الناس، وحضر مجالس العلماء، فهو يقرأ ويكتب.
ولكن لما كان الأمر ليس كذلك كانت المعجزة مما ظهر في عقول العقلاء قبل غيرهم، وكانت أعظم معجزة أتى بها هي القرآن، فلم يأت من قبله إلا بمعجزة قد انتهى زمانها، كعصا موسى وناقة صالح وما إلى ذلك، ولكن المعجزة الدائمة الباقية ما بقيت الدنيا هي هذا الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فأعظم المعجزات التي كانت والباقية إلى يوم القيامة هي هذا الكتاب الذي تحدى الله الخلق جنهم وإنسهم أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، أو بعشر آيات منه، فعجزوا وما استطاعوا.
والتحدي لا يزال قائماً منذ ألف وأربعمائة عام، فلم يستطع أحد أن يجاري القرآن في فصاحته وبلاغته وإعجازه، لا القريب من اللغة العربية، ولا البعيد عنها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ [العنكبوت:٤٨].
أي: لم تكن تتلو كتاباً وتقرؤه من قبل القرآن الكريم المنزل إليك.
﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت:٤٨].
أي: ولم تكن تكتب بيمينك، وذكر اليمين هنا هو في الأغلب وإلا فبعض الشواذ يكتب باليسار، والمقصود أن النبي لم يكن يكتب قط.
والخط باليمين هنا المراد به الكتابة، بمعنى أنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وكونه لا يقرأ ولا يكتب هو ما جاء ذكره في القرآن الكريم، وجاء في التوراة والإنجيل قبل ذلك، وأجمع عليه المسلمون قاطبة، حتى لقد قالوا: من زعم أن محمداً يقرأ ويكتب فهو كافر بالله، إما أن يتوب إلى الله وإما أن يقتل على الردة.
وقد زعم أبو الوليد الباجي من علماء الأندلس في القرن الخامس أن النبي عليه الصلاة السلام كان يقرأ ويكتب، وقال هذا الكلام وهذا الهراء وهذا الجهل على جلالته وعلمه ومكانته بين المفسرين والمحدثين والعلماء والفقهاء.
وقد أخذ ذلك من كلمة ذكرت في صحيح البخاري، وذلك عندما اتفق النبي ﷺ مع خصومه وأعدائه من كفار مكة أن يكتبوا معاهدة الحديبية، وكان الكاتب للرسالة هو علي بن أبي طالب ﵁، فقال له النبي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، وإذا بسفير قريش يقول: اكتب: باسمك اللهم كما كان يكتب سلفك وقومك، ثم قالوا له: اكتب اسمك واسم أبيك كما يكتب الناس، ولو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، وكان علي قد كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فغيرها باسمك اللهم، فقال له النبي: امح رسول الله واكتب: هذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله، فامتنع علي وقال: والله يا رسول الله لن أمحو رسالتك لا في قول ولا في عمل.
في رواية عند البخاري: فمحاها النبي ﷺ وكتب: محمد بن عبد الله، وفي الرواية الثانية في البخاري: فأمر رسول الله غير علي بأن يمحوها ويكتب اسمه واسم أبيه، فجاء الباجي فقال: قد كتب رسول الله: محمد بن عبد الله، فنسب الكتابة للنبي، وقال: كانت تلك معجزة لرسول الله.
وهذا فهم أعوج لأمرين: أولاً: أن المعجزات لا تتضارب، فالمعجزة كانت في كونه أمياً، لا في كونه قارئاً، فلو اعتبرنا المعجزة انقلبت من أمي إلى قارئ وكاتب لكان هناك تضارب، والمعجزات لا تتضارب.
ثانياً: أنه لو كان يكتب لدخل في عموم الآية: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨].
إذاً: لو كان يقرأ ويكتب لتشكك وارتاب في صدق رسالته ونبوءته المبطلون البعداء عن الحق من أهل مكة وغيرهم من الوثنيين ومن الكتابيين، ولذلك قامت ضجة على هذا الرجل في المشارق والمغارب، وخطب الناس على المنابر في تكفيره وفي شتمه، وقال بقوله اثنان أو ثلاثة، وذكروا حديثاً: (أن النبي ﷺ ما مات حتى تعلم القراءة والكتابة).
وهذا حديث باطل لا أصل له ولا سند له، ولا مخرج له، وهو من الأكاذيب التي كذبها الزنادقة أو الجهلة، وفي هذه النتائج دائماً يلتقي الجهلة مع الزنادقة.
وعلى ذلك فالقرآن صرح هنا بأنه لم يكن يقرأ كتاباً، ولم يكن يكتب كتاباً قبل نزول القرآن عليه.
وهو بذلك عندما جاءه الوحي بلغ الرسالة، ونشر علوم الأولين والآخرين، ونطق بما جاء به القرآن عن الله، وكان له أكثر من عشرين كاتباً يكتبون الوحي عندما ينزل عليه، ويكتبون الرسائل بينه وبين أمراء الأقاليم والملوك يدعوهم إلى الله الواحد الذي لا شريك له.
أما أنه يكتب ويقرأ فالقرآن صريح في عدم ذلك، وقد وصفة الله في التوراة والإنجيل من قبل أنه أمي، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧].
وجاءت صفة رسول الله في التوراة والإنجيل كما يقول الله: إنه النبي الأمي، والأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، ومع أميته وصفه القرآن بأنه رسول ونبي، وأنه جاء ليأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، وينهاهم عن الخبائث، ويرفع عنهم إصرهم، أي: ما كان في دينهم مما لا تكاد تحتمله الناس من شدة وقسوة في عبادتهم.
والأغلال التي كانت عليهم: كانوا عبيداً للملوك مستذلين، قويهم يأكل ضعيفهم، وغنيهم يستبيح مال فقيرهم، إلى أن جاء النبي عليه الصلاة السلام، فرفع هذا من الكون كله، ورفع الظلم الذي كان في ديار العرب، وأمر برفعه من ديار الروم والفرس، فامتثل أمره الخلفاء الراشدون عندما ذهبوا فاتحين في أقطار الأرض، ناشرين رسالته وأمره ونهيه ﷺ .
стр. 1136
تفسير قوله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
الجحود: نكران الحق بعد العلم به، وقد كان هكذا كفر اليهود والنصارى، بعد أن وجدوا صفته في التوراة والإنجيل كما ذكر القرآن.
والعرب علموا حياته، وقد عاش عمراً من حياته بينهم، وما كان يعرف بينهم إلا بالصادق الأمين، وفجأة أخذوا يشتمونه ويكذبونه، عتواً في الأرض وفسادا.
وقد آمنوا بصدقه واعترفوا به، ولكنهم جحدوا الحق، فكفروا به وبما أتى به، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
بل: للإضراب، بمعنى: بل علم محمد والرسالة المحمدية، والقرآن الكريم بما فيه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
أي: آيات بينات ظاهرات واضحات: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
فهذا القرآن وهذه الرسالة المحمدية هي بالنسبة للمسلمين أتباع محمد لا يحتاجون فيها إلى كتاب ولا ورق، بل هي في صدورهم، يحفظونها حفظاً عن ظهر قلب.
فهكذا كان العرب المسلمون، فقد عرفوا بأن القرآن الكريم يحفظه الكبار والصغار، وحتى مع فساد الزمن ونشر الكفر، وإذاعة النفاق لا يزال في جميع العوالم، ولا تخلو بقعة من أرض إلا وفيها مسلمون يحفظون القرآن الكريم، أو فيهم من يحفظ القران الكريم، هذا على ما أصيب به المسلمون من جهل وكفر ونفاق.
فتجدهم يحفظون كتاب الله في صدورهم.
وهناك من الآثار والأحاديث ما يزيد هذا بيانا، ففي الحديث النبوي: (أناجيل أمتي في صدورها).
الإنجيل الذي عرف عند النصارى أنه كتاب ربهم، هو بالنسبة للمسلمين في صدورهم، يحفظونه غيباً ويتلونه صباحاً ومساء، يحفظون لفظه، ويحفظون معناه، وشرحه وبيانه.
يحفظون شرحه عن رسول الله ﷺ من سنته، ويحفظون شرحه وتفسيره من الآيات التي يفسر بعضها بعضا.
ويحفظون تفسيره من لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم.
يعلمون أفعاله ومصادره، أسماءه وحروفه، فيستنبطون المعنى حلالاً وحراماً، قصصاً وعقائد وآداباً ورقائق، ولا يعرف هذا في غير الأمة المحمدية، وفي العرب بصفة خاصة قبل غيرهم، فلقد كان سلفنا الصالح يحفظون كتاب الله عن ظهر قلب، ويحفظون مع كتاب الله مئات الآلاف من الأحاديث النبوية.
كان مالك بن أنس يحفظ السنة النبوية، وكان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، وكان الشافعي يحفظ مئات الآلاف من الأحاديث.
كان أبو حنيفة على طعن أعدائه في حفظه للسنة يحفظ الآلاف من الأحاديث، وعليها بنى فقهه واستنباطه واجتهاده، لا كما زعم ابن خلدون الدخيل في دينه وإسلامه بأن أبا حنيفة لم يكن يحفظ من السنة إلا سبعة عشر حديثاً.
قال: وعليها بنى فقه وحديثه وإسلامه، وبذلك زعم وأفسح المجال لمن جاء بعده بأن قالوا: فقه الأحناف كله الرأي، وليس معتمداً على السنة، والإمام أبو حنيفة لم يكن يعرف السنة، وفقهه اجتهادات واستنباطات لا ترجع لدليل من السنة قط، فجاء الكفرة والمنافقون في عصرنا فقالوا: فقه أبي حنيفة فقه الرومان، وهو فقه حمورابي، وخرجوا به عن الدائرة الإسلامية الفقهية جميعها، فكذبوا على الله وافتروا! الزيلعي الإمام الحجة العلم المرجع، وهو حنفي المذهب، بل إمام من أئمة الحنفية، خرج فقه الأحناف في عصره، وإذا به يأتي بعشرات الآلاف من الأدلة مما استدل بها أبو حنيفة وأصحابه، وذلك في كتابه المسمى بنصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، وهو في أربعة مجلدات، مطبوع أجمل الطبعات، حرفاً وورقاً، والمحقق له أحد أصدقائنا من علماء الحديث في باكستان: محمد يوسف البنوري الذي توفي حديثا، ﵀ وجزاه عن مذهبه وعن المسلمين خيرا.
وقبله الإمام الطحاوي، فقد جاء إلى كتابه شرح معاني الآثار، وإلى غيره، فخرج واستنبط وشرح وفسر من فقه الأحناف ما استدل به الإمام في عشرات الآلاف من الأحاديث.
ومما أكرمت به منذ ثماني عشرة سنة وأنا في جامعة دمشق أن خرجت أحاديث الأحناف في كتاب التحفة السمرقندية: تحفة الفقهاء للسمرقندي، فطبعت في أربعة مجلدات، طبعتها جامعة دمشق، وعلى ذلك فالأئمة الأربعة يحفظون كتاب الله عن ظهر قلب، ويحفظون السنة النبوية، وكان كذلك السلف الصالح منذ عصر الصحابة والتابعين.
فـ أبو هريرة راوية الصحابة كان يحفظ سبعة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا، وهو أروى الصحابة على الإطلاق.
لا تجد كتاباً في السنة من الصحاح إلى السنن إلى المعاجم إلى المصنفات إلا وتروي عن أبي هريرة.
واعترف له الكبار من الصحابة بأنه لزم رسول الله، وجالس رسول الله، وتعلم من رسول الله، وما اشتغل بتجارة ولا زراعة، فكان ليله ونهاره مع رسول الله ﷺ يكتب كل ما سمع، بل ويحفظه عن ظهر قلب، وكانت الكتابة طارئة.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يحفظ عن رسول الله كذلك كل ما يسمعه، فكتب ما سماه الصادق، وهو أول كتاب دون في الإسلام، في حياة النبي عليه الصلاة السلام.
وكان مشتملاً على ألفي حديث، ولا نجد كتاباً بهذا الاسم، ولكنها أحاديث وزعت ورويت في الصحيحين: البخاري ومسلم، وبقية الكتب الستة، وجميع أمهات السنة، لم يضع منها حديث واحد.
بل أكثر من هذا أن أدباء العرب ورواة العرب يحفظون من الشعر، ومن اللغة ما يتجاوز عشرات الآلاف من القصائد والمقطعات، والأراجيز والأبيات.
جاء مرة بدوي إلى عبد الملك بن مروان، فدخل عليه، فوجده في هيئة زريئة كالأعراب خاصة إذا كانوا مدقعين فقراء، فقال: من أنت؟ قال أنا راوية العرب، قال: أنت راوية العرب؟ قال: نعم أنا روايتهم، قال: ما تحفظ؟ قال: ما الذي تريد، أشعر قريش أم شعر العرب؟ وإذا به يأمر بأن يحضر الأصمعي، وأن يحضر رواة العرب الكبار، وبأن يسمعوا منه.
فقال له: أريد أراجيز بني تميم خاصة، وهم أهل نجد آنذاك، فأخذوا يحصون عليه وإذا به يروي من حفظه، فهماً وإدراكاً وشرحاً للمفردات اللغوية، وللتعابير اللغوية، ويعلم اسم شاعر كل قصيدة، وما هي حياته، وفي أي عصر كان، وكيف كان، ومتى مات، وفي أي بلدة مات، إلى أن سمعوا منه عشرات المئات بل الآلاف من أراجيز العرب وحدها.
هذه صفة أكرم الله بها العرب، ثم أكرم بها المسلمين كافة ممن درس العربية، ودرس الإسلام جيدا، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
أي: هو آيات واضحات بينات في صدورهم يحفظونها، ويحفظون أحكامها، ويحفظون ألفاظها، ويحفظونها لمن يأتي بعدهم، وهكذا حفظ القرآن في الصدور جيلاً بعد جيل إلى عصرنا.
يحكون عن يهودي أراد أن يختبر صحة سماع الأجيال التوراة والإنجيل والقرآن، فجاء إلى عالم يهودي فأخبره، وحضر معه جماعة من أمثالة، قال: اقرأ علي من التوراة، فقرأ من التوراة نفسها، وأخذ يتلكأ ويزيد وينقص، والحاضرون لا يرد عليه منهم أحد، مما يدل على أنهم لم يحفظوا شيئاً من التوراة.
ثم اتصل بعالم نصراني، ومعه جماعة مثله، فقال: اقرأ علي من الإنجيل، فأخذ يقرأ متلكئاً والحاضرون لا يزيدون على قوله ولا ينقصون، مما يدل على أنهم لم يحفظوا شيئاً، ثم جاء إلى مسلم عامي بين مجموعة من الناس، فقال: اقرأ علي من المصحف، قال: لا حاجة للمصحف، فمصحفي صدري، وأخذ يقرأ وإذا أخطأ في كلمة إذا بالحاضرين جميعاً يردون عليه، وإذا باليهودي يقول: أشهد أن الإسلام حق، وأن القرآن حق، وأنه لم يستطع أحد على مر القرون أن يغير في القرآن كلمة واحدة، أما التوراة والإنجيل فقد غيرت في العصور الأولى في العصر الثالث بعد موسى وعيسى، حتى غيرت وبدلت في أصولها وجوهرها، بدلت من التوحيد إلى الشرك، من الأخلاق الفاضلة إلى الأخلاق الزائفة، من احترام الأنبياء وتقديرهم إلى شتمهم وسبهم.
فالتوراة والإنجيل قد غيرتا وبدلتا في الجوهر وفي الكم والكيف.
أما القرآن الكريم فنحن الآن في أواخر القرن الرابع عشر، وما زال يقرأ في التراويح في كل بقاع الأرض.
باللفظ الواحد وبالحركة وبالمدة، وكما كان يقرؤه رسول الله ﷺ في مكة المكرمة، وفي مسجده، وبما كان يتلوه ويقرؤه بعده خلفاؤه الراشدون، وأصحابه الأكرمون، والتابعون فمن جاء بعدهم إلى عصرنا.
تلك معجزة المعجزات الخالدة التالدة في الإسلام، وكل معجزة سواها فهي خاصة بزمن نزولها، وقد ماتت مع أصحابها، ولم تبق إلا كسيرة نبوية.
وأما المعجزة التي رأوها، ورأيناها، ويراها أسباطنا وأولادنا بعدنا وإلى يوم القيامة فهي القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
فهؤلاء لا يحتاجون إلى كتابة.
والكتابة ليست إلا لمن لا يحفظ، والقرآن محفوظ في الصدور، وحفظه في السطور وفي التفسير، وفي البيان، ولذلك حفظ القرآن لفظاً وبيانا لغة وحركات ووقفات، ولم يلغ منه شيء، ولم ينقص منه شيء، ولم يزد عليه شيء، ومن حاول أن يقرأ ما لا يقرأه الناس قام الناس في وجهه معترضين عليه سواء كانوا صغاراً أو كباراً؛ لأنه لا يمكن للقرآن أن يخطأ فيه أو أن يغير، وجل من لا يسهو، وليست كذلك الكتب الأخرى.
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
أي في صدور العلماء.
والله هنا استشهد بالعلماء، ومن أجل ذلك قال ﵊: (العلماء ورثة الأنبياء).
النبي عليه
стр. 1137
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه)
بعد أن علم المشركون ما علموا، وأدركوا ما نزل على النبي ﷺ أخذوا ينتقدون، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠].
أخذوا يقولون: إن كان محمد رسولاً فأين معجزاته؟ أين العصا التي أوتيها موسى؟ وأين الناقة التي أوتيها صالح؟ أين الناقة التي تشبهها؟ وهكذا أخذوا يزيفون ويقلبون الحقائق، ويقولون ما لا أصل له مما أوحى إليهم به شياطينهم.
قال الله له: يا محمد! ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:٥٠].
أي: لست أنا الذي آتي بالآيات، فالآيات والمعجزات والمكرمات الواضحات، والتي تعجز الخلق والبشر هي من الله، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت:٥٠].
لست إلا نذيراً لكم ولأمثالكم ممن كفر بالله، وجحد دين الله، وأبى إلا الكفر، أنذركم يوم القيامة، وأنذركم عذاب الله الخالد الدائم.
стр. 1138
تفسير قوله تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا إليك الكتاب يتلى عليهم)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١].
قال الله: قل لهم يا محمد: أولم يكفهم؟ وهذا استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، بمعنى: ألم يكتفوا بنزول القرآن الكريم الذي أنزلناه عليك، يتلى عليهم؟ يسمعون كلامه، ويسمعون وحيه، ويسمعون حلاله وحرامه، ويقرأ عليهم صباحاً وعشياً، ويدعون به إلى الله.
هذا القرآن المعجز الخالد الذي لم يستطع الجن والإنس -وقد تحداهم الله- أن يأتوا بمثله، أو بسورة من مثله، أو بعشر آيات من مثله، فلم يستطيعوا.
هذا القرآن الذي جاء به محمد النبي الأمي، الذي لا يقرأ ولا يكتب فيه علم من قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم، ما تركه من جبار إلا وقصمه الله، من أين أتاه هذا العلم، وأنتم تعلمون أنه لم يقرأ، ولم يكتب، وعاش أربعين عاما ولا يعرف إلا ما يعرفه قومه، وقومه كذلك أميون؟ يقول النبي عليه الصلاة السلام عن العرب: (إنا أمة أمية، لا نقرأ ولا نكتب).
هؤلاء الذين في مكة جميعهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون، ومن تعلم منهم بعد أن خرج للخارج لن يكتب إلا سطراً أو سطرين، وأشبه بكتابة الأمي.
ومرة قالوا: هناك قين رومي كان يجلس إليه، ويستكتب ما يقوله، ولكن هذا الرجل لا يكاد يبين، فليس بعربي، ولا يفهم القول، وهو جاهل، وبعيد عن المعرفة، ولا ينطق بالعربية.
فهذا الكتاب الكريم كيف أتى به؟ وهنا قال النبي عليه الصلاة السلام -فيما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم في صحيحيهما-: (ما من نبي من الأنبياء إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر -أي: من المعجزات- وإنما كان الذي أوتيته وحياً، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة).
وهذا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو المعجزة الشاهدة في كل عصر وأوان على أن النبي ﵊ قد أتى بالمعجزات الكثيرات، خاطبه الدواب وفهم عن الدواب، وسجدت له الدواب، واشتكى له الجمل، واشتكى له الذئب، بل إن المنبر الذي كان يخطب عليه في المدينة المنورة عندما حاولوا أن يزيلوه ويأتوا بغيره حن حنين الناقة التي يفصل عنها فصيلها حتى سمع حنينه كل من في المسجد.
النبي عليه الصلاة السلام حضر مغازي وحروبا، فلم يجدوا أكلا، ولم يجدوا شراباً فدعا بما عندهم، فأتوا بكسر قليلة، والجيش فيه المئات، فوضع يده وقال: باسم الله، فأكل جميع الحاضرين، وبقي الكثير من الخير.
ولم يجدوا الماء، وكادون يموتوا عطشاً، فوضع يده وسمى الله، وإذا بالماء يفور من بين أصابعه ﷺ ، كما تفور العيون من الأرض، فشرب الجميع.
النبي ﷺ -كما في صحيح البخاري، وهو متواتر عن أكثر من عشرة من الصحابة- (صلى الصبح ثم صعد المنبر، فبقي يخطب إلى أذان الظهر، فنزل فصلى الظهر، ثم عاد إلى المنبر، فبقي يخطب إلى أذان العصر، فنزل فصلى العصر، ثم صعد المنبر، فبقي يخطب إلى أذان المغرب، فنزل وصلى المغرب واكتفى)، قال عمر بن الخطاب، وأبو هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن معاذ، وحذيفة بن اليمان، قالوا: لقد حدثنا رسول الله ﷺ بما كان ويكون إلى قيام الساعة، ومنذ بدأ الخلق، إلى نهاية الدنيا، إلى حساب الناس، إلى أن دخل من دخل الجنة، ودخل من دخل النار.
لقد حدثنا بما يكون بعده، وما من قائد فتنة ومعه رجل أو رجلين أو أكثر إلا وحدثنا باسمه، وبنسبه، ومتى كان.
كان ذلك من رسول الله وحياً وإخباراً من الله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
وتكررت مثل هذه الخطبة، وحدث بالفتن الحادثة بعده، من قتل عثمان إلى استشهاد علي إلى الفتن التي كانت أيام الصحابة، إلى استشهاد آل البيت، إلى ما صدر عن بني أمية، إلى ما حدث بعد ذلك في بني العباس، إلى أن أخبر ﵊ بأنه: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها، قيل: يا رسول الله، أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت).
قال هذا والمسلمون في إقبال، ولم يمض على قوله بضع سنوات إلا وأصبح الإسلام يحكم العالم، من أقصى الصين إلى أقصى ديار الغرب، وما بينهما.
فكان هذا عندما يذكر لا يكاد يخطر ببال، كيف سيصل بنا الحال إلى ما نحن فيه، تداعت علينا الأمم من كل جانب، حتى اليهود وهم أذل الخلق وعبدة الطاغوت، لماذا؟
الجواب
لبعدنا عن الله، ولكراهيتنا للموت، ولعدم حربنا وقتالنا لأعدائنا، ولخروجنا عن أمر الله وطاعته، فهي عقوبة لا نخرج عنها إلا إذا تبنا إلى الله وعدنا إليه.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١].
أي: ألم يكفهم من هذه المعجزات هذا الكتاب الكريم، وهذا القرآن العظيم، وهم أفصح الناس، وأبلغ الناس، وأشعر الناس، وأخطب الناس، وهم أدرى الناس بالبلاغة، وأدرى الناس بالفصاحة؛ من أين لمحمد هذا؟ لقد عاش بينهم أربعين عاما، فلم يكن خطيباً، ولم يكن شاعراً، ولم يعلم الشعر حتى بعد ذلك: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩].
فإذا به فجأة ينزل عليه الوحي، ويأتيه جبريل إلى غار حراء، وينزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١].
ثم يتتابع الوحي، ويظهر النور، والعلم، والمعارف في كل حركاته وسكناته من فعله وقوله وإقراره.
وكانوا يحاولون سماع القرآن، ولا يريدون أن يسمعوه من النبي وهو يراهم، فكانوا يذهبون إلى داره وهو يتهجد به ليلاً، ويرفع به صوته كما هي صلاة التهجد ليلاً، فيتجمعون وينصتون، إلى أن افتضحوا.
فكان يأتي أبو سفيان، وأمية بن خلف، وأبو جهل وآخرون، وإذا بهم يلتقون صدفة واتفاقاً، ويعرف كل منهم أن الآخر يأتي لسماع القرآن، فأخذوا يقولون: والله لقد قرأنا الشعر، وما هو به، وقرأنا أراجيز العرب وما هو بها، وقرأنا خطب الخطباء، وما هو بها، والله إن عليه لحلاوة، وإن له لطلاوة، ولو سمعته الجن لآمنت به.
وهذا الذي حدث.
فقالوا للوليد: إذاً ماذا ترى؟ قال: أقول: هذا سحر، وهكذا الضلال والغواية، وهكذا إذا لعن الله قوماً طرد النور من قلوبهم بعد معرفته، ولذلك عبر الله بالجحود: ﴿َمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت:٤٧]، ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٩].
ولقد قال بعد ذلك عليه الصلاة السلام (إن من البيان لسحراً).
أي: من البيان وشدة الإيضاح ما يسحر عقول الناس، فلا يميزون بين حق وباطل، ولا بين نور وظلمة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥١].
أي: في القرآن الكريم، وفي هذا الوحي الكريم، لمن آمن به، فيخرجه من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن الوثنية إلى التوحيد.
قوله: ((وَذِكْرَى)) أي: تذكيراً لما فيه من وعيد وتهديد.
((لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)) يذكرهم بأنهم لو لم يؤمنوا، ولو لم يصدقوا أن محمداً رسول الله وخاتم الأنبياء، وأن القرآن الذي أتى به هو من عند الله؛ لعاشوا في الظلمات.
فهو رحمة وذكرى لقوم آمنوا بالحق عندما سمعوه، وشهدوا بالأدلة العقلية الواضحة، وهكذا كان القرآن أكبر المعجزات، وأعظم المعجزات، وأخلد المعجزات.
стр. 1139
تفسير سورة العنكبوت [٥٢ - ٦٠]
عادة الكفار أن يتعنتوا رسلهم فيطلبون منهم الآيات بقصد التعجيز والتضييق، ولكن الله لا يجيبهم إلى ما يريدون، بل يخبرهم أنهم إنما يستعجلون ما هو آتيهم لا محالة من العذاب، وذلك جزاء كفرهم واضطهادهم للمؤمنين، حتى هاجروا بدينهم وتركوا أرضهم.
стр. 1140
تفسير قوله تعالى: (قل كفى بالله شهيداً يعلم ما في السموات والأرض)
قال الله ﷻ :: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٢].
هؤلاء عندما كذبوا الرسل، وكذبوا كتب الله التي أنزلت عليهم، وطلبوا المعجزات، ولم يكتفوا بمعجزة القرآن الخالدة التالدة، قال لهم النبي ﷺ بأمر الله: ﴿كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ [العنكبوت:٥٢].
أي: يكفي أن يكون الله شهيداً بيني وبينكم على قولي وقولكم، وعلى حالي وحالكم، فهو يشهد بأني رسوله الحق، وأن ما جئت به كلامه الحق، وأن القرآن موحى به من عنده.
ويشهد إنكم لكذابون، ويشهد إنكم لفجرة جاحدون خارجون عن أمر الله ودينه.
قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [العنكبوت:٥٢].
أي: هو الذي لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض، يعلم السر وأخفى، ولو أخفيت كذباً في الرسالة لعلمه، ولجازاني على ذلك، ولكنكم تعلمون كذبكم وكفركم وجحودكم، فانتظروا عقاب الله، فهو شهيد بيني وبينكم.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٢].
أي: أمثالكم الذين آمنوا بالباطل، وآمنوا بالشيطان، وآمنوا بالكفر والعصيان، وكفروا بالله خالقاً، ومرسلاً لرسوله محمد خاتم الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليه.
فهؤلاء الكافرون بالله، المؤمنون بالباطل: ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٢].
أي: هم الذين خسروا دنياهم، وخسروا آخرتهم، وذهبوا يجرون خلف الباطل، ويعارضون الحق، ويكفرون به، عن غير علم ولا دليل ولا سلطان من الله، ثم هم بعد ذلك يستعجلونك بالعذاب.
هؤلاء على كفرهم وجحودهم يقولون: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢].
هذا قول الكفار الذين عاصروا رسول الله ﷺ ، والذين جاءوا بعده إلى يوم القيامة، فالكفر ملة واحدة، ولسانه واحد، وجحوده واحد، وملل الكفر واحدة، يقولون ذلك متحدين لرسول الله، فهم لا يؤمنون إلا بالباطل.
стр. 1141
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى)
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٣].
هؤلاء طلبوا العجلة بنزول العذاب، والسين والتاء في الفعل للطلب، فطلبوا الإسراع بالعذاب، والمعنى: ما سيكون يوم القيامة فليكن الآن في الدنيا.
يقول ربنا: ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت:٥٣].
أي: لولا أن الله سبق أن وعد نبيه أنه لن يعذب أمته في الدنيا، وسيمهلهم بالعذاب إلى يوم القيامة، علهم يؤمنون، لجاءهم العذاب.
ولولا أن الله ضرب لذلك أجلاً مسمى عنده، وهو موت كل حي، لجاءهم العذاب، ولكن كل حي عند موته يدخل قبره، ويسأله ملائكة القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ ومن ساعتها يبدأ العذاب، ويوم القيامة يجمع بين عذاب النفس والروح، عذاب البدن والجسد: ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت:٥٣].
فلولا الأجل الذي ضربه الله للأمة المحمدية بأنهم لا يعذبون إلا بعد موتهم، لعجل لهم العذاب، ولجاءهم العذاب، كما جاء الأمم السابقة، فمنهم من أغرق كقوم نوح، ومنهم من أصابته رجفة وصيحة كقوم هود وصالح، ومنهم من جعلت عليهم الأرض عاليها سافلها، كقوم لوط، ومنهم من عذبوا بالخسف وبالرجز من السماء، وبالمسخ قردة وخنازير.
ولولا أن الله قال لمحمد ﷺ بأن العذاب يؤجل على أمته لجاءهم العذاب كما طلبوا وكما استعجلوا.
وقال تعالى: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:٥٣].
أي: وسيأتيهم عذاب الله فجأة وهم لا يشعرون، فيفجأهم العذاب من فوقهم، ومن تحت أرجلهم.
стр. 1142
تفسير قوله تعالى: (يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)
ثم أكد الله ذلك وكرره فقال: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٥٤].
هؤلاء الكفرة الصادون عن الله، وعن بيت الله ودين الله، وعن الحق، لم يكفهم كفرهم، بل أبوا إلا الجحود، والتحدي واستعجال العذاب، فلينتظروا فسوف يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٥٤].
أي: ستحيط بهم جهنم من كل جانب، من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وسيذوقون العذاب الذي تمنوه يوماً، واستعجلوه يوماً آخر.
وهم قد أبوا إلا الكفر، والجحود، والصد عن الله وعن دين الله.
стр. 1143
تفسير قوله تعالى: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم)
ويصف الله كيف أحاطت بهم جهنم فقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥].
يوم يغشاهم العذاب، أي: يغمرهم ويغطيهم، ويحيط بهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ﴾ [العنكبوت:٥٥]، وقرئ: (ونقول).
يقول ملائكة العذاب، أو يقول مالك حارس النار مع أعوانه: تذوقوا هذه النار التي أنكرتم، وهذا العذاب الذي استعجلتم، هو جزاء ما كنتم تعملون من كفر، ومن جحود وتحد وصد عن الله، ورسالات الله، ودين الأنبياء الحق، ودين محمد خاتم الأديان.
стр. 1144
تفسير قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة)
قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦].
نحن لم نهتم كثيراً بأسباب نزول الآيات؛ لأن سبب النزول قد مضى وقته، وعوقب من نزل من أجله، وتبقى الآية عامة شاملة لمن عاصر النبوءة، ومن جاء بعدها، وكما تقول قواعد المفسرين: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
أمر من أسلم من أهل مكة بالرحلة، وبالهجرة، وبترك دار الكفر ودار المعاصي، حيث يجدون حرية الدين، وحرية العمل به من غير نكير ولا تحجير ولا معارضة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦].
فكان المؤمنون في صبر في الأيام الأولى من النبوءة، قد لقوا عنتاً واضطهاد وظلماً من كفار قريش، مما تنهد له الجبال، ولا يكاد جسد يتحمل ذلك، فقد قتلوا من قتلوا، وأجاعوا من أجاعوا، وهجروا من هجروا لمدة من السنوات.
كانوا يأكلون من الأطعمة أشهاها وهم لا يجدون من يبيعهم أو يعطيهم، فعاشوا مدة ثلاث سنوات على أوراق الشجر، بما فيهم صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله، عند ذلك أمرهم الله تعالى بترك مكة.
فكل بلاد يصبح الكفر فيها متغلباً، بحيث لا يباح للمؤمن أن يعبد الله كما يريد، بحيث يعلن ذلك، صلاة وصياماً وزكاة وذكراً لله، وابتعاداً عن الأوثان والأصنام، فلابد من الهجرة منها: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦].
قوله: (يا عبادي): يا هؤلاء الذين آمنوا بي وآمنوا بالرسالة التي أرسلت بها محمداً وآمنوا بالقرآن الذي أنزلته عليه.
ليس هناك ما يجبركم على المقام بديار الكفر، وديار المعاصي، فاتركوها واهجروها واخرجوا منها، وهو أمر إلهي.
﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦].
أي: أرض الله واسعة، وهي لخلق الله، يتبوأ منها المؤمن حيث وجد الحرية في عبادته، والتصرف كما يريد، عبادة لله وطاعة له، سواء في شئونه الدينية، أو شئونه الدنيوية.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، عن الزبير بن العوام ﵁ أن الرسول ﷺ يقول: (البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيث ما وجدت خيراً فأقم).
يقول النبي عليه الصلاة السلام: الأرض أرض الله خلقها للبشر كلهم، فكل من على وجه الأرض عبد لله، فأقم حيث وجدت خيراً، ووجدت راحتك لدينك ودنياك، فلا تلزم نفسك أرضاً تجد نفسك فيها ذليلاً مستعبداً مضطهداً، لا تستطيع أن تظهر دينك وعبادة ربك، كما أمرك الله تعالى.
فالأرض واسعة، ولله المشارق والمغارب، جبالاً وتهامة، براري وبحاراً، غابات ورمالاً، فحيث ما وجدت نفسك تمتلك حريتك في دينك ودنياك فاهجر البلد الذي تذل فيه وتضطهد فيه، والذي تمنع فيه من أن تظهر دينك، وحرية تصرفك في دينك ودنياك.
قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت:٥٦].
أي: لا تعبدوا غيري، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، أي: اعبدوا الله وحده، لا تشركوا به غيره، لا إنساً ولا ملكاً ولا جناً، لا حيواناً ولا جماداً، ولكن اعبدوا الله وحده، خالقكم ورازقكم، ومحييكم ومميتكم، فإذا اضطررتم في أرض لتغير الدين الحق فاهجروها واتركوا قومها، واذهبوا حيث وجدتم من أرض الله الواسعة حرية التصرف، وإعلان الدين كما أمركم الله به.
فلم يلزم الله أحداً بأرض دون غيرها، وكل من على وجه الأرض هم من أصول مختلفة حتى وإن لم تقلها ألسنتهم أو الأوراق التي يحملونها فسوف تقولها ألوانهم، وتقولها جباههم، وتقولها حركتهم وحواسهم: إن هذا من كذا، وهذا من كذا هذا من المشرق، وهذا من المغرب، والأرض أرض الله، والعباد عباد الله، فلم يلزم أحد بالمقام في أرض دون غيرها خاصة إذا كانت هذه الأرض تضطهدك في دينك ودنياك، وتمنعك من التصرف بما تراه مصلحة لك، وبما تعلن به الدين الذي أمرك الله به صلاة وصياماً وزكاة وما إلى ذلك.
стр. 1145
تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت)
فعندما أمروا بالهجرة، وبأن يتركوا مكة لغيرها، أخذوا يقولون: كيف نترك أوطاننا، وأرزاقنا، وعيالنا إلى بلاد غريبة عنا، قد نهلك ونموت؟ فكان جواب الله لهم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧].
الموت الذي تخافون منه هو ملاقيكم، وسيموت من هاجر ومن لم يهاجر، وليس الموت بالهجرة أو بعدمها، وليس الموت بغنى ولا بفقر، وليس الموت بسلطان أو بغير سلطان، إنما الموت بالآجال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] فانتظروا الموت حيث كنتم: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨].
والموت لاقيكم لا محالة، خوطب بذلك الأنبياء قبل غيرهم، وخوطب به خاتم الأنبياء ﵊ فقيل له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
فلن يدوم أحد: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت:٥٧].
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
إنما الحياة الدائمة والباقية هي الحياة الآخرة، فهي التي لا موت فيها، فمن دخل النار فهو خالد فيها أبدا، ومن دخل الجنة فهو خالد فيها أبداً.
فأما الدنيا فللموت وجدت، وللفناء كانت، وهي برزخ للآخرة، فمن عمل خيراً فليحمد الله، ومن عمل غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت:٥٧].
ثم بعد الموت سيرجع الكل إلى الله ﷻ ، للعرض عليه، فيحاسب كل على عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
стр. 1146
تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨].
فالعاملون هم الذين صبروا، وعلى ربهم يتوكلون، وفي الآية الماضية حكى الله تعالى عن الكافرين أن مأواهم النار خالدين فيها، تغشاهم النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وتحيط بهم من جميع جهاتهم، وتقول لهم ملائكة العذاب: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٥] أي: ذوقوا نتيجة عملكم وكفركم فقد جاءكم الأنبياء، وجاءتكم كتب الله، وجاءكم خلفاء الأنبياء من الدعاة والعلماء يأمرونكم بطاعة الله ورسوله، والعمل لمثل هذا اليوم، فابتعدتم وصددتم عن الله، أما وقد كان ما كان، فانتظروا ما يكون.
وفي هذه الآية ذكر الله حالة المؤمنين وسنة الله في كتابه أن يجمع دوماً بين الكلام على المؤمنين ثم الكافرين، وبين الرحمة والعذاب؛ ليعيش الإنسان بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والطمع، وبين أن يرهب ويرجو ويتمنى.
وعبادة الله هكذا بين الخوف والرجاء، فيخاف المؤمن عذاب الله، ويرجو رحمته، يرى صفة الكافرين فيبتعد عنها، وصفة المؤمنين فيسعى إليها.
فقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت:٥٨] أي: الذين آمنوا بالله عقيدة وقلباً ولساناً، ثم بعد الإيمان جاء منهم عمل الصالحات.
فلابد في الإيمان من قول وعمل، القول باللسان مع مطابقة الجنان، والعمل بالطاعات صلاة وصياماً وغيرها من الأركان الخمسة، كما يقول نبينا ﵊ (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).
فعليك ترك المنكرات بكل أشكالها، وأنواعها، ظاهرها، وباطنها، وفعل الخيرات ما بلغته طاقتك وقدرتك فالصيام مثلاً إن استطعت صحة وبدنا ومقاماً فصم، وإن منعك مانع كالمرض، أو كنت في سفر، أو حاضت المرأة أو نفست، أو كانت حاملاً متماً تعجز عن متابعة الصيام، فتلك رخص أذن الله فيها بالفطر، على أن تعوض الأيام بعد ذلك عند الحضور من السفر، وعند الصحة من المرض، وعند انقطاع دم الحيض والنفاس، وهكذا كل الأوامر، جعل الله أقصاها كما أمر، وأدناها حسب استطاعتك.
أمرنا بالصلاة قياماً، وبالوضوء بالماء، فإن عجز المسلم عن الماء فليتيمم بالصعيد الطاهر، فإن عجز عن القيام فليصل جالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب، فكل ذلك صلاة صحيحة، لأن المسلم أمر بأن يقوم بها حسب قدرته وطاقته، ولا يكلف الله نفس إلا وسعها.
قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ [العنكبوت:٥٨].
فيه معنى القسم، يقسم الله للمؤمنين العاملين بالصالحات ليسكننهم في الغرف العالية من الجنان.
فوعد المؤمنين العاملين للصالحات المهتدين بهدي الأنبياء، القائمين بما أمروا به، والتاركين ما نهوا عنه؛ ليسكننهم وليجعلن لهم مساكن وقصوراً في الغرف العليا من الجنة.
وغرف: جمع غرفة، وهو المكان العالي من المنزل، والطبقة العالية في الدار.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [العنكبوت:٥٨] أي: أن المياه متدفقة بين أيدهم وأرجلهم، يعطون جمال المنظر، ويعطون رطوبة الجو ومع الماء يكون كل خير تكون الفواكه والثمرات والخضرة والطير وكل ما إلى ذلك.
стр. 1147
تفسير قوله تعالى: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون)
قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت:٥٨].
ثم بين صفات (العاملين) فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٩].
أي: صبروا على طاعة الله، وصبروا على الجهاد، ولو ببذل الأنفس والأموال والأولاد، وصبروا على ترك المنكرات بكل أنواعها، وصبروا على العبادة بكل أشكالها، فصلوا والناس نيام في أيام البرد، وصاموا مع الحر وشدة القيظ، وحجوا بيت الله الحرام من أقاصي الدنيا ومشارق الأرض ومغاربها.
وأدوا الزكاة بحسب القيود والشروط المفترضة، من بلوغ الحول، وتمام النصاب.
صبروا على أنواع الطاعات كما صبروا على ترك أنواع المنكرات.
فهذا الذي يصبر هو العامل الذي يسكنه الله ويبوؤه الغرف العالية في الجنان التي تجري الأنهار من تحتها، وهو خالد فيها أبد الأبدين.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [العنكبوت:٥٩].
أي: توكلوا في أعمالهم على الله.
والتوكل أن تقدم على ما أنت مقدم عليه، وليس معناه أن تدع العمل وتتواكل، أو تتردد فتقول: أفعل أو لا أفعل؟ أصنع أو لا أصنع؟ فإن التردد خلق قبيح في الإنسان، ولكن التوكل على الله: أن تعزم على تنفيذ الشيء، ثم دع أمره إلى الله.
فلنتوكل على الله لنجد قوة على العمل، وقوة على الترك، فلا توهينا الشهوات، ولا توهينا النزوات بكل أشكالها وأنوعها.
فهؤلاء العاملون المتوكلون على الله الصابرون في طاعة الله، هم الذين نعم عملهم، ونعم ما يأجرون عليه من الغرف العالية في الجنان التي جعلها الله متبوأ للمؤمنين العاملين.
стр. 1148
تفسير قوله تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم)
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠].
لا نزال مع الهجرة وترك أرض الكفر والمعاصي، حتى ولو كان الحكام فيها يزعمون الإسلام، ولكن قد يقال: كيف ندع بلدنا وفيه رزقنا، وفيه مسكننا، وفيه عيالنا، إلى بلد ليس لنا فيه رزق ولا زوجة؟
الجواب
إن كثيراً ممن هاجر هاجر بمفردة، لم تسلم امرأته ولم يسلم أولاده، فذهب وحيداً مهاجراً لا يريد إلا الله والدار الآخرة.
وصل إلى المدينة وإلى الحبشة ليس معه قوت ساعته.
وقال الله لهؤلاء المهاجرين مشجعاً لهم ودافعاً لهم إلى الهجرة: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمُْ﴾ [العنكبوت:٦٠].
كأين: تكثيرية، أي كم من دابة لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ.
فكل البهائم والطيور على كل أشكالها تنتقل في أرض الله، لا تحمل غداءً ولا مؤنة، فتعيش ويدوم عيشها إلى أن يأتي أجلها، لا تحرص على الرزق، ولا تخاف جوعاً ولا عطشاً.
وليس من الخلق من يحمل زاده إلا الإنسان، والنملة والفأرة، فالفأرة تجمع ما تتمون به، والنمل يجمع ما يتمون به لأيام الشتاء، وشدة الزمهرير، أما بقية الدواب والحيوانات فإنها لا تحمل رزقها، ولا تحمل مؤنتها، والله يرزقها.
وكذلك أنتم خرجتم لا مؤنة لكم، ولا مسكن ولا طعام ولا شراب، ولكن الخالق لم يترككم، بل رزقكم وأشبعكم وسقاكم وألبسكم، وهيأ لكم ما تعيشون به مادمتم أحياء.
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦].
كل ذلك أحصاه اللوح المحفوظ، فأحصى أرزاق الخلق كلهم، جناً وإنساً، طيراً وحيواناً، دواب وحشرات.
وكذلك يقول الله لهؤلاء المهاجرين: اتركوا كل ما عندكم، واذهبوا بأجسامكم، فالذي رزقكم من قبل سيرزقكم من بعد.
وهكذا أمر رسول الله بعد أن نزل أمر الله في الآية: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت:٥٦].
أي: يا هؤلاء اتركوا أرض الكفر، وأرض المعاصي ووحدوا الله وحده، لا تعبدوا معه غيره، إن خفتم الموت فالموت لاحق بكل غريب، وكل من هو بين أهله، وإن خفتم الرزق فرزق العباد على الله، كما يرزق الطير والحيوان وهو ضعيف عن حمل رزقه ومؤنته، ومع ذلك تعهد الله له بكل شيء: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦].
فأمر رسول الله الأصحاب، فهاجروا إلى الحبشة مرتين، وإذا بهم يجدون الأرض الرحبة، ويجدون الأهل المرحبين، فعاشوا خير عيشة، وأسلم ملك البلاد، فساندهم وأيدهم وحماهم، وأسكنهم أحسن المساكن، ورزقهم أحسن الأرزاق، ثم بعد ذلك هاجروا للمدينة، وهاجر النبي ﷺ ، وذهبوا إليها، لا يملكون غداءهم ولا عشاءهم، ولم تكد تمض أيام حتى رزقهم الله الرزق الذي لم يخطر ببالهم، ولم يملكوه يوماً في أرضهم، فـ الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وكثيرون غيرهم كانوا لا يعدون الذهب والفضة عداً، ولكنهم يكيلونها بالمكيال، كما تكال الحبوب، وعندما مات الزبير أرادوا أن يصالحوا زوجه والتي سبق أن طلقت، ولم تنته عدتها، فقالت: هي لا تزال على عصمته، فورثوها وكالوا لها الذهب والفضة، بالمكاييل، هذا دون الأرض.
ذهبوا للمدينة، فتاجروا وزرعوا وتنقلوا، فأغناهم الله من فضله، حتى لقد قالوا: لو أنا إذا تاجرنا بالحجارة والرمال لانقلبت ذهباً وفضة، مبالغة في كثرة الغنى الذي أغناهم الله به، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] أي: كما رزقها الله، سيرزقكم.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت:٦٠].
أي: هو السميع لأقوالكم، العليم بأحوالكم، السميع لما قلتم من خوف الموت، وخوف الحاجة والفقر، العليم بصدق بواطنكم، من سيخرج مؤمناً بالله، مصدقاً بوعد الله، ومن سيخرج لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، والله يعامل الناس على نياتهم، وعلى ما في قلوبهم: (إنما الأعمال بالنيات)، فهو سميع للقول عليم بالعمل، لا تخفى عليه خافية، جل شأنه وعز مقامه!
стр. 1149
تفسير سورة العنكبوت [٦١ - ٦٩]
كثير من الكفار يقرون بتوحيد الربوبية وينكرون الألوهية، فهم يقرون بأن الله خالق السماوات والأرض باسط الرزق لمن يشاء من عباده محيي الأرض بعد موتها؛ هو الله، ولذلك يذكرهم الله بذلك ويعلمهم أن ما عنده من الجزاء خير لهم وأبقى.
стр. 1150
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت:٦١].
أي: يا محمد هؤلاء كفرهم من نوع عجيب غريب، فلئن سألت كفار قريش ولئن سألت الكثيرين ممن يدّعون التوحيد، فاليهودي يدعيه، والنصراني يدعيه، والوثني يدعيه في حجارة، وإذا قلت له: من الذي خلق السموات والأرض؟ فسيقول لك: الله.
من خلقها وسخرها للعباد: لمصالحهم، ولأعمالهم، ولمزارعهم، ولحياتهم؟ لأجابوك جميعاً: الله، فكيف يوحدون الربوبية، ويشركون في الألوهية؟ ولا بد من توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فالرب واحد، وهو الإله الذي لا ثاني له، ولا شريك له في ذات، ولا صفات ولا أفعال.
فكيف تعترفون بأن الله خالق الكون ثم مع ذلك تعبدون غيره، وتعيشون لغيره، وتشركون معه غيره، أهذا عقل العقلاء، وتدبير المدبرين؟!! أين ذهبت عقولكم وفهومكم وأديانكم؟ وقوله: (فأنى يؤفكون) أي: يفترون على الله، ويجعلون معه ثانياً ويشركون به فيفترون الإفك والكذب في خلق الأوثان والأصنام، وخلق الشركاء من دون الله.
يدعون ذلك زوراً وكذباً، وإفكاً وبهتاناً، ولا حقيقة لذلك ولا أصل له ولا وجود.
стр. 1151
تفسير قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٦٢].
وعندما جرى الكلام على الفقر والغنى ظنوا الغنى في بلدهم وليس الأمر كذلك، وطنوا الفقر في بلد الغربة، وليس الأمر كذلك، فليس كل من بقي في أرضه أغنياء، فمنهم الغني، ومنهم المستور، ومنهم الفقير، وقل مثل ذلك عن الذين هاجروا، فمنهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم المعدم البتة.
فالغنى والفقر من الله، والله هو الذي يبسط الرزق، فيغني من شاء من عباده، ويعطيه من الأموال ما شاء كيف شاء، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣].
فأغنى من شاء بغير حساب، وأفقر من شاء بغير حساب، وجعل بعضهم وسطاً بين الغنى والفقر.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٦٢].
أي: أن الله ﷻ عليم بعباده، فهو أعلم بمن يصلحه الفقر، ويفسده الغنى، وبمن يصلحه الغنى ويفسده الفقر.
وفي الحديث: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم).
وكم من الخلق ممن عشنا معهم وعاشوا معنا كانوا فقراء، وكانوا على غاية من التقى والصلاح، وأداء الصلاة، وأداء القيم والأركان، حتى إذا اغتنوا وأخذوا السلطة والجاه تنكروا لله، ولعبادته، وتركوا الصلاة، وتركوا الصيام، وظلموا الخلق، واعتدوا على البشر، وتكبروا على عباد الله.
فقد كان الفقر أصلح لهم، ولكن الله ابتلاهم واختبرهم هل سيصبرون، وإذا بهم لم يصبروا.
وكم من فقراء عشنا معهم وكانت حياتهم على حال وسط، فإذا بالله الكريم يغنيهم، وأصبح لهم جاه وسلطان، فكثرت صلاتهم، وصيامهم، وصلاحهم، وتصدقوا في السر والعلن، وأصبحوا منفعة لعباد الله، فكان هذا وأمثاله ممن لا يصلحهم إلا الغنى، ولا يعلم هذا إلا الله خالقهم.
أما لم كان فلان غنياً وفلان فقيراً؟ فهذا سؤال غير وارد، ولا يسأله مؤمن، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣]، والبواطن والعواقب والنهايات لا يعلمها إلا الله، والعبرة بالخواتم، فهل سيختم لهذا الغني بخير؟ وهل سيختم لهذا الفقير بخير؟ فقد يفسد الغنى وقد يفسد الفقر؟ ولذلك يقول الله ويجدد القول: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت:٦٢].
فالبعض يبسط له بالرزق، ويعطيه من الأموال ما لا يحصى كما أعطي قارون، وكم من قارون في عصرنا ولكن اسألهم: ماذا فعلتم بمال الله؟ هل أعطيتموه للفقراء؟ هل زكيتم؟ هل أديتم حق الله في مالكم؟ فستسمع
الجواب
لا، وقد يكذبون ويقولون: نعم، فإذا بحثت وجدتهم ضموا مع منع الزكاة ومنع حق الله الكذب على الله.
إن الزكاة لا تقل عن الصلاة، وقد كان أبو بكر ﵁، وابن مسعود ﵁، والجماهير من الصحابة يقولون: من لا يزكي فلا صلاة له، وأول حرب أهلية كانت بين المسلمين كانت على مانعي الزكاة وذلك عندما منعوا الزكاة، فوقف أبو بكر وقفة الأسد الهصور في إصرار وثبات، حتى لقد حاول عمر وبعض الصحابة أن يستدلوا بأدلة غير كاملة على عدم قتالهم، فأرشدهم أبو بكر وأفهمهم، وإذا بهم يفهمون ويرشدون، قال عمر: ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر حتى شرح صدري لما شرح له صدر أبي بكر، وكان إجماعاً على أنه إذا منع قوم الزكاة وحق الفقراء فإنهم يقاتلون على ذلك، فمن قتل فقد قتله سيف الإسلام، ودمه هدر، ومن قتل من يقاتلهم من أجل ذلك فقد احتمل إثماً عظيماً وكبيرة من كبائر الذنوب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت:٦٢].
أي: عليم بكل أحوال خلقه، فيعلم من الذي يصلحه الغنى ومن الذي يفسده، ومن الذي يصلحه الفقر ومن الذي يفسده، ولهذا تجد النبي ﷺ يقول عن الأغنياء.
(هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا)، أي: بذل ماله لجميع النواحي.
والله وصف المؤمنين فقال عنهم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥].
وجعل في جمله صفة المؤمنين الذي لا يتم إيمانهم إلا به، أن في أموالهم حقوقاً لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، فالسائل: من يسأل حقه، وللمحروم من رزقه، وقد قال ﵊: (إن للسائل حقاً ولو جاء على فرس).
وقال: (لو صدق السائل لما أفلح المسئول).
حتى ولو كان عنده ما عنده، فأنت ينبغي لك إن وجدت سائلاً وكان عندك ما تعطيه أن تعطيه من القليل القليل، ومن الكثير الكثير، حسب قدرتك وطاقتك.
стр. 1152
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء)
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣].
يقول الله لنبيه: اسأل يا محمد هؤلاء الكفار، كما سألتهم من خلق السموات والأرض؟ فأجابوك: الله، وكما سألتهم من سخر الشمس والقمر للخلق؟ فأجابوك: الله؛ سلهم كذلك: هذه الأمطار التي تنزل إلى الأرض، وكانت جدباء غير منبتة، وكانت في حاجة إلى الماء، من الذي أنزل هذا المطر؟ من الذي أحيا هذه الأرض وأغاثها فأنبتت فيها من كل زوج بهيج؟ قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ [العنكبوت:٦٣].
أي: من بعد أن ماتت، بمعنى مات ما عليها من خضرة وثمرة، فهي لا تنبت، ولكن الله أمطرها، وأغاثها بالمطر، وإذا بها تهتز وتربو، وإذا بالبنات الأخضر ينبت من جديد، وإذا بالشجر يورق، وتشتد خضرته، ويعطي من الثمرات أنواعاً، ومن الفواكه أنواعاً، ومن كل ما يبهج ويحيي الناس والحيوان والطير.
﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣] وقد أجابوا وقالوا: الله.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [العنكبوت:٦٣] أي: على أن الله هو خالق الكل، قل الحمد لله على أن اعترف هؤلاء بالحقيقة، رغم كونهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وحدوا الربوبية وكفروا بالألوهية، قالوا: الله رب كل شيء، وخالق كل شيء، ولكن جعلوا مع الله آلهة، ذكروا أصناماً، وأوثاناً، وذكروا أوليا من الملائكة والجن والناس، فافتروا على الله، وكانوا متناقضين، كيف والله هو الخالق وحده فتركتموه، وذهبتم لعبادة غيره، وللتعلق بغيره، وأشركتم معه غيره، مما لا يستطيع خلقاً ولا يستطيع رزقاً، ولا يستطيع حياة ولا موتاً.
قل الحمد لله الذي اضطر هؤلاء الكفرة لأن يعترفوا بالحق ولو كان ذلك اعترافاً جزئياً.
قوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦٣].
بل حرف إضراب وهو إضراب عن الماضي، أي مع اعترافهم بتوحيد الربوبية، وبأن الله هو الخالق للسماء، والخالق للأرض، وللشمس والقمر، والمنزل للأمطار، والمحيي للأرض بعد موتها، ثم مع ذلك يشركون معه غيره، والحمد لله على أنهم اعترفوا بأن الخالق الرازق هو الواحد، ولكن أكثرهم لا يعقلون، فهم جميعاً ليس لهم عقول تميز، ولا تدرك، ولا تعي، ولا تفهم.
وهكذا فكل كافر لا عقل له، مهما نسبت له الفلسفة، والعلم والمعرفة، فهي ظواهر من الحياة الدنيا، ﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
لا يعرفون حقيقة الحقائق، وهي وحدانية الله، فكيف يوصف هؤلاء بالعقل والعلم والفهم؟ فعلمهم أقل من علم الحيوان؛ لأن الحيوان يدرك ويفهم، ويوحد ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
فكل شيء في الخلق يسبح بحمد الله، بلهجاتهم، وبلغاتهم، وبما يدركون ويفهمون، إلا الكافر من بني الإنس والجن، فتجد الحيوان أشرف منه، وأعقل منه، وأقرب للتوحيد منه.
стр. 1153
تفسير قوله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب)
قال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].
يقول تعالى: قل إنما هذه الحياة الدنيا لهو ولعب، فالحياة الدنيا هي الحياة الأولى القريبة منا وليست إلا لهواً ولعباً، واللهو الباطل، فنومنا ويقظتنا، وتنقلنا وتكسبنا، كل ذلك لهو إن لم يكن لعبادة الله، وللعمل للآخرة: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧].
فميزة الدنيا أنها برزخ الآخرة، وهي القنطرة للآخرة، فمن عبد الله فيها، ومن وحد الله فيها، فذاك، ومن لم يوحده فحياته كلها من مبتدئها إلى آخرها لهو ولعب، لهو باطل في التصرف في المنام في اليقظة لعب في المعاملة لعب في المناكحة لعب في الأولاد لعب في التجارة لعب في الزراعة، فما دام لم يعبد الله، ويعمل لما بعد الموت، فحياته كلها لهو ولعب، فالدنيا جميعها لهو وباطل ولعب.
فهذا يخاصم هذا ليكون كبيراً يأمر وينهى ويطاع، وهذا يحرص على أن يأكل مال هذا، ليملك أكثر وأكثر، ومع ذلك كما قال نبينا ﷺ (ليس لك من دنياك إلا ما لبست فأبليت، وأكلت فأفنيت) وما سوى ذلك يحاسب عليه ويكون ثقلاً يوم القيامة.
وهذا الغني كم سيأكل؟ وكم سيلبس من الأثواب؟ فطعامه أقل من طعام الفقير، لأنه أسرف على نفسه وأكل بتخمة أيام الشباب، وإذا به يمرض، وإذا بمعدته لا تستطيع الهضم، وإذا به يعيش بالحمية، يعيش بالجوع مضطراً، ولباسه لا يتجاوز لباس الفقراء، إذاً: لمن يجمع؟ يا من تبيت للخراب تبني ويا من تلد فللموت تلد ولكن الباقي الخالد ما قدمته في دنياك وجعلته برزخاً لأخرتك، من تلك الركيعات، وتلك الدريهمات التي تصدقت بها، سواء كانت زكاة واجبة، أو صدقة تطوع، أو نفقة على أولادك، أو السائلين والمحرومين، وما عدا ذلك فستأتي به ثقلاًً يوم القيامة، وصدق رسول الله ﷺ : (هلك المكثرون).
وقال النبي عليه الصلاة السلام عن الأغنياء الصالحين: (فيدخلون الجنة زحفاً وسيسبقهم الفقراء بنصف يوم)، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
أي يسبقونهم بخمسمائة عام، وهؤلاء الذين عملوا صالحاً سيدخلون الجنة، ومع ذلك سيدخلون زحفاً متأخرين عن الفقراء والمساكين الذين لا مال لهم يسألون عن زكاته، ولا جاه لهم يسألون عن جاههم، ولا سلطان لهم ولا نفوذ، بخمسمائة عام.
ونحن نرى الرجل الغني صاحب السلطان والنفوذ يعيش ثمانين سنة أو أقل أو أكثر ثم يهلك، فإذا بالأموال تقسم بعده لمن لا يرحمه، وإذا بالزوجات يتزوجن غيره، وإذا بالأولاد أخذوا تلك الأموال وصرفوها فيما لا يحل، والذي قذف في القبر يحاسب على ذلك، فهو الذي جمعه لهم، وهو يعلم أنهم سيصرفونه فيما لا يجوز وفيما يجعلهم للشيطان عوناً وقوة.
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤].
إن: للتوكيد.
وقوله: (لهي): اللام لام القسم، يقسم الله ﷻ بأن الحياة الحق، والحياة الدائمة، هي حياة الآخرة، حياة من مات مؤمناً مطيعاً مسلماً، فهي الحياة الدائمة، في نعيم وجنان وحور عين: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤].
هؤلاء الكفرة العصاة المشركون بالله، لو كانوا يعلمون حقاً، ولو كانوا يعلمون ديناً، ويميزون بين الحق والباطل، لعلموا أن الدنيا ذاهبة بخيرها وشرها إن كان فيها خير، وأن الحياة الحق، والحياة الدائمة هي حياة الآخرة، هي حياة الجنان، والرحمة والرضا، فلو كانوا يعلمون ذلك لما فعلوا ما فعلوه من معاص وذنوب وآثام.
стр. 1154
تفسير قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
هؤلاء الذين سئلوا: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [العنكبوت:٦١].
من: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [العنكبوت:٦١] من: ﴿نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ [العنكبوت:٦٣] فأجابوا جميعاً: الله، هؤلاء كذلك إذا كانوا في البحر، فركبوا الفلك، وركبوا البواخر، تأتي الأمواج تتلاعب بهذه المراكب، فإذا بهم يجدون أنفسهم لا يدعون إلا الله، ولا يلتجئون إلا إلى الله، ولا يستغيثون إلا بالله.
قوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
أي: أخلصوا الدين لله فلم يدعوا مع الله شريكاً ولا ولياً، ولا صنماً ولا وثناً، وإنما دعوا الله وحده، مخلصين له دينهم وعبادتهم، والدين هنا العبادة والطاعة والدعاء.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
حكوا أن روسيا عندما أرسلت الصواريخ إلى أعلى الفضاء، ووصلوا للقمر، بعثوا شاباً ملحداً منهم شيوعياً، فعندما أصبح بعيداً عن الأرض بآلاف الكيلو مترات، ورأى هذه الأفلاك مرفوعة، ورأى القمر يكاد يمسه بيده، ورأى الأرض ككرة؛ وجد نفسه يناجي الله بغير شعور! وعندما نزل سألوه، فقال: لما رأيت ذلك قلت: من رفع هذه ومن خلقها؟ فأجاب نفسه بنفسه: الله، وإذا بهم يعاقبونه ويسجنونه ويعذبونه، ولو أنه مع إيمانه بالله آمن بمحمد رسول الله لمات شهيداً حين مات.
ونعرف ملاحدة وشيوعيين واشتراكيين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فإذا أصابهم بلاء في بدنهم، أو مالهم، أو مناصبهم، تجدهم فجأة يقولون: يا الله! يا رب! وإذا رفع البلاء إذا بهم يعودون للشرك أقبح مما كانوا، وللشيوعية وللإلحاد أكثر ما كانوا، ولذلك ما يحكيه الله عن أولئك ليسوا إلا أمثلة من هؤلاء، فالكفر ملة واحدة وشكل واحد، ولم يكن كفار مكة أو كفار العرب إلا مثلاً لكفار الدنيا بكل أشكالها وأنواعها، وإلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
أي: فلما نجاهم وأنقذهم من هول البحر، وأنزلهم للبر، فإذا بهم يعودون للأصنام والأوثان.
يحكي محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة، بأن النبي ﷺ لما فتح مكة، فر منه من فر من كفار قريش، فكان ممن فر عكرمة بن أبي جهل، وبقيت زوجته لم تفر، بل آمنت، فسألت رسول الله العفو له إن جاء مسلماً، فأعطاها ذلك.
وخرج عكرمة ووصل إلى شواطئ الجزيرة، فوجد سفينة مسافرة إلى الحبشة فركبها، فبعد أن أصبحت السفينة في عرض البحر، أخذت تتلاعب بها الأمواج، والكل يصيح، وإذا بربان السفينة وسائقها وقائدها يقول للراكبين: لن ينفع دعاء اليوم إلا دعاء الله وحده، فادعوا الله جمعياً بأن ينقذكم! فإذا بـ عكرمة يقول: إن كان الله هو الذي سينقذنا من البحر، إذاً فهو الذي سينقذنا من البر، علي عهد الله إن أنقذني الله، وأصبحت في البر، أن أضع يدي في يد محمد وأن أومن به وبرسالته وبالكتاب الذي أنزل إليه، فأنجاه الله، ونزل إلى البر مسرعاً ودخل مكة، وفاجأ النبي عليه الصلاة السلام بالسلام عليه، وقال: جئتك مؤمناً مسلماً، يا رسول الله: مرني أمرك، واعف عما مضى، فقبل منه ﷺ ، وكان عكرمة ممن أسلم وحسن أسلامه وشارك في الفتوح أيام أبي بكر وعمر، فشارك في فتوح الشام، وفتوح العراق، وفتوح فارس، وكان البطل الذي لا يجارى، وقتل على يده المئات من أعداء الله الكفار.
ورزق الله المسلمين على يده من الغنائم الملايين، ومن الأرض ما لا يعد ولا يحصى، وذلك ابتداء من خلافة أبي بكر، إلى نهاية أيام عمر ﵄ وعن المسلمين، وعن الصحابة والفاتحين جميعاً.
стр. 1155
تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا)
قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٦].
لما رجعوا إلى البر وأنقذوا من هول البحر، عادوا للشرك، فكفروا بما أنزل الله من كتاب ومن نبي ومن رسالة، فتمتعوا بباطل الدنيا وبلهوها.
قد أصبحوا يجرون وراء الباطل، ووراء متع الدنيا، من أكل لأموال الناس بالباطل، ومن غنى وسرقة، وربا، ورشا، ومن كل أنواع الفساد بأشكالها، فقال الله عنهم: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٦].
ينذرهم ويتهددهم، وأنهم ميتون لا محالة، وسيعلمون الحق آنذاك، وسيعلمون ما وعدوا به من عذاب، وقد استعجلوه في دنياهم قبل آخرتهم، فأرجأناهم لما سبق من وعدنا لمحمد ﷺ ألا نعذب أمته في الدنيا، وأن ذلك يؤجله إلى يوم القيامة.
وهكذا يقول الله لهؤلاء: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٦].
стр. 1156
تفسير قوله تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧].
قال الله لكفار مكة -وهذا خاص بهم وعام فيمن بعدهم-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧].
أي: ألم ير هؤلاء أنا جعلنا مكة حرماً آمنا، حرمنا فيها الظلم، والسرقة، والقتل، وحرمنا فيها جميع الفواحش مما يقلق الأمن ويزيله، ويتخطف الناس من حولهم قتلاً وأسراً سرقة وطغياناً.
ألم ير هؤلاء -سكان مكة- كيف أن الله جعل بلده بلداً آمناً، وحرماً حرمه على أن يساء فيه! وكان هذا وقت نزول الإسلام.
ويتخطف الناس حول الحرم فيقتلون، ويؤسرن، ويستعبدون، ويمتهنون، وتؤخذ أموالهم.
فأهل مكة آمنون في أرضهم، وجميع جزيرة العرب، بل وجميع الدنيا لا آمان فيها، ولا راحة، ولا استقرار، ولا أمان على بيت، ولا على مال، ولا على عرض، وهم مع ذلك يأبون إلا الكفر والشرك.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧].
أي: أهؤلاء بعد كل هذه النعم التي أنعمنا عليهم، يؤمنون بالشرك، ويؤمنون بالشيطان.
﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧].
فجحدوا نعمة الله في جعل هذا بلداً آمناً، وجعله حرماً، وهذا كقوله فيما مضى في سورة القصص: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧].
وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وكقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤].
أمنهم من الخوف: من القتل، وأطعمهم من جوع، فكانت لهم رحلتان، في الصيف والشتاء إلى أرض الشام واليمن.
стр. 1157
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨].
يقول ﷻ : من أعظم جرماً وأكبر ذنباً، ومن أطغى نفساً ممن افترى على الله الكذب، وزعم أن الله أرسله ولم يرسله، كما زعم مسيلمة، وكما زعمت سجاح، وكما زعم الأسود العنسي، فقد كذبوا على الله وافتروا بأن الله أرسلهم وهم كاذبون.
فمن ادعى علماً ولم يكن كذلك، أو معرفة ولم تكن كذلك، يكون جرمه وذنبه من أعظم الذنوب.
قوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت:٦٨]: وهذا يأتي في الدرجة الثانية في عظم الجرم والذنب.
فهؤلاء الذين كذبوا بالحق، وكذبوا القرآن الكريم، وكذبوا محمداً صلى الله عليه وعلى آله، وكذبوا الرسالة؛ هؤلاء هم الذين افتروا على الله الكذب، وكذبوا الحق لما جاءهم، فمن أعظم كذباً وافتراءً منهم؟
الجواب
لا أحد! فهؤلاء جمعوا دين الكفر والشرك والتحدي لجلال الله ولمقامه.
قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨].
هذا استفهام تقريري، أي: بلى في جهنم مأوىً ومقام ومنزل للكافرين، ولهؤلاء الذين كذبوا على الله افتراء، وادعوا ما ليس لهم، وهؤلاء الذين عندما جاء الحق كذبوه ولم يؤمنوا به، وازدادوا حرصاً وعناداً في الكفر، وصداً عن دين الله.
стр. 1158
تفسير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
إن الجهاد يكون بالسيف، ويكون بالقلم، ويكون بالعبادة، ويكون بكسب الحلال، ويكون بطلب العلم، فطالب العلم المجد مجاهد، والعالم الناصر للعلم مجاهد، والداعية إلى الله بكل شكل مجاهد، والحامل للسيف في ساحات الوغى والحرب مجاهد، والصابر على الطاعات مجاهد، والتارك للمعاصي بأنواعها مجاهد.
وقد فسر الصحابة والتابعون قول الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، بأن الله يُقسم أن الذين جاهدوا في الله حق جهاده وحق طاقته، بأي نوع من أنواع الجهاد: بالسيف أو بالقلم ليهديهم سبله، أي: يهديهم إلى طرق الحق.
وسبل: جمع سبيل، أي: سبل الله، وهو السبيل الحق في الفهم، والحق في العلم، والنصر في الجهاد، والدعوة إلى الله، وهذه كما قال عمر بن عبد العزيز في تفسيرها: ومن عمل بما علم علمه الله علم ما لم يعلم! وكل من كان في طاعة الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، يدخل تحت هذه الآية، والآية تذكر أن الله سوف يهديه السبل التي جهلها، والتي لم يعلمها، ويعرفه الحق حقّاً ويعينه على اتباعه، ويعرفه بالباطل باطلاً ويعينه على اجتنابه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
الله ﷻ مع المحسن بالعون وبالتأييد، وبالنصر، وبالمغفرة، وبالرحمة والرضا.
والنبي عليه الصلاة السلام في حديث عمر عندما سئل عن الإيمان، ثم عن الإسلام، ثم عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
стр. 1159
تفسير سورة الروم [١ - ٦]
لقد أيد الله سيدنا محمداً ﷺ بالمعجزات الباهرات الدائمات، ومن ذلك ما أخبر به في مطلع سورة الروم من أن الروم أهل الكتاب من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، وقد تحقق ذلك كما أخبر الله.
стр. 1160
تفسير قوله تعالى: (الم)
قال الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤].
هذه السورة مكية، نزل بها الروح الأمين جبريل على قلب نبينا ﷺ في مكة المكرمة، وهي مشتملة على ستين آية، وتكاد تكون جميع آيها الأول معجزات، وكأنها أنزلت في عصرنا هذا.
ومعجزاتها: أن الله ﷻ أخبرنا عما سيكون في عصرنا هذا قبل ألف وأربعمائة عام حتى كأن النبي ﷺ يرى ذلك رأي العين، فهذا هو الوحي الذي أوحى الله به، فكان الأصل معجزة له، وكان بعد ذلك وإلى عصرنا تظهر معجزاته بأتم وأكمل وأشمل وجه بعد مضي هذه القرون الطوال، قال تعالى: ﴿الم﴾ [الروم:١].
وقد سبق أن تكلمنا في السور الماضية عن هذه الحروف المقطعة التي افتتحت بها السور، وأن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين طالما اختلفوا في تأويلها وبيانها وتفسيرها، وانتصروا غير مرة لما قاله الزمخشري وأيده معاصرون، فالقرآن هذا معجز بلفظه ومعناه، وقد تحدى الله به الخلق إنسهم وجنهم على أن يأتوا بمثله، وعلى أن يأتوا بسورة من مثله، وعلى أن يأتوا بعشر آيات من مثله، فعجزوا أجمعين أبتعين أبصعين، والتحدي لا يزال قائماً إلى يوم الناس هذا، فهذا القرآن المعجز إنما تركب من هذه الحروف الأبجدية العربية، ومع ذلك يقول لهم: يا هؤلاء الذين لم تؤمنوا بعد بالله إن استطعتم أن تأتوا بمثله، فهذه الحروف بين يديكم تسمعون منها ما يقاربه أو يشابهه، فإن استطعتم فافعلوا، ولن تستطيعوا ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً.
следующие страницы →