← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

تفسير قوله تعالى: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض) قال الله جلت قدرته: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠]. لا نزال مع ربنا ﷻ وهو يعلمنا من حكمة لقمان، ومن مواعظه، وما تخلل ذلك من آيات الله وبيناته، فمن ذلك قوله تعالى: (ألم تروا) والرؤية هنا المقصود بها رؤية القلب، التي تساعد على التدبر والتمعن. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان:٢٠] أي: يا أيها الخلق! ويا أيها الناس! من مؤمنين وكافرين، (ألم تروا). والاستفهام في الآية استفهام تقريري للبيان والتأكيد، أي: ألم تروا هذه السماوات السبع العلا، وهذه الأرضين السبع، وأن الله سخر ما فيها لكم، فسخر الأمطار لتنبت ما في الأرض والقمر والشمس يشعان على الناس وعلى النبات والأشجار، وسخر لكم الأجواء فأنتم تطيرون من إقليم إلى إقليم، ومن قارة إلى قارة، فتقطعون الأجواء، وتقطعون القارات من مكان إلى مكان، وسخر لكم الأرض بنبتها وزرعها وشجرها ومياهها وبحارها ودوابها، فكل ذلك مذلل ومسخر لك أيها الإنسان! ألا يكفيك ذلك دلالة على ربك، وعلى قدرته ووحدانيته وجلاله ﷻ وعز مقامه؟! ألا يحملك ذلك على شكر الله آناء الله وأطراف النهار. قوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، أي: أن الله ﷻ أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة بمعنى أنه أتمها، ومنه إسباغ الوضوء، أي إتمامه أركاناً وأعضاءً واجبات ووسنناً. وكذلك أسبغ الله عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، فالظاهرة نراها، والباطنة نحس بها ونشعر بها، تلك التي سخرها لنا في السماوات والأرض، وسخر لنا ما عليها وما بينها على أن نعم الله لا تحصى، ألا يدعونا ذلك إلى شكر الله وحمده؟ وألا يدلنا ذلك على أن الله ﷻ هو الواحد القادر على ذلك، ولا أحد غيره؟ قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٠]، أي: مع كل هذا يوجد من الناس من يجادل في ربه، ويقول القول بغير دليل ولا برهان، ولذا قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠] أي: يجادل في ربه جاهلاً، لا علم عنده، سواء كان علم دنيا أو علم آخرة، فيجادل في الله بلا هدى، فهو لم يكن مؤمناً ولا مهدياً وإنما ضلاله وظلماته هي التي أوحت له أن يقول ما قال، وأن يجادل بما يجادل. فلا كتاب عنده يوضح الحقائق وينير البصائر، ويبعده عن الباطل، فالذين يجادلون في الله -وما أكثرهم- يجادلون في علم الله وقدرة الله ووحدانية الله، وهم مع ذلك في جهل وظلام وكفر، وفي إصرار على الجهل والباطل، ومعنى هذا أن الله ﷻ يحذرنا ويعلمنا ألا نفعل ذلك، وإلا كنا من الضالين المبعدين، وكنا ممن يرى ولا يبصر، ويسمع ولا يدرك، وممن لا يعي بقلب ولا بفهم ولا بإدراك.

стр. 1262

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]. أي: ومن الناس فئة أخرى، إذا وعظوا بأن يتبعوا ما أنزل الله في كتابه، وبينه رسوله من حلال وحرام، وآداب ورقائق، وعقائد وقصص، رفضوا ذلك بحجة تقليد الآباء وقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]. أي: إنما نتبع ونقلد ما وجد عليه آباؤنا من ضلال وكفر، ومن خروج عن الحق، ويفعلون ذلك بلا دليل ولا كتاب ولا إنارة قلب ولا علم ولا معرفة، وهذا هو التقليد الباطل للآباء وإن كانوا يعملون عمل الشيطان، ولو كان الشيطان هو الموحي لهم والذي يدلهم، وقد تركوا بذلك كتاب الله وسنة رسوله إلى الشيطان وإلى سنن الآباء غير المؤمنين. يقول ربنا ﷻ : ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]. أي: حتى لو كان يدعوهم الشيطان إلى الضلال والباطل، ويدعوهم ليفعلوا ذلك، ويتركوا الكتاب المنزل، ويتركوا النبي المرسل صلى الله عليه وعلى آله، حتى ولو كان الشيطان إمامهم والداعي لهم، ولا يدعوهم الشيطان إلا إلى عذاب السعير، أي: العذاب المسعر الذي يحرقهم في جهنم وبئس المصير. تلك نتيجة اتباع دعوة الشيطان، وما يوحي إليهم به الشيطان، وهؤلاء استبدلوا الهدى والحق بالباطل، وأبوا اتباع الرحمن وما يوحي به.

стр. 1263

تفسير قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢]. يقول الله ﷻ : أما أولئك الذين يجادلون ويخاصمون في ربهم بلا علم ولا كتاب ولا دليل ولا برهان، ولا نور من الله، فإنهم مع ذلك إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، وما أوحى به الله، وما أرسلت به الأنبياء وخاتمهم صلوات الله وسلامه عليه أعرضوا، فتلك فئة الشيطان. قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان:٢٢] أي: من أسلم واستسلم لله مطيعاً له مؤمناً به، فاستسلم له في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]. وهذا الذي أسلم وجهه لربه كان ذلك حال كونه محسناً، والإحسان الدرجة الثالثة بعد الإسلام والإيمان، والإيمان أن تؤمن بربك وبالدار الآخرة وبيوم البعث، وأن تؤمن بالرسل، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، وأن تؤمن بالجنة والنار. والإسلام: أن تصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن تصوم شهراً من كل عام وهو شهر رمضان، وأن تؤدي زكاة مالك إذا بلغ الحول، وأن تحج مرة في عمرك إلى بيت الله الحرام، وأن تترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن تمتثل أمر ربك جهد طاقتك وجهد قدرتك، والضابط في ذلك ما قاله ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا)، فالباطل يترك كله، والخير يفعل منه ما في قدرة الإنسان. فالذين يسلمون وجوههم لله، وهو الإسلام ومنه اشتق اسم المسلم، فالمسلم من أسلم وجهه لله سميعاً مطيعاً، لا يخرج عن أمره، ولا يخرج عن نهيه، يمتثل أوامر ربه وأوامر نبيه حال كونه محسناً عاملاً بالصالحات، وأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أي: أن نعبد الله مخلصين له وكأننا نراه، وإن لم نكن نراه فهو يرانا، فإن كانت العبادة كذلك فستكون أكثر إخلاصاً وأكثر اطمئناناً وخشوعاً. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، العروة: الحلقة التي يدخل فيها العقد، ثم أصبح معنى الاستمساك بالعروة الوثقى: أن يستمسك بعهد الله الوثيق، وبدينه الكامل، وبالعهد الذي تركه لنبيه وما أمر نبيه الناس به من الإيمان بالله وبرسل الله وبعمل الصالحات في خشوع واطمئنان وإخلاص، فمن فعل هذا فقد استمسك بالعهد الوثيق، وبالدين المتين، وبعهد الله ﷻ وبالإسلام والعمل به، إلى لقاء الله ليفي الله بوعده وبعهده، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:١١١] وعهد الله أن يجازي بالجنة وبالرحمة من أطاعه، وأن يعذب من عصاه وخالفه. ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢]، أي: إلى الله العاقبة، وإلى الله النهاية في أمرنا كله، وفي أمر الله وخلق الله، وقدر الله وما أمر به، فيوم القيامة عندما نكون عنده يجازي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء بإساءته، فله العاقبة والمعاد، ولله الرجوع والمآب، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها.

стр. 1264

تفسير قوله تعالى: (ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم) قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان:٢٣]. فنبينا ﵊ كان حريصاً على هداية الناس، ولكن الله لم يكلفه بالهداية، وليست الهداية هي رسالة الأنبياء والرسل، وإنما رسالتهم أن يبلغوا الناس ما أمرهم الله بتبليغه. وأما الهداية فهي على الله، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]. وكان نبينا ﵊ يجهد نفسه أحياناً في سبيل هداية الناس، فقال الله له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، أي: لعلك مهلكها ومؤذيها، وهذا لم يكن الأمر ولا الرسالة التي ابتعثت بها، وهذه الآية كتلك، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان:٢٣]. أي: من كفر بعد البلاغ والرسالة، وبعد وحي الله الذي سمعه، وبلغه حلالاً وحراماً، وعقائد وآداباً، وقصصاً ورقائق، في هذه الحالة إن بقوا على كفرهم، وأصروا على شركهم، فلا يحزنك ذلك، فلهم عذابهم، ولهم كفرهم، وهم لم يضروا أحداً إلا أنفسهم، وليس عليك الهداية وإنما عليك البلاغ. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان:٢٣]، أي: من كفر بعد البلاغ والتبليغ وبعد إسماعه كتاب الله وما أرسلت به فلا تحزن عليه، ولا تكرب من أجله، ولا تحمل نفسك ما لم تؤمر به مما لا طاقة لها به. ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [لقمان:٢٣]، أي: إلينا مرجع هؤلاء ومآبهم، فهم سيحيون بعد الموت، ويبعثون إلى الله، ويعرضون عليه، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وسيعلمون عند ذاك ما قدمت أيديهم، وما أسوأ فعالهم، فلكل نفس عملها وما سعت إليه، فسيعلمون عند ذلك من المحق من المبطل، وماذا كنت تأمرهم به، وهل كنت تدعوهم إلى صلاحهم وإلى جنتهم وإلى رحمة الله بهم أم إلى غير ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان:٢٣]، الله ﷻ العليم بما تخفي الصدور، وهو عليم بالضمائر، وبما لم ينطق به لسان، وبما ينوي به إنسان، فالله يعلم المعلن ويعلم السر وأخفى من السر، فالسر هو ما أسررت به لواحد، والأخفى من ذلك ما لم تنطق به وأضمرته فالله يعلم ما أسررت به لواحد أو أكثر أو أعلنت به بين الملأ، أو كتمته في نفسك فلم يسمع به أحد. وهذا إنذار من الله وتهديد ووعيد للذين كفروا، وأن مآلهم إلى الله، ورجوعهم إلى الله، فسيعلمون أن أعمالهم قد سجلت عليهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فقد اهتدى، ومن أوتي كتابه بيساره فقد ضل، وكان قد أبى الهداية وهو لا يزال حياً في دار الدنيا، والله عالم بأسرارهم، وعالم بضمائرهم، وعالم بما تخفي الصدور وبذوات الصدور.

стр. 1265

تفسير قوله تعالى: (نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤]. وهذا التمتع القليل هو هذه الحياة الفانية، ومهما عاش فهي متعة قليلة، ولو عاش عمر نوح، فأين نوح وأين عمره؟ وأين الألف سنة والنيف التي عاشها، فقد مضى بعدها الآلاف والآلاف من القرون، وقد انتهى وكأنه لم يكن، وقد سبق أن قلنا: إنه عندما جاءه ملك الموت وسأله: كيف ترى حياتك هذه الطويلة؟ قال: كرجل له دار لها بابان، دخل عندما عاش من باب، ثم خرج عند الموت من الباب الآخر، وليس أكثر من ذلك. فمتعة الحياة التي يعيشها الإنسان قليلة مهما عاش منعماً، ومهما عاش في عز وسلطان وصحة وخدم وحشم وجاه ومال، فإن بعد ذلك الموت والقبر، فمن التراب أتينا وإلى التراب نصير، وهي متعة بين ذلك لا تكاد تذكر. وقد شبه ﷺ الدنيا كلها كمسافر آذاه حر الشمس فاستظل تحت ظل شجرة، حتى إذا زالت الشمس أخذ طريقه وذهب في سبيله، هكذا الدنيا كلها. وهكذا عندما يبعث الكفار الضالون يوم القيامة، ويسألون: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩] فيجيبون: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩] فيحسبون الدنيا كلها بما مضى فيها من القرون كيوم أو كبعض يوم. قوله: ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤]، يضطرهم أي: يكرههم ويدعوهم بالضرورة إلى العذاب الغليظ، وإلى العذاب المؤلم الذي لا يطاق وإلى العذاب المهين الموجع، وهي جهنم، أعاذنا الله من حرها وعذابها.

стр. 1266

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥]. وهؤلاء على كفرهم آمنوا بالله، ولكنهم أشركوا معه غيره، فلئن سألتهم عن السماوات المرفوعة بغير عمد، وعن هذه الأرض التي أرسيت بالجبال، والتي يعيش عليها من كل دابة: إنساناً وجناً وحيواناً وطيراً، فإن سألتهم من خلق ذلك ليقولن الله: أي: ليقولن مقسمين؛ فاللام لام التوطئة للقسم، ومؤكدين ذلك بالنون المؤكدة، فليقولن: الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وخلق ما بين ذلك. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [لقمان:٢٥]، أي: الحمد لله على أنه المنفرد بالخلق، الحمد لله على أن الله لم يكن له شريك في الملك، ولا في الخلق ولا في الأمر، فالحمد لله الذي جعل المشركين والأعداء، والذين جحدوا دينهم، وجحدوا وحدانية ربهم، يعترفون أن الله وحده الذي انفرد بخلق السماوات والأرض. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥]، أكثر الناس -وهم المشركون- لا يعلمون أن الله واحد لا ثاني له، ومع اعتقادهم، ومع اعترفاهم بأن الله الخالق للسماوات والأرض تجدهم يشركون مع الله غيره، ممن لم يخلق أرضاً ولا سماءً، ولم يخلق خلقاً كخلق الله ولا قريباً من خلق الله. إذاً فلم تعبدون ما لا يخلق وما لا يضر ولا ينفع، ومن ليس بيده حياة ولا موت؟! ليس هذا فعل العقلاء ولا فعل من خلق الله له هذه الدنيا، وسخر له السماوات والأرض، وسخر له الشمس والقمر، فهو مع هذا يسوس كل ما خلق وسخر له، فيأبى إلا الشرك بالله، وعبادة ما لا يضر وما لا ينفع، وهذا فعل من لا عقل له ولا سمع ولا بصر، وهؤلاء كما وصفهم الله: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]. قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥] فأكثر الناس كافر مشرك، والمؤمنون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وقد قال الله لنبيه ﵊: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فأكثر الناس ما بين مشرك وكافر. ومن هنا نعلم بطلان تلك القاعدة التي يجعلونها في البرلمانات وفي المجالس الدولية، وفي المجالس الحكومية وهي: القول بالأكثرية، فليست الأكثرية مصيبة دائماً، بل الأكثر أن الأكثرية ضالة ومبطلة، وأن الحق ليس بقلة ولا بكثرة، إنما الحق بالدليل والبرهان، وقد ظهر نبينا ﵊ في هذه البقاع المقدسة وهو يدعو الخلق إلى عبادة الله الواحد ويقول بما أمره الله به: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]. قام وهو وحده الموحد المؤمن في الأرض وهو الذي جاء بالحق ومعه الحق، وبعد أن جاء بالتوحيد وأنزلت عليه الرسالة، آمنت معه امرأة ورجل وغلام، آمنت خديجة، وآمن أبو بكر، وآمن علي ﵁، فكان هؤلاء وحدهم هم أهل الحق والثواب الأعظم، ومن يجب على الخلق كلهم أن يهتدوا بهديهم، ويؤمنوا إيمانهم، ويسلموا إسلامهم، وينيبوا إلى الله إنابتهم، والإنابة إلى الله الرجوع إليه عبادة وديناً، والرجوع إليه في الأوامر والنواهي، وفي الآداب والرقائق. فالله ﷻ عندما يأمرنا بطاعته، وعندما يدلنا على دلائل وحدانيته، ودلائل قدرته إنما يدلنا لخيرنا ولمستقبلنا، ولكي نأتي الله يوم القيامة مؤمنين منقذين من عذابه؛ ولكي لا نصنف مع الكفرة والمشركين.

стр. 1267

تفسير قوله تعالى: (لله ما في السماوات والأرض إن الله هو الغني الحميد) قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان:٢٦]. وهل غير الله في الأرض، فلله ما في السماوات والأرض ملكاً وخلقاً وقدراً، وله ما في السماء وما عليها وما فيها، ولله الأرض وما فيها وما عليها وما في باطنها، وما بين السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، فالكل عبد وملك لله فكيف يصبح المملوك شريكاً للمالك؟! تلك خصلة لا يؤمن بها من رزق عقلاً وفهماً، فهؤلاء الذين يجعلون مع الله شركاء إنما يجعلون عباد الله وخلق الله الذين لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، بل هم عبيد الله وخلقه. قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان:٢٦]، أي: إن الله هو الغني عن عبادة خلقه، وعن أعمالهم، وهو المحمود الذي يحمده الكل بحق، طائعين ومكرهين بما رزقهم وخلقهم، ودبرهم وأعطاهم. فالله ﷻ هو المنفرد بالحمد والمنفرد بالخلق، وهو الغني عما سواه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. فلا يوجد مخلوق على الأرض إلا وهو فقير لغيره، فالملك -على سبيل المثال- فقير للخباز، وفقير للبناء، وفقير للمرأة لكي تلد له، والفقير محتاج لكل شيء، فلا غني إلا الله، والكل فقير إليه. خرجنا من أرحام أمهاتنا لا نملك شيئاً فكسانا بعد عري، وأشبعنا بعد جوع، وملكنا بعد عوز، وعلمنا بعد جهل، وأعطانا بعد منع، ﷻ وعز مقامه، هو الله الغني الحميد.

стр. 1268

تفسير سورة لقمان [٢٧ - ٣١] الله ﷻ المتفرد بالخلق والرزق، لا يحيط الإنسان بعلمه ولا يدرك عظمته وجلاله، ومن ذلك أن كلماته لا تنفد ولو كتبت بماء البحار وأغصان الأشجار، ومن ذلك أن خلق الناس وبعثهم ليس إلا كنفس واحدة، ومن ذلك أنه يولج الليل في النهار والنهار في الليل.

стр. 1269

تفسير قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]. نبينا ﵊ هو الذي أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح العرب وأبلغهم، وقد حمد الله بمحامد لا يقدر أحد من الخلق أن يحمده مثلها، ومع ذلك اعترف بالعجز والقصور أمام نعم الله، وأمام مقام وآلاء الله فقال: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، أي: فأنت وحدك القادر على أن تثني على نفسك، أما الخلق فهم عاجزون مقصرون. ولذلك عدد الله ﷻ آلاءه، فذكر إجمال نعمه الظاهرة والباطنة، من تسخير السماوات والأرض للإنسان وتسخير الشمس والقمر، ثم بعد ذلك عمم فذكر ما لا يجمعه قلم، ولا يكتبه قرطاس، ولا يحفظه صدر فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان:٢٧]. يقول الله للناس: مهما علمتم عن الله فأنتم به جاهلون، فلو أن شجر الأرض جميعها بريت أقلاماً ثم جعلت البحور التي في الأرض عموماً -ولا مفهوم للعدد هل هي البحور المحيطة أو غيرها- فكل بحار الأرض لو كانت مداداً لهذه الأقلام، وكتبت الأقلام ثناءً على الله وصفاته وجلاله وعزته ومقامه لجفت الأقلام وانتهت الشجر من الأرض ولانتهت البحار مداداً، ولو صب بعضها في بعض سبع مرات، مرة بعد مرة إلى السابعة. وليس معناه أنه إذا أصبحت أكثر من سبع استطاعت أن تحصي كلمات الله، وعلم وجلال الله، فلا مفهوم للعدد، ولن يتم ذلك ولن يحصيه إلا هو. ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ [لقمان:٢٧]. أي: يزيده ويمدده من خلفه (سبعة أبحر)، وكما تقول لغة العرب التي بها نزل القرآن: إنه لا مفهوم للعدد، فلو انتهت وجفت وحفيت الأقلام لما نفدت ولا انتهت كلمات الله وعلوم الله وجلال الله ﷻ وعز مقامه. وفي قصة موسى والخضر، أراد الله تعالى تعليم موسى وتأديبه عندما سئل: من أعلم الناس؟ قال: أنا، فقال الله له: الخضر أعلم منك، والخضر ليس نبياً عند الكثيرين، وإنما هو صالح من الصالحين، وولي من العارفين، فعجب موسى ورجا ربه أن يجمعه به ليراه ويتعلم من علمه، فتعب ورحل من المشرق إلى طنجة وهي مجمع البحرين، كما يقول أبو هريرة وغيره من الصحابة ومن التابعين، فلقي عناءً وتعباً أثناء رحلته إليه إلى أن كانت الأمارة فوجد الخضر وتعلم منه، وكان مغزى القصة: التأديب والعلم من الله لموسى ﵇. ومما تعلمه موسى من الخضر أنه ذات مرة وقف طائر صغير على البحر فأخذ بمنقاره قطرة، فقال الخضر: يا موسى! والله ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة التي أخذها هذا الطائر من البحر. ولذلك يقول الله عن علم الخق: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فما علم كل الناس من الدنيا إلا ظاهراً منها والقليل القليل، وبواطنها وأسرارها ومعارفها المستتمة التي لا تراها عين، لم يعلم منها شيء. أما علم الآخرة فعلم منه الرسل، وعلم منه الصحابة، وعلم منه العلماء كل حسب درجته، وكل حسب مقامه، أما كلمات الله فلا تحصى، ولا يحصيها أحد؛ قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، إلى أن يصل العلم إلى الله ﷻ المنفرد بالعلم المطلق. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]، العزيز الذي لا يغالب ولا ينازع، له الأمر وهو القاهر فوق عباده، والحكيم في أمره ونهيه، الذي يضع الأمور في مواضعها، وهو الحكيم ﷻ الحكمة المطلقة، وما الحكمة بالنسبة للناس، إلا صفة مقربة للمعاني.

стр. 1270

تفسير قوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) قال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٨]، يخاطب الله الذين جهلوا جلاله ومقامه، ولم يعرفوا قدرة الله ولا برهان الله ولا آيات الله فجعلوا له شركاء وجعلوا له آلهة من دونه، قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣]. فالخلق كلهم منذ آدم إلى آخر إنسان تقوم عليه الساعة، فخلق الله لهم ثم بعثه لهم مرة ثانية ليس إلا كنفس واحدة، أي: كما يقول للنفس الواحدة: كوني، فتكون. فيوم القيامة يقول للخلق كلهم: قوموا لله، فيقومون جميعاً، فالحياة الثانية لن تكون كالحياة الأولى فإنه في الحياة الأولى خلقنا أطواراً، وخلقنا مراحل، فقد كنا تراباً، ثم كنا ضلعاً من ضلع آدم والذي خلق الله منه أمنا حواء، ثم كون الخلق بعد ذلك من ماء مهين، ثم من نطفة فعلقة فمضغة فعظام بلا لحم فعظام مكسوة لحماً، فخلق سوي في بطن الأم، ثم بعد ذلك طفل يرضع ثم يحبو ثم يفطم، ثم يصبح غلاماً مميزاً، ثم يافعاً، ثم مراهقاً، ثم شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم يموت. أما يوم القيامة فستطوى هذه المراحل كلها، وإنما يأمر الله إسرافيل الذي نفخ في الصور أول مرة فمات كل من على الأرض، وكل من على السماء، ولم يبق إلا هو وملك الموت، فأمر الله الكل أن يموتوا فماتوا، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، سيفنى الجن والإنس والملك ولن يبقى إلا الله. وعندما يأمر الله بالبعث في الحياة الثانية يأمر إسرافيل بالنفخة الثانية وإذا بهم قيام ينتظرون أمر الله، ولا حاجة لما كان في التطور الأول، بل إننا نبعث كما متنا، صغاراً أو كباراً، أصحاء أو مرضى، عراة حفاة حاسري الرءوس غرلاً أي: أن تلك الجلدة التي تزال عند الختان والتطهير تعود وترجع. سألت عائشة أم المؤمنين ﵂، عندما سمعت النبي ﷺ يقول هذا، قالت: (يا رسول الله! أنكون عراة يرى بعضنا بعضاً؟ فقال النبي ﵊: الأمر أفظع من ذلك) لن يرى أحد أحداً، لانشغالهم بأهوال يوم القيامة. وعندما تذهب الأمم كلها مبتدئين بأبيهم آدم أول الأنبياء وأبي البشر قاطبة يقولون له: يا نبي الله يا أبانا! استشفع لنا فيقول: نفسي نفسي، ويقال ذلك لنوح فيقول: نفسي نفسي، ويقال ذلك لإبراهيم فيقول: نفسي نفسي، إلى أن يصل الأمر إلى نبي الله محمد ﵊ فيقولون: يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك. فيقول: أنا لها أنا لها! فيخر ساجداً تحت العرش ويدعو ربه بدعوات يلهمه بها ربه إذ ذاك، أي: أنه لم يكن يعلمها في دار الدنيا، فيدعو الله ما يشاء، ثم يقال له: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، وهو المقام المحمود الذي يحمد به على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيشفع حتى في الأمم الماضية لفصل القضاء. قوله: (إن الله سميع بصير): أي: سميع لأقوالكم سواء كنتم مؤمنين أو كافرين، بصير بأحوالكم سواء كنتم محسنين أو مسيئين، فهو السميع لكل شيء، البصير بكل شيء ﷻ وعز مقامه.

стр. 1271

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٢٩]. لا يزال الله ﷻ يلفت أنظار خلقه: ألم تروا إلى قدرة الله المتنوعة العجيبة التي لا يقدر قدرها، ولا يستطيع مثلها إلا هو ﷻ . وقوله: (ألم تر) المقصود: رؤية البصيرة ورؤية القلب، فهي رؤية علمية إدراكية. ﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [لقمان:٢٩] أي: يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، ويتضح ذلك: أن اليوم والنهار في معتدل الأرض أربع وعشرون ساعة، والشهر تسعة وعشرون أو ثلاثون يوماً، والسنة اثنا عشر شهراً، وهذا في أكثر بقاع الأرض، وليس فيها كلها، ففي جزء منها في الشمال عند الجزء المتجمد تكون السنة ستة أشهر ليلاً وستة أشهر نهاراً، وجاء سكان هذه المناطق حجاجاً -فإن هناك مسلمين- قالوا: كيف نصوم ونصلي؟ فقيل لهم: قدروا الشهر، وقدروا اليوم، وقدروا العام بأقرب الأراضي والأقاليم إليكم، وليس هذا اجتهاداً، ولكنه تنفيذ للنص النبوي، فالنبي ﵊ عندما قال لنا عن الصيام: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له)، وهناك يغم في السنة كلها على أنها يوم، فيقدر بأقرب الأقاليم وهكذا وأكثر من ذلك. وأخبر النبي ﵊ في علامات الساعة الكبرى أنه سيكون عندما ينزل الدجال اليوم كالسنة، واليوم كالشهر، واليوم كالجمعة، واليوم كالومضة من النهار، قيل: يا رسول الله! كيف نصلي عندما يكون اليوم كالسنة وكالشهر؟ قال: اقدروا له، أي: قدروا الصلوات كما تقدر في البلاد الطبيعية بالنسبة للشروق وللغروب، والمعتاد من الأرض أن اليوم -الليل والنهار- أربع وعشرون ساعة، ولكن اليوم في الشتاء يقصر حتى يصبح النهار أقل من سبع عشرة ساعة، بين ثلاث عشرة وأقل، ويصبح اليوم في الصيف سبع عشرة ساعة وقد تزيد، وإن كان اليوم أخذ ينقص قليلاً، فالإيلاج: هو نقصان الليل من أجل النهار، وزيادة الليل لأجل النهار. ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [لقمان:٢٩]، يطيل الليل ويقصر النهار، ويكون ذلك شتاءً، ويقصر الليل ويكون النهار طويلاً، ويكون ذلك في صدر الصيف، والذي يفعل ذلك هو الله ﷻ الخالق المدبر، وكل ذلك لأجل الناس ومصالح الناس، ولزراعة وراحة الناس، وكل ذلك قد مضى مفصلاً، ويأتي بمناسباته كذلك. فهل الذي أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل الشركاء الذين زعموهم من دون الله؟! وهل هم الوثنيون الجدد من عبدة ماركس ولينين وأمثالهم من الشيوعيين والاشتراكيين والماسونيين والوجوديين، وما إلى ذلك من الملل الكافرة، والنحل الباطلة المعبودة من دون الله، والمشركين لها مع الله؟! فهل هم الذين يولجون الليل في النهار، ويولجون النهار في الليل ويسخرون الشمس والقمر؟! الجواب بكل تأكيد إنه الله الذي سخر للناس ما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما، فسخرها وذللها للناس، وللعمل بما في منافعها ومزاياها. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان:٢٩]. فعندما تغيب الشمس تكون قد طلعت في جانب من الأرض، وهي لا تغيب على الأرض كلها، وإنما تغيب في جانب وتظهر في جانب، وتشرق في جانب وتغرب عن جانب، ولذلك يقال عن العالم الإسلامي: لا تغرب عنه الشمس لحظة ولا ثانية، فالعالم الإسلامي يعد ملياراً من الخلق، وإن كان كغثاء السيل لنزع الشجاعة وحب الموت وقذف الوهن في قلوبنا، مما جعل الأعداء يتشجعون على حساب رجولتنا وشجاعتنا، وعلى حساب ديننا. والشمس والقمر آيات تمور فتختفي تارة وتظهر تارة في رقعة من الأرض، ولم تختف من الأرض كلها، فالقمر باستمرار يوجد في جزء من العالم الإسلامي، وكذلك الشمس، ويجري ذلك لأجل مسمى وهو يوم القيامة إلى أن يفنى الكل، وإلى أن تصبح الجبال كالعهن المنفوش، إلى أن تبدل السماوات والأرض، ويموت كل من فيها، ويبقى الله وحده ذو الجلال والإكرام. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٢٩] أي: ألم تروا أن الله خبير بأعمالكم، فيجازي المحسن يوم القيامة على إحسانه جنة، ويجازي المسيء على إساءته ناراً. فالله ﷻ عندما يلفت أنظارنا للبعث إليه، وللحياة بعد الموت، فذلك لنتعظ ونعتبر، ونعلم أننا لم نعش سبهللاً، وأن الحساب والبعث بعد ذلك، وأنه لابد لكل حي أن يعود مرة ثانية.

стр. 1272

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠]. أي: أن الله هو الحق وما سواه الباطل، فالله هو الذي جاء بالحق، وأمر به وأنزل كتابه وأرسل رسله بالحق، ودعا الناس للحق، فالمؤمن يعيش بحق، ويموت بحق، ويبعث على حق، ويؤمن بالحق الذي هو الله ﷻ ، فالله هو الحق لا سواه، وكل ما عداه باطل في باطل، كان عدماً ثم أصبح في الوجود ثم سيعود للعدم مرة ثانية، ويبقى الله وحده ذو الجلال والإكرام، ثم سيعود المخلوق ثانية بقدرة الله، لا بوجوده ولا بشركائه، فلا شريك له ولا ثاني معه. قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠]. أي: أن الله هو العلي فلا أعلى منه، وأن الله الكبير فلا أكبر منه، وشعار المؤمن: الله أكبر، يقولها في اليوم عشرات المرات، يقولها في الأذان خمس مرات وفي الإقامة كذلك، وفي ركعات الصلاة يتنقل بالله أكبر، وندخل الصلاة بالله أكبر، فالله أكبر من كل كبير، فهو الكبير الذي لا كبير معه فضلاً على أنه الأكبر، فالأكبر صيغة تفضيل فلا كبير مع الله، هو الكبير المتعال، هو الأكبر الذي لا كبير معه.

стр. 1273

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٣١]. أي: ألم تر يا محمد! وكل تابع له بل وكل إنسان، ألم ير بقلبه ويعتبر ويفكر ويعي كيف أن هذه الفلك تجري في البحر، وهذا الاستفهام استفهام تقريري يقرر الله تعالى به أن هذه الأفعال لا يستطيع أحد غيره أن يفعل منها شيئاً. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان:٣١]. أي: هذا البحر المتلاطم الأمواج، وقد كان عمر بن الخطاب يتهيب البحر، وقد فتح الأمصار، وبلغت مملكته إلى الشام وإلى العراق وإلى فارس وإلى مصر وإلى المغرب، وزادت بعد ذلك، فطلب جنده أن يغزوا ما بعد البحار فتوقف عمر وتخوف عليهم من البحر، فكتب يسأل من ركب البحر، وهو عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين! راكبه مقصود، والخارج منه مولود، والموجود فيه دود على عود، فقال: والله لن يركبوا فيه ما دمت حياً! فتهيب عمر ولم ينشئ أساطيل بحرية، وكان في انتشاره في البر وفي فتحه ما يكفي ويكفي، لقد فتح كل ما اتصل به، وذهب إلى أعماق أرض الروم وقضى على فارس ألبتة حتى أصبحت كما قال المصطفى ﵊: (لا فارس بعد فارس ولا كسرى بعد كسرى) وذهبت أرض مصر، فلم يبق قبط، ولم يبق مقوقس بعد ذلك، وأصبحت جزءاً من أرض الإسلام، وما حدث بعد ذلك كان من خلاف الخلفاء، وإبقائهم الأقليات بغير دليل ولا سلطان من الله. ثم ذهب إلى أرض البربر إلى المغرب، وكل ذلك يحتاج فيه إلى بحر، فلم يركب بحراً أحمر، ولا بحراً أبيض، ولم يصل إلى المحيط، وإنما كان ذلك بعده في أيام عثمان، ثم بعد ذلك تتابع الفتح واسترسل. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ [لقمان:٣١]. ألم تر أيها الإنسان هذا الدود الذي يركب العود في أعماق البحار، والأمواج تتلاطم به، وكأنها الجبال، ومع ذلك تمشي هويناً، ومهما قطعت من أشهر، ومن أسابيع، ومن أيام هي واصلة لبر السلامة أي: واصلة لمبتغاها وهدفها، في عالم الأحياء بأمر الله وقدرة الله، وإرادة الله، ذلك من نعم الله على الناس، فكما سخر لهم البر سخر لهم البحر ليريهم من آياته، وليطلعوا على آيات الله وقدرته، وآيات وحدانيته، وآيات جلاله، وآيات انفراده بالألوهية وبالربوبية ﷻ وعلا مقامه. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٣١]. إن في كل ما مضى ذكره من تسخير الشمس والقمر، وإيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وخلق الله الخلق كلهم، وأنهم عنده ليسوا إلا كنفس واحدة إذا قال لها: كوني، كانت، فالكل عليه هين، لا يعجزه شيء ﷻ ، وجري السفن والفلك في البحر؛ كل ذلك آيات ودلائل بينات، ومعجزات واضحات لكل صبار شكور. والصبار هو: المؤمن يصبر على أمر الله في أداء الواجبات والطاعات والعبادات، لا يعجزه عن القيام بالصلاة برد ولا مرض، ولا علة، إن استطاع قائماً فقائم، أو جالساً فجالس، متوضئاً إن وجد الماء أو بالتيمم إذا لم يوجد. فهو يصبر على أداء الصلوات، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، وزكاة أمواله. ويصبر عن الباطل والشهوات والفحشاء كلها، فلا يقربها على قدر طاقته، وهو يذكر الله باستمرار. وصبار: صيغة مبالغة، على وزن: فعال أي: كثير الصبر. وشكور: صيغة مبالغة، أي: كثير الشكر، فهو يشكر الله على كل شيء، حتى على ملح طعامه، حتى على شسع نعله، يشكره صباحاً ومساءً. ونحن نشكره في كل صلاة من خلال قراءتنا سورة الفاتحة فعندما نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، هو الشكر المنفرد الله به، ونقول عقب الصلوات: الحمد لله الحمد لله، ونقول عند النوم ثلاثاً وثلاثين: الحمد لله، ونحمده آكلين وشاربين، وأصحاء وعلى كل ما أنعم به علينا، فتلك هي صفة المؤمن، قال النبي ﵊: (عجبت لأمر المؤمن، كل أمره له خير، إن أصابه ضر صبر فكان خيراً له، وإن أصابه خير شكر فكان خيراً له) فهو بين صبر وشكر، فكل حياته في خير.

стр. 1274

تفسير سورة لقمان [٣٢ - ٣٤] نعم الله كثيرة لا تحصى، وهي أدلة قاطعة على قدرته ووحدانيته واستحقاقه العبادة، لكن المشركين يأبون إلا الكفر به وعبادة الأصنام معه، حتى إذا غشيهم الموج في البحر وحدوا وأخلصوا فإذا أنجاهم عادوا للشرك، مع علمهم أن الله هو الذي ينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما سيكون غداً.

стр. 1275

تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان:٣٢]. أظهر الله ﷻ امتنانه ونعمته على خلقه فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٣١]. وقد ذكر الله الفلك والسفن البحرية وكيف تجري في البحار بأمره، وهذه نعمة من الله، ترى السفن كيف تطوف بين القارات والأقاليم، ويعلم ذلك كل صبار على دينه، شكور لنعمة ربه، فهؤلاء الذين يركبون السفن والفلك منهم مقتصد مؤمن، ومنهم كافر ختار غدار. قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢] فهؤلاء إذا ركبوا البحر وتلاعبت بهم أمواجه حتى أصبحت كالجبال علواً، وكأنها الظلل التي تظل من الشمس، دعوا الله وأخلصوا فإذا غشي الإنسان الموج وغمره وستره حتى يكاد يشعر أنه سيغرق وسيموت دعا الله مخلصاً له الدين، فيخلص في الدعاء ويرجو ربه ويطلب منه أن ينجيه من هذه الأمواج التي هي كالظلل وكالجبال تكاد تغشاه وتغرقه، ولا يذكر إذ ذاك صنماً ولا شريكاً، وإنما يذكر الله مخلصاً له دعاءه ودينه، فهو عند الشدة وعند الضرورة ينسى الشركاء، حتى إذا أكرمه الله وأنجاه إلى البر تجد منهم مقتصداً. وفسروا كلمة (مقتصد) بأنها كفر دون كفر، أو ومنهم من يقتصد في الكفر يقول بلسانه كلمة الإسلام ويعتقد الكفر بقلبه. ولكن كلمة (مقتصد) جاءت في القرآن الكريم صفة للمؤمن الذي يقتصد في الذنوب والآثام؛ أي: يخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فهو مؤمن موحد. فأما المؤمن الموحد فيشكر الله على ما أنجاه وأنقذه من الغرق وجبال الموج. وقوله: ((وَمَا يَجْحَدُ)) أي: ولا يكفر، والجحود: هو كفر النعمة بعد العلم بها، فهو يجحد الحق وقد عرفه، ويجحد النعمة وقد عاش فيها. وقوله: ((وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)) الختر: منتهى الغدر وعدم الوفاء بالعهد والذمة؛ والإنسان إذا كان كلما عاهدته وواعدته خدعك فغدر عهدك ووعدك يقال له: ختار، من ختر الذمم وختر العهود والمواثيق. وختار صيغة مبالغة، أي: كثير الختر والغدر، وعدم الوفاء بالعهد، فمن كان كذلك فالله ﷻ يعامله معاملة المشركين الغادرين، ويعاقبه بما هو أهل له من عذاب السعير. وقوله: ((كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ)) أي: يكفر بالنعمة ويجحد بها، وقد دعا الله مخلصاً له دينه عندما كانت الأمواج تتلاطم في سفينته، حتى إذا أنجاه الله إلى البر إذا به يأبى إلا الجحود والكفر، ونكران ما أكرمه الله به.

стр. 1276

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]. يخاطب الله ويدعو الناس مؤمنهم وكافرهم: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)) أي: آمنوا وأسلموا واجعلوا بينكم وبين الله وقاية بطاعته والإيمان به، تقيكم عذابه ونقمته وغضبه. وقوله: ((وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ)) أي: خافوا يوماً وهو يوم القيامة، اليوم الذي يبعث فيه كل الخلق، اليوم الذي يقول فيه كل إنسان: نفسي نفسي، فلا والد يجزي عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، يقول الولد: نفسي، ويقول الوالد: نفسي، حتى لو حاول الولد أن يفدي والده بنفسه لا يستطيع ولا يقبل ذلك منه. في يوم القيامة لا يتكلم أحد ولا يشفع إلا بإذن ربه، على أن الولد والوالد كل واحد منهما في غم وفي كرب، وكل يقول: رب رب، كل يدعو لنفسه فقط، فلا الولد يجزي ويغني عن الوالد، ولا الوالد يجزي ويغني عن الولد، كل مشغول بنفسه وبمحنته، وبالكرب الذي يجد نفسه فيه. فالله ﷻ يقول لعباده وخلقه: اخشوا يوم القيامة، هذا اليوم الذي يأتي فيه كل إنسان ويقول: نفسي، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] يوم لا يغني الوالد عن ولده، والولد يغني عن والده، كل مشتغل بنفسه. وقوله: ((وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا)) أي: ولا شيء، حتى كلمة شفقة وكلمة حنو وكلمة شفاعة، إذ لا يشفع أحد عنده في هذا اليوم العصيب الشديد إلا بإذنه. يقول تعالى: ((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) أي: وعد الله باليوم الآخر ووعده يوم القيامة، ووعد الله بالبعث بعد الموت، والعرض على الله يوم الحساب إما إلى جنة وإما إلى نار، وعد الله حق لا مرية فيه. قال تعالى: ((فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ)) أي: لا تغتروا ولا تعيشوا في غرور، يقول سعيد بن جبير: لا تذنبوا وتعصوا وتقولوا: سيغفر لنا، المغفرة تكون بالعمل، والسماح يكون بالطاعة، ثم بعد ذلك اطلب من الله المغفرة، أما لا طاعة ولا دين وأنت تنتظر المغفرة وتنتظر الجنة، فهيهات هيهات!! والغرور أن يمني الإنسان نفسه بشيء هو هباء وباطل وخيال لا حقيقة له في نفس الأمر والواقع. والغرور هو الشيطان الذي اغتر في نفسه وغر غيره من الخلق. فلا تغتر بالحياة الدنيا، ولا يغرك الشيطان فتأتي المعصية ثم أنت مع ذلك تنتظر مغفرة وتنتظر جنة لا يكون ذلك إلا بالطاعة، ولا يكون ذلك إلا بقيامك بالأوامر واجتنابك للنواهي، ثم بعد ذلك تب إلى الله مما عسى أن يكون منك بغير قصد، أو قصدته ثم ندمت فتبت إلى الله، فالله يتوب على من تاب.

стр. 1277

تفسير قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]. هذه الخمس هي مفاتيح الغيب التي لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وإنما هي مما انفرد الله بعلمه فلا يعلمها إلا من يعلمه، وقد أعلم بعضها، فهو عالم الغيب لا يطلع على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، فقد ارتضى محمداً ﷺ ، فأعلمه كثيراً مما قد أخبرنا ﵊ بما يكون في غده؛ كما أخبر بالفتن الحادثة بعده؛ فأخبر باستشهاد عمر، وعثمان وعلي وباستشهاد الحسين عليهم رضوان الله جميعاً. وأخبر بالفتن الحادثة إلى قيام الساعة، حتى إن النبي ﵊ خطب يوماً عقب صلاة الصبح إلى صلاة الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر وخطب إلى أذان العصر، فنزل فصلى، ثم عاد فصعد المنبر وبقي إلى أذان المغرب، فقال في خطبته كل ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، يقول حذيفة: علمه من علمه ونسيه من نسيه، حتى إنه أخبرنا بالطائر يطير في السماء، حتى إنه أخبرنا بكل قائد فتنة متى يكون وما اسمه وما اسم أبيه، وفي أي عصر سيكون ومن معه. والنبي ﵊ كذلك أخبرنا بأن موته في المدينة وأنه سيدفن حيث يموت، وذلك عندما أعطى الأموال المؤلفة قلوبهم بعد غزوة حنين، وكان في نفس الأنصار شيء من ذلك، وقالوا: (لا تزال سيوفنا تقطر من دماء هؤلاء وهو يعطيهم ويدعنا، فبلغ ذلك النبي ﵊، فجمعهم في مكان وحدهم وقال لهم: ما كلام بلغني عنكم؟ ثم قال لهم: ألا ترضون أن يعود هؤلاء بالشاء والبعير وتعودون بمحمد ﷺ في رحالكم، المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو لم أكن من قريش لكنت امرأً من الأنصار)، فهو قد أخبر ﵊ أن بقية حياته سيقضيها في المدينة، وأن موته سيكون في المدينة صلى الله عليه وعلى آله، وكذلك كان. وقبل أن يموت قال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)، فكانت الروضة هي قبره ﵊، فهو قد أخبر وحدد المكان الذي سيدفن فيه، وأنه بين منبره وبيته، وقد قال ﵊: (القبر إما حفرة من حفر النار، وإما روضة من رياض الجنة)، ولا يزالون في المغرب اليوم يسمون المقبرة الروضة؛ تفاؤلاً أن تكون روضة وجنة على المسلمين. قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ))، وأما علم الساعة فلم يخبر به النبي ﷺ ، مما يدل على أنه لا يعلمه، وفي حديث عمر عندما جاءه جبريل فسأله عن الإيمان فأجابه، وسأله عن الإسلام فأجابه، وسأله عن الإحسان فأجابه، وسأله عن الساعة فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: لست بأعلم بها منك، وسأله عن أشراطها، فذكرها، فهذا يدل على أن الله تعالى استأثر بعلمها، ولم يخبر بها ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً. قال تعالى: ((وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ)) لا يعلم أحد متى ينزل الغيث ومتى ينزل المطر الذي يغيث العباد، فهو سبحانه الذي يرسل الغيث رحمة بعباده، يغيثهم من محنتهم وجوعهم وعطشهم، أما متى سيكون ذلك، ومتى سينزل فلا يعلم ذلك إلا الله ﷻ . قال تعالى: ((وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ)) أي: لا يعلم ذلك إلا الله، والملك المكلف عندما يأمره الله بنفخ الروح في الجنين يقول لربه: أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فهو عند ذلك يعلمه ربه بما أمره به. قال تعالى: ((وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا)) أي: لا يعلم أحد عن الغد ماذا سيكون فيه من خير أو شر، حياة أو موت، فالغد غيب استأثر الله بعلمه ﷻ . قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فالإنسان لا يعلم متى يموت، ولا في أي أرض يموت، لا يعلم الإنسان هل سيموت حال الشباب أو حال الشيخوخة؟ انفرد الله بذلك، وقد قال النبي ﵊ كما في الصحاح والسنن: (إذا قدر الله للإنسان موتاً في أرض جعل له إليها حاجة)، وإذا به تجده ينتقل لتلك الأرض لتكون وفاته فيها. ويحكى عن أحد الصالحين من بني إسرائيل، أنه أدرك ملك الموت ورآه بعينه الباصرة ورآه ينظر إليه شزراً، وإذا به يأتي لأحد أنبياء بني إسرائيل وكان هذا في المشرق فقال له: يا نبي الله! رأيت ملك الموت ينظر إلي وكأنه يريدني، فادع الله أن يحملني إلى الهند، وفي لحظات كان في الهند، فجاءه ملك الموت إلى الهند وقال: عجيب أمرك، أمرت بموتك وأخذ روحك في الهند، فقلت في نفسي: ما الذي سيأتي بك إلى الهند لآخذ روحك كما أمرني ربي وأنت هناك. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد عن جابر بن عبد الله، وعن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن مسعود، وعن بريدة قال النبي ﵊: (مفاتيح الغيب خمس لا يعملها إلا هو، ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤])، فهذه الخمس لا يعلمها مع الله ملك مقرب ولا نبي مرسل، والآية لا تدل على الحصر. ولا تزال عادة المنجمين والكهنة في ادعاء معرفة الغيب والاطلاع عليه جارية، ويتخذون حركات يزعمون أنهم يعلمون بها الغيب، فيقولون: سيكون غداً كذا ويكون بعد غد كذا، وقد ينظرون في خطوط الكف، وقد ينظرون في الرمل، وقد ينظرون في النجوم، وكل ذلك كهانة ورجم بالغيب وكذب على الله، فلا علم لأحد بما في الغد، ولا علم لأحد بما في الغيب، والله وحده عالم الغيب والشهادة، ولكن الله ﷻ إذا أراد إطلاع نبيه على غيبه أطلعه، فهو عالم الغيب لا يطلع على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول، وقد أطلع أنبياءه، وأطلع إمامهم وخاتمهم ﷺ على الكثير من الغيوب مما أخبر به ودون في كتب الصحاح، وكتب السنن، وكتب المسانيد، وسائر كتب السنة التي دونت ما أخبر به ﵊ مما كان ويكون إلى قيام الساعة. وقد خطب النبي ﵊ مرة من طلوع الفجر إلى أذان المغرب لم يقطع خطبته إلا بصلاة الظهر وصلاة العصر، فحدث بما كان وما سيكون، روى ذلك عنه عمر، ورواه حذيفة، ورواه ابن عمر، ورواه الجم الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم، والأحاديث في ذلك تواترت واستفاضت وأيد بعضها بعضاً حتى أصبح ذلك علماً يقينياً، فتلك الغيوب هي من الله أطلع عليها عبده، وإلا فليس أحد من الخلق يعلم شيئاً من الغيب، ولكنه الغيب الذي يطلع الله عليه من شاء من ملائكته ورسله وأنبيائه ومن تبعهم من صالحين وعلماء. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، فالله هو العليم بكل شيء، الذي يعلم دبيب النملة السوداء في الصخرة الصماء في الليلة الظلماء حيث لا قمر ولا نجوم، يعلم ما كان ويكون، وكل كائن هو خلقه وهو أمره، يعلم ما خلق وهو اللطيف الخبير. فالله خبير بما يصلح عباده، وعليم بما يصلح خلقه، وبما ينبغي أن يجازى به المحسن ويجازى به المسيء، فمن آمن بالله إلى أن لقي ربه مؤمناً فله الرضا والجنة، ومن بقي جاحداً كافراً بالله فعليه اللعنة وغضب الله، فإذا تاب تاب الله عليه، والإسلام يجب ما قبله. وبهذا نكون قد ختمنا سورة لقمان، ولله الحمد والمنة!

стр. 1278

تفسير سورة السجدة [١ - ٣] سورة السجدة سورة مكية، ثبت عن رسول الله ﷺ أنه كان يقرأ بها في الركعة الأولى من صلاة الفجر من يوم الجمعة، وقد افتتحت السورة بذكر الحروف المقطعة التي استفتح الله سبحانه بها بعض السور ليبين لمشركي العرب أن هذا القرآن المعجز من جنس الحروف التي يتكلمون بها.

стр. 1279

بيان فضل سورة السجدة سورة السجدة سورة مكية اشتملت على ثلاثين آية، وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ كان يقرأ بسورة السجدة في فجر يوم الجمعة في الركعة الأولى، ويقرأ في الركعة الثانية بسورة الإنسان. وروى الإمام أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ كان يديم كل ليلة عند إرادته النوم قراءة السجدة وقراءة سورة الملك، فكان يلتزم -حسب رواية الإمام أحمد - قراءة هاتين السورتين على فراش النوم. والسورة مكية، أي: نزلت على نبينا ﵊ وهو في مكة المكرمة، وقيل: إن فيها ثلاث آيات -سيأتي بيانها- نزلت في المدينة المنورة، قال تعالى: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢].

стр. 1280

حكم قراءة البسملة مع الفاتحة قد سبق الحديث عن البسملة ومشروعيتها عند كل سورة، وأن البسملة المقطوع بها هي البسملة المذكورة في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠]، وفي غير ذلك تذكر البسملة في أول كل سورة تيمناً وتبركاً واستفتاحاً بذكر رحمة الله الرحمن الرحيم. وقراءة البسملة في أول الفاتحة مذهب الشافعي، والأحاديث بذلك ثابتة، وحصل خلاف: أيجهر بها أو يسر؟ وقد ثبت الجهر كما ثبت الإسرار، والمثبت مقدم على النافي. وبعض الأئمة يقولون: تقرأ الفاتحة بغير بسملة، وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قرأها في فريضة ونافلة، جهراً وسهراً، حتى إن الإمام الشافعي وغيره يعدون قراءة الفاتحة بلا بسملة في الصلاة كنقص آية من الفاتحة، والصلاة بذلك باطلة.

стр. 1281

قراءة الفاتحة في الصلاة وأما قراءة الفاتحة فواجبة على المصلي، سواء كان إماماً أم مؤتماً أم منفرداً، ففي الحديث المتواتر أن نبي الله ﷺ قال: (كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج) أي: ناقصة، وأمر أبا هريرة بأن يخرج إلى أسواق المدينة وينادي: (ألا لا تجزئ صلاة إلا بفاتحة الكتاب). ومن أصول الفقهاء العمل بما يخرج من الخلاف إلى الاحتياط، وهو مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة وأكثر الفقهاء المجتهدين.

стр. 1282

حكم الاستعاذة في الصلاة وأما التعوذ فقد أوجبه قوم، ودليلهم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، فعمم ليشمل ذلك القرآن في صلاة وفي غير صلاة، والخروج من الخلاف والاحتياط لصحة الصلاة عند كل المذاهب أن يتعوذ الإنسان في صلاته ويبسمل ويقرأ الفاتحة، سواء كان إماماً أم مؤتماً أم منفرداً.

стр. 1283

تفسير قوله تعالى: (الم) قال تعالى: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢] إن أكثر السور التي ابتدأت بهذه الحروف المقطعة يذكر فيها بعد تلك الحروف كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ﴾ [البقرة:١ - ٢]. فقوله تعالى: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢]، أي: تنزيل الكتاب الذي اشتمل على (الم) وأخواتها من حروف الهجاء التي بنيت عليها اللغة العربية في مفرداتها وجملها وبني عليها كتاب الله في سوره وآياته منظوماً ومنسقاً وقائماً على هذه الحروف الهجائية لم يخرج عنها قط. والله قد تحدى الخلق جناً وإنساً في أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ثم عاد فتحداهم في الإتيان بسورة من القرآن، وقد مضى على هذا التحدي ألف وأربعمائة عام والخلق لا يزالون عاجزين وسيبقون عاجزين إلى يوم النفخ في الصور، فهو معجز في اللفظ ومعجز في المعنى، فإعجازه في اللفظ يدركه المتكلمون بالعربية، وإعجازه في المعنى يدركه كل الناس، وقد كتب أحد الفرنسيين بعد أن آمن كتاباً سماه (العلوم في التوراة والإنجيل والقرآن)، ويعني بالعلوم العلوم التطبيقية التي يسمونها التكنولوجية، يقول: كل ما ورد في التوراة والإنجيل ليس صحيحاً ولا مطابقاً للعلم، مما يدل على أن التوراة غيرت وأن الإنجيل غير، ولكن ما جاء من ذلك في القرآن الكريم قد أكده العلم الحديث، كالكلام على السموات، وعلى النجوم، وعلى البحار، وعلى الطبيعة، وعلى الجبال، وعلى الطب، فالعلم الحديث على تحقيقه لذلك وتأكيده له قد سبقه القرآن، وسبق إلى الكثير مما لم يصلوا إليه بعد، وذاك هو الإعجاز، فشيء لم يكتشف ولم يعرف إلا منذ سنوات قد تحدث القرآن عنه وتكلم عنه منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام، فذلك هو الإعجاز، وذلك من علامات صدق النبي ﵊ في رسالته، وتلك الآيات التي طالما لفت القرآن الكريم إليها أنظارنا وبصائرنا مما يؤكد كونه كلام الله لم يأته باطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو الحق، والله هو الحق وما دونه الباطل، فالحقائق والمعجزات إنما نزلت وحياً على قلب محمد ﷺ بهذه الحروف المرتبة، وذكرت مفردة في أوائل السور إشارة إليها، أي: إن استطعتم الإتيان بمثله فهذه الحروف تعلمونها، وأنتم -أيها العرب- أفصح الناس وأكثر الناس بياناً وشعراً ونثراً، فاصنعوا مثله إن شئتم، وقد حاولوا، ولكن هيهات هيهات، فقد أتى بعضهم بالكلام المضحك الذي لا يكاد يسمع إلا ويهزأ الإنسان به وبقائله ويعقبه بالضحك لسخافة قائله ولغرابة قوله، وما خطر بباله أنه لا يستطيع أن يضاهي القرآن إعجازاً وبلاغة، قال هذا الزمخشري متحمساً له، وأكده من المعاصرين بالأدلة اليقينية التي تتبعها واستقرأها في جميع السور التي ذكرت فيها، وهو الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى، كما في كتابه في التفسير (أضواء البيان).

стр. 1284

تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه) قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢] كلمة (تنزيل) في كل القراءات السبع مرفوعة، وفي غير القرآن لو شئت لقلت: (تنزيلَ)، أي: بالنصب على الحال، أي: حال كونه تنزيل الله، ولكن القراءات أجمعت وتواطأت واستفاضت على رفع تنزيل. يقول تعالى: ﴿الم﴾ [السجدة:١]، وقد أخبر ﵊ بأن كل حرف في تلاوة القارئ بعشر حسنات، وقال: (لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)، أي: القارئ للقرآن والتالي لكتاب الله له بكل حرف عشر حسنات، وأتى بهذه الحروف الثلاثة المقطعة فقال: للألف عشر، وللام عشر، وللميم عشر، أي: من قال: ﴿الم﴾ [السجدة:١] فله ثلاثون حسنة، وكم في القرآن من حرف! وكم يترتب على ذلك من حسنات! ولا يترك مثل هذه الحسنات إلا محروم، ولو اعتبر القرآن تجارة مادية وانتقل لأجلها المرء إلى مختلف أقطار الأرض لكان الرابح دون غيره، فكيف بالربح في التجارة مع الله والتزود ليوم الآخرة؟! قال تعالى: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:١ - ٢] نزل هذا الكتاب من الله الذي استوى على عرشه، أمر به جبريل الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما نعد، فنزل به على قلب نبينا ﵊. وقوله تعالى: (لا ريب فيه) أي: لا ريب في أنه كتاب الله، ولا شك فيه أنه الحق، وأنه الصدق، وأنه الوحي، وأنه كلام الله ليس كلام أحد من البشر، ولا كلام ملك من الملائكة، ولا رسول من الرسل، ولكنه كلام الله المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال تعالى: (من رب العالمين) أي: تنزيل من رب العوالم ومدبرها وسيدها ومولاها وإلهها وخالقها، والعالمين: ما سوى الله، كعالم السماء والأرض والملائكة والجن والإنس والطير وكل ما تراه العين وتسمعه الأذن، فهو رب الكل ﷻ لا شريك له ولا ثاني له في إرادة، ولا في قدرة، ولا في خلق، ولا في حياة، ولا في ممات، وتعالى الله عن قول الكاذبين، وشرك المشركين، وكفر الكافرين.

стр. 1285

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣]، (أم) بمعنى: (بل)، أي: أن الكفار الجاحدين أعداء الله المعاندين مع هذا البيان وهذه الحقائق التي دل عليها العقل ودل عليها المنطق وفطر عليها الخلق يقولون: هذا القرآن مفترى افتراه محمداً، حاشاه عن ذلك، وتعالى الله عن ذلك. يقول تعالى: (أم يقولون افتراه) هذا استفهام تقريعي توبيخي، أي: أيقول هؤلاء الكذبة المفترون على الله: افتراه محمد ﷺ ؟! وكلمات الكفر التي نسمعها والتي نقرأها ليست جديدة قالها يهود أو قالها نصارى أو قالها منافقون ومرتدون بين أوساطنا، بل لقد قالها الكفار قبل، وذكرها القرآن في آياته ليرد عليها بمنطق العقل، وبمنطق البيان، وبمنطق الوحي، فكفر الكافرين المعاصرين ليس إلا تقليداً بغبغائياً قردياً، حيث أعادوا كفر من سبقهم بالقول، فقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه، وقالوا: أعانه عليه حداد وجد في مكة لا يكاد يبين نطقاً ولا فهماً، والقرآن في غاية الفصاحة والبيان، بل إن النبي ﷺ إذا قال: قال الله يكون كلامه معجزاً، ويكون كلامه في منتهى ما يكون من الفصاحة والبلاغة، حتى إذا قال كلامه نزل عن درجة ذلك البيان، فالنبي ﷺ لا يستطيع أن يقول مثله، مع أنه خاتم الأنبياء وسيد الفصحاء وأوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن الرب رب والعبد عبد، فكلام الله كلامه بينه وبين كلام المخلوقين كما بين الخالق والمخلوق.

стр. 1286

معنى قوله تعالى: (بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً) قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة:٣] أي: أعرض عن قولهم وأضرب عنه، ولذا يقولون: (بل) حرف إضراب، أي: عودة ورجوع عن القول، فدع هراءهم وأكاذيبهم (بل هو الحق من ربك) بل هو الحق، وجاء بالحق، وجاء من الحق، بل هو الكلام الموحى به، بل هو كلام الله الذي لا شك فيه ولا ريب ولا ميل. قال تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣] أي: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتنذر وتخوف وتوعد قوماً لم يأتهم قبلك نذير، أي: نبي ولا رسول، (لتنذر قوماً) أي: لتنذر العرب أولاً ثم لتنذر العالم، وقد انتهت نبوة الأنبياء قبله؛ لأن الأنبياء السابقين كانوا أنبياء لأقوامهم فحسب، وبعد رفع عيسى ﵇ بقي العالم كله في فترة لا نبي له فيها ولا رسول؛ إذ الرسل السابقون كانوا رسلاً لبني إسرائيل، وكانوا رسلاً مدة حياتهم، فانتهت نبوآتهم في أقوامهم، وانتهت نبوآتهم بموتهم، ولذلك انفرد نبينا ﵊ من بينهم بأن كانت نبوءته في حياته وبعد مماته وإلى يوم القيامة، وبأن نبوءته للأبيض والأسمر والأحمر، وفي المشارق والمغارب منذ ظهر في الديار المقدسة وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فلزم البشر كلهم بجميع لغاتهم ومللهم وألوانهم وأوطانهم وأعصرهم أن يؤمنوا بالله واحداً وبمحمد عبداً ورسولاً وخاتماً للرسل صلى الله عليه وعلى آله. يقول تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣]، فكانت الرسالة أولاً لهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] ثم أمر بأن ينذر الناس كلهم، كما قال ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي) وذكر من الخمس أن الأنبياء السابقين أرسلوا إلى أقوامهم خاصة وأرسل هو إلى الناس كافة، وقال: (ولو كان موسى حياً لما وسعه إلا أن يتبعني)، وعيسى سينزل في آخر الزمان وهو على شريعة محمد ﷺ ومن مات على الفطرة فإنه لا يعذب ولا يحاسب، يقول تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فإذا لم تكن بعثة فلا عذاب، ولا يعذب الله إلا بعد أن يبين للناس ما نزل إليهم، وما يجتنبون، وما يفعلون، وما يقولون، وما يدعون.

стр. 1287

تفسير سورة السجدة [٤ - ٦] يخبرنا الله في سورة السجدة أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام من أيام الله، وقد خلقها في هذه المدة لحكمة أرادها سبحانه، وإلا فهو إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: (كن) فيكون.

стр. 1288

تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما) قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤]. يخبرنا الله ﷻ في هذه الآية من سورة السجدة المباركة المكرمة كيف خلق الخلق، فقال: (الله) أي: وحده، (الله الذي خلق السموات) أي: الأولى والثانية إلى السابعة وما بينهما، (والأرض) الأولى والثانية إلى السابعة وما بينها، وما بين السموات والأرض من أنجم وكواكب وأقمار وشموس، مما لا يحصي عدده إلا الله. وبيننا وبين السماء خمسمائة عام، وهي أطباق، ولها أبواب، فعندما أسري بنبينا ﵊ كان جبريل يطرق كل باب في كل سماء، فيقال: من؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معك؟ فيقول: محمد، فيقال: هل أذن له؟ فيقول: نعم. فيفتح الباب، والوصول إلى السماء لا يقوله عاقل ولم يدعه أحد، وما وصل الناس اليوم إلا إلى بعض الأفلاك التي هي مصابيح في سماء الدنيا، وإن كان كل ما علا فهو سماء في لغة العرب.

стр. 1289

المراد بالستة الأيام يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [السجدة:٤] خلق ذلك في ستة أيام ولم يعنه أحد، ولم يستشر أحداً، ولم يكن معه في ذلك شريك ولا وزير ولا مساعد، تعالى الله عن كل ذلك، وكان كل ذلك هيناً عليه، لا يحتاج لأكثر من (كن) فكان، وكونه خلق ذلك في ستة أيام لإرادته، وليس ذلك لكثرة العمل أو كثرة الخلق، فلا يحتاج الله إلى ذلك، ولا يحتاج لأكثر من (كن) فيكون بإرادة الله ﷻ . يقول تعالى: (في ستة أيام) قال ابن عباس: اليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، وسيأتي في الآية التالية: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] أي: خلقها في ستة آلاف عام بعدد أعوام الأرض، فهي ستة أيام من أيام الله التي عنده، أما يوم الأرض في حسابنا فهو أربع وعشرون ساعة مشتمل على ليل ونهار، والشهر مشتمل على تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً، والسنة مشتملة على اثني عشر شهراً، ولكن اليوم عند ربك ليس كذلك، والكل خلقه والكل أمره والكل بإرادته، فاليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، أي: خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة آلاف سنة من سنوات الأرض التي نعد بها، هكذا قال ابن عباس، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] والدليل ظاهر واضح.

стр. 1290

معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤] قالوا: (ثم) ليست للترتيب، ولكن معناها الواو، أي: واستوى على العرش أما الاستواء فلا نقول فيه إلا ما قاله سلفنا الصالح وأئمتنا رضوان الله عليهم؛ إذ القرآن نزل بلغة العرب، واللغة العربية وسعت كل شيء في الكلام، ولكن الحقائق الأزلية الإلهية تعجز عن جمعها جميع لغات الأرض. سئل الإمام مالك ﵁ فقيل له: يا أبا عبد الله! ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ما معنى استوى؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، يا شرطي خذ بهذا إلى خارج المسجد؛ لأنه اعتبر سؤاله بدعة، فالصحابة ما كانوا يسألون مثل هذه الأسئلة؛ لأن الجواب عنها لا يمكن أن تجمعه كلمة ولا لغة، فكلمة (استوى) كيفيتها؟ الله أعلم بها، ولذلك قال له: الاستواء كما في لغة العرب معلوم، والكيف مجهول، فمن اعتقد تكييفه كفر، ولذلك قال: والكيف مجهول، فكيفية ذلك لا يعلمها إلا الله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا يشبه الله أحد من خلقه. ولذلك يقول علماؤنا: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله. فالعقول لا تقبل ذلك ولا يمكن أن تتصوره، فإن حاولت أشركت وضلت وكفرت، وقد حاول النصارى أن يفعلوا ذلك، فتصوروا إلههم إنساناً صلبوه وتغلبوا عليه، فضاعت عقولهم وانحرف دينهم. وعلماء الكلام المتأخرون يؤولون، فيقولون: الاستواء الاستيلاء، وهذا تحريف للكلام عن مواضعه؛ لأن (استوى) لغة ليس بمعنى (استولى)، ثم إن معنى استولى أنه كان بينه وبين غيره نزاع فتغلب فانتصر فاستولى، ولا يقول بهذا مسلم، فقول السلف في هذا أحكم وأسلم وأقرب إلى ما يريده الله ﷻ ، ولم نكلف بسوى ذلك، ومن هنا قال مالك: السؤال عن هذا بدعة، وأمر شرطياً في المسجد بأن يخرج ذلك السائل من المسجد حتى لا يؤذي الناس بضلالاته وجهالاته.

стр. 1291

معنى قوله تعالى: (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع) قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] أي: ما لكم أيها الناس وأيها الخلق مهما طلبتم وسعيتم وراء الشريك والكفر بالله ولي من دون الله، فلا ناصر لكم ولا راحم لكم من دونه، فليس لكم من دون الله من يتولاكم، ولا من ينصركم، ولا من يأخذ بأيديكم، ولا من يغفر ذنوبكم، فلا نصير إلا الله، ولا ولي إلا الله، فأسلموا تسلموا. فقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤]. أي: ليس لهم ولي ولا ناصر غير الله، ولن يشفع فيهم أحد بغير إذن الله، بأن يأذن لخلقه ملائكة أو رسلاً أو صالحين بالشفاعة، فيشفع الملائكة، ويشفع النبي، ويشفع الأب، ويشفع الولد، ويشفع الصالح، ويشفع الشيخ والتلميذ، ولكن بعد إذن الله، وبعد إرادة الله، وبعد أن يأذن الله لمن شاء أن يشفع أو يتكلم، وإلا فلا شفيع بغير إذنه. قال تعالى: (أفلا تتذكرون) هذا استفهام تقريري.

стр. 1292

تفسير قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]. قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)، أي: يأمر ملائكته، فملك الموت للموت، وملك الرياح للرياح، وملك الأجنة للأجنة، وملك الأنهر للأنهر، وقد جعل الله لكل عمل جنوداً قائمين به وجعل عليهم جندياً كبيراً مسئولاً، كما كلف بعض البشر بدعوة الناس إليه ودفع الشرك والأوثان، والإيمان بالله وباليوم الآخر، فالله يدبر أمر السماء وأمر الأرض خلقاً ورزقاً، وحياة ومماتاً، من السماء إلى الأرض.

стр. 1293

معنى قوله تعالى: (ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة) وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٥] أي: ثم بعد تدبير الأمر في السموات والأرض تعرج الملائكة إليه ﷻ إلى سدرة المنتهى. قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، فالصعود إلى السماء خمسمائة عام، والهبوط منها خمسمائة عام، وهذا بالنسبة إلى البشر، أما بالنسبة للملائكة فهذه الألف سنة تكون كيوم من أيامنا، فيقطعون ألف عام في يوم. فالملائكة تصعد إليه ﷻ لتبلغه عملها وما كلفت به، ومن المعلوم أن لكل إنسان ملكين عن اليمين وعن الشمال، يحصي من عن اليمين الحسنات ويحصي من عن اليسار السيئات، وقد قال نبينا ﵊ في هذا المعنى: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، فهؤلاء يذهبون إلى ربهم بما كتبوا خلال ذلك اليوم في ليله ونهاره ثم يأتي غيرهم، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، فقرآن الفجر تشهده الملائكة، فالملائكة عندما يصعدون إلى ربهم في يوم كان مقداره ألف سنة من أيامنا يذهبون من عندنا ونحن نتلو القرآن، ويأتي الفوج الثاني عند الفجر ونحن نقرأ القرآن، فيشهدون لنا عند ربهم، فيقولون: أتينا فلان ابن فلان وهو يقرأ القرآن، وتركناه وهو يقرأ القرآن، فهي شهادة ما أزكاها من شهادة وما أعلاها من شهادة! فهو يقرأ القرآن بين طرفي النهار، فتلك شهادة يفوز بها من شهد له بها.

стр. 1294

تفسير قوله تعالى: (ذلك عالم الغيب والشهادة) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦]. أي: أن خالق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما نعد في أيامنا، والذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض (عالم الغيب والشهادة)، أي: هو عالم الغيب والشهادة، والإشارة إليه ﷻ بأنه هو عالم الغيب يعلم ما غاب عن الخلق، ويعلم الشهادة، ولا فرق عنده بين الشهادة والغيب، يعلم كل ذلك علماً يقينياً، علم الخالق الرازق المدبر، في الوقت الذي لا يعلم ذلك سواه.

стр. 1295

معنى قوله تعالى: (العزيز الرحيم) قال تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦] العزيز الذي لا يذل ولا يغلب، القاهر في كل شيء ﷻ ، الرحيم بمن لا يحاول أن يغالبه أو يشرك به أو يعاند رسله، أو يخرج عن طاعته، رحيم به يدخله الجنة، ويغفر ذنبه، ويرضى عنه.

стр. 1296

تفسير سورة السجدة [٦ - ١١] بعد أن أخبرنا الله في سورة السجدة أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام أخبرنا عن خلقه للإنسان وبدايته ومراحله وإنكار الكافرين للبعث، وشبهتهم في ذلك، وليس هذا الإنكار إلا كفراً بالله .

стр. 1297

تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) قال الله ﷻ : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٦ - ٧]. قوله تعالى: (ذلك)، الإشارة إلى خالق السموات والأرض، الذي على العرش استوى، الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. أي: أنا الله عالم الغيب والشهادة، عالم ما غاب عن الخلق، وما شهدوه، المنفرد بالخلق، العزيز الذي لا يقام له، الرحيم بخلقه وعباده المؤمنين، الذي أحسن كل شيء خلقه. فهذه الصفات كلها صفات لله تعالى، فهو خالق السموات والأرض، وهو عالم الغيب والشهادة، وهو العزيز الرحيم، الذي أحسن كل شيء خلقه، أي: الذي أحسن خلق كل شيء وأتقنه على حسب مراده، وحسب أمره، مهما اختلفت الألوان، واختلفت الأنواع من جن وأنس وحيوان ودابة وطائر، قد أتقن خلقهم جميعاً طعاماً وشراباً، وبصراً وسمعاً، وأدوات يعيش عليها ويعيش بها، حتى تلك الحشرة التي لا تكاد ترى بالعين الباصرة خلقها وأتقن خلقها وأحسنه، فجعل لها لساناً، وسمعاً وبصراً ومعدة، وخصها بذكورة وأنوثة للتوالد والتناسل، كل ذلك أتقنه، وكل ذلك أحسنه، وكل ذلك انفرد الله ﷻ بخلقه.

стр. 1298

معنى قوله تعالى: (وبدأ خلق الإنسان من طين) فالله كما أخبر بخلقه للسموات والأرض يخبرنا هنا ﷻ كيف بدأ خلق الإنسان، فقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]. فبدأ خلقه للإنسان من طين أخذه من مختلف بقاع الأرض، أسودها وأحمرها، ومجدبها، ولهذا خرج الإنسان متلوناً بين أبيض وأسود، ومتنوعاً بين بليد وذكي، وقصير العمر وطويله، وكل ذلك يرجع إلى الطينة الأولى. فبدأ خلق الإنسان من طين جمعه من أنواع أتربة الأرض وطينها ﷻ ، وبقي بعد ذلك زمناً الله أعلم بقدره، وكان الشيطان يرى ذلك ويدور حوله ويدخل في جوفه ويقول: لأمر ما خلق هذا! فمن اليوم الأول أنكره، وانتظر منه شراً عليه، ووبالاً على حياته ومستقبله، وهكذا كان. فكان الأصل الأول والبداية الأولى في خلق الإنسان الطين، فكذلك خلق أبونا الأول آدم، وبعد ذلك خلقت منه زوجه من ضلع من أضلاعه أعوج كما قال النبي عليه الصلاة السلام كما في الصحاح، فلذلك قال عليه الصلاة السلام عن المرأة: (إن استمتعت به استمتعت به على عوج، وأن أنت ذهب تقيمه كسرته).

стр. 1299

تفسير قوله تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨] أي: ذريته وأولاده ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]. أي: من ماء مهين يخرج من صلبه، ومن ترائب حواء بعد ذلك، فأخرج منه ماء مهيناً لا يأبه به، أي: نطفة ضعيفة لا تكاد تلفت نظراً، فهي من الضعف في المكان الذي قال الله عنها: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة:٨ - ٩]. أي: ثم سوى هذا الخلق، وهذه النطفة التي خرجت من صلب آدم وترائب حواء وتسلسلت بعد ذلك، فكانت السلالة والذرية، سلالة آدم وحواء، وذرية آدم وحواء، فهذه النطفة سواها الله تعالى بشراً سويا، وسواها خلقاً كاملا، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام غير مكسوة لحماً ثم إلى عظام كسيت لحماً، إلى أن نفخ فيه الروح، إلى أن أصبح جنيناً تاماً إلى أن خرج إلى الوجود بشراً كاملاً له ما للكبار من حواس ومن أدوات حياة، وهكذا من طور إلى طور، فهذا خلق الله للإنسان وذاك خلقه للسموات والأرض.

стр. 1300

تفسير قوله تعالى: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَِ﴾ [السجدة:٩]. كما نفخ في آدم من روحه تشريفاً له نفخ في هذا الماء، فعندما تنتهي تلك الأطوار كلها يأمر الملك فينفخ فيه الروح، فيصبح بشراً سوياً كاملاً لا فرق بينه وبين الكبير، إلا أن هذا لا يزال ضعيفاً ولا تزال أمامه أطوار يتنقل فيها ليصبح رجلاً أو امرأة كاملة. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٩] فما الروح؟ يقول ربنا ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. فالروح مما استأثر الله بعلمه مع مفاتح الغيب، فلا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم بأي أرض يموت الإنسان إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا خالق ما فيها، ولا يدري الإنسان متى تقوم الساعة إلا الله، فتلك علوم استأثر الله بها لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وكذلك الروح، لا يعلمها إلا خالقها، فنحن نرى آثارها ولا نراها هي، ولا ترى، نرى الجسم يتحرك كلاماً ونظراً وسمعاً وبصراً وذوقاً ومشياً وما إلى ذلك من الفهم والعقل والتدبر، ثم يخرج منه شيء وإذا به يصبح جثة هامدة لا حراك بها، وإن تركناه مكشوفاً جيف، ولذلك يسرع أقرب الأحباء إليه إلى دفنه، وإلى تغييبه في الأرض. فالروح إذا دخلت الجسم وعاشت حسب إرادة الله لا يجيف الجسد ذلك، ولا يخرج منه ما يكره، إلا إذا كان المرء قذراً لا يتنظف. أما الميت فمهما غسلته لا بد من أن يجيف؛ لأن الروح قد خرجت عنه. يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] فاستأثر بعلمها. والإنسان في هذا العصر وفي العصور الماضية طالما أغرى نفسه بمعرفة الروح، وهناك طوائف من الكفار زعموا أنه في قدرتهم أن يصنعوا الروح كما صنعوا الطائرة والدبابة، ولكنهم يضربون في حديد بارد، ويفكرون تفكير المجانين، وتفكير من لا عقل له ولا إدراك. فذهب بعضهم فأخذ النطفة البشرية وجعلها في قارورة، وانتظر بها الأيام وإذا بالنطفة تكبر فتصبح مضغة، ثم تصبح قطعة لحم، ثم مضى عليها الشهور فلم تتغير ولم تشكل ولم تسو، فقامت قيامتهم في الأرض، فقالوا: ها نحن استطعنا أن نبتدئ خلق الإنسان، وإن أخطأنا الآن أو فشلنا فسنصيب مستقبلاً، وسيزول فشلنا. وهم بهذا مجانين، إذ لو فرضنا أن هذه البذرة استطاعوا أن يكونوها؛ فإنها ليست خلقهم، وليست من إيجادهم، فهي كالحبة من النبت نزرعها في الأرض فإذا بها شجرة، وإذا بها نخلة في أجواء السماء، فمن الذي خلق تلك البذرة، وجعل لها التراب والسماد والشمس والقمر والمياه التي كانت بها تتغذى؟! لا جواب إلا أن فاعل ذلك هو الله، فما الذي صنعه الإنسان؟ فلو جاءنا إنسان معه سنبلة قمح أو جريدة من نخل، فقال: أنا خلقت هذه، فسألناه: كيف خلقتها؟ فقال: جئت إلى النواة فوضعتها في تراب خصب، وسقيتها فأشرقت عليها الشمس، وأضاء عليها القمر، وهكذا إلى أن نمت، لأخذناه إلى مستشفى المجانين وقلنا: قد فقد عقله مع فقده لدينه، فما الذي صنعه؟! وقد تحدى الله الخلق في أن يخلقوا ذبابة، ولو اجتمعوا على خلقها من أقطار السموات والأرض لعجزوا ولما استطاعوا، بل لو سلبهم الذباب شيئاً لما استنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب. فالله هو الخالق وحده، وما صنعناه من طائرات وسفن وما إلى هذا من المخترعات التي رآها الإنسان، فطغى بها وتجبر وأشرك بالله ليس له فيه غير التركيب. فالطائرة -وهي أعظم ما يتفاخر به- هي عبارة عن شيء من الحديد والأخشاب تطير بشيء من السوائل خلقه الله نسميه النفط، والأجواء هي خلق الله، تحمل الجسم إذا طار فيها. والعقل الذي جاء بهذه الأشياء من حديد وخشب ونفط وضم بعضها إلى بعض لم نخلقه نحن، ولكن الله الذي خلقه، وما أصدق عبارة القائل: إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك.
следующие страницы →