Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
تفسير قوله تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧].
قال الله لكفار مكة -وهذا خاص بهم وعام فيمن بعدهم-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧].
أي: ألم ير هؤلاء أنا جعلنا مكة حرماً آمنا، حرمنا فيها الظلم، والسرقة، والقتل، وحرمنا فيها جميع الفواحش مما يقلق الأمن ويزيله، ويتخطف الناس من حولهم قتلاً وأسراً سرقة وطغياناً.
ألم ير هؤلاء -سكان مكة- كيف أن الله جعل بلده بلداً آمناً، وحرماً حرمه على أن يساء فيه! وكان هذا وقت نزول الإسلام.
ويتخطف الناس حول الحرم فيقتلون، ويؤسرن، ويستعبدون، ويمتهنون، وتؤخذ أموالهم.
فأهل مكة آمنون في أرضهم، وجميع جزيرة العرب، بل وجميع الدنيا لا آمان فيها، ولا راحة، ولا استقرار، ولا أمان على بيت، ولا على مال، ولا على عرض، وهم مع ذلك يأبون إلا الكفر والشرك.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧].
أي: أهؤلاء بعد كل هذه النعم التي أنعمنا عليهم، يؤمنون بالشرك، ويؤمنون بالشيطان.
﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت:٦٧].
فجحدوا نعمة الله في جعل هذا بلداً آمناً، وجعله حرماً، وهذا كقوله فيما مضى في سورة القصص: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص:٥٧].
وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وكقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:٤].
أمنهم من الخوف: من القتل، وأطعمهم من جوع، فكانت لهم رحلتان، في الصيف والشتاء إلى أرض الشام واليمن.
стр. 1157
تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً)
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨].
يقول ﷻ : من أعظم جرماً وأكبر ذنباً، ومن أطغى نفساً ممن افترى على الله الكذب، وزعم أن الله أرسله ولم يرسله، كما زعم مسيلمة، وكما زعمت سجاح، وكما زعم الأسود العنسي، فقد كذبوا على الله وافتروا بأن الله أرسلهم وهم كاذبون.
فمن ادعى علماً ولم يكن كذلك، أو معرفة ولم تكن كذلك، يكون جرمه وذنبه من أعظم الذنوب.
قوله: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ [العنكبوت:٦٨]: وهذا يأتي في الدرجة الثانية في عظم الجرم والذنب.
فهؤلاء الذين كذبوا بالحق، وكذبوا القرآن الكريم، وكذبوا محمداً صلى الله عليه وعلى آله، وكذبوا الرسالة؛ هؤلاء هم الذين افتروا على الله الكذب، وكذبوا الحق لما جاءهم، فمن أعظم كذباً وافتراءً منهم؟
الجواب
لا أحد! فهؤلاء جمعوا دين الكفر والشرك والتحدي لجلال الله ولمقامه.
قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت:٦٨].
هذا استفهام تقريري، أي: بلى في جهنم مأوىً ومقام ومنزل للكافرين، ولهؤلاء الذين كذبوا على الله افتراء، وادعوا ما ليس لهم، وهؤلاء الذين عندما جاء الحق كذبوه ولم يؤمنوا به، وازدادوا حرصاً وعناداً في الكفر، وصداً عن دين الله.
стр. 1158
تفسير قوله تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
إن الجهاد يكون بالسيف، ويكون بالقلم، ويكون بالعبادة، ويكون بكسب الحلال، ويكون بطلب العلم، فطالب العلم المجد مجاهد، والعالم الناصر للعلم مجاهد، والداعية إلى الله بكل شكل مجاهد، والحامل للسيف في ساحات الوغى والحرب مجاهد، والصابر على الطاعات مجاهد، والتارك للمعاصي بأنواعها مجاهد.
وقد فسر الصحابة والتابعون قول الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، بأن الله يُقسم أن الذين جاهدوا في الله حق جهاده وحق طاقته، بأي نوع من أنواع الجهاد: بالسيف أو بالقلم ليهديهم سبله، أي: يهديهم إلى طرق الحق.
وسبل: جمع سبيل، أي: سبل الله، وهو السبيل الحق في الفهم، والحق في العلم، والنصر في الجهاد، والدعوة إلى الله، وهذه كما قال عمر بن عبد العزيز في تفسيرها: ومن عمل بما علم علمه الله علم ما لم يعلم! وكل من كان في طاعة الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، يدخل تحت هذه الآية، والآية تذكر أن الله سوف يهديه السبل التي جهلها، والتي لم يعلمها، ويعرفه الحق حقّاً ويعينه على اتباعه، ويعرفه بالباطل باطلاً ويعينه على اجتنابه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩].
الله ﷻ مع المحسن بالعون وبالتأييد، وبالنصر، وبالمغفرة، وبالرحمة والرضا.
والنبي عليه الصلاة السلام في حديث عمر عندما سئل عن الإيمان، ثم عن الإسلام، ثم عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
стр. 1159
تفسير سورة الروم [١ - ٦]
لقد أيد الله سيدنا محمداً ﷺ بالمعجزات الباهرات الدائمات، ومن ذلك ما أخبر به في مطلع سورة الروم من أن الروم أهل الكتاب من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين، وقد تحقق ذلك كما أخبر الله.
стр. 1160
تفسير قوله تعالى: (الم)
قال الله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:١ - ٤].
هذه السورة مكية، نزل بها الروح الأمين جبريل على قلب نبينا ﷺ في مكة المكرمة، وهي مشتملة على ستين آية، وتكاد تكون جميع آيها الأول معجزات، وكأنها أنزلت في عصرنا هذا.
ومعجزاتها: أن الله ﷻ أخبرنا عما سيكون في عصرنا هذا قبل ألف وأربعمائة عام حتى كأن النبي ﷺ يرى ذلك رأي العين، فهذا هو الوحي الذي أوحى الله به، فكان الأصل معجزة له، وكان بعد ذلك وإلى عصرنا تظهر معجزاته بأتم وأكمل وأشمل وجه بعد مضي هذه القرون الطوال، قال تعالى: ﴿الم﴾ [الروم:١].
وقد سبق أن تكلمنا في السور الماضية عن هذه الحروف المقطعة التي افتتحت بها السور، وأن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين طالما اختلفوا في تأويلها وبيانها وتفسيرها، وانتصروا غير مرة لما قاله الزمخشري وأيده معاصرون، فالقرآن هذا معجز بلفظه ومعناه، وقد تحدى الله به الخلق إنسهم وجنهم على أن يأتوا بمثله، وعلى أن يأتوا بسورة من مثله، وعلى أن يأتوا بعشر آيات من مثله، فعجزوا أجمعين أبتعين أبصعين، والتحدي لا يزال قائماً إلى يوم الناس هذا، فهذا القرآن المعجز إنما تركب من هذه الحروف الأبجدية العربية، ومع ذلك يقول لهم: يا هؤلاء الذين لم تؤمنوا بعد بالله إن استطعتم أن تأتوا بمثله، فهذه الحروف بين يديكم تسمعون منها ما يقاربه أو يشابهه، فإن استطعتم فافعلوا، ولن تستطيعوا ولو كان بعضكم لبعض ظهيراً.
стр. 1161
تفسير قوله تعالى: (غلبت الروم)
﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢].
هذا كان خبراً ووحياً عن شيء غائب عن العرب، وذلك بأن الروم حاربت الفرس فغُلبت وذلت، وأُخذت أراضيها وأقاليمها، وقد غلبها الفرس الوثنيون عباد النار.
غلبوا الروم الكتابيين الذين يرجعون لكتاب في الأصل وهو الإنجيل المنزل على عيسى من الله، وأهل الكتاب اسم يشمل اليهود والنصارى، فكلاهما أنزل على نبيه كتاب، فالإنجيل على عيسى، والتوراة على موسى عليهما الصلاة والسلام.
فكانوا قد غلبوا وذلوا وقهرهم عباد النار الوثنيون الفرس، والروم هم في الأصل وثنيون، وفي نهاية القرن الثالث الميلادي دانوا بالنصرانية، ولكن يوم دانوا بها كانت محرفة مبدلة مغيرة، وعقدوا أول مؤتمر لهم ويسمى بالمؤتمر المسكوني، أي: العالمي المنسوب إلى المسكونة، أي: إلى الأرض المسكونة، فاجتمعوا واختلفوا اختلافاً طويلاً عريضاً: ما هو دينهم في عيسى أبشر هو أم إله؟ أو هو ابن إله؟ أمات حقاً وقتله اليهود أم لم يمت؟ وإذا لم يمت فأين هو، وكيف كان حاله؟ ومن هي مريم؟ وكيف ولدته بلا أب؟ وإذا بهم بعد هذا النزاع الطويل العريض يؤمنون بكفر مضاعف، يؤمنون بوثنية مجددة، فاعتقدوا الآلهة ثلاثة، وانفصلوا على ذلك، وهددوا كل من لم يؤمن إيمانهم بالقتل والحرق، فحرقوا كل من لم يؤمن بأن الله ثلاثة، وأن الثلاثة هي: الله وعيسى ومريم حاشا الله وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وأخذوا يعتقدون أن عيسى قتل وصلب كما لعب بهم وهزأ اليهود فاعتقدوا ذلك، ولكن اختلفوا في تفسيره وتأويله تآويل مضحكة وتفاسير تدعو إلى الهزء بهم والسخرية من جديد، فقالوا: عيسى رب، وهو عن طواعية قَبِل أن يصلب، وقَبِل أن يقتل؛ ليفدي قومه وأتباعه من العذاب والآثام، والذنوب والمعاصي، فازداد كفرهم كفراً، ووثنيتهم وثنية.
وهكذا أباحوا الفواحش والمنكرات بأن اصنعوا يا أيها النصارى واليهود ما شئتم فقد تحمل عنكم ربكم عيسى، وحاشا الله من القول هذا، فمهما صنعتم فهو قد تحمل عنكم ذلك، ولكن هؤلاء -وقد اعتقدوا بشعار الصلب والفداء- لم يدينوا دين الحق، ولم يكونوا موحدين، ولم يكونوا من أتباع عيسى الذي هو عبد ابن أمة صديقة، أرسل نبياً ورسولاً إلى الناس، كما أرسل الجد الأعلى آدم بلا أب ولا أم، فأرسل هو بأم بلا أب، وهم قالوا إنهم من أبناء يافث بن نوح، أي: لا نلتقي بهم إلا في نوح، فالعرب والكثير معهم أبناء سام، فنحن أبناء سام بن نوح، وهم زعموا أنهم أبناء يافث بن نوح، والروم هي أرض أوروبا، وما يسكنها من شعوب وملل، وأمريكا لم تكن معروفة في ذلك الزمن ولم تكتشف بعدُ، ولكن الذين رحلوا إليها هم من روميّة وأوروبا وطردوا سكانها الهنود الحمر، وأبعدوهم إلى القفار والصحاري، واستباحوا دماءهم وكادوا يستأصلونهم قتلاً وحرقاً وإبعاداً، فلم تبق منهم إلا شرذمة معدودة يعيشون في هوان واضطهاد منذ أكثر من خمسمائة عام منذ اكتشفت أرض أمريكا، فالروم هم هؤلاء الذين هجروا أوروبا إلى أمريكا.
وإذا قيل الروم عند العرب فالمراد سكان أوروبا جميعاً وإن كان قد تشعبوا فرقاً، ومللاً، ومذاهب وأجناساً ولغات، ولكن هذا الاسم لا يزال جامعاً لهم.
стр. 1162
تفسير قوله تعالى: (في أدنى الأرض)
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ﴾ [الروم:٢ - ٣] أي: في أقرب الأرض.
أي: في أرض بصرى ودمشق من أرض الشام، وكانت هذه الأراضي للروم منذ قرون قبل فارس، ثم تقاتلوا فغلبت فارس الروم، وأخذت أدنى الأرض إلى أرض العرب وإلى جزيرتهم، وأصبحت أراضي فارسية، هذا الخبر كان وحياً أخبر القرآن به النبي ﷺ والمؤمنين، فسمعته قريش ثم تأكدت منه، فسرها ذلك السرور البالغ؛ لأن الفرس وثنيون وعبدة للنار، فهم على مذهبهم وطريقتهم، فسروا بنصر من يشبههم، وقالوا للمسلمين: هاهم إخواننا الذين يشبهوننا في الدين، والذين لم يؤمنوا بكتاب ولا بنبي ولا ببعث ولا بآخرة قد انتصروا، فذاك دليل على صدق دينهم وصدق طريقتهم، وإخوانكم الذين يشبهونكم وهم أهل كتاب مثلكم يؤمنون بعيسى وبالإنجيل قد غلبوا، فأحزن ذلك المسلمين، وسر قريشاً والكفار من الوثنيين عباد الأصنام.
стр. 1163
تفسير قوله تعالى: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين)
قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٣ - ٤].
جعل فرحة كفار قريش لم تتم، فقد أخبر الله نبيه والمؤمنين أن هؤلاء الروم الذين غلبوا الآن سيَغلبون بعدَ بضع سنين.
وكان أبو بكر ﵁ قد جاءه أمية بن خلف وغيره من كفار قريش وقالوا: يا أبا فصيل! يسخرون ويهزءون، والفصيل: ابن الناقة، فهو أبو بكر والبكر هو ابن الناقة وقد اكتمل، فسموه وكنوه بوليد الناقة وهو لا يزال في أيامه الأولى؛ استهزاء.
قالوا: أما ترى هذا الكذب الذي تكذبون، فقد أخبر نبيكم بأن الروم بعد بضع سنين ستغلب الفرس، فقال له أبو بكر: أنت أكذب وأخبث، نعم ستغلب الروم بعد بضع سنين، قال: أتراهنني؟ قال: فعلتُ، قال: كم المدة؟ قال أبو بكر: خمس سنوات، قال: قبلت، وكان ذلك على بضع من الإبل بين العشر والعشرين، وقص أبو بكر قصته على النبي ﵊ فقال له: (راهنته؟ قال: نعم.
وكان الرهان إذ ذاك لم يحرم، قال: على كم من الزمن؟ قال: على خمس سنوات، قال: ألا تعرف لغة قومك، فالبضع من واحد إلى تسع، فكيف راهنتهم على خمس، والقرآن الكريم الذي أوحاه الله يقول: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤] اذهب إليه وزده في الرهان وزده في الوقت).
فذهب إليه أبو بكر وقد قال له أمية ما قال فقال: أتريد أن تعيد ونزيد؟ قال: أفعل، قال: أراهنك إلى ثمان سنين، قال: أقبل، قال: وإلى مائة ناقة، قال: أقبل، وإذا به بعد سبع سنوات وقبل تمام الثمان ينتصر الروم على فارس انتصاراً ساحقاً ماحقاً، فحزن كفار الجزيرة وسرّ به المسلمون، لكون المسلمين أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، فاعتُبروا أقرب إليهم من المجوس عباد النار، وحزن كفار الجزيرة لكون الذي انهزم هو أقرب إليهم وإلى دينهم ووثنيتهم، وذاك معنى قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢ - ٣] أي: من بعد أن غلبوا وقهروا وانتصر عليهم الفرس.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ [الروم:٤] أي: سيغلبون الفرس بعد بضع سنوات، أي: بعد سنوات معدودات على الأصابع، والبضع -كما قلت- لغة: هي من الواحد إلى التسعة، والرهان كان مرة ثانية إلى ثمان، وتم النصر كما أخبر الله قبل تمام البضع في السنة السابعة، فكانت الهزيمة وقت معاهدة الحديبية هزيمة الفرس ونصر الروم، وكانت هزيمة الروم قبل سبع سنين في غزوة بدر، فاجتمع النصر للمسلمين من الداخل والخارج، فمن الداخل انتصروا على قريش والكفار انتصاراً ساحقاً، فقد كانت معركة بدر المعركة الفاصلة التي ذل فيها الكفر وعز بها الإسلام، ولم يرفع الكفر بعد هذه المعركة رأساً، وما ذل المسلمون بعد معركة بدر، بل من نصر إلى نصر إلى فتح مكة إلى انتشار الإسلام خارج الجزيرة.
стр. 1164
تفسير قوله تعالى: (لله الأمر من قبل ومن بعد)
﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤].
الأمر لله من قبل نصر الروم وبعد نصرها، ومن قبل نصر فارس وبعد ذلها، فالأمر كله بيد الله، فبه انتصروا وبأمره ذلوا، والله الكريم المتعال الكل منه وإليه، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
إن العزة لله جميعاً، فما من شيء يحدث في الكون إلا وهو بأمر الله، وبإرادة الله، وإن كان عزاً فقد يكون ابتلاءً واختباراً، وقد يكون مكافأة، وقد يكون ثواباً، وقد يكون رفعة كانتصارات المسلمين في جميع عهودهم وأعصارهم.
وقد يكون النصر ابتلاءً واختباراً كانتصار الكفار على المسلمين، فليس ذلك إلا اختباراً وابتلاءً وفتنة، ليزدادوا إثماً على إثم، وتبقى الحجة البالغة لله، وليمحَّص المسلمون ويعودوا إلى الله في أعمالهم، ويعلموا أن ما حدث لم يكن إلا بإذن الله، ولعلة المخالفة، وعلة المعصية، فكان ذلك أدباً من الله لهم، كي لا يعودوا لمثل ذلك الذنب.
قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم:٤] حين انتصر الفرس، ومن بعد هزيمتهم وذلهم، ومن قبل هزيمة الروم، ومن بعد نصرهم، فالأمر لله دواماً واستمراراً قبل خلق الخلق وبعد خلق الخلق، وما بين ذلك لم يكن في ملكه إلا ما يريد ﷻ وعلا مقامه.
стр. 1165
تفسير قوله تعالى: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله)
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥].
التنوين في (يومئذ) تنوين عوض عن جملة، أي: يوم نصر الروم على الفرس، والإدالة لهم منهم، يوم ذاك يفرح المؤمنون؛ لأنهم قد حزنوا قبل، فهم فرحوا بنصرة أهل الكتاب على الوثنيين، والوثنيون الذين هم خصومهم أشكال أضراب، فأعدائهم من كفار مكة والجزيرة، وبقية المجوس في مختلف أصقاع الأرض، وقد آمن الكثير من كفار الجزيرة عندما أحق الله ذلك، وانتصر الروم بعد الهزيمة.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٤].
فاتخذوا من ذلك دليلاً وبرهاناً على صدق الرسالة المحمدية، وصدق القرآن، وأنه كلام الله الحق الذي نزل به الروح الأمين على قلب نبينا صلى الله عليه وعلى آله.
وفسر قوم قوله: ﴿لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم:٤] أي: قبل النصر وبعده، وقبل الهزيمة وبعدها، فكما ذل الفرس فسيذل الروم، ويوم ذلهم جميعاً يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، أي: سيقهرون ويغلبون الفرس والروم معاً، وقد حدث هذا فعلاً فقد انتصر المسلمون على الروم وعلى الفرس ومحقوهم وأنهوا دولتهم، وكما أخبر المصطفى ﷺ عنهم: (لا كسرى بعد اليوم ولا فارس بعد اليوم)، فانتهت دولة الروم البتة وأصبحت جزءاً من بلاد الإسلام وولاية من ولاياتها، وذهب كسرى إلى جهنم وبئس المصير ولم يجئ بعده كسرى آخر، وكسرى لقب كل ملك فارسي وثني ملك الفرس، وهرقل لقب لملوك الروم، والنجاشي لقب لملوك الحبشة، والمقوقس لقب لملوك مصر، وتبع لقب لملوك اليمن.
فهذا المعنى صحيح ولكن سياق الآية لا يدل عليه، فالآية تتكلم عن الفرس والروم وقتالهم، وكون الفرس انتصروا أولاً على الروم في أدنى الأرض وهي جزيرة العرب، وهي أرض الشام بصرى وأذرعات ودمشق، ثم بعد ذلك أديل للروم من الفرس فانتصروا عليهم خلال بضع سنوات انتصاراً ساحقاً، فأرجعوا هذه الديار كلها، وعندما أخذ النبي ﵊ يكتب الرسائل إلى ملوك الأرض وأجيالها كتب إلى هرقل وكان في القدس، والقدس كانت من الأراضي التي تغلب فيها الفرس على الروم، ولكن بعد أن أخذ يكتب النبي ﵊ الرسائل إلى الملوك والأجيال كان الروم قد انتصروا، وكان ذلك بعد غزوة بدر، فكان كتابه إليه وهو في بيت المقدس، فعندما جاءه رسول رسول الله ﵊ نادى هرقل: هل هنا من هو قريب إلى هذا الذي يزعم أنه نبي من أرض مكة، فأجاب أبو سفيان وكان قرشياً وأقرب العرب هناك نسباً لرسول الله ﵊، فجاء به وأخذ يسأله عن وصف النبي وأصحابه خلفه وقال لهم: إني سائله فإن كذب فحركوا لي رءوسكم أعلم إذا خفتم منه ولن يراكم، وما دام قد قال الصدق فاثبتوا ولا تتحركوا، فسأله أسئلة فيها: هل كان في أجداد النبي ﷺ من ملك؟ هل ادعى هذه الدعوة أحد من أجداد النبي؟ وهل اتبعه الفقراء أو الأغنياء؟ وهل يغدر إذا قاتل؟ وهل كان يكذب وهو صغير؟ وهل كان يعرف بغير الحق مدة حياته بينكم قبل النبوءة؟ والعرب حتى في جاهليتها كانت أشرف من كثير من مسلمي هذا العصر عرباً وعجماً، فكان الجاهلي يستحي أن يكذب، ويجد ذلك مخلاً بمروءته، ومخلاً بشرفه، فمع العداوة والجاهلية التي كان عليها أبو سفيان استحيا أن يكذب، وقال: لم أجد مدخلاً إلى تنقيصه إلا عندما قال لي: أيغدر؟ قلت: بيننا وبينه الآن عهد ولا ندري ما هو فاعل بعدها، يعني: يعرض أنه قد يغدر، وهذه علامة ليس فيها شتيمة، فهو لا يدري الغيب، ولا يدري المستقبل إلا الله، وهكذا عندما أخذ النبي يكتب الرسائل بالدعوة إلى الإسلام كان ملك الروم قد انتصر على كسرى واسترجع دمشق وأذرعات وبصرى والقدس.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ [الروم:٤ - ٥].
ونصر الله يؤتيه من يشاء.
فيعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء، وينزعه عمن يشاء، وفي كل ذلك سواء كان ذلك لمؤمن أو كافر فهو ابتلاء واختبار؛ ليرى -وهو راءٍ وعالم- هل هذا الذي ابتلي بالملك وبالجاه، وبالسلطان، وهل هذه الأمة التي انتصرت وعزت وسادت هل ستحمد الله على ذلك، وهل ستتخذ ذلك نعمة فتكثر الشكر، وتكثر عمل الصالحات؛ ليديم الله نعمه على من أكرمه بذلك، وهكذا ربنا يقول: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
والعذاب الشديد هو سلب النعمة وزوالها، نعوذ بالله من السلب بعد العطاء.
﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:٤ - ٥].
فالنصر له والعزة له، والأمر له من قبل ومن بعد، فقد نصر المجوس على الكتابيين ابتلاءً للكتابيين لما غيروا وبدلوا لعلهم يتوبون، ونصر المجوس على أهل الكتاب لتزداد النقمة عليهم، ولتبقى الحجة البالغة عليهم على كثرة ما أعطاهم من نعم وعطايا، فما زادهم ذلك إلا كفراً بالله وإصراراً على الجحود.
﴿يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم:٥].
فهو العزيز الذي لا يغالب، هو العزيز الذي لا يحارب، فله العز انفرد به، وله الكبرياء، ومن يتألى على الله يكذبه، وهو الرحيم بعباده، فهو يرحم المؤمن من الذل ومن الهزيمة ومن الضعف ومن البلاء عندما يتوب ويئوب إلى الله ويقول: رب اغفر لي خطيئتي.
وهكذا الله ﷻ يختم آياته في كتابه الكريم بكلمات تكون جوامع لمعنى الآية صغيرة كانت أو كبيرة، مختصرة كانت أو مطولة، وهذا من ذاك.
стр. 1166
تفسير قوله تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده)
قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦].
هذا وعد من الله لنبيه وللمؤمنين بعد أن أخبرهم بنصر الفرس على الروم فقال: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٢ - ٤].
ووعد الله هنا منصوب على المفعولية المطلقة، أي: وعد الله وعداً، فهو مفعول مطلق لفعل محذوف وهو وعد، أي: وعد وعداً حقاً لا تأخير فيه ولا تراجع.
فقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم:٦].
زاد الله كلامه بياناً، فقد وعد بنصر الروم وقد انتصروا بعد بضع سنين.
﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦] أي: أكثر الكفار، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
فهؤلاء لا يعلمون لله قدرة ولا إرادة ولا وحدانية، وهؤلاء لا يعلمون لله وعداً ولا وفاءً بوعد، وهؤلاء الضالون المضلون -وهم أكثر الناس- لا يعلمون توحيداً، ولا يعلمون إلهاً، ولا يعلمون وعداً بحق، ولا يصدقون نبياً، ولا كتاباً سماوياً، فهم في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها، فقد أصبح القلب مظلماً لا يستنير بنور دين، ولا بنور نبي، ولا بنور كتاب سماوي، بل لا يزدادون عند الأنوار إلا عمىً؛ فتعمي الأنوار أبصارهم، ويصعد الران على قلوبهم، فلا يعلمون عن الحق شيئاً.
стр. 1167
تفسير سورة الروم [٧ - ٨]
إن الكافر الفاسق ليهتم بأمور دنياه ويغفل عن آخرته، وقد وصف الله الكفار بأنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، وهذا تراه متحققاً في كفار اليوم وكأن القرآن نزل ليحدثنا عنهم، فهم متقدمون في علوم الدنيا وتكنولوجيا المعلومات والصناعات؛ لكنهم غافلون عن الآخرة، وقد دعاهم الله تعالى أن يتفكروا في أنفسهم وفي المخلوقات العلوية والسفلية لعلهم يؤمنون.
стр. 1168
تفسير قوله تعالى: (يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا)
قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] الكلام هنا على أكثر الناس وهم الكفار، على الروم المتحدث عنهم في أول السورة المسماة باسمهم، قال تعالى عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
وهذه الآية من أكبر معجزات القرآن في عصرنا لمن عاش عصرنا، ولمن رأى رؤيتنا، ولمن رأى هذه المخترعات الطويلة العريضة في مختلف أقطار الأرض عند الروم، فغرتهم، وذهبت بفهمهم وإدراكهم، فأضاعت دينهم أو كادت، وزلزلت عقيدتهم أو كادت، والكثيرون خرجوا من دين الله أفواجاً كما دخلوا فيه في عصر النبوة أفواجاً؛ اغتراراً وضلالاً بذلك، وذهاباً بعقولهم إليهم وهم لا يعلمون.
قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٦] يعدل: ولكن الكافرين لا يعلمون، فعاد بالضمير لأكثر الناس فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧].
وكيف نسب لهم العلم ثانياً وقد نفاه عنهم أولاً فقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٦ - ٧].
هنا نكتة وحكمة انتبه لها الزمخشري ونقلها عنه المفسرون بعده قاطبة، فقال: كيف نسب لهم العلم أخيراً ونفاه عنهم أولاً؟ قال: هو علم أقرب للجهل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧].
و (ظاهراً) نكرة مطلقة، أي: شيئاً حقيراً وشيئاً قليلاً من هذه الدنيا، ولا يعلمون باطنها، ولا يحرصون على معرفة باطنها، فحتى الحياة الدنيا جهلوها فضلاً عما يجب أن يعلموه، ويدينوا به، ويقوموا على أساسه، وبه كانوا بشراً ذوي عقول، وذوي رسالات، وذوي كتب سماوية.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] أي: يعلمون الظواهر من الدنيا، فيعلمون كيف يزرعون، وكيف يحرثون، وكيف يتجرون، وكيف يصنعون الباخرة، وكيف يصنعون الطائرة، وكيف يصنعون سلماً، وكيف يتفننون في الأبنية فما هو مكون من طابق واثنين إلى سبعين وثمانين طابقاً، ولا يعلمون أكثر من ذلك.
فهم يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، ولكنهم يجهلون باطنها، فلم يكلفوا أنفسهم أن يسألوا أنفسهم: من أنا؟ وكيف خرجت لهذا العالم؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين المعاد؟ وما الحياة وما الممات؟ ومن الذي خلق هذه السموات؟ وسينبه الله عن هذا في الآية الثانية، وسنشرحه هناك.
فالدنيا نفسها لا يعلمون إلا جزءاً من ظاهرها وليس جميع الظواهر، فلا يعلمون بواطن الدنيا، ولا يعلمون كيف صعدوا بالطائرات إلى الأجواء، ولا كيف مخروا البحار بالبواخر؟ وكيف قامت هذه الأبنية ذات السبعين والثمانين والمائة طبقة في أجواء الفضاء؟ وكيف عاشوا هم في هذه الدنيا؟ وهل الطعام والشراب يعطي روحاً؟ وما هو العقل؟ وما هي هذه الجوهرة التي بها يكون التدبير، ويكون الوعي، ويكون التذكير، ومن إذا فقدها لا يستطيع شراءها ولو بملء الأرض ذهباً؟ فتلك عطية الله إذا أخذها لا يستطيع أحد أن يأتي بها أو بمثلها، كل ذلك عن الروح، وقل ذلك عن العقل، وقل ذلك عن النفس، وقل ذلك عن البصر، وقل ذلك عن الكلام.
والأطباء كل ما يفعلونه أنهم إذا وجدوا في العين عروقا تالفة فإنهم يربطونها كما يربط الكهربائي الأسلاك إذا انقطعت وذهب الضوء، وأما إذا ذهبت الأسلاك وليست عنده أسلاك فلا سبيل إلى أن يأتي بالنور، وطبيب العيون إذا ذهبت العروق التي خلقها الله فلا يستطيع أن يأتي بالنور، ولا بالإبصار، وإذا ذهبت عروق الصوت من الحلق لم يستطع أن يعطيك صوتاً، ولن يستطيع أن يعطيك كلاماً، وهكذا قل عن كل ظاهر، فلم يعلموا من الدنيا إلا ظاهرها، وأما باطنها فهم أبعد الناس عن علمه، ومعرفة حقيقته وكنهه، فهم جهلاء بكل شيء، وعلمهم لا يتجاوز علم القطة وعلم الكلب وعلم الخنزير، فيهمه أن يأكل وأن ينكح وأن يشرب وأن يفر من عدو، وأن يضرب عدواً، وأما ماذا وراء ذلك فهيهات هيهات.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور:٣٥]، فإذا لم يعط الله أحداً من نوره لم تزدد القلوب إلا ظلمة على ظلمة، فالله يهب نوره لمن يشاء، فإذا وهب نوره وهب علمه ووهب هدايته، ولا يكون ذلك إلا بالرسل والكتب المنزلة عليهم.
وأما الخواطر والأفكار والفلسفات وما يخطر على بال الإنسان فغير محفوظ، فهو لا يزيد على أنه كلام أقرب إلى الهذيان أقرب، وفساد دليل الفلسفة وجميع الفلاسفة لا يخفى، فلا تكاد تجد فيلسوفين من القدامى أو المحدثين اتفقوا على حقيقة الحقائق -الذات العلية- على العطاء الدائم، على الحقيقة التي لا أول لها ولا آخر، عن الله الحق خالق كل شيء، ورازق كل شيء، ومعطي الحياة ومعطي الممات.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧].
هذا الذي يعرفونه لا يتجاوز الظاهر، منذ سنين قالوا: نريد الصعود للقمر، لنرى كيف بدأ الخلق في الأرض وما هي الخلية الأولى؟ وما هي المادة الأولى؟ وكيف كان ذلك؟ فملاحدة العصر وكل الملل سوى ملة الإسلام كفرة ملاحدة لا دين لهم، فالكتابيون أصبحوا وثنيين يعبدون اثنين وثلاثة، والذين يعبدون الأحجار هم على حالهم، فليس إلا المؤمن الموحد المسلم، ومع هذا فهؤلاء المسلمون قد ضل الكثيرون منهم عندما دانوا بدينهم، وأخذوا حضارتهم، ودانوا بفلسفاتهم وأخذوا يطبقون ذلك على دينهم، فضلوا وأضلوا وخرجوا عن الإسلام.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧].
فمنذ سنوات قالوا: نريد أن نصل إلى فلك من هذه الأفلاك التي نراها في الأجواء، فوصلوا للقمر فوجدوه كجزء من الأرض لا يختلف عن صحاريها وعن جبالها وعن وهادها، فأنزلوا منه حجارة وتراباً ووزعوه على معامل الدنيا فحلل ذلك فوجدوه من نفس مادة حجارة الأرض وترابها، وقد بذلوا في هذا الملايين من المال، وأجاعوا الكثير من الخلق، ونشروا الفتنة بين الكثير من الخلق، وكل ذلك قد علمه المسلمون منذ ألف وأربعمائة عام، ونطق به الوحي الذي لا يأتي بباطل، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠].
يخاطب الكفار -وكأن الآية أنزلت الآن- أن السموات والأرض كانتا رتقاً، أي: متصلة وجزءاً واحداً وقطعة واحدة، ثم شاء الله في عصر من العصور وزمن من الأزمان فتق بعض هذه عن هذه، فتق هذه الأفلاك التي نراها فوق فتقها من الأرض التي هي جزء منها، فهي حجارة وتراب وجبال ووهاد، وجدوا الهواء هو الهواء على أنهم لم يجدوا هواءً، والشيء الموجود لا يكاد يذكر، وقالوا: لا حياة فيه، ولا يزالون يبحثون في أفلاك أخر هل يجدونه، ولا تظنوا أنهم وصلوا إلى السماء فهيهات ذلك، فالمصباح المعلق في السقف ليس هو السقف، وقد قال الله عن هذه الأفلاك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥].
فهي زينة السماء الدنيا، وأما السماء التي يسري إليها خاتم الأنبياء نبينا ﷺ فبيننا وبينها خمسمائة عام، وهي مغلقة، وهي طبق على طبق، وهيهات أن يستطيع أحد أن يصل إليها، فالشياطين يحاولون أن يقتربوا ليسترقوا السمع من الملائكة، فيسمعون كلمة واحدة يعطونها للسحرة وللكهنة، ويزيدون في الكذبات عليها تسعة وتسعين كذبة، فتضيع هذه الكلمة إن صحت بين تلك الكذبات، ولكن لا يكادون يقتربون من ذلك المكان إلا وتأتيهم شهب حارقة تحرقهم جميعاً وكأنهم لم يكونوا ولم يولدوا ولم يخلقوا.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧].
أكد الله ذلك بـ (هم) مرتين، وبالجملة الاسمية مرتين، فهم غافلون عن الآخرة ولا يعلمون شيئاً عن الآخرة، ولا يكلفون أنفسهم بمعرفة شيء عن الآخرة، وهذا شأن الكافرين الضالين والعصاة المتمردين، والآخرة لا تعرف إلا عن طريق الوحي وعن طريق كتب السماء، وعن طريق الرسالات، فكان الله يرسل في كل أمة رسولاً فضلاً منه وكرماً، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
ولكن الله لم يذكر في الكتاب المنزل إلا أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين من الأنبياء، وقد قال وهو يخاطب النبي ﷺ : ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨].
فمنهم من قصه وذكره في الكتب كآدم وإدريس ونوح ومن بعدهم.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] فلم نذكره ولا بكلمة عنه، وقد أشير إلى البعض.
وقد أخبرنا نبينا ﵊ بأن الرسل والأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر نبياً ورسولاً، ولم يذكر الله ويتكلم إلا عن خمسة وعشرين حيث أخْذ العبرة والحكمة بما يهدي المؤمنين، ويهدي الناس أجمعين، ومن حجرت عنه الهداية، فستكون حجة الله عليه بالغة، فقد أرسلت إليه الرسالات، وجاءه الأنبياء، وأعلن له من الحق ما أعلن.
стр. 1169
تفسير قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم)
стр. 1170
معنى قوله تعالى: (أولم يتفكروا)
ثم فصل الله تعالى فقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم:٨].
يحكي الله عن هؤلاء الذين لا يؤمنون إلا بظاهر الحياة الدنيا، فتجد الرجل الطويل العريض منهم يسمونه بالأستاذ الكبير، ويسمونه بالعالم الكبير، ويكتبون له من المؤلفات العشرات والمئات، وإذا أخذ يحدثك عن الله والدار الآخرة حدثك حديث حيوان أعجم، ولذلك نفى الله عنهم العلم البتة، فقال: ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فأكثر الكفار لا يعلمون، ثم عاد فنسب لهم علماً هو إلى الجهل أقرب.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]، فيعلمون كما تعلم الدابة: كيف يأكلون، وكيف يشربون، وكيف يخزنون هذا الطعام، وكيف يخزنون هذا الشراب، ومع ذلك كم عجزوا فتمضي سنوات ويموت مئات الملايين من الخلق جوعاً، فلم يستطيعوا توفير الطعام والشراب لهم على كثرة خيرات الأرض، وكثرة الغيث من السماء على الأرض، وما في البحار من حيتان ولحوم وأرزاق، وما في الأجواء والغابات من أنواع الطيور، وما فيها من أنواع الحيوانات والصيد، ومع ذلك الناس يموتون جوعاً.
ففي إفريقيا يموت ملايين من الخلق جوعاً، وفي الهند يموت كل سنة ما يزيد على عشرة إلى خمسين مليون جوعاً، وفي الصين كل سنة يموت ما بين خمسين إلى مائة مليون جوعاً، وهذا ما يقول الله عنه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧]، فلا ينبغي لمؤمن أن يكبروا في عينه، وأن يحسب لهم حساباً، فهم لا يزيدون فهماً على ما تفهمه الدابة من السعي لطعامها، وعلى ما يفهمه الكلب من السعي وراء فريسته، وعلى ما يعلمه الخنزير من البحث عن طعامه في المزابل والقاذورات والأوساخ، ومن يحاول أن يأخذ علمه وهدايته وحضارته منهم فقد ترك النور الحق وذهب إلى الضلال، وترك الرحمن وذهب للشيطان، وترك الدين الحق دين التوحيد وذهب إلى هؤلاء الذين لا يعلمون شيئاً، وحتى ما يعلمونه من الحياة ظاهراً لا يكاد يذكر، ولا تكاد يعتبر، فلا تجاوز طعاماً في بطن، وشراباً، ولبسة على الظهر، وليس ذلك لكل الخلق والبشر في الأرض.
стр. 1171
معنى قوله تعالى: (في أنفسهم)
ثم عاد الله فقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم:٨]، وهذا استفهام معناه التقرير والأمر، أي: أما كان الواجب على هؤلاء أن يفكروا في أنفسهم يوماً فيقولون: من أنا؟ من أين جئت؟ من خلقني؟ وكيف خلقت؟ وما الغاية من حياتي؟ وما وظيفتي في حياتي؟ وعندما أموت فما معنى الموت؟ وإلى أين أنا ذاهب؟ وماذا بعد الموت؟ فقد خلقنا لهم عقولاً، وجعلناهم بشراً، وميزناهم عن الحيوانات وأن يفكر يوماً ويقول: ألا أراجع ما ذكره هؤلاء الذين زعموا أنهم أنبياء؟ فيراجع ما ورد في الكتب السماوية، وما ورد عن الأنبياء السابقين، فإذا كذبهم فليأت إلى القرآن الذي لم يغيَّر ولم يبدل، وإلى الإسلام الذي لم يبدل ولم يغير، فيبحث بعقله ويبحث بنفسه ليعود إلى التفكير في نفسه: أنا حي فما هي الروح؟ وكيف أعيش؟ وما الذي يحرك حواسي؟ وما الذي يدعني أسمع؟ وما الذي يدعني أبصر، وما الذي يدعني أحس وأتذوق؟ وما الذي يدعني أكبر يوماً بعد يوم وأصل إلى سن معينة ولا زيادة في أكثر الخلق؟ ثم بعد ذلك: كيف الإبصار؟ وكيف الذوق؟ وكيف الهضم؟ وكيف الإنسان ما دام حياً يبقى كما هو، فإذا مات ففي اللحظات الأولى يتفطر وتخرج روائحه، فأقرب الناس إليه يذهبون به مسرعين ويخفون جيفته في الأرض وإلا فر منها الناس جميعاً؛ لشدة كراهتها؟ فمن الذي أمسك الروائح الكريهة عن الخروج والإنسان حي، فإذا لم يستطيعوا الجواب عن ذلك وسكتوا، فهم ﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٥٠ - ٥١] وهم كذلك إذ لم يكلفوا أنفسهم التفكير في ذلك.
فالله يلفت أنظارهم ويقول لهم: أولم يفكر هؤلاء الذين لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، فهم لا يعلمون، وهم بلقاء ربهم كافرون، هؤلاء لِمَ لا يفكرون في ذواتهم، فلم نطلب منهم أن يضربوا في الأرض، ويسافروا الآلاف من الأميال جواً أو بحراً أو براً، ولكن يفكروا في أنفسهم.
стр. 1172
معنى قوله تعالى: (خلق الله السماوات والأرض وما بينهما)
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم:٨].
ولن يستطيعوا الوصول إلى الحقيقة إلا بدلالة نبي ورسول، ولم يكن دليل الخلق إلا محمداً صلى الله عليه وعلى آله، والكتاب المرشد الهادي خاتم الكتب، وبسوى القرآن الكريم ومحمد ﷺ لن يصل أحد للحق لا فرد ولا جماعة، وسيبقون في ضلال يتبعه ضلال إلى الهلاك إلى أن يصبحوا يوماً بين يدي الملكين السائلين في القبر وهما يسألانهم بإزعاج وقلق: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ حتى إذا عجز عن الجواب أخذته المرازب، فيضربه الملك ضربة إلى أن يصل إلى الأرض السابعة، ثم يأخذونه بعنف.
وهكذا يبقى إلى يوم العرض على الله يوم القيامة وروحه تعذب ويزداد عذابها وتمتحن ويزداد امتحانها، وهكذا كل كافر عاش كافراً ومات كافراً.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم:٨]، فليتفكروا بعد أنفسهم في هذه السموات ما هي؟ وكيف رفعت بغير عمد؟ وما الذي فيها؟ ولم كانت؟ وكيف كونت؟ ومن خلقها؟ وهذه الأرض التي نحن عليها من حملها؟ وكيف حملت؟ وأين العمد التي حملت عليها؟ وكيف جاء هذا الخلق الكثير من الإنس والجن والطير والحيوانات؟ وما هو البر؟ وما البحر؟ وما في البحر من غرائب وعجائب من أشكال زاحفة وماشية ومفترسة وصغيرة وكبير يأكل الصغير فمن خلقها؟ وما الحكمة من خلقها؟ وكيف هذه المياه لا تفيض على اليابسة وتغرقها كلها كما غرقت أيام طوفان نوح؟ وكيف تسير هذه السفن الصغيرة في البحر وهي كالرياش في مهب الرياح؟ وكيف تقطع المسافات الطويلة من شرق إلى غرب ومن شمال إلى جنوب؟ وما بين السماء والأرض خلق لا يحصيهم إلا الله، كهذه الكواكب وهذه المجرات التي تعد بالملايين.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى:٢٩]، فمن آيات قدرة الله ووحدانية الله وجلال الله خلق السموات والأرض، وكل ما علاك فهو سماء، فالأفلاك العلوية سماء بهذا المعنى، وما سفل فهو أرض، فما تحتنا هو أرض إلى سبع أرضين، ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ [الشورى:٢٩] أي: في الأفلاك العلوية وفي الأفلاك السفلية من دابة، والدابة: هي كل ما يدب على وجه الأرض برجلين أو أربع أو يزحف على بطنه، وحتى الطائر الذي يطير فهو في البر يمشي على رجليه، ومعنى ذلك: أن في الأفلاك العلوية كذلك دواب تمشي كما تمشي دواب الأرض، لأنه قال: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ [الشورى:٢٩] أي: في الأفلاك العلوية وفي الأفلاك السفلية.
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ [الشورى:٢٩] وأعاد الضمير جمع عقلاء مما يدل أن من بين هذه الدواب دواب عاقلة كعقلاء بشر الأرض.
﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] (إذا) عندما تدخل على المضارع يصبح بمعنى الماضي، وإذا دخلت على الماضي حولته مضارعاً مثل: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة:١] فمعناه: عندما تقع، فهي لم تقع بعد، والواقعة: القيامة.
(إذا يشاء) إذا شاء، أي: سبق في علم الله أنه مقدر ذلك وأراده وشاءه، وسيكون يوماً من الأيام، هل نحن الذين سنلتقي بهم عندهم أم هم عندنا؟ أم أولادنا أم أسباطنا؟ الله وحده العليم بذلك.
والله يلفت أنظارنا في الكثير من آيات القرآن عند ذكره للسماء والأرض، فعلينا أن نتدبر السموات والأرض وما بينهما من هذه النجوم وهذه الأفلاك كالشمس، والقمر، والمشتري، والزهرة، وعطارد وغيرها، وهي ملايين الملايين لا يحصي عددها إلا الله، فكيف حملت في الفضاء؟ ومن حملها؟ كل هذا لم يفكروا فيه.
فالطائرة التي نركبها لو ذكرت قصتها لأجدادنا الذين لم يروها لما صدقوها، ولقالوا: إنك مجنون كيف يطير الحديد في الهواء؟ وكيف يطير بقليل من الماء؟ فهذا لا تقبله العقول ولكنه حدث، فآمنا به لرؤيتنا له.
وإذا سألتهم: كيف كان ذلك؟ فإنهم يذكرون لك خزعبلات وفلسفات، فيقال لهم: وكيف أحياناً تقع الطائرة ما دام الأمر كذلك؟ فهو كلام اخترعوه وحاولوا أن يذكروا فيه جهلهم، وما زادهم الجهل إلا عماية وضلالة على ضلال.
стр. 1173
معنى قوله تعالى: (إلا بالحق)
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم:٨].
فلم يخلق ذلك إلا بحق وعلى حق، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فالعبرة والغاية من خلق هذا العالم أن نعبد الله، فإذا خرجنا ولم نعبده فلم حياتنا؟ ولم وجودنا؟ ولم نضيّق على عباد الله المحتاجين؟ فموت هذا الذي لا يعبد خير من حياته، فعيشته في الأرض سبهللاً، فحياته إنما تكون حجة عليه في عذابه ومحنته وانتقام الله منه.
وما سخر الله هذه الأكوان إلا لهذا الإنسان العاقل، فأباح له ما في الأجواء وما في البحار وما على البراري وما بينهما، فكان سيد الأرض وخليفة الله في الأرض، والله عندما أراد خلق آدم أبينا قال لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]، وقال لداود نبي الله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦].
فالإنسان خليفة الله في الأرض يحكم بحكمه، فإذا خرج عن العدل زاغ وضل واستحق العقوبة، وما هذه الأرزاق التي يمتع بها إلا له، فإن حمد الله عليها زيدت عليه وزاده الله الجنة، وإن كفر بها انتزعها فعذبه الله في النار دواماً وسرمداً، فلم يخلقه إلا بالحق وللحق وللعدل، وبالحق نزل القرآن، وبالحق أرسلت الرسل، وبالحق خلق الإنسان، ولعبادة الله خلق.
стр. 1174
معنى قوله تعالى: (وأجل مسمى)
قوله: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم:٨]، ومع ذلك لم تدم سماء ولا أرض ولا ما بينهما، ولا إنس ولا جن ولا ملك، ولا النفس التي لفت نظرنا لمعرفتها ومعرفة كنهها ودخائلها، وإنما ذلك لأجل مسمى عنده وإلا فستنتهي هي والدنيا كلها فلا يبقى على الأرض شيء، فالسموات تدهده والأراضي تدهده ويصبح الكل كالعهن المنفوش، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فلا يبقى إلا وجهه ﷻ ، فالكل ميت والموت لا بد منه، وقد خاطب الله سيد الخلق فقال له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، البر والفاجر، والصالح والطالح، والنبي والرسول، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الروم:٨].
стр. 1175
معنى قوله تعالى: (وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون)
قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم:٨].
كثير من الناس، أي: الكفار كلهم، وأكثر الناس كافرون بلقاء ربهم وبالبعث بعد الموت وبالجنة والنار، وبالحساب والعقاب، وبالعرض على الله.
فهؤلاء الذين علموا ظاهراً من الحياة الدنيا كفروا بكل ما سوى الدنيا، فكفروا بالآخرة، وهم غافلون عنها وعن علومها ومعارفها، والدنيا لم يعلموا إلا شيئاً من ظاهرها، وسيقص الله علينا بعدُ أن الأمم التي مضت كانت أشد قوة من هذه الأمم، وأعظم سلطاناً، وأكثر حضارة، وأكثر قوة، وأكثر زراعة، وأكثر بناء.
فهم يريدون اليوم أن يقولوا للناس: بلغت الدنيا اليوم ما لم تبلغ بعصر من العصور، كذبوا على الله وأفكوا، بلغت اليهودية في ظلمها وطغيانها منتهاها، بلغت الصليبية بلغت الشيوعية بلغ الكفر بكل أشكاله وملله ونحله، أقصى ما يمكن أن يصل إليه هو ما ادعوه من حضارة ومن مخترعات ومن مستحدثات كل ذلك ليس إلا جزءاً قليلاً مما كان عليه الأمم السابقة والشعوب الماضية من حيث قوة البدن، وقوة العمل، وسلطان السلاح، والتغلب على الخلق والبشر.
فالله تعالى في هذه الآية يأمرنا بالتفكير في أنفسنا وبالتفكير في هذه السموات العلا، وذلك رحمة بنا لعلنا نؤمن ولعلنا نصْدُق مع أنفسنا، فليس في الدنيا كل شيء، فهناك علوم أخر لا يعلم هؤلاء عنها شيئاً، فيمرون عليها وهم عنها غافلون، ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨]، ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩]، ولهم قلوب لا يعقلون ولا يفقهون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل، فالأنعام تستفيد من حليبها ومن أولادها ومن شعرها، ويركب على ظهورها للسفر وقطع الآفاق، وأما الإنسان الكافر والإنسان الضال فموته خير من حياته، فهو يضيق على الناس أرزاقها، ويضيق على الناس مساكنها، فلا يظهر من دون الخلق إلا الشر والأذى، وإلا الطغيان والجبروت وإعلان الكفر ومحاربة الإسلام وأحباء الله من الدعاة إلى الله.
стр. 1176
تفسير سورة الروم [٩ - ١٥]
يلفت الله تعالى أنظار الكفار ليتفكروا فيما خلق، ويسيروا في الأرض فينظروا في آثار من سبقهم من الأمم ممن كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالاً، لكن لم ينفعهم شيء من ذلك، بل كان عاقبة الذين أساءوا السوأى، ويوم القيامة يدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار.
стр. 1177
تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩].
يكشف الله ﷻ عن هؤلاء الذين يعاصروننا ممن لم يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، والسورة تسمى سورة الروم.
والقضية متعلقة بالروم وهم سكان أوروبا وسكان أمريكا بعد ذلك، فهؤلاء الروم النصارى وصفهم الله بأنهم لا يعلمون، وإذا علموا فعلمهم سخيف تافه ليس إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وأما الباطن من الدنيا فلا يعلمونه، فهم لا يعلمون أسرار هذا الكون سماء وأرضاً، بشراً وخلقاً، طيراً وجناً، وحيوانات ودواب، وهم وإن كانوا يرون ذلك ويمرون عليه، فإن مرورهم مرور الغافلين.
أما من أين أتينا؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين نسير بعد الموت؟ فهذا مما غفلوا ويغفلون عنه، فهم لا يعلمون ظاهره ولا باطنه، ولا يعلمون اسمه ولا حقيقته.
ثم أخبر سبحانه عن هؤلاء الذين لا يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم:٩] أي: لماذا لم يسيروا بأنفسهم سائحين ومنتقلين ومتعلمين، ومطلعين عن أحوال تلك الأمم السابقة والشعوب البائدة، وأنها حين كفرت بالله وكذبت رسله ولم تؤمن بما أنزل الله من كتب من السماء دمروا ولم تبق إلا خرائبهم ودورهم التي لم تعمر إلا قليلاً، وأهلكهم الله نتيجة كفرهم، ونتيجة إبائهم الإيمان والإسلام والعلم بما يجب أن يكون عليه الإنسان الذي خلقه الله في الأرض، وأن الله ما خلقه إلا لعبادته، ولا تكون العبادة إلا بالعلم.
وما العلم إلا علوم الآخرة وعلوم الدنيا التي تكون موصلة للآخرة نعلم منها أسرارها وبواطنها، كما أن العلوم الأخرى قد تكون علوماً موصلة للأخرى إذا قصد بها الله والدار الآخرة، وإذا علم منها ومن حقيقتها ومن باطنها أنها من الله، وأنها لخدمة عباد الله، فإن تكلمنا عن الطب مثلاً وقلنا: إن الله الخالق لهذه الجوارح وأن الطبيب ليس بيده خلق قطعة قد زالت، ولكن بيده الترقيع، فهذا لا بأس به، وقل نفس ذلك عن المهندس: إنه لا يعلم إلا خطوط البناء والعلو وما يحتاج إلى عمق الأرض، وقل مثل ذلك عن الصيادلة، وأن النبي ﵊ يقول: (ما خلق الله داء وإلا وخلق له دواء إلا السام).
ففي كل عشبة من هذه الأعشاب، وفي كل نبتة من هذه النباتات التي خلقها الله بقدرته دواء من أدواء أمراض الناس، علمها من علمها وجهلها من جهلها، ثم الله ينذر هؤلاء الكفرة ويأمرهم أن يأخذوا الحقائق وما يمكن أن يستفيدوا منه، وذلك بالضرب في الأرض، فينظروا عواقب من مضى من الأمم والخلق كيف كانت نتائج كفرهم، كانت خراباً ودماراً، ولم تبق إلا خرائبهم لتدل عليهم، وإلا البوم والغراب ينعق في خرائبهم، وهم بين يدي الله يحاسبون على الشاذة والفاذة بسبب خلافهم وكفرهم.
والاستفهام في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم:٩] جوابه المقدر: هو أنهم كانوا كفرة، فكانت العاقبة دمارهم وخرابهم واندثارهم وبوارهم.
ثم أخبر الله عن أولئك الماضين فقال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩]، أي: كانوا أكثر قوة في أبدانهم، وأطول أعماراً في سنيهم، وأكثر ذكاء في أعمالهم وصنائعهم، وأكثر شدة في بأسهم وسلطانهم، وتغلبوا على الشعوب من أمثالهم، واستطاعوا التصرف في الأرض والحضارات، وأثاروا الأرض وعمروها وزرعوها وحرثوها واستنبتوها، وغرسوا فيها الأشجار والبساتين والرياض، وشقوا فيها الأنهر والغدران، وصنعوا على البحار الموانئ التي يستطيعون الوقوف بالبواخر والبوارج والسفن عليها.
فقوله: ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ﴾ [الروم:٩] أي: استخرجوا معادنها وخيراتها وذهبها وفضتها، وما فيها من ثروات وكنوز، كل ذلك عملوه بقوتهم وبذكائهم، فكان لهم من القصور ما لا نزال نرى آثاره إلى اليوم، فهذه أهرامات مصر شاهدة على ذلك، وقد مضى عليها الآلاف من السنين، والصخرة الواحدة من هذه الأهرامات تزن الآلاف من الأطنان، فكيف قطعت من جبال سيناء وجبال الطور؟ وكيف قطعت على هذا الشكل؟ وعلى أي الآلات حملت؟ وكيف رفعت بعد ذلك على هذه البنية؟!! وكذلك قل عن آثار بابل في أرض العراق، وقد أراد هارون الرشيد يوماً أن يبني قصوراً في مكانها، فقال له وزراؤه من البرامكة: يا أمير المؤمنين! هي خرائب لا تخرب ولا يؤثر فيها الحديد والفولاذ، قد تهدمها سنوات ولم تهدم، ويصعب علينا أن يقال: بنى الأولون ما عجزنا عن تخريبه، والخراب أيسر من البناء.
فلم يلتفت الرشيد إلى كلامهم وأمر بهدم ذلك، وبعد سنتين من الهدم والتخريب لم يكادوا يخربون إلا جزءاً لا يتجاوز الأمتار من الجدران، فاضطر لأن يترك ذلك، وهو إلى الآن لا يزال كذلك، أما كيف بنوه، ومن أي مادة صنعوه؟ فلا نعلم حقيقة ذلك، فتلك من الآثار التي يشير إليها القرآن الكريم.
وينبغي أن يعلم هؤلاء المعجبون بأنفسهم وبقوتهم وبحضاراتهم أن من مضى من الأمم كانوا أكثر منهم وأشد قوة، ومع ذلك قد بادوا وذهبوا واضمحلوا.
وقوله: ﴿وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩] أي: زرعوها وغرسوها ونبشوا عن المعادن واستفادوا منها، وبنوا على الصخور الآثار والقصور الرفيعة والمدن والقرى.
فهم صنعوا كل ذلك مما جعل المعاصرين يعجبون من ذلك ويعجزون أن يصنعوا مثل ذلك أو ما يقاربه.
وقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم:٩] فهؤلاء مع شدتهم وقوتهم وحضارتهم ومدائنهم وسلطانهم عندما جاءتهم الرسل بالبينات وبالدلائل الواضحات على صدق رسالتهم غفلوا وتغافلوا أو كذبوا، فكانوا لا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، وإنما جاءهم أنبياؤهم المرسلون إليهم ليعلموهم وليرشدوهم ويعطوهم من بواطن الدنيا كما علموا من ظواهرها، ومن علوم الآخرة التي جهلوها، لكنهم أبوا إلا الجحود والكفران والمخالفة والعصيان.
وإذا بالله الكريم يعاقبهم في الدنيا والآخرة، وكان عذاب الآخرة أشد وأنكى، أما عذاب الدنيا فقد ظهر جلياً بما تركوا من آثار وخرائب تدل على ما أصابهم من غرق وصعق وقلب الأرض عاليها سافلها، وصيحات وزلازل وصواعق من الأرض والسماء لا تزال آثارها في مختلف بقاع الأرض.
قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩]، أي: لا يليق بعدل الله وجلاله أن يظلم أحداً، قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
وفي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، وهؤلاء ظلموا أنفسهم بكفرهم وبكونهم لم يصدقوا أنبياءهم وما جاءوا به من رسالات وكتب، فكانوا ظالمين لأنفسهم بما أصابها من لعنة وخراب ودمار.
стр. 1178
تفسير قوله تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون﴾ [الروم:١٠].
(عاقبة) بالضم على أنها اسم كان، وقرئت: (عاقبة) بالفتح على أنها خبر كان مقدم، والسوأى: هو المبتدأ.
فقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم:١٠] أي: الذين أساءوا وكفروا، وما ظهر منهم إلا السوء والإجرام والكبر والكفر والعصيان، والسوأى تأنيث الأسوأ، كالحسنى تأنيث الأحسن، أي: أتوا جرماً أعظم ما يكون سوءاً وهو الكفر بالله وبرسل الله، فكان عاقبة هؤلاء الكافرين أن أصيبوا بذلك البلاء وتلك العقوبة؛ نتيجة كفرهم وجحودهم وعصيانهم، وكان ذلك عاقبة أمرهم ونهاية حياتهم، والقضاء المبرم على وجودهم.
وليست (السوأى) مفعولاً لأساءوا.
وقوله: ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون﴾ [الروم:١٠]، أي: كانوا يستهزئون بأنبياء الله، ويستهزئون بالكتب المنزلة من السماء عصياناً وتمرداً.
وهذا تهديد ووعيد للكفار الذين لم يؤمنوا برسول الله عندما جاءهم، سواء كانوا من كفار العرب أو غيرهم، فقد هددوا وأنذروا وأوعدوا بعاقبة كعاقبة الذين سبقوهم، وبنهاية كنهاية تلك الأمم التي عوقبت في الدنيا قبل الآخرة غرقاً وتدميراً وصعقاً وزلازل وقلباً للأرض عاليها سافلها، مما لا تزال الآثار في الأرض بعضها ظاهر وبعضها يظهر بالحفريات والكشف عن الأثريات.
стр. 1179
تفسير قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون)
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم:١١].
يقول الله لخلقه وعباده: يا هؤلاء لقد رأيتم أنفسكم وقد خلقت وأوجدت من العدم من غير أي شيء سابق، ألا تأخذون ذلك دليلاً وبرهاناً على أن من بدأ الخلق قادر على أن يعيده وهو أهون عليه؟ والكل هين عليه ﷻ فهو لا يحتاج لأكثر من أن يقول: كن فيكون، ولا يحتاج لأكثر من إرادة، فيكون ما يريد ﷻ .
فقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم:١١]، أي: هو الذي أنشأ الخلق على غير مثال سابق، أوجدنا من العدم، ونحن نرى أنفسنا ونعيش في واقعنا، ونرى الخلق في كل أشكاله وأنواعه، فمن خلقهم؟ من دبرهم؟ من رزقهم؟ من أحياهم وأماتهم؟ من أحياهم وأماتهم قادر على إعادتهم ونشأتهم النشأة الثانية في الحياة الآخرة.
عندما يضرب الله للناس الأمثال والأشباه والنظائر؛ ليتعلموا بالمعلوم المجهول، وبالواقع المستقبل، وبالدنيا الآخرة، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
وقوله: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:١١]، أي: هو الذي يعيد الخلق مرة أخرى فينهي الدنيا ويفنيها، ويعيد الحياة الثانية يوم البعث والنشور، فيوم العرض على الله في الآخرة التي لا فناء لها ولا موت، فمن دخل الجنة فهو خالد فيها أبد الآبدين، ومن دخل النار فهو خالد فيها دهر الداهرين، لا موت ولا فناء، وإنما الموت والفناء لدار الدنيا وما فيها ومن عليها.
إذاً: نحن نرى أن الله قد بدأنا بواقعنا وحياتنا، ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة، فهو كما ابتدأنا سيعيدنا إعادة ثانية، وهذه دعوة للإيمان بالبعث، فمن لم يؤمن بالبعث بقي على كفره، ويكون قد كذب الأنبياء جميعاً السابقين واللاحقين وخاتمهم ﷺ ، ويكون قد كذب بالرسالات والنبوءات والكتب السماوية جميعها، فالبعث حق والحياة الثانية حق، كما أن الإنسان حق أن يعاد يوم القيامة مرة ثانية؛ ليعرض على الله ويحاسب على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم:١١]، أي: إلى الله يرجع الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، رجالهم ونساؤهم، إنسهم وجنهم.
стр. 1180
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون)
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم:١٢].
أي: عند قيام الساعة يوم القيامة في الدار الآخرة يبلس المجرمون، والإبلاس هو السكوت في ذهول وتيه وضياع، فهم يجدون أنفسهم في واقع لا ينكرونه وذلك عندما يسألون: أليس هذا الذي وعدتم في الدار الآخرة، كيف كذبتم به في الدنيا، ها أنتم الآن قد بعثتم بعد الموت؟ فلا يحيرون جواباً، ولا يتحركون ولا ينبس أحدهم ببنت شفة.
وفسروا الإبلاس باليأس من رحمة الله ومنه سمي إبليس، فهو يئس من رحمة الله، والإبلاس الكفر، والإبلاس الشرك والجريمة، وبكل هذه المعاني تفسر هذه الفقرة من الآية الكريمة، فيوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ويخرسون فلا يحيرون جواباً؛ لعجزهم عن إيجاد الدليل والبرهان، فهم لا يجدون برهاناً ولا دليلاً يعتذرون به عن سابق كفرهم وشركهم.
стр. 1181
تفسير قوله تعالى: (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء)
قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم:١٣].
أي: عند ذلك يتركهم الشركاء الذين عبدوهم جهلاً وفساداً في الأرض، وقالوا: ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ومنهم من جعل العجل إلهاً، ومنهم من جعل مريم وعيسى إلهين، ومنهم من جعل الأخشاب والأحجار آلهة، ومنهم من جعل من الجن والملائكة والبشر آلهة، وكل أولئك سيتخلون عنهم يوم القيامة، ولا يشفعون لهم عند الله بعدم دخولهم النار وإطلاق سراحهم من اللعنة والغضب، هيهات هيهات، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، ولن تكون شفاعة إلا لمن أذن له، ولن يأذن للشفاعة إلا لمن رضي عنه من الملائكة والرسل وصالحي الناس.
أما أن يشفع كافر فلن يكون ذلك ألبتة، ومعاذ الله أن يكون لله شريك ومعه شريك، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣].
وقوله: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم:١٣] أي: وكان هؤلاء الشركاء والأصنام كافرين بعبادتهم، كما يكفر المتبوع بالتابع ويتبرأ منه، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، أي: تقطعت أسباب المودة التي كانت في الدنيا، والصلة التي كانت بينهم المبنية على الكفر والشرك، ولن يدوم في الآخرة إلا الود في الله والحب في الله، قال الله تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، لن تدوم خلة ولا صداقة ولا مودة إلا مودة الأتقياء، أما من كانت مودتهم مبنية على الفسق والعصيان والشرك والجحود فهؤلاء ينقلبون أعداء لبعضهم يوم القيامة، ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.
стр. 1182
تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون)
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤].
أي: يوم تقوم الساعة يوم القيامة في ذلك اليوم يتفرق المؤمنون والكافرون، يصبح المؤمنون في أعلى عليين، والكافرون في أسفل سافلين، وتجمع النار الكافرين كما تجمع الجنة المؤمنين، ولا تصبح هناك صلة ولا اجتماع بينهم، بل تكون فرقة أبدية كما قال الحسن البصري بياناً وتفسيراً لكلام الله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، قال: يتفرق المؤمنون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، ويفترقون عن المؤمنين فرقة أبدية.
ويميز المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وتحشر كل طائفة وكل ملة مع نظيرها ومثيلها في نار جهنم، فلا يجتمع مسلم بكافر ولا كافر بمسلم، وإن كان أهل الجنة يحاورون أهل النار ممن حاول أن يضلهم في الدنيا، فيحمد الله أن أنقذه الله من فسق هذا الكافر ومن دعوته الباطلة، ومن شركه المزيف، وأن فرق بينه وبينه.
стр. 1183
تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم:١٥].
(أما) أي: اضرب عن القول السابق في عذاب الكافرين وعقباهم من لعنة في الدنيا ونار دائمة يوم القيامة ومن فرقة بين المؤمنين والكافرين هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الروم:١٥]، يعني: أما الذين آمنوا بالله رباً وبمحمد ﷺ نبياً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالمؤمنين إخوة وبالكعبة قبلة، ثم بعد هذا الإيمان القولي صدق الخُبر الخبر، فصدق الجنان اللسان، وصدقت الأركان الجنان، فصلوا لله ﷻ خمس صلوات في اليوم والليلة، وصاموا شهر رمضان، وحجوا بيت الله الحرام إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وأدوا زكاة أموالهم إن كانوا يملكون النصاب ومضى عليه الحول، وتركوا المنكرات بكل أشكالها، قال ﷺ : (ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).
والفعل يفعل قدر الطاقة والاستطاعة، وأما النهي فيكون باتاً كاملاً، فيتركون المنكرات والفواحش ظاهرها وباطنها، فهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم:١٥].
والحبور: السرور وحضور النعمة.
والروضة مفرد الرياض، أي: الجنة والجنان.
فهم في الجنان مسرورون منعمون مكرمون، قد رحمهم ربهم لعبادتهم ولتوحيدهم ولعملهم الصالح، وفرق بينهم وبين أولئك الذين كانوا في دار الدنيا يهزءون بهم وبدينهم وبكتابهم وبنبيهم، وكان نتيجة كفر أولئك النار وغضب الله، وكان نتيجة صبر هؤلاء واستمساكهم بالدين الحق والإيمان والعمل الصالح أن أنعم عليهم وكرمهم في سرور وحبور ونعم دائمة، كما قال تعالى: ﴿لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة:٣٣]، وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١]، وقال ﷺ : (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).
وسنة الله في كتابه أنه يذكر رحمته مع غضبه، وغضبه مع رحمته، ويذكر الجنة ثم النار، والنار ثم الجنة، ويذكر المؤمنين وأعمالهم، ثم الكافرين وأعمالهم، بين الرجاء والخوف؛ حتى إذا رجا كثرت طاعته وابتعد عن الشرك، وإذا خاف ترك المنكرات ظواهرها وبواطنها، فتارة يصنع ذلك، وتارة يعرض عليه صور كأنه يراها رأي العين، وضرب الأمثال سنة الله في كتابه.
стр. 1184
تفسير سورة الروم [١٦ - ٢٢]
خلق الله الخلق ليبتليهم وبين لهم طريق الخير والشر، فمن كفر وكذب فجزاؤه النار خالداً فيها، وقد ذكر الله لعباده في كتابه العزيز آيات وبينات تدلهم على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة كخلق السماوات والأرض وخلق الأزواج، وجعل المودة والرحمة بينهم، واختلاف الألوان والألسن وغير ذلك.
стр. 1185
تفسير قوله تعالى: (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا)
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم:١٦].
أي: الذين كفروا بالله رباً، وكفروا بمحمد ﷺ نبياً، وكفروا بكون القرآن كلام الله، وكفروا بالمؤمنين إخوة، وبالكعبة قبلة، ثم كذبوا آيات الله وكذبوا قدرته وكتابه ودلائل وحدانيته والمعجزات التي أتى بها أنبياؤه، وكذبوا بيوم القيامة ولقاء الآخرة ولقاء الخلق مع الله يوم القيامة ويوم العرض عليه -مع أن الإيمان به أصل من أصول كل دين سماوي حق- فهم لم يؤمنوا بيوم البعث والقيامة وأننا نبعث بعد الموت بأجسامنا وأرواحنا بأعمالنا الصالحة وغيرها؛ ليرحم من عمل الصالحات وآمن بالله، ويعاقب ويعذب من كفر بالله وعمل الطالحات، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم:١٦]، فهؤلاء الذين أشار إليهم من الكافرين والمكذبين والمنكرين ليوم البعث يحضرون للعذاب يوم القيامة ويجمعون للعذاب في النار، ومن هنا قيل عن الميت وقت موته: المحتضر، أي: يحتضر للموت، ويحتضر لحقائق الأشياء، وتحضره ملائكة الموت؛ لينقل إما إلى الرحمة وإما إلى العذاب، فإن كان في الجنة فقد أحضر للنعيم، وإن كان في النار فقد أحضر لعذابه.
стр. 1186
تفسير قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون)
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧].
فالله ﷻ يسبح نفسه ويعظمها، وهنا يعلمنا ﷻ كيف نسبحه ونقدسه ونعبده ونمجده، فهو سبحانه له الملك والألوهية والربوبية، وهو خالق كل شيء والمنفرد بالعبادة ﷻ ، وهذا خبر في معنى الأمر، فهو يسبح نفسه ويمجدها وينزهها عن كل النقائص ويعزها ويجلها، وهو العزيز الجليل ﷻ وعز مقامه؛ لنتعلم كيف نعزه ونمجده، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وقال: حسن صحيح عن جماعة من الصحابة: (من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بمثل ما أتى إلا أحد قال مثل قوله أو زاد عليه).
وقال النبي ﵊ -وهو آخر حديث من صحيح البخاري -: (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
فسبحان الله وبحمده أي: إنه يحمد نفسه في السموات وفي الأرض وعشية وحين نظهر، فهو يحمد نفسه ويعلمنا كيف نحمده، ويسبح نفسه ويعلمنا كيف نسبحه، وقد روي: (أنه خرج يوماً صباحاً ﷺ وترك أم المؤمنين جويرية بنت الحارث تسبح الله وتذكره، ثم عاد ضحى فوجدها لا تزال في مجلسها وهي تذكر الله وتسبحه، فقال لها: ألا تزالين في مسجدك؟ -أي: مكان سجودك وتسبيحك وتحميدك- قالت: نعم، قال: لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، ثلاث مرات)، وسبحان: اسم مبني على الفتح، وهو اسم مفعول ومعناه: أسبح الله.
وكتب نافع الأزرق الخارجي إلى ترجمان القرآن عبد الله بن عباس يسأله: يا ابن عباس! هل الصلوات الخمس مذكورة في القرآن؟ قال: نعم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]، قال: حين تمسون: صلاة المغرب، وحين تصبحون: صلاة الفجر.
стр. 1187
تفسير قوله تعالى: (وله الحمد في السموات والأرض)
قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٨].
وعشياً: صلاة العصر، وتظهرون: صلاة الظهر، وصلاة العشاء مذكورة في آية ذكر العورات وإخفائها، في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:٥٨] فالصلوات الخمس مذكورة في القرآن إجمالاً ومذكورة تفصيلاً، وقد أجملها الله في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]، فالصلوات الخمس أمر بحفظها وبرعايتها وبالقيام بأركانها.
واختلف الأئمة في الصلاة الوسطى من الصبح إلى الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى العشاء، وقال الشافعية: هي العصر، والنص معهم ولا عبرة ببقية الآراء؛ لأنه جاء في صحيح مسلم في غزوة بني قريظة قوله ﷺ عن اليهود: (ملأ الله قبورهم ناراً، شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر).
وإذا قال النبي ﷺ قولاً فليس لأحد معه قول من صحابي فمن دونه، وثبت في صحيح مسلم: (أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر).
فقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧]، أي: وقت المساء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]، أي: وقت الصباح، والمساء من المغرب إلى الليل، ولذلك بعض الأئمة أدخل في المساء المغرب والعشاء، وأما الإصباح فقد ذكره الله في قوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]، أي: حين الصباح ويكون ذلك في الذكر والمذاكرة والصلاة، ولما كان التسبيح صلاة سمى النبي ﷺ الصلاة: (سبحة)؛ لأنها تشتمل على التسبيح والتحميد والذكر والتلاوة، وعلى الحركات من قيام وركوع وسجود وجلوس وقيام، وعلى التكبير في الحركات، وعلى الذكر في كل حالات، فهي تسبيح لله ثم هيئة المصلي هي تسبيح بلا خلاف.
وقد صلى عمر بن الخطاب ﵁ يوماً فلم يقرأ فاتحة ولم يقرأ سورة، فقيل له: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟! فقال: ألا يستكفى في العبادة أني سبحت فقد قمت وركعت وسجدت وجلست فتلك في حد ذاتها تسبيح لله؛ لأن الركوع والسجود لا يليقان إلا بالله، فلا يركع ولا يسجد إلا لله، ولا توضع الجباه ولا الأنامل ولا الركب ولا الأيدي ولا أصابع الرجلين وخاصة إن وضعت مجتمعة إلا لله الواحد.
قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨].
وتقديم المعمول على العامل يفيد أن الحمد الكامل المطلق الحقيقي له تعالى، ولذلك نقرأ الفاتحة في كل ركعة أئمة ومأمومين كما هو المذهب الحق، ولا تجوز الصلاة إلا بفاتحة الكتاب، فمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج خداج، أي: ناقصة غير كاملة، ولا تجزي ولا تكفي ولا تصح ولا تقبل إلا بفاتحة الكتاب.
وأيضاً في تقديم المعمول على العامل إفادة الحصر، أي: حصر الحمد في الله وانفراده به؛ إذ هو صاحب النعم الظاهرة والباطنة وليس لغيره نعمة.
إذاً: ففي قوله سبحانه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الروم:١٨] يحمد نفسه ﷻ وهو على عرشه استوى، وتحمده ملائكته وأنبياؤه في السموات كما يحمده كل من على الأرض جناً وبشراً وحيواناً وطيراً، فالكل يسبحه ويحمده ويعبده، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
وقال النبي ﵊ عن الملائكة في السماء: (أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك ساجد أو قائم).
ولله الحمد في السموات والأرض فلا تخلو الأرض مشارقها ومغاربها من مخلوق من إنسان أو جن أو ملك إلا وهو يعبد الله، وتجده إما مسبح باللسان أو عابد بالأركان.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾ [الروم:١٨] والعشي: ما بعد الظهر إلى غروب الشمس، والمساء: ما بعد المغرب إلى الشفق.
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٨] والإظهار هو: وسط النهار، ونحن نسميه الظهر، ووقت الظهر يسمى عشياً، وقالوا: هو صلاة العصر، وتظهرون قالوا: صلاة الظهر، وهي كذلك، ولكن المعنى أعم؛ والعبادة لله تستحب فيه وتكون أقرب للقبول سواء التسبيح باللسان أو التسبيح بالطواف أو التسبيح بالسعي أو التسبيح بالصدقات أو التسبيح بكل أنواع العبادات، فهي في حد ذاتها مطلوبة ومستحبة، ويزداد استحبابها عشياً وآصالاً وصباحاً وعشياً وفي الأوقات التي ذكر الله، وهي أوقات الصلوات الخمس، ولله الحمد.
стр. 1188
تفسير قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت)
قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩].
فقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم:١٩].
أي: ومن يقدر على ذلك إلا هو، فهو الذي يخرج الإنسان من النطفة وهي ميتة، ويخرج الدجاجة من البيضة وهي ميتة، ويخرج النبت والشجر من الأرض وهي ميتة.
﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، أي: ويخرج الجنين ميتاً من رحم أمه وهي حية، ويخرج الكافر من بطن أمه وهي مسلمة وهو كافر، ويخرج البيضة من الدجاجة، ويخرج الحبة من السنبلة، ويخرج الزرع والحبة والقمح من السنابل ومن الأشجار والنباتات وكلها حية.
فالله وحده القادر على ذلك، هذا من حيث المحسوس، ومن حيث المعنى: خرج أنبياء الله الصالحون وخرج الصحابة الكرام والتابعون من بطون كانت في جاهليتها غير مؤمنة، وخرج كفار من أرحام مؤمنة.
ومن قدر له الله الخير أدركه، سواء كان البطن الذي احتواه بطن مؤمن أو بطن كافر، قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:١٩]، فتجد الأرض وقت الشتاء قد يبس نبتها وتحات شجرها وأصبحت جدباء، فإذا بالله الكريم يمطرها ويغيثها بالمطر، فإذا بها تهتز وتربو وتنبت أشكالاً وألواناً ومن كل زوج بهيج، فهذا أخضر وهذا أحمر وهذا أصفر وهذا أبيض، ومع أن الماء واحد إلا أن الزهر ألوان، ولو كان ذلك من الطبيعة فكيف يخرج من ماء واحدة وتربة واحدة أنواعاً من الثمار والأشجار والنباتات والطبيعة من خلقها؟ ولكن الكفر ألوان وأنواع.
﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩].
أي: كما أخرج الحياة من الأرض الميتة وجعلها تربو وتهتز حياة، فبعد أن كانت يابسة وجدباء إذا بها تدخلها الحياة فتنبت أشجاراً ونباتات وبراعم وزهوراً وثمرات خضراء، وكما أخرج من الحبة الميتة الحياة فسيخرجكم ويبعثكم بعد موتكم أحياء كذلك مرة ثانية لتعرضوا عليه للحساب إما إلى جنة وإما إلى نار.
стр. 1189
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب)
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠].
أي: ومن آياته ودلائل قدرته ومعجزاته ووحدانيته وعلامة إرادته ووحدانيته بالإرادة.
قوله: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠].
فقد خلق آدم من تراب وهو أصلنا وأبونا الأعلى، ثم جعلنا منه، فكنا في الأصل تراباً، ثم خلق منها زوجها، وخلق منهما نطفة ومن النطفة علقة ومن العلقة مضغة ومن المضغة عظاماً ثم كساها لحماً، ثم أخرجها بشراً سوياً إلى هذه الدنيا، وكان جسماً ضعيفاً لا يعقل ولا يعي ولا يبصر ولا يدرك، ثم إذا بهذا الإنسان الذي أصله تراب وماء مهين يتجبر على الله ولا يذكره ويسفك الدماء الحرام ويستبيح الأعراض الحرام، ويقول: أنا ربكم الأعلى، وينسى أنه بعد ذلك سيعود إلى شيب وضعف، ثم إلى تراب، ثم يحيا مرة أخرى ويعرض للحساب فيعاقب أو يكرم حسب عمله من الصالحات أو الطالحات.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]، ونحن قد انتشرناها في الأرض مشارق ومغارب، جبالاً ووهاداً، أجواء وتراباً، ونحن على ما نحن عليه، فمن أكرمه الله عاش مؤمناً ومن سبق عليه كتاب الله في الأزل وغضب عليه كفر بكل ذلك وأشرك.
стр. 1190
خلق الإنسان من جميع تربة الأرض
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد والسنن عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع تراب الأرض، فجاء بنوه على قدر ذلك، منهم الأبيض والأسود والأحمر وما بين ذلك، وكان منهم الطيب الخبيث، وكان منهم السهل والحزن).
ومعنى الحديث: إن التراب الذي خلق منه آدم صنعه الله ﷻ بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وجعل تربته وطينته من تراب جميع الأرض، أي: من تربة خصبة منبتة وتربة جدباء لا تنبت، وتربة نتنة، وتربة صحراوية لا تكاد تبنت شيئاً، وتربة حمراء، وتربة سوداء، وحين ولد لآدم خرج أولاده على مقدار ذلك الجنس، فما كان من جنس التراب الأسود كان أسود، ومن كان من جنس التراب الأجدب الذي لا ينبت بليداً، ومن كان من جنس الأرض الخصبة المنبتة كان زكياً، وهكذا، فاختلاف بني آدم في ألوانهم وألسنتهم وعقولهم وفهومهم وذكائهم حسب التربة التي ورثوها عن أبيهم آدم، فآدم جمع في تربة خلقه وقيامه ووجوده جميع أنواع تربة الأرض، وقال في هذا المعنى ﷺ أيضاً: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيرهم في الجاهلية خيرهم في الإسلام إذا فقهوا)، فالأرض التي فيها المعادن من الذهب والفضة من ملكها ملك الثروات الأموال الطائلة، وأرض ليس فيها معدن ولا نبات لا خير فيها.
стр. 1191
قيمة الإنسان بحسب إيمانه
وهكذا الإنسان لا قيمة له إلا إذا كان مؤمناً عالماً داعياً إلى الله في خدمة إخوانه المسلمين، وأما ماله فليس له منه إلا ما لبس فأبلى أو أكل فأفنى أو تصدق فأمضى.
وإما إن كان قارون عصره يجمع أنواع الزكوات والكنوز والثروات والأموال ثم يتخذ طغياناً وجبروتاً وتألهاً على الله ويأكل مال هذا زيادة على ماله ويطغى على ذاك وماله لا يستفيد منه فقير ولا قريب ولا محتاج ولا سائل فإنه عند الله لا وزن له أمام ذاك، والنبي ﷺ مر أمامه في المسجد مسلم مروراً عابراً فقال رسول الله ﷺ للحاضرين: إذا طلب هذا الصهر أتصاهرونه؟ وكان يملك قامة وشكلاً ولوناً وهيئة ولباساً حسناً، قال: إذا طلب المعاملة أتعاملونه؟ قالوا: نعم، ثم مر غيره رجل مسكين عليه آثار الوهن والاحتياج في ملابس بالية لا يكاد يرفع رجله من الأرض إلا زحفاً فقال لهم: وهذا؟ قالوا: إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد، وإذا طلب الصهر لم يصاهر، فقال لهم نبي الله ﵊: (لهذا خير من ملء الأرض من مثل ذاك)، وهذا كما يقال في المثل: واحد كألف وألف كواحد.
إذاً: فهؤلاء الكفار المشركون بالله بأجمعهم لا يساوون قدم مسلم أسود مصل يحب الله ورسوله ﷺ والمؤمنين، بل قدمه أشرف منهم كلهم بملايينهم وملياراتهم.
وهذا كما قال ﷺ ، وقد يكون هذا الذي أشار إليه النبي ﵊ منافقاً.
стр. 1192
معنى قيمة الإنسان الحقيقية في هذه الأرض
إذا نسينا أصلنا الترابي أخذنا نتعاظم ونتكبر على بعضنا.
وقد حضرت مرة محاضرة لطبيب كيماوي قال فيها: إنه حلل إنساناً تحليلاً كيماوياً بعد أن وزنه وأتى بوزنه تراباً، ثم حلل ذلك التراب، فوجد ذلك الجسم الذي وزن ذلك التراب نفس المعادن التي في التراب من مياه وكبريت وملح وسكر وماء.
إذاً: فنحن تراب وإنما تغيرنا فقط، وهذا كما يأتي شخص إلى حب القمح فيطحنه فيصبح القمح دقيقاً ثم يعجنه فيصبح عجيناً ثم يخبزه فيصبح خبزاً أو حلوى أو غيره على ما يريد، وأصله تلك الحبة وتلك الزرعة وليس سواها، وهكذا الإنسان، ومن هنا قال الحكيم العربي: خفف الوطء يا صاح ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد أي: يا من تتعاظم على الله وتمشي في الأرض خيلاء متعاظماً خفف وطأك وامش قليلاً قليلاً ولا تتكبر وتتعاظم؛ فإن هذه الأرض التي تدوسها وتمشي عليها بقدمك هي من تراب آبائك وأجدادك، وكم فيها لك من أب وأم أصبحوا تراباً؟ يوشك أن تصبح أنت تراباً مثلهم، ويأتي أولادك بعدك فيدوسون عليك في خيلاء وتعاظم، فلم التعاظم وأنت من تراب وعائد إلى التراب.
وفي هذه الآية تتجلى القدرة الإلهية المفردة، فهذا التراب قد أصبح إنساناً سوياً وبشراً عاقلاً ورسولاً كريماً وعالماً صالحاً وصاحباً تابعاً وإماماً مرجحاً مرفوعاً إليه، وقد يكون العكس، فيصبح بطاشاً فرعون الأرض متكبراً خائناً، والكل من أصل واحد ومن تراب واحد.
стр. 1193
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً)
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
أي: ومن آيات الله وقدرته أن خلق لنا من أنفسنا زوجة لنجد السكون والطمأنينة والراحة بعد الشغل والتعب والعمل في الخارج، وجعل بين المرأة وزوجها مودة وهي: المحبة، ورحمة وهي الشفقة والرأفة، بعد أن لم يكن بينه وبينها نسب ولا صلة، ولا يسمح بوجودها قبل أن يتزوجها، ولا تسمح بوجوده قبل أن تتزوجه، ثم أصبحت له سكناً ومطمأناً ومرجعاً يجد عندها راحته وموضع أسراره وموضع شكواه ولا يحل محلها أحد على عظمة الأب وحرمة الأم وما يقال لها لا يقال للأب ولا للأم ولا للولد، فهي موضع السكن والمودة، فيودها وتوده، ويرحمها وترحمه، ويرؤف بها وترؤف به، ويشفق عليها وتشفق عليه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الروم:٢١]، أي: في هذا، ﴿لَآيَاتٍ﴾ [الروم:٢١] وعلامات على قدرة الله الواحد، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، أي: لهم عقول يديرونها في الفكر، ويفكرون بها ويخمنون ويحدثون ولا يعيشون سبهللاً كالدواب، بل يسألون أنفسهم: من خلقنا وأخرجنا إلى هذا العالم؟ وما هو أصلنا؟ وإلى أين نذهب؟ وهذا التفكر والاعتبار فرضه الله على كل إنسان، فهو في حق المؤمن واجب، وأما الكافر فلا يقبل منه إلا بعد أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ .
وقد خلق الله حواء يوم خلق آدم من ضلعه الأيسر، كما في الصحيحين: (إن الله أخذ ضلعاً من أضلاع آدم وقال له: كن أنثى فكان أنثى على صورة آدم)، ولكن يفترق عنها بأنها لا لحية لها ولا شارب، وأن آلة الأنوثة غير آلة الذكورة، وما سوى ذلك فالذكر والأنثى خلقة واحدة، فلكل واحد منهما عينان وشفتان وأذنان وعقل وسمع وبصر، ثم هذا الذي خلقه من أنفسنا جعل بيننا وبينه مودة ورحمة، وكل ذلك من علامات قدرة الله وآياته الدالة على ألوهيته ووحدانيته، وأنه القادر على كل شيء.
стр. 1194
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض)
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢].
أي: ومن علامات قدرة الله والدلائل القاطعة على وحدانيته وقدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن الذي يستطيع أن يخلق مثل هذه السماء ويرفعها بغير عمد؟ أو مثل هذه الأرض بجبالها وأنهارها وبحارها وما عليها من إنس وجن وطير وحيوان، فمن خلقها وكونها غير الله ﷻ ؟ وهؤلاء البشر الذي كان أصلهم واحداً اختلفت ألسنتهم وألوانهم، ولا يشبه فيهم لون لوناً ولا لسان لساناً، فالألوان على تعدد البشر بالمليارات لا تجد أحدهم يشبه الآخر شبهاً كاملاً، بل لا بد أن يكون هناك فرق، وكذلك اللغات والألسن، فهذا عربي وهذا أعجمي وهذا فارسي وهذا أفغاني إلى غير ذلك، بل حتى اللسان الواحد في اللغة الواحدة في الأسرة الواحدة في الأب والأم والأولاد، تجد لصوت هذا لهجة خاصة ولصوت هذا لهجة خاصة، فإذا نادت الأم أو البنت دون أن تقول: أنا فلانة تعرفها بنبرة لسانها.
وهذا الاختلاف من يقدر عليه إلا الله، فنحن نصنع مصنعاً ونخرج منه ثياباً وأشياء بالملايين، وهذه الملايين كلها يشبه بعضها بعضها، بحيث إن الإنسان الخبير إذا أخذ ثوباً قال: هذا صنع إنجلترا، وهذا صنع فرنسا، وهذا صنع الشام وبلاد العرب، وهو لا يختلف عن بعضه بشيء، وفي الإنسان هذه الخطوط الموجودة في الأصابع لا تشبه أصبع أصبعاً، حتى أصبحوا يعتقدون أن التوقيع بالأصبع أصدق توقيع؛ لأن التوقيع يزور، وأما توقيع الإبهام فلا يزور.
لذلك بعض الدول أخيراً زورت جوازاتها وهوياتها فجددتها، وجعلت للقارئ ولغير القارئ أن يضع في ملفه بصمات الأصابع العشرة مع اسمه وصورته؛ حتى لا يدخلها التزوير بحال، فقد تزور الصورة ويدخلها تعديل، وقد يزور الاسم والتوقيع، وأما هذه البصمات فلا تزور.
стр. 1195
تفسير سورة الروم [٢٢ - ٢٧]
يذكر الله تعالى دلائل قدرته ووحدانيته تباعاً، وذلك حتى يعبده الناس وحده فيدخلهم جنته، ومن ذلك آية النوم بالليل والسعي بالنهار وخلق السماوات والأرض وأنه يبدأ الخلق ثم يعيده، وكل شيء قانت له سبحانه.
следующие страницы →