← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قيمة الإنسان بحسب إيمانه وهكذا الإنسان لا قيمة له إلا إذا كان مؤمناً عالماً داعياً إلى الله في خدمة إخوانه المسلمين، وأما ماله فليس له منه إلا ما لبس فأبلى أو أكل فأفنى أو تصدق فأمضى. وإما إن كان قارون عصره يجمع أنواع الزكوات والكنوز والثروات والأموال ثم يتخذ طغياناً وجبروتاً وتألهاً على الله ويأكل مال هذا زيادة على ماله ويطغى على ذاك وماله لا يستفيد منه فقير ولا قريب ولا محتاج ولا سائل فإنه عند الله لا وزن له أمام ذاك، والنبي ﷺ مر أمامه في المسجد مسلم مروراً عابراً فقال رسول الله ﷺ للحاضرين: إذا طلب هذا الصهر أتصاهرونه؟ وكان يملك قامة وشكلاً ولوناً وهيئة ولباساً حسناً، قال: إذا طلب المعاملة أتعاملونه؟ قالوا: نعم، ثم مر غيره رجل مسكين عليه آثار الوهن والاحتياج في ملابس بالية لا يكاد يرفع رجله من الأرض إلا زحفاً فقال لهم: وهذا؟ قالوا: إذا حضر لم يعرف، وإذا غاب لم يفتقد، وإذا طلب الصهر لم يصاهر، فقال لهم نبي الله ﵊: (لهذا خير من ملء الأرض من مثل ذاك)، وهذا كما يقال في المثل: واحد كألف وألف كواحد. إذاً: فهؤلاء الكفار المشركون بالله بأجمعهم لا يساوون قدم مسلم أسود مصل يحب الله ورسوله ﷺ والمؤمنين، بل قدمه أشرف منهم كلهم بملايينهم وملياراتهم. وهذا كما قال ﷺ ، وقد يكون هذا الذي أشار إليه النبي ﵊ منافقاً.

стр. 1192

معنى قيمة الإنسان الحقيقية في هذه الأرض إذا نسينا أصلنا الترابي أخذنا نتعاظم ونتكبر على بعضنا. وقد حضرت مرة محاضرة لطبيب كيماوي قال فيها: إنه حلل إنساناً تحليلاً كيماوياً بعد أن وزنه وأتى بوزنه تراباً، ثم حلل ذلك التراب، فوجد ذلك الجسم الذي وزن ذلك التراب نفس المعادن التي في التراب من مياه وكبريت وملح وسكر وماء. إذاً: فنحن تراب وإنما تغيرنا فقط، وهذا كما يأتي شخص إلى حب القمح فيطحنه فيصبح القمح دقيقاً ثم يعجنه فيصبح عجيناً ثم يخبزه فيصبح خبزاً أو حلوى أو غيره على ما يريد، وأصله تلك الحبة وتلك الزرعة وليس سواها، وهكذا الإنسان، ومن هنا قال الحكيم العربي: خفف الوطء يا صاح ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد أي: يا من تتعاظم على الله وتمشي في الأرض خيلاء متعاظماً خفف وطأك وامش قليلاً قليلاً ولا تتكبر وتتعاظم؛ فإن هذه الأرض التي تدوسها وتمشي عليها بقدمك هي من تراب آبائك وأجدادك، وكم فيها لك من أب وأم أصبحوا تراباً؟ يوشك أن تصبح أنت تراباً مثلهم، ويأتي أولادك بعدك فيدوسون عليك في خيلاء وتعاظم، فلم التعاظم وأنت من تراب وعائد إلى التراب. وفي هذه الآية تتجلى القدرة الإلهية المفردة، فهذا التراب قد أصبح إنساناً سوياً وبشراً عاقلاً ورسولاً كريماً وعالماً صالحاً وصاحباً تابعاً وإماماً مرجحاً مرفوعاً إليه، وقد يكون العكس، فيصبح بطاشاً فرعون الأرض متكبراً خائناً، والكل من أصل واحد ومن تراب واحد.

стр. 1193

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً) قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. أي: ومن آيات الله وقدرته أن خلق لنا من أنفسنا زوجة لنجد السكون والطمأنينة والراحة بعد الشغل والتعب والعمل في الخارج، وجعل بين المرأة وزوجها مودة وهي: المحبة، ورحمة وهي الشفقة والرأفة، بعد أن لم يكن بينه وبينها نسب ولا صلة، ولا يسمح بوجودها قبل أن يتزوجها، ولا تسمح بوجوده قبل أن تتزوجه، ثم أصبحت له سكناً ومطمأناً ومرجعاً يجد عندها راحته وموضع أسراره وموضع شكواه ولا يحل محلها أحد على عظمة الأب وحرمة الأم وما يقال لها لا يقال للأب ولا للأم ولا للولد، فهي موضع السكن والمودة، فيودها وتوده، ويرحمها وترحمه، ويرؤف بها وترؤف به، ويشفق عليها وتشفق عليه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الروم:٢١]، أي: في هذا، ﴿لَآيَاتٍ﴾ [الروم:٢١] وعلامات على قدرة الله الواحد، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]، أي: لهم عقول يديرونها في الفكر، ويفكرون بها ويخمنون ويحدثون ولا يعيشون سبهللاً كالدواب، بل يسألون أنفسهم: من خلقنا وأخرجنا إلى هذا العالم؟ وما هو أصلنا؟ وإلى أين نذهب؟ وهذا التفكر والاعتبار فرضه الله على كل إنسان، فهو في حق المؤمن واجب، وأما الكافر فلا يقبل منه إلا بعد أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ . وقد خلق الله حواء يوم خلق آدم من ضلعه الأيسر، كما في الصحيحين: (إن الله أخذ ضلعاً من أضلاع آدم وقال له: كن أنثى فكان أنثى على صورة آدم)، ولكن يفترق عنها بأنها لا لحية لها ولا شارب، وأن آلة الأنوثة غير آلة الذكورة، وما سوى ذلك فالذكر والأنثى خلقة واحدة، فلكل واحد منهما عينان وشفتان وأذنان وعقل وسمع وبصر، ثم هذا الذي خلقه من أنفسنا جعل بيننا وبينه مودة ورحمة، وكل ذلك من علامات قدرة الله وآياته الدالة على ألوهيته ووحدانيته، وأنه القادر على كل شيء.

стр. 1194

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض) قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]. أي: ومن علامات قدرة الله والدلائل القاطعة على وحدانيته وقدرته خلق السماوات والأرض وما بينهما، ومن الذي يستطيع أن يخلق مثل هذه السماء ويرفعها بغير عمد؟ أو مثل هذه الأرض بجبالها وأنهارها وبحارها وما عليها من إنس وجن وطير وحيوان، فمن خلقها وكونها غير الله ﷻ ؟ وهؤلاء البشر الذي كان أصلهم واحداً اختلفت ألسنتهم وألوانهم، ولا يشبه فيهم لون لوناً ولا لسان لساناً، فالألوان على تعدد البشر بالمليارات لا تجد أحدهم يشبه الآخر شبهاً كاملاً، بل لا بد أن يكون هناك فرق، وكذلك اللغات والألسن، فهذا عربي وهذا أعجمي وهذا فارسي وهذا أفغاني إلى غير ذلك، بل حتى اللسان الواحد في اللغة الواحدة في الأسرة الواحدة في الأب والأم والأولاد، تجد لصوت هذا لهجة خاصة ولصوت هذا لهجة خاصة، فإذا نادت الأم أو البنت دون أن تقول: أنا فلانة تعرفها بنبرة لسانها. وهذا الاختلاف من يقدر عليه إلا الله، فنحن نصنع مصنعاً ونخرج منه ثياباً وأشياء بالملايين، وهذه الملايين كلها يشبه بعضها بعضها، بحيث إن الإنسان الخبير إذا أخذ ثوباً قال: هذا صنع إنجلترا، وهذا صنع فرنسا، وهذا صنع الشام وبلاد العرب، وهو لا يختلف عن بعضه بشيء، وفي الإنسان هذه الخطوط الموجودة في الأصابع لا تشبه أصبع أصبعاً، حتى أصبحوا يعتقدون أن التوقيع بالأصبع أصدق توقيع؛ لأن التوقيع يزور، وأما توقيع الإبهام فلا يزور. لذلك بعض الدول أخيراً زورت جوازاتها وهوياتها فجددتها، وجعلت للقارئ ولغير القارئ أن يضع في ملفه بصمات الأصابع العشرة مع اسمه وصورته؛ حتى لا يدخلها التزوير بحال، فقد تزور الصورة ويدخلها تعديل، وقد يزور الاسم والتوقيع، وأما هذه البصمات فلا تزور.

стр. 1195

تفسير سورة الروم [٢٢ - ٢٧] يذكر الله تعالى دلائل قدرته ووحدانيته تباعاً، وذلك حتى يعبده الناس وحده فيدخلهم جنته، ومن ذلك آية النوم بالليل والسعي بالنهار وخلق السماوات والأرض وأنه يبدأ الخلق ثم يعيده، وكل شيء قانت له سبحانه.

стр. 1196

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم) قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]. لا نزال نتتبع آيات الله ﷻ في دلائل قدرته ووحدانيته، وفي نسق الآيات الكريمات خطاب للعقل والفهم والوعي، ولا يعرض عنها إلا من فقد دينه وعقله وفهمه ووعيه وإدراكه. ومن آيات الله وعلامات قدرته ومعجزات بيانه ومخاطبته لقوم عالمين سامعين أن الله ﷻ خاطب الناس بلغة عقولهم وبفهمهم، فلفت الأنظار بقوله: (ومن آياته) أي: ألا يرون هذه الآيات فيتساءلون: من خلق السماوات والأرض؟ ومن الذي يستطيع خلق هذا؟ فهذه السماء في علوها، والكواكب وأفلاكها وما فيها من خلق، أطت السماء من أجل ذلك وحق لها أن تئط، ومن الذي يستطيع خلق هذه الأرض بما عليها من جبال راسيات، وبحار جاريات، وخلق الخلق من كل لون وشكل جناً وإنساً، وطيراً وحيواناً؟ فمن الذي يستطيع رزقهم والقيام عليهم، وإحياء من يحيا وإماتة من يموت؟ وهذه الألسن المختلفات من عرب وعجم إلى مختلف لغات الأرض ولهجاتها، كيف لا يشبه بعضها بعضاً؟ واختلاف الألوان من أبيض وأصفر وأحمر وأسود، من خلقها ونوعها؟ إنه الله ﷻ . هذا خلق الله فأروني ماذا خلق العباد؟ وهم يكادون يعجزون حتى عن فهم خلق الله وقدرة الله وآياته المنوعة. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]، قرئ (العالَمين) والعالِم من علم ما جهل، وعمل بما علم، والعالِمون هم العارفون بالله وبقدرته وآياته ومعجزاته وأنبيائه ورسله وكتبه.

стр. 1197

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار) قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣]. لو لم يخلق الله ﷻ هذا الليل لينام الإنسان فيه ويستريح، ويسكن من أشغال النهار وتعبه جسداً وأعضاء وروحاً ونفساً، لعجز عن الحياة بعد بضع سنوات، وبالتالي لكف عن العمل، ولما قدر أن يقوم بما يجب عليه أن يقوم به عياءً وجهداً وتعباً، ولكن الله جل وعلا خلق الليل للمنام والراحة، وخلق النهار للتجارة والعمل والسعي والضرب في الأرض. فمن آياته الدالة على قدرته أن خلق لكم الليل لتناموا وتستريحوا فيه، قالوا: وفي الآية تقديم وتأخير، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٢٣]، أي: يكون النهار للتجارة، والعمل والسعي والضرب في الأرض، فجعل النهار ليبتغي الإنسان فيه ما يرجوه من فضل الله من نماء ومال وعمل وحياة، فكان النهار معاشاً وكان الليل لباساً سباتاً، ذكر النهار عن ابتغاء الفضل لفهم ذلك من خلال الكلام، ويصح التقديم والتأخير إذا لم يحدث لبس في المعاني، والتقدير: وابتغاؤكم من فضل الله بالنهار. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣]، (لآيات) أي: لدلائل وبراهين قاطعة لقوم يعون ويتفكرون ويسمعون، يعني: السمع الذي يكون معه وعي وفهم وإدراك.

стр. 1198

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً) قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤]. أي: من قدرة الله وآيات وحدانيته ودلائل ألوهيته فيما خلق وذكر من نسق هذه الآي المتتابعات: البرق الذي يرى في أجواء السماء، الذي خلقه خوفاً وطمعاً. فالإنسان حين يرى البرق يخاف أن يكون بداية لصواعق، أو زلازل ومصائب، فتجده يخاف ويرهب من شكله ووميضه، كما يكون هذا البرق رجاء وطمعاً حيث يكون بداية مطر وغيث، يكسو الأرض بالخضرة بعد جدبها وجفافها، فيحيي الله به بلدة ميتاً قاحلاً، فتصبح الأرض وقد اهتزت بأنواع الأرزاق والحبوب والفواكه والثمرات. وهكذا يلفت الله ﷻ أنظار من له عقل وسمع وفهم وإدراك بالنظر في هذه الطبيعة، التي هي من خلق الله ليلاً ونهاراً، سماء وأرضاً، برقاً ومطراً، حياة للأرض بعد الجدب، ثم هي بعد ذلك تؤتي أكلها من كل زوج بهيج. إذاً: الله سبحانه يخاطب من يدرك ويعقل ويعي بعرض هذه الآيات منسقة متتابعة، لعل السامع يكون ممن يعي ويدرك، ويؤمن ويأخذ العبر، فهذه الأمطار تنزل إلى الأرض وقد أجدبت ويبست ولا نبات فيها ولا خضرة ولا ماء، وإذا بها حية بأمر الله، وإذا بالشجر يورق ويخضر، وإذا بالثمار تزهر، وإذا بها تبدو أشكالاً وأنواعاً وألواناً من الحب الذي نأكله والحيوان والطير، ومن الفواكه أشكالاً وأنواعاً، ومع أن الماء واحد إلا أن الزهر والثمرات أنواع. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤]، أي: إن في ما أراد الله مما تراه العين وتسمعه الأذن ويعيه القلب لآيات بينات لمن رزق العقل والوعي والفهم، أما من مشى في الأرض بعين لا يرى بها، أو سمع لا يسمع به، أو قلب لا يفقه به فهو كالأنعام، بل هو أضل.

стр. 1199

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥]. أي: ومن آيات الله وعلامات قدرته ووحدانيته وأنه القادر على كل شيء وحده هذه السماء التي نراها فوقنا، وهذه الأرض التي نحن عليها، فمن الذي أمر بقيام هذه السماء بلا عمد تحملها وتتكئ عليها وتعتمد عليها؟ إنه الله ﷻ القادر على حملها وخلقها وبقائها بغير عمد، ما دام يريد ذلك إلى أن تنتهي السماء والأرض بالقيامة، بأن تصبح كالعهن المنفوش، ويفنى كل شيء إلا وجه ربنا ذو الجلال والإكرام، فيفنى الخلق ويبقى الخالق وحده. وهذه الأرض وما عليها من جبال راسيات، وبحور جاريات، وأرزاق متتابعة، وخلق فيها من كل شكل ونوع، ومن إنس وجن، وطير وحشرات، من الذي قام بذلك؟ وبأمر من قام كل ذلك؟ وكيف بقي ذلك كل هذه القرون وإلى أن تفنى الدنيا؟ إنه الله ﷻ الذي خلق ذلك ودبره ونظمه ﷻ ، فلا يقدر أحد أن يفعل ذلك سواه، فكل ذلك يدل على وحدانيته وقدرته وإرادته، وصور هذه الحقيقة ذلك الشاعر العربي الحكيم: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد في كل شيء من إنسان وحيوان، ومن جماد سماء وجماد أرض، ومن فصول مختلفة، ومن أمطار وجدب، ومن غيث وصواعق وزلازل، وكل ما تراه العين وتسمعه الأذن ويعيه القلب، كل ذلك يدل على قدرة الواحد الأحد الذي لا شبيه له في ذات ولا في صفة ولا في فعل، تعالى الله وجل، فهو القادر على كل شيء. وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥]، أي: ثم بعد الموت والفناء والذهاب والاضمحلال يدعو الله الخلق بما فيهم عباده، فيأمرهم بالعودة بعد الموت، وبأن يخرجوا من الأرض التي عاشوا عليها وخلقوا منها ثم رجعوا لها تراباً، ثم إذا بهم يخرجون منها كما ماتوا في حال الدنيا قوة وضعفاً، وذكورة وأنوثة، وصغراً وكبراً، فيمتثل الكل أمام الله للعرض عليه، فيجازي المحسن على إحسانه بالجنة، والمسيء على إساءته بالسوء والعذاب والنقمة.

стр. 1200

تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم:٢٦]. أي: أن الخلق كلهم لله، و (من) اسم موصول يطلق على العاقل فقط، ويطلق على العاقل ومعه غير العاقل، كما أن (ما) تختص بغير العاقل وقد تطلق على غير العاقل مع العاقل، فالله عندما يقول لنا: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٦] أي: من عاقل وغير عاقل، من ملك وإنس وجن وحيوان وطير وحشرات ودواب، الكل لله، فالأرض والسماء وما بينهما وما عليهما وما فيهما لله وحده، الكل آت عبداً له وملكاً من أملاكه وخلقاً من خلقه وعبيداً من عبيده، يتصرف فيها كما يتصرف المالك في ملكه فلا يسأل عما يفعل، فكل ذلك لله، وهو الذي ما في الكون لعباده المؤمنين، بل لبني آدم جميعهم كافرهم ومؤمنهم، فيجازي المؤمن على شكره وحمده، ويجازي الكافر على جحوده وكفره بهذه النعم المتتالية، ولتبقى حجة الله عليه هي البالغة. وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم:٢٦]. (كل) هذا التنوين يسمى في لغة العرب تنوين العوض، ويعوض به عن كلمة مفردة أو عن جملة، والمعنى: كل خلقه المذكورين من سماء وأرض ومن فيهما قانت لله، والقانت: هو المطيع، فكل خلق الله مطيع له سبحانه طاعة كونية، وإنما تكون معصية الكافر في الطاعة الشرعية، وإلا ففي سوى ذلك يكون الكل مطيعاً، المؤمن والكافر، فإذا قيل للكافر: مت فإنه يموت، وإذا قيل للكافر: قم بإذن الله فإنه يقوم، وحين ينزل الكافر نطفة من صلب أبيه إلى رحم أمه وأمر أن يتخلق بعد النطفة مضغة فعلقة فعظاماً فلحماً فجنيناً كاملاً فوليداً ثم يخرج للوجود ثم يكون شاباً، ثم يكون شيخاً، ثم يعود إلى الأرض ليكون تراباً، ثم يقوم مرة ثانية كان في كل ذلك سميعاً مطيعاً. وهذه الكلمة (قانتون) إذا وردت في القرآن فهي بمعنى (مطيعون)، سواء كانت مفردة أو جمعاً أو مصدراً، والآية تحمل على أن كل من في السماوات والأرض هم ملك عبيد له، وأن الكل طائع له، وأنهم تحت أمره ونهيه وتحت جلاله وقهره.

стр. 1201

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧]. أي: هو الذي أنشأنا وأنشأ أمثالنا من خلقه وعباده على غير مثال سابق، بل أخرجهم للوجود من العدم، فالذي بدأهم سيعيدهم تارة أخرى، فلا يعجزه أن يعيد حياتنا بأشباحنا وذواتنا وأجسامنا وأرواحنا. وقوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، أي: أهون بالنسبة لله ﷻ ، وأهون بمعنى: هين، فالبدء عليه هين، و (أفعل) هنا ليست على بابها؛ لأن (أفعل التفضيل) في لغة العرب تقتضي المشاركة والزيادة، أي: بدء الخلق هين على الله ويسير وسهل، وعودته بعد الفناء أهون وأيسر عليه، فقد يكون بالنسبة لعمل الخلق هذا هين وهذا أهون، وهذا صعب وهذا أصعب، وهذا كبير وهذا أكبر، أما بالنسبة للخالق الكبير المتعال، فإن خلق كل شيء هين عليه بداية وإعادة. وقد تكلم قوم فقالوا: (أهون عليه) أي: الخلق، فالمعنى: خلقنا مرة ثانية أهون علينا من المشقة الأولى والتعب، ويعنون بذلك: ما لقيناه في الخلقة الأولى من كوننا خلقنا في أصلاب الآباء وتسلسل ذلك إلى الأب المباشر، ثم نزول النطفة في رحم الأم، ثم تخلق بعد ذلك في أطوار ومراحل فكان علقة فمضغة فعظاماً، ثم خلقاً سوياً كاملاً، فذلك أصعب على الإنسان ولكن في الحياة الثانية سيكون أسهل على الخلق، فما أن يأمر الله الأرض بأن تخرج ما في بطونها ويأمر الخلق أن يعودوا مرة ثانية إلا قاموا مستجيبين لله دون حاجة لتلك الأطوار الأولى من نطفة فعلقة، ومن حياة صلب فرحم فحمل فبيت فأسرة مستقلة، فعودة إلى التراب، ولكن هذا الذي قالوه نحن لا نشعر به سواء كان هيناً أو كان أهون، أو كان صعباً أو كان أصعب، والمعنى هنا كما قال ابن عباس: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] الكلام متعلق بالله ﷻ . وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:٢٧]، أي: هو خالق الخلق وخالق كل شيء من الليل، والنهار، والنوم في الليل، والسعي في النهار، والمطر، والرعود والبروق، والسماء والأرض، ومختلف الألوان واللغات، ومما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وهو الله الموصوف بالخلق والإيجاد والإعادة . وقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧]. المثل: الشبه، ولا شبه لله، وإنما المعنى: (وله المثل الأعلى)، أي: له الصفة العالية في أنه الواحد في ألوهيته وربوبيته وصفاته، وهو المثل الأعلى الذي لا يصل إليه خلق من خلقه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، والمعنى: لا كفء له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقوله: ﴿فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧]، أي: هو الله في السماء، وهو الله في الأرض لا إله إلا هو، له خلق السماوات كما له خلق الأرض، وهو المنفرد بتدبير السماوات كما انفرد بتدبير الأرض، وإلا فهو مستوٍ على عرشه، كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧]، أي: العزيز الذي لا يغالب ولا ينازع، وهو ذو العزة والجبروت، الخاضع لعزته ولجلاله كل من في السماوات ومن في الأرض، الحكيم في خلقه وأمره ونهيه، والحكيم هو من يضع الأمور في مواضعها، فالله هو الحكيم ﷻ في سماواته وفي أرضه، وفي أوامره ونواهيه ﷻ .

стр. 1202

تفسير سورة الروم [٢٨ - ٣٢] يثبت الله لنا وحدانيته لا شريك له بطرق متعددة، ومن ذلك ضرب الأمثال التي تقرب المعنى، وقد ضرب لنا مثلاً فيما ملكت أيماننا وأننا لا نجعلهم شركاء في أرزاقنا، ولذا يجب في حقه تعالى أن نقيم وجوهنا للدين حنفاء ولا نكون من المشركين الذين فرقوا دينهم.

стр. 1203

تفسير قوله تعالى: (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء) قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٨]. يضرب الله لنا الأمثال والأشباه والنظائر ليقرب لنا المعنى وييسر لنا الفهم، كما أن القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب من تمام بلاغتها وبيانها وفصاحتها أنها كلها أمثال، وقد نقل عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ ألف مثل). فقوله: (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم)، أي: ضرب الله لنا شبيهاً ومثيلاً من نوع أنفسنا ومن خلق كخلقنا، وهذا الشبه والمثال فيما ملكت أيمانكم. والمراد بقوله: (من ما ملكت أيمانكم) أي: العبيد والإماء الذين تملكونهم، فهل تعتبرون عبيدكم شركاء في أرزاقكم وأموالكم، فأنتم في هذا المال سواء تتصرفون منه تصرفاً واحداً، وتملكون ملكاً واحداً؟ وقوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم:٢٨]. أي: تخافون عبيدكم ومواليكم وإماءكم كما تخافون أنفسكم أيها الأحرار في أن ينازعوكم الشركة في مال، أو تجارة أو زراعة، أو ينازعوكم الشركة في إرث، هل عبيدكم كذلك. وإذا لم يكن الأمر كذلك فلم تجعلون لله ما تكرهون، فجعلتم لله البنات سبحانه، فقلتم عن الملائكة: بنات الله، في حين أنكم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على ظلم وهوان ومذلة، أم يدسه في التراب ويدفنه حياً؟ فأنتم تريدون الأولاد وتنصبون لله البنات، ولكم عبيد لا يملكون معكم شيئاً، بل أنتم تملكونهم وأملاكهم، وإذا رزقتم رزقاً فلو حاول أحدهم أن ينازعكم ملككم أو يشارككم فيه لغضبتم من ذلك، ولو حاولوا أن يجعلوا أنفسهم معكم في الرزق لأغضبكم ذلك ولكرهتموه، فكيف تقبلون وأنتم خلق الله وعبيد الله وإماء الله أن تكونوا شركاء مع الله في ملكه أو في وحدانيته أو في إرادته؟! وقوله: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٨]. أي: نبينها ونوضحها، فنذكر مجملها وتفاصيلها، ونبين مفرداتها وجملها؛ لعلكم تعون وتعقلون، فتقولون يوماً: ربنا الله، فتموتون موحدين، فتفوزون بالرضا وبالرحمة والجنان.

стр. 1204

تفسير قوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) قال الله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم:٢٩]. (بل) إضراب، أي: اضربوا عن الكلام الماضي، فمن فهم من ضرب أمثاله واعتبر فقد فاز، ومن وقف أمامها أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، مغمى القلب لا يفقه، كان كالأنعام، بل هو أضل. ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم:٢٩]. فقوله: (الذين ظلموا) الظلم هنا الشرك، والمعنى: بل هؤلاء ظلموا أنفسهم فأشركوا بالله، وتجاوزوا حق الله في أن يوحدوه، فالله غني عن خلقه، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر:١٥]، أي: الغني عن العباد وعبادتهم. قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]. فقوله: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم:٢٩]، أي: بل هؤلاء الكافرون الظالمون اتبعوا أهواءهم ونزعاتهم ومعتقداتهم التي ليس الدافع لها إلا الهوى والغرور، ولا حامل لهم عليها إلا النزوة والشهوة بلا منطق من عقل، ولا كتاب من الله، ولا رسالة من نبي، وإنما بدا لهم أن يقولوا ما لم يعملوا، فقالوا الظلم والباطل، وقالوا ما لا يقبله عقل سليم؛ اتباعاً لأهوائهم، وامتداداً لظلمهم وشركهم بالله. وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم:٢٩]. أي: لا علم لهم من سماء ولا من أرض، ولا دليل لهم من كتاب ولا سنة ولا عقل. وقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم:٢٩]. أي: هؤلاء الذين أبوا إلا الضلالة فضلوا وأضلوا، من الذي يقدر على هدايتهم وقد أضلهم الله؟ يقول الله لنبيه ولأتباعه وللعلماء بالله وبالسنة: إن من أضله الله لن يصلحه ولن يهديه أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا صالح من الصالحين، وليست الهداية على الرسل ولا غيرهم، إنما على الرسل إلا البلاغ، ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:٩٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وقال : ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]، لكن على الرسل والعلماء أن ينشروا علم الكتاب والسنة، ويبينوا ذلك ويشرحوه ويفسروه للناس، فمن قبل فذاك، ومن لا فقد قاموا بما عليهم، وتبقى الحجة البالغة على هؤلاء الضالين المضلين. وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم:٢٩]، أي: لا ناصر لهم غير الله، ولا لهم منقذ من الضلال إلا الله، ولو علم الله في أنفسهم خيراً لآتاهم خيراً، ولكنهم أبوا إلا الضلالة والإصرار عليها، فزادهم الله ضلالاً على ضلال؛ لأنهم أرادوا ذلك، فأصموا آذانهم عن الوحي وأعرضوا عن الإسلام.

стр. 1205

تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها) قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. فقوله: (فأقم وجهك للدين حنيفاً)، أي: أقم وجهك يا محمد! فاجعله متفرغاً مسدداً إلى الدين، والحنيف المائل للحق، والمائل عن الباطل، والحنيفية ملة أبيكم إبراهيم، وأتمها الله لنبيه محمد ﷺ فرائض وأركاناً، وواجبات وسنناً. والخطاب للنبي تدخل فيه أمته، والمعنى: ولتقم أمتك معك وجهها ودينها وطاعتها وعبادتها لله، فتتجه للدين الحنيف، دين الإسلام، دين الحنيفية السمحة، هذا الدين الذي خص الله به أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله فقم عليه أنت مدة حياتك، فاجعل نفسك ووجهك واتجاهك لله وحده مخلصاً له الدين، دون مراءات ولا تسميع، وكما أنه أمر للنبي ﷺ فهو أمر للناس جميعاً، فمن آمن فقد آمن ونفسه هدى، ومن لم يؤمن فنفسه أضل وما أضل غيرها. فقوله: ﴿لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم:٣٠]. الدين هو ما دان به الإنسان، وخضع له، وتمسك بحقائقه، وجعله معتقداً ينطوي عليه قلبه وجنانه، ولذلك لا يقال عن الأمور الدينية: نظريات أو صور أو دراسات لا يقول ذلك إلا شاك أو مرتاب، ولكن الدين ما أدان الإنسان به قلبه ونفسه، واتجه إليه بكليته ولم يشرك به أحداً، بل كان خالصاً لله وحده بقلبه ظاهراً وباطناً، واستمر على ذلك حياته كلها. وقوله: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]. أي: هذا الدين فطرة الله، و (فطرة) مفعول مطلق من فطر، ومعناها: أن الله فطر الخلق على الإيمان، فخلقهم بفطرتهم مؤمنين موحدين، يوم خلق آدم وذريته في صلبه، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]. ثم عندما نفخت الأرواح في الأجسام فمن كان مؤمناً طائعاً آمن جسمه كما آمنت روحه، ومن كان كافراً بقيت روحه على فطرتها وأبى إلا الكفور والجحود والعصيان. قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] أي: فطر الخلق كلهم، وفي الحديث الوارد عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ وغيرهم كما عند أحمد في المسند وفي الصحيحين والسنن الأربع: أن النبي ﷺ قال: (إن الله يوم خلق الخلق خلقهم وفطرهم على الإيمان فاجتالتهم الشياطين). وفي الحديث القدسي: (خلقت الخلق وفطرتهم على الإيمان فاجتالتهم الشياطين فبدلوا أديانهم)، أو كما قال ﵊ ومعنى اجتالتهم: أبعدتهم، فغيرت وبدلت. ويقول النبي ﵊: (فطرة الله التي فطر الناس عليها هي الإسلام)، أي: هي الدين، فالله فطر العباد يوم فطرهم على الإيمان. وقال ﷺ : (كل مولود على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء ليس فيها جدعاء)، أي: كما تلد البهيمة فصيلها سالماً من الجدع، وهو: قطع الأذن أو قطع الأنف، كما كان أهل الجاهلية يفعلونه في الحيوانات، ويجعلون لله ما يكرهونه، ويقولون: هذا لله في زعمهم، وهذا لشركائهم، والله خلقها يوم خلقها سالمة ليست جدعاء. وهكذا خلق الخلق جميعاً موحدين ليس فيهم يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، فإذا كبر الوليد فأبواه ينصرانه أو يكفرانه أو يهودانه أو يمجسانه، وكان عمر ﵁ أيام خلافته يكتب لسفرائه وأمرائه وقواد جيوشه بألا يدعوا النصارى ينصرون أولادهم، وألا يدعوا اليهود يهودون أولادهم، وألا يدعوا المجوس يمجسون أولادهم، فكل مولود يولد على الفطرة -والفطرة: الإسلام- ولكن الوالدة والبيئة والنشأة هي التي تغيره، فتجد أن الولد يولد مؤمناً، ويعيش معك في البيت مؤمناً، فإذا أرسلته إلى أمريكا أو أوروبا أو إلى اليهود أو النصارى أو الشيوعيين أو الاشتراكيين إذا بهم يغيرون دينه من إيمان بالله إلى إيمان بشياطين الدنيا والآلهة الكذبة والمتنبئين الكذبة مثل: ماركس ولينين وأمثالهما من الطواغيت أعداء الله والرسل الكرام وأعداء الأديان كلها وخاصة دين الإسلام. فالإسلام هو فطرة الله التي فطر الله الناس عليها جميعاً مؤمنهم وكافرهم، ولكن الكافر أضله أبواه، والمؤمن بقي على إيمانه، فإن وجد أباً وأماً صالحين فذلك من حسن حظه وسعادته، وإن كان غير ذلك فمن شقاوته ومما قدر الله عليه في سابق أجله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، (لا تبديل) خبر بمعنى الأمر، أي: لا تبدلوا خلق الله، ولا تغيروا التوحيد إلى الشرك، ولا تغيروا الإسلام إلى النصرانية أو اليهودية أو المجوسية أو الشيوعية التي تعبد ماركس ولينين. وجميع هذه الأديان المستوردة باطلة، وهي مجوسية جديدة وفساد وباطل جديدين، فقد كانوا يعبدون النار والظلمة، وما زالوا كذلك، ولكن في كل عصر يجعلون لذلك مظهراً، فجعلوا في هذا العصر مظهر الظلم والكفر والشرك وتبرج المرأة والبعد عن الله، حتى أصبح هذا العصر عصر الذين يخرجون من دين الله أفواجاً وعصر المجوسية الجديدة في الشرك بالله وعبادة أناس جمعوا الأقذار والأوساخ والظلمات، مثل: ظلمة الشرك والعقل والحياة وظلمة الإنسانية والكرامة والشرف، وهؤلاء هم آلهتهم الجديدة التي عكفوا على عبادتها من دون الله. قال تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]، أي: لا تغيروا خلق الله من الإيمان والتوحيد الذي خلقكم عليه، ومن يفعل ذلك فلا يلومن إلا نفسه، وما هي إلا أعمالكم يجمعها الله لكم يوم القيامة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠]: بقيت دهراً لا أفهم هذه الكلمة (فطرة)، إلى أن سمعت بدوياً يقول لآخر مثله: أنا الذي فطرتها، يعني بذلك: هو الذي زرعها، وهو الذي وقف على قيامها إلى أن أينعت وأثمرت وأنتجت، قال: ففهمت المقصود بقوله: (فطرة الله)، أي: الذي ابتدأ خلقها من غير مثال سابق، فهو الذي أنشأها أول نشوئها، فهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠]. أي: ذلك دين الحنيفية والفطرة التي فطر الله الناس عليها يوم خلقهم وفطرهم وأنشأهم، وهو الدين الذي يجب أن يدين به كل إنسان. و (القيم): ذو القيمة والسداد والحق والصواب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. فالإسلام هو الدين الذي نسخ الأديان السابقة وكانت قد غيرت وبدلت دخلتها الوثنية وعبد فيها عيسى ومريم والعجل، وقال اليهود عن أنفسهم: إنهم أبناء الله، فأصبحت اليهودية والنصرانية وثنيتين كبقية الأوثان، ثم صنفت طبقات الكفار إلى وثنيين من أصل كتابي، ووثنيين من أصل أصيل كالمجوسية. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]. وهم جميع الكفار وهم أكثر الناس، وأكثر الناس لا يعلمون أن الإسلام هو الدين الحق، وأنه الدين القيم الحنيفي، وأنه دين إبراهيم الذي ارتضاه الله للناس عندما أرسل له مجدداً خاتم الأنبياء محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهم لا يعلمون ذلك، بل قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]. فأكثر الناس لا يعلمون، وأكثرهم كافرون ومترددون وشاكون ومرتابون في الإسلام، والشك في الإسلام كفر؛ لأنه يشك بأن الإسلام ليس ديناً صحيحاً، فهو يعيش ضالاً وإن بقي كذلك فسيموت ضالاً.

стр. 1206

تفسير قوله تعالى: (منيبين إليه واتقوه) قال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]. يأمر تعالى خلقه وعباده بالتعلق بهذا الدين القيم الحنيفي دين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، فقال تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم:٣١]، أي: راجعين إلى الله. فهؤلاء الذين آمنوا بالدين القيم وبالحنيفية السمحة وبالفطرة التي خلق الله الناس عليها يوم فطرهم وخلقهم وأنشأهم هم منيبون إليه راجعون تائبون خارجون عما عندهم من شكوك وأوهام، ومن باب أولى عما عندهم من شرك وكفر، فهم راجعون إلى الله، وإلى دينه الحق، تائبون مما كانوا عليه من وثنية وشرك. وقوله: (منيبين إليه) من الإنابة، وهي: العودة والرجوع، أي: العود إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي الإسلام، فهو خلقهم يوم خلقهم مؤمنين مسلمين، ثم بدلها الآباء والأمهات والبيئات فأفسدت دين الإسلام والإيمان في نفوس الكافرين ممن رضوا الكفر، وأما الدين في نفسه فهيهات هيهات، لقد صانه الله عن كفر الكافرين ونفاق المنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. فحفظه الله في الصدور والكتب، وحفظه قرآناً وسنة وشريعة ولغة، ونحن نجده اليوم وبعد مضي ألف وأربعمائة عام وكأنه لا يزال غضاً طرياً، فالقرآن الذي كان يتهجد به ﷺ ويدعو قومه إليه نتهجد به نحن، وندعو إليه، والسنة التي كان بها يأمر ﷺ الخلق كذلك نحن ندعو إليها اليوم، فما بدل شيء ولا غير، وحتى اللغة هي هي لغة القرآن الكريم، ولغة محمد ﷺ . وقوله تعالى: (واتقوه) أي: اتقوا الله من الكفر به، أو من الكفر بكتابه أو بنبيه، واجعلوا بينكم وبينه وقاية من الطاعة تقون بها أنفسكم من النار ومن عذاب الله ومن المخالفة والمعصية، كما قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]. ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم:٣١]. أي: بعد التقوى التي هي التزام باللسان، يأتي الالتزام بالعمل بعد الشهادتين، وهو إقامة الصلاة والمحافظة عليها في أوقاتها بأركانها وبشرائطها وبواجباتها وبسننها وبتلاوتها وبأذكارها وبقيامها وبركوعها وبجلوسها وبسجودها وبتكبيراتها وبالسلام منها، فحافظوا عليها دواماً وأبداً إلى لقاء الله، فلا عذر في تركها إلا للمجنون أو الصغير غير البالغ، وغير البالغ أيضاً يلزم بها من قبل أوليائه إذا بلغ سبع سنين، ويضرب على تركها وهو ابن عشر. وهذه الصلاة إن استطاع صلاها قائماً، فإن لم يستطع فجالساً، فإن لم يستطع فعلى جنب، وإن لم يستطع بالماء فبالتراب، فإن لم يستطع ماء ولا تراباً فبلا ماء ولا تراب ولا تترك. ولو سمح الله بترك الصلاة لأحد لسمح بتركها للمجاهدين وهم مقبلون على الموت، وعلى بذل أرواحهم رخيصة لله، ومع ذلك أمروا بأن يصلوا صلاة الخوف، بأن تقوم جماعة ثم تتلوها جماعة، فيقاتل هؤلاء ويصلي هؤلاء، فتؤدى الصلاة ولو بتكبيرة أو بتسبيحة أو بالعين كما يصلي المريض والمشلول الذي لا يستطيع حركة، فإنه يحرك عينه ويصلي بقلبه ولا تترك الصلاة بحال من الأحوال، فلا يتركها إلا كافر أو معتوه أو صغير غير بالغ. ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١]. أي: ولا تكونوا يا أيها الناس! ممن أشركوا بالله في وحدانيته وفي ألوهيته وفي ربوبيته وعبوديته، بل وحدوا عبادته. قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الروم:٣٢]. فالدين واحد كما أن النبي واحد، وكما أن الرب واحد، فمن حاول أن يجعل من الدين دينين فقد أشرك بالله، فلا تتفرقوا في الدين، ولا تكونوا كالنصارى واليهود والمجوس وبقية ملل الكفر، ولا تفرقوا دينكم الإسلامي فتنقسمون إلى سنة وشيعة وخوارج ومعتزلة وقاديانية وبهائية، وإلى كل تلك الفرق الضالة، بل كونوا على ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد قال ﵊: (افترقت النصارى على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت اليهود على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! ومن هي؟! قال: ما أنا عليه وأصحابي). ومن هنا كانت دراسة السيرة النبوية هي الحل للاقتداء بالنبي ﷺ في المنام واليقظة وفي الجهاد والسلم، منذ خرج ﷺ من هذه البطاح المقدسة وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فمنذ ذلك الوقت فما دعا إليه ﷺ وكان عليه أصحابه من المهاجرين والأنصار فهو الدين الحق، فيجب دراسة سيرته النبوية، ليعلم الإنسان ما كان عليه ﷺ ودراسة تراجم الصحابة الكرام، ليعلم الإنسان كيف يهتدي بهدي رسول الله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، ويعلم هدي الصحابة؛ ليكون على طريقتهم ومنهجهم، وهذا هو من أطلق عليه منذ العصور الأولى أهل السنة والجماعة ونحن منهم، ونرجو الله أن يجعلنا معهم ويحشرنا على دينهم، دين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه الأول. فقوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]، أي: كانوا أحزاباً وأنواعاً، مثل قولهم: هذا خارجي، وهذا يهودي، وهذا نصراني، وهذا شيعي، بل وهذا شيوعي، وهذا ناصري، وهذا اشتراكي، وهذا وجودي، وكلها ملل باطلة ومذاهب ضائعة، فهي مذاهب للشيطان ولتفريق الدين، والدين الحق هو القرآن الكريم والسنة المحمدية المطهرة التي طبقها ﷺ وأصحابه من المهاجرين الأولين والأنصار السابقين، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين. ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢]. فهذه الأحزاب والملل الكافرة المكشوفة والمذاهب التي تدعي الإسلام وهي ضالة مضلة الإسلام؛ بريء منها، وهي كلها فرحة بطرة تائهة ضائعة ضالة، تظن نفسها على شيء، فكل حزب من هؤلاء وكل شيعة منهم وكل طائفة منهم تظن أنها على شيء، فتفرح بطراً وتيهاً وتشتم غيرها وتذمه وتنتقصه؛ في حين أن النقص والضلال هو الذي هي فيه وتعيش على أساسه وأصوله.

стр. 1207

تفسير سورة الروم [٣٣ - ٣٩] الإنسان محتاج إلى ربه مفتقر إليه؛ لكن المشرك إذا أصابه ضر وبلاء أناب إلى الله وحده، فإذا كشف البلاء تذكر أوثانه وعاد إلى شركه، والله تعالى يعالج هذه المعضلة في كتابه، فيدعو إلى الرجوع إليه، فإنه الباسط للرزق، الضار النافع وحده.

стр. 1208

تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم) قال الله جلت قدرته: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣]. يقول الله تعالى عن هؤلاء المشركين الضائعين: إنهم إذا أصابهم ضر وبلاء نسوا شركاءهم وأصنامهم وأوثانهم ودعوا ربهم راجعين إليه منيبين إليه وضارعين راجين له. ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [الروم:٣٣]، أي: أصابهم بالرحمة وأجاب دعاءهم وأزال ما بهم من ضر، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣]، أي: إذا طائفة وجماعة منهم يشركون بربهم، وكأنه لم يصبهم يوماً بلاء أو فتنة، ونسوا ما كانوا فيه من ضر وبلاء، وعادوا إلى الشرك والكفر، فهذا شأن الناس في جحودهم وكفرهم، إذا أصابهم الضر والبلاء تضرعوا إلى الله ودعوه راجين رحمته وإنقاذه، حتى إذا أنقذهم واستجاب لهم إذا فريق منهم -وهم الكافرون بالله- يعودون بعد ذلك إلى الشرك والكفر والجحود وعلى ما تربوا عليه ونشئوا عليه.

стр. 1209

تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم) قال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٤]. أي: جعلوا ذلك ليكفروا، وهذه اللام عند النحاة هي: لام العاقبة، أي: لتكون عاقبتهم الشرك والكفر والجحود، أي: أنهم بعد أن أنقذوا استجيب لهم فبدلاً من أن يشكروا الله تعالى ويحمدوه على ما أعطاهم إذا هم يشركون بربهم ويكفرون بما آتاهم من إنقاذهم. فتوعدهم الله وتهددهم بقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٥٥]. أي: مهما عشتم وطالت أعماركم فمآلكم إلى الله ورجوعكم إليه، فسوف تعلمون ما سيصيبكم إذ ذاك مما أنذركم به رسلكم وأنبياؤكم وما تهددوكم به من عقاب ربكم الأليم. فقوله تعالى: (فتمتعوا) أي: اصنعوا ما شئتم، فليس هو أمراً بأن يتمتعوا بالخير، ولكنه وعيد وتهديد بعد أن لم يستجيبوا، فمآلهم إلى الله، وسيعلمون ما هيئ وأعد لهم من نار وعذاب أليم.

стр. 1210

تفسير قوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم سلطاناً) قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٥]. أي: هؤلاء الذين أشركوا بالله هل لهم دليل على ذلك الشرك من عقل أونقل؟ فهؤلاء الكفار يتصرفون كما لو أنزل عليهم سلطان ودليل وبرهان من ربهم، والسلطان: الدليل والبرهان. فهم يفعلون ذلك وكأن الله أمرهم بذلك، ومعاذ الله له أن يأمر بالفواحش والمناكر، أو أن يأتي عنه ما يدعو إلى الكفر والشرك به، ولكن ضياع عقولهم أفهمتهم ذلك بدون دليل أو برهان يتكلم على لسانهم بكفرهم وبشركهم.

стр. 1211

تفسير قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة) قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم:٣٦]. فهؤلاء الناس أمرهم عجب، إذا أصابتهم رحمة الله وذاقوها، وذاقوا الخصب والرفاهية، فرحوا بذلك وبطروا، وأخذهم التيه والخيلاء والتعاظم على الله؛ لما أعطاهم من الأعمار وقوة الأبدان والأرزاق والرفاهية. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم:٣٦]. أي: إذا أصيبوا ببعض أعمالهم وذنوبهم وجرائمهم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم:٣٦]. وإذا: للفجاءة، أي: إذا بهم يفاجئون أنفسهم والناس بأنهم قد قنطوا ويئسوا من رحمة الله ومن الرجوع إليه، فتجدهم دائمي التشتت واليأس والتبرم من الحياة والقنوط مما هم فيه، فإذا جاءت الرحمة والخصب والغنى والجاه والرخاء فرحوا وبطروا وتكبروا وأخذتهم الخيلاء على الناس، وإن أصابتهم مصيبة ببعض ما قدمت أيديهم -والباء للسببية، أي: بسبب ذنوبهم ومعاصيهم- إذا بهم يفاجئونك بالقنوط واليأس.

стр. 1212

تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٣٧]. أي: ألم يعلم هؤلاء من ذواتهم وعقولهم وفهومهم وواقع حياتهم: أن الله رزق أقواماً وأغناهم وبسط لهم الرزق والنعم والخيرات، وآخرين قدر عليهم رزقهم فعاشوا في ضيق وفقر، وقد فعل ذلك لحكمة هو يعلمها، ويعلمها من أكرمه بالفهم والوعي والإدراك. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [الروم:٣٧]، أي: في غنى الغني وفقر الفقير، ﴿لَآيَاتٍ﴾ [الروم:٣٧] ودلائل وبراهين على معجزة الله وقدرته ووحدانيته لقوم آمنوا به وأسلموا وجوههم له. وفي الأثر النبوي: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم) وكثيرون هم الذين يكونون على حالة طيبة مرضية على فقرهم، فإذا استغنوا تعاظموا وتكبروا على خلق الله، وقد يتركون الأوامر والواجبات، بل وقد يشركون إن لم يكونوا قد أشركوا فعلاً، فكان الغنى بالنسبة لهم ضرراً عليهم وعلى إيمانهم ومستقبلهم. وكثير من الناس الآخرين الذين في غاية الفقر والضيق وقلة الدين إذ أغناهم الله تعالى إذا بهم بعد ذلك يئوبون إلى الله ويعودون إليه، فيكثرون من الصدقات ومن العبادات ومن فعل الخيرات، ولكن هؤلاء قليل ما هم، والمعروف ما قاله النبي ﵊: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: وزع ماله وفرق فضول أمواله للقريب والبعيد والسائل والمحروم في صدقات ونفقات واجبات، وصدقات تطوع ونوافل، وأما غير ذلك ممن كثرت أموالهم فقد أمسكوا أيديهم عن العطاء والبذل، فهؤلاء يا ويلهم! فقد هلكوا كما قال النبي ﵊: (هلكت أديانهم، هلكت حياتهم، هلكت سعادتهم)، فقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم:٣٧]، أي: ألم يروا واقع الناس رجلاً غنياً وآخر فقيراً، ودولة غنية وأخرى فقيرة، وإذا كانت في فقرها تكون إلى المسكنة والطاعة أقرب، وإذا استغنت تتكبر على خلق الله وتستعمر البشر وتأخذ أموالهم بغير حق، فالله الذي يبسط الرزق والعطاء والخيرات يرزق بعضهم كثرة وبعضهم قلة، ولا يعطي بعضهم إلا القليل القليل مما يسد الرمق، وفي ذلك آيات بينات لمن آمن بالله.

стр. 1213

تفسير قوله تعالى: (فآت ذات القربى حقه) قال تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم:٣٨]. يقول تعالى آمراً: آت ذا القرابة من أرحامك وأقربائك الأقرب فالأقرب، أمك وأباك، ثم أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ممن هم في حاجة لك فآته من العطاء والنفقات والزكوات والصدقات ما يكفيه ويغنيه عن الناس، وعن مد اليد إليهم، وذاك حق من حقوقه، فحق على القريب ألا يدعه يمد يده للناس إذا احتاج، فإن أحوج أقاربه وأرحامه بأن يمد يده للغير وكان غنياً ساءت حاله وهلك دينه، وعليه أن ينتظر العذاب والنقمة من الله؛ لأنه قد أذنب وأساء. والمسكين هو: الذي لا يجد ما ينفق، والمحتاج هو: من ليس له طعام يومه ولا كفايته فيما يطعم ويشرب ويلبس ويسكن، فهذا المسكين له حق على أغنياء الناس بأن يعطوه حقه، فـ (إن في المال حقاً سوى الزكاة)، كما قال النبي ﵊. وقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩]. فمن صفة المؤمن حقاً أن في ماله حقاً للسائلين المحتاجين وللمحرومين المساكين، فإن لم يكن كذلك فإما أن يكون ناقص الإيمان، أو عديمه البتة. وأما ابن السبيل فهو: ابن الطريق العابر الذي ليس من أهل البلد، وإنما هو سائح لمصلحة من المصالح فاحتاج ولو كان غنياً في بلده، ولكن بلده بعيدة عنه وماله ليس تحت يده، فله حق على من كان عنده غنى وفضول مال، فيجب أن يعطى ما يغنيه عن الناس طعاماً وشراباً وسكناً ولباساً إلى أن يعود إلى بلده. وبعضهم فسر ابن السبيل: بالضيف الذي نزل عليك، فهو ابن سبيل؛ لأنه ليس مقيماً البتة ولا فرداً من العائلة، وإنما هو عابر، وللضيف حقوق، وقد كان ذلك عند العرب في الجاهلية، وكان ذلك من محاسنهم ومن مكارم أخلاقهم، فجاء الإسلام بتأكيد ذلك والإلزام على التمسك به ديناً وخلقاً، وقد قال ﵊: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وهذه من مكارم الأخلاق التي أتى النبي ﵊ ليتممها ويكملها؛ حتى تصبح ديناً وخلقاً للمسلم. وحق الضيف ثلاثة أيام بلياليها، وعلى المضيف في الثلاثة الأيام ألا يسأل الضيف عن اسمه ولا عن عشيرته، وإنما ذلك للضيافة في حقها، وأما السؤال فيأتي بعد ذلك، فإن وجده -ولم يكن قد ذكر له اسمه قبل- ذا عشيرة ماسة ورحم قريبة زاد من صلته، وكذلك يزيد من صلته إن كان ذا جوار سابق أو ذا صلة بالآباء والأجداد. ومن الود أن يكرم الرجل أهل ود أبيه، فالضيف وعابر السبيل لهما حقوق مضاعفة وواجبات مترادفة، والله يعلمنا في هذه الآية الكريمة وأمثالها مكارم الأخلاق ومحاسن المعاملات مع القريب والبعيد، وقد أخبر تعالى بأن الرزق رزقه في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم:٣٧]. والذي بسط له رزقه أوجب عليه فيه واجبات من صلة الأرحام والمساكين والصدقات لعابري السبيل، وأوجب في ماله حقاً للقريب. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الروم:٣٨]، أي: لا يريد بذلك إلا الدار الآخرة والثواب من عند الله، لا رياء ولا سمعة، ولا للصلة الماسة فقط، ولكنه يفعل ذلك لأن الله أمر به ودعا إليه وحض عليه، فهذا خير له، والخيرية المقصودة هي رضا الله عنه، وهي رحمته التي هي دخول الجنان يوم القيامة. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم:٣٨]، أي: لأولئك الذين يريدون بأعمالهم وجه الله والإخلاص له دون رياء أو سمعة أو ثواب هدية أو مبادلة ومقارضة في الهدايا والعطايا والصدقات، فهم لا يريدون بأعمالهم إلا الله والدار الآخرة وامتثال أمر الله. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم:٣٨]، أي: الذين أفلحت وجوههم بالرضا الإلهي وبالرحمة الإلهية وبالدخول إلى الجنان، خالدين فيها أبداً سرمداً.

стр. 1214

تفسير قوله تعالى: (وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس) قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩]. وهذا الربا هو الربا الحلال، وقد قال السلف: الربا ربوان: رباً حلال، ورباً حرام، والربا الحلال هو: أن تهدي لأحد هدية وتقصد بذلك ثوابه، ومقارضته، وتسمى في الفقه: هدية الثواب، وعطية الثواب، وهذا يسمى بأسامٍ مختلفة في كل قطر من الأقطار العربية والإسلامية بحسب لهجاتهم الخاصة، فبعضهم يقولون له: نقود، وبعضهم: صواف، وبعضهم: هدية مناسبة، وهو: أنه إذا تزوج صديق أو قريب لك ذهبت تهدي له وتعطيه ولا تريد بذلك إلا ثوابك في المستقبل بأن يهدي لك في هذه المناسبة مثل ما أهديت له، وأن يعطيك مثل ما أعطيته، فهذه تسمى هدية الثواب والفضل، تريد بذلك مجاملته، ليجاملك في المستقبل بهدية أكثر وعطاء أكبر، وقالوا: إن هذا العطاء ليس حراماً ولا حلالاً، ولا ثواب فيه ولا إثم؛ لأنك أعطيته من أجل شخص من الأشخاص ولم ترد بذلك الله والدار الآخرة، فإن أعطاك مثله فذاك، وإلا فتلك على نفسك. وبعض الفقهاء يقولون: هذه حقوق وعطايا مرجوعة، بمعنى: أن من أهدى هدية ثواب وكان من أعراف وتقاليد البلد إنك أهديت له ثم جاءتك مناسبة ولم يعطك مثلها أن لك أن ترفع ضده قضية بأن يعيد لك الهدية التي أهديتها له فهذه حقوق مرجوعة، ولكن الفقه المالكي يقول: لا يحكم له برد الهدية إلا بليد، ولكن يحكم له بأنه ذميم إن كان ذلك عرفاً، وهو عرف في الأوساط العربية والإسلامية، فتجد الشخص يعطي هذا وهذا إلى المناسبات، ويتوق أن تأتيه مناسبة عرس أو ولادة أو عقيقة أو ما أشبه ذلك؛ حتى تتجمع له تلك العطايا؛ لأنها تكفيه وزيادة. وبعض هؤلاء قد يعطون مثل هذه العطايا ولا ترجع لهم ولا يثابون عليها، فإن أرادوا رفع قضية فبعض الفقهاء يحكمون لهم بها مع دناءة، وليس لهم أجر من الله؛ لأنهم لا يفعلون ذلك لله، ويسمى ذلك ربا الثواب، وقالوا: إنه رباً حلال، فهو يعطيك عشرة مثلاً وينتظر منك غداً أو بعد غد عشرين، وليس هذا بيعاً، والربا الحرام إنما هو في البيوع، وأما المعاملات كأن يكون عليك عشرة ديناً وترد أحد عشر أو أكثر من ذلك فليس هو من الربا الذي تهدد الله فاعله بحرب منه. قال ابن عباس: حرب الله للمرابي أن يقتل، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى. وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم:٣٩] سماه الله رباً ولم يحرمه ولم يذكر عليه ثواباً ولا أجراً، ومن هنا قال السلف: الربا ربوان: رباً حلال، وهو الذي يسمى في الفقه بعطية الثواب، وبهدية الثواب، ورباً حرام. وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ﴾ [الروم:٣٩] قرئت هكذا، وقرئت: (وما أتيتم)، والمعنى واحد. وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم:٣٩]. أي: مهما أعطيتم من مال تريدون بذلك أن تزداد أموالكم، ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩]. أي: فلا ثواب عليه عند الله، ولا يزداد عنده شيئاً ما دام الذي فعله لم يرد بذلك إلا ثواب الناس ووجههم، ولم يرد بذلك الله ولا الدار الآخرة ولا وجهه الكريم. وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم:٣٩] قرئت هكذا، وقرئت: (لتِرْبُوا في أموال الناس)، والمعنى واحد، أي: لتكثروا أموالكم بذلك، فهذا الذي يكون أساسه ذلك، ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩] أي: لا ثواب عليه، كما لم يذكر عليه إثماً وعقوبة. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩]. أي: وما أعطيتم من عطية، والعطية تسمى زكاة وهبة وصدقة وهدية، فإذا أراد بزكاته وجه الله الكريم وثوابه وأجره وامتثال أمره في النفقة والإنفاق والعطاء، (فأولئك هم المضعفون) أي: هم الذين يضعف الله أموالهم وحسناتهم، بمعنى: يضاعف لهم العطاء الواحد إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله من الأضعاف، وهو الربا الذي يقبله الله ويثيب معطيه، فمن أعطى عطية لا يريد بها إلا الله والدار الآخرة فذاك الذي يقبل الله منه، ويكثر أمواله وينميها ويكون من المضعفين ومن الذين يثيبهم الله على زكاتهم وعطاياهم رحمات وبركات من عنده في الدنيا والآخرة بما لا يعد ولا يحصى كما يريد الله ويعلم من نية المعطي، وهل أعطى ذلك راجياً فضل الله وكرمه وامتثال أمره، أو قصد بذلك الرياء والسمعة؟ فلا يقبل الله إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.

стр. 1215

تفسير سورة الروم [٤٠ - ٤٥] الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ لكن الناس يعملون بخلاف ذلك فتجد الفساد قد ظهر في البر والبحر، ولذا ينبغي أن يتمسك المرء بالدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله.

стр. 1216

تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم) قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠]. يقول ربنا ﷻ : الله رب الأرباب وإله الخلق، وهو الذي انفرد بهذا الاسم الكريم وانفرد بالوحدانية والقدرة والإرادة، وهو الذي خلقنا يوم خلقنا وليس لنا من الدنيا ولا من الفهم شيء، بل خلقنا كما قال نبينا ﵊: (إن الله يخلق الوليد من بطن أمه يوم تلده وهو أحمر لا كسوة عليه ولا رزق له)، ثم بعد خلقه وخروجه إلى الدنيا يرزقه ويكسوه ويعطيه. وفي الأحاديث النبوية: إن الله يخلقنا في بطون أمهاتنا خلقاً بعد خلق، فبعد أربعين يوماً تنفخ الروح، ثم بعد ذلك يأتيه الملك فيسأل ربه: أشقي أم سعيد؟ ويسأله عن رزقه وحياته وأجله، فيكتب رزقه قبل خروجه إلى الدنيا، فهو يخرج عارياً فيكسوه الله، ويخرج جائعاً فيرزقه الله وينعم عليه، فالله هو الذي انفرد بخلقنا، فقد خلقنا من تراب، ثم من ضلع أعوج من صدر أبينا آدم حين خلق أمنا حواء، ثم بعد ذلك من نطفة من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم من عظام، ثم كسا العظام لحماً، ثم أخرجنا بشراً سوياً، وبعد أن نخرج إلى الدنيا فإنه هو الذي ينفرد برزقنا وعطائنا، فيبسط الرزق لمن يشاء منا ويقدره على من يشاء، ثم بعد الحياة طالت أم قصرت، وبعد الغنى والفقر طال أم قصر يميتنا بآجالنا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس:٤٩]. ثم بعد الموت يبعثنا بعثة أخرى، ويحيينا حياة ثانية، وهي حياة الآخرة والعرض على الله، فهذه أطوار ثلاثة من الخلق: الأول: من العدم إلى الوجود، والثاني: من الحياة إلى الموت، والثالث: من الموت إلى الحياة. ثم قال الله للمشركين: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم:٤٠]. أي: هل يوجد أحد ممن أشركتموه واتخذتموه إلهاً ورباً بلا دليل ولا منطق من يفعل كفعل الله من خلقكم ورزقكم وإماتتكم وإحيائكم؟! والجواب واضح في تسبيح الله وتنزيهه لجلاله وعظمته في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص:٦٨]. أي: تعالى الله عن شركائهم، وتنزه وتمجد وتقدس وتعظم من أن يكون له شريك أو وزير أو معين، فهو القادر على كل شيء وحده، وليس محتاجاً إلى معين أو شريك، فسبح نفسه ومجدها وعظمها عن هذا القول، وتعالى الله عن قول المشركين والكافرين. وهو يعلمنا أن نقول كذلك: سبحان الله وتعالى الله عن الشركاء وعن كذب الكاذبين وشرك المشركين وفجور الفاجرين!

стр. 1217

تفسير قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر) قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. يقول ربنا ﷻ : الفساد لم يبق خفياً أو مضمراً أو بين الإنسان وبين نفسه، بل تكاثر وظهر في البر والبحر. والآية بينة لا تحتاج إلى بيان، ومع ذلك اختلفوا في معناها خلافاً طويلاً لا معنى له، فقالوا: ظهر الفساد في البر: نزل القحط والجدب فلم تعد الأرض تعطي من خيراتها ومعادنها وأرزاقها. وقالوا: البر: الصحاري والفيافي، والبحر: المدن والقرى المشرفة على البحار، أي: الموانئ والمرافئ، وتركوا البحر مع أن الله ذكر البحر، ولم يذكر شاطئاً ولا مرفأ، والشاطئ هو: المدينة نفسها، وهي البر، فكلمة البر شملت الشواطئ والجبال والصحاري والأرض الخصبة والجدبة سواء، وكل ما يطلق عليه بر، وذلك ظاهر لا يحتاج بيان، وليس هو من عصرنا والعصور الماضية فقط، بل هو من أيام آدم ﵇، عندما قتل قابيل هابيل وأزهق حياته ظلماً وعدواناً وحسداً؛ لأن الله قبل من هابيل ولم يقبل من قابيل، فهو عندما قتل أخاه من أبيه وأمه ظلماً وعدواناً وحسداً من نفسه كان قد ظهر فساده ولم يبق سراً، وبقي أخوه مقتولاً على الأرض إلى أن جاف وانبعثت منه الروائح الكريهة حتى بعث الله غراباً يبحث في الأرض؛ ليري ذلك الظالم كيف يواري أخاه ويدفنه. فمنذ ذلك الوقت ظهر الفساد في البر، ثم توالى بعد ذلك إلى أن جاء نوح وبقي في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بينهم بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة أخرى، وكان قد بعث وهو ابن خمس وأربعين عاماً، فعاش بينهم نحواً من ألف وخمسمائة عام. وانتشر الفساد بينهم وطال وامتد إلى أن استحقوا بجرائمهم أن يفيض الله عليهم البحار فتغمرهم وتقتلهم غرقاً، وما ذلك إلا لظهور الفساد. وقد قص الله علينا قصص عاد وثمود وقوم لوط وقوم إبراهيم وقوم موسى وهارون وفرق بني إسرائيل مع جميع أنبيائهم، وفي كل ذلك كان الفساد ظاهراً واضحاً يراه القريب والبعيد، ويراه الصغير والكبير، ويراه من يعلم ومن لا يعلم، وقد ظهر الفساد في البحر، فالبحار فيها السفن التي تقطع الشواطئ والقارات مشارق ومغارب، وقد حكى الله لنا في ذلك قصة موسى ﵇ مع الرجل الصالح الذي قيل عنه: نبي، وقيل عنه: ولي، وذلك عندما خرق السفينة فاستنكر ذلك موسى ﵇ وقال له: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف:٧١]، وبعد أن غضب ولم يصبر وحكم على نفسه إن سأله بعد ذلك فلا يعود إلى مصاحبته وقد فعل، أخذ يحكي له حكم ما صنع، فقال عن هذه السفينة: إنه كان في البحر ملك يأخذ كل سفينة غصباً، فإذاً: كان الغصب واللصوصية وقتل الأرواح في البحر، وكان هذا منذ العهد الساحق، ثم تطاول ذلك وامتد، وهو في عصرنا أكثر مما كان في عصر نوح. والله وعد نبينا ﷺ بأن لا يهلك أمته بما كان يهلك به الأمم السابقة من الغرق والمسخ والصرع والزلازل والصواعق، على الرغم من أن الأرض قد استحقت ذلك منذ زمن سحيق؛ لكثرة ما عليها في براريها وأقطارها وبحارها من الظلم والفساد، ومنه فساد الشرك بالله وفساد إزهاق الأرواح ظلماً وعدواناً وفساد أكل أموال الناس بالباطل وفساد تكبر الجبابرة والطغاة على عباد الله المؤمنين من أكل أموالهم وسفك دمائهم وقتل شبابهم واستحياء نسائهم، إلى غير ذلك من أنواع الفساد من كل شر. وهو في البحر كما هو في البر، فمن الفساد في البحر أنه عندما يركب الناس في هذه السفن الماخرة ويقطعون البحار مشارق ومغارب فإنهم في البواخر وعلى ظهر البحار يمارسون أنواعاً من الفساد، فتجد السفن ممتلئة بالخمور والحشيش والزنا وكل أنواع الباطل، وفي الأجواء كذلك فإنهم وهم في الطائرات يشربون الخمور ويأكلون الحشيش ويظلمون ويعتدون ويفعلون من المنكرات ما الله به عليم. فالله يفسد عليهم دنياهم وأجواءها وبراريها وبحارها ومشارقها ومغاربها، حتى إن الإنسان لا يكاد يجد رقعة في الأرض فيها عدل وحكم للشريعة ودين يرجع إليه ويستكين له، وما ذلك إلا عقوبة للخلق؛ ليعاقبوا ببعض الذي عملوا، ومع ذلك فإن فيها فئة صالحة لم تنقرض ولن تنته ما دامت الدنيا، كما قال المصطفى ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم وهم على ذلك إلى قيام الساعة). والطائفة أفراد، وقد تكون جماعة متكتلة باسم دولة، وقد تكون جماعة متفرقة باسم أفراد وجماعات أحدهم في المشرق والآخر في المغرب، ولكنهم على كل حال حجج الله في الأرض على أن الحق قائم، وأن حجة الله دائمة، وبأن كلام الله يتلى على البر والفاجر؛ لتبقى حجة الله البالغة يوم القيامة، ولا يدعي أحد عندما يسأل في القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ أنه لا يعلم ولم يسمع بدينه ولا برسوله ولا بكتابه؛ لأنه يكون قد سمعه سواء كان في المشرق أو في المغرب وفي أي مكان من أرض الله من برار وبحار وأجواء. والباء في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الروم:٤١] للسببية. وقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١]. أي: لينزل بهم بعض أعمالهم وليس كل أعمالهم من ظلم وكفر وشرك، مثل عذاب الله لقوم نوح وقوم هود وقوم صالح، فإن الله تعالى لم يعاقبهم إلا ببعض أعمالهم لا بها كلها، وهذا العذاب إنما هو في الحقيقة نقمة لمن يفهم عن الله. قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. أي: يفعل ذلك بالناس لعلهم يوماً يتفكرون ويقولون: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ومن الغافر والراحم والمتجاوز عن سيئات عبيده وخلقه غيره سبحانه، وهذه فيها التهديد والوعيد لعلهم ينتبهون ويتيقظون ويعودون عما هم فيه، فهي لطمات ولكمات إلهية للناس؛ لعلهم يعودون إلى الله ويقولون: ربنا اغفر لنا وتب علينا، إننا إليك راجعون وإليك منيبون، ولكن مع كل ذلك طالت الجرائم وطال الكفر والفساد، ولا يزيدهم الله عذاباً وامتحاناً إلا وزادوا كفراً وفسقاً وعصياناً، فعندما كنا مستعمرين للنصارى في مشارق الأرض ومغاربها بكى من بكى وتضرع من تضرع وجاهد من جاهد، فإذا بالله الكريم يستجيب لدعوة داع وصلاح صالح؛ رحمة منه. ثم بعد أن استقلينا من عدونا وملكنا المال والسلاح والجيوش والدول وغير ذلك وعدنا القهقرى إلى أقبح ما كنا أيام الاستعمار كفراً وشركاً بالله ونشراً للمنكرات بكل أنواعها من زناً وفساد وحكم بغير ما أنزل الله، وتركنا كتاب الله وراء ظهورنا، وعدنا لأحكام الكفار وقوانينهم وأخلاقهم ولغاتهم، وكل ما كنا نفعله قهراً في وجودهم أصبحنا نفعله عن ارتياح وبهجة وسرور، وظننا أننا قد تحضرنا وارتقينا وتجددنا وأصبحنا كذا وكذا بعد أن لعب بنا الشيطان وسخر منا، فأصبحنا عبيداً له. ثم كان البلاء الأخير استعمار ألعن الأمم وأذلها، وهو استعمار اليهود، يقتلون من يقتلون، ويستبيحون أعراض من يستبيحون، ويهدمون البيوت على ساكنيها، ويدوسون المسلمين بسياراتهم ودباباتهم، والعالم كله معهم يصفق لهم ويساعدهم حتى العرب، أفليس هذا ذلاً وهواناً وعقوبة سماوية جعلها الله على أيدينا مكراً بنا وعقوبة لنا؟ والقرآن الكريم ما ترك شيئاً يعود علينا نفعه إلا ولفت أنظارنا إليه ونبهنا عليه، وما من شيء يضرنا في حاضرنا ومستقبلنا إلا وبينه لنا وكشف لنا حقائقه، ولكننا نعيش بأذان صماء وبقلوب غلف، مثل عيشة البهائم أو أقبح وأذل. وفي قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١]. أي: بسبب كسب الناس وبسبب جرائمهم، والكلام صريح ولا يحتاج إلى بيان أكثر من هذا البيان، أي: بسبب ظلم الناس وفجورهم وفسقهم وكفرهم بنبينا محمد ﷺ الذي قادهم إلى العز ألف عام متصلة متوالية، فلما تركوا قيادته وإمامته وذهبوا يجرون خلف كل يهودي ونصراني ومنافق، بدل الله حالهم إلى غفلة وضياع وزيغ وضلال، وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! اللهم لا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، اللهم أعدنا إليك، اللهم وعليك بكل ظالم زائغ، أنهه واقض عليه، واسلبه حياته وأخلده في النار. إذاً: فقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. أي: ليصيبهم ببعض ذنوبهم، وببعض الذي فعلوه من المعاصي، لا نقمة منهم، ولكن لعلهم يرجعون إلى الله، فعندما لم يرجعوا بالبيان وبالبلاغ وبدعوة الرسل والعلماء فليأتوا قهراً بتسلسل العذاب والآلام والمصائب والفتن من الأرض والسماء ومن كل جهة من جهات الأرض ومن كل البشر من يهود ونصارى ومنافقين، بل ومسلمين كذلك، و (لعل) في القرآن للتحقيق.

стр. 1218

تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا) قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٤٢]. يقول تعالى: اسمعوا بآذانكم، فإن لم تكن لكم آذان فانظروا بأعينكم، وسيروا في الأرض وسيحوا وابتغوا من فضل الله، واعلموا أن هذه الأرض قد كان عليها قبلكم خلق من خلق الله، أشد أبداناً وأقوى سلطاناً وأطول أعماراً، لهم من الحول ومن الطول ومن القوة ما ليس عندكم جزء منه، فانظروا إلى آثارهم وإلى مساكنهم وأين هم؟ فقد ذهبوا بجمالهم وبحطامهم وبقوتهم وأصبحوا تراباً، وعادوا إلى التراب كما كانوا، فأصبحوا وكأنه لم يكن هناك جاه ولا سلطان ولا مال ولا تيه ولا جبروت ولا طغيان. فانظروا إلى ذلك وخذوا منه العظة والعبرة، واعلموا أن الذي فعل ذلك بأولئك هو الله، وهو لا يزال قادراً على أن يعذبكم ويعاملكم معاملة أولئك، فتوبوا إلى الله ما دمتم أحياء، وانتهزوا حياتكم قبل موتكم. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم:٩]. أي: عاقبة السابقين الأولين الذين كانوا قبلكم وما الذي جرى عليهم؟ وما هي الزلازل التي زلزلت أقدامهم؟ فقد نزلت عليهم الصواعق من فوقهم وجاءتهم الصيحات من كل جهة فأصبحوا في مكانهم جاثمين، وكأن لم يغنوا بالأمس، فقد عم البلاء البر والفاجر، ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥]، أي: إن هناك قلة ليست بمشركة، ولكن عمهم البلاء لمجاورتهم ومساكنتهم ومخاللتهم. وقوله: ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٤٢]، أي: كفرة بالله متخذين مع الله الشريك.

стр. 1219

تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم) قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]. أي: اجعل وجهك لله وأقبل به وبنفسك وبروحك له. والدين القيم: الدين المستقيم، وهو الإسلام دين العوالم كلها الذي اختاره الله للبشر، منذ ظهر نبينا في هذه البطاح المقدسة يدعو الناس للإيمان بالله خالقاً، وبه عبداً ورسولاً وخاتماً، فمنذ ذلك الحين والخلق كلهم إنسهم وجنهم مكلفون ومأمورون من الله أن يدينوا بالإسلام ويتخلقوا بأخلاقه، وأن يعبدوا الله الواحد ويدينوا بالدين الذي أرسله إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. وأما ما سوى ذلك من يهودية ونصرانية ومجوسية ومختلف ملل الأرض فإنها قد غيرت وبدلت وحرفت من قبل ظهور النبي ﵊ بدين الإسلام، ثم أصبح كل الخلق إنساً وجناً مأمورين باتباعه، والله يقول لهم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم:٤٣]. واليوم الذي لا مرد له هو يوم الآخرة، يوم يدعونا من الأرض فننتصب قياماً حفاة عراة غرلاً، أي: حتى الجلدة التي قطعت عند الختان تعود، فنقف أمام الله ننتظر الأمر والنهي والحساب، في يوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، وقد قال الله عن ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. فهذا اليوم الذي لا مرد له إذا وصلناه وكان منا المقصر ومنا المشرك ومنا العاصي ومنا الكافر فلا ينتظر أن يرد ويعود إلى الدنيا؛ لعله يتدارك ما ضيع وما عصى فيه وخالف، ولن يكون ذلك أبداً، وإذا قامت الآخرة وكان العرض على الله فذلك اليوم الآخر، الذي لا مرد له من الله، وهو يوم يحاسب فيه كل إنسان على عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]. أي: يفترقون، فريق في الجنة وفريق في السعير، فلا يبقى مؤمن مع كافر، ولا كافر مع مؤمن، ولكنهم يفترقون كل طائفة مع جنسها ومثيلها، ومنه الصداع الذي هو نوع من المرض يكون في الرأس في جانب منه فقط وليس فيه كله، ويكون أشد أنواع صداع الرأس وألمه، فهم هكذا يصدعون ويتفرقون ويوزعون، فيميز المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧].

стр. 1220

تفسير قوله تعالى: (من كفر فعليه كفره) قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤]. فالكافر الذي سيأتي يوم القيامة في اليوم الذي لا مرد له من الله يكون كفره عليه، فيحاسب عليه وحده ويخلد في النار وحده. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤]. أي: والذين جاءوا بالصالحات فلأنفسهم يمهدون، أي: يفرشون ويتبوءون المنازل ذات الفرش العاليات والأرائك المتقابلة في روضات الجنة الدائمة، دواماً مستمراً دهر الداهرين وأبد الآبدين، ولا موت في الحياة الآخرة، بل حياة دائمة خالصة، فمن كفر فكفره يحاسب عليه وحده، ومن آمن فإيمانه ورضاه ومغفرة ربه تعود عليه، فهو بإيمانه وبصلاح أعماله يكرس لنفسه القصور العلا في الجنان.

стр. 1221

تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم:٤٥]. أي: يفعل ذلك ربنا بالمؤمنين الذين لأنفسهم وبعملهم الصالح يمهدون؛ ليجازيهم ويكافئهم من فضله، بمعنى: أنه سيعطيهم جزاء أعمالهم، ويفضل عليهم الكثير الكثير، الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا حد له مما يشاء الله من الإضعاف. وقوله: (إنه لا يحب الكافرين)، وما لا يحبه الله ملعون محرم، وما لا يحبه الله فله اللعنة والعذاب والنار خالداً فيها أبداً دائماً.

стр. 1222

تفسير سورة الروم [٤٦ - ٥٠] نعم الله على الناس متوالية، وآيات قدرته متكاثرة، ودلائل وحدانيته ونصره لرسله والمؤمنين عظيمة باهرة، فمن ينظر في آثار رحمة الله تدله على ذلك.

стр. 1223

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) كان أسلافنا في السنوات الماضية لا يسافرون إلا بواسطة الرياح، ولا يبتغون الرزق والتجارة إلا بها. فإن جاءت الرياح موافقة حيث شاء الركبان والمسافرون فهي المباركة، وإن وقفت الرياح وقفت السفن، فلا رحلة ولا سفر ولا تنقل. وإن جاءت معاكسة لاتجاه السفن جاء البلاء، فقد تعود بالسفينة من حيث خرجت، وقد تكون قد قطعت شهراً أو أكثر في البحار وإذا بها وقد أتتها الرياح معاكسة تعود بها من حيث بدأت، وخرجت من حيث كانت. ومن هنا يقول الشاعر: تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. والرياح تجري عادة بمشتهاها ومبتغاها، فقد تكون مشرقية أو مغربية، جنوبية أو شمالية، فإذا جاءت معاكسة لخط السير وجريان السفن فهو البلاء والخطر على السفينة، وأقل ذلك البلاء أن تعود السفن من حيث خرجت. وأشد البلاء أن تقف بها الرياح فتتلاعب بها الأمواج وتتلاطم، وإذا هو الغرق أو الخطر والإنذار بالغرق. وقوله تعالى: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٤٦] الله تعالى يرسل الرياح ليذيق الناس من رحمته، وهي خيره وبركته ورزقه. ويرسل الرياح لتجري الفلك بأمره، وإذنه وإرادته حيث شاء من مشرق أو مغرب. وقوله تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٤٦] أي: بواسطة هذه الرياح المبشرة تبتغون من فضل الله؛ من تجارة، وزراعة، وكل ما يكون الإنسان محتاجاً فيه إلى الرحلة والسفر، والجري في الأرض، والسفر يكون براً وبحراً، وقد أصبح جواً كذلك. والبحار لا بد من قطعها للسفر لما وراءها لبغية التجارة وللكسب وللمعاش وللحياة، فعندما تأتي الرياح موافقة لسير السفن تكون مبشرات بإذن الله وبأمره. فالرياح تأتي لخير الناس وخصبها، لإنبات الأرض بالزرع، ولسقيها بالأمطار، ولتجري الفلك بأمر الله، وليبتغي الناس من فضله. وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:٤٦]. أي: ولعلكم يا هؤلاء العباد تشكرون الله على نعمه، وأرزاقه، وعلى ما أكرمكم به من مختلف ما خلق لكم على وجه الأرض وفي السماء وما بين السماء والأرض. والذي من ذلك الرياح، فهي تأتي مبشرات بالغيث والمطر، وبجريان السفن، وبابتغاء الفضل، وهو التجارة والأرزاق والأرباح لعلكم بعد ذلك تشكرون الله على نعمه الظاهرة والباطنة، ما لو ظللتم كل حياتكم ساجدين وراكعين لله لما أديتم جزءاً من شكر نعم الله.

стр. 1224

تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. أي: ولقد أرسلنا -يا محمد- من قبلك رسلاً إلى قومهم وعشائرهم. وهذه الآية تعزية وتسلية للرسول ﵊ في أنه إذا وجد من بعض قومه أو من بعض أمته من لم يطعه لم يؤمن به، بل وعاكسه وقاومه وكفر بما جاء به، فلقد أرسل قبله أنبياء، فكذبهم أقوامهم وكفروا برسالتهم، فعاقب الله من عاقب، ورحم من رحم، وقليل هم الذين آمنوا وأسلموا، قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]. وكان الأنبياء قبل البعثة المحمدية يرسلون إلى أقوامهم خاصة، فأديانهم قومية وليست بعامة عالمية، أما الرسالة المحمدية فقد اختصت بكونها عامة وعالمية للخلق كلهم في مشارق الأرض ومغاربها في حياة النبي ﷺ وبعد مماته. وقد قال النبي ﵊ في بيان هذه المعاني التي جاء فيها آيات كثر: (كان الأنبياء قبلي يرسلون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس عامة). فليست اليهودية والنصرانية ديانتين عالميتين، إنما هما ديانتان إسرائيليتان خاصتان باليهود والنصارى من بني إسرائيل، فمن آمن بأحدهما في عصرها لم يطلب منه إلا ذلك، ولم يرسل الرسل الآخرين إليه، وبموت الرسل انتهت رسالاتهم. وبظهور النبي ﵊ كانت هاتان الرسالتان قد بدلتا وغيرتا وحرفتا وبالظهور المحمدي نسختا برسالة الإسلام فأصبح الدين الحق والمقبول عند الله هو الدين الذي أتى به نبينا ﵊ وحده. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. أي: إن الدين الحق والمقبول عند الله هو الإسلام لا سواه ولا غيره. وقوله تعالى: ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم:٤٧]. أي: فجاء هؤلاء الرسل قومهم بالبينات والمعجزات والدلائل القاطعات على صدق رسالتهم، وصدق ما بعثوا به من وحي حق، ومن كتب سماوية حق، فآمن من آمن وهم قليل. ولذلك قال الله بعد ذلك: ﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم:٤٧]. أي: آمن قلة ولكن الكثير أجرموا، فارتكبوا أعمال المجرمين، فكذبوا رسلهم وكذبوا الوحي الذي جاءوا به، وكذبوا الكتب السماوية المنزلة عليهم فكانوا مجرمين بذلك، فانتقم الله منهم وسلط عليهم أنواع العذاب والنقمة والشدة بما نسوا به ما كانوا عليه، حتى إذا بعثوا يوم القيامة كان عذاب الله أشد وأكثر نقمة، وأدوم عذاباً ومقاماً. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. جعل الله على نفسه حقاً واجباً أوجبه على نفسه، ولا يجب عليه شيء ﷻ ، فالملك ملكه والخلق خلقه، يتصرف فيه كيف يشاء، ولا يقال للمالك: لم تصرفت في ملكك؟ ولكن الله ﷻ حرم الظلم على نفسه كما حرمه على عباده، ففي الحديث القدسي: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا). فكان من ذلك أنه أوجب على نفسه حقاً هو نصر الرسل والمؤمنين، فقد كان الرسل مبلغين عن الله، ناطقين بالوحي عن الله، وأتوا برسالات وكتب سماوية ومعهم آيات ومعجزات تؤيد صدقهم عما جاءوا به من عند الله وعدم كذبهم. فجازى الله من آمن بالثواب وبالنصر على الأعداء وبالخلود في الجنان بعد ذلك، وانتقم من المكذبين المجرمين بالعذاب في الدنيا وفي الآخرة. عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يذب عن عرض أخيه المسلم إلا دافع الله عنه أو ذب الله عنه يوم القيامة عذاب النار. ثم تلا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]). فالمؤمنون الصادقون من آمن جنانهم وصدق، ونطق لسانهم بما يحقق ذلك الإيمان بالقلب، وعملت الجوارح والأركان حسب الاعتقاد والقول، فعملت الصالحات والواجبات من شهادتين وصلاة وزكاة وحج وصيام. فهؤلاء هم المؤمنون حقاً إن كانوا كذلك، والله ﷻ جعل عليه حقاً واجباً نصرهم على أعدائهم، والعاقبة للمتقين.

стр. 1225

تفسير قوله تعالى: (الله الذي يرسل الرياح) قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم:٤٨]. أي: أن الله يرسل الرياح فتثير السحاب، أي: تزيله من مكانه، وتبعثه ليجتمع في السماء. قال غير واحد من أعلامنا القدامى، وقال المحدثون تقريباً: إن الرياح تثير السحاب من البحار، فعندما تتبخر من البحار تأخذها هذه السحب فتصفيها كالمصفاة من ملحها وأجاجها، وتصعد بها إلى الأجواء العالية فيصفيها الله تعالى فينزلها كما ينزل الحليب من ثدي النوق والبقر والأغنام. وتنزل الأمطار على شكل قطرات، تسقي الأرض بكل أجزائها، فالأرض الخصبة التي تنبت والتي يصلح الزرع فيها فتأتي من كل زوج بهيج، من أنواع الحبوب والخضر والثمار وغير ذلك، مما يتغذى به الإنس والحيوان والطير. وهذا السحاب الذي نراه داكناً أحياناً، وأسود حالكاً أحياناً، وأصفر أحياناً يشبه الزرع الأصفر الذي ابتدأ يحترق، أو ييبس، وأعظمه وأكثره غيثاً هو السحاب الأسود الغدق لكثرة الماء فيه، ولثقله بالماء الذي يحمله. أما إذا كان أصفر فهو الريح العقيم الذي ما أتى على زرع إلا وأيبسه، ولا على أرض إلا وأجدبها حتى ولو كانت ذات فواكه ونبات فإنه ييبس كذلك ويصفر، ولا يأتي الريح العقيم إلا بالهلاك والعذاب، والقحط والجدب. قال تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم:٤٨] أي: أن الله ﷻ يبسط السحاب، ويكون مقدار ذراع، وإذا به يتمدد ويستطيل حتى يكاد يغطي المدينة كلها وأحياناً القطر كله. وإذا اشتد واسود وعم يرسل الله منه غيثه ورحمته، فيسقي الأرض بعد جدب ويغيثها بالمطر، فيسقي الإنسان وهو أول ما يحتاج إليه الإنسان، ثم يسقي الأرض وما عليها من الدواب والطيور وكل ما خلق. ولذلك عندما يشتد الجدب والقحط بالناس يستغيث المسلمون ويستسقون الله تعالى، يستحب لهم أن يخرجوا جميعاً نسائهم ورجالهم وأطفالهم، حفاة كاشفي الرءوس وبألبسة مقلوبة، ويخرج معهم أهل الذمة، ويخرجون دوابهم وحيواناتهم، فالكل في حاجة إلى رحمة الله، وغيث الله، وبركات الله. فتجد الجمال والغنم والبقر وغير ذلك تصيح، كل يدعو بلغته، والإنس كذلك مؤمنهم وكافرهم، ولا يستغني عن رحمة الله مخلوق، فالكل في حاجة لذلك، فإذا جاء الجدب والقحط جاء البلاء والعذاب وعم كل الخلق. وقوله تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم:٤٨] أي: يمدده ويطيله ويكثره حتى يعم الإقليم كله. وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم:٤٨]. كسفاً: جمع كسفة، أي: قطعاً، قطعة هنا وقطعة هناك، يسقي البساتين والفيافي والغابات، فما لم يستفد من على سطح الأرض يستفيد منه الماء في جوفها، لتكثر مياه الآبار وتجري الأنهار وتزداد بعد أن كادت تيبس. وكثيراً ما حصل ذلك فجفت الآبار، ونشفت المياه في الأنهار، فإذا وصل الحال لذلك اشتد العذاب بالناس فهو الموت، إلا أن يغيثهم. وقد زرنا أقطاراً مضت عليها سنون عديدة لم تسق قط، فوجدنا الدواب ميتة، والبحار قد جفت، والأنهار قد وقفت، والأشجار قد يبست، والناس إلى الموت أقرب. والماء الذي يشربونه لا يكادون يجدونه، ثم أتى الله بالغيث بعد ذلك، فعوضاً عن أن يشكروا الله على نعمه كفروا وارتدوا ووقع فيهم انقلابي ماركسي، شيوعي، إلحادي. وطردوا اللغة العربية والمدارس الإسلامية من البلاد، وذهبوا لعبادة هؤلاء الأشخاص القذرين الوسخين، واتخذوهم أرباباً من دون الله. ومن عجيب أمر الله في عباده، وكما قال النبي ﵊: (من استعان بظالم سلط عليه). وإذا بهؤلاء الذين دانوا بدينهم، وارتدوا بردتهم، وكفروا بكفرهم سلطهم الله عليهم، فضربوهم من السماء بأنواع العذاب من طائرات وصواريخ، وبدبابات وبأسلحة فتاكة مدمرة من الأرض، وهم يستغيثون منذ دهر فلا يغاثون؛ لأن الله لم يغثهم، لأنهم كفروا بأنعمه وأبوا إلا الجحود والعصيان والردة، مع أن الله وحده الذي أغاثهم، ولن يستطيع مخلوق إذا أجدبت الأرض أن يأتي بالماء من السماء. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم:٤٨] أي: ترى المطر يخرج من وسطه وأثنائه، وأركانه، ومن نواحيه كلها، وكأنه ثدي الناقة أو ثدي الأم ينزل قطرة قطرة بما يكفي الوليد وما يعيشه بهذا الحليب. ولو نزل المطر على غير شكل قطرات لخرب الأرض، ولقلع الأشجار، ولكنه ينزل خفيفاً قطرة قطرة فيأخذ كل عرق وكل جذر وكل نبتة وكل شجرة كانت كبيرة أو صغيرة حاجتها من الري، وحاجتها من الغيث، فيسقي الله ويغيث العباد بذلك. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم:٤٨]. فمن عجيب صنع الله أن تجد أرضاً قد أحاط المطر بجوانبها الست ولم ينزل عليها المطر، فإذا بحثت عن سبب ذلك وجدت صاحب تلك الأرض أو تلك المزرعة لا ينفق من ماله، ولا يؤدي حق الله فيها، وإذا بالله الكريم قد جعل لما عمله من سنوات هباءً منثوراً، وجعل عمله كأن لم يكن. فإذا أصاب الله بهذا المطر الذي ينزله من السحب من شاء من عباده، إذا بهم يفاجئون برحمة الله وغيثه فيستبشرون ويفرحون ويسرون. وبعض هؤلاء الذين فرحوا واستبشروا يؤدون شكر ذلك من نفقات وزكوات، والبعض الآخر اتخذوا فرح ذلك بطراً وتيهاً وخيلاء وطغياناً في ما ملكوا وما زرعوا، فهؤلاء لا تفرح لهم، ويوشك أن يأتيهم الله بعذاب من عنده. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم:٤٩]. أي: وإن كان هؤلاء الذين أمطروا وأغيثوا من قبل أن ينزل عليهم هذا المطر كانوا من قبله آيسين، قانطين، متألمين، باكين أو كالباكين، ما صرفوه في الأرض من عمل ومن زمن لم يأت بشيء، بل كل ما زرعوه وما حرثوه ضاع زيادة على الجدب والقحط في أصله. فإذا جاء هذا الغيث فجأة وأصابهم الله برحمته إذا بهم يفاجئون بالرحمة ويسرون بما أصابهم، إذ جاءهم على قدر من غير انتظار، وإن كانوا من قبل ذلك لآيسين قانطين من الرحمة. و (قبل) في الآية كررت مرتين وذلك للتأكيد. وقراءة ابن عباس بقبل الأولى فقط: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم لمبلسين) إنما كررت الثانية: ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الروم:٤٩] تأكيداً لقنوطهم الأول وما كانوا عليه من أحزان، وإذا بهم يفاجئون بالاستبشار والفرح بنزول المطر، فذكرت قبل مرتين لتأتي بالاستبشار وتأتي باليأس قبل ذلك.

стр. 1226

تفسير قوله تعالى: (فانظر إلى آثار رحمة الله) قال تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]. أي: فانظر يا محمد ولتنظر معك أمتك نظر تدبر، ونظر اعتبار، ونظر قلب إلى آثار رحمة الله، فرحمة الله هنا الغيث والمطر، وآثار ذلك أن الأرض التي كانت يابسة أينعت واخضرت وأثمرت ورعى فيها الدواب والطير، وأكل من نبتها وحبها الإنسان، وأتت بالثمرات من كل زوج بهيج، فعاشوا على ذلك، وصحوا على ذلك، وانتشر الخصب والخير. ولا يستطيع أن يفعل ذلك إلا الله، وهو وحده المشكور على ذلك، والمحمود عليه. وقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]. أي: انظر كيف كانت الأرض يابسة قد سقط شجرها، وثمارها قد يبست، وأوراقها قد تحاتت، وإذا بها أصبحت ميتة، فما كاد ينزل هذا الغيث إلا وظهر أثر رحمة الله فيها، فاخضرت الأرض وأينعت وأتت من حبها وثمراتها ما أغيث به كل حي إنساناً وحيواناً وطيراً. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٠]. ضرب الله ذلك مثلاً لمنكري البعث، يقول لهم: خذوا الدليل على الغائب بالشاهد، قد رأيتم الأرض ماتت ويبست وأجدبت وتحات شجرها فتساقط ثمرها، وجاع الخلق إنساناً وحيواناً وطيراً، وإذا الأرض بأثر رحمة الله من مطره وغيثه آتت من كل زوج بهيج، فاهتزت وربت وحيت، وعادت حية بعد أن كانت ميتة. فالذي أحياها بعد الموت هو محيي الموتى بعد كذلك، فانظروا الشاهد فخذوا منه المثال للغائب. فيا هؤلاء الذين تتعجبون وتكادون تنكرون بأن الإنسان بعد أن يصبح رمة، وتراباً كما كان، كيف يعود؟ قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فالذي أوجد الإنسان من العدم أهون عليه - والكل عليه هين - أن يعيده تارة أخرى كما كان وأكمل وأصح. وكذلك الذي أحيا الأرض وقد أصبحت ميتة قادر على أن يحيي الموتى من الناس ومن غيرهم من خلق الله. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠] أي: الله الخالق لذلك، ذو الآيات البينات والبراهين القاطعات، هو القادر على كل شيء، القادر على أن يحيي الموتى، كما أوجدهم من العدم بعد أن لم يكونوا. وقد مضى دهر من الزمن لم يكن الإنسان فيه شيئاً مذكوراً، لا وجود له لا شبحاً ولا روحاً، وإذا به قد وجد على غير مثال سابق، الذي أوجده على غير مثال سابق وأحيا الأرض بعد موتها، قادر على أن يعيد حياة الإنسان للحياة مرة ثانية، فهو القادر على كل شيء ﷻ .

стр. 1227

تفسير سورة الروم [٥١ - ٦٠] مهما رأى المجرمون من آيات بينات فهم لا يزالون على عنادهم، ولو تفكروا في الظواهر المناخية وما يرسل الله من رياح تسوق السحب بالأمطار ولها منافع كثيرة كالإبحار بالسفن ونحو ذلك؛ لكان ذلك دافعاً لهم إلى الإيمان.

стр. 1228

تفسير قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحاً) قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم:٥١]. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ [الروم:٥١] ذكر الريح مفرداً في القرآن للعذاب وللجدب وللعقوبة. وإذا ذكر مجموعاً فهو للخيرات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم:٤٦]، فالرياح مبشرات بالخصب والبركات. وقوله تعالى: ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ [الروم:٥١] أي: أثر هذا الريح رأوه مصفراً، وما أثره إلا الشجر والنباتات وأوراق الشجر القائم بنفسه. فإذا رأوه مصفراً فيعني ذلك يبسه وموته وعدم إثماره ونهاية حياته، فإذا رأوا ذلك كفروا بالنعم السابقة، وضلوا من بعد هذا الريح الذي اصفر له الأشجار والنباتات والزروع والثمار والخضروات بجميع أشكالها، وزادهم كفراً وزادهم معصية وجحوداً وضلوا من بعده يكفرون، أي: ضلوا من بعد إرسال هذه الريح الصفراء التي كان من أثرها أن اصفرت الأشجار وكل شيء أخضر على وجه الأرض. فلما رأوا هذا المنظر لم يحمدوا الله ولم يصبروا ولم يرجوا رحمته ويخافوا عذابه، بل أعلنوا بالكفر والجحود ونسوا ما سبق ذلك من خيرات وبركات، ومن أمطار مغيثات. وهذا شأن الكافر يؤمن على حرف، فإن آتاه الله خيراً وجد ذلك وكأنه من نفسه، وإن وجد غير ذلك تجده يائساً مبلساً، يعلن الكفر بلسانه وحاله، وهذا بخلاف المؤمن. يقول النبي ﵊: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). فهو على كل الأحوال صابراً وشاكر، شاكر على نعمه، وصابر على بلائه، إن ابتلي رجى الله ودعاه أن يرفع عنه بلاءه وهو مع ذلك صابر، وإن أنعم عليه شكر الله بلسانه وزاد الشكر بالعمل والنفقات وكثرة الصدقات للعائل وللمحروم وللسائل وللقريب في الدرجة الأولى.

стр. 1229

تفسير قوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى) قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢]. أي: يا محمد! هؤلاء موتى فحياتهم لم يستفيدوا منها، وأسماعهم لم يسمعوا بها، وأعينهم لم يبصروا بها، وقلوبهم لم يفقهوا بها فكانوا أمواتاً، ولو أنهم على شكل أحياء. والميت لا يسمع ولا يفهم، وعلى ذلك فأنت لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء، أي: النداء، إذا ناديت ودعوت لم يسمعوك، ولم يستجيبوا لك؛ لأن لهم قلوباً لا يفقهون بها، وآذاناً لا يسمعون بها، وأعيناً لا يبصرون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل. والأنعام تستفيد من بطنها حملاً ومن ظهرها ركوباً ورحلة، ومن ضرعها حليباً. وأما هذا الميت فيضيق على الحي من الناس بطعامه ولباسه وسكنه وقد لا يكتفي بذلك، فيؤذي الناس الصالحين الأخيار، فموته خير من حياته، وأصلح للبشر من وجوده. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٢] الموتى جمع ميت. فقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢] أي: إذا دعوت الموتى لم يسمعوك، والصم جمع أصم، وإذا دعوتهم فلم يسمعوك. فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢] الصم يتفاهمون بالإشارة، والأصم إذا ولى لا يرى إشارتك ولا يسمع نداءك، فهو في ضياع وخراب، وهو في إعراض عن الحق وعن سماعه البتة. ولذلك كان الكفار إذا سمعوا رسول الله يتلو القرآن ويدعوهم إليه، يدعو بعضهم بعضاً ويقولون: الغوا فيه ولا تسمعوا إليه. فكان البعض يغلق آذانه عن السماع، والبعض يصيح ويفر كما يفر الشيطان إذا سمع الأذان وله ضراط حتى لا يسمع الله أكبر، ولا يسمع الشهادتين. وكون الميت لا يسمع هذا الشأن المعروف، ولكن مع ذلك فإن سماع الميت قد ثبت بالتواتر، ففي غزوة بدر بعد أن هلك من هلك من الكفار والأعداء، تركهم النبي ﵊ ثلاثة أيام على التراب إلى أن جيفوا، ثم أمر بقذفهم في القليب وهو بئر، ثم وقف على شفير البئر فنادى: (يا أمية بن خلف، يا عتبة بن أمية، يا عمرو بن هشام، وإذا بـ عمر يقول له: يا رسول الله! أتدعو أقواماً قد جيفوا؟ فقال النبي ﵊: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يستطيعون الجواب، وأخذ يقول لهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ أما نحن فقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً). والحديث اشتهر بحديث عبد الله بن عمر عن عمر، ولكن عائشة رضوان الله عليها الشابة العالمة كانت تحاول أن تجتهد في كل شيء حتى في الرواية المسموعة، فهي ترد على الكثير من الصحابة، فقد ردت على عبد الله بن عمر وقالت: لم يقل رسول الله: لستم بأسمع منهم، وإنما قال: هم الآن يعلمون ما أوعدوا به. وهذا الذي قالته ليس بصحيح، فلم يرو هذا الحديث عبد الله بن عمر فقط، فقد رواه الكثير من الصحابة، فقد سمع ذلك من النبي ﷺ أهل بدر وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر مجاهداً، فكلهم سمعوا قوله، إذ كان يرفع صوته في مخاطبتهم، والأحاديث بذلك في الصحاح والسنن وفي جميع أمهات السنة وغير ذلك. وعندما نسلم على رسول الله فإننا نقول: السلام عليك، إذ نخاطبه بكاف الخطاب، وقد أمرنا ﷺ عندما نزور الموتى أن نقول لهم: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، وأسأل الله العافية لي ولكم). وهذا الخطاب لكل ميت ولرسول الله ﷺ في الدرجة الأولى، فقد تواترت الأحاديث بأن الميت يسمعنا ولكنه لا يجيبنا، لأن الشبح الذي سيجيب قد فني وصار إلى التراب. أما الروح فباقية، وقد ثبت بالتواتر أن الأرواح تسر بسرور أهلها في دار الدنيا، وتتألم بألمهم في دار الدنيا، وترد السلام على المسلم عليها، ومن ذلك: تلقين الميت عندما ندفنه ونقول له: يا فلان ابن فلان، إذا سألك الملكان: من ربك؟ فقل: الله. ومن نبيك؟ فقل: محمد رسول الله. وهذا التلقين كذلك ثابت عن رسول الله ﵊، وإذا كان الميت لا يسمع فما الفائدة من التلقين ولكن الآية معناها أنهم موتى في الحياة لم يموتوا بعد، وموتهم في الحياة أنهم عطلوا أسماعهم وأبصارهم وأعينهم، عطلوا حواسهم عن السمع والرؤية والفقه، فكانوا كالموتى الذي كان الشأن فيهم ألا يسمعوا ولا يعقلوا ولا يروا. فروح كل ميت تسمع وتجيب، واختص النبي ﵊ بأن كلف الله له ملكاً يرد السلام على من مسلم عليه. ويستحب استحباباً مؤكداً وخاصة يوم الجمعة أن نكثر الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشراً. فمعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢] أي: لا تسمع الدعاء الموتى والصم. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢] أي: لا تسمع الدعاء إذا قد أدبروا، فلا يرون إشارة وبالتالي لا يفهمونها لأنهم لم يروها.

стр. 1230

تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم:٥٣]. أي: إنك يا محمد! لن تهدي العمي ولن تهدي الصم وإنما تهدي من يبصر ويسمع، والذي يسمع هو من يؤمن بآياتنا، هو الذي ألقى السمع وهو شهيد، أي: سمعه لما تدعو إليه من كتاب ربك المنزل عليك، ومن حديثك المفسر لذلك، ومن هديك الذي يبين حقائق ذلك. والذين آمنوا بالله فنظروا واستفادوا بالنظر، وسمعوا واستفادوا بالسمع، وعقلوا واستفادوا بالقلب، هؤلاء هم المؤمنون وحدهم الذين يسمعون دعاءك، ويسمعون دعوتك فيستجيبون لها، ويؤمنون بها. وهم مسلمون قد أسلموا وجوههم لله واستسلموا لدين الله ولأمر الله، فلا يخرجون عنه، فإن خرجوا استعاذوا بالله وتابوا من السيئات وعادوا بالشكر، وبالتوبة إلى الله. هؤلاء المؤمنون التائبون المسلمون هم الذين يسمعونك، أما أولئك فلا سمع لهم ولا بصر ولا فقه ولا رؤية.
следующие страницы →