← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً) قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٩]. لا نزال مع ذي القرنين، إذ قطع مكانه الذي كان فيه إلى مغرب الشمس، وأعاد للدين قواعد، ولا شك أنه ترك حكاماً ومعلمين يعلمون الناس التوحيد، وينشرون الإسلام كما نشره، ووضع بينهم من يعدل بينهم، ويفصل خصوماتهم، ويحول دون ظلم البعض للبعض، ثم ترك المغرب وهو الآن في طريقه إلى المشرق، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: ثم أخذ طريقه مرة أخرى واتخذ الأسباب للسفر والتنقل في الأرض والضرب في أرجائها، وهكذا اتخذ الآلة والمراكب البرية والبحرية، وربما الجوية كما حكى علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة والتابعين: أنه سخر له السحاب؛ فقد سئل عنه علي فقال: ذاك عبد صالح ناصح لربه، فنصحه ربه وأكرمه، فسخر له السحاب وأعطى له الأسباب، ومكنه من كل ما يحتاجه حاكم على الأرض. قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف:٩٠] أي: أقصى بلاد الصين حيث لا يعرف بعدها عمار ولا سكنى ولا شعوب من البشر، وصل هناك فوجد عند مطلع الشمس قوماً لم يجعل لهم ربهم من دون الشمس ستراً، فأرضهم لا تقبل بناء وليس فيها شجر ولا نبات، إذ تطلع الشمس في الساعة التي تطلع فهم معرضون لها ولحرها وبلائها، لا كهوف، ولا مغارات، ولا شجر، ولا أرض تقبل البناء، إذ الأرض تهتز وتتنقل فما بنوه يسقط، والشجر لا ينبت، وإنما يعيشون على ما يصطادونه من حيوان البحر وغيره. فقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] أي: لا ستر لهم دون الشمس، وهم معرضون لها عراة لا لباس يسترهم إذ لا غنم ولا صوف ولا وبر ولا زرع يأخذون منه قطناً، وإنما يعيشون على الماء وسمك البحر، فهؤلاء عندما يبدأ حر الشمس يدخلون المياه ويبقون فيها إلى أن تميل الشمس إلى الغروب، فيخرجون من الماء. وقد قال البعض: إنهم يحفرون أخاديد فيجلسون فيها، ولكنها أيضاً لا تمسك قد تنهار عليهم يميناً وشمالاً، فيجدون أنفسهم قد حفروا لها مقابر، ولذلك أصح ما قالوه: أنهم يتبردون من حرها ومن سمومها بالماء. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلما في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] فكان نفس الجواب ﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٧ - ٨٨] فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الكهف:٩١] أي: مثلما حدث مع قوم مغرب الشمس دعاهم إلى الله، وأحسن إلى المحسن، وأساء إلى المسيء، فقتل الكافر المعاند الظالم، وعذب المعارض، وأما من قبل الإيمان والتوحيد فإنه أحسن إليه ووجد منه كلمة طيبة وليناً ولطفاً وإحساناً، وهذا معنى قوله تعالى: (كذلك). أي: كما صنعنا معه عندما وصل إلى مغرب الشمس كذلك، وصل إلى مطلع الشمس وخيرناه بأن يصنع معهم ما شاء إما أن يعذب وإما أن يتخذ فيهم حسناً، فكان جوابه: أن يحسن إلى المحسن ويعذب العاصي والمسيء. قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١] أي: نحن محيطون بعمله وبقوله فما من شاذة ولا فاذة إلا والله يعلمها، ولا يخفى عليه خافية ﷻ ، فكان بعين الله عمله وبعين الله تعذيبه للظالمين الكافرين، وبعين الله إحسانه إلى المحسنين المؤمنين المصلحين، والله قد أحاط به علماً وأحاط به خبراً ﷻ ، وهو المحيط بـ ذي القرنين وبغير ذي القرنين. وسبب تسميته بـ ذي القرنين أنه كان له قرنان أو ما يشبه القرنين وهذا قول. وقيل: لأنه بلغ قرن الشمس طلوعاً وبلغ قرن الشمس غروباً وهذا الأقرب. وقال البعض: لأنه حكم فارس والروم ومعلوم أن فارس والروم لا تتعدى ولايتين من ولايات دولته وحكومته، فقد كان الإسلام قروناً وفارس والروم ولايتان من ولاياته، أما ذو القرنين فحكم العالم كله بما فيها أمريكا.

стр. 107

تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً) قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٩]. أي: ثم أخذ طريقاً، فهو لا يزال يقطع الأرض والبحار والجبال والفيافي وأعطاه الله الأسباب من الجند والمال والقوة السيادة والعز ليستطيع التصرف في ذلك تمكيناً له في الأرض مشرقاً ومغرباً وما بينهما، فهو يتنقل بأسبابها علماً بالطرق والمنازل والحكم، وإرشاداً لهذا وعقوبة لهذا والإحسان إلى المحسن والإساءة إلى المسيء. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣] أي: وصل بين إقليم وإقليم وبينهما ممر سحيق قد يكون ودياناً وقد يكون كهوفاً وقد يكون بحاراً، وعلى كل كان هذا بناحية وهذا بناحية. قال: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾ أي: من دون هذا الإقليم ومن دون هذا الإقليم، وجد ﴿قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: فيهم صفات الحيوانية من الجهل وعدم العلم والمعرفة فلا يكادون يفقهون قولاً من أحد، ومن قال: إنهم لا يفهمون اللغة فهذا ليس بصحيح، فإن الأمم التي تنقل فيها ذو القرنين كان لكل منهم لغته ونظامه لا تشبه هذه هذه إلا قلة قليلة لا تكاد تتجاوز الأصابع ممن تكلفت ذلك وتعلمته، ولا يقال: إن تلك اللغة انتشرت بين جميع شعوب الأرض، وقد قيل: إن ذا القرنين مما أعطي له من الأسباب أنه كان يتقن مخاطبة كل أمة بلغتها، فقد كان ذلك من الأسباب التي أكرمه الله بها، ومن الوسائل التي مكنه الله منها في الأرض. قوله: (لا يكادون) يكاد: من أفعال المقاربة، أي: أنهم يفهمون قليلاً ويدركون قليلاً، ومن الإدراك الذي أدركوه أن هذا الذي وصل بلدهم بجيوشه وسلطانه وقوته قد أعطاه الله الأسباب على ذلك، وإذا بهم ينتهزون فرصة وجود ذي القرنين ويأتونه قائلين: يا ذا القرنين!

стр. 108

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض) قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤]. وقرئ: (سُداً)، جاءوا إلى ذي القرنين وقالوا: يا ذا القرنين وأخذوا يرجونه ويتأدبون معه أدب الرعية للرؤساء والملوك والقادة، فقالوا: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) أي: عطاء وأجرةً ومالاً (عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) أي: أن تجعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج فاصلاً وحاجزاً؛ لأن يأجوج ومأجوج شعب مفسد في الأرض، فقد كانوا من الظلم والجور يأكلون الإنسان، ويأكلون كل ما وصل إلى أيديهم من أنواع الحيوانات والمواشي والدواب، وكانوا عراة يتسافدون في الشوارع تسافد الكلاب والحيوانات، إذ كانوا لا يعيشون على نظام ولا خلق ولا دين، وكانوا يأتون المياه فيغورونها ويميتون أهلها عطشاً، وإذا وجدوا أرضاً مزروعة أفسدوها وقتلوا الماشية ولم يتركوا لهم شيئاً، فقد كانوا أشبه بالتتار الذين أفسدوا يوماً في بلاد العرب والمسلمين إلى أن وصلوا حدود مصر ثم دمرهم الله وقضى عليهم. ويأجوج ومأجوج ورد ذكرهم على لسان رسول الله ﷺ ، وأنهم قوم مفسدون في الأرض، وقد جعل عليهم سداً وحال بينهم وبين الانتشار في الأرض ذو القرنين، استجابةً لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، ولكنهم سيخرجون إلى الدنيا عند زوال هذا السد، فيخرجون إلى الأرض وينتشرون، وخروجهم من العلامات الكبرى التي ستأتي بعد المهدي، فـ المهدي أولاً، ثم الدجال ثانياً، ثم عيسى ابن مريم ﵇ ثالثاً، ثم يأجوج ومأجوج رابعاً، فيخرج يأجوج ومأجوج وعيسى في الأرض قد نزل من السماء ودان بدين الإسلام، وحج بحج المسلمين، وكسر الصليب، وقتل الخنزير، وهدم الكنائس، وألغى الجزية ولم يعد يقبل من أحد إلا الإسلام أو السيف، ودين عيسى إذ ذاك دين نبينا ﵊، فهي أوامر لعيسى من النبي ﵊، فعندما ينزل إلى الأرض يطلع عليها ويبلغها ويقوم بتنفيذها تنفيذاً لأمر نبيه محمد ﵊ الذي هو آخر الأنبياء ولا نبي بعده أبداً، فقد قال ﵊: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وأخبرنا ﵊: (أن عيسى سينزل في آخر الزمان فيحج على غير القلص) والقلص جمع قلوص، والقلوص: الراحلة، أي: الجمل أو الناقة، وفي قوله: إنه سيحج على غير القلص إشارة للطائرات، فسيحج في الطائرات كما نحج نحن عليها اليوم، وقد تكون طائرات من نوع جديد، فنحن نرى كل يوم اختراعاً جديداً وشكلاً جديداً بحيث ما مضى عليه عشر سنوات أصبح كالدواب والمواشي بالنسبة لطائرات هذه الأيام، ويعد أيضاً من أنواع الطائرات الآن ما لا يكاد أن يتصورها أحد، وقد سبقت الإشارة لهذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]. قال حبر القرآن عبد الله بن عباس ﵄: إن معنى قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] ظهور أنواع المراكب في الأرض حتى كان ذلك من جنسها، قال هذا ابن عباس منذ ألف وأربعمائة عام، وفي هذا النصف من القرن العشرين أصبحنا نستطيع أن نقول كما قال ابن عباس: والخيل والبغال والحمير والسيارة والقطار والباخرة والصاروخ، وأيضاً لا نزال نقرأ قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] وهذا من معجزات القرآن الدالة على تصديق نبينا محمد ﵊. ومن هنا كان القرآن المعجزة الخالدة الدائمة المستمرة، فقد آمنا بالمعجزات التي ظهرت لنبينا حال حياته ﵊ إيمان تصديق، ونحن نؤمن اليوم بالقرآن ومعجزته معنىً ولفظاً، ونؤمن إيمان شهود وإيمان حضور وكل يوم نعيش في معجزة، فالصحابة الذين آمنوا بالمعجزات التي شاهدوها آمنوا بما سيأتي إيمان تصديق، كما آمنا نحن بالمعجزات التي كانت في عصرهم إيمان تصديق، ثم نؤمن بالقرآن الكريم إيمان شهود وحضور. قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج﴾ [الكهف:٩٤] وقرئ: (ياجوج وماجوج) ﴿مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] أي: هل نؤجرك ونكافئك؟ ونعطيك مالاً، على أن تفعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج سوراً، فلا يدخلون أرضنا ولا ندخل أرضهم عسى أن نستريح من إفسادهم وقتلهم وسفكهم الدم الحرام وأكلهم لحوم البشر. ولم يمكن الله ذا القرنين في الأرض إلا للإصلاح ونشر الدين والعدل وعقاب الظالم ورفع الظلم عن المظلوم، فأجابهم ذو القرنين: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف:٩٥] أي: ذلك الذي مكنني، قرئ: (مكنني ومكني). فقوله: (مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) بمعنى: ما أنا فيه من التمكين في الأرض ومن الأسباب التي أكرمني الله بها، وما ملكني الله من الحكم بين البشر وخضوع الملوك والأمراء والحكام وجميع شعوب الأرض لحكمي، هو خير من خرجكم ومن مالكم وأجرتكم، فدعوا الخرج عندكم تفرحون به أنتم لا أنا، كما قال سليمان عندما أرسلت له ملكة سبأ الهدية لتنظر رده فكان الجواب ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦]، أي: أنتم الذين تفرحون بهذا المال، أما أنا فأملك من السلطان والجاه والمال ما ليس عند أحد في الأرض. قوله: (خير) أي: أخير من أفعل، أي: أكمل وأحسن تمكيناً وقدرة. ثم قال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف:٩٥] أي: لا تعطوني مالاً ولكن أعطوني قوة منكم، تعاونوا معي بأجسامكم وبالأدوات التي أطلبها من حديد ونحاس وأخشاب وأحجار وبنائين، قوله: (بقوة) أي: فليكن هذا منكم بعزم وصلابة وإرادة وبكل ما أطلبه منكم ولا حاجة للخرج. ثم قال ذو القرنين: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف:٩٦]، والزبر: جمع زبرة، أي: آتوني بقطع الحديد، وقيل: كانت القطعة وزنها قنطاراً اتخذها كما يتخذ الآجر والحجارة في البناء، فجاءوه بما طلب من قطع الحديد، بمعنى: صبت وقطعت، وهذا يدل على أنه كان عند ذي القرنين من المصنع والآلات ما أذاب به الحديد وقطعه قطعاً متوازية متوازنة على وزن واحد ومقاس واحد، وبعد أن جمعوا الحديد -إما أخرجه من الأرض أو أخرج ما كان موجوداً- أذابه وصنعه وجعله قطعاً. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا﴾ [الكهف:٩٦]، فالسدان في الوادي بين جبل يسار وجبل يمين، وذو القرنين ومن معه في الوسط، وفي جانبه يأجوج ومأجوج، وفي الجانب الآخر هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولاً، فقال لهم: اربطوا هذا الجبل بهذا الجبل وأبعدوا هؤلاء عنكم واجعلوا بينكم وبينهم ردماً، فردم هذه الفئة وبنى فيها سوراً بعلو هذه الجبال، فجاءوا بالحديد وبنوا الأساس، فكانوا يجعلون الحديد ثم فوقه الخشب، ثم فوقه الحديد ثم فوقه الخشب، ثم فوقه الفحم ثم فوقه الحديد، وهكذا طبقة من حديد وطبقة من خشب وطبقة من فحم إلى أن أصعده وواصل بين هذه الفئة من الجبل وهذه الفئة من الجبل حتى ساوى بين الجبلين واستوى هذا السد الذي أعلاه حتى أصبح في مستوى الجهتين، ثم قال: ﴿انفُخُوا﴾ [الكهف:٩٦] أي: أشعل النار، فاشتعلت النار في الفحم واشتعل الخشب فإذا بالزبر تشتعل، فصار هناك فراغ حين احترق الفحم والخشب واحتاج الأمر إلى شيء آخر يعود به ما احترق، فقوله: (حتى إذا جعله ناراً) أي: جعل السد كله قطعة نار مشتعلة فيه، (قال آتوني أفرغ عليه قطراً) والقطر: النحاس المذاب، فقد أعد النحاس وأذابه كما يذاب الثلج، ثم أخذ يقول لهم: أعينوني بقوتكم وأبدانكم، فأخذ يصب هذا النحاس المذاب على السد فامتلأ المكان الذي كان فيه الفحم والخشب بالنحاس، إذ كان من فوق ومن خلف إلى أن ملأه يميناً وشمالاً، وهكذا إلى أن أصبح السد قطعة واحدة من فولاذ اختلط بها النحاس وهذا لا يكاد يؤثر فيه إلا بإرادة الله. قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]. أي: أصبح وقطعة واحدة ملساء كالبلور، فلم يستطيعوا أن يصعدوا على الحائط ويصلوا للعلو؛ لأن التراب أصبح أملس ولا يستطيع إنسان أن يمسه بيده فضلاً عن رجله، فقوله: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي: أن يصعدوا ظهره، ويتمسكوا بجوانبه. قال تعالى: (وما استطاعوا له نقباً) أي: ما استطاعوا خرقه لا من تحت ولا من الوسط ولا من فوق، وهكذا فإن حضارة اليوم التي يدندنون حولها لم تصل إلى هذا قط، ولم نقرأ في تاريخنا الحاضر في الآثار سوى سد ذي القرنين، فإن حصون بابل من أيام النمرود عاشت قروناً ولكنها أصبحت خراباً ولم يؤثر فيها الحديد، فأبقوا من هذه الحصون جزءاً كمتحف وأثر من آثار الأولين.

стр. 109

تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي) قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف:٩٨]. يقول ذو القرنين وقد نفعهم بنشر الإسلام بينهم، وبزوال الظلم عنهم، ونفعهم بإبعاد هاتين الأمتين الظالمتين المفسدتين يأجوج ومأجوج، وحال بينهما وبين الوصول إلى هؤلاء وغيرهم من أهل الأرض، (قال هذا) أي: هذا الصنع الذي صنعه وبناه وكأنه قطعة من فولاذ مختلط بالنحاس المذاب (رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) أي: نعمة رحم بها المظلومين والعاجزين، ورحم بها المستضعفين، فهي رحمة لمن عاصر ذلك، ورحمة لمن يأتي بعدهم من سلالاتهم الذين طالما عذبوا الآباء والأجداد بظلم يأجوج ومأجوج، وسفك دمائهم، وأخذ أموالهم، وانتهاك أعراضهم، وأكل لحوم صبيانهم وشبابهم. ويصح أن يكون هذا من قول الله ويصح أن يكون من قول ذي القرنين وإن كان السياق في كونه من كلام الله أبلغ؛ لأنه خبر عن المستقبل ولا يعلم المستقبل والغيب إلا الله. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨] هذا الآن على شدته وصلابته إذا جاء وعد ربي جعله دكاء، أي: أصبح مستوياً مع الأرض، أو أصبح هو والأرض في مستوىً واحد، ووعد ربي لا بد كائن، والمقصود بقوله: (وعد ربي) هو ما قاله النبي ﵊: إن عيسى سينتصر على الدجال ويذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء، ويتم الأمر لعيسى وتصبح الدنيا في أيامه آمنة، فيزول العداء بين البشر وبين الحيوان، بحيث يتآخى الذئب مع الشاة، والحية تتآخى مع الفئران، والوحوش الضارية تتآخى مع الوحوش غير الضارية، ويصبح الناس في مستوى واحد من الغنى. هذا ما أخبر عنه رسول الله ﵊ تفسيراً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨]. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]. آية تكررت ثلاث مرات في سور: التوبة والفتح والصف، وقد فسرها رسول الله ﵊ كما روى ذلك أبو عبد الله الحاكم وأحمد في المسند وأصحاب السنن وغيرهم عن جماعة من الصحابة ﵃، أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ النجم، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ الليل، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ كل شجر وحجر ومدر). وكان من عادة رسول الله ﷺ إذا قال الكلمة أعادها ثلاثاً، وليست هذه ألفاظ الرواة ولكنها ألفاظ رسول الله ﵊، فيقسم بالله الذي نفس محمد بيده ونفوس كل الخلق أن الدنيا لا تنتهي حتى يصبح كل ما يظهر فيه الليل أو يصعد فيه النجم مسلماً، والنجم يطلع على جميع الأرض في جميع الكرة الأرضية، والليل يكون في جميع الكرة الأرضية، وما من بيت إلا وهو حجر ومدر، هم سكان الأرض الحاضرة، وأصحاب القرى البدوية، والبدو الرحل، ومعناه: جميع سكان الأرض من ذوي الحضارة ومن البدو الرحل، يقول ﵊ مبيناً: (بعز عزيز أو بذل ذليل) إما أن يعزهم فيصبحون من أهله -أي: من أهل الإسلام- كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] وإما أن يذلهم فيؤدوا الجزية له عن يد وهم صاغرون، وهذا يكون أيام المهدي، ويتجدد أيام عيسى، وبعد عيسى ينزل يأجوج ومأجوج فيفسدون في الأرض، فيدعو عيسى ربه بأن يهلكهم، فيصيب كل رجل منهم نغف في ظهره أو في عنقه، فيهلكون جميعاً نتيجة دعوة عيسى ربه سبحانه، فتجيف الأرض وتنجس من جيفهم وأرواحهم، فيدعو الله ليريحهم من ذلك، فيرسل الله طيراً على شكل أعناق الإبل، فيأخذونهم ويطيرون بهم إلى حيث لا يرونهم، وتنزل أمطار تنظف الأرض وتغسلها وكأنهم لم يكونوا.

стр. 110

تفسير سورة الكهف [٩٨ - ١٠٢] إذا جاء وعد الله تعالى فإنه يصير السد الذي بناه ذو القرنين دكاً، ثم يموج يأجوج ومأجوج في الناس ويعيثون الفساد، وحينئذٍ تكون الساعة قد آن أوانها فليس لأحد من دون الله ولي.

стр. 111

تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي) قال الله ﷻ : ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨]. عندما استجاب لأولئك الذين وجدهم بين السدين وهم لا يكادون يفقهون قولاً، وجاءوه راجين ضارعين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سداً أو ردماً، وكان يأجوج ومأجوج ظالمين ومفسدين، فاستعان ذو القرنين بقوته وبماله وبمعرفته في البناء حتى إذا أتم ذلك وقد جعله كأنه قطعة واحدة من فولاذ، صب النحاس بين الجبلين وقطع الطريق ما بين هؤلاء وهؤلاء، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]، فقد بلغ من الإتقان بحيث إنهم لا يستطيعون أن يعلوا ظهره ويتجاوزوه ويقفزوا عليه، ولم يستطيعوا له حفراً ولا نقباً ولا تدميراً ولا تخريباً. وعندما أتم ذو القرنين ذلك، شكر ربه وحمد نعمته وقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف:٩٨] أي: هذا فضل من فضله، ونعمة من نعمه، وكرامة من كراماته، وهذا يدل على إيمان ذي القرنين. وبهذا العمل الجيد حفظ هؤلاء عن الظلم والتسلط والفساد، ولم ينسب ذلك لنفسه ولكنه نسبه لربه وجعله نعمة من نعمه، ورحمة من رحماته، وهكذا شأن الصالحين. وهذا الذي فعله نبينا ﵊ عندما دخل مكة فاتحاً بعد أن لقي من كفارها وصناديدها العنت والكفر والظلم والفساد في الأرض، فلما دخل لم ينسب لنفسه شيئاً، بل دخل مكة وهو يقول: (الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده)، فدخلها مطأطئاً الرأس تواضعاً لله وخضوعاً لجلال الله، وهكذا كان الأنبياء فضلاً عن خاتمهم وإمامهم الذي كان يعمل العمل وينسبه لله ولفضله ولنعمته، وكذلك ذو القرنين وهو شأن الصالحين جميعاً. وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨] أي: فإذا جاء وعد الله في خروج يأجوج ومأجوج للأرض ونشرهم للفساد، وتجاوزهم أرضهم إلى مختلف بقاع الأرض جعل الله هذا السد أرضاً ملساء وكأنه لم يكن حديداً ولم يكن نحاساً ولم يكن هناك عمل. وقد ذكروا في الأخبار: أن يأجوج ومأجوج يحاولون يومياً أن ينقبوا هذا الجدار ويحفروه ويهدموه لكنهم يعجزون. وأنهم كانوا يقولون: غداً نتمم هذا العمل، وإذا بهم يعودون في الغد فيجدون كل ما نقبوا وحفروا قد عاد كما كان، وسيلهمون يوماً أن يقولوا: إن شاء الله فيجدون عملهم بقي كما كان وإذا بهم يتابعون عملهم، وإذا بهذا السد وكأنه لم يكن، ولكن كما قال ذو القرنين وكما قال ربنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف:٩٨] فخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى. وقوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف:٩٨] قرئ: (جعله دكاً) أي: جعله مسوى بالأرض كالأملس، لم يبق فيه أثر للسور ولا للسد ولا شيء يحول ويحجز بين يأجوج ومأجوج وبين هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولاً. وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨] أي: وعد الله سيحق وسيتم، فوعد الله لا مناص منه ولا محيد عنه ولا مفر ولا مهرب. وهذه الآية الكريمة تتعلق بخروج يأجوج ومأجوج لإتمام الفساد في الأرض، وقد ورد في الحديث الطويل أن عيسى ﵇ سيقتل الدجال، فعندما يظهر عيسى وينزل من السماء يذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء، فقد ورد في الصحيح: (أنه يبقى فيها أربعين يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وبقية الأيام كأيام الناس، فقيل له: يا رسول الله! اليوم الذي يكون كسنة كيف نصلي فيه خمس صلوات؟ قال: اقدروا له)، بمعنى: أن اليوم أربع وعشرون ساعة، والوقت ما بين الصبح والظهر بضع ساعات، وبين الظهر والعصر ساعتان أو ثلاث، وبين العصر والمغرب ثلاث ساعات أو ثلاث ونصف، وبين المغرب والعشاء ساعة ونصف وهكذا، وينطبق الحديث في عصرنا على أراض قريبة من القطب المتجمد، فاليوم هناك بسنة وهذا باستمرار، وقد وصلت قريباً من حدود هذه الأرض فكانت الليلة لا تزيد على ثلاث ساعات، وفي آخر الشهر القمري والليل أشبه بالمساء قبل المغرب وأشبه بالصباح قبل شروق الشمس، فاليوم عندهم بسنة: ستة أشهر ليل وستة أشهر نهار، وقد سئل أحد أقاربي وهو من شيوخ شيوخي أو من شيوخي وأنا صغير عن كيفية صلاة المسلمين في هذه الأرض؟ فأفتى لهم وكتب مؤلفاً بأن يقدروا للصلاة قدرهم للحياة والطعام والشراب وللإدارة والحكم، وهذا الحديث نص في هذا. وبعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج فيعيثون في الأرض الفساد، فيهتكون الحرم، ويسفكون الدماء، ويشربون مياه البحر والآبار والأنهار، ويأتون للشجر وللغابات ويقطعونها ويحرقونها، فيضيق عيسى بهم فيرفع يديه لله ضارعاً أن يريح الناس منهم فيسلط عليهم النغف، وهي الدود تكون في أعناقهم، فيموتون جميعاً ويهلكون، فتنتن أجسادهم وذواتهم فيضج عيسى من ذلك فيرفع يديه لله أن يريحه منهم، فتأتي طير تشبه أعناق الإبل أي: في ذلك القدر، فيأتي كل طائر فيحمل جثة من تلك الجثث فيبتعد بها إلى مكان يعلمه الله، ثم بعد ذلك ينزل الله مطراً لا يكن منه بناء ولا غطاء ولا سقف فينظف الأرض من تلك الأدران والنتن والأوساخ. وبعض شيوخنا من المغرب وهو القاضي العالم محمد سائح ﵀ كتب كتاباً وأغرب فيه وأتى بالشاذ من القول، وهو أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وهم التتر، وأخذ يذكر عن التتر وعن فسادهم وإجرامهم. فما قاله عن التتر صحيح، فالتتر كانوا أشبه بيأجوج ومأجوج فساداً، فقد دخلوا ديار الإسلام إلى أرض سمرقند إلى ما وراء النهر، ثم إلى أرض فارس فالعراق فالشام إلى أن وصلوا حدود مصر، وكانوا يرغبون أن يصلوا إلى أقصى المغرب العربي والأندلس، فكانوا لا يتركون بناء قائماً ولا نهراً جارياً ولا شجراً ولا دابة حية، فكانوا يقتلون الرجال والنساء، والدواب والمواشي، ويحرقون الدور والمدن والقرى، ويأتون للأنهار فيبعدون منابعها إلى البحر، وهكذا من أنواع الفساد التي وردت عن يأجوج ومأجوج. وقد لقي المسلمون من ظلم التتار وفسادهم الكثير، فقد قتلوا الخلفاء والملوك، وهدموا المساجد، وبقروا البطون، وقتلوا الأطفال، وفعلوا ما لم يفعل أحد في التاريخ، حتى كان الفساد ديدنهم وحضارتهم ودينهم، وكانوا يعلنون وعلى رأسهم جنكيز خان ويقولون: إننا سلطنا على البشر لقتلهم وللإضرار بهم، ولهدم دورهم ومدنهم عليهم، وقد ورد متواتراً عن رسول الله ﷺ أن يأجوج ومأجوج سيخرجون من سدهم وسيصبح هذا السد يوماً وكأن لم يكن، وسيكونون من العلامات الكبرى قبل قيام الساعة ولا تكون بعدهم إلا الساعة. فيأجوج ومأجوج إن كانوا التتر كما زعم شيخنا هذا فقد مضى على التتر إلى اليوم ما يزيد على ثمانمائة عام أو قريب منها ومع ذلك فالعلامات الكبرى مثل: المهدي والدجال ونزول عيسى والريح الحمراء وغيرها من العلامات الكبرى لم يأت شيء منها، وإنما لا نزال نعيش في العلامات الصغرى التي كانت العلامة الأولى منها: بروز نبينا ﵊ الذي قال عن نفسه: (بعثت والساعة كهاتين).

стр. 112

تفسير قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذٍ يموج في بعض) قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف:٩٩]. يخرجون من السد بعد أن يهدم وينتهي ويفنى فلا بناء قائم، ولا خلق من خلق الله باق، سينتهي ويبقى الله الواحد القهار، كل شيء هالك إلا وجهه ﷻ وعز مقامه. وهذان الشعبان الظالمان المخربان المفسدان يموج بعضهم في بعض مع بقية سكان الأرض من شعوب وأمم كأمواج البحار الهائجة، يختلط حابلهم بنابلهم، كبيرهم بصغيرهم، رجالهم بنسائهم، ضالهم بتقيهم، ويا ما أقل التقي في ذلك الوقت والزمان! وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف:٩٩] ليس بعد النفخ في الصور إلا قيام الساعة، وهذا يؤكد أن ما بعد خروج يأجوج ومأجوج إلا النفخ بالصور ومن بعده قيام الساعة، والمكلف بالصور إسرافيل من الملائكة، والصور عبارة عن بوق لا يعلم عظمته إلا الله. وحديثه متواتر مستفيض بالنطق النبوي الكريم، قال رسول الله ﵊: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنا بجبهته ينتظر الإذن). ويوم تقوم القيامة لم تبق حياة قط لأي حي كان، بل حتى الأراضي والسموات والجبال والبحار فإنها تتردى وتنهدم وتصبح الأرض كالعهن المنفوش وتتشقق السموات وتنتهي البحار وينتهي الكون بعد أن يتم النفخ في الصور، ومعنى هذا بصريح القول: أن يأجوج ومأجوج سيكونون آخر من على وجه الأرض من الأحياء، وقد قال ﵊: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)، وحديث: (لا تقوم الساعة على رجل يقول: لا إله إلا الله) ويكون الناس قد عاشوا عيشة دواب وبهائم لا يعلمون رباً من مربوب ولا خالقاً من مخلوق وينكح بعضهم بعضاً في الطرق والشوارع مثل الكلاب والقردة والخنازير. ويوم ينفخ في الصور يقومون لرب العالمين حفاة عراة غرلاً غير مختونين، تعود تلك الجلدة من الختان إلى مكانها، يأتون صفاً صفاً أمام ربهم ينتظرون الحساب إما إلى جنة وإما إلى نار، واليوم إذ ذاك كألف سنة مما نعد في أرضنا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، ويكون يوماً شديداً وعظيماً، فيشتد فيه البلاء والمحنة، وهو اليوم الذي يعطى فيه نبينا ﵊ المقام المحمود والشفاعة العظمى. وقوله: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩] يجمع الله الخلائق كلها منذ خلق آدم إلى آخر إنسان في الأرض، ويعرضون على الله لا تخفى منهم خافية، وينفذهم البصر فلا جبل يسترهم، ولا شجرة، ولا غيرهما، ويأمرهم الله فيستجيبون، وبعد الشدة والبلاء يعطون كتابهم هذا بيمينه وهذا بيساره، ووضع الكتاب باليمين علامة الرضا، ووضعه باليسار علامة الغضب.

стр. 113

تفسير قوله تعالى: (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً) قال تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠]. يوم النفخ في الصور يقوم الناس إلى ربهم للعرض عليه وللحساب، في ذلك اليوم تعرض جهنم للكافرين وتبرز لهم فيرونها يأكل بعضها بعضاً، ويزدادون ألماً وتوجعاً وتحسراً، لأنهم عاشوا كل حياتهم وهم ينكرون البعث والنشور والحساب، وإذا بهم يرون أنفسهم واقعين فيما أنكروه وفيما جحدوه، وعندما تعرض الكتب في يسارهم يوقنون إذ ذاك باللعنة والغضب، فعندما تعرض جهنم عليهم وتبرز لهم يعلمون أنهم مواقعوها لا محالة، ساقطون فيها لا محيد ولا مفر. وقد برزت لهم، وتراها أعينهم، وتسمع نارها المتأججة آذانهم، ويشدد الحساب عليهم، فيعذبون قبل العذاب، وانتظار العذاب عذاب.

стр. 114

تفسير قوله تعالى: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري) قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١]. فالكافرون كانت أعينهم في غشاوة، فهي عمياء مع تفتحها لم تر في محمد العربي أنه نبي حقاً، ورسول حقاً، ما كانوا يرونه إلا إنساناً من الناس يتيم أبي طالب حفيد عبد المطلب العربي المولود في مكة، المهاجر للمدينة ذو المرقد فيها، أما أنه نبي الله وأنه رسول الله، وأنه أتى برسالة من ربه وأنه أنزل عليه القرآن خاتم الكتب من الله، فهذا عميت أبصارهم عنه. فكانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله وتوحيده، عن أن يتذكروا أن هذا الكون في سمائه وأرضه لم يوجد عبثاً، ولم يوجد بلا موجد، ولم يخلق بلا خالق، فكان كل ذلك قد عموا عنه. وقوله: ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١] ومن حقدهم على رسول الله، وبغضهم للتوحيد وللإيمان، وعدم البعد عن الشرك بكل أنواعه كانت آذانهم لا تستطيع السماع، وحتى إذا اجتمعوا قالوا لبعضهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، ولا تقبلوا قوله فإن في قوله لبلاغة، وإن من البيان لسحراً، وإياكم أن يسحركم بفصاحته، وببلاغته، وبجماله، وبتأثيره، فكانوا بذلك لا يستطيعون السماع؛ لأن البغض والحقد والبعد عن الله وعن ذكره، وعن الإيمان بالله وما جاء به منعهم عن أن يسمعوا كلمة الحق، وأن يسمعوا آية من كتاب الله، وأن يسمعوا بياناً من رسول الله، هؤلاء الكافرون هم الذين تعرض لهم جهنم عرضاً، فتراها أعينهم، وتسمع ما فيها من البلاء آذانهم، فيتعذبون قبل العذاب ويتحسرون، وتباطؤ العذاب عذاب.

стр. 115

تفسير قوله تعالى: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء) قال تعالى عنهم وعن أمثالهم ممن مضى وممن يحضر وممن سيأتي تذكيراً وموعظة وهداية وإرشاداً: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٢]. الآية فيها حذف مقدر يدل عليه السياق تقديره: أفحسبوا أن يفعلوا ذلك ولا نعاقبهم، ولا نحاسبهم، ولا نؤدبهم، ولا ننتقم منهم، هيهات هيهات! فالكفر شيء عظيم، والشرك ظلم عظيم، فهؤلاء توهموا لجهالة وضياع عقولهم وفساد دينهم أن يتخذوا من خلق الله أولياء ونصراء يفردونها بالعبادة أو يشركونها مع الله. اتخذوا عيسى -وهو عبد لله صالح- إلهاً، واتخذوا عزيراً -وهو عبد صالح- إلهاً من دون الله، واتخذوا مريم -وهي صديقة- إلهاً من دون الله، واتخذوا عباد الله المكرمين أولياء وآلهة وعبدوها من دون الله وأشركوها مع الله. والكلام هنا مع نوع من المشركين الذين اتخذوا العباد آلهة من دون الله، مع أن الشرك عام وهو من أشرك مع الله إنساناً أو ملكاً أو جناً أو جماداً أو حيواناً وكل ذلك من خلق الله، وكل ما في الأرض آتي الرحمن عبداً، والكل يوحد الله ويذكر الله وإن كنا لا نفقه ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] فهم يعبدون مع الله إنساناً وحيواناً وملكاً وجناً وجماداً وكل ما خلق الله. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٢]، أي: إنا هيأنا لهم وجعلنا منزلهم ومأواهم ومقامهم الخالد الدائم جهنم يصلونها ويعذبون فيها، جزاء كفرهم وشركهم، ومخالفتهم وعصيانهم.

стр. 116

تفسير سورة الكهف [١٠٣ - ١١٠] يختم الله تعالى سورة الكهف بذكر صنفين من الناس، الأول: الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، والثاني: الذين آمنوا وعملوا الصالحات ولم يشركوا بعبادة ربهم أحداً، وذكر سبحانه جزاء كل صنف منهما.

стр. 117

تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً) قال الله تعالى لنبيه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. أي: قل يا محمد لهؤلاء: هل نخبركم بمن فسد عمله وضل عقله وضاع كل ما صنعه من أعمال يظنها حسنات وعبادات؟ إن خسارتهم أشد من غيرهم، وفسادهم أطم من غيرهم، فإنهم خسروا أعمالهم في الآخرة، وخسروا حياتهم في الوقت الذي يظنون أنهم يحسنون صنعاً، أي: حال كونهم يعملون ويتعبدون وقد يتصدقون ويفعلون الطاعات والنوافل ولكن عملهم قد ضل وتاه وصار في ضلال ولم يكن في رشاد وفي هداية فخسروا أنفسهم وأعمالهم ولم يكن لهم إلا الخزي والدمار واللعنة والغضب. والآية تعني النصارى واليهود وأمثالهم من المبتدعة في الإسلام ومن مختلف الملل والنحل، فترى الذي يقول: إنه تبتل وترهب وقصر حياته على العبادة ولم يتزوج ليتفرغ للعبادة ولم يعمل عملاً لكيلا يشتغل عن العبادة، وقد يتتبع الجبال والكهوف والمغارات وفي هذه الحالة يضل يومه صائماً وليله قائماً وهو يتلو الكفريات المخزية، تارة يبكي على عيسى ويناديه بالألوهية، وتارة يقول: يا أبانا الذي في السماء، وهو لا يزداد بذلك إلا كفراً وشركاً! وكذلك الذي يعيش حياته وهو يظن أنه يعبد وأنه يطيع مثل المجوس الذين يدخلون إلى دور النار وأشكالها وأنواعها ويخرجون منها حفاة عراة مكشوفي الرءوس وهم يزعمون أنهم في عبادة وأنهم في زهد وأنهم في انقطاع، وقد يمدون أيديهم ويذلون أنفسهم ويزعمون أن ذلك لربهم، وأن ذلك ذل وخنوع لله لكيلا يكون لهم أي نوع من التكبر على الخلق وعلى ربهم، هؤلاء الذين يظنون أنهم يعملون عملاً صالحاً، وقس عليهم فئات زعمت في الأصل أنها مسلمة كالقاديانية التي زعمت عن الغلام القادياني الجاسوس البريطاني أنه نبي مرسل فأضلهم وأفسدهم واخترع لهم كتاباً زعم أنه أنزل عليه. وقل مثل ذلك عن البهائية التي هي فرع من اليهودية، وقل مثل ذلك عن الوجودية الذين يعيشون للوجود بشهواتهم ونزواتهم يعبدونها ويقولون: هكذا خلقهم الله وعلى ذلك يجب أن يعيشوا، وقل مثل ذلك عن الماثونية وعن الشيوعية وعن الاشتراكية وعن كل شيء خلا من قال الله وقال رسول الله. سئل الإمام البخاري ﵁: من المسلم؟ قال: المسلم الذي لم يكن له لقب آخر مع كلمة مسلم، لا يقول: مسلم قادياني، أو مسلم وجودي، أو مسلم ماثوني، أو مسلم شيوعي، فعندما يضم لكلمة مسلم كلمة من هذا النوع يكون مشركاً كافراً ضالاً مضلاً ادعى الإسلام وهو منه بريء. وقل مثل ذلك عمن تلاعب بالقرآن والسنة، فمن الضلال من أنكر السنة البتة، أو ألغى النصوص من القرآن والسنة وزعم أن ذلك للمصلحة العامة، وذاك رجل كان في القرن الثامن اسمه الطوفي ترجم له الحافظ في الدرر الكامنة وزعم أنه شيعي وما هو بمسلم، وكتابه طبع ونشر ووزع منه عشرات الآلاف، وكلما ينتشر منه يزداد الناس ضلالاً، يزعم ويقول: من المصلحة العامة للإنسان أن يلغي نصاً من القرآن والسنة، وهكذا أخذ ذلك من أئمة الكفر والضلال ممن زعموا الإسلام إلى أن تركوا حكم القرآن والسنة، ورجعوا لحكم اليهود والنصارى، وأبعدوا الإسلام من برامج ومناهج التعليم ومن تربية الأولاد، وهكذا نشروا الفساد في الأرض فكانوا سادة وكبراء مع فرعون وهامان وقارون، وهم مع ذلك لا يزالون يزعمون أنهم مسلمون وممن قال الله عنهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف:١٠٣]، أي: بالذين هم أكثر خسارة في أعمالهم حين يزعمون أنها عبادة. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:١٠٤] أي: الذين ضل عملهم وخدمتهم، وما كتبوه وأذاعوه ودرسوه ونشروه وبذلوا عليه من وقت ومال وجاه في حياتهم الدنيا، فهؤلاء الذين ضل سعيهم وأعمالهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً وما أحسنوا إلا الفساد، وما أتقنوا إلا عبادة الشيطان وعبادة أئمة الكفر. وقد جمع رسول الله ﷺ صفة الفئة الناجية في كلمة ما أبلغها وأفصحها! عندما قال ﵊: (افترقت اليهود على واحد وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي -أي: المسلمون ممن يدّعون ذلك عموماً- على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله من هي؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي). ومن هنا كانت السيرة النبوية التي يقول الله فيها: ﴿لَقَدْ كَان لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، حيث يجب على كل مسلم كبير أو صغير طالب أو معلم رجل أو أنثى أن يتعلمها ويتدارسها ويعيش مع واقعها قصصاً وفقهاً وفهماً واستنباطاً؛ ليكون الرسول الأعظم إمامنا وهادينا ونبينا حقاً، فنأتسي به صلاة وصياماً وزكاة وحجاً وجهاداً وهدياً وسلوكاً، وما زاد على ذلك ففي النار، وهو من الفئة الضالة. والصحابة السابقون الأولون هم كما وصفهم الله من المهاجرين والأنصار والذين جاءوا من بعدهم، وأما الفئة الضالة فهي تلك التي ارتدت عندما مات نبي الله ﵊، والتي امتنعت عن أداء الزكاة، وأما الصحابي فهو من رأى رسول الله ﵊ مسلماً وعاش ومات على ذلك، وأما أولئك الذين بدلوا وغيروا وارتدوا وكانوا يزعمون أنهم صحابة فهم الذين ورد فيهم عن رسول الله ﵊ أنهم يطردون ويدفعون عن حوضه في يوم القيامة، فيقول النبي ﵊: (أصحابي أصحابي! فيقال له ﵊: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول ﵊: سحقاً سحقاً)، والسحق: هو اللعنة والطرد من الجنة.

стр. 118

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بآيات ربهم) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]. يصف الله المبتدعة الضالين من كل فئة ومن كل نوع سواء زعموا أنهم مسلمون، أو بقوا على النصرانية والوثنية واليهودية والمجوسية، الذين يظنون أنهم يحسنون صنعاً وهم الأخسرون أعمالاً، والذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا فكفروا بالقرآن وبمعجزات النبي ﵊ وبما جاء عن الله مما لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكفروا بلقائه وبيوم البعث والنشور، أما اليهود والنصارى فزعموا أنها تبعث الأرواح لا الأجساد، فكانوا أيضاً كافرين، وزعمت ذلك فئة تدعي الإسلام، ومن عجيب أمرها أنها تدعي كذلك العلم، ثم تزعم أن البعث يكون بالروح فقط، فهذا القول يدل على الشك والارتياب في البعث والشك في البعث والنشور كفر وشرك وخروج عن الإسلام. فقوله تعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف:١٠٥]. أي: ذهبت هباء وكأنها لم تكن، وكأنها أصبحت أشباحاً لا ذوات، فلم يحسب لها حساب، ومعنى ذلك: أن الله تعالى لا ينظر إليها ولا يقبلها. فلابد في العبادة أن تكون لله وحده، فمن صرف شيئاً منها لغير الله يكون مشركاً، إما الشرك الظاهر وإما الشرك الخفي، وكل ذلك بلاء ومصيبة. قال تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]. أي: يوم القيامة لا يكون لهم شأن، ولا توزن أعمالهم؛ لأنهم لا أعمال لهم، وإنما توزن أعمال من يأتي بخير كالمسلمين المقصرين أو العابدين الأتقياء، وقد يثقل في الميزان، وتكون كافية لتكفير الذنوب ولدخول الجنان كما حدثنا رسول الله ﷺ عن صاحب البطاقة التي لا يمتلك سواها من الأعمال الصالحة، فعندما يأمر الله ملائكته بأخذه للنار لأن كفة السيئات غلبت كفة الحسنات يأمرهم الله بالعود به، قال: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧] ويقول: لا تزال لك حسنة واحدة، فأتي ببطاقة أي: بورقة أو بقصاصة ورق فوضعت في كفة الحسنات فترجح الميزان وتطيش كفة السيئات، فيؤمر به إلى الجنة، وقد كان يعجب في أول أمره ويقول: ماذا عسى أن يكون في هذه البطاقة؟! والذي كان في البطاقة هو كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقد أخبرنا نبينا ﷺ أنه عند فساد الزمان وعند رفع القرآن من الصدور يعيش أقوام في أزمان متطاولة لا يعلمون إلا كلمة: لا إله إلا الله، ويقولون: ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ونحن نقولها، فلا يعملون صلاة ولا صياماً ولا زكاة ولا حجاً، ولا يعلمون لا حلالاً ولا حراماً، فسئل الراوي معاذ بن جبل: أيدخلون الجنة؟ فقال: من معه لا إله إلا الله دخل الجنة. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فمن قال: لا إله إلا الله ووحد الله، فاعترف لله بالوحدانية، وبما يليق بجلاله ومقامه وعظمته ﷻ فهو على أي اعتبار مؤمن، وبعد ذلك إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له حتى ولو دخل النار. وقوله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥] من هنا يتأكد قول من يقول: لا توزن أعمال الكافرين؛ لأنهم لا أعمال لهم، وهذا معقول مع النص.

стр. 119

تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف:١٠٦]. أي: هؤلاء الذين أحبط الله أعمالهم بما أصابهم من اللعنة والطرد جزاؤهم جهنم؛ لأنهم كفروا بالله وأشركوا به واتخذوا القرآن الكريم والمعجزات والآيات الواضحات التي أتى بها رسول الله ﷺ هزواً وسخرية، فكان الجزاء جهنم جزاء وفاقاً، فهذا حال الكافرين ومآلهم.

стр. 120

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١٠٨]. يقرن الله تعالى في كتابه بين أهل النعيم وأهل الجحيم، وبين من رضي عنهم ومن غضب عليهم؛ لتكون المقارنة باستمرار بين الصالح والطالح، وبضدها تتميز الأشياء، كما تقول الحكمة العقلية. فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف:١٠٧]. يقتضي أنه لابد مع الإيمان من عمل الصالحات: من صلاة وصيام وحج وزكاة وأنواع العبادات، وأهم ذلك الأركان الخمسة. وقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧]. قد أخبرنا ﷺ أن الفردوس أعلى منازل الجنة، وهي منازل الأنبياء والمرسلين، وقد يكون المؤمن مع الأنبياء والمرسلين في منازلهم لحبه ولتعلقه بهم، وقد قال ﵊: (أنت مع من أحببت)، وقال: (يحشر المرء مع من أحب)، فحب الله وحب رسوله والصالحين يرفع الإنسان إلى مقامهم. والجنان درجات كثيرة وما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها وليس فوقها إلا عرش الرحمن، ومنه تتفجر أنهار الجنة. وكما كانت جهنم منزلاً ومكاناً للكافرين ينزلون فيه، فإن جنات الفردوس للمؤمنين منازل ومأوى دائماً أبداً سرمداً. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف:١٠٨]. كثيراً ما يتساءل الناس: ألا يمل الإنسان في الجنة، فيتخيلون الجنة كالنعيم في الأرض، فهم يأكلون اللحم باستمرار فيملونه، ويعيشون على البحار وشواطئها فيملونها، أما نعيم الجنة فلا يملون منه، فلهم فيها كل جديد في كل وقت وحين، وقد يتنقلون بين الدرجات في الجنان فيتزاورون مع المؤمنين وخاصة مع أرحامهم وإخوانهم الذين أكرموا معهم بالجنان، وقد يكون بعضهم أعلى درجة والآخر أنزل درجة فيزور هؤلاء هؤلاء، ومن هم في أعلى درجة يرفعون إليهم من هم في أدنى درجة، ولذلك فإنهم لا يتحولون عنها كما نتحول في الدنيا من دار إلى دار ثم نملها، ونسكن البلدة فيمضي عليها سنوات ثم نملها، وتتغير فصول السنة ثم نملها، فمن عاش في الصحاري ملها ويريد أن يعيش في شواطئ البحار أو في أعالي الجبال أو في محل الخضرة، فنعيم الدنيا زائل وهي فانية، ولم يكن كذلك في الجنان، فالمؤمن في الجنة في كل ساعة له شيء جديد، فلا يريد التحول عنها ولا يريد الخروج منها، فالمتعة فيها دائمة متنوعة لا تمنع ولا تنقطع مع التشكل ومع التجدد في كل ذلك، فأهل الجنة لا يريدون التحول منها بحال.

стр. 121

تفسير قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي) قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]. أي: لو كانت بحار الأرض حبراً وأشجار الأرض كلها أقلاماً، وكان كل الناس يكتبون علوم الله ومعارفه، فإن هذه البحار تجف والأقلام تنتهي، والأيدي تكل، وكلمات الله لا تنقضي، وحتى لو انتهت البحار وأمدت ببحار أخرى فإن كلمات الله لا تحد ولا تنتهي، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]. فكلمات الله لا تنتهي لأنها الخالدة الدائمة، وأما غير الدائم من شجر وبحر وإنسان فإنها ستنتهي، وكما قال الخضر لموسى عندما أخذ طائر الخطاف قطرة من البحر فقال: يا موسى! ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذا الطائر يأخذ بمنقاره هذه القطرة من البحر.

стр. 122

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. يخبرنا تعالى أن رسوله ﵊ مستمر على مقامه وإمامته وجلالته، وكونه سيد ولد آدم، وصاحب الشفاعة العظمى، والأنبياء كلهم خلفه، مؤتمون بإمامته ليلة الإسراء، ومع ذلك فلا يقع كثير من الناس فيما وقع فيه من سبقهم كقوم عيسى عندما رأوا منه بعض المعجزات كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص فاتخذوه إلهاً وقالوا عنه: ابن الله، تعالى الله عن ذلك. فالقرآن يؤكد باستمرار ويعلم النبي ﵊ أن يقول عن نفسه إنه من البشر، ومن هنا تجدنا باستمرار نقول: عبد الله ورسوله وهكذا علمنا رسول الله ﵊. فالله تعالى يخاطب نبيه ويقول له: (قل) يا محمد! (إنما أنا بشر مثلكم) أي: لست ملكاً، ولا خلقاً من غير البشر ومن باب أولى لست إلهاً، فأنا بشر مثلكم لي أب اسمه عبد الله، وأم اسمها آمنة وتزاوجا كما يتزاوج الناس، واجتمعا كما يجتمع الذكر والأنثى فكنت وليدهم أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر، أحارب وأقاوم، أنتصر يوماً وأمحص يوماً، أحزن وأسر. وقد جاءه ﵊ رجل فعندما رآه أخذ يرتعد ويضطرب، فقال له ﵊: (هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) أراد أن يقول عن نفسه: لست من الأباطرة ولا الأكاسرة ولا القياصرة، أنا ابن امرأة عادية فلم يحصل لك هذا معي؟ ولذلك فالنبي ﵊ مهما أحببناه ومهما عظمناه ومهما أكرمناه ومهما ذكرنا من صفاته السامية وسيرته العطرة فإنه يبقى في الدرجة الأولى أنه عبد لله من أبناء آدم وحواء، فهو مثلنا في البشرية من سلالة آدم وحواء، وما الميزة التي امتاز بها علينا إلا النبوة والرسالة وكذلك الأنبياء ممن أوحي إليهم، وإن كان كبيرهم وإمامهم محمداً ﵊. فالرسول ﵊ ولد في مكة، وكفار قريش يعرفون حسبه ونسبه، وقد عاش معهم أربعين عاماً ثم فجأة قال لهم: إنه مرسل من عند الله، وقد كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، فمن لم يكذب في طول هذه السنوات الأربعين أيتصور أن يكذب يوماً على ربه ويقول: أرسلني، وهو لم يرسله؟ حاشا لله! وهو مع كونه بشراً فهو نبي نبئ من الله وأوحي إليه بالقرآن الكريم، وبأن يدعو الخلق جميعاً: من في المشارق ومن في المغارب، من عاصره ومن يأتي بعده إلى يوم القيامة؛ يدعوهم إلى عبادة الله الواحد، وأنه رسول الله إلى الأبيض والأحمر والأسود، ألا تعبدوا إلا الله الخالق الرازق، الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، فالكل خلقه، والأمر أمره، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. وابتداء العبادة الاعتقاد بأن الله الخالق الواحد لا شريك له لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال، له الكمالات كلها وهو منزه عن النقائص كلها. فليس عيسى إلهاً ولا مريم إلهاً ولا العزير ولا مناة ولا هبل، ولا شيء مما يعبد الناس سوى الله، فقولنا: لا إله إلا الله ننفي جميع ما يعتقده الناس من ألوهية زائفة في خلق الله، ونثبت الألوهية لله الإله الحق. والدعوة للإيمان تبتدئ بأن الله واحد، ولذلك كانت الرسالة في مكة المكرمة لمدة اثني عشر عاماً على أن لا إله إلا الله ولم يؤمر فيها بالشرائع أو التكاليف، بل كانت في تزييف الأصنام والسخرية منها وممن يعبدها ويؤلهها من الأحياء والأموات، ومن هنا كان سفهاء قريش يقولون: إن محمداً شردنا، وشتت جمعنا، وسفه آباءنا وفرق بين أولادنا ونسائنا وعبيدنا، أي: دعاهم إلى الله، وهداهم باسم الله، وزيف لهم ما يعيشون عليه من ضلال وباطل، فجعلوا من انفرد دونهم بالإيمان بلا إله إلا الله قد خرج عنهم وسموه الصابئ. والتاريخ يعيد نفسه، فهكذا اليوم نسمع أن في المجتمعات والمؤتمرات التي تقام في ديار الفسق والكفر وفي جامعات الفساد والإلحاد، يقومون بنشر الإلحاد ويعتزون به ويجعلون أنفسهم تقدميين ومتجددين وحركيين، ويقولون عنا وعن أمثالنا: إننا رجعيون لأننا دعوناهم إلى الله، ورجعنا بهم إلى الله وإلى رسول الله وإلى الإسلام، ونبهناهم أنهم هم الرجعيون الذين رجعوا إلى عبادة الأوثان التي انتهى وقتها وزمنها، ورجعوا إلى عبادة اليهود والنصارى وعبادة الماثوني والبهائي وغيرهم من المؤلهين زيفاً وباطلاً. وسيبقى الحق دائماً في أخذ وعطاء، ومن ألهمه الله وشد أزره ووفقه ثبت على التوحيد إلى لقاء الله، ونرجو من الله أن يثبت أقدامنا، وينصرنا عليهم وعلى القوم الكافرين. وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. الرجاء يكون بالخوف ويكون بالأمل، فمن كان يخاف لقاء ربه يوم القيامة أو يؤمله بأن يغفر ذنبه، ويكشف كربه، ويستر عيبه، فلتكن أعماله أعمال الصالحين المؤمنين، ولا يشرك بعبادة ربه خلقاً من خلقه، لا شركاً خفياً ولا شركاً ظاهراً ولا شركاً قولياً ولا عملياً. ولله الحمد والشكر أننا قد ختمنا سورة الكهف. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، اللهم إنا نشكرك ونحمدك من خلايا أجسامنا جميعها على ما أكرمتنا به من عافية ومن صحة وإيمان ويقين ودعوة إليك، وعمل على نصر دينك، ومدارسة كتابك. اللهم أحينا على ذلك، وأمتنا على ذلك، واحشرنا تحت لواء سيد المرسلين، اللهم عليك باليهود والنصارى، شتت اللهم شملهم، خرب ديارهم، أغرق أساطيلهم، اللهم اقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا، وأعز بنا الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 123

تفسير سورة مريم [١ - ١١] في هذه الآيات يذكر الله تعالى بعض أنبيائه وهو نبي الله زكريا، فقد دعا ربه أن يرزقه الولد الصالح، مع أنه قد بلغ العتي من العمر، وكانت امرأته عاقراً، فاستجاب الله تعالى دعاءه ورزقه يحيى ليرث عنه العلم وكلمة النبوة.

стр. 124

قراءة جعفر بن أبي طالب صدر سورة مريم على النجاشي قال الله تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]. هذه سورة مريم الصديقة أم عيسى ﵇، وهي سورة مكية، آياتها ثمان وتسعون آية، وعندما ذهب قوم من المسلمين بإشارة رسول الله ﷺ مهاجرين إلى الحبشة بدينهم؛ فراراً من قهر الكفار لهم، ومن الضغط عليهم، بقيادة جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، وأخي علي ﵄، بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد - وكان عمرو لم يسلم بعد - يطلبان من النجاشي أن يسلمهما هذه الفئة التي خرجت عن دين قومها، فقال عمرو للنجاشي: إن هؤلاء يدينون بدين جديد أتى به محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في أرض مكة، ويقول عن ربك: ليس برب وإنما هو عبد، يعني: عيسى ابن مريم، فجمع النجاشي جعفراً والذين جاءوا معه من المهاجرين من مكة إليه فسألهم، فقال لهم: ما الذي أتى به هذا الذي يقول: إنه نبي؟ قال: يدعو إلى عبادة الله الواحد، وإلى أن عيسى عبد الله وابن الصديقة مريم، وإلى أن موسى نبي الله ورسوله، وأنه من أولي العزم من الرسل، وأن الله أنزل على أنبيائه السابقين كتباً وصحائف، وقد أنزل منها التوراة على موسى والإنجيل على عيسى، ثم قرأ عليه من سورة مريم ما يتعلق بالسيدة مريم. وإذا بـ النجاشي يقول: إن هذا الذي تتلوه والذي جاء به عيسى لمن مشكاة واحدة، وطرد هذين اللذين أتياه رسولين عن كفار قريش، ورد عليهما هديتهما.

стр. 125

بيان الخلاف في كون البسملة آية، والاختلاف في قراءتها في الصلاة وبسم الله الرحمن الرحيم جزء من آية من سورة النمل، وهي: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، وأما ذكر البسملة والتعوذ في أول السورة فقد اختلف الأئمة هل ثبت بالوحي وفي التلاوة النبوية أو هي للتيمن والتبرك بها، وذكر اسم الله في بداية كل سورة؟ والقراءات في أكثرها تبتدئ السور بالبسملة إلا قراءة المغاربة الذين يقرءون بقراءة ورش، فيقولون: البسملة إنما هي آية في سورة النمل. والإمام مالك وأبو حنيفة وقول لـ أحمد لم يوجبوها، والشافعي أوجب قراءتها في الصلاة في أول الفاتحة وأول السورة، واستدل على ذلك بأحاديث مستفيضة ومتواترة عن رسول الله ﷺ ، ومنها حديث: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج)، وحديث: (لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وفاتحة الكتاب كما علم رسول الله ﷺ المسيء صلاته عندما طلب من نبي الله ﷺ أن يعلمه الصلاة كما يريد ﵊ قال: (استقبل القبلة، وقل: الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين)، فنص على البسملة.

стр. 126

الكلام على الحروف المقطعة قال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، اختلف المفسرون في معنى الحروف المقطعة، فقال قوم: كل حرف يدل على اسم من أسماء الله، فالكاف هنا بمعنى: يا كريم! أو يا كافي! والياء بمعنى: يا بديع! والهاء هو الله ﷻ ، وهكذا. وقال قوم: لكل حرف من هذه الحروف المقطعة عدد من الأعداد يستخرج به معنى من المعاني، وقد قيل هذا فهماً عن صحابة وتابعين، واختلفوا فيه كثيراً، ولم يثبت ذلك في آية من كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ﷺ ، وقد أعجز الله البشر والخلق كلهم ملائكة وإنساً وجناً عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بسورة منه أو بآية، والتعجيز لا يزال قائماً منذ ١٤٠٠ عام، وما زادت الأيام ومضي القرون هذا التعجيز إلا تأكيداً ويقيناً وقطعاً، فطوال هذه القرون لم يستطع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن لا سورة ولا آية، وسيبقى ذلك -على كثرة الكفار والملاحدة- المعجزة الدائمة المستمرة إلى يوم القيامة. ولعل قائلاً أن يقول: كيف هذا الإعجاز؟ ومن أي شيء القرآن؟ أليس عربياً والعربية يعلمها عشرات الملايين من العرب ومن غيرهم؟ فنقول: هو كذلك، ومع هذا أعجز كل هؤلاء فلم يستطيعوا أن يأتوا بشيء مثله أبداً، ومن هنا كان الإعجاز، أي: عجزوا واعترفوا بعجزهم بأن كلام الله لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله أو بشبيهه أو بقريب منه. يقول الزمخشري وتحمس لقوله أكثر المفسرين في عصرنا علماً وبياناً ويقيناً وأكدوه بالأدلة التي لا ترد: إن هذا القرآن الكريم صنع الله، تكلم الله به، وأوحى به إلى عبده محمد ﷺ ، وهو من حروف الهجاء العربية، وعليها كانت بنيته، وعليها قام قيامه، وعليها كان كتاباً جامعاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومع ذلك إن استطعتم أن تؤلفوا من هذه الحروف سورة أو آية فافعلوا، وقد حاول بعض الكفرة كـ المتنبي الكذاب ومسيلمة الكذاب وغيرهما ذلك، فما أتوا إلا بالباطل من القول، والهراء والغث مما لا تكاد تقبله أذن.

стр. 127

تفسير قوله تعالى: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا) قال تعالى: ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم:١ - ٢]. تقدير الكلام: ذكر الله وذكر ربك عبده زكريا برحمته، أي: هذا اشتمل على ذكر الله رب زكريا لعبده زكريا برحمة منه، حيث استجاب دعاءه، وحقق طلبه، ورزقه الولد على عقر زوجته وكبر سنه، وعلى اشتعال رأسه شيباً، وعلى وهن عظمه، وعلى ذهاب أكثر ما يمكن أن يطمع فيه بالولد. ولقد رحم الله عبده زكريا بأن استجاب دعاءه ورزقه الولد على كبر منه، وعلى عقر امرأته وكبر منها كذلك. قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ أي: في هذه السورة ذكر الله رب زكريا عبدَه زكريا؛ رحمة منه ورضي عليه بأن حقق طلبه، وأجاب رغبته، فاستجاب لدعائه الخفي. وقد قرئ زكرياء بالمد وبالقصر، والقراءتان سبعيتان متواترتان، وزكريا أحد عظماء أنبياء ورسل بني إسرائيل، وكان من أعاظم أنبيائهم طاعة ووحياً وإشرافاً على التوراة، وعملاً بها، وتحقيقاً لأحكامها، ونشراً لها، ودعوة إلى الله في السر والعلن، وفي الصبا والشيخوخة. قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٢ - ٣]. أي: كانت الرحمة عندما نادى زكريا ربه نداء خفياً سراً في آخر الليل، حيث رفع يديه لله قائلاً: يا رب! وهو يضرع إليه ويكتم دعوته؛ إما لأن الدعاء كان في الليل في الثلث الأخير من الليل، حيث (ينزل الله ﷻ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع فاستجيب له، هل من مظلوم فأنصره)، إلى آخر الحديث المتواتر القدسي، أو دعا ربه دعاء أخفاه عن قومه وعن أتباعه؛ خوف أن يكون في هذا الطلب رعونة وشيء لا يليق بمثل زكريا في سنه أن يطلبه، إذ العادة تأبى ذلك، وقد رفع زكريا يديه ضارعاً لله، سائلاً له، راغباً في تحقيق طلبه ورغبته، بأن يكرمه بغلام يرثه ويرث نبوة آل يعقوب. وكان عندما طلب الولد - كما قال عن نفسه - قد انتشر الشيب فيه، والشيخوخة ظاهرة عليه، وقد رق عظمه، وأضعفت الشيخوخة باطنه، وكانت امرأته على كبر سنها عاقراً لا تلد، ومع كل هذا لم ييأس من ربه ومن دعوته ومن تحقيق الولد رحمة من الله له. قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٣ - ٤] أي: كان الذي قاله ونادى به ربه وضرع إليه أن قال: رب إني أدعوك لشيء أرجو تحقيقه ونواله على ما بي من هذه الحال، فأنت القادر على كل شيء، فامرأتي عاقر، والعاقر: هي التي لا تلد وهي صغيرة، ومن باب أولى إن كانت كبيرة، وقد رق حالي، فقد سقطت أسناني، ولصقت عظامي بجلدي، والشحم قد ذاب، واللحم أصبح هشاً، ومع هذا قد اشتعل رأسي شيباً، وأصبح مشتعلاً مضيئاً كما تضيء النار والأضواء؛ لكثرة الشيب، ولكثرة بياضه، وغلبته على السواد من شعره، فقوله تعالى: ((رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي)) أي: رق وضعف، وسقطت الأنياب، وزالت الأسنان، وأصبحت العظام لا تكاد تحمل الجسد إلا بمشقة، ولا تتحمله الرجلان إلا برجل ثالثه من عصا يتكئ عليها أو إنسان يعتمد على عاتقه، وأنا مع هذا السن والشيخوخة الفانية فإن امرأتي عاقر من الأصل لا تلد. ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم:٥] أي: أكرمني بولد يتولاني من بعدي، ويحمل اسمي وعلمي ونبوتي وعملي في الدعوة إلى الله.

стр. 128

تفسير قوله تعالى: (يرثن ويرث من آل يعقوب) ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٦]. لا يليق بالنبي أن يأسف ويهتم بالمال بعده، وقد قال ﷺ : (نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، فما تركه الأنبياء يعتبر صدقة على المؤمنين، فالمؤمنون كلهم له وارث، يرثون ماله وعلمه، ومن هنا كان العلماء ورثة الأنبياء كما قال ذلك ﷺ . إذاً: فمعنى الآية: ((يَرِثُنِي)) أي: يرث نبوتي، أي: اجعله نبياً مثلي يرث علمي، واجعله عالماً مثلي يرث مني الدعوة إلى الله. قوله: ((وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)) أين يعقوب من زكريا؟! فيعقوب هو الجد الأعلى لسلالة أنبياء بني إسرائيل، وهو إسرائيل، وليس هناك مجال لكي يرثه، وإنما مقصوده: ارزقني ولداً صالحاً يقوم مقامي في النبوة والتبليغ للوحي، ودعوة الخلق إليه، ومحاربة الشرك والوثنية وفساد الأخلاق. ثم قال: ((وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)) أي: اجعله يرضيك في أمرك ونهيك، ويرضيني في البر والطاعة، ويرضي الناس برحمته وشفقته وخدمتهم ودعوتهم إلى الله، فيكون مرضياً عنه عند الله وعند الناس، فهو لا يطلب الولد فقط؛ لأنه قد يأتي الولد ولا يكون كذلك، وهو في هذه الحالة لا يريده ولا يسعى إليه ولا يحب مجيئه. وقال قبل ذلك: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤] أي: لم أكن يوماً بدعائك يا رب! شقياً، أي: مبعداً بائساً غير مستجاب الدعوة، أي: عودتني بكرمك وبرحمتك وبفضلك أن تجيب دعائي وتستجيب ندائي وتحقق دعواتي، فلا تغير علي عوائدك الطيبة في هذا الدعاء، حتى ولو كنت شيخاً فانياً، وكانت امرأتي عاقراً، فأنت القادر على كل شيء، فافعل ذلك يا رب! ثم عقب بعد ذلك بقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم:٥] أي: خاف الموالي بعده، والموالي هم أبناء العم والعصبة والأنصار والإماء والعبيد؛ فهم الأقارب بالدم وبالصهر وبولاء العبودية والرق، فهو يقول عنهم كلهم: ﴿إِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم:٥] أي: خاف بعد موته أن يخلفه هؤلاء، ولا يكون منهم نبي ولا رسول ولا داعية إلى الله، فهو يدعو الله ألا يخيب رجاءه وألا يرد دعاءه في أن يرزقه ولداً يرثه في النبوة والكتاب.

стр. 129

تفسير قوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى) قال تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم:٧]. هذا من بلاغة القرآن وفصاحته وإعجازه، فإن معنى الكلام: إنه دعانا فاستجبنا له وحققنا طلبه، وناديناه: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧] أي: أبشر يا زكريا! بغلام سميناه قبل خروجه، بل وقبل علوقه بالرحم، سميناه يحيى، ولم يكن لهذا الاسم من قبل سمياً، والمعنى يحتمل أمرين: إما أنه ليس له شبيه في العبودية والتقوى والطاعة والصلاح، وإما أن هذا الاسم (يحيى) لم يسبق أن سمي به إنسان من قبل قط. والمعنى الأول ليس صحيحاً ولا يمكن أن يتم، فلقد سبقه نوح وجده الأعلى إبراهيم، وكانا أفضل منه؛ لأنهما من أولي العزم، فلا يصح إلا المعنى الثاني، وهو أن: ((لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا)) أي: لم نسم أحداً قبل وليدك هذا الذي استجبنا لك به بهذا الاسم (يحيى). وقوله: ((يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ)) البشرى تكون بالوعد بالخير أو بزوال الوعيد من الشر، وقلما تستعمل في الشر، فإن استعملت كانت للهزء والسخرية. وقوله: ((إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ)) أي: بولد، وهو الطفل، ((اسْمُهُ يَحْيَى)) أي: العلَم الذي يحمله والسمة والعلامة التي سيعرف بها: هي يحيى. فإذا بزكريا لشدة فرحه وسروره يكاد تأخذه حالة المرتاب، إذ كيف يكون هذا وأنا شيخ وامرأتي عاقر؟! فأخذ يقول للملائكة المبشرين له عن الله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٨] أي: كيف يكون هذا الولد؟ وعن أي طريق سيأتيني؟ وهل سيكون مني ومن صلبي ومن امرأتي العاقر؟ وهل سيكون هذا وأنا في هذه الحال أو تزوجني زوجة صغيرة وتزيد في قواي وصحتي أو تصلح هذه العقيم أو ماذا؟ وهذا كقول إبراهيم لله تعالى: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، وكذلك زكريا كان هو الطالب والراغب والداعي والراجي، وعندما بشرته الملائكة بتحقيق طلبه واستجابة دعائه أخذ يعجب ويتساءل: كيف سيتم ذلك؟ ((قَالَ رَبِّ أَنَّى)) أي: كيف ((قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا)) (كانت) هنا من أفعال الاستمرار، أي: كانت ولا تزال، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦] أي: كان ولا يزال، واسمها في لغة العرب فعل استمرار، وأفعال الاستمرار هي وأخواتها مادام وما يزال. وقوله: ((وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)) عتي: جمع عات، يقال: عُت وعِتِ كصُلِ وصِلِ وكجُثي وجِثي. ((وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ)) أي: أصبحت أعظم وأكبر وأسن، فقد كان يكاد يمشي منحنياً، ويكاد يحمل نفسه حملاً، وكان قد تجاوز المئات من السنين، وكانوا في الزمان الأول يعمرون القرون، وقد ذكر هذا في التوراة وفي الإنجيل عن أنبياء بني إسرائيل، وقال القرآن المهيمن مثل ذلك، فأخبر عن نوح أنه لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فإذا كانت مدة الدعوة إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً فكم كانت سنه وكم عمر عاش؟

стр. 130

تفسير قوله تعالى: (قال كذلك قال ربك هو علي هين) قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩]. أي: أجابته الملائكة الذين أوحوا له بذلك عن الله: (كَذَلِكَ) أي: وأنت على هذه الحال من السن والعتي والكبر ومن عقر المرأة سيصلح الله صلبك، ويصلح رحم زوجتك، فتصب فيه نطفة صالحة، وسينشأ الولد غلاماً زكياً في رحم هذه العاقر، وسينتج ذلك وليداً نبياً صالحاً صديقاً براً تقياً. وقوله: ((قَالَ كَذَلِكَ)) إي: قال الملك الآتي بالوحي وهو جبريل ﵇: ((قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)) أي: قال الملك لزكريا: يقول لك ربك: ذلك عليه شيء هين، أي: أهون، والله ﷻ إنما أتى بهذه التعابير بحسب اللغة التي نزل بها القرآن، وهي اللغة العربية، وإلا فالكل على الله هين سواء إيجاد الشيء من العدم أو إيجاده بعد ذلك من غير العدم ولذلك قال له ربه: ((قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)) أي: تذكر يا زكريا! أصل خلقتك وأصل أبيك الأول وأمك الأولى، وأمم خلقتهم؟ فهل كان لهم أب صغير أو كبير؟ وهل كانت لهم أم صغيرة أو كبيرة؟ فلقد خلقت آدم من التراب، وخلقت حواء من ضلع من آدم، وخلقت عيسى من أم بلا أب، فلا يعجزه شيء ﷻ من أن يخلق من العاقر ومن الشيخ الذي بلغ من الكبر ومن السن عتياً وكبراً وفناء أن يخلق منهما الولد الصالح. ((قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)) فإن كنت ستعجب فاعجب من كونك خلقت من أصل خلق البشرية ولم تكن شيئاً موجوداً، فقد كانت عدماً وتراباً، ولم تكن حواء لا من تراب ولا من ذكر ونطفة ورحم، وإنما خلقت من ضلع من أضلاع آدم، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء:١] أي: من النفس الأولى آدم. ثم إذ بزكريا من تشوقه للغلام ولظهوره أراد أن يعلم وقت صبه في الرحم وكينونته، ووقت مضغته وتحركه، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً﴾ [مريم:١٠] أي: اجعل لي علامة أدرك بها وأفطن إلى أن الولد قد صب في الرحم وأخذ يتخلق وينتقل من طور إلى طور: من نطفة إلى علقة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة إلى جنين ذي روح إلى الولادة، فاجعل لي علامة استعلم بها وأميز بها وقت وجود هذا الجنين في رحم هذه العاقر. فقال الله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم:١٠]، قال: علامتك أنك ستعجز عن النطق والكلام مع الناس ثلاثة أيام وأنت سوي، فلست أخرس ولا أعمى ولا أطرش، ولكنك تعجز عن النطق وعن الكلام من غير مرض ولا عيب فيك، فعندما تشعر بهذا فتلك هي العلامة على أن يحيى قد وجد في رحم زوجك. وقال بعض المفسرين: سوياً، أي: ثلاثة أيام متتابعات، ولكن الذي رجحه المفسرون والمعنى له أكثر قبولاً: إن الله أعجزه عن النطق فكانت تلك علامة، وأما كونه من نفسه يسكت ولا يجب ولا يتكلم إلا إشارة فهذا يحتاج أيضاً إلى علامة سابقة ليتصرف هكذا. وكون ذلك سيكون خلقة من الله فتلك العلامة لا تحتاج إلى علامة جديدة، ففي الصباح الذي يحاول فيه النطق والكلام فيجد نفسه عاجزاً عن النطق والكلام فتلك العلامة. ((قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)) أي: لا تستطيع كلامهم وأنت سوي البدن والأعضاء من اللسان والسمع والبصر، فتعجز عند محادثة الناس وعن النطق، ولا تعجز عند الذكر والعبادة والطاعة. وفي الآية طي وحذف يدل عليه السياق: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [مريم:١١] أي: دخل خلوته ومحراب عبادته، وأغلق عليه الباب يتعبد ويضرع شاكراً وحامداً وضارعاً إلى أن يتم هذا، ثم بعد ذلك خرج، كما قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:١١] أي: أشار إليهم، فبعد زمن تم الحمل وخرج من خلوته ومعبده وفتح الباب المغلق، فأشار إلى قومه وأتباعه: ((أَنْ سَبِّحُوا)) أي: أن اعبدوا الله ((بُكْرَةً)) أي: صباحاً ((وَعَشِيّاً)) أي: مساء، أي: سبحوه مهللين ومكبرين ومسبحين وقائمين وقاعدين، واعبدوه بأنواع العبادات وخاصة التسبيح والذكر والتنزيه والتعظيم، وزيدوا على ما أنتم عليه من العبادات والطاعات والقيام لله خالصاً له من غير رياء ولا سمعة ولا شرك. فقوله تعالى: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)) أي: خرج مشيراً لهم وقد عجز لسانه عن النطق، فظهرت العلامة والأمارة التي بينه وبين ربه، فخرج وهو سوي اللسان لا يستطيع النطق، وإنما يشير إشارة.

стр. 131

تفسير سورة مريم [١٢ - ١٥] أمر الله تعالى عبده ونبيه يحيى ﵇ أن يتمسك بالكتاب بقوة، وأن يجتهد في الأخذ به، وذلك الكتاب هو توراة موسى. وقد آتى الله تعالى نبيه يحيى الحكم وهو لا يزال صبياً، فكان لا يلعب ولا يخالط الصبيان، ونشأ على الصلاح والجد في الأمور والتقوى منذ الصغر ﵇.

стр. 132

تفسير قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) قال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]. هنا حذف يدل عليه السياق، وهذا كما قال ابن مالك في ألفيته النحوية: وحذف ما يعلم جائز ((يَا يَحْيَى)) أي: بعد أن ولد الوليد، وذلك بعد أن حملت به أمه تسعة أشهر وتحققت العلامة بالإشارة من زكريا لقومه فتم الحمل ثم ولد الوليد، وبعد أن بلغ ثلاث سنين خاطبه ربه وأوحي إليه وهو طفل فقال: ((يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)) أي: باجتهاد، والكتاب هو التوراة، أي: خذ الكتاب الذي أنزل على موسى ليكون له ولمن جاء بعده هادياً ودالاً ومرشداً، ((خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)) أي: خذ التوراة باجتهاد وبحرص على تعلمه، وعلى حفظه، وعلى معرفة أحكامه، وعلى معرفة خاصه وعامه، وكن قوياً في طلب العلم وفي حفظه وفي وعيه وفي العناية به، ولا تضع وقتك وزمنك في اللعب وفي النوم وفي ضياع الوقت. ولقد قيل عن يحيى: إنه طلبه الأطفال ليلعب معهم وهو ابن أربع سنوات فامتنع، وقال: لم أخلق لهذا، ومن هنا سماه الله الحكيم. ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]. يقول ﷻ : إنه قد آتاه الحكم والوحي والنبوة والرسالة والحكم بين قومه من بني إسرائيل وهو لا يزال صبياً، قالوا: كان ابن ثلاث سنين. قال تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٣] أي: كما آتاه الحكم وهو صبي فقد آتاه الحنان، وهو الحنو والشفقة على خلق الله من الفقراء والمساكين والمرضى والمحاويج، وآتاه الحنو في قلوب الناس، فكان لا يراه أحد إلا أحبه وأطاعه واحترمه. قال تعالى: ((وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً)) أي: آتاه الزكاة في قوته وفي دينه وفي ماله وفي طاعته بحيث زكى جميع أعماله المادية والمعنوية، فإن كان له مال زكى منه، وإن كان له قوة أعطى من قوته، وإن كان له جاه أعطى من جاهه، فمن جملة ما آتاه الله يحيى: الحكم والنبوة والكتاب والرسالة والحنو على الخلق والزكاة والتزكية والتنمية في جميع أعماله المالية والمعنوية. قال تعالى: ((وَكَانَ تَقِيًّا)) أي: كان صالحاً باراً مطيعاً لربه ولأنبيائه السابقين، فلا تعرف عنه معصية قط، وكان عبداً حصوراً لا يعرف النساء ولا يشتهيهن، وقد قيل عنه: إنه لم تعرف عنه زلة لا صغيرة ولا كبيرة، فقد كان من أنبياء الله الكبار الأربعة والعشرين الذين ذكرهم الله في كتابه. قال تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:١٤]، وكذلك كان زكريا، ثم كان يحيى بن زكريا، فالله يشيد به هنا ويثنى عليه ويرفع من ذكره؛ لنحترمه ونؤمن برسالته ونقدره، ولا نفعل كفعل بني إسرائيل من شتمهم لأنبيائهم، وقذفهم لهم، وطعنهم في أعراضهم وفي أديانهم وفي أخلاقهم، وجعلهم من ذلك كتاباً مقدساً للناس، ومن هنا كان الفساد والكفر والفاحشة ديناً يدعو إليه اليهود ويعيشون عليه ويدعون له، وحيث وجد اليهود وجد الكفر والفساد وكل سوء، فهم الجرثومة البشرية في الأرض. قال تعالى: ((وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ)) أي: كان باراً بأمه وبأبيه يطيعهما ويحقق رغباتهما ولا يعصيهما في معروف البتة، وكان أبوه زكريا نبياً من أنبياء الله، وكانت أمه من الصالحات القانتات، فكان براً بهما سمعاً وطاعة وخدمة وسعياً في كل ما يجلب الخير لهما. قال تعالى: ((وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)) أي: لم يكن طاغية أو جباراً، إذا غضب قتل أو ظلم أو اعتدى أو شتم أو سعى في سوء، فلم يكن من جبابرة الأرض، بل كان براً رحيماً تقياً صالحاً، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ولم يكن عاصياً، والعصي من أفعال المبالغة، أي: لم يكن عاصياً البتة، والمعنى: عاص، فهو لم يعص أباه ولا أمه البتة، ومن باب أولى لم يعص ربه ولا نبيه. وهكذا كان يحيى بن زكريا نبياً وابن نبي، فهو سليل الأنبياء إلى إبراهيم عليهم جميعاً سلام الله وصلاته. قال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥]. رفع الله ﷻ السلام والأمان ليحيى في ثلاث حالات يكون الإنسان فيها أحوج ما يكون للأمان والسلامة. الأولى: في قوله تعالى: ((سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ))، والوليد عندما يخرج من بطن أمه يخرج إلى عالم لا يعرفه ولا يشعر به، بل وهو في بطن أمه ورحمها يتخيل بعقله الصغير أن العالم كله هو الرحم، وعندما ينزل الوليد إلى الأرض وعالم الدنيا ينزل باك شاكياً متألماً متحسراً، فهو يحتاج إلى الأمان وإلى السلام، فتسعى أمه والمشرفون عليه إلى تهدئة نفسه وإسكاته عن هذا الضجيج والبكاء. فالله أمن يحيى عند ولادته، فلا يخاف سوءاً ولا مكروهاً، فهو آمن على صحته وعلى حواسه وعلى تحقيق ما دعا أبوه له من النبوة والعلم والتقوى والصلاح. والثانية: في قوله تعالى: ((يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ)) والإنسان عند الموت تراه في رعب وفي هلع: هل سينتقل إلى الجنة أم إلى النار، وهل سيكون إلى الرحمة أو إلى العذاب، وهل سيغفر له ربه أو يحاسبه، فتجده على منتهى ما يكون من الرعب والهلع، وفي هذا الموقف الشديد أمن الله نبيه يحيى بن زكريا؛ ليأمن من عذاب الحساب، فهو كما أمن عند خروجه للدنيا، يأمن بوعد الله الحق عند موته وذهابه للآخرة. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥] أي: أمنه الله وبشره بالسلامة والأمان عندما يبعث فلا غضب ولا نار ولا حساب، ولا ما يكون عليه أهل المحشر من عذاب وشدة وقهر، في ذلك اليوم الذي يفر فيه المرء من أمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، في ذلك اليوم الذي ترى الناس فيه سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد يكون يحيى في أمن وسلام من الله ﷻ ، فلا يخاف عذابه ولا مقته ولا غضبه. قيل: اجتمع يحيى وعيسى وهما ابنا خالة، وكلاهما في السماء الدنيا، فقال يحيى لعيسى: أنت أفضل مني، وقال عيسى: بل أنت أفضل مني، قال: أنت خلقك الله بلا أب، قال: وأنت خلقك من شيخ هرم وامرأة عاقر لا يلدان عادة، ثم قال عيسى: بل أنت أفضل مني، أنا عندما خرجت للدنيا أمنت نفسي وسلمت عليها فقلت: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٣]، وأما أنت فقد أمنك الله، ووعدك بالسلام والأمان، فلم يحوجك لأن تقول ذلك فقال: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥]، فسكت يحيى وحجه عيسى، ومع ذلك فعيسى أفضل، وهو من الخمسة أولي العزم من الرسل وليس يحيى منهم، وهما معاً من رسل الله الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، فكلاهما إمامان صالحان، ونبيان معصومان.

стр. 133

تفسير سورة مريم [١٦ - ٢١] ذكر الله تعالى قصة مريم حين اعتزلت قومها وتفرغت لعبادة ربها، فجاء رسول ربها يبشرها بغلام كريم، ففزعت من ذلك الرسول الذي يدخل عليها فجأة، فلما هدأت بشرها بغلام زكي، وهو عيسى ﵇.

стр. 134

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم) قال الله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٦ - ١٧]. كنا مع زكريا ﵇ ومع ابنه يحيى حين استجاب الله دعاء الوالد على كبر سنه وعقر زوجته، ورزقه الله الولد كما طلبه، فكان ذلك من علامات قدرة الله في مخالفة العادة والإتيان بكل ما لا يخطر على بال، ولا يقدر على ذلك إلا الله جل وعلا. أما قصة عيسى فقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم:١٦] أي: اذكر يا محمد! في القرآن مريم، ومريم قد مضت قصتها وتحرير خدمتها لبيت الله عندما ولدتها أمها وقالت: إنها نذرت ما في بطنها محرراً للخدمة وللعبادة ولتنظيف بيت الله، ولكنها عندما ولدتها بنتاً أخذت تتحسر وتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦]. فأم مريم جدة عيسى دعت لابنتها ولحفيدها ولد مريم بأن يقيه الله، وبأن يحفظه من نفث الشيطان ووسواسه وإيذائه لبني آدم، فاستجاب الله دعاءها وحقق لها رغبتها، فكانت مريم من القانتات العابدات الصالحات، وآتاها الله ماطلبت حسب رغبتها ورجائها في ربها. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦] أي: اذكر يا محمد! ما أنزل الله عليك في كتابه الموحى إليك من قصة مريم عندما انتبذت وابتعدت وانفردت عن قومها في مكان شرقي عن بلد أهلها، وعن مكان تجمعهم وتكتلهم، فاذكر ذلك يا محمد! واتبع ما يتلى عليك عن الأنبياء السابقين من فضائل ومزايا ومحاسن. قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم:١٧]. أي: عندما اختلت دونهم وابتعدت عنهم واتخذت مكاناً تخلو فيه لعبادة ربها، وجعلت بينها وبين قومها حجاباً من ثوب أو من حائط، أو حجاب البعد عنهم فلا تجالسهم ولا تخوض في خوضهم ولا تشتغل بفسادهم، وإنما هي العبادة لله وحده قائمة راكعة ساجدة. قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧]، فعندما كانت مريم في خلوتها لعبادة ربها أرسل الله إليها شاباً جميلاً أمرد فدخل عليها، فإذا بها تفزع وتنزعج وأصبحت في غاية الهلع، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] أي: يا هذا الذي دخلت علي خلوتي دون إذن مني ولا سابق حرمة أو صلة، لست من محارمي فكيف تبيح لنفسك أن تدخل علي خلوتي وأنا أنثى وأنت ذكر؟ وكان الذي دخل عليها هو روح الله جبريل ﵇ جاء رسولاً من الله إليها، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧]. أرسل إليها جبريل بالبشرى وبالأمر الغريب العجيب الذي لم تكن تتوقعه، أرسله إليها بما لم تطلبه ولم تتخذ له سبيلاً ولا طريقاً، فهي ليست كخالتها عقيماً، ولم تتزوج ولم تتشوق إلى ذلك، ومع ذلك رأت هذا الشاب الجميل الأمرد يدخل عليها منتهكاً خلوتها وحجابها. فجبريل هو روح الله كما سماه الله، فتمثل لها في صورة بشرٍ سوي تام التقاطيع والحواس، جميل الشكل كامل القامة، وإذا بها عندما رأته خافت وبادرته بالتعوذ بالله منه، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] أي: أتحصن وأتوسل وأستغيث بالله وأجعله مرجعي ومآلي أن يحفظني منك ومما يمكن أن يحصل منك من سوء وشر، فظنته جاء لسوء، أي: ظنته جاء للفاحشة فأخذت تتعوذ بالرحمن منه وتقول: (إِنْ كُنتَ تَقِيًّا) أي: إن كنت ممن يقبل التعوذ والرجاء، وإن كنت صالحاً تؤمن بالله وتبتعد عن الفواحش وعن السوء وعن البلايا. قالوا: فعندما سمع جبريل ذلك التعوذ من هذه العابدة الصالحة القانتة اهتز اهتزازاً ارتجت له الأرض حتى عاد لصفته الملائكية، ثم أكد لـ مريم أنه ليس ببشر، فلا خوف من ذلك، والملائكة عباد الله المعصومون ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فلا يأكلون ولا يشربون ولا يتزوجون، ولا يلدون ولا يتوالدون من باب أولى، فلما اطمأنت أخذت تعجب بعد ذلك: كيف ستلد وليس لها زوج، ولم تكن بغياً، أي: زانية في يوم من الأيام؟

стр. 135

تفسير قوله تعالى: (إنما أنا رسول ربك) قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩]. قال لها: لا تخافي ولا تتعوذي مني؛ فإنما جئت إليك رسولاً من ربك أبشرك بأنك ستلدين ولداً يكون نبياً ومعجزة، ويكون علامة من علامات قدرة الله على كل شيء، فأنا لم آت للهوى، ولست بشراً وما بي ذلك، وليس لي قدرة على ذلك، وإنما أنا عبد الله ورسول الملائكة إلى الرسل من الناس.

стр. 136

اختلاف العلماء في كون مريم وغيرها نبيةً من هذه الآية وأشباهها قال من قال بأن مريم كانت نبية؛ إذ جبريل لا يرسل إلا إلى الأنبياء والرسل، وهذا رأي طالما اختلف فيه الأئمة واختلفت فيه المذاهب، ولكن من يقول بأنه قد كان في النساء نبيات أدلتهم ظاهرة من القرآن وقصصه وآياته، ومريم قد جاءها جبريل رسولاً من عند الله، فخاطبها وخاطبته وكلمها وكلمته، وبلغها رسالة ربه فكانت بذلك نبية، وليس من النساء رسول، وفرق بين النبي والرسول، فالنبي عبد لله أمر بشرع في نفسه ولم يكلف بتبليغه للناس، والرسول نبي أمر بشرع وكلف بأن يبلغه لغيره. فعلى ذلك فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، ومريم نبية وليست برسول. قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ﴾ [مريم:١٩] وفي القراءات السبع: ليهب لك، فسواء كان التعبير عنه أو عن ربه فالمعنى واحد، أي: ليهب لها ويعطيها ويكرمها، ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩] أي: تقياً صالحاً ونبياً مباركاً، زكت أخلاقه وأعماله وعباداته وطاعته، وكان من أكرم الناس وأتقاهم وأكملهم، فقالت مريم إذ ذاك بعد أن اطمأنت: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٠]. أي: يا أيها الرسول كيف سيكون لي ولد وأنا امرأة لستُ ذات زوج ولا بغيًّا فأزني، ولم يسبق أن مسني بشر لا بحلال ولا بحرام، والولد لا يتكون إلا من نطفة الرجل وأنا لا أعرف في حياتي زوجاً ولا خليلاً، والخليل لا يليق بي؟! فقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم:٢٠] أي: لم يتصل بي ولم يجامعني رجل بزواج أو كتاب أو عقد، فأنا لا أزال عذراء بكراً (ولم أك بغياً)، ولا يليق بي ذلك، فكيف سيكون هذا الولد ومن أي شيء سيتكون؟! وإذا بجبريل يجيب: ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ [مريم:٢١] أي: كما تعتقدين أن الله سيرزقك وسيهب لك غلاماً بلا مس من رجل ولا من حرام ولا حلال، كذلك ستلدين وأنت عذراء ومحسنة وصالحة وبريئة. قال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم:٢١] فكونك ستلدين بلا زوج ولا خليل ولا نطفة رجل فذاك الذي سيحصل، والله قادر على كل شيء وهو عليه هين، وهذا قد مضى في قصة زكريا عندما دعا ربه بأن يرزقه غلاماً على كبر سنه، وعلى بلوغ زوجته السن الفانية، بحيث رق عظمه ووهى، وتساقطت أسنانه، وأصبح جلداً على عظم، وامرأته مسنة عاقر، فلما دعا ربه استجاب له ربه فقال ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران:٤٠]، فقال له جبريل: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩]. وكذلك يجب أن تعلمي يا مريم أن الله خلق آدم بلا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، وهو قادر على أن يخلق ولداً بلا أب، وذاك من قدرته وبديع صنعته وعالي أمره ﷻ وعز مقامه، فإذا أراد شيئاً لا يكلفه أكثر من أن يقول له: كن فيكون. قوله: (كذلكَ) هذه الكاف ليست من اسم الإشارة، فاسم الإشارة ذا، لكن هذه الكاف تضاف إليها وتكون حسب المخاطب، فإن كان المخاطب ذكراً مفرداً فيقال: ذاكَ، وإن كان المخاطب مذكرين أو مؤنثين فيقال: ذاكما، وإن كان مؤنثاً مفرداً يقال: ذاكِ، وإن كان جمع ذكور يقال: ذالكم، وإن كان جمع إناث يقال: ذالكن، واسم الإشارة بحاله لا يتغير وهو (ذا). فهذا الذي تتعجبين منه يا مريم سيكون، فهو من قدرة الله، وأعجب منه أن أباك الأول آدم وأمك الأولى حواء قد كان آدم بلا أب ولا أم، وكانت حواء من أب بلا أم، وهذا سيكون من أم بلا أب، وقدرة الله صالحة لكل شيء ﷻ ، فهو الذي يصنع العادة. قال تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً﴾ [مريم:٢١] أي: علامة على قدرة الله وبديع صنعه، ورحمة من الله للخلق، حيث سيأتيهم فيدعوهم إلى الله الواحد؛ ليفردوه بالعبادة، وليخصوه بالطاعة. قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١] أي: سبق ذلك في علم الله وقضائه أنه لا بد منه، وسبق أن قلنا في أكثر من مناسبة: إن اللوح المحفوظ لوحان: لوح من قبل الله لا يراه إلا هو، ولوح من قبل جند الله الملائكة يراه الله وملائكته، فما كان في اللوح الذي من قبل الملائكة فهو الذي يقول الله فيه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، أما اللوح المحفوظ الذي لا يراه إلا هو فيقول عنه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، فاللوح الذي من جهة الملائكة يعتريه المحو والإثبات، ويرد فيه الدعاءُ القضاءَ، ويرده البر والطاعة خاصة دعوة الأبوين عن ظهر غيب، فتزيد السن وتنقص، ويزيد الرفق وينقص، ويتغير ما في اللوح. أما اللوح الذي من قبل الله الذي لا يراه إلا هو فهو ما يقول عنه: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]، وهو ما حدث في الإسراء النبوي عندما أمر ﷺ بخمسين صلاة في اليوم والليلة، فعندما نزل إلى موسى قال له موسى: ما الذي أمرك به ربك وأمر أمتك؟ قال: أمرني بخمسين صلاة، قال: ارجع إليه فإن أمتك لا تستطيع ذلك، وبقي يصعد وينزل، والله ينقص له خمساً، ثم خمساً، ثم خمساً إلى أن أصبحت خمساً فقط من خمسين، فقال له عند ذاك: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩] أي: تلك الخمسة هي المكتوبة في أم الكتاب، فاللوح المحفوظ من قبل الله الذي لا يعتريه محو، ثم قال الله لنبينا محمد ﷺ : هي خمس في الأداء وخمسون في الأجر والثواب، والحسنة بعشرة أمثالها. قال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٢١]. أي: وكان هذا من القضاء الثابت: أن نفخ جبريل في جيب قميصها نفخة وصلت إلى فرجها ودخلت في رحمها، فكان من تلك النفخة الحمل.

стр. 137

تفسير سورة مريم [٢٢ - ٣٤] عندما حملت مريم البتول بنبي الله عيسى ﵇، جاءها المخاض إلى جذع النخلة فولدته ثم جاءت به قومها فأخذوا يتهمونها ويقذفونها، فكانت تشير إلى هذا المولود، فإذا به يكلمهم بأنه مرسل وأن الله جعله مباركاً أينما كان.

стр. 138

تفسير قوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً) قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم:٢٢]. أي: شعرت مريم بالوحم وبتغير الحالة، وإذا بها تنتقل من غم وهم إلى غم وهم أكثر، إذ أخذت تتساءل: أنا منفردة في المعبد ولا أحد فيه إلا يوسف، فماذا سيقول الناس عندما يبلغهم الحمل؟ لعلهم سيقذفونها ويعيرونها ويرتابون في دينها، وهذا الذي خافت منه وقع، فأول من ارتاب وشك خادم المعبد يوسف النجار، فقال لها يوماً: يا مريم! هل تنبت شجرة بلا حب، ويكون ولد بلا أب؟ قالت: نعم، قد كان آدم بلا أب ولا أم، وكانت حواء بأب فقط، والله قادر على كل شيء، فسكت، وأدرك أنها فهمت عنه، ولم يزدها تصريحاً بما يشكك في دينها. فقوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم:٢٢] أي: ابتعدت وزادت خلوة في مكان بعيد، قالوا: إنه بيت لحم، وهناك روايات في السنة النبوية ليست بثابتة ولكن ذلك وافق ما في الكتابين التوراة والإنجيل: أن ذلك قد كان في بيت لحم. قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣]. قال البعض: كان الحمل لحظات، وقال البعض: ثمانية أشهر، وقالوا غير ذلك، ولكن من المؤكد أن الحمل كان كالحمل العادي تسعة أشهر كاملة، بالوحم وبالنطفة ثم العلقة ثم المضغة المخلقة وغير المخلقة إلى أن أصبح جنيناً يتحرك، ثم أصبح وليداً فخرج من رحمها. قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] لما جد الجد أدركها الخوف والرعب من قومها، فجاءها المخاض، أي: حملها المخاض وألجأها وكأنه أسرع إليها وفاجأها إلى جذع النخلة، قد كانت قريبة من جذوع نخل قد يبست وماتت ولم يبق إلا غصونها لا تمر فيها، فجاءت إلى جذع من هذه الجذوع واستندت إليه، وليس معها إلا الله، ومع وجع ولادتها ومخاضها وآلام الطلق كانت تعتمد وتتكل على هذا الجذع فقالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ [مريم:٢٣] تتمنى لو أنها لم تكن حية لهذا اليوم الذي ستلد فيه بلا زوج، فما الذي سيقول عنها قومها وعشائرها وهي بنت الأنبياء الصالحين! وهي لم تعرف إلا بالعبادة والصلاح والتقوى! وكيف سيقولون عندما يرون الوليد معها، قال تعالى: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] أي: كنت شيئاً هالكاً مهملاً لا يلفت نظراً ولا يهتم بوجوده أحد، ولأن أكون هذا الشيء المهمل الذي ينساه الناس ولا يهتمون به ولا يلتفتون إليه خير لي من هذا البلاء والفتنة في الولادة من غير فحل. قال تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم:٢٤]. قال أكثر المفسرين: المنادي هو جبريل، فقد كانت هي عند جذع النخلة، وكان هو يشرف على ولادتها من بعيد في أسفل الوادي، وفي هذه الحالة الحرجة نادى جبريل من أسفل الوادي ليقوي معنوياتها ويثبتها ويؤكد لها البشرى التي جاء بها من الله؛ لأنها ستلد نبياً يكون علامة ورحمة ومرجعاً لبني إسرائيل. وقال مفسرون آخرون: الذي كان يناديها من تحتها هو وليدها عيسى وهو لا يزال طفلاً جميلاً، وإذا بها تسمع نداءه: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ [مريم:٢٤] أي: يجب أن تستبشري وتفرحي وتقابلي ربك بالسرور والفرحة لا بالحزن والآلام وتمني الموت، فمن سنة نبينا أنه لا يليق بالإنسان أن يطلب الموت من بلاء نزل به، ومع ذلك كثير من السلف الصالح عندما فتنوا في أنفسهم ودينهم دعوا الله بالموت. وقد علمنا النبي ﷺ أن ندعو عند الفتنة بالدعاء النبوي الصحيح الثابت في الصحيحين وبقية الكتب الستة: (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي)، والخير والشر لا يعلم نهايته إلا الله، ولكن النبي ﵊ علمنا أن ندعو بالحياة ما دامت الحياة خيراً لنا في ديننا ودنيانا، ونطلب الممات إذا كان الموت خيراً لنا في ديننا ودنيانا، إذ الفتنة في الدين بلية ومصيبة، وقد يرتد الإنسان من أجلها عن دينه، فيكون الموت خيراً له في دينه ودنياه. وهكذا حصل للسيدة مريم حيث تمنت الموت من هذه الفتنة التي ابتليت بها، من كونها ولدت غلاماً ولا زوج لها، فماذا سيقول الناس؟ فلما ألجأها المخاض إلى جذع النخلة الميت الذي لا تمر فيه؛ تمنت الموت، فناداها من تحتها جبريل أو ناداها عيسى: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم:٢٤]. فعيسى هو السري النبيل الكريم الشاب الصالح، الذي سيكون علامة وآية من آيات قدرة الله، ويكون رحمة للناس. فمن قال: إن جبريل هو الذي ناداها، فالمعنى: قد أكرمك بهذا السري، أي: السيد الجليل والنبي الكريم، ومن قال: إن المنادي ولدها عيسى قال: السري هو النهر الصغير، أي: الجدول الجاري من الماء، فقوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم:٢٤] أي: قد جعل وادياً جارياً بالماء.

стр. 139

تفسير قوله تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة) قال تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥] تُساقِطْ أو تَسَّاقَطْ، وأصلها: تتساقط، وكلتا القراءتين سبعيتان متواترتان. والنخلة الحية ذات السعة والتمر لا يعبر عنها بالجذع، ولكن بقدرة الله جعل الله ذلك الجذع نخلة حية ذات تمر وثمر في غير وقته، وجعل الماء تحتها حتى لا تتعب ولا تتكلف وهي نفساء من ساعتها، فتبحث عن الماء وعن الطعام وهي في خلوتها ليس معها أحد إلا الله، فحول الله الجذع إلى نخلة حية تحمل لذيذ التمر وشهيه، وجعل تحتها نهراً جارياً عذباً سلسبيلاً، فقال: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم:٢٥] أي: مجنياً يتساقط بين يديك شهي المطعم. قال تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٦] أي: كلي من الرطب واشربي من الجدول وقري عيناً ولا تحزني، يقال: فلان قرت عينه، أي: برد دمعها، ويكون ذلك عند الفرح والبشريات، ويقال: سخنت عينه، ولا يكون ذلك إلا عند الأحزان، إذ يكون الدمع ساخناً، فإذا قيل: قرت عينه فهو خبر عن أفراح ومسرات وبشائر، وإذا قيل: سخنت عينه فهو دعاء بالبلاء والامتحان، حتى يتساقط الدمع منه وهو ساخن لحزنه وألمه. وهنا قال الله لها أو قال جبريل عن الله: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٦] أي: لا تحزني ولا تقلقي، فهذا الطعام والشراب من الله، ومن المعلوم أنه قد مضى معنا في سورة آل عمران أن زكريا زوج أختها كان يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقاً، فيقول لها: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران:٣٧] فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، فكان هذا قبل أن يأتيها الوحي، فكانت تأتيها فاكهة الصيف في وقت الشتاء، وفاكهة الشتاء في وقت الصيف كرامة من الله لها ورعاية، وهذا من باب أولى عندما أصبحت نبية أم رسول ونبي من أولي العزم. ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]؛ لتريح نفسها من كثرة السؤال والجواب، ومن كثرة الفضوليين: من أين لك هذا الوليد؟ وكيف ولدتيه؟ أزنيت يا مريم؟ أيليق هذا بك؟ من أبوه؟ أيليق بك أن تجعلي أباك وأمك موضع سوء وريب عند الناس؟ فقال الله لها: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم:٢٦] ومعنى ذلك: أنها لم تمنع من كلام الملائكة، فكانت تكلم جبريل ويكلمها؛ لأنهم يعلمون قصتها وحقيقة ولادتها، ولكن البشر لا يعلمون ذلك، ولن يعلم الكثيرون ما داموا معرضين. فأمرها الله ﷻ ألا تخاطب إنسياً قط، وتشير بأنها نذرت لله صوماً ألا تكلم اليوم إنسياً؛ والصوم: هو الإمساك، فيقال: صام عن الطعام، أي: أمسك عنه، وصام عن زيد، أي: أمسك عن مخاطبته، وصام عن الكلام، أي: لم يتكلم، فهي أشارت إليهم بأنها نذرت لله صوماً، وكان ذلك في شريعتها، أما في شريعتنا فإن ذلك لا يجوز. يروى أن أبا بكر جاءته امرأة ساكتة فكلمها فلم تجب، وألح عليها فلم تجب، ونهرها فلم تجب، فعندما أكثر عليها أخذت تشير فقال لهم: ما بالها؟ قالوا: إنها نذرت الإمساك عن الكلام، فهددها بالتعزير والضرب إن بقيت كذلك فتكلمت، فلا يوجد في شريعة الإسلام الصيام عن القول إلا ما كان عن القول الباطل وقول الزور، كما قال تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء:١١٤]، فالكلام الكثير لغو باطل لا خير فيه. فولدت مريم وهي عند جذع النخلة، وأخذت تهز إليها النخلة فتتساقط رطباًً، وتشرب من الجدول عند رجليها، ومن هنا قال علماؤنا: الرطب خير الطعام للنفساء، كما أن العسل خير الطعام للمرضى، فالله ﷻ أمرها عن طريق جبريل ألا تنطق ولا تتكلم مهما رأت أحداً من البشر، وتشير بأنها قد نذرت الصيام عن الكلام. ولكن بعد ذلك حملت وليدها على كتفها: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ [مريم:٢٧] جاءت قومها وهي تحمل وليدها، جاءت العابدة التقية الصديقة البكر العذراء التي لا زوج لها، جاءت تحمل وليدها وإذا بالقوم يقومون إليها كالأوباش فقالوا: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٧ - ٢٨]، نادوها وهي تحمل الوليد وقالوا لها: يا مريم! لقد جئت شيئاً عظيماً أتيت جرماً وذنباً جليلاً. قال تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم:٢٨] أي: لم يكن أبوك فاحشاً ولم يكن سيئاً ولا زانياً، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] وكذلك أمك كانت صالحة قانتة لم تكن زانية ولم تكن مسافحة، فمن أين أتيت بهذا البلاء وبهذه الفرية العظيمة؟ قوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] زعم قوم وأبعدوا في ذلك أنها أخت هارون أخي موسى نبي الله، فالأخوان نبيان ورسولان: موسى وهارون، وهذا زعم من لم يعرف عن سير وتاريخ الأنبياء شيئاً، فلقد كان ما بين موسى وهارون وما بين أيام مريم القرون السحيقة. وقال قوم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] أي: كان فيهم رجل يسمى هارون، وكان يضرب به المثل في صلاحه وتقواه وعبادته، فكانت تشبهه، فأخذوا يهزءون بها ويقولون: ما هذا الوليد الذي أتيت به على كتفك؟ وكلا القولين ليس بصحيح. والقرآن نزل بلغة العرب، فالعربي يقول للقرشي: يا أخا قريش! أي يا من أنت تنتسب إلى قريش، ويقول للتيمي: يا أخا تيم! ويقول للعربي عامة: يا أخا العرب! كذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] أي: أن المبذرين كانوا إخوة للشياطين في أعمالهم؛ لأنهم انقلبت حقيقتهم من إنس إلى جن فأصبحوا إخوة لهم من الأب والأم، والشبه يكون في الخير والشر. فـ مريم ﵍ معروف عنها أنها ابنة الأنبياء والرسل، وأنها من سلالات موسى وهارون إلى يعقوب فإسحاق فإبراهيم عليهم الصلاة والسلام. فقوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] أي: يا ابنة الأنبياء! يا من تنتسب إلى الصالحين من قومها، ما هذا البلاء الذي أتيت به؟ قال تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨]، والبغي: الزانية، وامرأ سوء أي: فاحش سيئ لا يصلح، بمعنى كانت بيئتك صالحة وأبواك صالحان، فمن أين هذا البلاء وهذه الفاحشة؟! قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٩] أي: لم تجبهم، فقد أمرها الله ألا تكلم اليوم إنسياً، أي: تصوم عن الكلام وتنقطع عن الحديث مع أي إنسان. فقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٩] أي: إلى عيسى، وإذا بهم يصيحون: أتهزئين بنا؟ أتطلبين منا مخاطبة الأطفال، ألم يكفك ما أتيت به من فحشاء وبغي؟ وإذا بالمشار إليه عيسى يتكلم، وبذلك كان عيسى سلسلة معجزات وسلسلة غرائب وعجائب منذ أن خرج إلى أن رفع إلى السماء. قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:٢٩] إما أن يكون في المهد بجانبها في المكان الشرقي القصي من قومها، وإما أن يكون المهد حضنها، قالوا لها: أتهزئين بنا؟! كيف تطلبين منا أن نكلم صبياً لا يزال في المهد، ومتى كان الصبيان في المهد يتكلمون؟!

стр. 140

تفسير قوله تعالى: (قال إني عبد الله آتاني الكتاب) قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٠ - ٣٣]. حاضرهم بمحاضرة وأعطاهم درساً، فوقفوا مندهشين: متى كان الأطفال في المهد يتكلمون؟ ففي هذه الآيات رد على اليهود الذين اتهموا أمه بالزنا، وقالوا عنه: هو ابن يوسف النجار، كذبوا وأفكوا لعنات الله عليهم تترى، وكذب النصارى عندما زعموا أنه الإله، وأنه الرب، وأنه ابن إله، وأنه ثالث ثلاثة، فكذبوا وفجروا، عليهم كذلك لعنات الله تترى. فكان أول ما قال من الدرس الذي أعلنه بين المحبين والمبغضين، وبين المؤمنين والكافرين أن قرر حقيقة من الحقائق: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠] فرغم ما رأيتم مني وما سترون بعد، فأنا عبد لله وخلق من خلقه، أرجو رحمته ومغفرته، وأعوذ من نقمته وعذابه. قال تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم:٣٠] أي: علمه التوراة، ومن هنا يقول النصارى: العهد القديم والعهد الجديد، ويعنون بالعهد القديم التوراة، وبالعهد الجديد الإنجيل، فهم يهود أولاً، ثم زادوا إفكاً وأكاذيب في الإنجيل عندما حرفوه وبدلوه وغيروه عما أنزل عليه. فقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم:٣٠] أي: آتاني التوراة وأنا في هذا العمر، وعلمني وأقرأني وفهمني إياه. قوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠] أي: جعله نبياً وهو لا يزال طفلاً، ولا يتكلم بهذا إلا الأنبياء، ولا يتكلم الأطفال بهذه اللغة، فتلك معجزة وعلامة وآية من آيات الله. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ [مريم:٣١] أي: جعله مبارك الطلعة، ومباركاً في بيته وقومه، ومباركاً في السماء وعند النزول إلى الأرض. قال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم:٣١] أي: أمره الله وأكد عليه في الوصية بأن يصلي لله صلاة كانت من شريعته، أي: أوصاه بالطاعة والعبادة والتهجد والسجود والركوع والابتهال إلى الله. ﴿وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم:٣١] أي: أوصاه أن يزكي من ماله وقوته وقدرته، والزكاة: التنمية في كل شيء، فتكون الزكاة في المال والمواد، وتكون في المعاني كالشجاعة والنبل والغيرة والكفاح وكل ما يتعلق بذلك، فالآية تشمل كل هذه المعاني. قال تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١] أي: أوصاه ما دام حياً أن يصلي لله، وأن يزكي لله، ولا ينقطع عن ذلك مدة حياته، كما قال الله لخاتم الأنبياء ﷺ : ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، واليقين: هو الموت، أي: كن يا محمد! عابداً صالحاً زاهداً آمراً بالمعروف نهاءً عن المنكر، ودم على ذلك إلى أن يأتيك الموت. قال تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢] أوصاه بأن يكون براً بأمه لا يعصيها في معروف، بل يحسن معها القول والعمل والأدب. قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢] أي: لم يجعلني من جبابرة الأرض: أقتل عند الغضب، وآخذ المال عند الغضب، وأعتدي على أموال الناس ونسائهم وأرزاقهم، فلم يجعلني جباراً شقياً، ولا شك أن كل جبار شقي، والشقي: هو البعيد عن الرحمة، السيئ الفاسد الظالم الجائر، وأنبياء الله قد أكرمهم الله من ذلك. قال تعالى: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٣] قال ما بلغه الله أن يقوله بأن السلام والأمان عليه يوم ولادته، إذاً: فعيسى ليس رباً، فالرب لا يولد، وهو القديم بلا بداية الآخر بلا نهاية، أما عيسى فقد كانت له بداية وستكون له نهاية. فقوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ [مريم:٣٣] أي: الأمان واليمن والسلامة من وسواس الشيطان وظلم الإنسان والفساد الحاصل بينهم، وسيموت كذلك، والإله لا يموت، فهذا كله مما يؤكد أنه ليس برب كما زعم النصارى، وإنما هو عبد لله ونبي رسول يولد ويموت، ويسلم كذلك من العذاب والنقمة والغضب. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٣] أي: ويوم البعث عندما يحيا مرة ثانية عليه الأمان من الله، والأمان من الغضب واللعنة ودخول النار، فهو آمن من كل ذلك، فالله يرحمه ويرضى عنه ويدخله الجنة، ويكرمه بما يكرم به الأنبياء والمرسلين.

стр. 141

تفسير قوله تعالى: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤]. ذلك كل ما تعلق بـ مريم منذ ابتعادها عن أهلها في مكان قصي، ومنذ حملها لعيسى وولادتها له إلى أن جاءت به تحمله، فتكلم الصبي في المهد وقال عنها قومها ما قالوا. فذلك حال عيسى ابن مريم ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤] لا كما قال اليهود لعنهم الله: إنه من سفاح، ولا كما قال النصارى لعنهم الله: إنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، فكل ذلك كذب وفجور. فقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤] قول الحق: مفعول مطلق، أي: ذلك القول مما قاله الله وقرره وبينه، فعيسى نبي رسول من الخمسة أولي العزم، وذلك بيان ما كانوا يمترون فيه ويتشككون ويرتابون، وليسوا على يقين مما يزعمون ويرتابون. فعيسى الذي يتشككون في حقيقته وهويته وإنسانيته وعبوديته لله ليس إلا عبداً لله، ولد كما يولدون، وسيموت كما يموتون، ويبعث كما يبعثون، ذلك الحق الذي يزيل الريب والشك من أنفس هؤلاء وكل الأحزاب.

стр. 142

تفسير سورة مريم [٣٥ - ٤٠] كذب الله النصارى وغيرهم في زعم الولد لله تعالى، ونزه نفسه عن ذلك، وذكر أنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. ثم ذكر اختلاف النصارى واقترافهم من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، ثم هدد وتوعد الذين كفروا وظلموا من مشهد يوم عظيم.

стр. 143

تفسير قوله تعالى: (ما كان لله أن يتخذ من ولد) قال الله ﷻ : ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٥ - ٣٦]. بعد أن علمنا الله ﷻ وقص علينا قصة زكريا وقصة ولده يحيى، وقصة خلق عيسى من غير أب، ختم الله ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم:٣٥] أي: لا يليق بجلاله ولا يليق بحق ألوهيته ولا بصفاته أن يكون الرب أباً كالمخلوقات. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [مريم:٣٥] فالله ينزه نفسه ﷻ عن أن يشبه خلقه في ولد أو ولادة أو في شيء مما يتعلق بالمخلوق، فالله هو الخالق والرازق والذي أكسب هؤلاء قوة ليكون لهم أولاد وصواحب، وأما هو ﷻ فهو منزه عن ذلك ومعظم عنه فلا يليق به ولا بألوهيته، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. قال تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [مريم:٣٥] أي: إذا سبق في علمه وقضائه وإرادته أن يكون له أمر كأن يخلق شيئاً، فهو لا يحتاج لصاحبة ولا ولد، وإنما يقول للشيء: كن فيكون، فالله لا يريد ولداً ولا يليق بجلاله أن يكون له ولد من حمل أو من غير حمل. فعيسى ﵇ كان من نفخة الروح، فحملته أمه تسعة أشهر ثمَّ ولدته كما يلد النساء حملاً ووحماً وعذاباً ومخاضاً وولادة، والله ﷻ لا يحتاج لذلك ولا يليق به أن يكون له ولد، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم:٣٥] أي: إذا تعلقت إرادته وقدرته بالشيء، فيكفي أن يقول له: كن فيكون، فكما خلق آدم من تراب وحواء من ضلع آدم، وخلق السماوات العلا والأرضين السفلى وما بينهما، فلم يحتج إلا إلى قوله: كن فكان ذلك، ولا يزال الخلق مستمراً، ولا يزال الله وسيبقى الخالق المدبر الرازق المعطي المانع المحيي المميت، فكل ما يريده ﷻ لا يحتاج منه إلى أكثر من قوله له: كن فيكون. يقول عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦]، وقرئ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم:٣٦] عطف على قول عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١] أي: وأوصاني بأن اتخذ الله رباً؛ لأن الخلق جميعاً مربوبون فما خلقنا إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. فعيسى عندما ولد طفلاً رضيعاً أنطقه الله تعالى وآتاه الحكم والكتاب والنبوة صبياً، فكان أول ما قال: إنه عبد الله، وهنا يؤكد ذلك ويقول لنفسه وللناس: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم:٣٦] أي: إن الله ﷻ هو ربي وخالقي ورازقي، فهو يزيف بذلك ما زعمه النصارى عنه من أنه الرب أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. فقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم:٣٦] أي: كما هو خالقي فهو خالقكم، وكما هو رازقي فهو رازقكم، والأمر بيده إحياءً وإماتةً. فالله ﷻ أنطق عيسى عند الطفولة وهو لا يزال في المهد: أن يكذب ما سيكون بعد ذلك من اتهام اليهود له، وقذفهم له أنه ابن يوسف النجار، أو غلو ومبالغة النصارى عندما جعلوه الله وعبدوه، فعيسى قد قال عن نفسه: إنما أنا عبدٌ لله، وربي الله كما هو ربكم، فلا يعبد سواه، ولا ينزه سواه، ولا يعظم سواه ﷻ . قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦] يقول عيسى: هذا الذي أتيتكم به صراط سوي واضح بين، ليس فيه عوج ولا أمت، وهو يدعو إلى عبادة الله الواحد، فالكل عبيد له ومخلوقون له، وأن دينه الذي أتى به دين سوي مستقيم لا يفسد على الناس عقولهم.

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم) قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧]. مع هذا الذي أعلنه عيسى في بني إسرائيل من أتباع التوراة والإنجيل فقد اختلفوا، ولذلك فإن النصارى يقولون عن التوراة: العهد القديم، وعن الإنجيل: العهد الجديد، فلا تزال التوراة بالنسبة لهم غير منسوبة، والإنجيل مؤكد. ومن هنا نعلم أن النصارى كانوا يهوداً أولاً ثم صاروا نصارى، فزادوا على فساد اليهودية وخزعبلاتها، وحرفوا كتاب الله الإنجيل، وقد جمعوا بين الشرين كما جمعوا بين الكفرين. قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم:٣٧] أي: اختلف قوم عيسى إلى أحزاب وطوائف ومذاهب، فكانت النصرانية موضع خلاف عند المتمسكين بها والعابدين على أساسها، فشكل قسطنطين وهو من كبار ملوكهم مؤتمراً ليخرج منه بشيء خاص يدعو إليه جميع النصارى، فاجتمعت أحزاب النصارى كلها، فقال بعضهم: عيسى هو الله، وقد قص الله علينا ذلك في كتابه، وقال قوم: هو إله وابن إله، وقال قوم: هو ثالث ثلاثة، وقد كذبوا جميعاً وأفكوا، حاشى لله من هذا القول، فاختلفوا إلى طرائق قدد كفراً منهم وجحوداً. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧] أي: كفروا بما أنزل الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه كمثل آدم خلقه الله من تراب، ثم قال له: كن فكان، فكان عيسى فرعاً من آدم، فكما خلق آدم بلا أب ولا أم خلق عيسى من أم بلا أب، وخلق حواء من ضلع آدم. فأحزاب النصارى كفروا بما أنزل الله، وأن عيسى عبد الله ونبيه، وابن الصديقة مريم، وأن الله واحد لا شريك له، ولا يليق أن يكون له ثان ﷻ وعلا مقامه. فقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧] أي: ويل للكافرين بالحق وبالوحدانية، والويل: نهر من قيح في النار، ومعناه: يا مصيبتهم، ويا بلاءهم يوم يدخلون النار فيكون شرابهم من قيح جهنم، ويخلدون فيها أبداً سرمداً إذا هم ماتوا على الشرك والوثنية. واليوم العظيم: هو يوم القيامة، يوم العرض على الله، ويوم الحساب يوم يكون فيه قوم إلى الجنة وقوم إلى السعير، ويوم يعرض الناس على ربهم في يوم كألف سنة مما تعدون، ويكون اليوم عظيماً شديداً يشتد فيه العرق على المعروضين على الله ﷻ ، فالبعض يصل عرقه إلى كعبيه، والبعض إلى ساقيه، والبعض إلى ركبتيه، والبعض إلى ثدييه، والبعض يلجمه العرق إلجاماًَ. ويكون في هذا اليوم من ميزة المؤذنين أن تكون أعناقهم طويلة، فمهما بلغهم العرق فإنه يبقى الرأس وما فيه من حواس بمنجى من الاختناق بماء العرق، ومن هنا قال ﵊: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)، ومن لم يعلم هذا لا يعلم معنى الحديث، فكونهم دعاةً إلى الله وإلى عبادته ويؤذنون لدخول الوقت أكرموا بذلك.

стр. 145

تفسير قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨]. يقول الله عن هؤلاء الكافرين الذين لهم آذان لا يسمعون بها، وأبصار لا ينظرون بها، وقلوب لا يفقهون بها، وهكذا غفلوا وضاعوا، وضلوا عن سماع الحق ورؤيته وفقهه وعلمه، لكنهم لم يكونوا كذلك يوم العرض على الله، فالله يقول: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨] أي: ما أشد سمعهم وما أشد بصرهم، فلا تكاد تفوتهم كلمة تقال يوم القيامة، ولا يكاد يفوتهم منظر يوم القيامة، فهم حداد البصر شديدو السمع يوم القيامة، وهم إذ ذاك يرون ما أوعدهم الله به من عذاب أليم ومحنة دائمة، ومن الويل في نار جهنم، فتجدهم كلهم آذاناً وأسماعاً وقلوباً تفقه وتدرك، ولم يكونوا كذلك في دار الدنيا؛ لأنهم عاشوا شاكين مرتابين، ويوم القيامة أصبح الشك حقيقة والخيال واقعاً، وأصبح ما كانوا يكذبون به يعيشون في وقته وحاضره وواقعه. فقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨] أي: ما اشد سمعهم وأقوى بصرهم يوم القيامة، وقد بعثوا من بعد الموت، وعرضوا على الله خالقهم؛ ليحاسب كل مخلوق على عمله إما إلى جنة وإما إلى نار. قال تعالى: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨] أي: لكن الظالمون أنفسهم بالشرك والكفر والضلال هم اليوم -أي: في دار الدنيا- في ضلال مبين وضياع واضح وفساد بين، فلا يعرفون الحق ولا يريدون أن يعرفوه، فإذا قرئ عليهم كتاب الله أعرضوا عنه وتولوا، وإذا قال لهم رسول من رسل الله: أنا رسول الله إليكم كذبوه وآذوه، وفرقوا الناس عنه، وصدوا عن طاعته، فهكذا هم اليوم في دار الدنيا يعيشون في ضلال واضح وبلاء بين، ولكنهم إذا أتوا يوم القيامة فما اشد سمعهم وما أقوى أبصارهم!
следующие страницы →