← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تفسير قوله تعالى: (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤]. ذلك كل ما تعلق بـ مريم منذ ابتعادها عن أهلها في مكان قصي، ومنذ حملها لعيسى وولادتها له إلى أن جاءت به تحمله، فتكلم الصبي في المهد وقال عنها قومها ما قالوا. فذلك حال عيسى ابن مريم ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤] لا كما قال اليهود لعنهم الله: إنه من سفاح، ولا كما قال النصارى لعنهم الله: إنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، فكل ذلك كذب وفجور. فقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤] قول الحق: مفعول مطلق، أي: ذلك القول مما قاله الله وقرره وبينه، فعيسى نبي رسول من الخمسة أولي العزم، وذلك بيان ما كانوا يمترون فيه ويتشككون ويرتابون، وليسوا على يقين مما يزعمون ويرتابون. فعيسى الذي يتشككون في حقيقته وهويته وإنسانيته وعبوديته لله ليس إلا عبداً لله، ولد كما يولدون، وسيموت كما يموتون، ويبعث كما يبعثون، ذلك الحق الذي يزيل الريب والشك من أنفس هؤلاء وكل الأحزاب.

стр. 142

تفسير سورة مريم [٣٥ - ٤٠] كذب الله النصارى وغيرهم في زعم الولد لله تعالى، ونزه نفسه عن ذلك، وذكر أنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون. ثم ذكر اختلاف النصارى واقترافهم من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم، ثم هدد وتوعد الذين كفروا وظلموا من مشهد يوم عظيم.

стр. 143

تفسير قوله تعالى: (ما كان لله أن يتخذ من ولد) قال الله ﷻ : ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٥ - ٣٦]. بعد أن علمنا الله ﷻ وقص علينا قصة زكريا وقصة ولده يحيى، وقصة خلق عيسى من غير أب، ختم الله ذلك بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم:٣٥] أي: لا يليق بجلاله ولا يليق بحق ألوهيته ولا بصفاته أن يكون الرب أباً كالمخلوقات. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [مريم:٣٥] فالله ينزه نفسه ﷻ عن أن يشبه خلقه في ولد أو ولادة أو في شيء مما يتعلق بالمخلوق، فالله هو الخالق والرازق والذي أكسب هؤلاء قوة ليكون لهم أولاد وصواحب، وأما هو ﷻ فهو منزه عن ذلك ومعظم عنه فلا يليق به ولا بألوهيته، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. قال تعالى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [مريم:٣٥] أي: إذا سبق في علمه وقضائه وإرادته أن يكون له أمر كأن يخلق شيئاً، فهو لا يحتاج لصاحبة ولا ولد، وإنما يقول للشيء: كن فيكون، فالله لا يريد ولداً ولا يليق بجلاله أن يكون له ولد من حمل أو من غير حمل. فعيسى ﵇ كان من نفخة الروح، فحملته أمه تسعة أشهر ثمَّ ولدته كما يلد النساء حملاً ووحماً وعذاباً ومخاضاً وولادة، والله ﷻ لا يحتاج لذلك ولا يليق به أن يكون له ولد، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم:٣٥] أي: إذا تعلقت إرادته وقدرته بالشيء، فيكفي أن يقول له: كن فيكون، فكما خلق آدم من تراب وحواء من ضلع آدم، وخلق السماوات العلا والأرضين السفلى وما بينهما، فلم يحتج إلا إلى قوله: كن فكان ذلك، ولا يزال الخلق مستمراً، ولا يزال الله وسيبقى الخالق المدبر الرازق المعطي المانع المحيي المميت، فكل ما يريده ﷻ لا يحتاج منه إلى أكثر من قوله له: كن فيكون. يقول عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦]، وقرئ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم:٣٦] عطف على قول عيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم:٣١] أي: وأوصاني بأن اتخذ الله رباً؛ لأن الخلق جميعاً مربوبون فما خلقنا إلا لعبادته، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. فعيسى عندما ولد طفلاً رضيعاً أنطقه الله تعالى وآتاه الحكم والكتاب والنبوة صبياً، فكان أول ما قال: إنه عبد الله، وهنا يؤكد ذلك ويقول لنفسه وللناس: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم:٣٦] أي: إن الله ﷻ هو ربي وخالقي ورازقي، فهو يزيف بذلك ما زعمه النصارى عنه من أنه الرب أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. فقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [مريم:٣٦] أي: كما هو خالقي فهو خالقكم، وكما هو رازقي فهو رازقكم، والأمر بيده إحياءً وإماتةً. فالله ﷻ أنطق عيسى عند الطفولة وهو لا يزال في المهد: أن يكذب ما سيكون بعد ذلك من اتهام اليهود له، وقذفهم له أنه ابن يوسف النجار، أو غلو ومبالغة النصارى عندما جعلوه الله وعبدوه، فعيسى قد قال عن نفسه: إنما أنا عبدٌ لله، وربي الله كما هو ربكم، فلا يعبد سواه، ولا ينزه سواه، ولا يعظم سواه ﷻ . قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦] يقول عيسى: هذا الذي أتيتكم به صراط سوي واضح بين، ليس فيه عوج ولا أمت، وهو يدعو إلى عبادة الله الواحد، فالكل عبيد له ومخلوقون له، وأن دينه الذي أتى به دين سوي مستقيم لا يفسد على الناس عقولهم.

стр. 144

تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم) قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧]. مع هذا الذي أعلنه عيسى في بني إسرائيل من أتباع التوراة والإنجيل فقد اختلفوا، ولذلك فإن النصارى يقولون عن التوراة: العهد القديم، وعن الإنجيل: العهد الجديد، فلا تزال التوراة بالنسبة لهم غير منسوبة، والإنجيل مؤكد. ومن هنا نعلم أن النصارى كانوا يهوداً أولاً ثم صاروا نصارى، فزادوا على فساد اليهودية وخزعبلاتها، وحرفوا كتاب الله الإنجيل، وقد جمعوا بين الشرين كما جمعوا بين الكفرين. قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم:٣٧] أي: اختلف قوم عيسى إلى أحزاب وطوائف ومذاهب، فكانت النصرانية موضع خلاف عند المتمسكين بها والعابدين على أساسها، فشكل قسطنطين وهو من كبار ملوكهم مؤتمراً ليخرج منه بشيء خاص يدعو إليه جميع النصارى، فاجتمعت أحزاب النصارى كلها، فقال بعضهم: عيسى هو الله، وقد قص الله علينا ذلك في كتابه، وقال قوم: هو إله وابن إله، وقال قوم: هو ثالث ثلاثة، وقد كذبوا جميعاً وأفكوا، حاشى لله من هذا القول، فاختلفوا إلى طرائق قدد كفراً منهم وجحوداً. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧] أي: كفروا بما أنزل الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وأنه كمثل آدم خلقه الله من تراب، ثم قال له: كن فكان، فكان عيسى فرعاً من آدم، فكما خلق آدم بلا أب ولا أم خلق عيسى من أم بلا أب، وخلق حواء من ضلع آدم. فأحزاب النصارى كفروا بما أنزل الله، وأن عيسى عبد الله ونبيه، وابن الصديقة مريم، وأن الله واحد لا شريك له، ولا يليق أن يكون له ثان ﷻ وعلا مقامه. فقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٧] أي: ويل للكافرين بالحق وبالوحدانية، والويل: نهر من قيح في النار، ومعناه: يا مصيبتهم، ويا بلاءهم يوم يدخلون النار فيكون شرابهم من قيح جهنم، ويخلدون فيها أبداً سرمداً إذا هم ماتوا على الشرك والوثنية. واليوم العظيم: هو يوم القيامة، يوم العرض على الله، ويوم الحساب يوم يكون فيه قوم إلى الجنة وقوم إلى السعير، ويوم يعرض الناس على ربهم في يوم كألف سنة مما تعدون، ويكون اليوم عظيماً شديداً يشتد فيه العرق على المعروضين على الله ﷻ ، فالبعض يصل عرقه إلى كعبيه، والبعض إلى ساقيه، والبعض إلى ركبتيه، والبعض إلى ثدييه، والبعض يلجمه العرق إلجاماًَ. ويكون في هذا اليوم من ميزة المؤذنين أن تكون أعناقهم طويلة، فمهما بلغهم العرق فإنه يبقى الرأس وما فيه من حواس بمنجى من الاختناق بماء العرق، ومن هنا قال ﵊: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة)، ومن لم يعلم هذا لا يعلم معنى الحديث، فكونهم دعاةً إلى الله وإلى عبادته ويؤذنون لدخول الوقت أكرموا بذلك.

стр. 145

تفسير قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨]. يقول الله عن هؤلاء الكافرين الذين لهم آذان لا يسمعون بها، وأبصار لا ينظرون بها، وقلوب لا يفقهون بها، وهكذا غفلوا وضاعوا، وضلوا عن سماع الحق ورؤيته وفقهه وعلمه، لكنهم لم يكونوا كذلك يوم العرض على الله، فالله يقول: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨] أي: ما أشد سمعهم وما أشد بصرهم، فلا تكاد تفوتهم كلمة تقال يوم القيامة، ولا يكاد يفوتهم منظر يوم القيامة، فهم حداد البصر شديدو السمع يوم القيامة، وهم إذ ذاك يرون ما أوعدهم الله به من عذاب أليم ومحنة دائمة، ومن الويل في نار جهنم، فتجدهم كلهم آذاناً وأسماعاً وقلوباً تفقه وتدرك، ولم يكونوا كذلك في دار الدنيا؛ لأنهم عاشوا شاكين مرتابين، ويوم القيامة أصبح الشك حقيقة والخيال واقعاً، وأصبح ما كانوا يكذبون به يعيشون في وقته وحاضره وواقعه. فقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨] أي: ما اشد سمعهم وأقوى بصرهم يوم القيامة، وقد بعثوا من بعد الموت، وعرضوا على الله خالقهم؛ ليحاسب كل مخلوق على عمله إما إلى جنة وإما إلى نار. قال تعالى: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم:٣٨] أي: لكن الظالمون أنفسهم بالشرك والكفر والضلال هم اليوم -أي: في دار الدنيا- في ضلال مبين وضياع واضح وفساد بين، فلا يعرفون الحق ولا يريدون أن يعرفوه، فإذا قرئ عليهم كتاب الله أعرضوا عنه وتولوا، وإذا قال لهم رسول من رسل الله: أنا رسول الله إليكم كذبوه وآذوه، وفرقوا الناس عنه، وصدوا عن طاعته، فهكذا هم اليوم في دار الدنيا يعيشون في ضلال واضح وبلاء بين، ولكنهم إذا أتوا يوم القيامة فما اشد سمعهم وما أقوى أبصارهم!

стр. 146

تفسير قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر) ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]. أي: وانذرهم يا محمد! على ضلالهم وعلى فسادهم وصم آذانهم وعمي أبصارهم، ومعنى: (أنذرهم): خوفهم مما سيكون عليهم إن بقوا هكذا إلى الموت؛ لتكون حجة الله البالغة، وليكون أمر الله هو النافذ، فإذا أتوا ربهم يوم القيامة، وسألتهم الملائكة: ألم يأتكم رسول وينذركم ويبشركم؟ ألم يأمركم وينهكم؟ لم يجرؤ أحد أن يكذب، ولو كذبوا شهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بأنهم كانوا كاذبين. ويوم الحسرة: هو يوم القيامة، يوم يتحسر المؤمنون ويتحسر الكافرون، والحسرة: هي الندم في شدته والألم في نهايته، يوم يندمون كلهم ولات حين مندم، فيندم المسلمون ويتحسرون؛ لأنهم لم يزدادوا طاعة وإيماناً وإيقاناً وعبادة. ويتحسر الكافر؛ لأنه طالما أنذر وذكر وهو حي يرزق، وقد يكون بعضهم عمر سنين وأعواماً وقارب المائة أو تجاوزها، ولم يزدد من الله إلا بعداً، وبالأنبياء كفراً، وبكتب الله الحق إبعاداً وتزييفاً وإفساداً، وصداً للناس عنها، ففي هذا اليوم يبعثون ويعرضون على الله، ويسمى بالنسبة لهم يوم الحسرة؛ إذ يتحسرون ويندمون ويتألمون ويتوجعون، ولو أنهم انتبهوا في دار الدنيا فآمنوا بالله على الأقل رباً، وبأنبيائه عبيداً مكرمين رسلاً لكان خيراً لهم، ولكن هيهات فقد سبق السيف العذل، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. فطالما أنذرهم كتاب الله، وأنذرهم الهادي رسول الله، وأنذرهم ورثة الأنبياء العلماء العارفون بالله مثل هذا اليوم، أنذروهم عذاباً وغضباً ولعنة، وما زادهم ذلك من الله إلا بعداً. قال تعالى: ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [مريم:٣٩] أي: الأمر الذي كانوا يرتابون فيه من بعث بعد الموت، وجنة ونار، فيكون قد قضي وتم وعلم أهل الجنة من أهل النار، وأهل الرحمة من أهل الغضب. ومن هنا يزدادون حسرةً وألماً وندماً، فيمنون أنفسهم بأن العذاب إذا اشتد سيموتون ويستريحون وهيهات أن يكون لهم ذلك، بل يؤتى بكبش فيقال لأهل النار: أتدرون ما هذا؟ فيقولون: نعم، هو الموت، ويقال لأهل الجنة: أتدرون ما هذا؟ فيقولون: نعم، هو الموت، فيذبح الموت، ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت، فيزدادون بذلك حسرةً وألماً وتوجعاً. وكما ورد في الآثار النبوية يفرح المؤمنون يوم ذاك فرحة لم يفرحوا مثلها قط، ويزداد الكافرون حسرة إلى حسرتهم، فمن في النار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، ومن في الجنة لا يملون ولا يقنطون، فهم من درجة إلى درجة، ويتزاورون ويجتمعون ويتحدثون عن تاريخهم في الدنيا، ويبحث المؤمن عن أهله في الجنة، فإذا وجدوا أهاليهم زادوا بذلك فرحاً وشكراً لله على نعمه وآلائه. فقوله تعالى: ﴿إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [مريم:٣٩] أي: إذ تم الأمر الذي كانوا فيه شاكين مرتابين، فيوم القيامة الذي أنكروه سيعيشون في واقعه، والجنة والنار التي أنكروها كذلك سيعيشون في واقعها، فبعضهم في الجنة وبعضهم في السعير. فعندما يقضى الأمر تبدو حسرة الناس: حسرة المؤمنين أنهم لم يكونوا ازدادوا إيماناً وعبادة، وحسرة الكافرين أن لو كانوا آمنوا ولو باللسان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] بمعنى: لو أنهم آمنوا بالله لساناً وجناناً حتى ولو لم يعملوا فهم مؤمنون على كل حال ويطمعون، والإيمان كلٌ لا يتجزأ، فعندما يؤمن الجنان تنطق الحواس، وكل حاسة نطقها بحسبها، فعبادة اللسان بالذكر وبالتلاوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا لكل حاسة عبادة. قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]، فقد كانوا في دار الدنيا غافلين عن هذا القضاء، غافلين عن يوم القيامة لاهين ساهين رغم كونهم سمعوا ذلك أكثر من مرة، وحضروا ذلك أكثر من مرة، ولكنهم لم يستقبلوا ذلك إلا بالاستهزاء والسخرية بأنبياء الله وبالعلماء العارفين بالله، وما زادهم ذلك إلا خسراناً وكفراناً، وهكذا إلى أن وجدوا أنفسهم قد ماتوا ثمَّ بعثوا، عاشوا في الدنيا في غفلة وهم لا يؤمنون بالله رباً ولا بأنبيائه رسلاً.

стр. 147

تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون) قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠]. فيكون الكون قد ماتت فيه كل حركة ونسمة، وأصبح كل شيء تراباً، فمات الملك والسلطان، ومات النفوذ والأولاد، ومات الجند والعشيرة، وعادت الدنيا لما كانت عليه قبل خلقهم خراباً ليس فيها حركة ولا حياة، وفي هذه الحالة يقول الله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] فلا مجيب، فيجيب نفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]. يوم يرث الله الأرض ومن عليها ويكون قد مات كل حي قبل البعث، فلا يبقى أحد في الكون: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، ففي هذه الحالة يكون الله هو الوارث، وهو من قبل الخالق، والكل له حتى في وقت ادعاء الملكية، فيرثهم الله ويأخذ ملكهم وقواهم وجيوشهم وجبروتهم وطغيانهم، فكل ذلك لا يبقى له مالك إلا هو، فهو ملك الملوك ﷻ . قوله: ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٤٠] أي: هلكوا وماتوا ومرجعهم إلى الله، أي: أنهم يبعثون بعد الموت، وهناك الجميع يتحسرون على عبادة لم يقوموا بها، أو على إيمان لم يقوموا بواجبه، ولم يقوموا بحقيقته، فإن ماتوا وهلكوا لم يبق إلا الله وارث الكون، ثم إليه يرجعون ويبعثون للحساب وللعقاب وللعرض عليه.

стр. 148

تفسير سورة مريم [٤١ - ٥٠] ومن القصص التي ذكر الله في سورة مريم قصة إبراهيم مع أبيه، فقد دعاه إلى الحق فأبى وكان من الكافرين، فلما رأى سيدنا إبراهيم ذلك من أبيه وقومه اعتزلهم وتفرغ لعبادة ربه، ثم وهب الله له إسماعيل وإسحاق، وحفيده يعقوب.

стр. 149

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم) قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١]. سميت السورة بسورة مريم من باب تسمية الكل بالبعض، فما قصة مريم في السورة إلا جزء منها، فهي قد تحدثت عن زكريا وعن يحيى وعن إبراهيم وعن موسى وعن أنبياء آخرين، ولكنها سميت بـ مريم، وهذه عادة الأسامي سواء في كتاب الله أو في واقع الحال في الدنيا، فنسمي القطر المصري مصر وما مصر إلا مدينة من القطر، ونسمي القطر الجزائري الجزائر وما الجزائر إلا مدينة من مدنها، ويسمي البعض المغرب مراصف وما مراصف إلا مدينة من مدائنها. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [مريم:٤١] يقول الله لنبيه محمد العربي القرشي الهاشمي صلوات الله وسلامه عليه: كما ذكر لك من قبل في هذه السورة مريم وولدها عيسى وزكريا وولده يحيى، اذكر كذلك إبراهيم، وإبراهيم أحد الخمسة أولي العزم من الرسل، وقد كرمه الله تكريماً انفرد به من بين من جاء بعده من الأنبياء والرسل، فجعل في ذريته النبوءة والكتاب، فما من نبي جاء بعده إلا وهو من أولاده وسلالته، سواء كانوا من بني إسرائيل أو كانوا من العرب، فكان إبراهيم هو والد إسماعيل الجد الأعلى لنبينا العربي صلى الله وسلامه عليهم أجمعين. وكان هو والد إسحاق الجد الأعلى لجميع أنبياء بني إسرائيل إلى عيسى، فإبراهيم جد مريم، ومريم كذلك من بنات إسرائيل. وهو خليل الله، وأحد أولي العزم من الرسل، ولا نبي أفضل منه إلا نبينا ﷺ ، فهو أشرف الأنبياء بعد نبينا ﷺ ، قال ﵊: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر). وإذا كان إبراهيم خليل الله فقد كان نبينا خليله وحبيبه، ولقد قال عن صديقه وصاحبه أبي بكر الصديق: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً). قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١] كان صادق القول والوعد والإشارة، صادقاً في الحرب والسلام، صادقاً في دعوة أبيه وقومه إلى الله، ودعوة أعدائه وخصومه إلى الله، كل ذلك سواء، فلم تشغله حالة عن حالة. ويذكر الله لنا أنبياءه ورسله وعباده المكرمين ليكونوا أسوة لنا، ولنهتدي بهديهم ونجعلهم أئمة، وقد كانوا قبل ذلك أسوة رسول الله ﵊ فيما لم يشرعه الله خاصة لنبيه من شريعة وآداب وسلوك، ونحن أسوتنا رسول الله، ومن كان أسوته رسول الله ﷺ فهو مقتدٍ بجميع الأنبياء قبله، قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]. قوله تعالى: ﴿نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١] أي: من أنبياء الله الذين أوحى الله إليهم بشريعته وأمرهم بتبليغها، فهو نبي ورسول، وسبق أن قلنا: إن النبي هو من أوحي إليه بشريعة ولم يؤمر بتبليغها، والرسول: من أوحي إليه بشريعة وأمر بتبليغها، فنبينا إبراهيم نبي ورسول معاً، فقد ذكر في هذه السورة بالنبوءة، وذكر في آيات أخر بالنبوءة والرسالة معاً. فقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ [مريم:٤١] أي: في القرآن الكريم، ﴿إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤١]، فالصديق صيغة مبالغة من كثرة الصدق والديمومة عليه، والبعد عن كل ما يشينه من الكذب إشارةً أو تلميحاًَ أو غير ذلك، كل ذلك قد برأ الله إبراهيم منه.

стр. 150

تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه يا أبت) قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] أي: واذكر إبراهيم في حالة ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢]، فأول ما ابتدأ في دعوته دعوة أبيه آزر، وكون آزر هو الأب أو العم قد مضى هذا مفصلاً في مناسبة سابقة. والمعنى: واذكر إبراهيم في الحالة التي يدعو أباه فيها إلى التوحيد، ويقول له: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] أي: لماذا يا أبي تعبد أحجاراً وأصناماً وأوثاناً لا تسمع، وإن دعوت بصرها إلى النظر لا تنظر، وإن احتجتها في فقر أو ذل أو نصرة لا تغني عنك شيئاً؛ لأنها جماد مخلوقة. فقوله تعالى: ﴿مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] أي: لا يفيدك في شيء، ولا يغني عنك في ستر ولا ذل ولا مرض، ولما كان الأمر كذلك فلم تعبدها؟ ولم تتعلق بها؟ أتترك الخالق الرازق السميع البصير الذي يغني عنك في كل شيء، فإذا سألته أجابك، وإذا استوهبته وهب لك، وإذا طلبت منه العافية عافاك؟! أتترك من بيده الأمر والنهي إلى أوثان وأصنام لا تغني عنك شيئاً؟! قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣]. أي: يا أبت أنت أبي وأكبر مني بطبيعة الحال، وأنا ابنك والأصغر منك بطبيعة الحال، ولكن الله اختارني وعلمني وعرفني به، وأعطاني الأدلة على وحدانيته وعلى كونه المعبود الحق، وكل ما سواه سراب في سراب وباطل في باطل. قوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ [مريم:٤٣] أي: من العلم بالله والمعرفة به، والعلم بالتوحيد وبالدنيا ومن خلقها، والعلم بالحقائق والتمييز بين الحق والباطل ما لم يأتك منه شيء لا قليل ولا كثير، والعلم الذي جاءني وأكرمني الله به يؤكد أن الله وحده الخالق الرازق، وأن الله وحده المعطي، وأن الله وحده السميع البصير المغني في كل شيء عن كل شيء، وعلى ذلك اتبعني واجعلني أسوتك وقدوتك وإمامك. ومن العادة أن يفخر الآباء بالأبناء عندما يصلون إلى رتبة علية، فما هم إلا جزء منهم، وقد قال السيد المصطفى ﷺ : (فاطمة بضعة مني يسرني ما سرها، ويسوءني ما ساءها)، فهي ابنته وباعتبارها كذلك فهي قطعة منه. فالفرع تابع للأصل، فكان ينبغي لـ آزر أن يسر ويفرح بكون الابن هو الذي يدعوه، وهو الذي خص بهذا وأكرم به، فلو اتخذ الولد إماماً وأسوة فإنه يكون كمن تبع جزءه، واتباع الجزء اتباع للكل. قال تعالى: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣] أي: صراطاً سليماً وطريقاً بينة واضحة لا اعوجاج فيها ولا أمت. قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤] أي: يا أبي! فالتاء تقوم مقام الإضافة، وفيها نوع من التحبب والتعلق. فقوله: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:٤٤] أي: يا أبت! هذا الذي تعبده هو شيطان، فلا تطع أطعت الشيطان الذي عصى ربه وكفر بألوهيته عندما أمره بالسجود لآدم. وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤] أي: إن الشيطان كان بالغ العصيان للرحمن، وذكر لفظ الرحمن رجاء أن يرحم أباه، فيحن أبوه لهذه الدعوة، ويوحد الله، ويؤمن برسالة ولده الذي أمر فيها بدعوة الناس إلى الله. فالمعنى: يا أبت! لا تعبد الشيطان الذي عصى ربه، ومن عصى ربه فهو لا ينتظر منه طاعة، وفاقد الشيء لا يعطيه، وما عند الشيطان إلا المعصية والخسران، فأنت بذلك تأخذ ما عنده وتتبعه وتكون بذلك عابداً له في الطاعة، فأنت قد عبدت الشيطان بذلك وعصيت ربك وخرجت عن التوحيد. قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥]. أخذ الولد يتحبب إلى أبيه ويقول: يا أبت! أنا خائف عليك أن يمسك عذاب من الرحمن؛ جزاء كفرك ومعصيتك ومخالفتك، كما سيجازي الشيطان وقد فعل، فلا تكن عبداً للشيطان، ولا يكن الشيطان إمامك، ولا تكن له تابعاً. فقوله: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم:٤٥] أي: أخاف عليك إن دمت على عبادة الأوثان، وأبيت طاعتي وأنا أدعوك إلى عبادة الله السميع البصير المغني عنك وعني وعن كل الخلق أن تكون للشيطان ولياً، وتكون تابعاً ومرافقاً ونصيراً، ومآل الشيطان إلى النار وإلى اللعنة والغضب، ولا يليق ذلك بك وأنا أنزهك عنه، وأربأ بك عن أن تكون مثله، وإذا بـ آزر أبي إبراهيم لم تنفع معه دعوة ولا موعظة ولا ذكر لله فيجيب.

стр. 151

تفسير قوله تعالى: (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) قال آزر: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]. يقال: رغب فيه ورغب عنه، رغب فيه: أحبه واتبعه وعمل بمقتضاه، ورغب عنه: تركه وكفر به وجحده. فقوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ [مريم:٤٦] أي: أمبغض أنت لآلهتي الأصنام؟ أتارك لها أمعرض عنها؟ قال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦]. أي: لئن لم تنته عن هجرك وسبك وشتمك وصدك الناس عن عبادة هذه الأوثان لأرجمنك، أي: لأضربنك بالحجارة حتى الموت، ولكن الأبوة سبقت في نفس آزر وإذا به يخاف على ولده من نفسه، فقال: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] أي: ابتعد عني، ولا حاجة لي إلى رجمك وتعذيبك. ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] ملي من الملوان، وهما الليل والنهار، يقال: (ملي) للحقبة الصغيرة أو الزمن القليل المعدود من الأيام، ويقال عن الزمن الطويل والهجران الأبدي، وأغلب الظن أن أبا إبراهيم طلب منه أن يهجره هجر الأبد ما دام أنه لم يرجع إلى عبادة الأوثان؛ لأنه قال له: لئن لم تنته، أي: إذا لم تنته عن صدك للناس عن عبادة آلهته من الأوثان، فعند ذلك سيرجمه. وأقسم على ذلك باللام الموطئة للقسم، وأكد ذلك بنون التوكيد الثقيلة، وكأنه يقول: والله لأقتلنك رجماً بالحجارة، ثم بادر رجاء أن يعود إبراهيم عن شتمه لآلهته، بأن يبتعد حتى لا يناله منه عذاب ولا رجم. فقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم:٤٦] أي: اهجرني الأبد، واخرج من بلدي وابتعد عن بيتي، ولا أريد أن أراك ولا أرغب في رؤيتك، فإذا بإبراهيم الولد المطيع يقول لوالده: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧] قال له: يا أبت! سلام عليك، سلام هاجِر محترم داع يؤمنك من عذابه وقتاله، فإبراهيم سيقاتل الكفرة ولكنه لم يفعل ذلك مع آزر؛ لأن آزر مات بعد فترة وجيزة. فقوله: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧] أي: سأدعو لك الله أن يغفر لك، فتسلم ما دمت حياً؛ لتأمن عذاب الله ولعنته وغضبه، قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧] أي: كان بي لطيفاً براً، وعودني الإجابة والبر واللطف، وأرجو هذه المرة ألا يغير علي عوائده الطيبة ولطفه وبره؛ فيهديك للإيمان والتوحيد.

стр. 152

تفسير قوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) ثم قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]. قال هذا إبراهيم وزاد: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨] أي: سأبتعد عن مجتمعاتكم، وكان إبراهيم في العراق فهجرهم إلى الشام إلى الأرض المقدسة، وهي التي سماها النبي ﵊ وهاجر إبراهيم، وقال: ستكون هجرة بعد هجرة، أي: هجرة أخرى في مستقبل الأيام بعد الهجرة الأولى من مكة إلى المدينة. فقوله: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: سأعتزلك يا أبي، وأعتزل أمثالك ممن يعبدون الأصنام والأوثان، (وَأَدْعُو رَبِّي) أي: يعبد ربه ويدعو لعبادة ربه، فتكون حياته قاصرة على هذا؛ امتثالاً لطاعة الله سبحانه. وهكذا وظيفة الأنبياء ووظيفة الورثة من العلماء: أن تكون حياتهم كلها دعوة إلى الله، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: من الجهاد باللسان والقلم إلى الجهاد بالسيف. قال تعالى: ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨] عسى في القرآن تحقيق، وفي غير القرآن ترج، يقول إبراهيم: عسى أن يتحقق من ربي ألا أكون بالدعوة لعبادته شقياً أو مشركاً أو عاصياً.

стр. 153

تفسير قوله تعالى: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩]. أي: ما سلبه إلا ليعطيه الحكمة، فسلبه أباه وأهله وعشيرته وبلدته، وعوضه الله أرض الشام المقدسة. وكان قد بلغ عمر إبراهيم مائة وعشر سنين، وبلغ عمر زوجته تسعين سنة، فرزقه الله ﷻ الولد والحفيد وهو لا يزال حياً، فرزقه أولاً من هاجر إسماعيل، ورزقه بعد ذلك إسحاق، ثم جعل يعقوب نافلة من إسحاق ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩]. فالله أحاط إبراهيم بمجموعة من الأنبياء من سلالته، ففي حياته رزقه إسماعيل الجد الأعلى لنبينا ﷺ ، وشريكه ومعينه في بناء الكعبة المشرفة، ورزقه بعد ذلك إسحاق من زوجة أخرى، ثم رزقه حفيداً من إسحاق وسماه يعقوب، فعند اعتزالهم والبعد عنهم أكرمه الله بالذرية الصالحة وجعل فيها النبوة والكتاب. قوله: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩] التنوين في (كلاً) لغةً ونحواً يقال له: تنوين العوض، والمعنى: عوض عن كلمة، والمعنى: كل ذريته جعلهم الله أنبياء ورسلاً مكرمين.

стр. 154

تفسير قوله تعالى: (ووهبنا لهم من رحمتنا) قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٠]. أي: وهب للأب والولدين والحفيد من رحمته، وفسرت الرحمة هنا بالمال والنبوءة والأرزاق والحب والتعلق، وكل ذلك صالح في التفسير، فالذرية الصالحة التي لم تأكل حراماً ولم تأت بحرام رحمة. وكما قال نبي الله ﵊: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، والنبوءة والرسالة والعبادة وأنواع الخيرات الأخروية هي كلها بلا شك من رحمات الله. فقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ﴾ [مريم:٥٠] أي: للأب والولدين والحفيد، لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق. قوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم:٥٠] أي: من أرزاقنا ونعمتنا. قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٠] أي: خلدناهم في الدهر وفيما سيأتي بعد ذلك إلى يوم القيامة، فكان لهم لسان صدق في كونهم أنبياء الله ورسله، فخلد ذكرهم في التوراة والإنجيل والزبور، مع تغير كل هذه الكتب وتبديلها وتحريفها، كذلك خلد ذكرهم في القرآن الكريم المهيمن على كل الكتب السماوية، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فخلدوا فيه خلوداً أبدياً، فكانوا لسان صدق للعالمين عالياً، وهكذا علا إبراهيم في السماوات، واجتمع به سبطه وحفيده ليلة الإسراء، فخلدوا حساً ومعنىً وذكراً في الصالحين، ونبراساً بين العابدين، وهداية بين كتب السماء التي يقتدى بها ويهتم بها.

стр. 155

تفسير سورة مريم [٥١ - ٥٧] كان سيدنا موسى ﵇ مخلصاً لله تعالى ومطيعاً، وكان رسولاً نبياً، وقد ناداه ربه من جانب الطور كي يكلفه بتبليغ رسالته إلى بني إسرائيل، وكذلك سيدنا إدريس ﵇، وقد رفعه الله تعالى مكاناً عالياً في الدنيا والآخرة.

стр. 156

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب موسى) قال الله ﷻ : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١ - ٥٣]. بعد أن ذكر الله لنا كيف ولد يحيى وكيف ولد عيسى، ثم ذكر لنا إبراهيم الخليل، يذكر لنا الله ﷻ موسى، وهو أحد الخمسة من أولي العزم، وهو الذي أوحي إليه بالتوراة، ووصفه الله ﷻ بعالي الصفات وزاكيها، فأثنى عليه ومجده. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ [مريم:٥١] أي: اذكر في القرآن الكريم موسى فهو كان نبياً رسولاً أوحي إليه بشريعة وأمر بتبليغها، فكان من أنبياء الله الكبار العظام أولي العزم. قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ [مريم:٥١] قرئ (مخلَصاً) و (مخلِصاً)، وكلتاهما قراءتان سبعيتان متواترتان، فـ (مخلَصاً) أي: مختاراً ومصطفىً، أي: مخلَصاً من الشوائب والإجرام والنقائص والعيوب. و (مخلِصاً) أي: أخلص العبادة لله ﷻ من غير رياء ولا سمعة ولا شرك خفي، بل كان من عباد الله الدعاة إليه ومن الأنبياء الصادقين. وموسى مع النبوءة كان رسولاً، إذ لم يوح إليه بشرع فقط، ولكن أوحي إليه بشريعة وأمر بالبلاغ، وأنزل عليه التوراة، وكان كتاباً يجمع الحكم والأحكام والتوحيد والتعظيم والتنزيه وتقدير الأنبياء والرسل، ولكن بني إسرائيل بدلوا وحرفوا وغيروا. قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]. أي: اذكر موسى في أعلى حالاته وأسماها وأعظمها: وذلك حال مجيئه إلى الطور وقد رأى ناراً، وقد خرج من عند صهره شعيب، واصطحب زوجته بعد أن وفى بالعهد الذي بينه وبينه، فأخذ موسى زوجته وتركه وأراد الذهاب إلى حيث يريد الاستقلال بنفسه، وبينما كان البرد شديداً رأى ناراً من جانب الطور ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠] أي: لعله يقتبس من النار قبساً ليصطلوا منه وليتدفئوا به، فيذهب عنهم هذا البرد والشدة، فلما وصل إلى الطور نودي من قبل الحق ﷻ : أنا الله رب العالمين، فألق عصاك، واخلع نعليك. والله اصطفاه بذلك، وأوحى إليه برسالته وكلمه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وقارون وهامان، وإلى قومه المستعبدين من بني إسرائيل في مصر؛ ليأمرهم بعبادة الله وحده، وبأن يصحبوه إلى أرض فلسطين، فعندما وجد ذلك قرت عينه وتمت بذلك صفته النبوية، فهو رسول الله وكليمه ونبيه، كليمه أي: كلمه، وهذه صفة خاصة بموسى. وقد كان ذلك قبل بعثة نبينا ﵊، وإلا فنبينا كذلك ليلة أسري به ورفع إلى السماوات العلى، ثم إلى سدرة المنتهى، ثم إلى حيث كان قاب قوسين أو أدنى، ما زاغ البصر وما طغى، كلمه ربه وأمره بخمسين صلاة، وبقي يتردد عليه بمشورة موسى، وهو يقول له عند كل نزلة: إن قومك لا يستطيعون ذلك، فاسأل الله التخفيف، حتى أصبحت خمساً في اليوم والليلة وخمسين في الأجر، فكان النبي ﷺ قد كلمه الله ﷻ مرات عديدة حتى أصبحت خمساً. قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم:٥٢]. أي: جبل الطور، ويقال له: جبل زبير، وهو في أرض سيناء في مصر، وموسى عندما ناداه الله وكلمه كان الطور على جانبه الأيمن، فنودي من جانبه الأيمن من الطور، وليس موسى أيمن الطور، وإنما الطور أيمن موسى، حيث كان جبل الطور على يمينه. قال تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] أي: قربه قرب معنىً ونبوءة وتشريف، وإلا فإن الله ﷻ يسمعه موسى، وموسى سيجيب عن كلام ربه له، نجياً أي: مناجياً، كما تقول: جليس ونجي، ففلان نجي لفلان أي: يناجيه ويحادثه، فكان بذلك موسى نجي الله، كما تقول: جليس ونجي. فقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] قربه مناجياً ومتحدثاً معه، ومقرباً إليه بما أولاه من رتبة النبوة العالية والرسالة العظيمة. قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]. إن موسى عندما أصبح رسولاً كان بلسانه لكنة، فلا يكاد يفصح ولا يبين، وكان ذلك من أثر الجمرة التي وضعها في فمه وهو طفل صغير في قصر فرعون عندما أخذ يلعب ويعبث بلحية فرعون. فقال فرعون لزوجه: إن هذا الطفل من بني إسرائيل، ولا شك أنه يريد العبث بلحيتي مهانة ومذلة. فقالت له زوجه: إنه طفل صغير لا يميز بين الجمرة والتمرة، فاختبره إن شئت. فجاء بتمرة وجمرة، وأشار إليه ودفعه ليحمل إحداهما، فألهمه الله على أن يحمل الجمرة ورماها في فيه فحرقته في لسانه، وتركت آثارها على لسانه، فأثرت في فصاحته، وبذلك أنجاه الله من قتل فرعون، وكان فرعون يقتل كل ولد يولد لبني إسرائيل من الذكران، وكان يترك النساء والبنات على الحياة ليكن جواري وإماءً وخدماً في بيوت الفراعنة. وعندما اعتذر لربه للكنة لسانه رجاه أن يرسل معه أخاه هارون وزيراً، قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣٠ - ٣٢] فقد كان هارون أسن منه في العمر، وأفصح منه في المنطق، وأسلم منه لساناً وأبلغ كلاماً. ولذلك يقول في آية أخرى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ [الشعراء:١٣] أي: أرسل له؛ ليكون رسولاً وزيراً معيناً معي، واستجاب الله دعاءه، وقد قيل: لم يكن أخ بركة على أخ له مثل موسى، فقد طلب له أعلى المقامات وأعظمها، طلب له من الله أن يشركه معه في النبوءة والرسالة، فاستجاب الله له. وقد قال ﵊ لـ علي ﵁: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) كما في الصحيح، يعني: أن النبي ﵊ قال لـ علي: أنت وزير من وزرائي ومعين من معيني وساعد من سواعدي، ولكنه لا نبي بعدي، أخوتك لي كأخوة هارون من موسى إلا أن هارون كان نبياً ولن يكون بعدي نبي. وهكذا كان علي مع النبي ﵊ الوزير والمعين والمسدد والمحارب والمقاتل، والمتنقل بين أقطار الجزيرة يدعو لله ولرسوله بأمر رسول الله، ولم تكن هناك غزوة ولا معركة إلا وحضر فيها وبذل نفسه وحياته، ولكن الحياة كانت عنده أقوى من حضوره المعارك فجرح ولم يمت. فقال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣] أي: من رحمته لموسى ومساعدته في الدعوة والكلام والبيان لـ فرعون وقارون وهامان وبني إسرائيل المستعبدين، أن أكرمه بأخيه شريكاً في الرسالة والنبوءة، فكان كما طلب ورجا، فكان ذلك من رحمة الله بموسى وهارون، وكانت هبة من الله وعطية ومنحة. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣] أي: حال كونه نبياً ورسولاً، فأمر بأن يؤدي مع موسى الكتاب المنزل عليه وهو التوراة والصحائف العشر، فيقوم مع موسى بدعوة قومه إلى الله وعبادته. وقصة موسى مفصلة قد مضت في غير ما سورة من السور الماضية في النصف الأول من كتاب الله، وهنا ذكرها اختصاراً وإشادةً ولفت نظر؛ لأنه كان من كبار الأنبياء والرسل، ومن أولي العزم منهم.

стр. 157

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إدريس) قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧] يقول الله: واذكر يا محمد! في القرآن الكريم المنزل عليك إدريس، وإدريس هو جد والد نوح ﵉، وهو أول من خط بالقلم، واخترع الكتاب، والكتابة وما تشمل من خزن المعاني هي في حد ذاتها تكاد تكون نبوءة قائمة بنفسها ورسالة مستقلة، فهذه الشرطات على الورق تشمل كل شرطة معطوفة وملتوية ومنحنية ومرتبطة بغيرها جميع المعاني التي كانت في الكون من قبل. فتجد الإنسان يولد في حقبة من الدهر، ثم يعمر بضع سنوات وتجده إذا أكرم بالتعلم والقراءة والكتابة يلازم قراءة الكتب ومطالعتها، وإذا به يعيش مع الأولين والآخرين، ومع الكون قبل أن يكون ومعه بعد فنائه، ومع أنبياء الله ورسله الصالحين، ومع الجبابرة والطغاة الجاحدين، كل ذلك وهو لم يجاوز مكانه ولم يخرج عنه. فكان إدريس أول من اختط بالقلم، وأول من عُني بعلم الحساب وعلم النجوم، وأول من عني بلبس الثياب الصوفية والقطنية وأول من خاطها، وكان الناس قبله شعوباً بدائية كالإفريقية اليوم، وكهؤلاء الأقزام الذين يوجدون في أشتات من الأرض يلبسون جلوداً على أبدانهم أو أجزاءً من أبدانهم أو على عورتهم: القبلية والدبرية فقط، وهكذا كانوا قديماً. ولكن إدريس حضرهم وعلمهم، فاخترع لهم القراءة والكتابة، ونبههم إلى أخذ الثياب من القطن والصوف، واخترع لهم خياطتها ولبسها، ونبههم إلى علم الحساب وإلى علم النجوم، وإدريس نبي من أنبياء الله العظام، وكان ما تعلمه توقيفياً، أي: بوحي من الله لتعليم خلقه وعباده ما يعود عليهم بالخير العميم في حياتهم ومستقبلها. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٦] فصديق صيغة مبالغة من كثرة الصدق، أي: كان صادقاً في كل كلامه وإشاراته ومعاركه، وكان لا يخطر على باله أن يقول ما ليس بواقع لا إشارةً ولا تلميحاً، ولا تصريحاً من باب أولى.

стр. 158

اختلاف المفسرين في رفع إدريس هل هو حسي أم معنوي قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]. قال البعض من المفسرين: إنه رفع معنوي وإن كان في الواقع حسياً، فقد رفع إلى الجنة حيث يعيش اليوم، ومنذ توفي وهو في الجنان. وقال قوم: ليس هو في الجنان، ولكن المقام العلي نبوءته ورسالته ورحمة الله له، وإلا فهو ميت في الأرض. ورويت هنا إسرائيليات مصدرها كعب الأحبار ووهب بن منبه، وقد تسللت هذه الإسرائيليات إلى كتب التفسير والعلوم مطلقاً. روى ابن عباس عن كعب بسند لم يصح: أن إدريس خرج مرة في يوم مشمس شديد حره، وإذا به يعود وقد وجد من تلك الشمس وشعاعها حراً وألماً ووجعاً، فقال: يا رب! إن كان يوماً لم أحتمل فيه شدة الشمس وشعاعها وحرارتها، فكيف بالملك المكلف بحملها وهو يحملها في يوم كان مقداره خمسمائة عام؟! فخفف الله على هذا الملك حامل الشمس، فشعر بذلك فقال: ربي! ما الذي حدث، شعرت اليوم بخفة حملي لهذه الشمس؟ قال: نبي من أنبيائي من البشر اسمه إدريس دعاني أن يُخفف عنك فاستجبت له. قال: يا رب! اجمعني به، فاجتمع به، وقال: يا إدريس! أنا ملك من ملائكة الله، أنا المكلف بحمل الشمس، ما حملك على الدعاء بالتخفيف لي؟ قال: شعرت بثقلها وحرها وشدة إشعاعها، فقلت: إذا عجزت أنا عن وجودي فيها اليوم فكيف بمن يحملها؟ فقال: لك عندي طلب، فاطلبه مني أفعله لك. قال: ألك صلة بملك الموت؟ قال: نعم. قال: اطلب لي من ملك الموت أن يؤخر أجلي؛ لأزداد طاعة وعبادة لربي وتقرباً، وعلى ذلك احملني من الأرض المكلف بها، وخذني إلى أعلى مكان. قال: آخذك إلى السماء الرابعة من السماوات فحمله، وبينما هو يستأذن الملائكة المكلفين بأبواب السماء الرابعة وجد ملك الموت، فقال: عنك أبحث، جئتك شفيعاً لإدريس نبي الله بأن تؤجل موته؛ حتى يزداد قرباً من الله وطاعة، فانظر متى يموت، فنظر في السجل الذي بين يديه. وقال: كان ينبغي أن يكون في هذه الساعة ميتاً، ولكن العجب عندي أنني مأمور بأن آخذ روحه في السماء الرابعة. فقال: هو ذا، وإذا به يلتفت إليه فيجده ميتاً، فيلقي به في السماء الرابعة حيث مات. وقال قوم: نبيان من أنبياء الله لا يزالان حيين في الأرض، ونبيان حيان في السماء، أما النبيان الحيان في الأرض: الخضر وإلياس، وأما النبيان الحيان في السماء: فعيسى وإدريس، فهذا قول بأنه استجيب له وبقي حياً، وسيبقى إلى يوم النفخ بالصور يوم لا تبقى نفس منفوسة. على أنه من الثابت في قصة الإسراء النبوية أن النبي ﵊ عندما أسري به إلى السماوات السبع إلى سدرة المنتهي، ثم إنه كان قاب قوسين أو أدنى، فاجتمع بإدريس في السماء الرابعة، وهل اجتمع به حياً أو ميتاً، على كل اجتمع بروحه، والروح لا تموت. والأمر كما يقول الحسن البصري: خلقنا للأبد، وإنما هي نقلة من دار إلى دار، كمن يرتحل في الأرض من حي إلى آخر، ومن قطر إلى آخر، فنحن ننتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة إلى دار البقاء. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧] فنقول: معنى العلو هنا: معنوي وهو حسي، أما المعنوي فهو قد رفع برتبته وبنبوءته وبرسالته إلى أن كان بها في المقام العلي بين الخلق، وهو علو حسي بأن رفع إلى السماء الرابعة ولقيه هناك نبينا ﵊، فهو رفع وعلو حسي ومعنوي معاً.

стр. 159

تفسير سورة مريم [٥٤ - ٥٨] لقد كان إسماعيل ﵇ من أنبياء الله الصادقين للوعد، وكان نبياً رسولاً، وقد كان إذا وعد لا يخلف وعده، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضياً.

стр. 160

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل) قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]. يقول الله لنبيه: واذكر في كتاب ربك إسماعيل جدك الأعلى ابن إبراهيم عليك وعليهما السلام، وقد خص الله ﷻ إسماعيل بآيات خاصة ومقتطع خاص؛ لأنه أعظم من إسحاق ويعقوب وأشرف منهما. فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، فإسماعيل بن إبراهيم أتى به أبوه إبراهيم خليل الرحمن، وذلك لأن أم إسحاق غارت من هاجر فحمله وحملها معه بأمر من الله ووحي إلى مكان زمزم، وكانت الأرض خلاءً في جزيرة العرب، فوضع إبراهيم الوليد وأمه، ولم يكن في الأرض نبع ولا نبت ولا أنيس، لا من أنس ولا حيوان ولا طائر، وأخذ نفسه وعاد. وإذا بزوجه هاجر تسرع خلفه وتقول: يا رسول الله! إلى من تتركنا؟ فلا يجيبها، فتشتد وتناجي وتزأر خوفاً على طفلها ووليدها، وهو لا يجيب. وبعد مدة قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً: لا يضيعنا. فمكثت تناغي وليدها أياماً بلا حليب، فبحثت عن الماء فلم تجد، فكان الولد يتضور عطشاً وجوعاً، إذ لا حليب ترضعه ولا ماء يشربه، فتركته وذهبت إلى الصفا والمروة، ابتداءً من الصفا وصعدت على أعلاه، وأخذت تلتف بنفسها يميناً وشمالاً لعلها ترى رجلاً أو حياة سواء من حيوان أو دابة أو طائر فلم تجد، فنزلت وأخذت تسعى إلى المروة وتصعد إلى قمتها وتلتف يميناً وشمالاً، وتبحث في كل الجهات الست لعلها ترى من يؤنسها وتأتنس به، وتأخذ ماءً لوليدها حتى لا يموت عطشاً، وهكذا إلى المرة السابعة. وكان هذا سنة السعي بين الصفا والمروة شكراً لله أن أحيا الوليد إسماعيل الذي لولا حياته لما كان محمد ﵊؛ لأن إسماعيل هو الجد الأعلى له، فلو مات طفلاً لمات محمد ﷺ في صلبه ولم يدر به أحد. فلما أتمت هاجر من الأشواط سبعاً رأت في المكان الذي فيه ولدها طيراً تحلق، والطير لا يحلق إلا حيث الماء، فجاءت مسرعةً ثائرةً، وإذا بها تجد الماء نابعاً عند رجلي طفلها، وكان الماء خفيفاً قليلاً فأخذت تضمه لبعضه وتقول له: زمزم، أي: اجتمع وتضاءل، قال النبي ﷺ : (لولا أن هاجر فعلت ذلك لكانت زمزم نهراً جارياً إلى يوم القيامة). فنزلت وارتوت هي وطفلها، وبعد أيام رأى أقوام الطير يحلق حيث زمزم فقالوا: عهدنا بهذا المكان خراباً يباباً، صحراء لا ماء فيها ولا نسمة، وإذا بهم يجدون هاجر ووليدها إسماعيل، فاستأذنوها بأن ينزلوا معها، فاشترطت عليهم أن الماء ماؤها والأرض أرضها، ولهم أن ينتفعوا بالأرض والماء، وماذا يطلب الإنسان أكثر من ذلك، ولكنها احتاطت لوليدها وسلالته من أن يتغلبوا على الماء وعلى الأرض فيخرجوهم. فكبر الوليد وشب وأخذ يتردد عليه أبوه إبراهيم ويتعهد حاله، فوجده مرة قد تزوج، وكان قد أرسله الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]. فهذا النبي الرسول الجليل أخذ يتعهده أبوه، فجاءه مرة فسأل عن بيته فأشير عليه به، فطرق الباب وخرجت زوجته. فقال: هل إسماعيل هنا؟ قالت: لا. قال: أين هو؟ قالت: ذهب ليتصيد ويأتينا برزق اليوم. قال: كيف طعامكم وشرابكم؟ قالت: في أسوأ حال. قال: إذا جاء إسماعيل فقولي له: يغير عتبة بيته. فجاء إسماعيل وكأنه شعر بأن إنساناً زائراً قد جاء، فقال: هل جاء أحد وسأل عني؟ فقالت: نعم. قال: من؟ قالت: لم يذكر اسمه، ولكن صفته كذا وكذا قال: ما الذي قال لك؟ قالت: قال لي: غير عتبة بيتك. قال: ذاك أبي رسول الله وخليله إبراهيم، وأنت عتبة بيتي، فقد أمرني بطلاقك فطلقها؛ لأنها لم تكن من الحامدات الشاكرات، فتزوج غيرها. ومضى وقت وجاء إبراهيم فطرق الباب، فوجد امرأة أخرى، فقال: من أنتِ؟ قالت: زوجة إسماعيل. قال: كيف حالكم؟ وكيف طعامكم وشرابكم؟ فقالت: نحن في أحسن نعمة، نحمد الله ونشكره ونطلبه المزيد. قال لها: إذا جاء إسماعيل قولي له: فليثبت عتبة بيته، فجاء إسماعيل وجرى الكلام معها كما كان مع الأولى. فقال: ذاك أبي خليل الله إبراهيم، وأنت عتبة البيت، فوالدي قد رضي بك وأمرني بتثبيتك وإبقائك. فأرسل الله إسماعيل إلى قبائل جرهم العربية العاربة، وإسماعيل جد الحجازيين؛ ولذلك يقال عن الحجازيين: العرب المستعربة، فإسماعيل لم يكن أصلاً من العرب، ولكنه جاء على الفطرة لا يعلم كلاماً ولم يسمع اللغة العربيَّة، فنشأ بين العرب العاربة الأصليين، فتعلم لغتهم وفصاحتهم وبلاغتهم، وهكذا كان أولاده من بعده. فقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤] فقد رأى إبراهيم -ورؤى الأنبياء وحي- رؤيا في المنام، فقال: يا إسماعيل! إني أرى في المنام أني أذبحك. وكان الغلام قد شب وبلغ معه السعي، فقال: يا أبت! افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين، ولن أعصي لك أمراً. فقد وعد إسماعيل بالصبر وصدق في وعده، وهل هناك وعد أكثر من أن يعد الإنسان برقبته أن تذبح؟! فتنفيذاً للوعد جاء إبراهيم وتله للجبين، أي: أماله لجانبه وأخذ السكين وتله للجبين، وإذا بالله ﷻ يناديه: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥] ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]. ومن هنا يقول علماء الكلام: السكين والنار والماء والطعام وكل شيء من هذه المعاني تشبع وتروي وتؤثر عندها لا بها، عند الابتداء بها والأثر من الله، والأمر أمر الله بدليل أن هذه السكين لم تذبح ولو أراد الله لها الذبح لذبحت، فكان بذلك صادق الوعد ﵇. ومن ذلك أيضاً لقي مرة صديقاً وعده بشيء، فقال له: انتظرني سآتيك قريباً، فانتظره إسماعيل ﵇ ثلاثة أيام ولم يأت، ومر صديقه مروراً مصادفاً فوجده فقال: ما زلت في انتظاري؟ قال: ألم تعدني وقلت لي: أنتظرك؟ وقد شققت علي، وحدث هذا لنبينا ﷺ . قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤] كان رسولاً من الله، إذ أمر بالرسالة ليبلغها لجرهم، وأوحي إليه فهو نبي رسول، ونلاحظ أنه ذكر أخاه إسحاق بالنبوءة فقط، فقال: ﴿ووَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩]، فلم يصف إسحاق ويعقوب إلا بالنبوءة، فكان إسماعيل أفضل منهما وأشرف منهما. وأكد هذا النبي ﵊ حيث قال: (واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل) فإسماعيل هو المصطفى المختار المميز من بقية الأنبياء الآخرين. ولليهود لعنهم الله كتاب يتجولون به في أقطار العالم الإسلامي أسموه التوراة، يشتمون فيه إسماعيل، ويفضلون عليه إسحاق جدهم ويعقوب أباهم المسمى بإسرائيل؛ كذباً على الله وافتراءً. قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥]، وكان من خصائصه حرصه على تبليغ الدعوة، فكان لا يأمر بها جرهماً فقط، بل يأمر أهله نساءً وأولاداً، غلماناً وإماءً، بنات وذكوراً. ويأمرهم كذلك بالزكاة إن وجد عندهم ما تم نصابه، فيزكون من مالهم للفقراء والمساكين، ويزكون معنى لجاههم وقوتهم ونفوذهم، ومما أكرمهم الله به، ومما هم أقدر عليه من غيرهم. قال تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥]. أي: كان رضياً عند الله، وكان عمله مقبولاً مرضياً عنه من صبر وصدق في الوعد، وأمر لأهله بالصلاة والزكاة، وقد فسر الأهل بالأمة والأتباع كلها، فكلهم أهله وأنصاره وأتباع دينه، فكان مثابراً على ذلك ليله ونهاره، لا يكل ولا يمل.

стр. 161

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. قوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم:٥٨] أي: الأنبياء الذين ذكروا ومن كانوا على صفتهم في النبوة والرسالة ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم:٥٨] أي: جعلهم يعيشون في نعم وخيرات وأرزاق متتابعة، وشرفهم ورفع أقدارهم، وجعلهم سادة الخلق. قال تعالى: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم:٥٨] ذكر الله هنا ذريات ونبوءات بعضها من ذرية آدم وبعضها من ذرية نوح، وبعضها من ذرية إبراهيم، وبعضها من ذرية إسرائيل (يعقوب). فقوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم:٥٨] فمن ذرية آدم: إدريس، وإدريس ليس ولداً لنوح، ومن باب أولى ليس ولداً لمن جاء بعده، فهو من سلالة آدم، ولا أبوة لنوح عليه، بل هو جد والد نوح. وقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [مريم:٥٨] فإبراهيم هو ابن سام بن نوح، وقد حمله نوح معه في السفينة، وكان ممن آمن وأنجاه الله في السفينة مع المؤمنين، فكان ممن حُمِل مع نوح سام، وهو الجد الأعلى لإبراهيم. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ [مريم:٥٨] من ذرية إبراهيم: إسماعيل وإسحاق، فهما ولداه البكران وليس لمن بعدهم أبوةٌ عليهما. ومن ذرية إسرائيل: زكريا ويحيى، وعيسى من قبل أمه مريم، فكان هؤلاء أنبياء من ذريات هؤلاء الأنبياء جميعاً. قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ [مريم:٥٨] أي: من القوم الذين هديناهم لطريق الحق وتوحيد الرب، وهديناهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاختارهم الله أنبياء وأصفياء ورسلاً له ومقربين عنده. قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨] هؤلاء الأنبياء جميعاً إذا سمعوا كتاباً، أو سمعوا آيات وعلامات من وحي الله ومن ومعجزاته، سجدوا لله عند ذكر آياته وتلاوتها. ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨] أي: بادروا إلى السجود بين يدي الرحمن، و (بكي): جمع باكٍ، أي: خروا ساجدين باكين، وعندما قرأت هذه الآية بمحضر أمير المؤمنين عمر ﵁ قال: هؤلاء السجود فأين البكي؟ ويريد الباكين ممن حوله، ولكن من لم يبك فليتباك. وقد وجد عمر ﵁ رسول ﷺ وأبا بكر يبكيان، وذلك عندما نزلت آية فيها تأنيب لهما على ما أخذا من فداء على الأسرى، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، فقال: قصوا علي ما بكم فإن لم أجد بكاءً تباكيت؟ فقص عليه رسول الله، فقال: كان العذاب منا أقرب من هذه الشجرة -شجرة قريبة منهما-، ولو نزلت لعمت الناس إلا أنت؛ لأن عمر كان معارضاً في أخذ الفدية من الأسرى، فقد أشار على رسول الله بقتلهم، وهذه من الآيات الكريمة التي وافقت رأي عمر ﵁. ومن هنا كان يقول ﷺ : (إن يكن في أمتي محدثون فـ عمر).

стр. 162

تفسير سورة مريم [٥٩ - ٦٠] ذكر الله تعالى في هذه الآيات أنه يخلف الصالحين خلْف يتركون الصلاة، ويتبعون الشهوات، فمصيرهم جهنم وبئس المهاد، ثم استثنى الله تعالى من تاب من ذلك وآمن وعمل الصالحات فأولئك يتوب الله عليهم، ويدخلهم الجنات، ولا يظلمهم شيئاً.

стр. 163

تفسير قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف) قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]. بعد أن ذكر الله حزب الصالحين من الأنبياء والرسل وورثتهم، عقب ذلك بذكر حزب الشياطين الذين بدلوا وغيروا وخرجوا عن أمر الأنبياء وطاعتهم ورسالاتهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم:٥٩] أي: خلف من بعد هؤلاء الأنبياء: زكريا ويحيى وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل، خلف أضاعوا الصلاة، يقال لغةً: خَلْف وخَلَف، فَخلَف يقال للذرية الصالحة، وخَلْف يقال للذرية الطالحة، فيقال: فلان كان خير خلَف لخير سلف، ويقال: فلان كان شر خلْف لخير سلف. والله أخبر أنه قد جاء من بعد هؤلاء أقوام خلفوهم وكانوا على غير هديهم وطريقتهم، فبعد أن انتهوا ومضوا وهلكوا جاءت قرون تخلفها قرون وأجيال تخلفها أجيال، فهؤلاء خَلَف من بعدهم خَلْفٌ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. قال ابن عباس وجمهور من السلف الصالح: كان إضاعتهم للصلاة تركها، فهؤلاء تركوا الصلاة وكفروا وأشركوا، وخرجوا عن سبل الإسلام وعن هدي الأنبياء، وقيل: أضاعوا أوقاتها فذلك ضياعها، فمن أسباب الهلاك تضييع أوقاتها سهواً أو إغفالاً أو عدم اهتمام أو بعداً عن أمر الله وطاعته. وكون تارك الصلاة كافراً هو ما عليه الجمهور من السلف الصالح، وقد قال النبي ﵊: (الفرق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة)، وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وذلك مذهب أحمد بن حنبل وقول للإمام الشافعي. وسواء فسرنا بضياعها تركها أو بالسهو عن أوقاتها وإغفالها، فبسبب ذلك حشرهم الله مع الذرية الضائعة الطالحة التي خلفت الأنبياء والرسل على غير ما يجب أن يخلفوا به من الطاعة لله والطاعة لرسله، والقيام بالعبادة كما أمر الله ورسله. فمن صلى الصلاة في غير أوقاتها فقد أهمل وسها وتهاون وتلاعب، وأما من تركها البتة فقد كفر، ويكون بذلك خَلْفَ سوء لسلف صالح من الأنبياء والمرسلين وورثتهم من العلماء الصالحين. ومن خصائص الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهؤلاء لم يبق عندهم ما يحصنهم ويردعهم ويبعدهم عن السوء والفحشاء. فعندما يتهاونون بالصلاة تركاً لها أو تركاً لأوقاتها فإنهم يتبعون الشهوات والمعاصي وشرب الخمور وأكل الربا وأكل السحت وظلم الناس والاعتداء على أعراضهم ظلماً وعدواناً وعلواً في الأرض وفساداً، فما كان تحصيناً وما كان سياجاً وحفاظاً على حياتهم الإسلامية وأعمالهم الدينية زالت عنهم بتركهم الصلاة، ولم يبق لهم ما يحصنهم ولا ما يحفظهم، فبسبب تركهم الصلاة وعدم القيام بها في أوقاتها اتبعوا الشهوات من فسق ودعارة وأكل للحرام وارتكاب للسوء بكل أنواعه. وقال عبد الله بن مسعود: هؤلاء فئة لم تأت بعد، يتركون الصلاة فينزو بعضهم على بعض في الشوارع والأزقة والطرقات نزو الكلاب والخنازير والدواب، وصدق رسول الله ﷺ القائل: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). وهؤلاء قد ابتدأ عصرهم وآن أوانهم، فهم يرون في الكثير من ديار الإسلام، أما ديار الكفر فمن جاء على أصله فلا سؤال عليه، ولكن العجيب أن يكون ذلك في ديار الإسلام وأرض المسلمين، وهم لا يحللون حلالاً ولا يحرمون حراماً. قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] السين للتسويف القريب، وسوف للتسويف البعيد، فهؤلاء الذين يضيعون الصلاة ويأتون الشهوات بأنواعها والموبقات بأشكالها، سيلاقون في مستقبل أيامهم عند هلاكهم غياً، والغي: الفساد والهلاك والتدمير والذل والهوان. فهؤلاء الذين أتوا الفواحش سيكون جزاؤهم الخزي من الله والخراب والدمار والفساد، فتفسد عليهم دنياهم وآخرتهم. وقال الجمع الغفير من المفسرين: إن الغي: واد في جهنم تسيل فيه دماء وقيح الكافرين من أهل النار، وهو في قعر جهنم، وكلما حاولت جهنم أن تنطفئ إذا بهذا الوادي يسعرها ويزيدها لهيباً واشتعالاً، وهي غذاء وشراب هؤلاء المفسدين التاركين للصلاة، والذين ارتكبوا الشهوات. وتارك الصلاة ليس بكافر على قول، ولكنه مع ذلك يعتبر وباءً يجب أن يزال من الأرض. فقال المالكية: يجب زوال تارك الصلاة من الأرض حتى لا يعدي غيره قريباً أو بعيداً من أسرته أو من طلابه أو من عموم الناس، فيجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بمثل ذلك الشافعية. وقال أبو حنيفة: لا يقتل، ولكن يسجن سجناً أبدياً، بحيث إذا خرج وقت الصلاة ولم يصل يدعى للصلاة فإن صلى فذاك وإلا بقي في السجن، وهكذا إلى أن يموت في السجن. وقال الظاهرية: لا يسجن ولا يقتل ولكن يجلد عشر ضربات، إلا أنه إذا جلد العشر فلم يصل تعاد عليه، فإن صلى فذاك وإلا سيعاد عليه الضرب عشراً فعشراً إلى أن يموت أو يصلي. إذاً: فكلهم اعتبروه شخصاً موبوءاً يجب أن يبعد عن الناس؛ لكي لا يعديهم بقلة دينه، وباستهتاره بطاعة ربه؛ ولكي لا ينشر بينهم ترك عبادة ربه وترك السجود له والصلاة.

стр. 164

تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً) قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]. ربنا ﷻ من رحمته بخلقه وعباده حتى بالعصاة المذنبين يقرر العذاب ونوعه وينذر ويتوعد، ثم يدعو خلقه وعبيده إليه: إن أنتم تبتم وتراجعتم فالله يتوب على من تاب، قال رسول الله ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)، وقال أيضاً: (الإسلام يجب ما قبله) أي: يقطع ما سبق من الذنوب والآثام كما قال سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيستثني الله من هؤلاء التاركين للصلاة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٦٠]، وشروط التوبة ثلاثة: ألا يعود للذنب الذي ارتكبه، وأن يندم على ما صدر منه، وأن يعطي عهداً بينه وبين نفسه لربه ألا يعود لذلك الذنب الذي تاب منه. فإن كان الذنب مع ربه فإنه يشترط في التوبة هذه الثلاثة الشروط، فإن خلا من التوبة شرط من هذه الشروط لم تقبل توبته، فتارك الصلاة إذا قال: تبت، فمن تمام التوبة أن يعود للصلاة، ويعوض ما فاته، ويندم على ما فات من الذنب، فيجد ألماً وحسرة ويتعهد ألا يعود لذلك، فإن غلبه الشيطان أو رفاق السوء فليجدد التوبة مرة أخرى. وأما إذا كان الحق للإنسان فيشترط هذه الشروط ويزاد رابعاً وهو: إن كان مالاً قد أخذه فيجب أن يعيده له، وإن كان حداً قد ارتكبه في حقه فيجب عليه أن يسلم نفسه لقيام الحد إلا أن يعفو صاحب الحد، وإن كان شتيمة أو سوءاً أو كان شيئاً دون ذلك فليذهب إلى من أساء إليه وليتحلل منه، وبعد ذلك يغفر الله ويتوب، وكما قال الشاعر: كن كيف شئت فإن الله ذو كرم وانسَ الهموم فما في الأمر من باسِ سوى اثنتين فلا تقربهما أبداً الشرك بالله والإضرار بالناس إذ الشرك لا مغفرة له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]، وحقوق الناس لا تغفر إلا إذا غفرها أصحابها وتنازلوا عنها، وإلا فسيدانون عليها، ويؤدونها بالوافر يوم القيامة، فإن لم يوجد عند أحدهم ما يؤديه فإنه يؤخذ من حسناته وتضاف إلى ميزان من ظلمه. ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [مريم:٦٠] أي: آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٦٠] أي: لا بد مع الإيمان والتوبة أن يعمل الصالحات، والصالحات تجمعها الأركان الخمسة: الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، فمن قام بما عليه من أركان فقد أفلح، إلا المال فإن وجد مالاً زكى وإلا فلا زكاة عليه، وكذلك الحج إن وجد زاداً وراحلة فليحج. قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]، فالتائبون من الذنوب كمن لا ذنوب لهم، فهم القائمون بالصلوات في أوقاتها، والصائمون شهر رمضان بما أمر الله به من واجبات وسنن ومستحبات وترك للمكروهات، والقائمون بما عليهم من حج بيت الله الحرام، والإتيان بكل حسنة وبكل شعيرة من الشعائر الطيبة، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧]. وضابط ذلك ما قاله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، فإذا أمر النبي ﷺ بأمر فليأت المأمور بما استطاع، فأمرنا بالصلاة قياماً فمن عجز لمرض فليصل جالساً، وأمرنا بالوضوء للصلاة فمن عجز فليتيمم، وأمرنا بالحج فمن عجز فلا حج عليه، (فأتوا منه استطعتم). ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] أي: فلا تفعل لزوماً، فلا زنا ولا سرقة ولا ربا ولا ظلم ولا شرك ولا كفر، إلى آخر ما هناك من المنهيات، فعلى المؤمن الحق أن يفعل من الخير ما استطاع ووجد إليه سبيلاً، وأن يترك جميع ما أمر بتركه. قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [مريم:٦٠] أولئك يكونون مع المؤمنين الصادقين في الجنان، وهي درجات ما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، فأعلاها الفردوس، وهي مساكن الأنبياء والمرسلين. قال تعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠] أي: لا يظلمون في كل ما قدموه من طاعة وفعل خير، حتى ما سبق أن فعلوه قبل المعصية وقبل الذنب فإنه يعود لهم ويجازون عليه ولا يظلمون منه شيئاً، وما تابوا منه تاب الله عليهم، والإسلام يجب ما قبله، ومن تاب تاب الله عليه، وكما قال ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).

стр. 165

تفسير سورة مريم [٦١ - ٦٨] يصف الله تعالى الجنة التي وعد بها عباده الصالحين، وأنها دار إقامة لا انتقال منها، ولا يسمع فيها اللغو ولا الإثم، ثم يصف الله ملائكته أنهم لا يتنزلون ولا يعلمون أي عمل إلا بإذنه وأمره سبحانه فهم لا يعصون الله أبداً، ويفعلون ما يؤمرون.

стр. 166

تفسير قوله تعالى: (جنات عدن التي وعد الرحمن) قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم:٦١]. خلق الله الجنة وأكد أنها جنات عدن، أي: جنات إقامة دائمة، يقال: عَدِنَ في المقام في المكان إذا أقام فيه، فهؤلاء في الجنات سرمداً لا خروج ولا موت أبداً. والجنة جنات وليست جنة واحدة، وهي جنات عدن مقيمة باستمرار يمتع فيها أهلها وسكانها، تلك الجنة التي وعد الله سبحانه بها عباده بالغيب، والله خير من يوفي بوعده، فقد وعدهم غيباً وهم لم يروها، أي: وعدهم بشيء آمنوا به بالغيب، قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣]. والإيمان بالغيب أصل الدين؛ لأن الذين أخبرونا بذلك عباد لله مكرمون صادقون مصدقون، لا تعرف عنهم كذبة في حياتهم فكيف بالكذب على الله؟! هذه الجنات التي وعد الله عباده غيباً قبل أن يراها أهلها وسكانها سيدخلونها مع الأنبياء والصديقين، وحتى العصاة والمذنبون إذا تابوا وأنابوا وعادوا للطاعة مستغفرين من ذنوبهم نادمين على ما سلف منهم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم:٦١] أي: كان موصولاً إليه، وذكر بصيغة اسم المفعول، وذلك أسلوب من أساليب العرب، يكون المفعول فاعلاً ويكون مفعولاً، فتقول: بلغت علي ستون سنة، وبلغت ستين سنة، ووصلني الخير من فلان، ووصلت الخير الذي لفلان، فسواء وصلك أو وصلته فأنت قد أتيته وأتاك، فأنت آت مأتي. وكذلك وعد الله بدخول الجنان هو آت، بحيث سيبلغك وستكون فيه، وستمتع بما فيه من متع أهل النعيم، من المرسلين والصديقين والشهداء، وستبلغ أنت له فتمتع به، والشيء واحد، أتيته أو أتاك المهم أنه قد بلغك، وبلغت ما وعدك الله به ولقد كان وعد ربنا مأتياً، أي: لا بد أن يؤتى ويأتي، أن يأتي عباد الله الصادقين التائبين ويأتونه.

стр. 167

تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً) قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢]. هذه الجنان عندما يكرمون بالدخول إليها لا يسمعون فيها لغواً، أي: لا يكون فيها من قول الباطل شيء، ولا من الكلام الذي لا يفيد، فهم لا يسمعون لغواً إلا سلاماً، وهذا استثناء منقطع، فالمستثنى من غير جنس المستثنى منه، أي: لا يجدون فيها إلا الأمان والسلام واليقين والراحة والسعادة. كذلك يسلم عليهم الله ﷻ فهو السلام ومنه السلام، وتسلم عليهم ملائكة الرحمة، وما السلام إلا العيش في سلام وأمان ويقين وكل ما يريد أن يعيش فيه المتنعم من سكان أهل الجنة. فقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [مريم:٦٢] أي: آذانهم لا تسمع إلا الحق والصواب، فلا تسمع اللغو ولا الباطل ولا ما لا يليق سماعه إلا سلاماً، فلا يسمعون إلا الأمان والسلام والتحية من الله ومن الملائكة من حين يصبحون وإلى أن يمسوا. قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] فأهل الجنة يأتيهم رزقهم، ويأتيهم النعيم والطعام والشراب بكرة وعشياً، صباحاً ومساءً، ومع ذلك فالجنة لا بكرة فيها ولا عشي، أي: لا ليل ولا نهار، ولا حر ولا زمهرير، ولا ما يؤذي، إن هو إلا النور والإشراق. فإذا أرخيت السبل فهو وقت النهار في دار الدنيا، فإذا أرخيت الحجب فذلك معناه وقت الراحة، مع أنهم لا يتعبون ليستريحوا، فهم في راحة أبدية مستمرة، ولكن ذلك باعتبار الدنيا، فقد كان أهل النعيم في الدنيا يأكلون صباحاً ويأكلون مساءً. فالزمن الذي كانوا يأكلون فيه صباحاً ومساءً في الدنيا يرزقون فيه في الآخرة باعتبار زمن الدنيا، لا أن الآخرة فيها ليل أو نهار أو شمس. فقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] بحسب تقدير البكور والعشايا في دار الدنيا، وإلا فإن الآخرة لا بكرة فيها ولا عشي، فالوقت كله نور وإشراق.

стр. 168

تفسير قوله تعالى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً) قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣]. تلك الجنة التي لا لغو فيها ولا تأثيم، وتلك الجنة التي يأتي الرزق فيها بكرة وعشياً، وتلك الجنة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها ولا صخب ولا غم ولا هم، تلك الجنة يرثها المتقون من عباد الله، فهم ورثتها وسكانها وأهلها والقائمون عليها وفيها. كما قال ربنا في تلك الصفات الكريمة النبيلة من سورة المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١]، حين قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٩] إلى أن قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١]. فأولئك هم ورثة جنة النعيم، الذين يورثهم الله جنته وجنانه خالدة دائمة.

стр. 169

تفسير قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك) قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]. هذه الآية سبب نزولها مجيء كفار قريش يسألون النبي ﷺ عن أهل الكهف من هم؟ وعن الروح ما هي؟ وعن قوم كانوا في أول الزمان فتاهوا فلم يعرف لهم مقام؟ فقال لهم ﵊: (غداً نخبركم)، ولم يستثن ولم يقل: إن شاء الله، فلم يأته جبريل إلا بعد خمسة عشر يوماً، وقيل: أربعين يوماً، حتى ظن الظانون من كفار قريش أن الله قد قلى محمداً. فعندما جاء جبريل إلى النبي ﷺ قال له النبي: (قد أطلت علي البعد حتى اشتقت إليك، قال: أنا لك أشوق، ولكننا عباد مأمورون، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤]) أي: لا ننزل إليك من السماء ولا إلى خلق من خلق الله إلا بأمر من الله، فإن أمرنا نزلنا وإن لم يفعل بقينا. قال تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم:٦٤] أي: له ما بين أيدينا من مستقبلنا ومستقبل العالم والكون، قوله: ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم:٦٤] أي: وما سبقنا من دهور وعصور منذ كانت السماء دخاناً، والعرش على الماء، إلى أن خلق الله السماوات السبع والأرضين السبع، ثم خلق ما خلق، ثم خلق آدم ومن جاء بعده من أولاده من الأنبياء والرسل، إلى أن جاء خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. فهو سبحانه يملك المستقبل وعلمه، ولا يملكه أحد معه، ويملك الماضي وعلمه، ولا يملكه أحد معه، وله ما يستقبلنا من حياة وأعمال، فنحن لله بجسومنا وبأرواحنا وبتفاصيل أعمالنا، وبكوننا الذي نوجد فيه، ولذلك لا نأتي كمخبرين ولا معلنين ولا موحين إلا بشيء يوحيه إلينا، فإن أمرنا فعلنا. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] أي: لم ينسك ربك ولم يتركك، كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١] إلى قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] أي: لم يدعك ربك ولم يهملك ولم يقلك ولم يبغضك، ولكن ذاك شيء يقوله خصومك وأعداؤك من الكافرين. ولكل من الآيتين سبب في النزول، فسورة الضحى نزلت عندما تأخر الوحي سنتين أو ثلاثة سنين بعد نزول الوحي في غار حراء، بحيث إن النبي ﷺ اشتاقت نفسه لتمام الوحي والرسالة، فكان المشركون من أهل مكة يقولون عنه: ولقد قلاك ربك وودعك، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:١ - ٥]، فدع هؤلاء في هذيانهم وهرائهم وباطلهم، فكل ثانية تمضي من وجود الكون إلا ولك فيها من الإفضال والأجر والثواب والخير والصلاح، بل وأكثر من ذلك. ثم قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥] أي: لا كما زعمت قريش بغضاً وكفراً وتمنياً في العداوة. وعن أبي الدرداء كما في مسند أحمد وكما في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ما حرم الله فهو حرام، وما أحله فهو حلال، وما سكت عنه فهو عفو، فخذوا من الله عافيته) أي: ما لم ينص على كونه حراماً فهو حلال، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤]، فربك لا ينسى ولا تأخذه سنة ولا نوم، فالله ﷻ لا ينسى خلقه ولا ينسى تدبيرهم ولا رزقهم ولا عطاءهم ولا عقوبة أهل العقوبة منهم.

стр. 170

تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما) قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] أي: ليس هو ربك وحدك، بل هو رب السماوات ورب الأرضين ورب ما بينهما من هذه النجوم التي نرى، والتي لا يحصي عددها إلا الله، ومن هذه المجرات التي تعد بالملايين، وما بين ذلك، فهو رب كل شيء سبحانه. فقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم:٦٥] أي: رب كل سماء وكل أرض، ورب ما بين كل سماء وأرض. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٥] أي: لا تكل ولا تمل، بل اعبد الله حتى يأتيك اليقين، واعبد الله ما دمت حياً، واعبده بما أمرك به، ولا تكون العبادة اختراعاً أو اجتهاداً، ولا تكون بالأماني والأحلام، فقد أمرنا بخمس صلوات في أوقاتها المعهودة، فمن نقص أو زاد أو صلاها قبل الوقت أو بعده يكون متلاعباً لا تقبل منه صلاة، وما كان كذلك هو بالجهالة أو بالمستهزئين أقرب إلى صفة المسلم. فقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم:٦٥] أي: لا تمل ولا تكل، بل قم بالعبادات والطاعات كلها، فأمر بالصلاة فعلينا أن نصلي، وأمرنا بالصيام فعلينا أن نصوم، وأمرنا بالحج فعلينا أن نحج، وأمرنا بالعطاء فعلينا أن نعطي، وأمرنا بالجهاد فعلينا أن نجاهد، وهكذا في جميع أبواب الخير. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] أي: هل تعلم لله شبيهاً يخلق السموات والأرض كما خلقها سبحانه؟ الجواب لا، لا نعلم ولا يوجد، فليس له شريك ولا شبيه ولا ند، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤].

стр. 171

تفسير قوله تعالى: (ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حياً) قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم:٦٦]. هذا الإنسان الطاغية المتجبر والضعيف الخلقة والنشأة مع ضعفه وهوانه وخلقه من ماء مهين، يأبى إلا الطغيان والكفر والشرك والخروج عن أمر الله. فقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم:٦٦] أي: أيعقل أنني إذا مت وصرت فتاتاً في التراب سوف أرجع كما كنت؟! أيعقل أن أخلق مرة أخرى وأن أكون شيئاً مذكوراً؟! أيعقل أن أخرج من الأرض سميعاً بصيراً حياً متكلماً؟! وإذا بالله يقرعه ويوبخه بالدليل العقلي القطعي الذي لا يرده إلا مجنون. فيقول الله له: ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٧] أي: أنسي الإنسان أننا عندما خلقناه أخرجناه لهذا الوجود ولم يكن قبل البتة، فلم يكن له ذكر ولا وجود ولا كيان، ثم بعد ذلك كان وأخرجناه، فأيهما أصعب: الإيجاد من عدم أو تجديد الحياة بعد أن كانت؟ وذلك أهون عليه، والكل هين عليه ﷻ . فالله يقول: ألا يذكر هذا المخلوق الضعيف أنا خلقناه وأبدعناه وكوناه وأوجدناه ولم يكن شيئاً مذكوراً، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، نعم قد أتى.

стр. 172

تفسير قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين) قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨]. يقسم الله بذاته العليا أنه سيحضر يوم القيامة هؤلاء المنكرين للبعث وسيأتي بهم يوم القيامة مقرنين مع الشياطين، ثم يجمعهم معهم جمعاً. فقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم:٦٨] أي: يحشرون يوم القيامة، ثم يؤكد الله ذلك باللام الموطئة للقسم تأكيداً للقسم الأول ليحشرنهم مع الشياطين، ويقسم بأنه سيقذف بهم في جهنم مع الشياطين. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨] أي: ثم لنأتين بهم ليحضروا محاطين بجهنم جثياً، أي: قائمين على الركب، وهو جمع جاثٍ؛ لذلهم وهوانهم وكفرهم وإشراكهم، نعوذ بالله من أحوالهم.

стр. 173

تفسير سورة مريم [٦٨ - ٧٢] يتوعد الله تعالى الكافرين والصادين عن سبيل الله تعالى بأن يحشرهم ويجمعهم مع الشياطين حول جهنم وهم جاثون على ركبهم من الخوف، ويذكر تعالى أن البشر كلهم واردون النار، وذلك هو المرور على الصراط، فينجو المؤمنون ويكب الكافرون في النار على وجوهم عمياً وبكماً وصماً.

стр. 174

تفسير قوله تعالى: (فوربك لنحشرنهم والشياطين) قال الله ﷻ : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٦٨ - ٧٠]. كنا مع الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين، وما أعد الله لهم من جنان وخيرات ونعيم ورضوان، وهانحن أولاء مع من أنذروا بكفرهم وخروجهم عن أمر الله، وهكذا فإن الله ﷻ في كتابه الكريم يقابل بين نذارة وبشارة، كما هي وظائف الأنبياء فإنهم يبشرون الصالحين بالجنة والرضا، وينذرون الطالحين بالسعير والغضب من الله. يقول ﷻ عن هؤلاء الذين عصوا وتمردوا وكفروا وأشركوا ويقسم الله بذاته العلية: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم:٦٨] أي: بعد أن يلعنهم ويبعثهم ويجدوا أنفسهم في يوم القيامة مع الشياطين الذين عبدوهم واتبعوهم في دار الدنيا، يحشرهم جميعاً إليه ويقذفهم في النار. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨] أي: ثم ليكونن حاضرين موجودين مقيمين حول جهنم جثياً، والجثي: جمع جاث، وهو الواقف على ركبتيه؛ زيادة في الذل والهوان مع الازدحام الشديد من أهل النار، فلا يكادون يجدون مكاناً للجلوس إلا ما كان من الوقوف على الركب. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩]. وبعد أن يحشر الله الكفرة الظالمين أئمةً وتابعين، يجمع الأئمة وينزعهم من بين أتباعهم، كما قال: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ﴾ [مريم:٦٩]، أي: يزيل هؤلاء الأئمة الذين كانوا يصدون عن سبيل الله، وكانوا يدعون للشرك والضلال، وكانوا يصدون عن النبوءات والرسالات، فينزعهم من بين جموعهم وأتباعهم. قال: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم:٦٩] أي: من كل أمة، أو من كل طائفة أو جماعة. قال: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩]، (أيهم) هنا بمعنى: الذي، فهي تعامل معاملتها في أنها تبقى مبنية لا ترفع ولا تنصب ولا تجر، فتقول: رأيت أيُّهم أعلى مقاماً، ومررت بأيُّهم أحسن علماً، وجاء أيُّهم أرفع شأناً؛ حتى ضرب بها المثل فقيل في النحو: أي كذا خلقت، أي: خلقت مبنية على الضم أبداً، فلا تؤثر فيها المؤثرات من الإعراب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩] أي: أكثرهم ظلماً وطغياناً وعتواً وفساداً في الأرض، فهؤلاء يجمعهم الله ليكون عذابهم أشد ومحنتهم أنكى، فيتحملون عذابهم وعذاب أتباعهم بحيث لا ينقص من عذاب أتباعهم شيء. فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩] أي: ثم يخلع الله وينزع من كان أشد عتواً وظلماً وكفراً وغلواً من بين أتباعه، ليكون مزيد العذاب له؛ جزاء كفره وإمامته في الكفر، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة:١٢]، وهكذا نبه الله على قتالهم بالذات. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٧٠] أي: أعلم منك يا محمد! وأعلم من الخلق كلهم بمن يستحق العذاب والحريق والغضب واللعنة، قال: ﴿بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٧٠] أي: حريقاً، وصلي جمع: صالٍ، أي: محترق في النار، وهو من التصلية أي: التحرقة بالنار، إذ تصلى وتشتعل وتلتهب، ويكون هو وقودها وأعوادها وفحمها. فقوله: ﴿هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٧٠] أي: أولى بالنار من غيرهم؛ لشدة كفرهم وطغيانهم وتعديهم، ولشدة صدهم عن الله ورسالاته، فهؤلاء يكونون في قعر جهنم وينالون من العذاب ما لم ينله أحد، إذ يُزاد في عذابهم لإمامتهم وكفرهم، وبعدهم عن الله ورسالاته.

стр. 175

تفسير قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]. قوله: (وإن منكم) أي: ليس منكم من أحد برٍ أو فاجر، مسلم أو كافر إلا ويرد على النار ويمر عليها، ثم ينجي الله كل واحد بعمله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]، فكان ورود هؤلاء أبراراً وفجاراً على ربك حتماً مقضياً، أي: أوجب ذلك على نفسه فأقسم عليه بذاته العلية، وكون كل إنسان سيدخل النار هي عقيدة المسلمين جميعاً، وينكرها الكثير من الطوائف المبتدعة من المسلمين، مثل نافع بن الأزرق وكان من الخوارج، وكان يسأل ابن عباس عن آيات القرآن وعن بيانها وتفسيرها من اللغة والسنة، فقال نافع: يا ابن عباس! قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] من الوارد؟ قال: أنا وأنت، قال: لا؛ يردها الكافر، قال: أنا وأنت، أما أنا فسأخرج منها، وأما أنت فستبقى فيها لتكذيبك، فضحك نافع. ويعتقد هؤلاء أن الآية خاصة بالمشركين، ولكن الأحاديث الصحيحة المتظافرة تؤكد هذا المعنى، يقول ﵊: عندما يحشر الناس يوم القيامة: (يضرب ما بين الجنة وبين النار صراط، هو أحد من السيف، على جانبيه كلاليب تحملها الملائكة، وهذا الصراط مدحضة مزلة) أي: لا تكاد تقر عليه رجل الإنسان، فيجد نفسه أنه لا يستطيع أن يستقر عليه، ويقول النبي ﵊: (أما أنا فسأكون أسرعكم مروراً عنه، فسأمر عليه مرور الريح المرسلة، وتمر عليه الأنبياء كذلك، وسيمر عليه الصالحون وعباد الله المتقون: بعضهم كأجاويد الخيل، وبعضهم كالمسرع من الدواب، وبعضهم كالمسرع من الإنسان، وبعضهم يمشي عليه حبواً فيقف ويسقط، والبعض لا تكاد تقف رجلاه حتى يسقط في قعر جهنم، وتأخذه الملائكة بالكلاليب وتسحبه إلى النار، وتقول الملائكة والمؤمنون والأنبياء والصالحون والشهداء: اللهم سلم سلم) أي: يكون دعاء الملائكة ودعاء رسول الله ﷺ وهم يمشون على الصراط: اللهم سلم، اللهم سلم. فهذا الحديث متواتر، وقد تواترت الرواية فيه عن الجماهير من الصحابة، ومما يؤكد ذلك: أن النبي ﵊ يقول: (ما من إنسان يموت له ثلاثة من الولد إلا وأنجاه الله من النار إلا تحلة القسم)، وتحلة القسم هي قسم الله أن يرد النار كل إنسان، ولتحليل يمينه ﷻ يمر هؤلاء عليها مروراً لا تكاد تؤذيهم ولا تمسهم، ولكنهم مع ذلك يدخلونها ويمرون عليها. فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] أي: سبق في علمه السابق أنه من الحتم المقضي القائم الواقع أن يدخل كل إنسان براً كان أو فاجراً إلى النار، كما قال تعالى بعد في الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] أي: واجباً وقائماً واقعاً. والآية الثانية تؤكد هذا المعنى، إذ يرد النار كل إنسان سواء كان مؤمناً أو كافراً براً أو فاجراً، أما التقي الصالح فقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم:٧٢]، ولا تكون النجاة إلا من الوقوع في تهلكة، ثم تقع النجاة، فهم قد وردوا النار ولكن الله نجاهم لتقواهم وصلاحهم. فقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢] أي: نترك وندع الظالمين لأنفسهم بالكفر والشرك جاثين على ركبهم، إذ لا يكادون يجدون مستقراً زيادةً في النقمة والعذاب والآلام، ولما في النار من الزحام الشديد لا تكاد تحمل من فيها وهي مع ذلك تطلب المزيد، فيضع عليها الرحمان قدمه، فتقول: قطني قطني. وأما الجنة فيبقى فيها فراغ كثير، فيخلق الله لها خلقاً ليتمتعوا ويؤنسوا المؤمنين.

стр. 176

تفسير سورة مريم [٧٣ - ٨٤] إن الله تعالى يزيد من اهتدى وسعى في الخير خيراً ويوفقه إلى الصالحات، ومن تنكب طريق الخير واتبع الشر فإن الله يمد له في الشر حتى يستدرجه، ولا يبقى إلا الأعمال الصالحة التي تنفع العبد في الدنيا والآخرة، وغير ذلك يضمحل ويفنى.

стр. 177

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣]. ينزل الله ﷻ آياته البينات ومعجزاته الواضحات وعلامات قدرته على الخلق، والإيجاد مما لا يستطيعه إلا هو ﷻ وعز مقامه، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [مريم:٧٣] أي: إذا تتلى على الناس قصص الأنبياء، وقدرات الله تعالى على الخلق والإيجاد بما يعجز عنه الناس. قوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ [مريم:٧٣] أي: واضحات معروفات لا ينكرها إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر، فعندما يحدث ذلك في دار الدنيا يقول الذين كفروا للذين آمنوا: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] أي: فريق الكفر وفريق الإيمان أيهما أحسن مقاماً؟ والمقام: هو المنزل، والندي: هو المجلس، فهؤلاء السخفاء يظنون أنهم الأفضل؛ لأنهم أغنى من المؤمنين، وأكثر رفاهية، وأوسع دوراً، وأعظم قصوراً، وأحسن مجلساً، وأما الفقير المسكين فقد قال ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره)، فهؤلاء الطغاة والأغنياء والعتاة والمرفهون يجلسون مجالسهم في دار الدنيا بالحرام وأكل السحت، وأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً في الأرض، ويقولون للمؤمنين: انظروا أينا خير مقاماً؟ أنحن في بهاء وجوهنا، وجمال قصورنا، وسعة مرافقها؟ أم أنتم في ضيق عيشكم ومساكنكم التي لا تكاد تظلكم ولا تكاد تئويكم؟ ويقال عن المجلس: النادي. وكان قصي جد النبي ﷺ قد بنى مجلساً وأسسه في مكان الصفا والمروة، وكان يجلس فيه مع كبار قريش والعرب عندما يفدون للعمرة أو الحج إلى مكة المكرمة، وكانت تسمى دار الندوة إلى أن أدخلت في المسجد، فكان نادي حفيده المصطفى ﷺ أعلى شأناً من ناديه، فقد كان نادي قصي في شئون الدنيا، وكان نادي رسول الله بيت الله الحرام وبيوت الله بنيت للقيام فيها والركوع والطواف والسعي، والقيام بكل خير لصالح الإسلام والمسلمين، فضم النادي الأول إلى النادي الجديد وأصبح جزءاً من بيت الله الحرام. فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] يعني: أي الفريقين أعلى منزلة: فريقهم الكافر، أو فريق المؤمنين الصالح؟ وهكذا ضحكوا على أنفسهم، واستدرجوا بذلك استدراجاً، ومن الذي ملكهم إياه ونفعهم به؟ فبدلاً من أن يجعلوه سبباً للشكر والإيمان والحمد على النعم جعلوه زيادة في الكفر والمعصية. ويسخر الله منهم ويقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم:٧٤]. فهؤلاء السخفاء قد سبق قبلهم من الأمم الضالة والعشائر الكافرة من كانوا أقوى سلطاناً، وأعظم مكاناً وقصوراً، وأوسع مرافق، وأجمل ندياً، ومع ذلك عندما كفروا وطغوا عاقبهم الله ﷻ بالهلاك والدمار واللعنة والغضب، ونزع عنهم كل ذلك، وأورثه الذين جاءوا بعدهم من المؤمنين والمؤمنات، وعوضهم عن كل ذلك السعير والنار الدائمة المقيمة، ولعنة الله المحيطة بهم من كل جانب. قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم:٧٤] القرن يطلق على الزمان وعلى أهله، فيطلق على الفئة التي عاشت خلال مائة عام، والعصر الذي دام مائة عام، والكلمتان متلازمتين، فلا يأتي زمن إلا وله أهله، والزمن ملازماً لحياتهم ووجودهم، فالمآل واحد. قال تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم:٧٤] أي: أحسن رئاسةً ولباساً وزينة وفرشاً، فهم أحسن في كل ما يزين القصور ويعلي شأنها أمام أهل الدنيا، فهؤلاء لا يعبدون إلا الدينار والدرهم. الرئي: المرأى، أي: أحسن جمالاً ورؤية وصباحة وأشب أجساماً، وأطول قامات.

стр. 178

تفسير قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً) قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم:٧٥]. يذكر تعالى هؤلاء الذين ما زادتهم الموعظة إلا كفراً، وما زادتهم دعوة الأنبياء إلا فراراً، وما زادهم حرص الأنبياء والعلماء على هدايتهم وصلاحهم إلا عناداً وكفراً. ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ [مريم:٧٥] قل يا محمد: إن هؤلاء الذين عاشوا في الضلالة والشرك والعصيان والخروج عن طاعة الله سيستدرجهم الله من حيث لا يعلمون، ويمد لهم الرحمن في الضلالة، بحيث يزيد أموالهم وجاههم وسلطانهم فيزدادون بها كفراً وطغياناً وصداً عن الله، وما ذلك إلا استدراج لهم للعذاب الأليم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥] أي: يمد له من الحياة والصحة والشباب ومن الجاه والمال والسلطان. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [مريم:٧٥] أي: حتى إذا وقعوا فيما أوعدهم به أنبياؤهم وعلماؤهم، قال: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم:٧٥] أي: إما عذاب الدنيا من نصر المؤمنين وأسر الكافرين واستعبادهم، وغنم أموالهم وتحقيرهم، وهو عذاب الدنيا على يد عباد الله الصالحين. وإما أن يمد الله لهم إلى أن يموتوا فيحشرون، وإذا بهم يعيشون في واقع القيامة، فيكون عذاب الله أشد وأنكى من عذاب المحشر وعذاب الويل في جهنم، وشرب القيح والصديد وما يخرج من فروج الزواني في النار والسعير، فيصرخون ويندمون ولات حين مندم. قال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم:٧٥]. وقد كانوا في الدنيا من قبل يتيهون بجمالهم وكثرة قصورهم وأموالهم، وكثرة جندهم وجاههم وسلطانهم، فعندما يكونون بين يدي العذاب الأليم فسيعلمون الحقيقة إذ ذاك، فقوله: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم:٧٥] أي: من هو الأشر والأقبح ألمؤمنون أم الكافرون؟ قوله: ﴿وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم:٧٥] أي: ومن جنده أذل وأضعف سلطاناً وأقل شأناً وأكثر هواناً، فلا يكادون ينفعون مواليهم لا بنقير ولا بقطمير، بل يزدادون عليهم لعنة وشتيمةً وتحقيراً.

стр. 179

تفسير قوله تعالى: (ويزيد الله الذي اهتدوا هدى) قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦]. أي: كما زاد الله هؤلاء الكافرين استدراجاً للعذاب، فاستدرجهم نكايةً بهم وتأديباً ليكونوا مثلاً للآتين، كذلك يزيد أهل الصلاح والفلاح إيماناً، قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] أي: الذين اتقوا الفواحش والمعاصي، والتقوى والطاعة: فعل أوامر الله ورسوله، وترك نواهي الله ورسوله. فقوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] أي: صلاحاً وعافيةً وتقىً واستمساكاً بالدين وكثرة طاعات وبعداً عن المعصيات، قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) أي: الهداية بالباقيات الصالحات، قوله: (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: أكثر ثواباً من غيرها عند الله في دار الدنيا والآخرة، فتسجلها الملائكة وترفعها لله ﷻ ؛ ليحاسب بها ويجازي عليها، قوله: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦] أي: خير مردود، ومردودها: ربحها من الأجر والثواب وكثرة الرضا والرحمات.

стр. 180

معنى الباقيات الصالحات قال الجمهور: الباقيات مأخوذة من لفظها، أي: الصالحات الدائمات، فصالح المال ينتهي، وصالح اللباس ينتهي، وصالح السكن ينتهي، وصالح الجاه ينتهي، أما صالح العبادة وذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنب فهي الباقيات، وقد كان رسولنا ﷺ يذكر الله في كل أحواله، روي عن أبي سلمة وأبي الدرداء: أن الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي: الذكر بالتهليل والتعظيم والتسبيح والتنزيه، فهو الذكر الدائم الخالد الصالح، وهو أكثر ثواباً من غيره، والصلاة أشرف العبادات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ويقول عن الذكر: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، والصلاة مشتملة على الذكر وأنواع العبادات من قيام، وقعود، وجلوس، وتلاوة قرآن، وصلاة على النبي ﷺ ، فهي عبادة جامعة. وقال أبو الدرداء: إني لأهلل ربي وأسبحه وأعظمه وأنزهه حتى يقول الرائي والمبصر لي: مجنون، وهذا تحقيق لقوله ﷺ : (اذكر الله حتى يقال: مجنون)، ولم لا يجن الإنسان بذكر الله وقد جن البشر بالبشر، فـ مجنون ليلى جُن بـ ليلى وهي إنسانة من لحم ودم، وليست نبية ولا بنت نبي ولا صالحة، ولا بنت رجل صالح، ولكنها امرأة من عامة الناس جن بها وتاه، وضاع سنين طويلة، فكان لا يرى إلا مع الحيوانات في الفيافي والبراري، ولقد حكى أحد كبار العارفين أن ليلى بعد أن تزوجت قالت لزوجها: بلغني أن المجنون في هذا المحيط فهل تسمح لي أن أبحث عنه وأقف عند رأسه وأكلمه؟ قال: افعلي، فأخذت تبحث عنه فوجدته فقالت له: قيس! وهو لا يجيب، فقالت له: أنا ليلى، فعندما قالت ذلك رفع رأسه فصوبه وصعده ثم قال لها: إليك عني أنا مشغول بك عنك. وفسر هذا العارف الكبير قولته هذه: أن طريق حب مجنون ليلى لـ ليلى كان طريقه لحب الله والفناء فيه؛ لأنه عندما رفع بصره إليها وجدها قد تغيرت، إذ لم تكن على الصورة المعروفة عنها منذ أكثر من عشرين عاماً، فقال لها: أنا مشغول بك عنك، فمن الذي أعطاك ذلك الجمال الذي تيمني؟ ومن الذي أزاله عنك؟ إذاً: أنا مع الذي لا يزول ولا يحول، أنا مع الله ﷻ ، وهكذا تيم المجنون في الله، وأصبح شعره في الله ﷻ . فقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] أي: ذكر الله وتسبيحه وتهليله وتمجيده، قوله: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [مريم:٧٦] أكثر ثوابا، ً وأصل خير: أخير، ولكن خير صيغتها هكذا بلا ألف، قوله: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦] أي: في مردودها الأجر والثواب، ورضا الله ورحمته بالذاكرين الموحدين المهللين المسبحين، إذ يكون أجرهم في الدرجات العلى عند الله في جناته.
следующие страницы →