← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

تفسير قوله تعالى: (فانظر إلى آثار رحمة الله) قال تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]. أي: فانظر يا محمد ولتنظر معك أمتك نظر تدبر، ونظر اعتبار، ونظر قلب إلى آثار رحمة الله، فرحمة الله هنا الغيث والمطر، وآثار ذلك أن الأرض التي كانت يابسة أينعت واخضرت وأثمرت ورعى فيها الدواب والطير، وأكل من نبتها وحبها الإنسان، وأتت بالثمرات من كل زوج بهيج، فعاشوا على ذلك، وصحوا على ذلك، وانتشر الخصب والخير. ولا يستطيع أن يفعل ذلك إلا الله، وهو وحده المشكور على ذلك، والمحمود عليه. وقوله تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠]. أي: انظر كيف كانت الأرض يابسة قد سقط شجرها، وثمارها قد يبست، وأوراقها قد تحاتت، وإذا بها أصبحت ميتة، فما كاد ينزل هذا الغيث إلا وظهر أثر رحمة الله فيها، فاخضرت الأرض وأينعت وأتت من حبها وثمراتها ما أغيث به كل حي إنساناً وحيواناً وطيراً. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٠]. ضرب الله ذلك مثلاً لمنكري البعث، يقول لهم: خذوا الدليل على الغائب بالشاهد، قد رأيتم الأرض ماتت ويبست وأجدبت وتحات شجرها فتساقط ثمرها، وجاع الخلق إنساناً وحيواناً وطيراً، وإذا الأرض بأثر رحمة الله من مطره وغيثه آتت من كل زوج بهيج، فاهتزت وربت وحيت، وعادت حية بعد أن كانت ميتة. فالذي أحياها بعد الموت هو محيي الموتى بعد كذلك، فانظروا الشاهد فخذوا منه المثال للغائب. فيا هؤلاء الذين تتعجبون وتكادون تنكرون بأن الإنسان بعد أن يصبح رمة، وتراباً كما كان، كيف يعود؟ قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فالذي أوجد الإنسان من العدم أهون عليه - والكل عليه هين - أن يعيده تارة أخرى كما كان وأكمل وأصح. وكذلك الذي أحيا الأرض وقد أصبحت ميتة قادر على أن يحيي الموتى من الناس ومن غيرهم من خلق الله. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠] أي: الله الخالق لذلك، ذو الآيات البينات والبراهين القاطعات، هو القادر على كل شيء، القادر على أن يحيي الموتى، كما أوجدهم من العدم بعد أن لم يكونوا. وقد مضى دهر من الزمن لم يكن الإنسان فيه شيئاً مذكوراً، لا وجود له لا شبحاً ولا روحاً، وإذا به قد وجد على غير مثال سابق، الذي أوجده على غير مثال سابق وأحيا الأرض بعد موتها، قادر على أن يعيد حياة الإنسان للحياة مرة ثانية، فهو القادر على كل شيء ﷻ .

стр. 1227

تفسير سورة الروم [٥١ - ٦٠] مهما رأى المجرمون من آيات بينات فهم لا يزالون على عنادهم، ولو تفكروا في الظواهر المناخية وما يرسل الله من رياح تسوق السحب بالأمطار ولها منافع كثيرة كالإبحار بالسفن ونحو ذلك؛ لكان ذلك دافعاً لهم إلى الإيمان.

стр. 1228

تفسير قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحاً) قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم:٥١]. قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ [الروم:٥١] ذكر الريح مفرداً في القرآن للعذاب وللجدب وللعقوبة. وإذا ذكر مجموعاً فهو للخيرات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم:٤٦]، فالرياح مبشرات بالخصب والبركات. وقوله تعالى: ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ [الروم:٥١] أي: أثر هذا الريح رأوه مصفراً، وما أثره إلا الشجر والنباتات وأوراق الشجر القائم بنفسه. فإذا رأوه مصفراً فيعني ذلك يبسه وموته وعدم إثماره ونهاية حياته، فإذا رأوا ذلك كفروا بالنعم السابقة، وضلوا من بعد هذا الريح الذي اصفر له الأشجار والنباتات والزروع والثمار والخضروات بجميع أشكالها، وزادهم كفراً وزادهم معصية وجحوداً وضلوا من بعده يكفرون، أي: ضلوا من بعد إرسال هذه الريح الصفراء التي كان من أثرها أن اصفرت الأشجار وكل شيء أخضر على وجه الأرض. فلما رأوا هذا المنظر لم يحمدوا الله ولم يصبروا ولم يرجوا رحمته ويخافوا عذابه، بل أعلنوا بالكفر والجحود ونسوا ما سبق ذلك من خيرات وبركات، ومن أمطار مغيثات. وهذا شأن الكافر يؤمن على حرف، فإن آتاه الله خيراً وجد ذلك وكأنه من نفسه، وإن وجد غير ذلك تجده يائساً مبلساً، يعلن الكفر بلسانه وحاله، وهذا بخلاف المؤمن. يقول النبي ﵊: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له). فهو على كل الأحوال صابراً وشاكر، شاكر على نعمه، وصابر على بلائه، إن ابتلي رجى الله ودعاه أن يرفع عنه بلاءه وهو مع ذلك صابر، وإن أنعم عليه شكر الله بلسانه وزاد الشكر بالعمل والنفقات وكثرة الصدقات للعائل وللمحروم وللسائل وللقريب في الدرجة الأولى.

стр. 1229

تفسير قوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى) قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢]. أي: يا محمد! هؤلاء موتى فحياتهم لم يستفيدوا منها، وأسماعهم لم يسمعوا بها، وأعينهم لم يبصروا بها، وقلوبهم لم يفقهوا بها فكانوا أمواتاً، ولو أنهم على شكل أحياء. والميت لا يسمع ولا يفهم، وعلى ذلك فأنت لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء، أي: النداء، إذا ناديت ودعوت لم يسمعوك، ولم يستجيبوا لك؛ لأن لهم قلوباً لا يفقهون بها، وآذاناً لا يسمعون بها، وأعيناً لا يبصرون بها، فهم كالأنعام بل هم أضل. والأنعام تستفيد من بطنها حملاً ومن ظهرها ركوباً ورحلة، ومن ضرعها حليباً. وأما هذا الميت فيضيق على الحي من الناس بطعامه ولباسه وسكنه وقد لا يكتفي بذلك، فيؤذي الناس الصالحين الأخيار، فموته خير من حياته، وأصلح للبشر من وجوده. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٢] الموتى جمع ميت. فقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢] أي: إذا دعوت الموتى لم يسمعوك، والصم جمع أصم، وإذا دعوتهم فلم يسمعوك. فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢] الصم يتفاهمون بالإشارة، والأصم إذا ولى لا يرى إشارتك ولا يسمع نداءك، فهو في ضياع وخراب، وهو في إعراض عن الحق وعن سماعه البتة. ولذلك كان الكفار إذا سمعوا رسول الله يتلو القرآن ويدعوهم إليه، يدعو بعضهم بعضاً ويقولون: الغوا فيه ولا تسمعوا إليه. فكان البعض يغلق آذانه عن السماع، والبعض يصيح ويفر كما يفر الشيطان إذا سمع الأذان وله ضراط حتى لا يسمع الله أكبر، ولا يسمع الشهادتين. وكون الميت لا يسمع هذا الشأن المعروف، ولكن مع ذلك فإن سماع الميت قد ثبت بالتواتر، ففي غزوة بدر بعد أن هلك من هلك من الكفار والأعداء، تركهم النبي ﵊ ثلاثة أيام على التراب إلى أن جيفوا، ثم أمر بقذفهم في القليب وهو بئر، ثم وقف على شفير البئر فنادى: (يا أمية بن خلف، يا عتبة بن أمية، يا عمرو بن هشام، وإذا بـ عمر يقول له: يا رسول الله! أتدعو أقواماً قد جيفوا؟ فقال النبي ﵊: ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يستطيعون الجواب، وأخذ يقول لهم: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ أما نحن فقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً). والحديث اشتهر بحديث عبد الله بن عمر عن عمر، ولكن عائشة رضوان الله عليها الشابة العالمة كانت تحاول أن تجتهد في كل شيء حتى في الرواية المسموعة، فهي ترد على الكثير من الصحابة، فقد ردت على عبد الله بن عمر وقالت: لم يقل رسول الله: لستم بأسمع منهم، وإنما قال: هم الآن يعلمون ما أوعدوا به. وهذا الذي قالته ليس بصحيح، فلم يرو هذا الحديث عبد الله بن عمر فقط، فقد رواه الكثير من الصحابة، فقد سمع ذلك من النبي ﷺ أهل بدر وكان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر مجاهداً، فكلهم سمعوا قوله، إذ كان يرفع صوته في مخاطبتهم، والأحاديث بذلك في الصحاح والسنن وفي جميع أمهات السنة وغير ذلك. وعندما نسلم على رسول الله فإننا نقول: السلام عليك، إذ نخاطبه بكاف الخطاب، وقد أمرنا ﷺ عندما نزور الموتى أن نقول لهم: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، وأسأل الله العافية لي ولكم). وهذا الخطاب لكل ميت ولرسول الله ﷺ في الدرجة الأولى، فقد تواترت الأحاديث بأن الميت يسمعنا ولكنه لا يجيبنا، لأن الشبح الذي سيجيب قد فني وصار إلى التراب. أما الروح فباقية، وقد ثبت بالتواتر أن الأرواح تسر بسرور أهلها في دار الدنيا، وتتألم بألمهم في دار الدنيا، وترد السلام على المسلم عليها، ومن ذلك: تلقين الميت عندما ندفنه ونقول له: يا فلان ابن فلان، إذا سألك الملكان: من ربك؟ فقل: الله. ومن نبيك؟ فقل: محمد رسول الله. وهذا التلقين كذلك ثابت عن رسول الله ﵊، وإذا كان الميت لا يسمع فما الفائدة من التلقين ولكن الآية معناها أنهم موتى في الحياة لم يموتوا بعد، وموتهم في الحياة أنهم عطلوا أسماعهم وأبصارهم وأعينهم، عطلوا حواسهم عن السمع والرؤية والفقه، فكانوا كالموتى الذي كان الشأن فيهم ألا يسمعوا ولا يعقلوا ولا يروا. فروح كل ميت تسمع وتجيب، واختص النبي ﵊ بأن كلف الله له ملكاً يرد السلام على من مسلم عليه. ويستحب استحباباً مؤكداً وخاصة يوم الجمعة أن نكثر الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه عشراً. فمعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢] أي: لا تسمع الدعاء الموتى والصم. وقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢] أي: لا تسمع الدعاء إذا قد أدبروا، فلا يرون إشارة وبالتالي لا يفهمونها لأنهم لم يروها.

стр. 1230

تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم:٥٣]. أي: إنك يا محمد! لن تهدي العمي ولن تهدي الصم وإنما تهدي من يبصر ويسمع، والذي يسمع هو من يؤمن بآياتنا، هو الذي ألقى السمع وهو شهيد، أي: سمعه لما تدعو إليه من كتاب ربك المنزل عليك، ومن حديثك المفسر لذلك، ومن هديك الذي يبين حقائق ذلك. والذين آمنوا بالله فنظروا واستفادوا بالنظر، وسمعوا واستفادوا بالسمع، وعقلوا واستفادوا بالقلب، هؤلاء هم المؤمنون وحدهم الذين يسمعون دعاءك، ويسمعون دعوتك فيستجيبون لها، ويؤمنون بها. وهم مسلمون قد أسلموا وجوههم لله واستسلموا لدين الله ولأمر الله، فلا يخرجون عنه، فإن خرجوا استعاذوا بالله وتابوا من السيئات وعادوا بالشكر، وبالتوبة إلى الله. هؤلاء المؤمنون التائبون المسلمون هم الذين يسمعونك، أما أولئك فلا سمع لهم ولا بصر ولا فقه ولا رؤية.

стр. 1231

تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف) قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]. الله ﷻ يدلنا بمنطق العقل والوعي والإدراك على قدرته وعلى الأطوار التي خلقنا فيها. وتقديم العامل وهو لفظ الجلالة (الله) على المعمول -أي المفعول به- يفيد الحصر، أي: الله وحده هو الذي خلقنا في جميع هذه الأطوار، فلا الأوثان ولا الشركاء ولا الآلهة المزيفة الكاذبة شاركت أو أعانت بشيء من ذلك. فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم:٥٤] أي: الله خلقنا ضعافاً يوم خلقنا، خلق الأصل وهو آدم من تراب -وما عسى أن يفعل التراب؟ - ثم خلقنا من ماء مهين فهو أضعف من ضعيف، ثم خلقنا بعد ذلك من أضعاف متتالية. وأطوار خلق الإنسان: النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام ثم يكسى لحماً ثم ينشأ خلقاً آخر، ثم يخرج إلى الدنيا وهو ضعيف لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ذباباً، ولا حشرة صغيرة. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤]. أي: ثم جعل بعد الضعف قوة وهو سن الشباب، فابتدأ الله بالبداية، ثم سن المراهقة، ثم سن الشباب، ثم إلى أن أصبح الشاب رجلاً قد بلغ أشده في القوة العضلية والفكرية والعملية. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤]. أي: ثم عاد بنا للبداية، من القوة إلى الضعف في الظواهر والبواطن، ضعفت الحواس عن وظائفها، وضعفت حركة المعدة في الهضم، وهكذا في جميع أعضاء الإنسان، فصارت بعد القوة ضعفاً وشيبة، وشيباً وشيبة بمعنىً واحد. فانتقل سواد الشعر إلى البياض، وقوة البدن إلى ضعف، وشيخوخة ثم إلى موت وفناء، كان الله ولا شيء معه وهو على ما كان عليه. قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]. فالله ﷻ الخالق لما يشاء، فهذا خلقه قوياً، وهذا خلقه ضعيفاً، وأدام ضعفه إلى الموت. وهذا خلقه ضعيفاً ثم قواه وأدام قوته إلى الموت، كم من شيوخ شابت شعورهم ولا يزالون أقوى من الشباب؟ وكما لا يزالون شباباً. وكثير من الأصحاب والمعاصرين تجاوزوا المائة فلم تشب منهم إلا شعرة أو شعرات، ولم تسقط لهم سن، ولا يزالون يذهبون الأميال على أرجلهم، ويحملون الأثقال التي يعجز عن حملها الشباب، ويعملون في كل الأوقات بما يعجز عنه الشباب، يخلق الله ما يشاء، والله انفرد بالخلق والقدرة، يفعل ما شاء كيف يشاء، لا يسأل عن ما يفعل. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]. أي: العليم بخلقه وما ينفعهم من الضعف أو القوة، يعلم أن هذا ينفعه الضعف والآخر ينفعه القوة، ويعلم أن من منفعة هذا أن يميته صغيراً وينفع الآخر أن يميته كبيراً، وهو القادر على كل شيء، لا يعجزه شيء ﷻ وعز مقامه.

стр. 1232

تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم:٥٥]. يخبرنا ربنا ﷻ عن هؤلاء الكفار المكذبين للآخرة، أنه يكذبهم في الدنيا والآخرة. فقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم:٥٥] أي: يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم:٥٥] أي: المشركون الكافرون الذين مضت حياتهم وكلها جرائم، فهم يقسمون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة، أي: لم يعيشوا دنياهم وسنواتهم وأعمارهم إلا مدة ساعة، فهم بذلك أنكروا الرسالات والرسل والكتب، وأنكروا الأوامر والنواهي، وقالوا: عشنا ساعة وماذا عسى أن تكفي ساعة للعبادة وللعمل؟ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم:٥٥]. الإفك: الكذب، أي: أنهم يصرفون عن الحق إلى الكذب. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الروم:٥٥] أي: كما كانوا في الدنيا كذبة، فجرة، لا ينطقون بالحق ولا يعرفونه، كذلك عندما بعثوا وعادوا للحياة الثانية عادوا كذبة فجرة، فكان الكذب خلقهم في الدنيا والآخرة، ولكن هيهات أن يتركوا لحالهم ولأنفسهم.

стр. 1233

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦]. يجيب العلماء والمؤمنون المجرمين ويكذبونهم، هؤلاء المؤمنون الذين آمنوا بربهم ونبيهم في الدنيا، وعندما بعثوا علموا أنهم قد عاشوا دهراً، وأنهم بعثوا من جديد، وأن هذا اليوم يوم البعث والنشور والحياة الثانية. وقال أهل العلم: العلماء أيضاً من الملائكة والرسل وعموم المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٦]. أي: في ما كتبه الله وقدره، أي: في جنس الكتاب، وهو الكتب السماوية المنزلة على أنبيائكم من صحائف إبراهيم، ومن زبور داود، ومن توراة موسى، ومن إنجيل عيسى، ومن القرآن المنزل على خاتمهم محمد صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين، فأنتم قد بلغتم وعلمنا ذلك في كتاب الله وقدره السابق أننا سنعيش دهراً ونحن نبعث بعد ذلك. ومعنى: ﴿لَبِثْتُمْ﴾ [الروم:٥٦]: أقمتم. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم:٥٦]. أي: عشتم في دنياكم زمناً ثم متم بعد ذلك، وبقيتم في قبوركم إلى يوم البعث. وقوله تعالى: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم:٥٦]. أي: هذا الذي أنتم فيه هو يوم البعث الذي كنتم تنكرونه، فأنتم تعيشون في واقعة حقيقية، وما كنتم تنكرونه قد رأيتموه رأي العين وسمعتموه بالآذان وعشتم في واقعه. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦]. أي: كنتم في حياتكم الدنيا مشركين كفرة لم تعلموا علماً، ولم تعلموا إيماناً، ولم تدركوا يقيناً، عشتم كفرة كذبة وبعثتم كفرة كذبة، ولا تزالون تكذبون إلى الآن عندما تقسمون أنكم ما لبثتم في دنياكم إلا لحظات لا تكاد تدرك. وقال البعض من العلماء: معنى قوله تعالى: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥] بأنهم أقسموا أنهم ما أقاموا في قبورهم إلا ساعة. وقال من قال تعليقاً على هذا الفهم: إن كانوا قد أقسموا على أنهم لم يقيموا في القبور إلا ساعة فأين عذاب القبر وهو حق؟ وتواترت به الأحاديث، فكيف لم يشعروا وهو عليهم وفي أرواحهم؟ فكان جواب البعض ممن حاول أن يقر هذا الفهم وهذا المعنى بقوله: عذبت الأرواح والآن قد بعثت الأشباح. والأشباح لم تكن ذات روح لم تشعر بالعذاب، ولكن الذي شعر بالعذاب هي الروح، فلو أنهم شعروا بالعذاب وعلموا به ثم كذبوا، فإنهم كذبة في الدنيا ثم كذبوا في الآخرة مرة ثانية. وهذا المعنى في القرآن في غير ما آية، من أنهم أقسموا على أنهم ما لبثوا في الدنيا غير ساعة، وأن عذاب القبر حق، والعذاب للروح لا للشبح.

стр. 1234

تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون) قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم:٥٧]. معنى قوله تعالى: (يومئذ) أي: يوم القيامة. و ﴿لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم:٥٧] أي: لا ينفع الذين كفروا. و ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم:٥٧] أي: أنهم أخذوا يعتذرون ويقولون: لم نعش في الدنيا إلا ساعة، ولم تكفنا للإيمان ولا العلم بالإيمان، فقد كنا جهلة، لم نعلم الحقيقة إلا الآن، ولكن الله لم يقبل عذرهم، فقد قامت عليهم الحجج المتوالية والمتظافرة من أنبيائهم ورسلهم، ومن علمائهم، ومن كتب الله التي أنزلت على رسلهم وأنبيائهم. وقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم:٥٧]. أي: لا يقبل عتابهم، يقال: فلان استعتب فلاناً إذا طلب منه أن يزيل عتبه عليه، ويعذره، ويسامحه، ويغفر له. فالكفار ما هم بمستعتبين، فعتابهم يضرب به على وجوههم ولم يقبل منهم، وعتاب الله لهم كان عذاباً، ونقمة، وناراً خالدة دائمة أبدية لكل من مات ظالماً لنفسه بالشرك والكفر. لا يقبل زوال عتبهم، ولا تقبل معذرتهم، ولا يقبل قولهم الكاذب أنهم لم يقيموا في الدنيا غير ساعة.

стр. 1235

تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن للناس من كل مثل) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨]. أي: ضرب الله للناس مسلمين وكافرين الأمثال، والأشباه والنظائر ليعلموا، وليدركوا، وليفهموا. فبين الله لهم في القرآن الكريم الحلال والحرام ليتركوا الحرام كله، وليفعلوا من الحلال ما يطيقونه حسب قدرتهم ورغبتهم، وضرب به الأمثال للعلم والمعرفة والإيمان. وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:٥٨]. أي: من كل شبيه ونظير، لعل الناس يدركون ويعون. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨]. أي: ولو جئتهم يا محمد مع هذا القرآن الذي ضربنا فيه للناس كلهم أمثالاً وأشباهاً ونظائر مما تراه أعينهم على الغائب، وما تسمعه أذنهم مما لا يسمعونه، ليعلم الغائب بالحاضر والحاضر بالماضي والمستقبل بالحاضر. ومع ذلك مهما أتيتهم به من آية ومن معجزة ومن بينة تدل على صدقك، قالوا: بل أعانك عليه قوم آخرون كما زعم الكافرون الضالون، وقالوا: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨]. أي: تعيشون في باطل، فما تزعمونه باطل وما أتيتم به باطل، فكذبوا الصدق إذا جاءهم، وافتروا على الله بما ليس واقعاً فما ازدادوا إلا كفراً وجحوداً.

стр. 1236

تفسير قوله تعالى: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩]. أي: كما طبع على قلوب هؤلاء الكافرين فلا يفهمون، وطبع على أسماعهم وعلى أبصارهم، فأغلقت عن السماع وعن الرؤية وعن الفهم بإغراقهم في الكفر والظلم، ولجحودهم المتواصل أصبحوا كالحجر الأصم الذي لا يعي ولا يعقل. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الروم:٥٩] أي: كما فعل بأولئك. وقوله تعالى: ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩]. أي: يطبع على قلوب الجاهلين الذين لا يريدون علماً بالله، ولا بكتاب الله، ولا برسول الله، ولا بسنة رسول الله، ولا علماً بالحقائق ليميزوا بينها وبين الباطل. طبع الله عليهم وأبعدهم عن الفهم؛ لأنهم لم يريدوا فهماً ولا علماً ولا إيماناً.

стр. 1237

تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]. أي: فاصبر يا محمد على كفر هؤلاء وعلى شتمهم وجحودهم، وذلك قبل أن يفرض الجهاد. فهذه السورة مكية، والجهاد لم يؤذن به في مكة، إن هو إلا الصبر، يأمر الله به رسوله، ويأمر به رسوله الناس، فكان رسوله ﵊ يمر على أتباعه وهم يعذبون، ولا يجد لهم أكثر من أن يقول: (صبراً آل ياسر؛ إن موعدكم الجنة). يأتون إليه يريدون الحرب والقتال فيقول لهم: (لم أومر بهذا بعد)، ولم يؤذن بالقتال إلا في المدينة المنورة عند نزول أول آية في الأمر بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]. فعندما استأذن المؤمنون رسول الله للقتال وكرروا ذلك أذن الله لهؤلاء الذين شهد بأنهم قد ظلموا، وأخرجوا من ديارهم بغير حق، وقوطعوا، وأخذت أموالهم وأولادهم وأملاكهم وطردوا من بيوتهم إلى بيوت غريبة وأرض غريبة، إذ ذاك أذن الله لهؤلاء المظلومين أن يقاتلوا فنصرهم. فقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الروم:٦٠] وقد فعل ﷺ ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم:٦٠]. أي: ما وعدك الله به يا محمد من نصر، وتفوق، وسحق للأعداء، وعودتك لمكة فاتحاً منتصراً معززاً، إذ أنزل عليك وأنت لا تزال في الطريق إلى المدينة مهاجراً: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥] فهو رادك لا محالة، وستحكم فيها كيف شئت، وتتصرف في رقابهم كيف شئت. فما وعدك الله به من نصر ونشر للإسلام في مختلف بقاع الأرض مشارق ومغارب، شمالاً وجنوباً، كل ذلك واقع لا محالة، فالذي وعد بذلك الله الذي لا يخلف الميعاد. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]. الأمر له لأمته كذلك، أي: لا يدعوك للخفة: خفة العقل والعمل والقرار المتسرع، وإياك أن تتبعهم أو أن تسايرهم في سلوك أو في دعوة أو في عمل. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]. أي: الذين لا يوقنون بيوم البعث، ولا يوقنون بك نبياً رسولاً، ولا يوقنون بأن الإسلام دين حق، وبأن القرآن كلام الله الحق، هؤلاء لا تهتم بهم ولا تلتفت إليهم، وإياك أن يستخفوك بأن تكون خفيف العقل، والسمع، أو تغتر أمتك بالكافرين، ويتبعون أعمالهم ويقولون بفلسفتهم ويتأثرون بدينهم. وبهذا نكون ولله الحمد قد ختمنا سورة الروم، ودخلنا في سورة لقمان.

стр. 1238

تفسير سورة لقمان [١ - ٧] أنزل الله القرآن الحكيم هدى ورحمة للمحسنين؛ أما الجاحدون الكافرون فإنهم يعرضون عنه ويعارضونه باللهو واللغو والمزامير وغيرها من لهو الحديث الباطل الذي يجعلهم خاسرين في دنياهم وأخراهم.

стр. 1239

تفسير قوله تعالى: (آلم) قال الله تعالى: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان:١ - ٣]. هذه سورة لقمان الحكيم ﵀ ورضي عنه، آياتها (٣٤) آية، نزلت آياتها على قلب نبينا ﷺ وهو بمكة المكرمة، فهي بذلك سورة مكية. قال تعالى: ﴿الم﴾ [لقمان:١]، هذه الحروف المقطعة هي حروف الهجاء في لغة العرب، فمنها ركب القرآن وانتظم، وعليها قام، وهو مع ذلك معجز، أعجز الخلائق منذ نزوله وإلى يوم القيامة، وتحدى الله الخلق يوم نزوله أن يأتوا بمثله أو بسورة منه أو بآية فقط، فعجز الكل، ولم يستطع أحد من ذلك العصر إلى يومنا وإلى يوم القيامة. وأتى السخفاء بكلام يضحك الثكلى ويحمل على الهزء والسخرية وأرادوا به معارضة القرآن، فأتوا بالسخيف من القول وبالسقط من الكلام مما لا معنى له قط. وفي الغالب أنه عندما تذكر هذه الحروف تختم بالإشارة إلى آيات الله، فقال تعالى هنا: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان:١ - ٢]، والضمير يرجع عادة إلى أقرب مذكور، ولا أقرب من ﴿الم﴾ [لقمان:١]، أي: تلك الأحرف الألف واللام والميم آيات الكتاب الحكيم. وقال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، والإشارة كذلك تعود إلى أقرب مذكور، وهي الألف واللام والميم. وبعض السور لم تعقب بهذا كما في سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:١ - ٣]. فإن الأمر يتم بالكلمة الواحدة، فإذا تكرر مرتين وثلاثاً وأربعاً وما فوق ذلك فقد تقرر، وكما يقولون في الأمثال: الشيء إذا تكرر تقرر، وقد تكرر ذكر الإشارة بتلك وبذلك عقب هذه الحروف، فكان ذلك تقريراً بحيث أصبح مثل القاعدة العامة، فإذا لم يذكر في بعض فمعنى ذلك أنه قد مضى وتقرر، والتكرار بعد أن يكرر مرات ومرات يصبح لا حاجة إليه.

стр. 1240

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم) قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٢ - ٤]. قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان:٢]. تلك الآيات الكتابية والأحرف الهجائية التي ترتب منها كتاب الله وكلامه المعجز هي بينات الله وأحكامه في الحلال والحرام وفي الإعجاز وبيان القدرة والآيات الدالات على الوحدانية والقدرة الإلهية. الحكيم: في أوامره ونواهيه، والحكمة: وضع الشيء في محله، والقرآن كذلك، فلا يضع أوامره ونواهيه إلا في محلها، فكان في ذلك البلسم الشافي لهداية الخلق إلى مصالحهم وإلى معاشهم ومعادهم وفي دنياهم وآخرتهم. قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان:٣]. أي: حال كون تلك الآيات نزلت هداية ورحمة من الضلال ومن العذاب إلى طريق الحق المستقيم، والطريق الحق هي الإسلام ودين محمد ﵊، والقرآن الكريم هو الذي بين ذلك وأوضحه؛ فلذلك وصف بذلك على أنه حال له. وقرئ: (هدى ورحمة) بالرفع على أنه كلام مستأنف، أي: هذا الكتاب الكريم الحكيم هو هدى للناس ورحمة لهم، يهديهم من الضلال ويرحمهم من العذاب. وقوله: (لِلْمُحْسِنِينَ)، أي: للمؤمنين الذين أحسنوا طاعة ربهم والقيام بدينه، والإحسان يأتي في المرتبة الثالثة في بيان الإيمان والإسلام، وقد سئل ﷺ عن الإيمان فذكر المعتقدات فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر)، وسئل عن الإسلام فذكر الشريعة المطهرة: أن تصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن تصوم شهراً من كل عام، وأن تزكي مالك، وأن تحج بيت الله الحرام ثم سئل عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فالإحسان هو: أن تعبد ربك العبادة الخالصة له كأنك تراه ببصرك، فإن لم يمكن ذلك ببصرك فليكن ذلك في ضميرك ونفسك، وما تصل له بيقينك فعلى الأقل أن تعتقد اعتقاداً جازماً قاطعاً بأنك إن لم تره فإنه يراك، فإذا كان العبد يعبد الله تعالى ويعلم بأن الله يرى عبادته وقيامه وقعوده ويراه في ليله ونهاره ويستحضر هذا في نفسه فإن عبادته تكون خالصة من أن ينالها رياء أو سمعة أو إشراك بغير الله، وذاك المراد. قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٣ - ٤]. فهؤلاء المحسنون هم الذين يقيمون الصلاة، ونرى ذكر الصلاة يأتي دائماً بعد الشهادتين والعقائد والإيمان بالله وبكتابه وبرسله. وإقامتها: إتيانها في أوقاتها بأركانها وواجباتها وشرائطها مع الخشوع والاطمئنان والأذكار المذكورة والمطلوبة في الصلاة، تلاوة وتسبيحاً وتعظيماً وتكبيراً وقياماً وركوعاً وجلوساً وسجوداً، والصلاة هي: أفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير منتهية بالتسليم. فالمقيم لهذه الصلاة بكل أركانها وآدابها هو من المحسنين. قال تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان:٤]، أي: يزكون أموالهم، والزكاة في لغة العرب: التنمية والنماء والزيادة، وظاهر الفعل أن الزكاة: النقص، أي: أنك ستنقص من مالك قدراً تؤديه لمن ذكر الله من الفقراء والمساكين ومن إليهم، ولكن هذا النقص هو زيادة في الحقيقية، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]. فالزكاة تنمي المال وتضاعفه وتكثره ما دمت تؤدي حق الله فيه، وحق الفقراء والمساكين، وحق القرابة وذوي الأرحام كما أمر الله ﷻ . قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٤]، كررت (هم) للتأكيد، أي: هم يوقنون بالآخرة دواماً واستمراراً، وإيمانهم بالآخرة وبيوم القيامة والبعث وعودة الأرواح إلى أجسادها يوم عودة الحياة ثانية لا شك فيه ولا ريب ولا تردد، وذلك يقين في القلب، وهذه عقيدة يوقن ويؤمن بها المسلم وإلا لكان شاكا ًمرتاباً متردداً، والشك والارتياب كفر، وقد بنيت عقيدة المسلمين على اليقين القاطع الذي ليس فيه شك ولا ارتياب. فهؤلاء المحسنون الذين يقيمون الصلاة ويؤدون الزكاة مع إيقان ذلك في أنفسهم عقيدتهم ثابتة بأنهم فعلوا ذلك لله ولما أمر به، وما نزل على نبينا ﵊ من وحي ورسالة، وهم يوقنون بأن يوم الآخرة يوم حق، فهم يعملون لذلك، حتى إذا عرضوا على الله وسئلوا عن أعمالهم كانوا موقنين متأكدين غير شاكين ولا مرتابين في يوم البعث.

стр. 1241

تفسير قوله تعالى: (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٥]. أي: أولئك الموقنون بيوم القيامة المصلون المزكون المحسنون في عبادة ربهم على هدى من ربهم، فهم على هداية وعلى بيان وحق وعلى نور من أمرهم. قال تعالى: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، الذين أفلحت وجوههم وطابت أعمالهم وزكت عبادتهم فقبلها الله منهم، فكانوا مفلحين بالفوز والنجاة من النار، وبالنجاح يوم القيامة عند العرض على الله يوم الحساب، وبالانتقال من النار ومن غضب الله إلى الجنة خاتمة المطاف. فهؤلاء المحسنون المصلون المزكون الموقنون على هداية وعلى فلاح، وهم الذين يقبل الله أعمالهم وعقائدهم، ويجعلهم من الفائزين يوم القيامة حقاً.

стр. 1242

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله) قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]. يقول ربنا ﷻ : من الناس ناس يشترون لهو الحديث ويدعون الحق في حديثهم، ويتركون كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ثم يذهبون يبذلون مالهم ووقتهم يشترون به اللهو والباطل؛ (ليضل عن سبيل الله بغير علم) أي: لتكون عاقبة عملهم ونهاية مطافهم فاللام للعاقبة، أو يفعلوا ذلك من أجل أن يضلوا، وتكون اللام لام العلة. وإن كانت للعاقبة فإن ذلك بالنسبة للمسلمين، أي: إن فعلوا ذلك فإنما يفعلون ما تكون عاقبته ضلالاً ومعصية وباطلاً. وإن كانت اللام للتعليل فالمعنى أنهم فعلوا ذلك لعلة شراء الباطل واللهو؛ وليضلوا بذلك عن سبيل الله، أي: فعلوه عن نية سابقة وقصد ثابت؛ ليتخذوا من الضلالة هداية مستهزئين بدين الله وبكتابه، أي: ليتخذوا ذلك هزواً ولعباً. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]، فالله يعذبهم العذاب المذل المهين؛ جزاء ما لعبوا في الدنيا واستهزءوا بالحق واشتروا اللهو والباطل. وعن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وجماهير التابعين والأئمة وأقسم ابن مسعود بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات بأن اللهو هنا هو الغناء والمزامير وما يلهيك عن الله وكتابه وعبادته، واستشهدوا على ذلك بقول النبي ﵊: (لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن، ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام) أو كما قال ﵊. فالقينات والمغنيات والجواري لا يجوز شراؤهن لهذا المعنى، قال ذلك الصحابة، وممن قال ذلك من التابعين سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب في طائفة من كبارهم وجماهيرهم، فقالوا: إن اللهو هو المزمار وآلات الغناء، وهو الغناء المشغل عن الله الذي تشغل به زمانك وحياتك كلها من الصباح إلى المساء ومن الليل إلى النهار، وتشتريه ببعض المال؛ لتضل عن سبيل الله، ولتنتقل من الهداية إلى الضلال، وتتخذ ذلك هزواً بالآيات وبالإسلام وبالحق الذي جاء عن الله، فهذا الغناء والمجون إذا اشتريتها بمالك فقد اشتريت اللهو بمال وثمن، وعندما تعكف عليهما ليلك ونهارك والناس يعبدون الله ويصلون ويصومون ويتلون ويتهجدون، وأنت من رواية فاسقة إلى مغنية داعرة إلى كلام يدعو إلى الباطل والفحشاء إلى أنواع من الخنا ومن الفحش، ومما لا يجوز من هتك الأعراض وذكر المرأة ومداخلها وبواطنها فقد اشتريت اللهو الباطل بالمال وبالزمن، تركت الحق والعمل بالحق، وذاك باطل ولهو يشغلك عن الله وآياته والدين الحق. والله عندما يقول: (ومن الناس) أي: من الناس الذين يزعمون الإسلام ومن الناس الكافرين كذلك من يتخذ الغناء والطرب وآلاتهما بكل أشكالها مع المغنيات وكشف أعراضهن وأصواتهن المتخنثة المتكسرة وكلامهن الفاحش، من ذكر محاسن المرأة التي لا تربطك بها رابطة، ورؤيتك لشعرها وخصرها وهتكها لبطنها ولعبها بجسدها، وذاك الباطل الذي لا يجوز أن تشغل به نفسك، زيادة على أنك تدفع فيه المال وتشتريه، فالمال في ذلك حرام أخذه أو دفعه، مع ضياع المال والوقت، وترك عبادة الله وتلاوة القرآن والصلاة والصيام والزكاة والذكر والتهجد والاعتكاف وكل أنواع العبادات، فيدع هؤلاء الناس الذين قال الله عنهم: (ومن الناس) كل ذلك، ويشترون الباطل بالمال، ويضيعون الزمن في سبيل ذلك. ولهو الحديث هو: الحديث الباطل والذي ليست نتيجته ونهايته إلا الإفساد، من إفساد الرجال والصبيان والنساء والبنات والخدم عن الحق، وشغلهم بالباطل، وتهييج أفكارهم وما في نفوسهم للفاحشة وما يرتبط بها قولاً وعملاً. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] فهو يفعل ذلك وهو لا يعلم أن الله حرم ذلك، ومنع منه، مع أن العقل السليم يأمرك ألا تبذل المال فيما يضر فكرك ومالك وزمانك وما يضيع عليك ما ينبغي أن تشتغل فيه بالحق لتدخره ليوم القيامة عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، وهذا الزاد الذي ستقدمه بين يديك يجب أن يكون عبادة وتلاوة وذكراً وأنواعاً من العبادات منوعة ومشكلة، فلا تذهب فتتزود بالباطل وباللهو، فإنك بذلك تجهد نفسك يوم القيامة؛ لأنك قد تزودت بكل غث وباطل وزهيد بما لا تعود عليك نتائجه إلا بالكفر والإفساد والباطل الذي لا حق فيه ولا نور ولا ضياء. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦]. أي: ليكون ضلالة، فاللام لام العاقبة في تفسير وقول، أي: لتكون العاقبة والنتيجة لمشتري الباطل والضلال والفساد والظلمات بعضها فوق بعض بغير علم من الله ولا دليل له ولا برهان من عقل أو نقل، فهو يتصرف تصرف الجاهل البعيد عن الحق عملاً وقلباً، والبعيد دليلاً عقلياً ونقلياً من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان:٦]، أي: يتخذ آيات الله ودينه ورسالته هزواً يهزأ بها ويشتغل بالباطل، ويهزأ بالعبادة الدائمة ليلاً ونهاراً، وفي كون الإنسان يركع ويصلي، فمن وصل إلى هذا فقد وصل إلى الكفر والشرك، وليس بعد الكفر ذنب، وقد يكون ذلك عن جهالة، ولكن العاقبة تكون انتقاله من الهداية إلى الضلال ومن النور إلى الظلام. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]، أولئك الذين يشترون اللهو الباطل بالمال؛ ليكونوا مستهزئين بالحق وبالنور لهم عذاب مهين، أي: يهينهم الله بعذابه ويذلهم، فيتحملون أنواع المهانة؛ جزاء ما كانوا يظنون أنهم في دار الدنيا يشترون السرور والعزة والراحة وما ظنوه حقاً وسلواً وإذا به العذاب المهين يوم القيامة. ويدخل في ذلك كل ما يلهي عن الحق وعن الصلاة والتلاوة وعن العبادة، فما شغل الإنسان عن وقت الصلاة وكان حاملاً على السباب والشتائم وكان سبباً إلى القطيعة بين الأرحام والأصدقاء يدخل في الآية، وما آل للباطل فهو باطل، وما آل للحرام فهو حرام، فقطيعة الأرحام وما يوصل إليها حرام، ومقاطعتك المسلم لدنيا ولباطل حرام، فما يوصل إلى ذلك فهو حرام، ومن ذلك الشطرنج. وبعض السلف أباح لعب الشطرنج وهم قلة قليلة، وروي ذلك عن الإمام الشافعي وإبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن أبي وقاص من علماء المدينة وأئمتها وعن الكثيرين، وقالوا عن الشطرنج: يعلم الرأي والفكر والسداد، ولكن ذلك إذا كان لا يشغلك عن الصلاة والعبادة وتعلم العلم وما يكفيك في حياتك للمعيشة ولا يحوجك للناس ولا يبذل ماء وجهك للناس. على أن أكثر الذي ولعوا بلعب الشطرنج يشتغلون به الليل والنهار، ويشغلهم عن الصلوات، فيصلونها جميعاً وينقرونها نقراً، ولا يفكرون بعد ذلك في مصلحة دينية ولا دنيوية، ونعلم من ذلك الكثير الكثير مما كان سبباً لخصامه مع أهله والافتراق بعد ذلك والطلاق، وأحدهم كان يغيب عن زوجته الليالي ذوات العدد، فإذا عاتبته ولامته صاح في وجهها، فنشأ عن ذلك الخصومة والغث من القول، وكانت النتيجة الطلاق. فإذا كان الشطرنج أداة باطل ولهو وتمزيق الأسرة وقطيعة الرحم فهو مما حرمه الله وأجمعت عليه الكتب السماوية والرسل في جميع رسالاتهم، وزاد ذلك بياناً خاتم الرسل ﷺ في كتابه الخاتم للكتب، فهو يدخل في هذه الآية.

стр. 1243

سبب نزول الآية وقال قوم: إن سبب نزول هذه الآية أن النضر بن الحارث أحد المشركين من كفار مكة الذين عاندوا رسول الله ﷺ والمسلمين وقد خرج أخيراً في غزوة بدر يقاتل رسول الله ﷺ والمسلمين، فأسر، فقتله ﷺ صبراً كما قتل عقبة بن أبي معيط. كان يرحل إلى فارس والروم فيأتي بقصص عن ملوك الروم وأكاسرة الفرس وخرافاتهم وحكاياتهم إلى مكة، فإذا رأى رسول الله ﷺ عند الكعبة وهو يعلن للناس كتاب الله ويقرأ عليهم من آياته يقول لهم: لا تذهبوا إلى محمد، وائتوا إلي فأنا كذلك أحفظ من القصص، وقد أتيتكم بقصص الفرس والروم وفيها من الغرائب والقصص ما يسليكم أكثر من ذلك، فكانوا يجتمعون إليه، وكان أحياناً يبذل على ذلك مالاً، وكان يأتي بالقينات والمغنيات، ويدعو إليه هؤلاء الذين يريدون الإسلام فيقص عليهم من تلك القصص، ويأمر الجواري بأن يغنين له، ويعارض بذلك رسول الله ﷺ في تلاوته للقرآن وذكره القصص التي أتى بها عن الأنبياء والأمم السابقة، ويقول لهم: إن حدثكم محمد عن عاد وثمود فأنا أحدثكم عن فارس والروم. وهذا السبب والنقل لو كانا صحيحين فقد قال علماؤنا في جميع آيات القرآن والأحاديث النبوية: العبرة في عموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالعبرة من الآيات ومن القرآن والسنة بما يؤديه اللفظ، وأما السبب ومن نزلت الآية فيه فذلك تاريخ لا دخل له في المعنى، إلا إذا احتيج لمعرفة البيئة والوقت الذي قيل فيه ذلك، ولعله يفيدك فائدة لم تكن في العموم، فتبقى الآية عامة.

стр. 1244

من أنواع لهو الحديث في هذا الزمان ومن لهو الحديث هذه الأفلام ودور السينما وأنواع الإذاعات والمسلسلات والروايات الضالة الباطلة التي تنشر الفاحشة والكذب والباطل. وهذه الأفلام العارية الداعرة الفاسدة ينفق عليها المال، وهذه الصحف والمجلات ما أكثرها! وما أقل أن ترى جريدة أو مجلة منها في أرض العرب والمسلمين لا تنشر من الفاحشة ومن الضلال ومن الكفر ومن المعصية ما تحارب به الله ورسوله ﷺ ! وهناك صحف ومجلات خصصت لهذا فقط، وفيها ما فيها من أنواع الفاحشة والدعوة إليها والسعي عليها، ويقرؤها فتياننا وفتياتنا، وفي ذلك من نشر الفاحشة والسوء والباطل ما تكون هذه الآية في شرحها وبيانها كأنها أنزلت من أجلها وهي كذلك. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] فذاك لهو الحديث يشتريه وقد يبالغ فيسافر من أجله ويشتري تلك الأفلام ويجعل لها عرضاً في بيته، ويدعو الناس للتفرج والسهر عليها، وعباد الله المؤمنون في بيت الله يتهجدون لله قائمين وساجدين وذاكرين وعابدين وأولئك مع الشيطان، يهنيهم بفحشهم، وهكذا ليلهم ونهارهم، ويزداد هذا في شهر رمضان، ويجعلون ذلك من السرور واللهو، ويقولون عنه: اللهو البريء، وليس من البراءة في شيء، وإنما هو اللهو الباطل الفاحش الداعر الذي حرمه الله وتضيع فيه الأوقات. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان:٦] حتى إذا جاءه مؤمن في تلك الحالة وقال له: يا فلان! إلى متى وأنت تعتكف على هذه الأصوات، ومتى تتزود للآخرة؟ سخر منه وقال له: خذ أنت ذلك الزاد، واربح أنت ذلك الرزق، فلا حاجة لي فيه، فهذا هو الهزء بآيات الله وكتابه، وقائل ذلك مرتد كافر، قد خرج عن الإسلام بذلك. أما الكافر من أصله فلا يستغرب ذلك منه، إذ ليس بعد الكفر ذنب، وهو بكفره فعل ذلك أو لم يفعله خالد مخلد في النار أبداً سرمداً.

стр. 1245

حكم الألعاب الرياضية والألعاب الرياضية إن قصدت للجندية؛ لتقوية البدن وإعداد النفس للجهاد في سبيل الله، ومن ذلك الكرة واللعب بالسيف والفروسية على الخيل وضرب الإشارة والأهداف والجري عدواً، فكل ذلك مطلوب شرعاً، بشرط ألا يشغلك ذلك عن وقت الصلاة، ولا يكون فيها باطل من سباب وشتائم وخصومات قد تصل إلى الضرب أو إلى القتل، فإن وصل إلى ذلك فهو مما حرم الله ونهى عنه. ولكل شيء بداية ونهاية، فلا يجوز تجاوز الإنسان معاني الرياضة من الألعاب الرياضية التي تقوي البدن وتعين الشخص على الجهاد والقتال، وقديماً قالوا: العقل السليم في الجسم السليم، فإذا فعلتها ليسلم بدنك وتكون أعضاؤك لينة قابلة لحمل السلاح براً وبحراً وجواً مستطيعاً للركوب على الخيل إن احتجت إلى ذلك للجهاد وللقتال، فهو بهذه النية لمن يفعله يعتبر عبادة وأجراً وثواباً، وأما أن يشغلك عن الصلاة حتى يخرج وقتها فهذه كبيرة من الكبائر، ولقد قال علماؤنا وسلفنا الصالح: من ترك الصلاة كفر، وتركها أن تخرج فرضاً واحداً عن وقته بلا عذر شرعي، ففاعل ذلك يعتبر متهاوناً في الصلاة وتاركاً لها، فإن أداها فقد ارتكب كبيرة فليستغفر الله ولا شيء عليه غير ذلك، فإن كرر ذلك عزر، والتعزير عند بعض الأئمة عشر جلدات، وقد تزيد على ذلك إن أصبح ذلك سمة وعادة وخلقاً لهذا المتهاون بالصلاة المخرج لها عن أوقاتها.

стр. 1246

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها) قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٧]. وإذا تتلى على هذا الإنسان الذي يشتري لهو الحديث والباطل بماله ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٧]. أي: هؤلاء الذين يشترون الباطل ولهو الحديث بالمال إذا ذكرتهم بالله وتلوت عليهم كتاب الله وذكرتهم بالحلال والحرام قاموا في وجهك وابتعدوا عنك كأنهم لم يسمعوا، ولغوا في كلامك واستهتروا بك وولوا وابتعدوا وأدبروا عن سماع كلامك. قال تعالى: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان:٧]. أي: كأن ثقلاً وصمماً في آذانهم، فهم يهزون أكتافهم مستهترين لاهين متلاعبين، وكأنك لم تقل وكأنهم لم يسمعوا. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان:٧]، أي: أعرض في حال تكبره وتعاظمه عن سماع الآية والدعوة الحق والموعظة الحسنة وأنه خلق للعبادة لا للهو، ولكل شيء قدر، وحتى اللهو، فإن كان فيكون بمقدار لا يبعدك عن العبادة بعد ذلك، ولا يكون الوقت والزمن كله لهواً وباطلاً. قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٧] فهؤلاء الذين يصنعون هذا يرفضون أن يسمعوا الكلمة والموعظة الحسنة، وإذا قيلت لهم أعرضوا عنها مستكبرين متعاظمين، وإذا سمعوها أظهروا أنهم لم يسمعوها، وكأن في أذنهم ثقلاً وصمماً وأنهم لا يسمعون بشرهم بعذاب أليم.

стр. 1247

تفسير سورة لقمان [٨ - ١١] وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات النعيم، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وذلك من فضل الله الذي خلق هذا الكون بسماواته وأرضيه، فيجازي المؤمنين من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد.

стр. 1248

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان:٨ - ٩]. يقرن الله العذاب بالرحمة ويقرن الرحمة بالعذاب، حتى تسمع الأذن في آن واحد عذابها ونذارتها إن هي عصت، وتسمع نعيمها وبشرياتها إن هي أطاعت وعبدت حقاً بلا رياء وكبر وشرك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [لقمان:٨]. الذين آمنوا بالله رباً وبالقرآن كتاباً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، وعملوا الصالحات، فأقاموا الصلوات الخمس في أوقاتها بأركانها وشرائطها، وصاموا شهر رمضان من كل عام، وأدوا الزكاة التي عليهم، وتركوا الباطل والمعاصي بكل أشكالها تركاً تاماً، فهؤلاء ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان:٨]، أي: يملكهم الله يوم القيامة الجنة، وليست جنة واحدة، بل جنات يتنعمون فيها، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين خالدين فيها خلوداً أبدياً. قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [لقمان:٩] وعد الله ذلك وعداً حقاً، فهو منصوب على المفعولية المطلقة، أي: قد وعد الله ذلك المؤمنين، فوعدهم بجنات النعيم الخالدة الدائمة أبداً، لا موت فيها ولا انقراض ولا نهاية لنعيمها ولذائذها وسعادتها، وذاك وعد الله الحق الذي ليس بالباطل ولا بالكذب، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١]؟ لا أحد. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان:٩] الله العزيز الذي لا يغالب ولا يقاوم، وليس لأحد في الأرض ولا في السماء أن يغالب ربه، لا من المؤمنين ولا من الكفار، فالجبابرة الطغاة لا يمكنهم ولا يستطيعون ذلك. والحكيم هو: الذي يضع الأمور في مواضعها، فما أحل أو حرم فكل ذلك بحكمته لصالح العباد، وكما قال ابن مسعود وابن عباس ﵄: إن هذه العبادات التي قد نتعب فيها ونبذل لها من أوقاتنا وأزماننا وصحتنا لا ينال الله منها شيء، قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فهي كلها لكم أيها الناس! فلكم أجرها وثوابها، وأنفسكم خدمتم ولها قدمتم، فإن كفرتم فإن الله غني عن العالمين، فلا يضر الله كفر الكافرين ولا ينفعه إسلام المسلمين.

стр. 1249

تفسير قوله تعالى: (خلق السماوات بغير عمد ترونها) قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان:١٠]. يقول ﷻ : هذه السماوات التي ترونها الله هو الذي خلقها جميعاً بغير عمد، وهي قائمة بقدرته وبإرادته، وأنتم ترونها بأعينكم بغير عمد، فمن الذي حملها على ثقل جرمها وأطباقها طبقاً عن طبق؟ ومن الذي حملها في هذا الفضاء الواسع؟ ومن حمل ما بين السماء والأرض وحمل هذه الأرض وهي بغير عمد نراها؟ قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان:١٠]. الرواسي جمع راسية، والراسية هنا الجبل، أي: ألقى فيها وثبت جبالاً في مختلف قارات الأرض وبقاع العالم في مشارق الأرض ومغاربها في جميع القارات، فهذه الجبال كانت لحكمة إرساء الأرض أن تميد بكم، أي: كي لا تميد بكم ولا تضطرب وتميل براكبيها والمقيمين عليها، فتصير تارة بطناً وتارة ظهراً، فلا تكاد تقيم بناء بل ولا يستطيع أحد القيام على رجليه، فأرسى الله الأرض بالجبال؛ لكي لا تميد ولا تضطرب ولا تميل بساكنيها وبالمقيمين عليها، فالله خلق الجبال لحكمة، وهو قد وصف نفسه بالحكيم، والحكيم هو: الذي يضع الأمور في مواضعها. والعمد: جمع عمود، وهو الذي بناها فلم يحتج فيها إلى عمد، ونحن كذلك نراها محمولة بغير عمد، وهذه لا تحتاج إلى دليل لا من عقل ولا من كتاب، ونحن نراها رأي العين، ومثل ذلك الأفلاك العلوية جميعها والتي لا يحصي عددها إلا الله، ومثل ذلك الأرضين من الأولى إلى السابعة حملها ثم خلق عليها الجبال وأرساها بها كي لا تميل ولا تضطرب وإلا لمادت بنا واضطربت ولما حملت بناء ولا قائماً على رجليه، فالأرض تحتاج إلى من يرسيها، وقد خلق الله لها الجبال فأرستها وأقامتها حتى لا تضطرب. قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [لقمان:١٠]. أي: بعثر وشتت ووزع في مختلف بقاع الأرض من جميع ما يدب على وجه الأرض ممن يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى بطنه، ولم يذكر الطائر؛ لأنه قبل أن يطير كان يمشي على رجليه، ولا يبقى طائراً دوماً، بل يمشي على رجلين ثم يطير فينزل، ثم يطير، وهذه الدواب التي تدب على وجه الأرض من كل شكل ومن كل نوع لا يحصي عددها إلا الله، ولا يعلم أنواعها وأشكالها من الطير والحيوانات والحشرات إلا الله. وقد ذكروا في الصحف أنه اكتشف في أرض الفلبين تسعة آلاف جزيرة، وأكثر هذه الجزر خالية لا يذهب إليها أحد، ولا حياة فيها، فنزلوا في جزيرة فوجدوا فيها براكين قد طفئت ووجدوا في فوهتها حفرة حفرها بعض البشر من العصور الحجرية، وهم أناس يلبسون جلوداً من جلود النمور والضباع، ولا يفهمون لهم قولاً ولا كلاماً، وهم أشبه بالحيوان منهم بالإنسان وإن كانوا أجساداً كاملة بيدين ورجلين وسمع وبصر، ويعيشون على ما يصطادونه من البحر ومن الطير وحشرات الأرض، وقد حاولوا بكل ما يملكون أن يتفاهموا معهم فلم يتفاهموا، وذكروا أن أعدادهم عشرات وليسوا بالكثير وهذا أشبه بما قص الله علينا من قصة ذي القرنين الذي بنى السد، وذكر الله أنه وصل إلى أقوام لا يكادون يجيدون القول ولا الكلام، ولا يكاد يتفاهمون. ولا تزال أرض الله فيها من الغرائب والعجائب، وكل مرة يقولون: قد علمنا، ثم يجدون أنفسهم لا يعلمون شيئاً، وهذا كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فقد علموا بعض الظواهر وخفيت عنهم جميع البواطن والكثير الكثير من الظواهر كذلك. وأما إذا جئنا إلى البحار وما في أعماقها وإلى الأجواء وما بين الأفلاك والأنجم والكواكب فهم أجهل بذلك، وأما معرفتها فكما قال الله: ﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧] فما الذي أغفلهم وأبعدهم عن العلم الحق والمعرفة بالله وإلى ما تئول بهم الحياة؟ قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان:١٠]. أي: وأنزل تعالى من السماء غيثاً مطراً فأنبت بهذا المطر من كل زوج كريم، ومن كل شيء زوجين. وهكذا خلق الله الخلق ذكراً وأنثى، لا يدومون إلا إذا كان الذكر مع الأنثى، الذكر يلقح والأنثى تتلقى، وهكذا يدوم النوع باللقاح وباللقاء بين الذكر والأنثى، وهكذا قل في النبات وفي الحيوان وفي الحشرات وفي الإنسان، فإذا اندثر فرع فمعناه لم يبق ذكر وأنثى بسبب انقراضهما، وكما يذكرون فقد انقرضت أنواع كثيرة من الحيوانات التي وجدوا آثارها قديماً في الحفريات التي حفروها، وهي لا تعرف اليوم، ويتخوفون أن يندثر الكثير الكثير من أنواع الحيوانات التي كانت بكثرة في الأرض، ثم قلت نتيجة الصيد والتجارة والحيوانات التي يصادونها في اللعب والفرجة وجمع المال بذلك. ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان:١٠]. قال الشعبي: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان:١٠] إنسان وحيوان ونبات، فالإنسان أيضاً من الأرض، وخلق من الأرض، وأصلنا من التراب، ومن التراب تكونا بعد ذلك، وخلقت أمنا حواء من ضلع أبينا آدم كما أخبر القرآن وبين ذلك رسول الله ﷺ ، وجميع النباتات والحيوانات وما يدب على الأرض خلق الله منه زوجاً، أي: اثنين ذكراً وأنثى، ونوح أخذ معه في السفينة من كل شيء زوجين، ذكراً وأنثى من أنواع الدواب والحيوانات وغيرهما؛ حتى تعود الحياة بعده مرة ثانية على وجه الأرض. وكريم أي: مبهج، كما قال تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، أي: يبهج النظر، وهو الأحسن في النظر والأكرم في نفسه حسناً وبهاء وبهجة.

стр. 1250

تفسير قوله تعالى: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان:١١]. أي: يا هؤلاء! ويا أيها المشركون! ويا أيها الكافرون! هذا خلق الله، فهذه السماوات مرفوعة بغير عمد، والدواب المبثوثة في مختلف بقاع الأرض والأمطار التي تنزل غيثاً لكل زوج كريم بهيج في الأرض هي خلق الله، خلقها بقوله: (كن) فكانت. قال تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١]، أي: هؤلاء الذين تشركونهم مع الله وتجعلونهم شركاء معه أخلقوا خلقاً مثل خلقه؟ أم لهم سماوات انفردوا بخلقها أو أعانوا في خلقها؟ وهل هناك إنسان خلقوه؟ وهل أنتم ممن خلقوه؟ وهل رزقوكم أو أطعموكم أو أحيوكم أو شفوكم من مرض؟ وهل نفعوكم أو ضروكم؟ فإذا كان الأمر كذلك ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١]، فهؤلاء الشركاء الذين جعلتموهم شركاء مع الله ماذا خلقوا؟ ودع عنك هذا الكلام أيها السامع! فهو إنما يجادل به هؤلاء ليقفوا على جهلهم، وليقف المؤمنون ويزدادوا إيماناً ويقيناً بأن هؤلاء كفرة لا منطق لهم من عقل ولا من نقل ولا من فهم ولا من رسالات سماوية ولا من فلسفات أرضية، وإنما هي جهالات لا يقولها إلا مجنون ذاهب العقل والفهم. قال تعالى: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان:١١]. أي: بل المشركون، والظلم هنا: الشرك، والمعنى: بل الكافرون في ضلال وضياع وظلام، في كفر وشرك مبين ظاهر لذي عينين وعقل وفهم وإدراك، فهم لا دليل لهم على شركهم ولا برهان لهم على أعمالهم ولا شركائهم، فهم لم يخلقوا خلقاً كخلق الله أو يعينوا في خلق الله، فهم أبعد وأذل وأجهل من ذلك، وهم خلق من خلق الله، ولكن هؤلاء ضلوا فأضلوا، واتخذوا من الحجارة ومن خلق الله شركاء: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣].

стр. 1251

تفسير سورة لقمان [١٢ - ١٥] من عباد الله الصالحين لقمان ﵇، فقد آتاه الله الحكمة فكانت تتفجر من بين ثناياه، وله وصايا عظيمة كثيرة، ومنها ما ذكر في القرآن من موعظته لولده بالتوحيد والحذر من الشرك، ثم طاعة الوالدين.

стр. 1252

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) قال الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢]. لقد نوه الله بذكر لقمان وأشاد باسمه وخلده مع الخالدين وكأنه نبي من الأنبياء، وما هو عند الجماهير إلا ولي من الأولياء وصالح من الصالحين وحكيم من الحكماء. فـ لقمان جعل الله منه مثلاً لمحاسن الأخلاق والحكمة، ولنشرها وإذاعتها بين من يجب عليه أن يتحلى بمكارم الأخلاق التي جاء بها الإسلام، وجاءت بها قبل الإسلام الأديان السابقة، ولكن الإسلام أتمها وأكملها، وقال صاحب الرسالة المحمدية: (إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق). اختلف العلماء في حقيقة لقمان: من هو؟ وفي أي عصر كان؟ وهل هو نبي أو ولي؟ فجماهير العلماء على أنه صالح من الصالحين، وحكيم من الحكماء. وهناك رواية عن عكرمة مولى عبد الله بن عباس أنه قال عنه: إنه نبي، والطريق إليه لا تصح، ولو صحت لكان قد انفرد بقول لم يقل به غيره. ولم يذكر الله عنه نبوة ولا رسالة، وإنما ذكر أنه آتاه الحكمة. وقيل: إن لقمان حفيد ابن عم إبراهيم خليل الرحمن وأبي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل: هو ابن أخت أيوب نبي الله، وقيل: هو ابن خالته. وعلى هذا فهو حر من الأحرار ذو نسب معلوم، إما من عشيرة إبراهيم، أو هو من حكماء بني إسرائيل، وكل هذا قد نقل عن بني إسرائيل ولا يعتمد، ولم يأت فيه شيء صحيح عن رسول الله ﷺ ، وإنما الذي صح هو ما في الآية الكريمة، وأنه حكيم من الحكماء أنطقه الله بالحكمة فتفجر بها لسانه، وأصبح ينطق بها بما لو جمع لملأ مجلدات ضخمة منذ العصور الساحقة إلى يوم الناس هذا. وقال قوم: هو حبشي، وقيل: نوبي. وقيل: هو عبد كان لبني حسحاس يرعى إبلهم ويخدمهم خدمة الموالي لساداتهم، ووصفوه بالسواد وبالمشافر وبالشعر المفلفل وبشق القدمين وبالفطس. ولو كان كذلك لم ينقصه ذلك شيئاً في مقامه وفي حكمته، فالإسلام لم يفرق بين الألوان والأجناس: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، وقد كان المولى من سادات الصحابة كـ بلال مؤذن رسول الله ﵊، وكذلك جهجاه أجير عمر بن الخطاب ﵁، وكان هكذا الكثير من السلف، وما زادهم ذلك إلا ذكراً وصلاحاً واتباعاً وقدوة بين المؤمنين. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] يقول ربنا ﷻ بأنه آتى لقمان ومنحه وأكرمه بالحكمة. والحكمة هي: الفقه والفهم والعلم، وإصابة المحز في القول والفعل، ولقد كان لقمان حكيم اللسان والقلب، حكيم النصائح والمواعظ، والله ﷻ سيقص علينا في هذه السورة التي سميت به نصائح منه ومواعظ لولده. فقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢] أي: آتيناه العلم والفهم والإصابة فيما يقوله ويفعله ويدعو له، قالوا: رآه مرة عبد زنجي فقال له: ألست كنت معي راعياً لأغنام بني فلان، قال: بلى، قال: بم نلت ما نلت؟ قال: لأني لم أشتغل إلا بما يعنيني، ولم أر يوماً فيما يعتبر لهواً وباطلاً، وأقول القول إذا علمته، وأسكت عما لا أعلم، وأحترم من سبقني بالعلم والسن والفضل، ومع ذلك أعترف لله بالفضل وبالإكرام، فهذا الذي أنزلني ما تراه! وهكذا: العلم يرفع بيتاً لا عماد له والجهل يخفض بيت العز والنسب ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] أي: أن تشكر لله على ما أعطاك يا لقمان، والشكر يكون باللسان وبالجنان وبالأركان، فالشكر على المال الإعطاء منه نفقات وصدقات وزكوات واجبات ونوافل، والشكر على الحكمة أن تؤديها كما ملكتها لمن لا يعلمها، فتعلم الناس الحكمة وتوجههم إلى الخير، تلك زكاتها وذلك شكرها، مع القول باللسان: أشكر الله على ما تفضل به. وقوله: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢] أي: من شكر ربه وحمده على ما أعطاه فهو في الحقيقة يشكر نفسه، ولها قدم، ومن أجلها عمل، فثمرة الشكر أن يكون صاحبه من أهل الخير ومن أهل الجنة، ممن رحمهم ربهم ورضي عنهم، ورفعهم إلى درجات الصالحين والصديقين والحكماء. إذاً: الشكر على الحكمة والشكر على المحاسن والمزايا والمكارم هو شكر الإنسان لنفسه، وأجره وثوابه له، والعاقبة للمتقين. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢] أي: ومن جحد النعمة وكفرها ولم يعترف بها ولم يشكر الله عليها فإن الله غني عنه، وهو المحمود في السماوات والأرض، وهو صاحب الحمد المطلق على ما أولى به وأنعم وما خلق ورزق وهدى. فكفر الكافرين لا ينقص من ملك الله شيئاً، وإيمان المؤمنين لا يزيد في ملك الله شيئاً، وإنما من كفر فنفسه أضر ومن شكر فنفسه نفع.

стр. 1253

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. أي: اذكر يا محمد وتذكر لقمان عندما أخذ يعظ ولده بالحكمة ويعلمه إياها، وكان أول ما قال له: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. فأول حكمة علمها لولده بألا يجعل مع الله شريكاً ولا نداً، وإنما يعبد الله الواحد الذي لا ثاني له في ذات أو صفات أو فعال، وبأن يمحص الله الوحدانية وأنه الرب والإله الواحد الخالق الرازق، لا ثاني معه ولا مؤازر ولا شريك، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. قال وهو يعظ ويعلم ويرشد ولده: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، أي: الشرك أعظم أنواع الظلم، ولا ظلم أكبر ولا أعظم منه؛ لأنك ظلمت الحق فأزلته عن مكانه وأعطيته باطلاً لما ليس له ولا يستحقه، ونزعت الألوهية برأيك الضال وأعطيتها مخلوقاً مرزوقاً، وأعطيتها من لا يضر نفسه ولا ينفعها، وأعطيتها لمن خلقه الله، ثم أنت ظلمت نفسك بابتعادك عن الحقائق، بأن جعلتها وصنفتها مع المشركين الكافرين، ومن صنع ذلك بنفسه فقد أهلكها وأوردها المهالك، وقد أخلدها مع المشركين والكافرين وابتعد عن عباد الله الصالحين. ومن أجل ذلك كان الشرك ظلماً، بل كان أشد أنواع الظلم، والله تعالى عندما يقص علينا قصة لقمان الحكيم بمواعظه وحكمه لولده إنما يرشدنا لأن نتخذ من تلك المواعظ حكمة وعلماً وفهماً، وأن لقمان قد وصفه الله بالحكمة وآتاه الحكمة، وأن ما علمه ولده يجب أن يتعلمه كل الناس كباراً وصغاراً رجالاً ونساء، فحكمته هذه التي قصها الله علينا في كتابه ينبغي أن نتخذها حكمة لنا، ونتخذ لقمان في ذلك أستاذاً ومرجعاً في مثل هذه المحاسن من الأخلاق والإيمان بالله، والكفر بالمشركين ممن لا وجود لهم ولا حقيقة لهم ولا ثبات. ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ [لقمان:١٣] (يا بني) قرئت: (يا بنيي) وقرئت مسكنة (يا بنيْ) وكلها في القراءات السبع المتواترة، وكلها بمعنى واحد. فهو ينادي ولده متحبباً مدللاً له بالتصغير: (يا بني)، وبني تصغير ابن، فقد يكون صغيراً، وهو صغير على أي اعتبار بالنسبة لوالده، وقد يكون شاباً كبيراً ولكنه يصغره تدليلاً له وتحبباً، لينقل عنه الحكمة ويعمل بما جاء فيها، والولد بدوره ينقلها لأولاده عندما يكونون، وهكذا تتسلسل الحكمة في سلالة لقمان ومن يسمعها فيتعظ بها. وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] من الشرك بالله ما زعم اليهود والنصارى عندما قالت اليهود: عزير ابن الله، وعندما قالت النصارى: الله ثالث ثلاثة، فهؤلاء أشركوا بالله وجعلوه ثلاثة، وأولئك أشركوا بالله وجعلوه اثنين، تعالى الله عن شركهم علواً كبيراً.

стр. 1254

تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن)

стр. 1255

معنى قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه) قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]. قيل: إن هذه الوصية هي من الله تعالى ذكرها بين وصايا لقمان لابنه وموعظته له، وقيل: هي من مواعظ لقمان، والسياق يقتضي ذلك وإن لم يكن التعبير مما يؤكده. قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ﴾ [لقمان:١٤] أي: أي إنسان من سلالة آدم وحواء ابتداء من أولاده لصلبه وأولاد حواء لرحمها. فالله أوصى وأمر وفرض ووجه وأرشد بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤] أي: أوصى الله الإنسان بوالديه حسناً، أمر ببرهما وطاعتهما فيما لم يكن فيه معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وأمر بالإحسان إليهما بالقول وبالعمل، وبخفض الجناح والصوت الهادئ، وبالكلمة اللطيفة، وبالإنصات والامتثال لكل ما أمرا به، حتى لقد قال فقهاؤنا: لو نادى الأب أو الأم الولد وهو في صلاته يجب أن يقطع الصلاة ويجيب الأب المنادي أو الأم المنادية، وقصة جريج العابد الصالح العارف مع أمه معروفه، قد قصها علينا النبي ﵊، وذلك أنه جاءته أمه تناديه وهو يصلي، وكان يقول في نفسه: اللهم أمي وصلاتي، فلم يجبها، فدعت عليه بألا يموت حتى يرى وجوه الفواجر والعواهر. وإذا بدعوتها قد استجيبت، وإذا بـ جريج على صلاحه وعلى اعتزاله الناس للعبادة في برج من الأبراج في مكان منفرد به يتهم بالفاحشة، حيث تأتي امرأة حامل وتقول: زنى بها هذا الصالح. فيجر الصالح إلى الحاكم مسبوباً ملعوناً مضروباً، وتهدم صومعته، وهم يسألونه: كيف تدعي الصلاح وتزني ببنات الناس، وعندما شددوا عليه قال: اسألوا الطفل الوليد، فقالوا له: أتسخر بنا؟ قال: ائتوا به، وإذا به يقول للطفل: من أبوك؟ فيقول: فلان الراعي. في هذه القصة كرامة للأم حيث دعته فلم يجبها، وعقوبة له حيث لم يجب أمه التي أوصى الله بها وبالأب، وجعل درجتهما تأتي بعد التوحيد، ولذلك يكثر الله في الكتاب الكريم ذكر التوحيد والدعوة إليه، ويعقب ذلك مباشرة بذكر البر والطاعة والإحسان بالوالدين: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤] ثم أكد على الأم فقال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] أي: حملته ضعفاً على ضعف ومشقة على مشقة، كان الضعف الأول والوهن عندما حملت به في أيام الأشهر الأولى، ثم كلما ازداد وكبر في بطن أمه ازداد وهنها وازدادت مشقتها، حتى ولدته بألم ومشقة وضعف، ثم أرضعته بضعف ووهن إلى أن يتم رضاعه، وتبقى ضعيفة وقتاً بعد وقت وزمناً بعد زمن، حال الحمل وحال الرضاع وحال الحضانة، إلى أن يشب ويقف على رجليه، وحتى بعد أن يشب تشب معه المشقة والتعب وتكبر مع جميع الأولاد، فهم عندما يكبرون لا تنقضي مشاقهم ومتاعبهم، ولكنها تكبر بكبرهم.

стр. 1256

معنى قوله تعالى: (حملته أمه وهناً على وهن) فقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] أي: حملته في بطنها وفي رحمها ضعفاً مضاعفاً وزمناً بعد آخر ووقتاً بعد آخر؛ ولذلك جاء عن النبي ﵊ أنه سئل: (من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك)، فأوصى بالأم ثلاث مرات وبالأب مرة واحدة، لأنها من جنس ضعيف ومن ضلع أعوج كما يقول المصطفى ﵊، فهي في بنيتها وفي فكرها ضعيفة، وجعل الله الوهن والضعف في الحمل عليها، فهي التي تحمل وهي التي تلد وهي التي ترضع وهي التي تحضن وهي التي تنشئ وتربي، فكان للوالدة على الوالد مزية في هذا؛ لأن الرجل قائم بنفسه، ومهما يكن من الولد فيجب أن يكون باراً بأبيه، ولكن الأب في الغالب هو مستغن عن الأولاد وليس كذلك الأمهات؛ لأنهن يتنقلن من ضعف إلى ضعف إلى ضعف إلى آخر أعمارهن. فالأم محتاجة إلى بر الأولاد وإلى رعاية الزوج، بل ومحتاجة إلى رعاية الأب إن بقي؛ فأوصى الله تعالى بالوالدين، وجعل الوصاية بهما بعد الدعوة لتوحيده والإيمان به، ومن هنا نعلم أن البر يأتي في الدرجة الثانية بعد التوحيد، والعقوق يأتي في الدرجة الثانية بعد الكفر والشرك بالله، (وسئل النبي ﵊: أي العمل أعظم؟ قال: لا إله إلا الله، قيل: ثم أي؟ قال: برك بوالديك). وظواهر الآي المتكررة بمختلف المعاني في كتاب الله تؤكد ذلك وتحض عليه، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] هي متعبة بحمل وكبر بطن ومشقة تتبعها أخرى إلى أن تضعه، وقد تموت قبل أن تضع، وقد تموت عند الولادة.

стр. 1257

معنى قوله تعالى: (وفصاله في عامين) وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]، أي: فطامه عندما يفصل عن رضاع أمه وثدي أمه يكون تمام ذلك عامين. وخلال العامين تتعب الأم فهي تأكل لنفسها وتأكل لولدها؛ لكي يكون في ثديها لبن؛ ليتغذى الوليد ويعيش، فهي إنسان مكون من إنسانين، وقد يكون الحمل توأماً، فهي تتكون من ثلاثة، فتراها تأكل لتطعم نفسها ولتطعم وليدها معاً. وفطامه في عامين كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]، وفي هذه الفقرة من الآية الكريمة يقول: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]، أي: فطامه، وفي الآية الأخرى يقول: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣]. فالرضاع نهايته عامان لمن أراد أن يرضع وليده عامين، وإلا فمن لم يرد لسبب أو بغير سبب أن يكتفي بأكثر من عام أو أقل منه فله ذلك، ولكن رضاع الطفولة يعتبر في هاتين السنتين السنة الأولى والثانية، فبناء على ذلك يقول تعالى في آية ثالثة: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]. مر علي كرم الله وجهه يوماً على عثمان في مجلس تحاكم فيه امرأة ولدت من ستة أشهر، يقولون: لم تتزوج إلا منذ ستة أشهر فكيف تلد لستة أشهر؟ وكانت تبكي وتصيح وتقول: والله ما كشف علي إلا زوجي وما عرفت الفاحشة في حياتي، وإذا بـ عثمان يأمر برجمها. فقال علي بن أبي طالب لـ عثمان: ألا تقرءون القرآن؟ قال: بلى، قال: إن المرأة تحمل لستة أشهر، قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقال عن فصاله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤]، فالعامان أربعة وعشرون شهراً فبقي إلى الثلاثين ستة أشهر، فإذا بـ عثمان يقول: قضية ولا أبا حسن لها فأصبحت مثلاً. وعلي ﵁ أوتي العلم، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وهناك من يحاول أن يطعن في الحديث مع أنه قد ورد عن عشرات من الصحابة.

стр. 1258

معنى قوله تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك) وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، لقد قرن الله شكره بشكرهما، وشكر الله توحيده، وشكر الله في الدرجة الأولى النطق بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وقد شكر الله من وحده، وشكر الله من عبده، وشكر الله يكون باللسان وبالجنان وبالأركان، وكل ذلك شكر لله. وشكر الوالدين طاعتهما وخفض الجناح لهما وبرهما في كل ما يقر أعينهما، وكذلك فيما يتعلق بسكناهما وبمعيشتهما، وفيما يتعلق بالأدب معهما، ذاك شكرهما الواجب الذي لا يجوز لإنسان ما أن يقصر فيه. وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، أي: إلي النهاية وإلي ستصيرون وتعودون في الحياة الثانية، وهذا فيه معنى الوعيد ومعنى البشرى، فمن صار إلى الله وبعث وهو موحد لله كافر بالطواغيت بار بوالديه فالله يجازيه بالخير، ومن جاء مشركاً عاقاً لوالديه أو جاء مؤمناً ولكنه عاق لوالديه فسيجزى الجزاء الأوفى يوم القيامة بعذاب السعير وبالآلام، إلا أن يغفر الله له أو يتغمده الله برحمته ويعفو الأب والأم عنه، فذاك موقوف عليهما. وقيل للنبي ﵊: (إن شاباً يحتضر للموت ويريد أن ينطق بالشهادة فيعجز، فسأل: لم؟ فقيل له: كان عاقاً لأمه، وطلب الناس منها أن تسامحه وهو الآن يموت فترفض، فجاء ﵊ إلى الشاب، وقال لأمه: سامحيه لعل الله ينقذه بك من النار، فقالت: لا أفعل، فكرر ذلك مراراً، فقالت: لا أفعل، فقال: إذاً نحرقه في الدنيا؛ فذاك أهون عليه من حريق النار يوم القيامة، فعندما رأت النار تشتعل وحمل ولدها بما أوهمت بأنه سيلقى في النار منعتهم، وقالت: أغفر له وأسامحه، فانطلق لسانه وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله). انظروا البر بالوالدين أخرس من أجله اللسان فلم ينطق بالشهادتين والتوحيد! وقد قال نبينا ﵊: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) وأول الناس الواجب شكرهم أبوك الذي كان سبباً في خروجك إلى هذه الدنيا، وأمك التي حملتك في بطنها تسعة أشهر وأرضعتك سنتين، وتحملت الكثير من أجلك، فيجب أن تُشكر الأم ويجب أن يُشكر الوالد، ويأتي شكرهما بعد شكر الله.

стр. 1259

تفسير قوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما) قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥]. أي: إذا أمرك الوالدان بمعصية الله وأمراك بالكفر والشرك فلا تطعهما، حتى وإن جاهداك وأجهدا أنفسهما وبذلا كل قدرة وطاقة على أن تشرك بربك وتكفر بدينك وتتنكر لنبيك فهنا لا يطاعان، بل يجب أن يعصيا؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذا أصل ودستور من دساتير المسلمين الذي هو في المادة الأولى من دستور المسلمين العام، فلا يطاع حاكم ولا ملك ولا رئيس ولا أب ولا أم فيما إذا أمروك بالكفر بالله، أو بشرب الخمر، أو بإلغاء أحكام الله وبجعل القرآن خلفك ظهرياً، وبعدم الاهتمام بدينك. وعلى ذلك فهؤلاء الحكام والدول التي تسمي نفسها دولاً إسلاميه وهي تبيح الربا وتبيح الخمر وتبيح المعاصي وتبيح الفواحش وتلغي أحكام الله أمراً ونهياً في محاكمها لا تطاع ولا كرامة، وإن أحلفوك بأن كنت قاضياً مثلاً -فإنهم يحلفون القضاة على القرآن وبالله بطاعة أحكامهم والخضوع لأحكامهم- فلا يمين ولا طاعة لمكره، على أن القضاء لأمثال هؤلاء حكم بالباطل، وتعاون على الشر والكفر، وتعاون على معصية الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] أي: إن بذل الوالدان الجهد من أنفسهما على أن تشرك بالله وتكفر به فلا تطعهما ألبتة، فإن أنت فعلت كنت في النار وبئس المصير؛ لأن الطاعة هنا تقف، الطاعة لا تكون إلا في معروف من شئون الدنيا، أما إذا بلغت أن تكون الطاعة في معصية الله فلا، فالله المطاع أولاً، والواجب أن يطاع الله في كل ما أمر به، وأن يترك كل ما نهى عنه. وسبب نزول هذه الآية كما قال سعد بن أبي وقاص: إنها من أجله نزلت هذه الآية، فقد آمن سعد وهو من الرعيل الأول من قريش من أهل مكة، وكان باراً بأمه في الجاهلية، فعندما أسلم وآمن امتنعت أمه عن الطعام حتى يعود إلى دين آبائه، فأبى ذلك، ثم عادت أمه فأكلت.

стр. 1260

تفسير سورة لقمان [٢٠ - ٢٦] من نعم الله على ابن آدم أن سخر له ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة، فكان عليه أن يعبد الله وحده، خاصة أنه يعلم أن خالق ذلك هو الله، لكن من الناس من يجادل في الله ويعبد غيره.

стр. 1261

تفسير قوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) قال الله جلت قدرته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠]. لا نزال مع ربنا ﷻ وهو يعلمنا من حكمة لقمان، ومن مواعظه، وما تخلل ذلك من آيات الله وبيناته، فمن ذلك قوله تعالى: (ألم تروا) والرؤية هنا المقصود بها رؤية القلب، التي تساعد على التدبر والتمعن. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان:٢٠] أي: يا أيها الخلق! ويا أيها الناس! من مؤمنين وكافرين، (ألم تروا). والاستفهام في الآية استفهام تقريري للبيان والتأكيد، أي: ألم تروا هذه السماوات السبع العلا، وهذه الأرضين السبع، وأن الله سخر ما فيها لكم، فسخر الأمطار لتنبت ما في الأرض والقمر والشمس يشعان على الناس وعلى النبات والأشجار، وسخر لكم الأجواء فأنتم تطيرون من إقليم إلى إقليم، ومن قارة إلى قارة، فتقطعون الأجواء، وتقطعون القارات من مكان إلى مكان، وسخر لكم الأرض بنبتها وزرعها وشجرها ومياهها وبحارها ودوابها، فكل ذلك مذلل ومسخر لك أيها الإنسان! ألا يكفيك ذلك دلالة على ربك، وعلى قدرته ووحدانيته وجلاله ﷻ وعز مقامه؟! ألا يحملك ذلك على شكر الله آناء الله وأطراف النهار. قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، أي: أن الله ﷻ أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة بمعنى أنه أتمها، ومنه إسباغ الوضوء، أي إتمامه أركاناً وأعضاءً واجبات ووسنناً. وكذلك أسبغ الله عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، فالظاهرة نراها، والباطنة نحس بها ونشعر بها، تلك التي سخرها لنا في السماوات والأرض، وسخر لنا ما عليها وما بينها على أن نعم الله لا تحصى، ألا يدعونا ذلك إلى شكر الله وحمده؟ وألا يدلنا ذلك على أن الله ﷻ هو الواحد القادر على ذلك، ولا أحد غيره؟ قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٠]، أي: مع كل هذا يوجد من الناس من يجادل في ربه، ويقول القول بغير دليل ولا برهان، ولذا قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠] أي: يجادل في ربه جاهلاً، لا علم عنده، سواء كان علم دنيا أو علم آخرة، فيجادل في الله بلا هدى، فهو لم يكن مؤمناً ولا مهدياً وإنما ضلاله وظلماته هي التي أوحت له أن يقول ما قال، وأن يجادل بما يجادل. فلا كتاب عنده يوضح الحقائق وينير البصائر، ويبعده عن الباطل، فالذين يجادلون في الله -وما أكثرهم- يجادلون في علم الله وقدرة الله ووحدانية الله، وهم مع ذلك في جهل وظلام وكفر، وفي إصرار على الجهل والباطل، ومعنى هذا أن الله ﷻ يحذرنا ويعلمنا ألا نفعل ذلك، وإلا كنا من الضالين المبعدين، وكنا ممن يرى ولا يبصر، ويسمع ولا يدرك، وممن لا يعي بقلب ولا بفهم ولا بإدراك.

стр. 1262

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]. أي: ومن الناس فئة أخرى، إذا وعظوا بأن يتبعوا ما أنزل الله في كتابه، وبينه رسوله من حلال وحرام، وآداب ورقائق، وعقائد وقصص، رفضوا ذلك بحجة تقليد الآباء وقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]. أي: إنما نتبع ونقلد ما وجد عليه آباؤنا من ضلال وكفر، ومن خروج عن الحق، ويفعلون ذلك بلا دليل ولا كتاب ولا إنارة قلب ولا علم ولا معرفة، وهذا هو التقليد الباطل للآباء وإن كانوا يعملون عمل الشيطان، ولو كان الشيطان هو الموحي لهم والذي يدلهم، وقد تركوا بذلك كتاب الله وسنة رسوله إلى الشيطان وإلى سنن الآباء غير المؤمنين. يقول ربنا ﷻ : ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]. أي: حتى لو كان يدعوهم الشيطان إلى الضلال والباطل، ويدعوهم ليفعلوا ذلك، ويتركوا الكتاب المنزل، ويتركوا النبي المرسل صلى الله عليه وعلى آله، حتى ولو كان الشيطان إمامهم والداعي لهم، ولا يدعوهم الشيطان إلا إلى عذاب السعير، أي: العذاب المسعر الذي يحرقهم في جهنم وبئس المصير. تلك نتيجة اتباع دعوة الشيطان، وما يوحي إليهم به الشيطان، وهؤلاء استبدلوا الهدى والحق بالباطل، وأبوا اتباع الرحمن وما يوحي به.

стр. 1263

تفسير قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢]. يقول الله ﷻ : أما أولئك الذين يجادلون ويخاصمون في ربهم بلا علم ولا كتاب ولا دليل ولا برهان، ولا نور من الله، فإنهم مع ذلك إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، وما أوحى به الله، وما أرسلت به الأنبياء وخاتمهم صلوات الله وسلامه عليه أعرضوا، فتلك فئة الشيطان. قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان:٢٢] أي: من أسلم واستسلم لله مطيعاً له مؤمناً به، فاستسلم له في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]. وهذا الذي أسلم وجهه لربه كان ذلك حال كونه محسناً، والإحسان الدرجة الثالثة بعد الإسلام والإيمان، والإيمان أن تؤمن بربك وبالدار الآخرة وبيوم البعث، وأن تؤمن بالرسل، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن تؤمن بالجنة والنار. والإسلام: أن تصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن تصوم شهراً من كل عام وهو شهر رمضان، وأن تؤدي زكاة مالك إذا بلغ الحول، وأن تحج مرة في عمرك إلى بيت الله الحرام، وأن تترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن تمتثل أمر ربك جهد طاقتك وجهد قدرتك، والضابط في ذلك ما قاله ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فالباطل يترك كله، والخير يفعل منه ما في قدرة الإنسان. فالذين يسلمون وجوههم لله، وهو الإسلام ومنه اشتق اسم المسلم، فالمسلم من أسلم وجهه لله سميعاً مطيعاً، لا يخرج عن أمره، ولا يخرج عن نهيه، يمتثل أوامر ربه وأوامر نبيه حال كونه محسناً عاملاً بالصالحات، وأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أي: أن نعبد الله مخلصين له وكأننا نراه، وإن لم نكن نراه فهو يرانا، فإن كانت العبادة كذلك فستكون أكثر إخلاصاً وأكثر اطمئناناً وخشوعاً. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، العروة: الحلقة التي يدخل فيها العقد، ثم أصبح معنى الاستمساك بالعروة الوثقى: أن يستمسك بعهد الله الوثيق، وبدينه الكامل، وبالعهد الذي تركه لنبيه وما أمر نبيه الناس به من الإيمان بالله وبرسل الله وبعمل الصالحات في خشوع واطمئنان وإخلاص، فمن فعل هذا فقد استمسك بالعهد الوثيق، وبالدين المتين، وبعهد الله ﷻ وبالإسلام والعمل به، إلى لقاء الله ليفي الله بوعده وبعهده، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] وعهد الله أن يجازي بالجنة وبالرحمة من أطاعه، وأن يعذب من عصاه وخالفه. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢]، أي: إلى الله العاقبة، وإلى الله النهاية في أمرنا كله، وفي أمر الله وخلق الله، وقدر الله وما أمر به، فيوم القيامة عندما نكون عنده يجازي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، فله العاقبة والمعاد، ولله الرجوع والمآب، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها.

стр. 1264

تفسير قوله تعالى: (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم) قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان:٢٣]. فنبينا ﵊ كان حريصاً على هداية الناس، ولكن الله لم يكلفه بالهداية، وليست الهداية هي رسالة الأنبياء والرسل، وإنما رسالتهم أن يبلغوا الناس ما أمرهم الله بتبليغه. وأما الهداية فهي على الله، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. وكان نبينا ﵊ يجهد نفسه أحياناً في سبيل هداية الناس، فقال الله له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، أي: لعلك مهلكها ومؤذيها، وهذا لم يكن الأمر ولا الرسالة التي ابتعثت بها، وهذه الآية كتلك، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان:٢٣]. أي: من كفر بعد البلاغ والرسالة، وبعد وحي الله الذي سمعه، وبلغه حلالاً وحراماً، وعقائد وآداباً، وقصصاً ورقائق، في هذه الحالة إن بقوا على كفرهم، وأصروا على شركهم، فلا يحزنك ذلك، فلهم عذابهم، ولهم كفرهم، وهم لم يضروا أحداً إلا أنفسهم، وليس عليك الهداية وإنما عليك البلاغ. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان:٢٣]، أي: من كفر بعد البلاغ والتبليغ وبعد إسماعه كتاب الله وما أرسلت به فلا تحزن عليه، ولا تكرب من أجله، ولا تحمل نفسك ما لم تؤمر به مما لا طاقة لها به. ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [لقمان:٢٣]، أي: إلينا مرجع هؤلاء ومآبهم، فهم سيحيون بعد الموت، ويبعثون إلى الله، ويعرضون عليه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وسيعلمون عند ذاك ما قدمت أيديهم، وما أسوأ فعالهم، فلكل نفس عملها وما سعت إليه، فسيعلمون عند ذلك من المحق من المبطل، وماذا كنت تأمرهم به، وهل كنت تدعوهم إلى صلاحهم وإلى جنتهم وإلى رحمة الله بهم أم إلى غير ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان:٢٣]، الله ﷻ العليم بما تخفي الصدور، وهو عليم بالضمائر، وبما لم ينطق به لسان، وبما ينوي به إنسان، فالله يعلم المعلن ويعلم السر وأخفى من السر، فالسر هو ما أسررت به لواحد، والأخفى من ذلك ما لم تنطق به وأضمرته فالله يعلم ما أسررت به لواحد أو أكثر أو أعلنت به بين الملأ، أو كتمته في نفسك فلم يسمع به أحد. وهذا إنذار من الله وتهديد ووعيد للذين كفروا، وأن مآلهم إلى الله، ورجوعهم إلى الله، فسيعلمون أن أعمالهم قد سجلت عليهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فقد اهتدى، ومن أوتي كتابه بيساره فقد ضل، وكان قد أبى الهداية وهو لا يزال حياً في دار الدنيا، والله عالم بأسرارهم، وعالم بضمائرهم، وعالم بما تخفي الصدور وبذوات الصدور.

стр. 1265

تفسير قوله تعالى: (نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤]. وهذا التمتع القليل هو هذه الحياة الفانية، ومهما عاش فهي متعة قليلة، ولو عاش عمر نوح، فأين نوح وأين عمره؟ وأين الألف سنة والنيف التي عاشها، فقد مضى بعدها الآلاف والآلاف من القرون، وقد انتهى وكأنه لم يكن، وقد سبق أن قلنا: إنه عندما جاءه ملك الموت وسأله: كيف ترى حياتك هذه الطويلة؟ قال: كرجل له دار لها بابان، دخل عندما عاش من باب، ثم خرج عند الموت من الباب الآخر، وليس أكثر من ذلك. فمتعة الحياة التي يعيشها الإنسان قليلة مهما عاش منعماً، ومهما عاش في عز وسلطان وصحة وخدم وحشم وجاه ومال، فإن بعد ذلك الموت والقبر، فمن التراب أتينا وإلى التراب نصير، وهي متعة بين ذلك لا تكاد تذكر. وقد شبه ﷺ الدنيا كلها كمسافر آذاه حر الشمس فاستظل تحت ظل شجرة، حتى إذا زالت الشمس أخذ طريقه وذهب في سبيله، هكذا الدنيا كلها. وهكذا عندما يبعث الكفار الضالون يوم القيامة، ويسألون: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] فيجيبون: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] فيحسبون الدنيا كلها بما مضى فيها من القرون كيوم أو كبعض يوم. قوله: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤]، يضطرهم أي: يكرههم ويدعوهم بالضرورة إلى العذاب الغليظ، وإلى العذاب المؤلم الذي لا يطاق وإلى العذاب المهين الموجع، وهي جهنم، أعاذنا الله من حرها وعذابها.
следующие страницы →