Полный текст (2 442 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تفسير سورة الكهف [٥٢ - ٥٦]
ينادي الله الكفار يوم القيامة بأن يدعوا شركاءهم فلا يستجيبوا لهم، ولا يرون إلا النار جزاء تكذيبهم للرسل والرسالات.
стр. 72
تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف:٥٢].
هنا يعلمنا الله أن نتخذ الحيطة لأنفسنا ونجدد إيماننا وتوبتنا، وليؤمن من لم يكن مؤمناً، ويتب إلى الله من شركه وكفره وعصيانه، ويقول الله ﷻ لهؤلاء الظالين المشركين: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف:٥٢]، نادوهم لأراهم، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، فقد نفذوا الأمر، وأخذوا ينادون: يا عيسى! يا مريم! يا عزير! يا عجل! يا هبل! ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف:٥٢]؛ لأنهم ليسوا شركاء، ولأنهم يعلمون من أنفسهم أنهم عبيد لله، خاضعون لجلاله، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام:١٨]، فلا أمر لهم ولا نهي، فهم عبيد يصنع الله بهم ما يشاء، وأما أن يقولوا: إنهم شركاء، فلم يبلغوا هذا المبلغ من الجنون، هذا في الدنيا فضلاً عن الآخرة.
قال تعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف:٥٢]، أي: لم يستجيبوا لطلبهم.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف:٥٢]، فالله فرق بين أهل الهدى وأهل الباطل، وبين المؤمنين والكافرين، وجعل بينهم موبقاً، وهو مأخوذ من أوبقه وأهلكه، أي: جعل خندقاً ووادياً في النار من القيح والدم والصديد، وهو جزء من النار، فلا هؤلاء يستطيعون أن يخرجوا من جهنم ليقابلوا أولئك الهداة الصالحين، ولا الصالحون يستطيعون ذلك لو شاءوا، فكيف وهم لا يخطر لهم ببال أن يتركوا الجنة ويدخلوا إلى جهنم؛ فقد جعل الله بينهم موبقاً ومهلكاً ودماراً وخندقاً ووادياً في جهنم حال بين هؤلاء وهؤلاء، هذا إذا كان من يشركون به دون الله من المؤمنين.
وأما إذا أشركوا به الجن ومن هو على شاكلتهم فقد حكى الله لنا خصومتهم في النار، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة:١٦٦].
يقول الأئمة المتبعون للأتباع: نحن ما أمرناكم، وإبليس يقول حينئذٍ: لا سلطان لي عليكم، وإنما دعوتكم فاستجبتم لي، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي، فلا أنا أستطيع إغاثتكم، ولا أنتم تستطيعون غوثي، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.
стр. 73
تفسير قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار)
قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣].
وهذا بعد الحساب والعرض على الله، وبعد أن جاءوا صفاً صفاً، وعرض الكتاب في يمين المؤمنين وفي يسار الكفار، وأخذ الكفار عندما أخذوا كتبهم بشمائلهم يصيحون ويندبون ويقولون: يا ويلهم! يا دمارهم! يا هلاكهم! ورأوا جهنم، وفي بعض الأحاديث: أنه يأتي بها كذا وكذا آلاف من الملائكة، وعندما يرون النار يظنون أنهم مواقعوها، والظن بمعنى اليقين، فيظنون أي: يتأكدون؛ ليزدادوا حسرة قبل أن يقذف بهم فيها؛ لأن توقع العذاب هو أعظم من العذاب.
ولذلك الكثير ممن يحكم عليه بالموت، ويكون بين الحكم وبين التنفيذ أيام، يكاد يموت قبل الموت، فيغمى عليه، وتذهل عيناه، ويضيع في نفسه، فيموت وهو مفتح العينين، وقد يموت فعلاً بسكتة قلبية، إلا إذا كان مؤمناً مثبتاً فهذا قد يفرح بالشهادة.
وهؤلاء يرون النار، ويتأكدون أنهم مواقعوها داخلون فيها، وواقعون فيها، فهؤلاء يزداد ألمهم، وتوقع العذاب عذاب.
قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ﴾ [الكهف:٥٣]، المشركون الكافرون ﴿النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣]، وسواء تحققوا أو لم يتحققوا، وظنوا أو توهموا فلا محيد لهم عنها، وليس هناك من يبعدهم عن عذاب الله وعقوبته.
فهم سيدخلونها ويواقعونها ويصبحون جزءاً منها؛ جزاء كفرهم بنبيهم وبكتاب ربهم وبالله ﷻ ، الذي طالما دعاهم ووعدهم وأرسل لهم رسله.
ونحن في الدنيا نشهد على هذا قبل الآخرة، فقد أرسل رسلاً مبشرين ومنذرين، فشهدنا بما سمعنا، وتيقنا به تيقن القطع الذي لا شك فيه، وتأكدنا أن هذا الكتاب الذي نتشرف بتدارسه كلام الله المنزل من عنده؛ لأن الله تعالى ذكر لذلك علامة ومعجزة، وهي أنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد مضى على إنزاله على نبينا محمد ﵊ ١٤٠٠ عام، فلم تغير منه كلمة ولا حركة، ثم الإعجاز الذي فيه، إعجاز اللفظ والمعنى، فآمنا علماً، وصدقنا واقعاً، وكنا على غاية ما يكون من الاطمئنان، والحمد لله أن ثبتنا الله على ذلك، وجمعنا بسيد البشر تحت لواء سيدنا المرسلين نبينا ﵊.
стр. 74
تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] يقول الله ﷻ لتبقى الحجة البالغة له: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ [الكهف:٥٤]، أي: بينا وأوضحنا بتفصيل وإجمال، بياناً واضحاً بليغاً فصيحاً مفصلاً في كل الجزئيات والكليات، ورزقناكم عقولاً للفهم، وأسماعاً للسماع، وأبصاراً للنظر، ورسلاً مبشرين ومنذرين ومعلمين، وخلفاء للرسل، من علماء منوعين، في علم القرآن وعلم الحديث وعلم اللغة، وجميع علوم الإسلام.
وقد صرف الله في كتابه بين مختلف الألفاظ والمعاني، والله ﷻ طالما قص القصة ونوعها وذكرها في سورة بلفظ وفي أخرى بمعنى، وجمع أطرافها تارة، وذكرها مجزأة تارة، وكل ذلك لنفهم، والشيء -كما تقول القاعدة العربية- إذا تكرر تقرر، وهذا سر التكرار، وإن كان لكل تكرار معنى قائم بنفسه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ﴾ [الكهف:٥٤]؛ لأنه نزل على رسول الله ﷺ ليبلغ كل الناس، ولكن اهتدى من آمن، وأبى الضلال من أشرك.
وقد صرف الله في هذا القرآن للناس من كل مثل ومعنىً وحكم ومثال، وصرف فيه من الحلال والحرام والعقائد والقصص وتاريخ الماضين والآتين والحاضرين، ما ترك شاذة إلا وذكرها، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
وها نحن الآن نعيش في القرن الخامس عشر -ولا أقول القرن العشرين، فمالي ولتاريخ النصارى، فلا يهتم به إلا من خذله الله- الذي يزعمونه عصر علم وحضارة، وما هو إلا عصر فجور وفسوق ويهودية وعري وبعد عن الله، ومع ذلك فكل ما تجدد في العصر مما لم يكن يخطر ببال فإننا نجده في كتاب الله، قاله الله ﷻ وبينه رسوله ﷺ ، وفصله وبينه أصحابه والتابعون أئمة الهدى كـ أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي والأوزاعي والليث جزاهم الله عنا جميعاً خير الجزاء.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] وصدق الله العظيم، فمع هذا الحق البين الواضح نجد من أضله الله وسلبه عقله قبل أن يسلبه دينه، يجادلك بالباطل وبالهراء، وأنت تتعجب وتتساءل: هل يقول هذا الكلام قائل؟ ولكنه الجدل.
وفي صحيح البخاري ومسلم: (أن رسول الله ﷺ طرق يوماً غرفة ابنته فاطمة وزوجها علي ﵄ فقال: ألا تصلون؟ وإذا ب علي يجيبه وقد استيقظ: إذا شاء الله أن يبعثنا بعثنا وصلينا، وإذا برسول الله ﵊ يدبر، وإذا بـ علي يسمعه يقول وهو مدبر: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]).
وإذا قيلت هذه لمثل علي وفاطمة فكيف بغيرهما؟ فالمؤذن أذن، وهما قد استيقظا، وطرق عليهما بابهما، وهما يسمعانه، ففيم الجدل؟ قال تعالى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] ولا يجادل في الحق واليقين، والتوحيد والرسالة إلا من سلبه الله عقله، ولا يجادل في كتاب الله إلا من لعنه الله وأخزاه.
وأما من يطلب العلم ومزيد المعرفة والاستدلال؛ أو ليعلم غيره فليس من هؤلاء، ونقول له: قل الحق بالمنطق والعقل وبالبرهان القاطع كما ذكره الله، وهذا لا يجادل فيه إلا مجنون أو من غطى الله تعالى على قلبه بالران.
стр. 75
تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى)
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥].
يذكر ﷻ عن هؤلاء المعاندين الجاحدين، أن الذي منعهم من الإيمان بالرسالة وبصاحبها محمد ﵊ واستغفار ربهم من جحودهم وكفرهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين؛ لأنهم قالوا مثلهم.
وما هي سنة الأولين؟ عاقب الله تعالى الأولين من المشركين والكافرين، فقد عاقب قوم نوح بالطوفان، وقوم هود بصواعق وزلازل، وقوم صالح بالصيحة، وقوم لوط بأن جعل الأرض عاليها سافلها عليهم، وفرعون وقومه بأن استدرجهم إلى أن دخلوا في البحر ورأوا اليابسة واغتروا بمشي موسى وهارون وأتباعهما عليها، فما كادوا يدخلون حتى أطبق عليهم الماء وأصبحوا في أمس الدابر.
وهؤلاء قالوا كأولئك، واستعجلوا العذاب وطلبوا إتيانه، وقالت قريش للنبي ﵊: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين.
فهنا يقول تعالى: إن الذي منع هؤلاء من الإيمان هو تقليدهم لأولئك الكافرين، ورغبتهم في أن ينزل العذاب عليهم، وإذا نزل فلا يقبل إيمان ولا توبة ولا استغفار، وهيهات، فقد سبق السيف العذل.
قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ [الكهف:٥٥] أي: ممن لم يؤمن منهم، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ [الكهف:٥٥]، إذ جاءهم الإسلام والقرآن ومحمد ﵊ ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ [الكهف:٥٥]، أي: ويطلبوا المغفرة من الكفر ومن الجحود ومن الشرك، ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥]، فقد امتنعوا من ذلك حتى يروا العذاب الذي نزل بالسابقين ينزل بهم، وإذ ذاك يصدقون، وماذا يفيدهم التصديق بعد ذلك! قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥]، أي: مقابلة ومواجهة ومكاشفة.
стр. 76
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)
قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الكهف:٥٦].
فليست من وظيفة المرسلين أن يأتوا بالعذاب ولا بالجنة والرحمة، فالعذاب والرحمة بيد الله، وهو الذي يعذب من شاء عندما يشاء، ويرحم من شاء عندما يشاء، وإنما وظيفة النبيين والمرسلين هي التبشير والإنذار، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الكهف:٥٦]، أي: مبشرين المطيعين بالرضا وبالجنة، منذرين الكافرين الجاحدين بالغضب والنار، وبعد ذلك فالله إن شاء عذب في الدنيا قبل الآخرة، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى، وإن شاء أخر العذاب إلى يوم القيامة؛ لتزاد فرصة هؤلاء، وتزداد حجة الله البالغة عليهم، ويزدادوا عناداً وكفراً وجحوداً، إلا إذا أكرم الله أحدهم ممن لم يكفر جحوداً وهزءاً وسخرية، ولكنه كان ثقيل الطبع، بليد الفهم، يحتاج إلى زمن ليفهم وليعقل، فهؤلاء طول الزمان قد يفيدهم، ومن هنا فإن قريشاً لم تؤمن إلا في السنة الثامنة من الهجرة عندما فتح ﷺ مكة المكرمة، فلم يسلموا إلا بعد ثماني عشرة سنة من الرسالة المحمدية، وكثير منهم ممن ضل وأضل -وكان أكثرهم لا يزال حياً- تاب إلى الله، وسموا الطلقاء ومسلمة الفتح، أي: عندما فتح رسول الله مكة ﵊ وجمعهم وقال لهم: (يا معاشر قريش! ماذا ترون أني صانع بكم؟).
وما الذي يخطر ببالهم وهم يعلمون أنهم طالما آذوا رسول الله ﷺ وشتموه وأخرجوه وجرحوه، وقتلوا أصحابه نساءً ورجالاً، واضطهدوهم، وتآمروا على صاحب الرسالة ﵊؟ وإذا بالنبي الكريم الرءوف الرحيم -كما وصفه الله ﷻ يقول لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
فعفا عنهم عن مقدرة، ولا يكون العفو إلا عن مقدرة، وبعد هذا العفو آمن الكل، ولم يقبل من قريش إلا الإسلام أو السيف، فآمنوا.
فبقيت طائفة إلى زمن تعد من المؤلفة قلوبها ممن لم يثبت الإيمان بعد في قلبها ثبوت الراسخين، وثبت الإسلام في قلوب الكثيرين، ومنهم عكرمة بن أبي جهل، وكان قد فر من رسول الله ﷺ عندما فتح رسول الله مكة، وآمنت زوجته برسول الله ﷺ ولم تلحق به، وإذا بـ عكرمة يريد الفرار إلى أرض الحبشة، وإذا بالسفينة التي يركبها تضطرب وتموج ويرى الأمواج وكأنها الجبال يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً، وإذا بربان السفينة يقول للراكبين: لا يفيد الآن إلا دعاء الواحد، فادعوا ربكم ولا تشركوا به أحداً، وإلا فنحن هالكون.
وإذا بـ عكرمة وقد أراد الله به خيراً قال: إن كان لا يفيدني إلا الواحد وأنا في البحر فمن باب أولى ألا يفيدني إلا هو وأنا في البر، علي لله نذر إن سلمني الله فلم أغرق أن أذهب إلى مكة وأضع يدي في يد محمد، فسأجده رحيماً وشفيقاً ومستغفراً لي من ذنوبي، وهكذا كان.
فجاء إليه ﵊ وقص عليه قصته، فقبل إيمانه وإسلامه، وقال لرسول الله ﵊: (علي عهد لله ألا أدع مكاناً ولا موقعة رفعت فيها السيف عليك وعلى الإسلام إلا رفعتها على عدوك وعلى عدو دينك يا رسول الله! أنا سيف من سيوفك فاضرب بي من شئت).
فأكرم الله عكرمة فكان من الفاتحين، وشارك في فتوح الشام والعراق وفارس، وأسلم وحسن إسلامه.
وهذه من فوائد إطلاق سراح أسرى غزوة بدر، فقد خرج من هؤلاء الكافرين مؤمنون بحق وصدق رفعوا سيوفهم وأقلامهم لله صادقين داعين لدين الله.
وكـ عدي بن حاتم الطائي المضروب به المثل في الكرم والنبل سيد آل طيء، فقد أسرت عصماء أخت عدي، وفر عدي مع عياله إلى الشام، فأتي بها مع الأسرى في معركة من معارك بلاد طيء في أرض اليمن، وإذا بها ترى رسول الله ﷺ فتقول له: يا محمد! أنا بنت سيد قوم كان يضرب به المثل في الكرم والجود، فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا ابنة حاتم الطائي، فأكرمها رسول الله ﷺ وأدخلها داره، ثم ذهبت إلى أخيها وقد فر إلى الشام، فأتى أخوها وكان متنصراً من قبل، فآمن وأسلم وحسن إسلامه، وكان من الدعاة إلى الله وممن أبلى البلاء الحسن.
стр. 77
تفسير سورة الكهف [٥٦ - ٥٩]
أرسل الله المرسلين مبشرين ومنذرين، وأمر بالإيمان بهم وعدم الاغترار بالدنيا، فأبى الكافرون الظالمون إلا الكفر والطغيان.
стр. 78
تفسير قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين)
قال الله ﷻ : ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف:٥٦].
بعد أن أنذر الله ﷻ وهدد وأوعد وأخبر عن الكافرين والمشركين السابقين في الأمم السابقة أنهم استعجلوا العذاب، وأنهم طلبوا من أنبيائهم المكر والغضب واللعنة ونزول العذاب، يخبر ﷻ بأن وظيفة الأنبياء ليست العذاب ولا الرحمة، وإنما العذاب والرحمة بيد الله، ولكن المرسلين والنبيين أرسلهم الله ﷻ مبلغين ومبشرين ومنذرين، فيبلغون الناس رسالات ربهم، ويبلغونهم ما أمرهم به ربهم، ويبلغونهم ما أنزل عليهم من كتاب الله، مبشرين أهل الطاعة بالجنة، ومنذرين العصاة بالعذاب والنار، فتلك وظيفة الأنبياء.
ولكن الله ﷻ قد بشرهم وأنذرهم، فهو ﷻ الذي يحقق البشرى للمؤمن المتقي برحمته ومغفرته ورضاه ودخول الجنة، وهو الذي يحقق النذارة والتخويف والتشديد والإيعاد، وينفذ ذلك على العصاة والمخالفين بلعنته وغضبه وبدخولهم النار.
قال تعالى عن هؤلاء المشركين والكافرين: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف:٥٦] فيجادل هؤلاء وينازعون ويعترضون بلا حجة أو سلطان أو برهان أو دليل من عقل أو منطق، فضلاً عن أن يكون لذلك حجة من الله أو من رسله السابقين، وإنما هم يفتحون أفواههم ويغلقونها كما تعوي الكلاب وتصيح الحيوانات، فلا يدرون ما يقولون.
فلهم شأن الكافر الذي فقد عقله، فيريدون الجدال ولا جدال في هذه الأشياء إلا بالباطل؛ ظناً منهم أن هذا الباطل سيدحضون به الحق، وسيزيلونه ويمحقونه وسيزلقونه إلى أن يصبح زائلاً، وهيهات أن يبطل الحق باطل، وأن يقف في وجه الحق أحد! ومن أراد أن يفعل ذلك تكون النتيجة ذهابه وضياعه مع باطله وهرائه وكفره، ويبقى الحق والبارز الظاهر المتسلطن، ذو السلطان والبرهان والدليل.
قال تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [الكهف:٥٦] أي: يدحضوا به الإسلام والقرآن، ويبطلوا به رسالة محمد ﵊، وهيهات أن يتم ذلك لأحد إلا لأرعن كافر أو لمجنون فقد عقله قبل أن يفقد دينه، وشأن الغواة شأن الذين لا يعلمون ما يقولون ولا ما يصدر عنهم، وهكذا إلى أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.
قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف:٥٦] أي: لا يكتفون بالجدال بالباطل، بل يأخذون في الاستهزاء والسخرية بآيات الله التي أنزلها على أنبيائه من معجزات ودلائل واضحات من كتب لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ويهزءون بالرسل والكتب وبالحق.
قوله: (وما أنذروا هزواً) أي: أنذروا به، فيهزءون بما أنذرهم الله به من عذاب وغضب ونار، ويهزءون برسلهم وما أتوا به من معجزات بينات، ودلائل واضحات، ولا يكون ذلك إلا دلالة على كفرهم واتباع أهوائهم، وضياع عقولهم وهم في الدنيا كذلك، ويكادون ينتهون حتى يأخذهم الله في الدنيا أخذ ذل وهوان وسحق، ولعذاب الله أشد وأنكى.
стр. 79
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها)
يقول تعالى مستفهماً استفهام تقرير وتأكيد وتعليم وإيضاح، أي: يوجهنا ويعلمنا ويحقق رسالة نبيه التي أرسله بها.
يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف:٥٧] أي: من أكثر ظلماً وشركاً، ومن أكثر جنوناً ممن جاءته الرسل وجاءته كتب الله بالدلائل الواضحات القطعية مما لا يدفعها منطق ولا عقل سليم فأعرض عنها.
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٧] أي: ذكر بها ووعظ وأرشد وخوطب وكوشف.
فهذا الذي يأتيه رسول أو كتاب، ومع ذلك يأبى القبول والخضوع ويعرض عن آيات ربه ويهجرها فيترك الإيمان بها، ولا يلقي لها بالاً ولا يعتبرها، فهو ظالم لنفسه.
قوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [الكهف:٥٧] أي: أعرض عن تذكير رسله له، وأعرض عن كتاب ربه له ولأمثاله، ثم جاء فنسي ما قدمت يداه من شرك بالله وكفر بآياته، وظلم واعتداء على الأعراض والأموال وسلب الناس حقوقهم، وغير ذلك مما لا يجوز فيه الاعتداء على حق أحد من الناس، فهو ظالم لنفسه بكفره بالله، وهو ظالم لنفسه لأخذه حقوق الناس، وأكله أموالهم وانتهاكه أعراضهم، واشتغاله بشتائمهم وسبابهم، هزءاً منه بكتاب الله ورسوله، وما أتى به من معجزات وبراهين واضحات.
قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف:٥٧] يقول ﷻ : هؤلاء الذين لم يعطوا لأنفسهم فرصة التعلم والسماع والتذكير والتفكير فيما جاء به رسول الله فكذبوا، ثم أعرضوا، ثم استهزءوا، ثم نسوا ما قدمت أيديهم من شرك وظلم وإيذاء واعتداء؛ هؤلاء يقول الله عنهم: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف:٥٧] أي: غشاوة وغباراً غطاها عن سماع الحق ووعيه وفهمه، وهذا يحدث لمن سبق في علم الله أن جازاه بسوء الخاتمة وبأن يموت على الشرك؛ ليخلد في النار جزاءً وفاقاً، لا للكفر فقط، بل مع الكفر العناد والهزء بالأنبياء وبكتب الله.
قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف:٥٧] أكنة: جمع كنان، أي: ستراً، وغشاوة، حيث يسمعون فلا يعون، وينظرون فلا يبصرون، تسمع قلوبهم فلا تفقه ما يقال لها، كأنهم خشب مسندة، قد يفهم الحيوان ويعلم ويؤدب ولا يفهم هو ألبتة.
قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف:٥٧] أي: جعلنا على قلوبهم ما أفسد فهمهم ووعيهم وأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم، فلم يعوا ولم يدركوا ولم يتعظوا.
قوله: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف:٥٧] أي: وجعل على آذانهم ثقلاً، وهذه أشياء معنوية؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨] أي: تراه ذا بصر وسمع وقلب وفهم وذكاء، ومع ذلك لا يستفيد ببصره؛ فيكون أعمى لا يدرك ما يدركه البصير، ولا يسمع ما يسمعه البصير، ولا يفقه ما يفقهه الذكي والعاقل والسامع والمبصر، فهو كأنه قد جعل على آذانه ثقلاً من حديد، وجعل على قلبه غشاوة، والران يغطي على القلب والسمع والبصر، فهو لا يبصر ولا يسمع، ولا يعي ولا يفهم، وعلى آذانه وقر.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٥٧] أي: هؤلاء -وقد صعد الران على قلوبهم، والآنك في آذانهم، والغشاوة على الأبصار- لو دعوتهم إلى الهدى لا يهتدون إذاً أبداً؛ لأنهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعون، فالأبصار والأسماع والقلوب قد عطلت عن فائدتها، فلا عين ترى، ولا أذن تسمع، ولا قلب يفقه، ولا عقل يدرك، فهم في بلاء ولعنة مسترسلة لعدم الفهم والوعي، وهكذا لم تفد فيهم رسالة، ولم يفد فيهم كتاب ولا علم ولا وعظ ولا إرشاد.
قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٥٧] يقول الله عنهم: من كان كهؤلاء لم يهتد أبد الآبدين، فيعيشون ظالمين كفرة، ويبعثون كافرين ظلمة، ويخلدون في النار على ذلك، كالكثير ممن يحاول أن يسأل عن العلم وهو أجهل من الحمار، وكثير ممن يظن أنه يدرك ويعلم، وإذا به أبلد من حذاء، وإذا به الأجدر أن يربط في الإسطبل مع الدواب والمواشي، إن ذكرته بقال الله يظنك تتحدث معه في قصص ألف ليلة وليلة، وإن حدثته بقال رسول الله كأنك تحدثه بما يسميه الفنان والفنانة.
وإذا رأى فيك صفة مما تحترم أو تجل، تجده قد كفر بكل إجلال واحترام بدءاً من سيد البشر ﵊ ورسالته، كما وصفهم الله بأنهم لم يؤمنوا ولن يؤمنوا، وأنهم يهزءون بكتاب الله ورسل الله وآيات الله، هؤلاء: ﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩] فلا يجوز أن يتركوا ليدخلوا مسجداً أو يعاشروا مسلماً أو يحضروا مجمعاً، هؤلاء أوجب الإسلام علينا أن نضرب على أيديهم، وأن نطهر المجامع منهم ومن أمثالهم.
стр. 80
تفسير قوله تعالى: (وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب)
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨].
يخبر الله تعالى أنه رحمة منه ﷻ يمهل الإنسان الظالم فلا يؤاخذه، ويعطيه فرصة من حياته، خمسين سنة، سبعين عاماً، قرناً من القرون، سنة أو سنوات وما يشاء الله.
والله ﷻ كما وصفه النبي ﵊: (لا أحد أصبر من الله) يقال عنه ويقال، وهو مع ذلك يرزق الكافر ويعطيه ويسلم حواسه، ومع ذلك يأبى إلا الكفر والعناد؛ لتبقى الحجة البالغة لله.
ذاك من رحمته لعله يوماً يعود إلى ربه، لعله يوماً يقول: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، لعله يفكر يوماً: أن الله لم يخلقنا عبثاً، وأن الله خلقنا لنعبده ولنطيعه، فما أوجدنا وخلقنا إلا لنعبده مخلصين له الدين ﷻ وعلا مقامه.
قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨] (الغفور) صيغة مبالغة أي: كثير المغفرة، وعلى عاقب يعاقب بالقليل على الجرم الكثير، ويكافئ ويجازي بالكثير على العمل القليل، ذاك من رحمته ومغفرته.
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف:٥٨] أي: صاحب الرحمة ﷻ ، ويوم خلق الرحمة كانت رحمته قد سبقت غضبه ﷻ ، فهو يرحم الكبير والصغير والمؤمن والكافر، ورحمته للكافر بأن يمهله ليعيش زمناً وليسمع زمناً عله يرعوي فيعود لربه.
ولقد فسر ابن تيمية قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:٩٥] في خطابه لرسوله ﵊، أن هؤلاء المستهزئين جميعاً ختم الله لهم بسوء الخاتمة، وهي خاتمة ذل وعقوبة وإذلال، ولعذاب الله لهم يوم القيامة أنكى وأشد.
واذكر إن شئت أبا لهب وأبا جهل وأبي بن خلف وعتبة وعتيبة والكثير الكثير، وهو قد قال ﵀: تلك سنة الله مع المستهزئين في الحياة النبوية وبعدها، وحكى أشباهاً مما حصل في عصره وقبل عصره، وقد كان في القرن الثامن، وهكذا قل عنا الآن، وإلى ما بعد الآن، وإلى يوم القيامة.
قد يكون الكافر كافراً عن جهل وبلادة، ولكنه لا يهزأ ولا يعاند، ولا يكون قليل الأدب مع رسول الله ومع المقدسات، ومع بيت الله الحرام ومع المسجد النبوي، ومع كلام الله، ومع السنة المطهرة.
قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف:٥٨] يخبر تعالى أنه لو يؤاخذ الكافرين، ويحاسب الظالمين، لعجل لهم العذاب، ولما أمهلهم، ولما أعطاهم فرصة من حياة ليتعلموا، ومن هنا يقول النبي ﵊: (إن الله يمهل ولا يهمل)، وهذا الإمهال تارة رحمة، وتارة لتبقى الحجة البالغة لله، وأن هذا المشرك أو الظالم مد في عمره وحياته، وفي ماله وقوته وسلطانه، ومع ذلك لم يزدد إلا كفراً، ولم يزدد عن الله إلا بعداً.
فهذا عندما يكون كذلك يكون قد صعد الران على قلبه، فلا تفيد معه موعظة ولا آية من كتاب الله، ولا حديث من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الكهف:٥٨] أي: لو يؤاخذ الظالمين الذين قال عنهم إنهم استهزءوا بآيات الله، وبما أنذروا به، وهؤلاء الظالمون لو يؤاخذهم ويحاسبهم بما اكتسبوا وفعلوا من كفر وشرك، وكسبوا من ظلم، لأسرع بعذابه ونقمته، ولم يمهلهم ولا ساعة، ولكن لرحمته -وهو الغفور ذو الرحمة- قد شاء أن يعطي هؤلاء فرصة الحياة، فلا يؤاخذهم، ولا يحاسبهم، ولا يعجل لهم العذاب، ممهلاً لهم إما أن يعودوا إلى التوحيد وإما أن يكون ذلك حجة لله بالغة عليهم.
قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف:٥٨] أي: في الدنيا قبل الآخرة كما كان يعامل الأمم السابقة قوم نوح وهود وصالح ولوط، وقوم فرعون، ولكن الله من رحمته بعباده لم يسرع العذاب لهم، بل أمهلهم لعلهم يعودون إليه.
قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨] أي: بل لهؤلاء المشركين والظالمين موعد وعدوا في وجودهم فيه وعرضهم فيه على الله، وهو يوم القيامة، قد وعدوا بالحياة الثانية، وبالبعث بعد الموت؛ ليحاسبوا على ما عملوا، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
فمن فعل الخير دخل الجنة، ومن ارتكب الشر دخل النار، فهذا الموعد لا موئل عنه ولا مفر، هو موعدهم ومرجعهم، وهو مآلهم (لن يجدوا عنه موئلاً) أي: لن يجدوا عنه مرجعاً ولا مفراً ولا مكاناً يئوبون إليه، ويستغيثون به، يفرون إليه من عذابه وعقابه، ولكن هيهات هيهات! يوم ينادي: أنا الملك أنا الديان!! أين الملوك؟! فلا يجيب أحد، ثم يجيب نفسه بنفسه ﷻ .
نأتيه فرادى ليس معنا حول ولا طول ولا أنصار ولا أولاد ولا أشياع ولا جيوش، نأتي فرادى كما خلقنا فرادى.
стр. 81
تفسير قوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا)
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩].
قوله: (تلك القرى) أي: أهل القرى السابقة في الأمم الماضية، عاقبهم الله تعالى وأهلكهم، ودمرهم بأنواع من الهلاك كالغرق والصواعق والزلازل، وبجعل الأرض عاليها سافلها، وبأنواع العذاب، فعجل لهم الهلاك وأسرع به لهم.
قوله: (لما ظلموا) أي: عندما أشركوا بالله وظلموا أنفسهم، ورفضوا الإيمان بربهم، وأبوا قبول الرسالات، والهدايات والمعجزات، والأدلة الواضحات الفاضحات، ولم يرغبوا إلا في الكفر والجحود، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف:٥٩] معناه: يا هؤلاء! خذوا العظة والعبرة مما جرى لمن سبقكم، فالسعيد من وعظ بغيره، والشقي الذي لا يوعظ إلا بنفسه، فإذا بطش به، وإذا سحق وعوقب يكون قد فات الأوان، والوقت سيف إن لم تقطعه قطعك.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩] أي: وكان لهم موعد في هلاكهم ودمارهم وفي القضاء عليهم في عقوبتهم، فذهب ملكهم وسلطانهم، وذهب عزهم ونورهم، وذهبت حضارتهم، وذهب ما أسسوه وأتقنوه وعاشوا له قروناً، وكأنهم لم يكونوا يوماً في الأرض، بادوا ثم بادوا، وانتهى وجودهم وعادوا إلى عذاب ربهم بعد أن أعطاهم فرصة الإيمان والهداية، فأبوا إلا الفسق والعصيان والجحود والكفران.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ [الكهف:٥٩] قرئ (مَهلِكِهم) و (مَهلَكِهم) و (مُهلَكِهم) والمعنى واحد، وكلها قراءات متواترة صحيحة، ومعناه: أنه جعل لهم مكاناً وموعداً، وهو يوم القيامة، يوم العرض على الله، وقد يكون هذا العذاب له موعدان، موعد في الدنيا وموعد في الآخرة، كما صنع بأهل القرى الماضية، وكما صنع بالأمم السابقة.
стр. 82
تفسير سورة الكهف [٦٠ - ٦٢]
كان سيدنا موسى ﵇ من أولي العزم، ولكنه لما افتخر بعلمه أعلمه الله بمن هو أعلم منه وهو سيدنا الخضر ﵇، وكلفه الله تعالى السفر إليه ليتعلم منه، وجعل له علامة على مكان وجوده، فأخذ فتاه يوشع بن نون وسافر يبحث عن الخضر ﵇.
стр. 83
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين)
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠].
ندخل الآن في القصة الثالثة من سورة الكهف، وهي قصة الخضر وموسى ﵉، فالله ﷻ يقص علينا هذه القصص -قصص الأنبياء والصالحين والكافرين والمجرمين- لنتخذ منها العبرة، ولنتخذها درساً في حياتنا ومآلنا، وإعداداً لآخرتنا، لا لنتفكه، ولا لمجرد الحكاية والقصة؛ ولذلك فإن الله ﷻ لا يتبع التفاصيل كما يفعل أصحاب القصص، ما اسم زيد؟ ما اسم عمرو؟ في أي سنة كان؟ ما اسم كلبهم؟ ما اسم أمه وأبيه؟ هذا خارج عن العبرة والعظة؛ ولذلك لا يلتفت القرآن له ولا يهتم به، وإنما يذكر العظة والعبرة لنتخذها دروساً كما مضى في النصف الأول من كتاب الله في جميع قصصه.
واذكر يا محمد (إذ قال موسى لفتاه) أي: موسى بن عمران، من أولي العزم من الرسل، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام، وكان موسى من أكابر الأنبياء، فهو كليم الله ﷻ ، وكذلك نبينا ﵊ كلمه الله في ليلة الإسراء عندما أمره بالصلاة، وكان ذلك بلا واسطة من جبريل؛ ولذلك ما من منقبة ذكرت في نبي من الأنبياء إلا وكان مثلها وأعظم لنبينا ﵊.
قوله: (إذ قال موسى لفتاه)، وفتاه نبي من الأنبياء، هو يوشع بن نون، كان خادماً له، وهذا شأن الكبار من العارفين بالله أنبياءً ورسلاً وعلماء، فلقد كان مع رسول الله ﵊ جمع من الصحابة ذوي المقامات العلية كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد واذكر لهم هؤلاء الأخيار الأكابر، وهؤلاء السادات الأعاظم، وهؤلاء الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء على الإطلاق.
وقد قال ﵊: (خير القرون قرني) أي: خير قرون الأرض على الإطلاق القرن النبوي الذي بزغ فيه هذا العربي الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه في هذه البقاع المقدسة، وقال: يا أيها الناس! إني رسول الله إليكم جميعاً، فكان أصحابه لشرفه شرفاء وعظماء، فكانوا أعظم الناس بعد الأنبياء على الإطلاق.
وقد أقسم الله بعصره كما في أحد التفاسير: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢] أقسم بعصر محمد ﵊، وقيل: أقسم بوقت صلاة العصر؛ لأنها هي الصلاة الوسطى، كما ثبت ذلك نصاً في صحيح مسلم.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠] أنزل الله ﷻ أنزل ما من هذه القصة، وهي قصة موسى والخضر، فموسى سماه باسمه ولم يقل: ابن فلان، والخضر لم يسمه، فلم يكن فيه نزاع أنه الخضر، وأما موسى فقد قال قلة إنه ليس موسى بني إسرائيل، ولكنه موسى بن موسى، هذا قول قاله أحد من أسلم وكان يهودياً، وهو نوف البكالي ربيب كعب الأحبار، ولكن عندما بلغ ذلك ابن عباس قال: كذب عدو الله! فكذبه ووصفه بعداوة الله، وكأن في نفس ابن عباس من كعب أشياء، كما كان ذلك عند العباس عم النبي ﵊ كان عند عائشة أم المؤمنين وكما كان عند عمر أمير المؤمنين، وكما كان عند معاوية ملك الشام ومؤسس الأمويين.
فقال ابن عباس: كذب عدو الله، وقال له ذلك سعيد بن جبير؛ فقال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب (حدثني رسول الله ﷺ وقد قرأ سورة الكهف أنه موسى بن عمران) وأما أنه موسى بن موسى فهذه من الإسرائيليات، ولا دليل عليها، وهي كذب وهراء، وقد كذبها حبر القرآن ابن عباس.
لقد كان موسى يخطب يوماً في قوم حتى خشعت قلوبهم تأثراً بالموعظة الحسنة، وبعد أن انتهى من الخطبة تبعه أحد المعجبين بكلامه وعلمه ومعرفته، فقال له: يا رسول الله! هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا أحد.
وإذا بالله الكريم بعد ذلك يعاتبه ويقول له: بلى عبدنا الخضر، والرواية في مسند أحمد، وفي صحيح البخاري ومسلم رواها أبي وغيره من الصحابة الكبار والصغار ﵃ جميعاً، والقصة مغزاها الأول واضح، والآن نأتي إلى المغازي جميعاً بعد نهايتها، فمنها: أنه إذا كان الله ﷻ لم يقبل من موسى -وهو أحد أولي العزم من الرسل- أن يقول: لا أحد أعلم مني في الأرض، فكيف بغيره.
وإذا بموسى يبتدئ طلب العلم وكأنه تلميذ جديد دخل المدرسة الابتدائية، وكان ذلك إيثاراً من الله بأن يذهب موسى ويتعرف على الخضر ويتعلم من علومه ومعارفه، فسأل ربه وقال: يا رب! اجمعني بهذا، فقال: خذ حوتاً زاداً للطريق، واجعله في مكتل، وفي مجمع البحرين عند صخرة هناك سوف تفقد الحوت، فتلك علامة كانت لموسى في وجود الخضر.
والخضر عبد من عبيد الله، وهو يتنقل في هذه الأرض من قبل موسى لا مكان له ولا منزل، وهو في مختلف البقاع شرقيها وغربيها، يعبد الله ساجداً قائماً راكعاً موحداً مقدساً، وقالوا عنه: يعيش بشربة ماء من زمزم مرة في العام.
وقد عرفنا موسى وقصصه في كتاب الله، أما الخضر فلم يذكر مرة أخرى، ولولا أن النبي صح عنه أن هذا العبد الذي أخبر الله موسى عنه لقلنا هو عبد من عبيد الله الله أعلم من هو، وما اسمه، وهل لا يزال موجوداً.
وقد قال قوم: إن الخضر ابن آدم مباشرة، وقيل: ابن نوح، وقيل: من بني إسرائيل، أي جاء بعد إبراهيم من سلالة إسحاق، وقيل: هو أمير ابن ملك، وقيل: ليس اسمه الخضر وإنما هي صفة، فقد كان يتعبد الله في قطعة من الأرض لا نبات فيها ولا خضرة، فيبقى يدعو الله وهو يبكي بدموعه حتى تسقى الأرض بدموعه فتنبت، فيصبح وكأنه على فروة خضراء من النبات، وكأنه على جلد أخضر، فسمي الخضر من أجل ذلك.
هل لا يزال حياً؟ أما أصحاب الآداب والرقائق فيكادون يجمعون على أنه لا يزال حياً، ويحكون عجائب وغرائب في ذلك، وأما أهل الدليل والبرهان والمحدثون، فقد خصه برسالة الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني إمام المحدثين، الذي لم يأت بعده مثله، وقد كان في القرن التاسع، وقليل نظراؤه فيمن تقدموه، فقد ترجم له في كتابه الإصابة في تراجم الصحابة، بناءً على قول من قال: إنه بقي إلى العصر النبوي، وأنه جاء إلى رسول الله مؤمناً به ﵊، وكانت رسالته مستقلة، وأظنها قد طبعت، وتجاوزت مائة ورقة، وقد طبعت ضمن كتاب فتاوى السيوطي فيما يسمى الحاوي في الفتاوي.
ثم هل كان عالماً عارفاً بالله وولياً فقط أو كان نبياً؟ الكثيرون يقولون: إنه كان نبياً، وكثرة أيضاً قالوا: إنه كان ولياً، ولكن ظاهر القرآن وسياقه يدل بما يشبه اليقين أنه كان نبياً.
ولنعلم أن فئة الرسل والأنبياء أشرف الخلق، أما الأولياء فهم طبقة ثانية بعد الصحابة، فالصحبة مقامها عزيز جليل.
فهل الخضر لا يزال حياً؟ وأتى بعضهم بأحاديث كثيرة لم يسلم سند حديث منها من مقال تدل على أنه جاء إلى رسول الله وآمن به، يقول ابن حجر: لو كان الخضر حياً لكان لابد من أن يأتي إلى رسول الله فيؤمن به؛ لأن الرسول نبي إلى جميع الخلق ممن أدرك حياتهم، فلا يسع الخضر إذا ظهر رسول الله وخاتم الأنبياء إلا أن يأتي مسلماً مستسلماً.
ولقد قال عن موسى وهو من أولي العزم: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) وعيسى سينزل في آخر الزمان كما جاء في القرآن والسنة فيكون على دين محمد، فيحج حجنا، ويستقبل قبلتنا، ويقتدي بأئمة المسلمين، فكيف يكون الخضر حياً ولا يأتي إلى رسول الله مسلماً ومؤمناً؟! ومن هنا مال الحافظ إلى قول من أتى بأنباء وأخبار أخرى عمن ذكر عن نفسه -وهم مشهورون بالصلاح والصدق- أنهم اجتمعوا بالخضر فحدثهم وحدثوه، لكن لابد أولاً من معرفة هل كان حياً أيام رسول الله؟ فإذا لم يكن حياً فكل ما يذكر من بعد يجب أن نقابله بالشك والارتياب، وإن كان حياً فلا يسعه بحال من الأحوال إلا أن يأتي إلى النبي ﷺ ويقول له: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وعلى هذا الأساس بحث العلماء والمحدثون، وأصحاب الأدلة والبراهين، فهو عند المحدثين لم يكن حياً أيام رسول الله ﵊، ومع ذكر الكثير ممن ينتسب للعلم والإمامة في العلم عن شيوخهم وعن علماء عارفين أنهم رأوه، وتحدث إليهم وتحدثوا إليه.
ولكن لابد أن يصاحب الدليل، وأن يعنى بالسنة، ومن لا يقبل الكلام هكذا على عواهنه فعليه أن يبحث المقدمة الأولى: هل أدرك الحياة النبوية؟ فإن كان الخضر قد أدرك الحياة النبوية فهو لا شك بعدها، وإذا لم يكن كذلك فمعناه أنه لم يكن في الحياة النبوية؛ لأنه لو أدركها لآمن به.
المقدمة الثانية: من المعروف الصحيح المتواتر أن النبي ﵊ قال: (لا يبقى على وجه الأرض أحد ممن هو عليها الآن)، وقد قال هذا قبل موته بسنة أو سنتين؛ ولذلك حسبوا وتتبعوا فقالوا: من كان في هذا الوقت ممن رآه رسول الله أو رأى رسول الله فقد توفي، وهذا أبو الطفيل عامر بن واثلة من صغار الصحابة قالوا عنه: إنه كان آخر الصحابة موتاً، حيث مات على رأس القرن الأول من الهجرة، وعندما قال هذا الحديث ﵊ قالوا: كان عمر الطفيل سنتين أو ثلاثاً، وعاش بعد تمام القرن بسنتين أو ثلاث ليتم القرن.
قالوا: فلو كان الخضر موجوداً لجاء مبايعاً مسلماً مستسلماً لرسول الله مؤمناً بأنه رسول الله إليه قبل أ
стр. 84
تفسير قوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ [الكهف:٦١] أي: بلغا مجمع البحرين ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف:٦١] الناسي في الحقيقة هو يوشع، وهو الذي بيده مكتل الطعام والزاد، وعندما يقال: أخذوا الزاد، لا يكون الزاد إلا في يد واحد، ولكن ينسب إلى الكل حمل الزاد، فينسب العمل إلى الجماعة أو الرفقة.
كذلك نسبة النسيان ستمسهما، بل ستضر موسى الذي هو صاحب القصة والشأن.
(فاتخذ سبيله) أي: الحوت خرج من المكتل واتخذ طريقه (في البحر سرباً)، السرب: الكوة والطاق، كما نقول الآن: النفق.
فقد وصل إلى مكان فيه عين الحياة، ولعل الماء فوار، فمس الحوت من هذا الماء الفوار قطرات فإذا به يعيش ويحيا، قالوا: ومن الغريب أن موسى قد أكل منه، وليس هذا في الآية، ولابد أن يكون الشأن كذلك، لأنه لم ينقطع عن الأكل من سيناء إلى أن بلغ مجمع البحرين، ومشيه إما على دابة أو على رجليه، وذلك سيحتاج إلى فترة طويلة.
قوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف:٦١] أي: قفز الحوت بعد أن رش بماء الحياة بالصدفة فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وصار هناك نفق في الماء الذي مسه واتصل به فأصبح مجوفاً بحيث أخذ يجر وينسحب وينزلق، والماء مع ذلك مفترق، فيصبح فيه كأنه الصخرة داخل الماء.
فبقي الحوت محصوراً إلى أن يعود موسى، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف:٦١] اتخذ طريقاً ونفقاً ونافذةً في داخل الماء.
стр. 85
تفسير قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢].
فلما جاوزا: أي: تجاوزا المكان الذي نسيا فيه الحوت.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢] غضب موسى فهو من فطرته وطبعه غضوب، حيث تحاج مع آدم ودار بينهما كلام، وكان بينه وبين قومه وهارون كلام، وأخذ بلحيته يجره إليه، ورمى الألواح التي أتى بها عن موعد ربه بعد أربعين يوماً فكسرها، ولطم ملك الموت ففقأ عينه، وانتصر لإسرائيلي على خصمه في مصر فضرب قبطياً فقتله، قال تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] بضربة واحدة بيده، فكان قوياً، ولا تنسوا قصته مع بنتي شعيب عندما جاء إلى البئر ورفع بمفرده صخرة يعجز عنها عشرون رجلاً؛ ولذلك قالت أحداهما لأبيها: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦].
стр. 86
تفسير سورة الكهف [٦٢ - ٧٠]
في رحلة سيدنا موسى ﵇ لطلب العلم كان الله تعالى قد جعل له علامة يعرف بها أين يلقى سيدنا الخضر ﵇ لكنه تجاوز ذلك، فلما تذكر عاد يقص الأثر حتى وجده وطلب منه أن يعلمه مما علمه الله.
стр. 87
تفسير قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢].
لا نزال مع موسى نبي الله وكليمه، ومع الخضر نبي الله الصالح، ومع فتى موسى يوشع بن نون.
لقد أمر الله رسوله موسى أن يأتي الخضر ليتعلم منه، ويعلم بذلك أن في الأرض من هو أعلم منه، ولو أنه من أولي العزم من الرسل.
ونحن مع موسى وقد صحب معه فتاه النبي يوشع بن نون وقال له: ﴿لا أَبْرَحُ﴾ [الكهف:٦٠] أي: لا أزال أمشي وأسافر وأقطع الفيافي والبراري والقفار إلى أن أصل إلى مجمع البحرين كما قال لي ربي، وأجتمع بعبده الصالح الذي عنده من العلم ما ليس عندي، فإما أن أصل وإما أن أبقى ماشياً مسافراً ولو أحقاباً وأزماناً ودهوراً.
(فلما جاوزا) أي: جاوزا بالمشي وبالانتقال وبالسير إذا بالغلام يوشع يفر منه الحوت حين مس ماء الحياة، ويقفز إلى داخل البحر حيث يصبح سرباً وطاقاً وممراً يدخل به البحر.
(فلما جاوزا) أي: فلما تجاوز موسى وغلامه يوشع مجمع البحرين وهو المكان الذي تواعد فيه مع ربه ليلقى فيه الخضر، والعلامة الحوت الذي كان طبيخاً مملحاً، يعود للحياة فيفر من بين يدي غلام موسى ويجعل لنفسه سرباً ونفقاً داخل البحر، ويوشع نسي الحوت ولم يقل ذلك لموسى بن عمران، وموسى لم يشعر بالجوع حتى جاوز مجمع البحرين، أي: حتى جاوز طنجة وأفريقيا، ولعله دخل في الأرض التي سميت بعد ذلك الأندلس والتي فتحها المسلمون أيام الوليد بن عبد الملك.
وبعد أن جاوز موسى ويوشع مجمع البحرين شعر موسى بالجوع فقال لفتاه ولغلامه: (آتنا غداءنا) الغداء: هو الطعام غدوة، والعشاء الطعام عشية، وقوله: (آتنا غداءنا) معناه أن ذلك قد كان في وقت البكور.
وقال مع ذلك: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً)، أي: لقينا في هذا السفر إلى عبد الله الصالح الخضر تعباً ومشقة، وقد كانت المسافة طويلة جداً من سيناء إلى المغرب، وقد كان موسى مع أتباعه بني إسرائيل في التيه، ولم يصل إلى القدس، وإنما وصل كما قلنا إلى أريحا حيث مات فيها، كما حدث رسول الله ﷺ : أنه في ليلة الإسراء رأى موسى يصلي عند الكثيب الأحمر في قبره في أريحا، وقال: (لو كنت هناك لأريتكم مكانه).
فذهب من هناك إلى مجمع البحرين: البحر الأبيض المتوسط، والبحر المحيط، قال هذا محمد بن كعب القرظي، وقال هذا الصحابي الجليل المقرئ العالم أبي بن كعب، وسيأتي معنا بعد ذلك اسم القرية التي دخلوها واستطعموا أهلها فأبوا أن يضيفوهما.
قال أبو هريرة عن هذه القرية: إنها بلدة في الأندلس.
إذاً: ثلاثة من كبار القوم صحابيان جليلان وتابعي مفسر، كلهم قالوا: إن المكان الذي كان عند مجمع البحرين هو في أرض أفريقيا في شمالها الفاصل بين قارة أفريقيا وقارة أوروبا.
стр. 88
تفسير قوله تعالى: (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف:٦٣].
يقول يوشع: يا مولاي يا رسول الله أرأيت؟ أي: هل فكرت ونظرت؟ وهل خطر لك ببال أننا عندما وصلنا الصخرة فر الحوت عندما أصيب بماء هناك من عين تسمى عين الحياة، وهذه العين هي التي سبق للخضر أن شرب منها، وهي في أقصى الدنيا، وذلك عندما كان على مقدمة ذي القرنين، ويأتي هذا في القصة التالية، ومن شرب من هذا الماء عاش آلاف السنين، كما حصل للخضر وحصل أيضاً لإلياس، وكما عادت الحياة في هذا الحوت بسبب هذا الماء.
وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف:٦٣] أي: أخطر لك ببال أننا عندما استرحنا عند الصخرة إذا بالحوت يقفز من المكتل بعد أن أصابه ماء من عين أخذت أتوضأ منها، وإذا به يقفز ويدخل البحر، ويتخذ سرباً وطريقاً يفر الماء منه، فيصبح طريقاً لا ماء فيه، يصبح كأنه الممر في الأرض داخل البحر.
ثم قال يوشع لموسى: ونسيت أن أخبرك بأن الحوت دخل البحر واتخذ سرباً ونفقاً وممراً فيه، وما أنساني أن أقول لك ذلك إلا الشيطان.
وهذا من أدب المسلم فضلاً عن أدب النبوة، أن ينسب الخير لله والشر لغيره، على أن الله ﷻ خالق الخير وخالق الشر، وقد قدر الكل في الأزل.
وإذا بموسى لم يغضب على فتاه، بل قال: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف:٦٤] أي: كان هذا هو العلامة بينه وبين ربه، أن يفر الحوت من المكتل، وأن يتخذ سرباً ونفقاً في البحر، يكون سرباً له وعجباً لنا.
وقوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤] وإذا بموسى وقد تجاوز مجمع البحرين عاد قصصاً متخذاً الآثار والعلامات فرجع من حيث أتى.
وقوله: (قصصاً) القصاص هو الذي يتبع آثار السارق وآثار المطلوب وآثار الفار، وللعرب في هذا علم وخبرة قليل نظيرها عند غيرهم، كانوا ولا يزالون كذلك.
فارتد موسى ومعه مولاه على آثارهما، ورجعا من نفس الطريق الذي سافرا عليه، وتتبعا أثر ما مشيا عليه من موطأ الأقدام والنعال.
стр. 89
تفسير قوله تعالى: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا)
قال الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥].
وجد موسى طلبته ووجد بغيته وهو الخضر، بعد أن تعب ولقي نصباً، وبعد أن سافر أشهراً طوالاً، ومن لذة الوجدان والحصول على المقصود وجد نشاطاً في ذلك، وأخذ يعطي معه ويأخذ.
قوله: (فوجدا) أي: وجد موسى ويوشع، وسينقطع ذكر يوشع من هذه الفقرة في هذه الآية.
﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥] لم يسم الله هذا العبد، ولكن النبي ﷺ في صحيح البخاري ومسلم وبقية الكتب الستة سماه الخضر، وقد قيل: هو ابن آدم مباشرة، وقيل: ابن نوح، وقيل: من بني إسرائيل، وقيل: كان ملكاً، وقيل: كان حاكماً، وقيل غير ذلك.
وكما قلت: من هدي القرآن الكريم عندما يأتي بالقصة لا يراد منها ما يراد من القصص عادة، وإنما يراد منها ما كان عبرةً وعظةً ودرساً للسامع، أما الأسماء والأزمان والقبائل فلا حاجة لذكرها؛ لأنه لا صلة بينها وبين العبرة والعظة والحكمة.
إذاً: النبي ﵊ سمى هذا العبد فقال: هو الخضر، وكما مضى ذلك مبيناً، يقول الله عنه: (آتيناه رحمة من عندنا) أي: أنعمنا عليه بها، ما هي هذه النعمة؟ هي الولاية أو النبوءة؛ لما سيظهر معنا في آخر القصة عندما يقول: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] وهذا يدل دلالةً واضحةً ظاهرة بأنه كان نبياً موحى إليه، وقد قيل في حديث فيه ضعف: كان رسولاً كذلك، ولكن الحقيقة والصحيح وما يدل عليه ظاهر الآي أنه كان نبياً موحى إليه.
وما عمله من قتل غلام لم يبلغ الحنث بعد، ومن خرق سفينة كان يركبها مساكين، فهذا العمل ليس بعمل ولي، ولو فعله الولي ولم يكن موحى إليه، لكان ذلك نتيجة الإلهام كما قال من قال عنه ولي، والإلهام لا يصل لدرجة الوحي، ولو صنع هذا في الأمة المحمدية رجل ولو كان من الصحابة، وقال: قتلت الطفل الفلاني؛ لأنني ألهمت أنه سيكون عاقاً لوالديه، فأردت أن أريحهما من طغيانه وكفره، لقلنا: إن الغيب لا يعلمه إلا الله، والوحي قد انقطع بعد محمد ﷺ ، والإلهام لا يجوز أن يكون معه هذا؛ لأن الإلهام يخطئ ويصيب، وليس كذلك الوحي.
وقوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف:٦٥] أي: آتاه النبوة والحكمة والوحي.
وقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥] أي: علمه العلم اللدني الذي لم يتعلمه من شيخ أو من كتاب، ولكنه علم من الله علمه إياه بطريق الوحي، فكان بذلك الخضر أحد أنبياء الله الذين ذكروا في القرآن من غير أن يسموا، ولكن سماه من أنزل عليه القرآن ليبينه للناس ﷺ .
وبهذا يكون قد أشاد الله ﷻ بعبده هذا الذي لقيه موسى، وأنه كان من العلماء النبيين، وقد أكرمه الله بعلم من عنده ولم يكرم به سواه، بل لم يكرم موسى بمثل ذلك.
وإذا بموسى يقف على الخضر ويجده ممتداً على فروة خضراء من الحشيش، في ثوب جعل طرفه كالمخدة عند رأسه، والطرف الثاني غطى به رجليه، فقال له: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، ما بأرضك السلام؟ من أين لك بالسلام؟ وكان المكان الذي فيه الخضر ليس فيه إلا كافر ومشرك لا يعلم سلاماً ولا يعلم تحيةً بسلام؛ ولذلك عجب الخضر، فأجابه عن السلام وقال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم.
هكذا في الحديث الصحيح.
стр. 90
تفسير قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦].
تكلم موسى مع الخضر على جلالة مقامه ورسالته العظيمة، وتأدب معه أدب الطلاب المهذبين، فقال له: هل توافق على أن أصحبك لتعلمني مما علمك الله؟ ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] أي: على أن تعلمني مما علمك الله، رشاداً وهدايةً، مما كنت لم أعلمه قبل، وذلك عندما سئلت من أعلم منك؟ فقلت: لا أحد.
فموسى عنده علم اليقين، والخضر عنده عين اليقين، فاشتاقت نفس موسى على أن يقف على عين اليقين، فقال له: بكل أدب واحترام: (هل أتبعك) أي: أتوافق أن أكون تابعاً لك، طالباً لعلمك، مستفيداً مما علمك الله، بما يرشدني ويهديني ويزيل عن نفسي ما كان بها، عندما لم أستثن العلم لأحد سواي؟ فقال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧].
ثم إن الخضر أخذ يدل على موسى بعلمه، وإذا بموسى يلح على الخضر، فأخذ الخضر يقول له من أول مرة: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] أي: ليس في قدرتك أن تصبر على علمي.
ومعنى ذلك: سوف تستنكر وتعترض عليه، ثم اعتذر له فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٦٨] أي: أنت معذور، كيف يمكن أن تصبر على شيء لم تحط بحقيقته، ولم تعرف ظواهره ودواخله، وستراه لأول مرة في ظاهره منكراً من الفعل والقول، فلا يكاد يقبله عاقل فضلاً عن نبي ورسول، فأنا أعذرك بأنك ستستنكر وسوف لا تصبر، فكيف الآن تطلب مني أن أعلمك ما لا يمكن أن تعلمه.
وفي الصحيح أنه قال له: في التوراة التي أنزلت عليك كفاية من العلم، وإن في قومك بني إسرائيل لما يشغلك ويكفيك عني وعما عندي من علم، ولكن موسى ألح على الخضر وقال له: بذاك أمرني ربي، فاضطر الخضر للاستجابة له، بعد أن أنذره وحذره وقال: ما أراك ستصبر وما أراك ستتحمل علمي الذي لم تحط بحقيقته ولا بظواهره وبواطنه.
стр. 91
تفسير قوله تعالى: (قال ستجدني إن شاء الله صابراً)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] استثنى من البداية؛ لأن موسى علم من نفسه أنه لا يكاد يصبر على ما لا يراه علماً، وما لم يؤمن به حقيقةً، فابتدأ بالاستثناء قبل المستثنى منه، قال: (ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً) وتعهد له بشيء أيضاً سوف لا يستطيعه ولا ينفذه ولا يقوم بحقيقته، فوعده وعدين وعلق بالمشيئة بأنه يصبر وبأنه سوف لا يعصيه، فيوافقه في كل ما يأمره به، وإذا بـ الخضر يشترط عليه ويوافقه موسى وهو لا يزال متردداً.
فقال الخضر لموسى: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ [الكهف:٧٠] لم يقل له: (اتبعني)، والمعنى: إن أنت أبيت إلا هذا وإن أنت تحملت الصبر كما تقول، وإن أنت أطعتني كما استثنيت، فأنا أشترط عليك أن تكون تابعاً لي لتسمع من علمي ولتستفيد من حقائق ما عندي.
﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠] أي: لا تكن فضولياً، سأفعل أمامك ما أفعله، دعني أتكلم، دعني أعمل، ولا تسألني لم هذا؟ (حتى أحدث لك منه ذكراً)، وعندما أنتهي سأقص عليك بواطن وأسرار جميع ما قلت وجميع ما فعلت وصنعت، ولكن لا تستعجل من أول قضية تسألني وتعارضني وتستنكر عملي.
قال الخضر: (إن اتبعتني فلا تسألني عن شيء) أي: أيُّ شيء، وكلمة شيء نكرة تدل على أن الخضر اشترط على موسى اشتراط العالم على الطالب: (لا تسألني) أي: لا تعترض قولي إلى أن أنتهي وأحدث لك منه القول والبيان والشرح الذي يذكرك ويوضح لك عملي، ويكشف لك الحقائق والبواطن.
فوافق موسى على هذا الشرط، وقبل الوعد بعمل شرط الخضر، وأخذا يقطعان الفيافي والبراري والقفار والبحر.
ومن هنا انقطع ذكر يوشع وسيبقى الكلام عن موسى فقط والخضر، وليس معنى ذلك أن يوشع ذهب، ولكنه كتابع لا حاجة لذكره، وذكر عندما احتيج للحوت والحفاظ عليه، وللجواب على النصب والسفر والتعب، أما وقد وجد موسى بغيته وطلبته، فإن يوشع لا وظيفة له إلا أن يكون تحت الطلب عند الاحتياط.
стр. 92
تفسير سورة الكهف [٧١ - ٨٢]
اشترط سيدنا الخضر على سيدنا موسى ﵉ شروطاً يلتزم بها إذا رافقه، ثم انطلق معه مسافرين حتى ركبا البحر، ثم بدأ الخضر ﵇ يعمل حسب ما يأمره الله، فكان موسى لا يصبر على السكوت عما ظاهره المنكر حتى فارقه الخضر وذكر له تأويل ما لم يستطع عليه صبراً.
стр. 93
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها)
قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١].
أي: قام الخضر وقد كان نائماً وقال لموسى: الحقني واتبعني، فأخذا يبحثان عن سفينة ليركباها، وموسى يمتثل، بعد أن اجتمعا في طنجة عند صخرة كبيرة، وهي ما تسمى اليوم بجبل طارق، وفي المقابل الآخر الجزيرة الخضراء وملقا من أرض الأندلس، وسيقول لنا أبو هريرة قريباً بأن القرية التي لم تضيفهما كانت في الأندلس.
قوله: ﴿فَانطَلَقَا﴾ [الكهف:٧١] أي: انطلقا ماشيين مسافرين متنقلين، وأخذا جهة الشاطئ يبحثان عن سفينة، فوجدا سفينة فركباها، ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ [الكهف:٧١] أي: قام الخضر وجاء إلى خشبة في عمقها ومعه قدوم فكسرها.
وهذا العمل يدل على أنه يريد إغراق السفينة بمن فيها وموسى معهم، وإذا بموسى ينسى شرطه، وينسى وعده بأنه سيصبر، فصاح مستنكراً فقال له: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١] أي: كأنه لم يعد صالحاً ولا نبياً، وإنما أصبح كمجرم يريد قتل هؤلاء الركاب في السفينة جميعاً، فقال له: أتريد من خرقك لها أن تغرقها وتغرق أهلها؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١] أي: شيئاً عظيماً منكراً.
فهو لم يكتف بأن يستفسر عن هذا الفعل، بل استنكره واتهمه بأنه يريد إغراق الركاب، ثم اتهمه بأنه أتى منكراً من العمل، قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١] وإن كان المفسرون قد قالوا إن هذه اللام ليست لام التعليل، وإنما هي لام العاقبة، ولكن ما أظن موسى يقصد العاقبة؛ لأن موسى بحدته اتهمه بأنه يريد إغراق هؤلاء الناس، ولولا أن الله أمره لما تحمل هذا العذاب الشديد في اتباعه.
وإذا بـ الخضر كان أهدأ منه عصباً وكان عنده رزانة المعلم، وكان موسى ﵊ فيه حدة الطالب، فقال له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٢] أي: ألم أقل لك من قبل عندما طلبت أن تكون تابعاً لي متعلماً من علمي، مسترشداً من رشادي، ألم أقل لك: إنك لن تستطيع معي صبراً؟ ولم يقل: إنني اشترطت عليك ألا تسأل عن شيء حتى أبينه لك، مع أنه اشترط عليه ألا يسأله عن شيء حتى يحدث من نفسه ذكر البيان.
وإذا بموسى يقول له: ﴿لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧٣]، فأخذ يعتذر ويقول: إنني نسيت فلا تحملني ما لا أطيق، ولا تصعب علي عشرتك وصحبتك وطلبي للعلم منك، فقبل الخضر الغلطة الأولى وسكت، فتابعا الرحلة ونزلا من السفينة.
وقبل ذلك لم يذكر الله لنا موقف الركاب عندما رأوا الخضر يأتي إلى السفينة فيخرقها ويعيبها، ويغرقها، وكان الشأن أن يثوروا في وجهه، وأن يرموه في البحر ويقوموا بإصلاح السفينة، ولكن الذي حدث أنه خرق السفينة بأن أزال منها ركناً من الأركان من عمقها، وكان معداً أخشاباً، وبمجرد ما نزع هذا وضع هذا، لكن كان التركيب يظهر السفينة معيبة غير صالحة؛ لكي لا يقع طمع الطامعين في أخذها كما سيأتي بعد.
ولكن موسى بادر وأخذ ثوبه وأراد أن يسد هذا الثقب والخرق بثوبه، وماذا عسى أن يصنع الثوب، قد يأتي حوت ويسحبه إليه يظنه لحماً أو طعاماً، ولكن النتيجة أن السفينة لم تغرق، والركاب لم يهلكوا، وموسى لم يحصل له شيء.
стр. 94
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله)
قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] أي: أخذا طريقهما منطلقين مشياً ورحلةً وسفراً، ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف:٧٤]، فكانت الفعلة الثانية أفظع من الأولى.
فقد رأى الخضر غلماناً يلعبون فجاء إلى أجملهم وأذكاهم وأوضئهم، وكان دون البلوغ بين العشر والتسع سنوات فقتله، وإذا بموسى عندما رأى هذا المنظر نسي مرة أخرى وصاح: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] ما هذا يا خضر؟ لقد أتيت إلى طفل صغير، (نفس زكية) أي: لم يعص الله بعد فقتلته بغير نفس، ولم يسبق أن قتل نفساً أو أجرم جرماً أو أذنب ذنباً.
(لقد جئت شيئاً نكراً) أي: جئت شيئاً مستنكراً مستفظعاً لا يقبله إنسان.
стр. 95
تفسير قوله تعالى: (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥].
هذه أول آية من الجزء السادس عشر من كتاب الله، قال الخضر مرة أخرى لموسى نبي الله: ألم أقل لك يا موسى إنك لن تستطيع معي صبراً، أي: أنت لا تطيقه ولا تتحمله، وإذا بموسى يكتم على نفسه هذه فيقول له: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف:٧٦].
أي: إن أنا عدت مرة ثانية وسألتك أو استنكرت عليك فعل شيء فلا تصاحبني، (قد بلغت من لدني عذراً)؛ لأنك صبرت على المرة الأولى والمرة الثانية وهذه المرة الثالثة، فيكون عذرك معك.
стр. 96
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها)
قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧].
لما انطلق الخضر ومعه موسى وصلا إلى هذه القرية جائعين لا زاد معهما، وإذا بـ الخضر وموسى يطلبان من أهل هذه القرية الغداء أو العشاء، فطلبا منهم الضيافة فامتنعوا وكانوا لئاماً، ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف:٧٧] أبوا ضيافتهما وإكرامهما، وهما نبيان مكرمان: نبي الله موسى وهو من أولي العزم، ونبي الله العبد الصالح الخضر.
فقام الخضر إلى جدار يريد أن ينقض، أي: يوشك أن ينهار، وإذا بـ الخضر يبني الجدار على الحائط بناءً جديداً.
قال أبو هريرة: هذه القرية كانت مدينة في الأندلس، وهي خلف الضفة الثانية الملاصقة للصخرة التي سميت بعد ذلك بجبل طارق، حيث دخل منها طارق بن زياد المغربي البربري فاتحاً قبل مولاه موسى بن نصير للأندلس.
قالوا: والذي أطعم الخضر وموسى وأضافهما امرأة مغربية من البربر، فدعا موسى والخضر على أهل هذه القرية، ودعوا لهذه المرأة بالبركة وفيضان البركة؛ لما تحلت به من الكرم والجود.
وذكر في التاريخ أن الأندلس اشتهرت قديماً وحديثاً، سواء في عصر الإسلام وقد عاشت ثمانية قرون، أو بعد ذلك وهي عائشة فيه منذ خمسمائة عام في الكفر والردة والنصرانية، فقد اشتهر الأندلسي واليوم الأسبان والبرتغال باللؤم والجوع والبخل، وهذا مما يؤكد أن المدينة كانت أندلسية.
ودعا الخضر وموسى للمرأة البربرية المغربية، وقد اشتهر المغرب قديماً وحديثاً وإلى الآن بالكرم والجود ومد الموائد، الفقير منهم والغني سواء.
قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] أي: أن ينهار ويسقط ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] أي: أتم بناءه، وإذا بموسى مرة ثالثة ينزعج ويقول: (لو شئت لاتخذت عليه أجراً)، يعني: هؤلاء اللئام الذين منعونا الضيافة ومنعونا الطعام والغداء والعشاء، فتأتي أنت فتبني لهم هذا الحائط ويكلفك وقتاً وزمناً، وتسعى في حجارته وفي طينه وفي ملاطه، وكل هذا دون أجر، وهم لا يستحقون ذلك مع لؤمهم وبخلهم؟! وإذا بـ الخضر يحكم على موسى تنفيذاً لحكمه على نفسه: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] أي: الآن سأخبرك بأسرار وبواطن وتأويل وشرح وبيان هذه القضايا الثلاث التي لم تستطع صبراً على واحدة منها.
قال النبي ﵊ هنا: (رحمنا الله وموسى، لو صبر على الخضر لأعطانا من علومه ومن عجائبه) ولكن موسى لم يصبر، وكان يمكن أن يصبر، لكن هي الحكمة الإلهية في المغزى، وكان يمكن أن تكون واحدة، لكن الله ثناها وثلثها لتكون الحجة والحكمة البالغة.
ومغزى القصة من الأصل: أن موسى عندما سئل: من أعلم منك؟ قال: لا أعلم، فقال الله له: بلى عبدنا الخضر، وعاتبه الله ولامه لِمَ لم يسند الأمر إليه ويقول: الله أعلم؟ فالله تعالى أراد أن يؤدبه تأديب الرب الخالق للمخلوق، والله يصنع ما يشاء مع عباده كيف شاء، فيأمر الله تعالى موسى رسول الله أن يسافر من المشرق إلى المغرب شهوراً وشهوراً، ويكابد تعباً ونصباً وجوعاً وعطشاً، ويكون تابعاً طالباً متتلمذاً متأدباً مع الخضر أدب الطلاب مع الأساتذة والمدرسين.
ومع ذلك لم يصبر لا على واحدة ولا اثنتين ولا ثلاث، ولكن عندما أخذ الخضر يؤول أعماله ويفسرها ويذكر باطنها وحقائقها، قبل موسى منه ذلك؛ لأن الله أمره بذلك، وهو الذي أشاد به الخضر أن الله ﷻ آتاه علماً من لدنه، ولا يسع العبد إلا أن يمتثل وينفذ أمر الله.
قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] أي: سأخبرك حقيقة الأمور الثلاثة التي استنكرتها واستغربتها.
стр. 97
تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر)
قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].
كان هناك ملك طاغية جبار متسلط ظالم، يتسلط على الناس ويصادر أموالهم، كما يأخذ الظلمة الأموال الآن باسم التأمين؛ فالكفر ليس بجديد، فأخذ الأموال من الناس من قبل الحكام والكبراء والملوك كان قديماً ولا يزال إلى وقتنا، فالشيوعية التي تصادر أموال الناس باسم التأمين، والاشتراكية التي تصادر أموال الناس باسم التأمين، والتي تذل العامل والفقير والفلاح والمسكين باسم أنها تريد خدمته، وهي تكذب عليه، هذا نفس الذي أراد الخضر أن يزيله، ويقطع الطريق على هذا الظالم المتسلط، وقيل اسمه هدد بن بدد.
قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف:٧٩] كان يملكها عشرة من الإخوة، خمسة كانوا مقعدين مرضى لا يستطيعون العمل، والخمسة الآخرون كانوا يعملون في السفينة فيستفيدون ويستفيد معهم إخوتهم المرضى، والخضر علم بعلم الله أن هذا البحر الذي فيه هذه السفينة قد تقع في يد ملك طاغية جبار يتعرض للسفن، وكان كلما رأى سفينة سليمة جديدة غصبها من أهلها.
والخضر نبي الله، والأنبياء يكونون رحمة للعباد ورحمة للمؤمنين، فأراد أن ينقذ السفينة من هذا الملك الطاغية، وينقذ هؤلاء المساكين بإنقاذ السفينة، فجاء إلى السفينة فخرقها وعابها كما قال هو: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩] فهي عندما تكون معيبة وفيها خرق وثقب، فيراها هذا الملك الغاصب اللص قاطع الطريق، فسيزهد فيها ويتركها؛ لأنها لا تصلح.
وقوله: (فأردت أن أعيبها وكان وراءهم) أي: وراءهم في البحر، (ملك يأخذ كل سفينة غصباً) أي: يأخذها غصباً وقهراً بغير حق، فبعمله هذا أنقذ السفينة وبقيت لهؤلاء المساكين.
وهنا نفهم أن وجود سفينة لأفراد لا يزيل عنهم صفة المسكنة، فالمسكين قد يجد طعاماً وشراباً وسكناً، ولكن ليس عنده ما يكفيه في سنته أو في شهره، وفي الشرع أن المسكين يأخذ من الزكاة ما يكتفي به سنة إن شاء.
стр. 98
تفسير قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين)
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١].
أي: علمه الله وأوحى إليه أن هذا الولد الوضيء الجميل الذكي ذا الملامح الأخاذة سيكون عند كبره وبلوغه عاقاً كافراً طاغيةً جباراً، وسيصيب أبويه المؤمنين الصالحين منه كل بلاء وكل ضرر وأذى.
وقد يغلب حبهما وعطفهما له بأن يجرهما إلى الكفر، فرحمة بهما واستراحة من هذا الكافر سلط الله الخضر لقتله وقطع دابره قبل أن يظهر كفره وطغيانه وفسوقه وعصيانه وعقوقه.
ثم قال: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الكهف:٨١] أي: يبدل الله هذين الأبوين عن هذا الكافر الذي قتلته وأرحتهما منه خيراً منه زكاةً وأقرب منه إيماناً وصلاحاً ونماءً.
وقوله: (وأقرب رحماً) أي: أقرب لصلة الأرحام وللطاعة والبر، وأبعد عن العقوق والكفر والطغيان.
قالوا: وقد عوض الله هذين المؤمنين بنتاً جاريةً فكبرت وبلغت المحيض وتزوجت صالحاً، وأخرج الله من صلبها جماعةً من الأنبياء، عصراً بعد عصر وزماناً بعد زمان.
وقال علماؤنا: ومن هنا يجعل الإنسان إرادته في إرادة الله، وهي معنى قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦]، فلا شك أن الأبوين عندما قتل ولدهما صاحا وبكيا وتألما وتوجعا، ولكن كان قتله خيراً لهما.
ولذلك عندما يبتلى الإنسان -نسأل الله السلامة والعافية لنا ولكم جميعاً- ينبغي أن يعلم أن الرضا بالقضاء والقدر أصل الإيمان، ومن تمام اليقين والتوحيد، فإذا وقع ما يكرهه الإنسان فليعلم أن الله تعالى ما سلبك إلا ليعطيك، وما أخذ منك إلا ليزيدك، فيتقبل الإنسان ذلك بالرضا وبالقناعة.
стр. 99
تفسير قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة)
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ [الكهف:٨٢].
قوله: (أراد ربك) تعم الثالثة والثانية والأولى، أي: فلست أنا المريد، ولست إلا آلة، ولست إلا مأموراً.
قوله: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:٨٢] هذان اليتيمان لم يبخلا، ولم يكونا يملكان من شيء؛ لأن أموالهما كانت تحت يد الوصي المشرف على أموالهما.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢] كان أبوهما مؤمناً تقياً، ومن هنا نعلم أن الأبوة الصالحة ترجع بركتها على الأولاد والأسباط والأحفاد والذرية إلى قرون.
قالوا: بأن هذا الأب كان السابع، وهذا ورد ولا أستطيع أن أقطع به، ولم يكن في القرآن مذكوراً، لكن الجد يسمى أباً إلى السابع والسبعين، ونحن نقول: أبونا آدم وهو الجد الأعلى، فيمكن أن يكون الأب السابع، ويمكن أن يكون الأب المباشر، ولكن الذي قال: إنه الأب السابع مجموعة من الصحابة والتابعين، وهذا لا يغير شيئاً من سياق القرآن ومن نظم الآيات، فإذا كانت بركة الأبوة الصالحة أفادت الذرية السابعة فما بالك بالأبوة الأولى والثانية والثالثة.
ومعنى ذلك: أن الله يكرم الصالح في أولاده وفي أحفاده وفي أسباطه، فكيف إذا كان هؤلاء الأولاد والأسباط والأحفاد أبناء لمحمد ﷺ ؟! ولا ينكر هذا إلا غشوم أو جحود أو في نفسه شيء، فإذا كانت الأبوة الصالحة المطلقة أفادت البطن السابع، فكيف بالأبوة النبوية الرسولية الخاتمة، الأبوة التي هي سيدة الأبوات منذ كانت الدنيا وإلى يوم القيامة.
ولذلك في الحديث المتواتر الذي نص على تواتره جماعة من العلماء كـ ابن تيمية وابن القيم والمزي وابن كثير والذهبي وطوائف من الحفاظ والأئمة أن النبي ﵊ يقول: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وعترتي آل بيتي، لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض) أي: لن تفترق السلالة عن القرآن حتى يردا على النبي ﷺ الحوض، (فانظروا كيف تخلفوني فيهما)، وهو في أمهات كتب السنة.
وقوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] هذا الكنز قال الأكثر: كان مالاً وعلماً، قالوا: كان لوحاً من ذهب مصمد، أي: غير مجوف، ومكتوب فيه حكم من الواجهتين، في إحدى الواجهتين: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك وما يشبه هذا من التسبيح والتحميد والتمجيد والتعظيم.
وكان في الوجه الثاني حكم أخرى في باب التوحيد.
لا شك أن أعظم الكنوز كنوز العلم، ثم كان مالاً؛ هذه القطعة من الذهب تسوى الكثير، ولرحمة الله تعالى بهذه الأبوة الصالحة رحم أسباطها وأحفادها، فأتى الخضر مع نبي الله موسى ليشرفا على إخراج هذا الكنز الذي كان تحت هذا الجدار ولا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه الغلامان الصغيران، لكن عندما وصل الخضر أصبحا مراهقين.
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ﴾ [الكهف:٨٢] أي: تحت الجدار، ﴿كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] جاء الخضر وجدد بناء الجدار، وأخذ الكنز ولم يره موسى، لأنه لو رآه موسى لما انتقد بما انتقد ولما عارض بما عارض، ولما قال له: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف:٧٧].
لكن كان تحته كنز فأخذه الخضر وأعطاهما إياه.
وقوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢] أي: أراد الله ولست أنا الذي أردت، فأنا لا علم لي إنما الله الذي علمني وهو الذي أمرني، وأراد ربك الرحمة بهذين المسكينين، فأمرني أن أصنع ما صنعت لهما؛ رحمة بهما؛ ليأخذا حقوقهما رحمةً من ربك.
وكان هذان الطفلان قد بلغا أشدهما في الوقت الذي جاء الخضر فيه إلى هذا الجدار فأقامه، فهو هدمه ثم أعاد بناءه إلى أن صار قائماً مستقيماً وأخذ الكنز، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف:٨٢] أي: يبلغا سن البلوغ، وأن يكونا عاقلين مدركين مع البلوغ.
وأن يحسنا التصرف في مالهما.
قال الخضر: (رحمة من ربك) أي: لم يكن ذلك إلا رحمة أرادها الله.
ثم قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] أي: ما فعلت ذلك من تلقاء نفسي.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢]، أي: هذا تأويل هذه القضايا الثلاث التي لم تستطع يا موسى أن تصبر عليها.
стр. 100
تفسير سورة الكهف [٨٣ - ٨٨]
ومن الأخبار التي ذكرها الله في سورة الكهف قصة الرجل الصالح ذي القرنين، الذي جاب شرق الأرض وغربها، ومكن الله له فيها بتهيئة الأسباب وإخضاع الرقاب لملكه وسلطانه.
стр. 101
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين)
قال الله ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣].
عرفنا أن سبب نزول سورة الكهف أن فئة من كفار مكة ذهبوا إلى يهود المدينة يسألونهم ليمتحنوا النبي ﷺ هل هو نبي حقاً أو أنه متقول؟ فقال له هؤلاء الكذبة الفجرة من يهود المدينة وهم لا يريدون امتحاناً ولا اختباراً وإنما يريدون التشهير والتعجيز: سلوا هذا الذي قال إنه نبي من بينكم: ما قصة الجماعة الذين خرجوا يوماً في الدهر فغابوا ولم يعودوا؟ ومن هو الرجل الذي طاف المشارق والمغارب؟ ومتى كان؟ واسألوه عن الروح ما هي؟ فجاءوا إلى النبي ﵊ يسألونه فقال لهم: (غداً أجيبكم)، فمضى الغد وبعد الغد إلى أن مكث عشرة أيام ولم يأته الوحي، وفي اليوم الخامس عشر جاءه جبريل يعاتبه عن ربه أنه لم يستثن ويعلق الجواب في الغد بمشيئة الله، ومع ذلك أجابه فأنزل سورة الكهف، وأنزل قبلها الجواب عن الروح وكان جواباً سلبياً: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، فالله استأثر بعلمها ولم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً.
وأما قصة الجماعة فهي قصة فتية أهل الكهف التي مضت مفصلة، واليوم سنذكر قصة هذا الذي طوف الأرض مشارقها ومغاربها، فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٣] أي: يا محمد! يسألك قومك عن ذي القرنين ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣] أي: سأجيبكم وأقص عليكم شيئاً من قصة هذا الرجل، وأذكر لكم خبراً يعرف به وماذا صنع، وهل كان مؤمناً أم كافراً؟ فقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف:٨٣] أي: أقص عليكم يا معاشر العرب! ويا معاشر المسلمين! ممن عاصروه ومن لم يعاصروه، أي: سأقص عليكم خبراً من أخباره ونبذة من حياته، وأخبرنا عنه بياناً وتفسيراً نبينا صلوات الله وسلامه عليه كما في في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من الكتب الستة عن طائفة من الصحابة: (أن النبي ﵊ أخبرنا عن ذي القرنين وأنه كان عبداً بشراً صالحاً)، ومع ذلك اختلف الناس فيه: أكان ملكاً؟ ف
الجواب
ليس هذا الخبر إلا من الإسرائيليات، وكثيراً ما تمتزج الإسرائيليات بقصص القرآن عند تفسيرها وبيانها، ونجد فيها الكثير من الخرافات والأكاذيب مروية عن جماعة أسلموا وأدخلوا في هذه القصص ما ليس من القرآن ولا من صحيح السنة، وكان على رأس هؤلاء كعب الأحبار.
стр. 102
نبذة مختصرة عن كعب الأحبار
وكعب الأحبار أدرك حياة رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين عاماً ولم يأت مسلماً، ولم يبحث عن اللقاء به، وما جاء إلا بعد أن استقرت الأحوال بالإسلام عقيدةً وديناً ودولة أيام عمر، أي: لم يأت أيام أبي بكر، وكانت الفتن قائمة وارتد من ارتد ومنع الزكاة من منعها وادعى النبوة من ادعاها، وإذا بـ أبي بكر يؤدب الخارجين ويجبر المرتد على العودة للإسلام، ويقتل مسيلمة الكذاب ثم يجمع المسلمين جميعاً فجندهم وجعلهم جيوشاً موزعة إلى أرض الروم وأرض فارس، فلم يكن لـ كعب أن يأتي في مثل هذه الظروف؛ لأنه قد يفصل فيها رأسه عن جسده، وجاء أيام عمر وأخذ يظهر الكثير من علمه ومعرفته وينقل عن التوراة وعن أهل الكتاب أخباراً، والتوراة معروفة، والإنجيل بنسخه الأربع معروفة متداولة بين الناس قديماً وحديثاً، غيرت وبدلت في العصور الأولى، وعندما نزل القرآن كان قد انتهى تبديلها وتغييرها على الشكل الذي نراه.
وإذا بنا نجد أن الكثير مما يعزو كعب إلى التوراة ليس فيها، ومما يعزوه إلى الإنجيل ليس فيه، ووجدنا أنه قد حصل الشك عند استشهاد عمر وقتله أن ذلك كان نتيجة مؤامرة، وقد قيل: قد كانت تحت إدارة كعب الأحبار الذي كان من أصل يهودي وكان حبراً من أحبارهم، وقد سأله يوماً العباس عم النبي ﵊: كيف يا كعب! في سنك ونضج عقلك لم تأت لرسول الله وهو حي فتكرم وتتشرف برؤيته والاجتماع به وتصبح ضمن أصحابه؟ ما الذي أخرك؟ فأجاب بما لا يقبل.
وقالت عائشة عنه يوماً: إنا لنبلو عنه الكذب، وقد أخذه عمر معه يوم فتح القدس وأبى بطارقة القدس أن يسلموا مفتاح المدينة إلا للخليفة الأعظم، فوجد عمر أنه لا مانع من حضوره بنفسه وجاء وعلم مكان الأقصى فمسحه ونظفه بردائه وتبعه جميع من معه من الصحابة والجند، وكان معه كعب فقال لـ كعب: أين ترى نصلى يا كعب؟! وكانت قد عرفت الصخرة فقال له كعب: نصلي خلف الصخرة ونجمع بين قبلة بني إسرائيل وقبلة المسلمين، وإذا بـ عمر يقول له: لقد ضاهيت اليهودية يا كعب! بل ندع الصخرة خلفنا ونستقبل الكعبة ما لنا ولصخرة اليهود، وقد سأله بذلك أيضاً معاوية بن أبي سفيان عندما كان خليفة على المسلمين بعد سنة أربعين هجرية واستشهاد علي كرم الله وجهه.
ويخبر الله عن ذي القرنين أنه أعطي من الأسباب والتمكين، فقال كعب: كان يصل بجنده وجيوشه ويربط خيوله في الثريا، وأين الثريا؟ وأين الأرض؟ فقال عمر عنه: إنا لنبلو عنه الكذب.
فكان عمر يتهمه بالكذب وبالاختلاق، وهكذا نجد الكثير ممن زعم الإسلام ممن كانوا من أصول كتابية وكان على رأسهم كعب ثم يأتي بعد ذلك ربيبه وابن زوجته نوف البكالي.
فـ ذو القرنين لم يكن ملكاً ولا نبياً، وإن كان ستأتي معنا آية يشير ظاهرها إلى أنه نبي، ولكن الجمهور والكثرة الكاثرة على أنه لم يكن نبياً ومن باب أولى لم يكن مَلَكاً، ولم يكن للمَلكِ أن يتصل بالبشر على هذه الطريقة فيحكموه ويطوف بين المشارق والمغارب وبين السدين، ولقد كان كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فيما رواه الضياء المقدسي في كتابه المختارة وهو من أصح الكتب، وقد صحح فيه أحاديث انفرد بتصحيحها، وسلم ذلك له من أئمة الحديث وحفاظه وعلمائه، قال عنه: لقد كان عبداً صالحاً ناصحاً لله فمكن له في الأرض.
إذاً: نحن نتكلم عن ذي القرنين الذي ملكه الله العالم من مشرق الشمس إلى مغربها وما بينهما، وأعطاه من كل ما يعطاه الملوك من الأسباب الموطدة لملكه والممكنة له في الحكم والسلطان والأمر والنهي والتصرف في رقاب هؤلاء البشر ملوكاً وأجناساً شعوباً وقبائل.
قال تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٨٣]، أي: قل يا محمد! طالما وقد سألتم فهذا هو الجواب، وسأتلو عليكم منه نبذة تعطي صورة عن حياته.
وأتى الله بقصته كعادة القرآن، أن الله يأتي بالقصص لأخذ العبرة والدرس منها، لا ليقص علينا قصصاً تكون للسمر وللسلوى والسهر، ولذلك قلما تذكر الأسماء والتاريخ والعشيرة والأقوام، والحكمة تؤخذ كاملة مما قصه الله علينا في كلامه عن ذي القرنين.
стр. 103
تفسير قوله تعالى: (إنا مكنا له في الأرض)
قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤].
فـ ذو القرنين هو عبد من عباد الله مكن الله له في الأرض وأعطاه سلطاناً ونفوذاً وحكماً، وأعطاه ما يحكم به بين المشارق والمغارب، قوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) أي: كل الأرض، والألف واللام للاستغراق، فقد حكم ذو القرنين ما بين شروق الشمس إلى غروبها وما بين شمالها إلى جنوبها، وعاش ألفاً وستمائة عام كما قال المفسرون من الصحابة والتابعين وأئمة الحديث.
فقوله: (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ) أي: أعطيناه من الأسباب، قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا) أي: آتيناه من كل ما يحتاج إليه لملكه وحكمه وسلطانه، وأعطيناه من العلوم والوسائل التي يتنقل بها بين المشارق والمغارب من جند ووزراء وأعوان ونصراء وآلات سفر وتنقل، ومن كل ما يحتاج إليه من قهر أعدائه والمخالفين له والمعارضين لسلطانه، وقد روي -ولا أستبعده- أنه سخر له السحاب كما سخر السحاب لسليمان ﵇، ومن المعلوم أن سليمان سأل الله أن يهبه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، لكن ذا القرنين كان قبل سليمان، فقد عاصر ذو القرنين إبراهيم الخليل عليه سلام الله وطاف معه بالكعبة، وكان من وزرائه الخضر.
فلقد مكن لـ ذي القرنين تمكيناً وكان أيام إبراهيم وسخر له السحاب فكان يتنقل بين مشارق الأرض ومغاربها ممكناً له بالأسباب والجند والقوة والجيوش وآلات الحرب والحكم والمال والثروة التي بها أخضع العالم لسلطانه ولأوامره ونواهيه، وكان موحداً لله مسلماً صالحاً.
فقوله: (إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً) أي: آتيناه من كل ما يصلح للملوك والحكام من آلات وعلم ومعرفة وأداة كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير والصحابة والتابعون.
قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٥] أي: اتبع ما أعطاه الله من أسباب في معرفة الطرق الموصلة إلى المغرب والمشرق ثم إلى ما بين السدين، قوله: (سبباً) أي: طريقاً ومسالك، فقد كان يعلم ذلك علم يقين، وله أعوان من علماء الأرض وجغرافيتها ومسالكها سواء بين الجبال أو الوهاد أو البحار، وهكذا أعطي سبب كل ما يمكنه في الأرض من التحكم فيها وإخضاع ملوك الأرض وشعوبها لسلطانه.
стр. 104
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا بلغ مغرب الشمس)
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف:٨٦].
أي: استخدم الأسباب ووسائل المواصلات والسير إلى الطرق إلى أن بلغ مغرب الشمس، وهي آخر رقعة من الأرض حيث ليس وراءها إلا الماء.
قال تعالى: (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) وقرئ: حامية، أي: وجد الشمس تغرب في مرأى العين في عين فيه ماء حام، أي: حار، وقوله: (حمئة) أي: من ماء وطين أسود فيما تراه العين، وقد قال علماؤنا في تفسير هذه الفقرة من الآية الكريمة: كل إنسان إذا وقف على شاطئ البحر عند غروب الشمس يرى قرصها وكأنه في عين حمئة، أي: في ماء من تراب أسود إلى أن تغيب فلا يعود يراها، ذلك وصف نظر العين إليها، وإلا فالشمس فوق السماء وليست من الأرض، فهي تغيب وتحضر وتشرق على الأفلاك كما تشرق على الأرض.
قال تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف:٨٦] أي: وجد عند غروب الشمس قوماً، وقد وصفهم بعض الصحابة أنهم قوم حمر قصار، وهذه صفة الهنود الحمر من سكان أمريكا، ومعنى ذلك: أن ذا القرنين حكم أقصى غرب الأرض وهي أمريكا، وحكم قومها الذين سموا بعد ذلك بالهنود الحمر، فسكانها الأصليون كانوا قصاراً حمراً يعيشون في أقصى الأرض عند مغرب الشمس، وما المغرب الأقصى المسلم وأوروبا إلا طريق إليها، وكان اكتشافها على أيدي من سموا في التاريخ العربي بالشباب المغرورين قبل خمسمائة عام، فهم الذين دلوا عليها واكتشفوها قبل كولومبس بدهر وإنما اتبع طريقتهم.
فهؤلاء القوم في صفتهم كما ورد عن الصحابة والتابعين ومفسري هذه الآية الكريمة: أنهم قوم حمر قصار، وهي صفة لسكان أمريكا الأصليين الهنود، وإنما جاء هؤلاء البيض طارئين عليهم مستعمرين أرضهم، جاءوا أوزاعاً وأشتاتاً من مختلف أقطار الأرض.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] وبهذه الآية قال من قال عن ذي القرنين: إنه نبي من عند الله، إذ يقول الله: (قلنا يا ذا القرنين) فكأنه وحي، ولكن علماءنا أحصوا الأنبياء المذكورين في القرآن، فوجدوهم لا يتجاوزون الخمسة والعشرين فيمن ذكروا بأسمائهم فلم يكن ذو القرنين ممن سمي، وقالوا: هذا من باب الإلهام وليس من باب الوحي، وهذا رأي الأكثرين، ولو وجدنا من قال سوى ذلك من الجمهور أو الإجماع لقلنا بقولهم، بأن الآية تدل دلالة قوية على نبوته، ولكن مع قوتها اعتبروا هذا القول ليس إيحاء وإنما هو إلهام.
فهؤلاء القوم وجدهم ذو القرنين قوماً كافرين لا يؤمنون بالله ولا يعرفونه ولم تصلهم رسالة، وانتقلوا في مختلف بقاع الأرض بعد طوفان نوح الذي أغرق الجميع، وما أفلت إلا أقوام معدودون بالأصابع، فكان هؤلاء القوم مشركين كافرين بالله، فأطلق الله تعالى يد عبده الصالح ذي القرنين في هؤلاء، فقال له إلهاماً: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أي: إما أن تعاقبهم على كفرهم وعلى شركهم، وإما أن تحسن إليهم وتكرمهم حسب ما تراه من أحوالهم.
وإذا بـ ذي القرنين يجيب جواب المؤمن الصالح التقي، كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٨٧] وهذا الجواب منه كذلك إلهاماً.
قوله: (أما من ظلم) الظلم هنا الكفر، أي: أما من وجدته كافراً مشركاً بربه فإني سأعذبه، والعذاب مطلق، قد يكون بالقتل وقد يكون بالتعذيب حتى الموت وبما شاء من عذاب.
قال: (ثم يرد إلى ربه) معنى ذلك أن الرجل الصالح ذا القرنين يؤمن بالبعثة بعد الموت وباليوم الآخر شأن جميع المؤمنين الموحدين.
قال: (ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نكراً) أي: ثم يرد هذا الظالم المشرك بعد تعذيبي له في الدنيا على كفره وشركه إلى ربه، أي: سيموت ثم يبعث يوم القيامة وسيكون عذابه على يد ربه عذاباً نكراً أي: موجعاً شديداً تستنكره نفسه ويجد عذاب الدنيا ليس عذاباً بالنسبة له، بل سيجده رحمة ونعيماً.
وهكذا شأن الكافرين بالله عموماً، يعذبون في الدنيا حسب ما أمرت به الشرائع، ثم إذا ماتوا على الكفر والشرك ولم يفد فيهم تأديب ولا تعذيب ولا عقاب، عذبوا يوم القيامة عذاباً موجعاً مؤلماً بما لم يكن يخطر لهم ببال.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٨].
أي: أما من آمن بالله واحداً، وآمن بالرسالات إلى الأنبياء، فهذا سيكون جزاؤه أي: مكافأته (الحسنى) والحسنى: الجنة، سيكون له من ربه الرضا ودخول الجنان والخلود فيها جزاء إيمانه وعمله الصالح، والإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ولا يتم للإنسان أن يوصف بالمؤمن حقاً إلا إذا اعتقد قلبه اعتقاداً يقينياً بوحدانية الله، وبصدق رسله، وبما أنزله عليهم من كتبه، ثم بعد ذلك يصدق الاعتقاد والجنان بقول لسانه، بحيث يقول: أشهد أن لا إله إلا الله ويشهد لرسوله، كل حسب من كان في عصره من الرسل، أما بعد البعثة المحمدية فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يعمل الصالحات وفي الدرجة الأولى الأركان التي بعد الشهادتين: الصلاة ثم الصيام ثم الحج ثم الزكاة، وبصفة عامة أن يترك الشرك كلياً، وأن يعمل من الخير ما يقدر عليه.
وضابط ذلك ما قاله النبي ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فلا زنا، ولا سرقة، ولا نميمة، ولا ربا، ولا رشوة، ولا سحت، ولا غير ذلك من أنواع الكبائر والمحرمات، يتركها المسلم البتة دون اختيار واحدة على واحدة.
أما عمل الصالحات فالقدرة العملية لها حد وطاقة، فمن عجز عن الحج سقط عنه، وقد يكون له بدل، وقد يعجز حتى عن البدل، وأمرنا الله بالصيام، فوجد منا المريض والحائض والنفساء والمسافر، فيسقط حال ذلك الصيام ويعوض، وأمرنا الله بالصلاة مستقبلين الكعبة طاهرين متوضئين بالماء، فمن عجز عن الماء أو فقده أو جهل الكعبة أو ما استطاع أن يصلي قائماً صلى قاعداً فإن لم يستطع فعلى جنب، وينتقل من الماء إلى الصعيد الطاهر، وهكذا في الأفعال والأمر بها: (فأتوا منها ما استطعتم).
قال تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٨] يؤكد إيمانه بأن يعمل الصالحات من عبادة لربه، والإخلاص له، والإحسان إلى عباد الله المؤمنين.
قال تعالى: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف:٨٨] (جزاءً) منصوب على أنه مفعول مطلق، أي: جزاؤه الجزاء، ومكافأته المكافأة الحسنى، والحسنى: الجنة.
قال تعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٨] أي: من يدخل تحت إمكاننا وقدرتنا فنحن نقول له القول اللين والكلام الميسر، ونحسن إليه بمالنا ولساننا وبما نستطيع، ونعينه في أمرنا وسلطاننا وأحكامنا كل حسب مقدرته وعلمه وطاقته.
стр. 105
تفسير سورة الكهف [٨٩ - ٩٨]
وفي رحلة ذي القرنين وصل إلى مشرق الشمس حيث العراة الذين ليس لهم من دون الشمس ستر، وقد سألوه أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج ستراً، ففعل ذلك بما مكنه الله من الأسباب.
стр. 106
تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٩].
لا نزال مع ذي القرنين، إذ قطع مكانه الذي كان فيه إلى مغرب الشمس، وأعاد للدين قواعد، ولا شك أنه ترك حكاماً ومعلمين يعلمون الناس التوحيد، وينشرون الإسلام كما نشره، ووضع بينهم من يعدل بينهم، ويفصل خصوماتهم، ويحول دون ظلم البعض للبعض، ثم ترك المغرب وهو الآن في طريقه إلى المشرق، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: ثم أخذ طريقه مرة أخرى واتخذ الأسباب للسفر والتنقل في الأرض والضرب في أرجائها، وهكذا اتخذ الآلة والمراكب البرية والبحرية، وربما الجوية كما حكى علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة والتابعين: أنه سخر له السحاب؛ فقد سئل عنه علي فقال: ذاك عبد صالح ناصح لربه، فنصحه ربه وأكرمه، فسخر له السحاب وأعطى له الأسباب، ومكنه من كل ما يحتاجه حاكم على الأرض.
قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف:٩٠] أي: أقصى بلاد الصين حيث لا يعرف بعدها عمار ولا سكنى ولا شعوب من البشر، وصل هناك فوجد عند مطلع الشمس قوماً لم يجعل لهم ربهم من دون الشمس ستراً، فأرضهم لا تقبل بناء وليس فيها شجر ولا نبات، إذ تطلع الشمس في الساعة التي تطلع فهم معرضون لها ولحرها وبلائها، لا كهوف، ولا مغارات، ولا شجر، ولا أرض تقبل البناء، إذ الأرض تهتز وتتنقل فما بنوه يسقط، والشجر لا ينبت، وإنما يعيشون على ما يصطادونه من حيوان البحر وغيره.
فقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] أي: لا ستر لهم دون الشمس، وهم معرضون لها عراة لا لباس يسترهم إذ لا غنم ولا صوف ولا وبر ولا زرع يأخذون منه قطناً، وإنما يعيشون على الماء وسمك البحر، فهؤلاء عندما يبدأ حر الشمس يدخلون المياه ويبقون فيها إلى أن تميل الشمس إلى الغروب، فيخرجون من الماء.
وقد قال البعض: إنهم يحفرون أخاديد فيجلسون فيها، ولكنها أيضاً لا تمسك قد تنهار عليهم يميناً وشمالاً، فيجدون أنفسهم قد حفروا لها مقابر، ولذلك أصح ما قالوه: أنهم يتبردون من حرها ومن سمومها بالماء.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلما في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] فكان نفس
الجواب
﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٧ - ٨٨] فقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الكهف:٩١] أي: مثلما حدث مع قوم مغرب الشمس دعاهم إلى الله، وأحسن إلى المحسن، وأساء إلى المسيء، فقتل الكافر المعاند الظالم، وعذب المعارض، وأما من قبل الإيمان والتوحيد فإنه أحسن إليه ووجد منه كلمة طيبة وليناً ولطفاً وإحساناً، وهذا معنى قوله تعالى: (كذلك).
أي: كما صنعنا معه عندما وصل إلى مغرب الشمس كذلك، وصل إلى مطلع الشمس وخيرناه بأن يصنع معهم ما شاء إما أن يعذب وإما أن يتخذ فيهم حسناً، فكان جوابه: أن يحسن إلى المحسن ويعذب العاصي والمسيء.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١] أي: نحن محيطون بعمله وبقوله فما من شاذة ولا فاذة إلا والله يعلمها، ولا يخفى عليه خافية ﷻ ، فكان بعين الله عمله وبعين الله تعذيبه للظالمين الكافرين، وبعين الله إحسانه إلى المحسنين المؤمنين المصلحين، والله قد أحاط به علماً وأحاط به خبراً ﷻ ، وهو المحيط بـ ذي القرنين وبغير ذي القرنين.
وسبب تسميته بـ ذي القرنين أنه كان له قرنان أو ما يشبه القرنين وهذا قول.
وقيل: لأنه بلغ قرن الشمس طلوعاً وبلغ قرن الشمس غروباً وهذا الأقرب.
وقال البعض: لأنه حكم فارس والروم ومعلوم أن فارس والروم لا تتعدى ولايتين من ولايات دولته وحكومته، فقد كان الإسلام قروناً وفارس والروم ولايتان من ولاياته، أما ذو القرنين فحكم العالم كله بما فيها أمريكا.
стр. 107
تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٩].
أي: ثم أخذ طريقاً، فهو لا يزال يقطع الأرض والبحار والجبال والفيافي وأعطاه الله الأسباب من الجند والمال والقوة السيادة والعز ليستطيع التصرف في ذلك تمكيناً له في الأرض مشرقاً ومغرباً وما بينهما، فهو يتنقل بأسبابها علماً بالطرق والمنازل والحكم، وإرشاداً لهذا وعقوبة لهذا والإحسان إلى المحسن والإساءة إلى المسيء.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٣] أي: وصل بين إقليم وإقليم وبينهما ممر سحيق قد يكون ودياناً وقد يكون كهوفاً وقد يكون بحاراً، وعلى كل كان هذا بناحية وهذا بناحية.
قال: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾ أي: من دون هذا الإقليم ومن دون هذا الإقليم، وجد ﴿قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: فيهم صفات الحيوانية من الجهل وعدم العلم والمعرفة فلا يكادون يفقهون قولاً من أحد، ومن قال: إنهم لا يفهمون اللغة فهذا ليس بصحيح، فإن الأمم التي تنقل فيها ذو القرنين كان لكل منهم لغته ونظامه لا تشبه هذه هذه إلا قلة قليلة لا تكاد تتجاوز الأصابع ممن تكلفت ذلك وتعلمته، ولا يقال: إن تلك اللغة انتشرت بين جميع شعوب الأرض، وقد قيل: إن ذا القرنين مما أعطي له من الأسباب أنه كان يتقن مخاطبة كل أمة بلغتها، فقد كان ذلك من الأسباب التي أكرمه الله بها، ومن الوسائل التي مكنه الله منها في الأرض.
قوله: (لا يكادون) يكاد: من أفعال المقاربة، أي: أنهم يفهمون قليلاً ويدركون قليلاً، ومن الإدراك الذي أدركوه أن هذا الذي وصل بلدهم بجيوشه وسلطانه وقوته قد أعطاه الله الأسباب على ذلك، وإذا بهم ينتهزون فرصة وجود ذي القرنين ويأتونه قائلين: يا ذا القرنين!
стр. 108
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض)
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤].
وقرئ: (سُداً)، جاءوا إلى ذي القرنين وقالوا: يا ذا القرنين وأخذوا يرجونه ويتأدبون معه أدب الرعية للرؤساء والملوك والقادة، فقالوا: (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) أي: عطاء وأجرةً ومالاً (عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) أي: أن تجعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج فاصلاً وحاجزاً؛ لأن يأجوج ومأجوج شعب مفسد في الأرض، فقد كانوا من الظلم والجور يأكلون الإنسان، ويأكلون كل ما وصل إلى أيديهم من أنواع الحيوانات والمواشي والدواب، وكانوا عراة يتسافدون في الشوارع تسافد الكلاب والحيوانات، إذ كانوا لا يعيشون على نظام ولا خلق ولا دين، وكانوا يأتون المياه فيغورونها ويميتون أهلها عطشاً، وإذا وجدوا أرضاً مزروعة أفسدوها وقتلوا الماشية ولم يتركوا لهم شيئاً، فقد كانوا أشبه بالتتار الذين أفسدوا يوماً في بلاد العرب والمسلمين إلى أن وصلوا حدود مصر ثم دمرهم الله وقضى عليهم.
ويأجوج ومأجوج ورد ذكرهم على لسان رسول الله ﷺ ، وأنهم قوم مفسدون في الأرض، وقد جعل عليهم سداً وحال بينهم وبين الانتشار في الأرض ذو القرنين، استجابةً لهؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، ولكنهم سيخرجون إلى الدنيا عند زوال هذا السد، فيخرجون إلى الأرض وينتشرون، وخروجهم من العلامات الكبرى التي ستأتي بعد المهدي، فـ المهدي أولاً، ثم الدجال ثانياً، ثم عيسى ابن مريم ﵇ ثالثاً، ثم يأجوج ومأجوج رابعاً، فيخرج يأجوج ومأجوج وعيسى في الأرض قد نزل من السماء ودان بدين الإسلام، وحج بحج المسلمين، وكسر الصليب، وقتل الخنزير، وهدم الكنائس، وألغى الجزية ولم يعد يقبل من أحد إلا الإسلام أو السيف، ودين عيسى إذ ذاك دين نبينا ﵊، فهي أوامر لعيسى من النبي ﵊، فعندما ينزل إلى الأرض يطلع عليها ويبلغها ويقوم بتنفيذها تنفيذاً لأمر نبيه محمد ﵊ الذي هو آخر الأنبياء ولا نبي بعده أبداً، فقد قال ﵊: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي).
وأخبرنا ﵊: (أن عيسى سينزل في آخر الزمان فيحج على غير القلص) والقلص جمع قلوص، والقلوص: الراحلة، أي: الجمل أو الناقة، وفي قوله: إنه سيحج على غير القلص إشارة للطائرات، فسيحج في الطائرات كما نحج نحن عليها اليوم، وقد تكون طائرات من نوع جديد، فنحن نرى كل يوم اختراعاً جديداً وشكلاً جديداً بحيث ما مضى عليه عشر سنوات أصبح كالدواب والمواشي بالنسبة لطائرات هذه الأيام، ويعد أيضاً من أنواع الطائرات الآن ما لا يكاد أن يتصورها أحد، وقد سبقت الإشارة لهذا في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
قال حبر القرآن عبد الله بن عباس ﵄: إن معنى قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] ظهور أنواع المراكب في الأرض حتى كان ذلك من جنسها، قال هذا ابن عباس منذ ألف وأربعمائة عام، وفي هذا النصف من القرن العشرين أصبحنا نستطيع أن نقول كما قال ابن عباس: والخيل والبغال والحمير والسيارة والقطار والباخرة والصاروخ، وأيضاً لا نزال نقرأ قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] وهذا من معجزات القرآن الدالة على تصديق نبينا محمد ﵊.
ومن هنا كان القرآن المعجزة الخالدة الدائمة المستمرة، فقد آمنا بالمعجزات التي ظهرت لنبينا حال حياته ﵊ إيمان تصديق، ونحن نؤمن اليوم بالقرآن ومعجزته معنىً ولفظاً، ونؤمن إيمان شهود وإيمان حضور وكل يوم نعيش في معجزة، فالصحابة الذين آمنوا بالمعجزات التي شاهدوها آمنوا بما سيأتي إيمان تصديق، كما آمنا نحن بالمعجزات التي كانت في عصرهم إيمان تصديق، ثم نؤمن بالقرآن الكريم إيمان شهود وحضور.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج﴾ [الكهف:٩٤] وقرئ: (ياجوج وماجوج) ﴿مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] أي: هل نؤجرك ونكافئك؟ ونعطيك مالاً، على أن تفعل بيننا وبين يأجوج ومأجوج سوراً، فلا يدخلون أرضنا ولا ندخل أرضهم عسى أن نستريح من إفسادهم وقتلهم وسفكهم الدم الحرام وأكلهم لحوم البشر.
ولم يمكن الله ذا القرنين في الأرض إلا للإصلاح ونشر الدين والعدل وعقاب الظالم ورفع الظلم عن المظلوم، فأجابهم ذو القرنين: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ [الكهف:٩٥] أي: ذلك الذي مكنني، قرئ: (مكنني ومكني).
فقوله: (مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) بمعنى: ما أنا فيه من التمكين في الأرض ومن الأسباب التي أكرمني الله بها، وما ملكني الله من الحكم بين البشر وخضوع الملوك والأمراء والحكام وجميع شعوب الأرض لحكمي، هو خير من خرجكم ومن مالكم وأجرتكم، فدعوا الخرج عندكم تفرحون به أنتم لا أنا، كما قال سليمان عندما أرسلت له ملكة سبأ الهدية لتنظر رده فكان
الجواب
﴿ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦]، أي: أنتم الذين تفرحون بهذا المال، أما أنا فأملك من السلطان والجاه والمال ما ليس عند أحد في الأرض.
قوله: (خير) أي: أخير من أفعل، أي: أكمل وأحسن تمكيناً وقدرة.
ثم قال: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف:٩٥] أي: لا تعطوني مالاً ولكن أعطوني قوة منكم، تعاونوا معي بأجسامكم وبالأدوات التي أطلبها من حديد ونحاس وأخشاب وأحجار وبنائين، قوله: (بقوة) أي: فليكن هذا منكم بعزم وصلابة وإرادة وبكل ما أطلبه منكم ولا حاجة للخرج.
ثم قال ذو القرنين: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف:٩٦]، والزبر: جمع زبرة، أي: آتوني بقطع الحديد، وقيل: كانت القطعة وزنها قنطاراً اتخذها كما يتخذ الآجر والحجارة في البناء، فجاءوه بما طلب من قطع الحديد، بمعنى: صبت وقطعت، وهذا يدل على أنه كان عند ذي القرنين من المصنع والآلات ما أذاب به الحديد وقطعه قطعاً متوازية متوازنة على وزن واحد ومقاس واحد، وبعد أن جمعوا الحديد -إما أخرجه من الأرض أو أخرج ما كان موجوداً- أذابه وصنعه وجعله قطعاً.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا﴾ [الكهف:٩٦]، فالسدان في الوادي بين جبل يسار وجبل يمين، وذو القرنين ومن معه في الوسط، وفي جانبه يأجوج ومأجوج، وفي الجانب الآخر هؤلاء الذين لا يكادون يفقهون قولاً، فقال لهم: اربطوا هذا الجبل بهذا الجبل وأبعدوا هؤلاء عنكم واجعلوا بينكم وبينهم ردماً، فردم هذه الفئة وبنى فيها سوراً بعلو هذه الجبال، فجاءوا بالحديد وبنوا الأساس، فكانوا يجعلون الحديد ثم فوقه الخشب، ثم فوقه الحديد ثم فوقه الخشب، ثم فوقه الفحم ثم فوقه الحديد، وهكذا طبقة من حديد وطبقة من خشب وطبقة من فحم إلى أن أصعده وواصل بين هذه الفئة من الجبل وهذه الفئة من الجبل حتى ساوى بين الجبلين واستوى هذا السد الذي أعلاه حتى أصبح في مستوى الجهتين، ثم قال: ﴿انفُخُوا﴾ [الكهف:٩٦] أي: أشعل النار، فاشتعلت النار في الفحم واشتعل الخشب فإذا بالزبر تشتعل، فصار هناك فراغ حين احترق الفحم والخشب واحتاج الأمر إلى شيء آخر يعود به ما احترق، فقوله: (حتى إذا جعله ناراً) أي: جعل السد كله قطعة نار مشتعلة فيه، (قال آتوني أفرغ عليه قطراً) والقطر: النحاس المذاب، فقد أعد النحاس وأذابه كما يذاب الثلج، ثم أخذ يقول لهم: أعينوني بقوتكم وأبدانكم، فأخذ يصب هذا النحاس المذاب على السد فامتلأ المكان الذي كان فيه الفحم والخشب بالنحاس، إذ كان من فوق ومن خلف إلى أن ملأه يميناً وشمالاً، وهكذا إلى أن أصبح السد قطعة واحدة من فولاذ اختلط بها النحاس وهذا لا يكاد يؤثر فيه إلا بإرادة الله.
قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧].
أي: أصبح وقطعة واحدة ملساء كالبلور، فلم يستطيعوا أن يصعدوا على الحائط ويصلوا للعلو؛ لأن التراب أصبح أملس ولا يستطيع إنسان أن يمسه بيده فضلاً عن رجله، فقوله: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي: أن يصعدوا ظهره، ويتمسكوا بجوانبه.
قال تعالى: (وما استطاعوا له نقباً) أي: ما استطاعوا خرقه لا من تحت ولا من الوسط ولا من فوق، وهكذا فإن حضارة اليوم التي يدندنون حولها لم تصل إلى هذا قط، ولم نقرأ في تاريخنا الحاضر في الآثار سوى سد ذي القرنين، فإن حصون بابل من أيام النمرود عاشت قروناً ولكنها أصبحت خراباً ولم يؤثر فيها الحديد، فأبقوا من هذه الحصون جزءاً كمتحف وأثر من آثار الأولين.
стр. 109
تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي)
قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف:٩٨].
يقول ذو القرنين وقد نفعهم بنشر الإسلام بينهم، وبزوال الظلم عنهم، ونفعهم بإبعاد هاتين الأمتين الظالمتين المفسدتين يأجوج ومأجوج، وحال بينهما وبين الوصول إلى هؤلاء وغيرهم من أهل الأرض، (قال هذا) أي: هذا الصنع الذي صنعه وبناه وكأنه قطعة من فولاذ مختلط بالنحاس المذاب (رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي) أي: نعمة رحم بها المظلومين والعاجزين، ورحم بها المستضعفين، فهي رحمة لمن عاصر ذلك، ورحمة لمن يأتي بعدهم من سلالاتهم الذين طالما عذبوا الآباء والأجداد بظلم يأجوج ومأجوج، وسفك دمائهم، وأخذ أموالهم، وانتهاك أعراضهم، وأكل لحوم صبيانهم وشبابهم.
ويصح أن يكون هذا من قول الله ويصح أن يكون من قول ذي القرنين وإن كان السياق في كونه من كلام الله أبلغ؛ لأنه خبر عن المستقبل ولا يعلم المستقبل والغيب إلا الله.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨] هذا الآن على شدته وصلابته إذا جاء وعد ربي جعله دكاء، أي: أصبح مستوياً مع الأرض، أو أصبح هو والأرض في مستوىً واحد، ووعد ربي لا بد كائن، والمقصود بقوله: (وعد ربي) هو ما قاله النبي ﵊: إن عيسى سينتصر على الدجال ويذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء، ويتم الأمر لعيسى وتصبح الدنيا في أيامه آمنة، فيزول العداء بين البشر وبين الحيوان، بحيث يتآخى الذئب مع الشاة، والحية تتآخى مع الفئران، والوحوش الضارية تتآخى مع الوحوش غير الضارية، ويصبح الناس في مستوى واحد من الغنى.
هذا ما أخبر عنه رسول الله ﵊ تفسيراً لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣].
آية تكررت ثلاث مرات في سور: التوبة والفتح والصف، وقد فسرها رسول الله ﵊ كما روى ذلك أبو عبد الله الحاكم وأحمد في المسند وأصحاب السنن وغيرهم عن جماعة من الصحابة ﵃، أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ النجم، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ الليل، والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ كل شجر وحجر ومدر).
وكان من عادة رسول الله ﷺ إذا قال الكلمة أعادها ثلاثاً، وليست هذه ألفاظ الرواة ولكنها ألفاظ رسول الله ﵊، فيقسم بالله الذي نفس محمد بيده ونفوس كل الخلق أن الدنيا لا تنتهي حتى يصبح كل ما يظهر فيه الليل أو يصعد فيه النجم مسلماً، والنجم يطلع على جميع الأرض في جميع الكرة الأرضية، والليل يكون في جميع الكرة الأرضية، وما من بيت إلا وهو حجر ومدر، هم سكان الأرض الحاضرة، وأصحاب القرى البدوية، والبدو الرحل، ومعناه: جميع سكان الأرض من ذوي الحضارة ومن البدو الرحل، يقول ﵊ مبيناً: (بعز عزيز أو بذل ذليل) إما أن يعزهم فيصبحون من أهله -أي: من أهل الإسلام- كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨] وإما أن يذلهم فيؤدوا الجزية له عن يد وهم صاغرون، وهذا يكون أيام المهدي، ويتجدد أيام عيسى، وبعد عيسى ينزل يأجوج ومأجوج فيفسدون في الأرض، فيدعو عيسى ربه بأن يهلكهم، فيصيب كل رجل منهم نغف في ظهره أو في عنقه، فيهلكون جميعاً نتيجة دعوة عيسى ربه سبحانه، فتجيف الأرض وتنجس من جيفهم وأرواحهم، فيدعو الله ليريحهم من ذلك، فيرسل الله طيراً على شكل أعناق الإبل، فيأخذونهم ويطيرون بهم إلى حيث لا يرونهم، وتنزل أمطار تنظف الأرض وتغسلها وكأنهم لم يكونوا.
стр. 110
تفسير سورة الكهف [٩٨ - ١٠٢]
إذا جاء وعد الله تعالى فإنه يصير السد الذي بناه ذو القرنين دكاً، ثم يموج يأجوج ومأجوج في الناس ويعيثون الفساد، وحينئذٍ تكون الساعة قد آن أوانها فليس لأحد من دون الله ولي.
следующие страницы →