← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

تفسير سورة السجدة [٦ - ١١] بعد أن أخبرنا الله في سورة السجدة أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام أخبرنا عن خلقه للإنسان وبدايته ومراحله وإنكار الكافرين للبعث، وشبهتهم في ذلك، وليس هذا الإنكار إلا كفراً بالله .

стр. 1297

تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه) قال الله ﷻ : ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٦ - ٧]. قوله تعالى: (ذلك)، الإشارة إلى خالق السموات والأرض، الذي على العرش استوى، الذي يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. أي: أنا الله عالم الغيب والشهادة، عالم ما غاب عن الخلق، وما شهدوه، المنفرد بالخلق، العزيز الذي لا يقام له، الرحيم بخلقه وعباده المؤمنين، الذي أحسن كل شيء خلقه. فهذه الصفات كلها صفات لله تعالى، فهو خالق السموات والأرض، وهو عالم الغيب والشهادة، وهو العزيز الرحيم، الذي أحسن كل شيء خلقه، أي: الذي أحسن خلق كل شيء وأتقنه على حسب مراده، وحسب أمره، مهما اختلفت الألوان، واختلفت الأنواع من جن وأنس وحيوان ودابة وطائر، قد أتقن خلقهم جميعاً طعاماً وشراباً، وبصراً وسمعاً، وأدوات يعيش عليها ويعيش بها، حتى تلك الحشرة التي لا تكاد ترى بالعين الباصرة خلقها وأتقن خلقها وأحسنه، فجعل لها لساناً، وسمعاً وبصراً ومعدة، وخصها بذكورة وأنوثة للتوالد والتناسل، كل ذلك أتقنه، وكل ذلك أحسنه، وكل ذلك انفرد الله ﷻ بخلقه.

стр. 1298

معنى قوله تعالى: (وبدأ خلق الإنسان من طين) فالله كما أخبر بخلقه للسموات والأرض يخبرنا هنا ﷻ كيف بدأ خلق الإنسان، فقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]. فبدأ خلقه للإنسان من طين أخذه من مختلف بقاع الأرض، أسودها وأحمرها، ومجدبها، ولهذا خرج الإنسان متلوناً بين أبيض وأسود، ومتنوعاً بين بليد وذكي، وقصير العمر وطويله، وكل ذلك يرجع إلى الطينة الأولى. فبدأ خلق الإنسان من طين جمعه من أنواع أتربة الأرض وطينها ﷻ ، وبقي بعد ذلك زمناً الله أعلم بقدره، وكان الشيطان يرى ذلك ويدور حوله ويدخل في جوفه ويقول: لأمر ما خلق هذا! فمن اليوم الأول أنكره، وانتظر منه شراً عليه، ووبالاً على حياته ومستقبله، وهكذا كان. فكان الأصل الأول والبداية الأولى في خلق الإنسان الطين، فكذلك خلق أبونا الأول آدم، وبعد ذلك خلقت منه زوجه من ضلع من أضلاعه أعوج كما قال النبي عليه الصلاة السلام كما في الصحاح، فلذلك قال عليه الصلاة السلام عن المرأة: (إن استمتعت به استمتعت به على عوج، وأن أنت ذهب تقيمه كسرته).

стр. 1299

تفسير قوله تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين) قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨] أي: ذريته وأولاده ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]. أي: من ماء مهين يخرج من صلبه، ومن ترائب حواء بعد ذلك، فأخرج منه ماء مهيناً لا يأبه به، أي: نطفة ضعيفة لا تكاد تلفت نظراً، فهي من الضعف في المكان الذي قال الله عنها: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة:٨ - ٩]. أي: ثم سوى هذا الخلق، وهذه النطفة التي خرجت من صلب آدم وترائب حواء وتسلسلت بعد ذلك، فكانت السلالة والذرية، سلالة آدم وحواء، وذرية آدم وحواء، فهذه النطفة سواها الله تعالى بشراً سويا، وسواها خلقاً كاملا، من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى عظام غير مكسوة لحماً ثم إلى عظام كسيت لحماً، إلى أن نفخ فيه الروح، إلى أن أصبح جنيناً تاماً إلى أن خرج إلى الوجود بشراً كاملاً له ما للكبار من حواس ومن أدوات حياة، وهكذا من طور إلى طور، فهذا خلق الله للإنسان وذاك خلقه للسموات والأرض.

стр. 1300

تفسير قوله تعالى: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه) قال تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَِ﴾ [السجدة:٩]. كما نفخ في آدم من روحه تشريفاً له نفخ في هذا الماء، فعندما تنتهي تلك الأطوار كلها يأمر الملك فينفخ فيه الروح، فيصبح بشراً سوياً كاملاً لا فرق بينه وبين الكبير، إلا أن هذا لا يزال ضعيفاً ولا تزال أمامه أطوار يتنقل فيها ليصبح رجلاً أو امرأة كاملة. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٩] فما الروح؟ يقول ربنا ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]. فالروح مما استأثر الله بعلمه مع مفاتح الغيب، فلا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم بأي أرض يموت الإنسان إلا الله، ولا يعلم ما في الأرحام إلا خالق ما فيها، ولا يدري الإنسان متى تقوم الساعة إلا الله، فتلك علوم استأثر الله بها لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل. وكذلك الروح، لا يعلمها إلا خالقها، فنحن نرى آثارها ولا نراها هي، ولا ترى، نرى الجسم يتحرك كلاماً ونظراً وسمعاً وبصراً وذوقاً ومشياً وما إلى ذلك من الفهم والعقل والتدبر، ثم يخرج منه شيء وإذا به يصبح جثة هامدة لا حراك بها، وإن تركناه مكشوفاً جيف، ولذلك يسرع أقرب الأحباء إليه إلى دفنه، وإلى تغييبه في الأرض. فالروح إذا دخلت الجسم وعاشت حسب إرادة الله لا يجيف الجسد ذلك، ولا يخرج منه ما يكره، إلا إذا كان المرء قذراً لا يتنظف. أما الميت فمهما غسلته لا بد من أن يجيف؛ لأن الروح قد خرجت عنه. يقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] فاستأثر بعلمها. والإنسان في هذا العصر وفي العصور الماضية طالما أغرى نفسه بمعرفة الروح، وهناك طوائف من الكفار زعموا أنه في قدرتهم أن يصنعوا الروح كما صنعوا الطائرة والدبابة، ولكنهم يضربون في حديد بارد، ويفكرون تفكير المجانين، وتفكير من لا عقل له ولا إدراك. فذهب بعضهم فأخذ النطفة البشرية وجعلها في قارورة، وانتظر بها الأيام وإذا بالنطفة تكبر فتصبح مضغة، ثم تصبح قطعة لحم، ثم مضى عليها الشهور فلم تتغير ولم تشكل ولم تسو، فقامت قيامتهم في الأرض، فقالوا: ها نحن استطعنا أن نبتدئ خلق الإنسان، وإن أخطأنا الآن أو فشلنا فسنصيب مستقبلاً، وسيزول فشلنا. وهم بهذا مجانين، إذ لو فرضنا أن هذه البذرة استطاعوا أن يكونوها؛ فإنها ليست خلقهم، وليست من إيجادهم، فهي كالحبة من النبت نزرعها في الأرض فإذا بها شجرة، وإذا بها نخلة في أجواء السماء، فمن الذي خلق تلك البذرة، وجعل لها التراب والسماد والشمس والقمر والمياه التي كانت بها تتغذى؟! لا جواب إلا أن فاعل ذلك هو الله، فما الذي صنعه الإنسان؟ فلو جاءنا إنسان معه سنبلة قمح أو جريدة من نخل، فقال: أنا خلقت هذه، فسألناه: كيف خلقتها؟ فقال: جئت إلى النواة فوضعتها في تراب خصب، وسقيتها فأشرقت عليها الشمس، وأضاء عليها القمر، وهكذا إلى أن نمت، لأخذناه إلى مستشفى المجانين وقلنا: قد فقد عقله مع فقده لدينه، فما الذي صنعه؟! وقد تحدى الله الخلق في أن يخلقوا ذبابة، ولو اجتمعوا على خلقها من أقطار السموات والأرض لعجزوا ولما استطاعوا، بل لو سلبهم الذباب شيئاً لما استنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب. فالله هو الخالق وحده، وما صنعناه من طائرات وسفن وما إلى هذا من المخترعات التي رآها الإنسان، فطغى بها وتجبر وأشرك بالله ليس له فيه غير التركيب. فالطائرة -وهي أعظم ما يتفاخر به- هي عبارة عن شيء من الحديد والأخشاب تطير بشيء من السوائل خلقه الله نسميه النفط، والأجواء هي خلق الله، تحمل الجسم إذا طار فيها. والعقل الذي جاء بهذه الأشياء من حديد وخشب ونفط وضم بعضها إلى بعض لم نخلقه نحن، ولكن الله الذي خلقه، وما أصدق عبارة القائل: إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليك.

стр. 1301

معنى قوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة:٩]. فنحن كلنا على اختلاف ألواننا وأشكالنا ولغاتنا وأدياننا، والأصقاع التي نعيش فيها، كلنا فينا ما في أحدنا، حيث جعل الله لنا السمع لنسمع، وخلق لنا الأبصار. والإبصار: جمع بصر، والأفئدة: جمع فؤاد، وهو العقل، فهو الذي خلق لنا العقل لنفهم به، وعلى أساسه يجعل الحساب والعقاب، والتكليف قبل ذلك، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار. فهذا الإنسان الذي يطغى ويشرك مع الله غيره، ويؤذي الناس بأنواع من الطغيان والجبروت، كسفك دم، وأكل مال، وهتك عرض، لا يزيد في الخلقة عن غيره ولا ينقص شيئاً، وقد يكون هذا الظالم -في أغلب الأحيان- أقبح من المظلوم، وأذل منه وأشقى، وذلك المظلوم أشرف منه بما لا يعد ولا يحصى. وقد روي أن النبي ﷺ كان في نفر من أصحابه، فمر بهم رجل، فسألهم رسول الله ﷺ عنه، فقالوا: هذا حري إن خطب لا ينكح، وإن قال لا يسمع، وإن شفع لا يشفع. ثم مر آخر فسألهم عنه فقالوا: هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن قال أن يسمع، وإن شفع أن يشفع، فقال رسول الله ﷺ : (ذاك خير عند الله من ملء الأرض من مثل هذا). ومعنى ذلك أن ذاك الذي كان يدل شكله وظاهره على إنه إنسان عاقل مؤمن كان منافقاً، وأن ذلك المسكين الذي ازدرته العين كان صالحاً، وكان مؤمناً صادقاً، ولكنه كان من الذين إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، كان من عباد الله الصالحين الذين إذا لم يعرفهم الناس كفاهم أن الله خالقهم يعرفهم، ويرزقهم, وأكرمهم بالمعرفة، وأكرمهم بالصلاح، وفي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]، فالكريم على الله التقي المتقرب إليه بأنواع الطاعات والعبادات.

стр. 1302

معنى قوله تعالى: (قليلاً ما تشكرون) قال تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٩]. أي: قلما تشكرون ربكم على هذه النعم الظاهرة والباطنة، فقد خلقكم الله ليكرمكم بالجنة وبالرحمة وبالرضا، ولكنكم كفرتم بهذه النعمة، ففقد من فعل ذلك مستقبل دنياه وآخرته. فالله تعالى خلق لنا الأسماع والأبصار والأفئدة والحواس، وخلق العوالم مسخرة ومذللة لهذا المؤمن الذي يقول: (لا إله إلا الله)، فإن هو قام بما وجب عليه من أداء حقوقها، وعاش على ذلك إلى أن لقي ربه؛ كان من المؤمنين القانتين الذي يرجى لهم الخير والرحمة والرضا، وإن أهدر حياته فلم يستفد منها، ولا من شبابه، وأضاع كل ذلك فقد خسر، فيفجأ بالملكين يسألانه في القبر: ما دينك؟ من ربك؟ من نبيك؟ وإذا به يقول: قال الناس قولاً فقلت قولهم، قالوا الصليب فقال الصليب، كان إمعة حتى في الكفر، يقول ما قاله الناس بلا علم ولا معرفة ولا كتاب من الله منير. فالخلق أكثرهم كفرة، والكافر لو شكر الله لآمن به، فهو جاحد دوماً، كافر بنعم الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ولهذا كان الشاكرون قلة.

стр. 1303

تفسير قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة:١٠]. قال هؤلاء المشركون الذين لا يشكرون الله على نعمه، ولا يذكرونه، ولا يقول الواحد منهم يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، قالوا: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]. وهو استفهام إنكاري من جاحد كافر. ومعنى: (ضل في الأرض) غاب فيها، وهلك فيها، فلم يبق له وجود ولا كيان، يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غاب فيه، ولم يبق له أثر من حيث النظر. فهم يستفهمون منكرين جاحدين قائلين: أئذا غبنا في الأرض وهلكنا ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]؟! أي: هل يمكن أن نرجع مرة أخرى، ونخلق ونبعث خلقاً جديداً وبعثة جديدة؟! قالوا ذلك لكفرهم، ولو فكروا قليلاً واستعملوا عقولهم قليلاً لعلموا أن القادر على النشأة الأولى قادر على الإعادة، قال تعالى عن جاحد كافر: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فمن الذي أنشأها على غير مثال سابق؟ ومن الذي أوجدها من عدم لا مخرج من أن يقولوا: الله، وإذا كان كذلك فالذي قدر على إيجادها من عدم، وأنشأها بلا مثال سابق، أهون عليه -والكل هين عليه- أن يعيد حياتها ووجودها وكيانها مرة ثانية، فذاك منطق العقل لمن له عقل، وأين العقل من الكافرين المشركين الذين قال الله عنهم: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]؟! لقد فكروا في الأكل والشرب، وفكروا في البطن والفرج، وفكروا في الزوجة والولد، ولم يفكروا يوماً في خلقهم، وكيف سيموتون، ولماذا يموتون، وماذا بعد الموت، على أن الأنبياء طالما قرعوا أسماعهم بما سمعوه عن الخلق جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر بالكتب المنزلة عليهم، وبما سجله علماؤهم، والمؤمنون منهم، فأعرضوا عن كل ذلك، وأبوا إلا الجحود والكفر والضلال، فهم يتعجبون قائلين: ﴿أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ [السجدة:١٠]، أي: غبنا في الأرض وهلكنا وفنينا: ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]. أي: أنكون خلقاً جديداً؟ أيمكن أن نبعث كما يقول ذلك محمد صلى الله عليه وعلى آله؟! وطالما ضرب الله الأمثال على هذا، أرانا الأرض وهي ميتة جدباء قاحلة ليس فيها نبت ولا حياة، وإذا بالله ﷻ يمطرها بالغيث، فإذا بها تهتز، فتخرج من داخلها أنواع من الخضراوات ومن الثمار مما يعيش عليه الحيوان والناس. فهذه الأرض كانت ميتة، رأينا موتها بأبصارنا، ثم بعد ذلك اهتزت بقليل من الغيث وربت وتحركت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ومن كل زوج كريم، أليست هذه حياة جديدة؟ فالنخلة تعطي ثمرها كل سنة، فتعطينا بلحاً، وتعطينا رطباً، وتعطينا تمراً، أليس هذا خلقاً جديداً يتجدد كل عام، ويتجدد حسب الفصول والأعوام؟! وهكذا نحن، فأمنا الأرض، منها خرجنا ومنها خلقنا، وإليها سنعود، ومنها سنخرج مرة ثانية عندما ينفخ إسرافيل في الصور، وإذا بنا قياماً بين يدي رب العالمين.

стр. 1304

معنى قوله تعالى: (بل هم بلقاء ربهم كافرون) قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة:١٠]. هذا إضراب عن قولهم السابق، لأن (بل) حرف إضراب، فهؤلاء قالوا كفرهم كأنهم يستدلون وكأنهم يناقشون وكأنهم يحاورون، ولا حوار ولا استدلال ولا سلطان ولا دليل في الحقيقة، إن هو إلا الكفر بالله، والشرك به، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة:١٠]. أي: بل قد كفروا بيوم البعث، وبلقاء الله يوم العرض عليه، وبالدار الثانية التي لا تفنى ولا تزول، فمن دخل الجنة فإلى أبد الأباد، ومن دخل النار فإلى أبد الأباد، لا موت بعد ذلك لمن كان في نعيم ولا لمن كان في جحيم. فكفر هؤلاء، وتقليدهم للآباء والأجداد، أدى بهم إلى قول ذلك بغير دليل ولا سلطان، فهو كلام كرروه تكرير القردة والببغاوات بلا منطق ولا دليل.

стр. 1305

تفسير قوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]. أي: قل -يا رسولنا- لهؤلاء: نحن خلقناهم، ونحن سنميتهم، ونحن سنبعثهم تارة أخرى. وقوله تعالى: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم﴾ [السجدة:١١]. هو الذي جعله الله جندياً عبداً مكلفاً بذلك، كما كلف رسل البشر بتبليغ الناس كتاب الله، ودين الله، وما يصلحهم في الدنيا وما ينجيهم في الآخرة. وأرسل رسوله من الملائكة لقبض الأرواح، وهذا لحياة الأجنة، وهذا للمطر, وهذا للتراب، وهذا للبحار، كلٌ مكلف، وكل موكل بأمر يقوم به، والفاعل لكل ذلك هو الله ﷻ . فقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]. أي: قل -يا رسولنا- سيتوفاكم ملك الموت، يقال: توفى كذا، أي: استوفى عدده. والعدد هنا الأجل المسمى الذي خلق الله الإنسان عليه، فلكل منا أجل مسمى عند الله، وإن كنا لا نعلمه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤]. فلا نعلم ما يأتي غداً، ولكننا نرجو خيره، ونعوذ بالله من ضرره، فلا يعلم ذلك إلا الله ﷻ . فالملك المكلف بالموت يتوفاكم، فيستوفي الأجل الذي ضرب لكم، والله هو الذي يعلمه. يقول تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١] أي: يميتكم ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة:١١]، فقد جعله الله وكيلاً مكلفاً بقبض الأرواح. والملك المكلف الذي يعتبر رئيساً في قبض الأرواح سمي في بعض الآثار (عزرائيل)، وتعني كلمة عزرائيل (عبد الله)، ومعه ملائكة وجند لا يحصي عددهم إلا الله، هم تحت أمره وتصرفه، يأمره الله ﷻ بالقبض، فيأمر جنده فيعاونونه على ذلك. ولذلك فلا حاجة إلى استغراب كونه واحداً، ويقبض في اليوم الواحد أرواح عشرات الآلاف من الخلق. وكذلك الملك المكلف بنفخ الروح في الجنين في رحم أمه، فليس هو واحداً، بل هو ملك مكلف، وله جند وأعوان. فهناك جند وأعوان تحت تصرف ملك الموت، يقبضون الأرواح بأمر الله، والله هو القابض في الحقيقة، فهو المحيي وهو المميت، وإنما وكل بذلك ملك الموت ومن معه من جند ومن أعوان.

стр. 1306

معنى قوله تعالى: (ثم إلى ربكم ترجعون) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١]. فبعد ذلك ترجعون إلى الخلق الجديد الذي أنكرتموه، فستعودون إلينا، فنحاسبكم على مثل هذا القول، وعلى هذا الكفر والجحود إن أنتم متم عليه.

стр. 1307

تفسير سورة السجدة [١٢ - ١٦] يبين الله لنا حال الكافرين والمجرمين يوم القيامة بعد عودة أرواحهم إلى أجسادها، ووقوفهم بين يدي ربهم منكسي الرءوس، وأنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، لكن سبق القول منه سبحانه بأنه سيملأ جهنم من الكافرين المعاندين المتكبرين، الذين أبوا إلا الكفر والطغيان.

стр. 1308

تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم) قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]. يقول الله لنبيه ﷺ : لو ترى هؤلاء المجرمين المشركين الكافرين بعد أن عادت إليهم الأرواح يوم القيامة، فوقفوا يبين يدي ربهم منكسي الرءوس. وكل خطاب للنبي ﷺ هو خطاب كذلك لأمته ولأتباعه من الجن والإنس. فالله تعالى يقول: لو رأيت هؤلاء المجرمين المشركين الكافرين وقد عادوا للحياة الثانية التي أنكروها في دنياهم، واقفين في ذل وفي خجل وفي حياء يكاد يزيل عن وجوههم جلودها، خجلاً من كفرهم وتكذيبهم في دار الدنيا، فهاهم أولاء قد عادوا وبعثوا خلقاً جديدا، وقد كانوا في دنياهم ينكرون ذلك، ووقفوا بين يدي ربهم منكسة رءوسهم، تكاد رءوسهم تكون على الأرض، وقد فسر بعض الأئمة الآية بهذا، وهو أن رءوسهم أصبحت أرجلاً، وأرجلهم هي التي فوق رءوسهم في الأرض، خجلاً من ربهم، فهم يصيحون ويجأرون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، فقد رأينا الإعادة والخلق الجديد، وسمعنا ما كنا نكذب به أنبياءنا ورسلنا. هؤلاء المجرمون بعد أن رأوا ما كانوا ينكرون، وسمعوا ما كانوا يعرضون عن سماعه، قالوا: ربنا! أرجعنا للدنيا لنعمل الصالحات، ولنوقن كما أيقنا الآن، ولكن هيهات هيهات، فقد كانت الحياة فلم ينتهزوها، وكان الشباب فلم يستفيدوا منه، وكان الثراء فلم يجعلوه في طاعة، وهكذا إلى أن انتهت أيامهم، فكانت كيوم أو جزء من يوم. أما الآن فهم يحاسبون ويعاقبون، فيتمنون أن يعودوا مرة ثانية، وهيهات هيهات، فلن يكون ذلك أبداً.

стр. 1309

تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]. فالله بيده الخلق، وبيده الجنة والنار، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء، فهو القادر على كل شيء، قد أرسل رسله، وخلق لكل إنسان عقلاً، ليميز به، ويكتسب به، ويختار ما يشاء، فجاءت رسل الله من البشر، فبلغوا عن ربهم كتبه، وبلغوا رسالاته، وعلموا الناس الأوامر والنواهي، وأخبروهم بقصص الأنبياء، ليتخذوا منها العبر، فأضاعوا كل ذلك، واستهتروا بكل ذلك، وكانوا يهزءون من الأنبياء ومن خلفاء الأنبياء من العلماء ومن الصالحين المؤمنين، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣]، ولكن هؤلاء أعطيناهم عقولا، فلم يفكروا، ولم يعقلوا، فكان كسبهم كسب الكافر، وكسب الضال، وكسب أهل النار، ولو شئنا لأجبرناهم، ولكن الله لا يجبرهم، بل جعلهم يكتسبون ما شاءوه، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، وذاك في سابق علمه وقدره في اللوح المحفوظ، ولذلك كانت عقيدة أهل السنة والجماعة أن الهداية وسط بين قول الجبرية بأن العبد مسير، وقول المعتزلة بأن العبد يخلق أفعاله، فالأفعال يخلقها الله، والإجبار غير قائم، فنحن نحس ونحن في دار الدنيا بأننا إذا شئنا الصيام صمنا، وإذا شئنا أن نفطر أفطرنا، فالكافرون شاءوا الإفطار فأفطروا، وشاءوا الكفر فكفروا، فمن شاء الكفر قد كفر، ومن شاء الإيمان آمن، وهذه الإرادة خلقها الله لنا. وعلى أساسها كان الحساب والعقاب، وكانت الجنة والنار، فلنا ضمن الإرادة الإلهية والمشيئة الإلهية كسب نختاره، ونعمل بمقتضاه. ومن هنا كان العقاب وكان الحساب وكان النعيم على الأعمال، فلأجل أعمال المؤمنين دخلوا الجنة، ولأجل (لا إله إلا الله) التي قالوها وأيقنوا بها خرجوا من الكفر إلى الإيمان، وأولئك الذين أشركوا مع الله من أجل شركهم وكفرهم خرجوا من الفطرة من الإيمان إلى الكفر والشرك. فلسنا نخلق أفعالنا، ولسنا مجبرين، بل هناك مشيئة وهناك كسب. فمن قال بقول الجبرية هلك، ومن قال بخلق الأفعال كاد يشرك، لأنه جعل مع الله من يخلق ومن ينشئ ومن يوجد، والله الخالق لكل شيء، وهو النافع والضار ﷻ . ولقد قال الله لنا في خلق الإنسان ونشأته: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة:٩]، فخلق لنا عقولاً وأسماعاً وأبصاراً لنميز بين الحق والباطل، وبين الغث والسمين، وبين الكفر والإيمان، وإلا فلم خلقت العقول؟! إنها لم تخلق إلا للتمييز، فمن ميز الحق كان من أهله، ومن أبى إلا الباطل كان من أهله.

стр. 1310

معنى قوله تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأن جهنم) قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]. كان هذا القول عندما أبى إبليس إلا الكبرياء عندما أمره الله بالسجود لآدم، فأبى السجود وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. أي: خلقتني من نار وخلقته من تراب، فاعتبر النار التي خلق منها أشرف من التراب. فتألى على الله وتكبر، فطرده الله من الجنة، وطرده من رحمته ورضاه، وإذا بالشيطان يطلب من ربه أن يرجئه إلى يوم البعث، فأرجأه امتحاناً للخلق، وللتمييز بن الحق والباطل، فذهب يتوعد بأنه سيضل الناس والخلق عن الله ليكفروا به، وليخرجوا عن طاعته، فتوعد الله بأنه سيدخله ومن تبعه النار، فكان هذا هو العهد. قوله تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]. اللام في قوله تعالى: (لأملأن) للقسم، وأكد الفعل بنون التوكيد، فأقسم تعالى على أنه سيملأ من هؤلاء الكفرة الجاحدين الذين خيروا بين الحق والباطل، فأبوا إلا الباطل، وخيروا بين الإيمان والكفر، فأبوا إلا الكفر، فكان ذلك برغبتهم، فعلى أساس ذلك عذبوا، وعلى أساس ذلك عوقبوا، وهكذا مآل كل كافر.

стр. 1311

تفسير قوله تعالى: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) قال ربنا: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤]. يقول الله لهؤلاء الذين أبوا إلا الكفر والجحود والعصيان: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة:١٤]. والذوق منه الحسي الذي يكون باللسان، كذوق الطعام والشراب، ومنه الذوق المعنوي كالسعادة والشقاوة. فقوله تعالى: (ذوقوا) أي: حسوا بعذاب الله، واشعروا به، وعيشوا في واقعه. وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة:١٤] النسيان هنا: الترك، وهو لازمه، فالإنسان إذا نسي شيئاً تركه. أي: بترككم الاعتقاد واليقين والإيمان بيومكم هذا، فأنكرتم أن تكون هناك حياة ثانية، فذوقوا العذاب.

стр. 1312

معنى قوله تعالى: (إنا نسيناكم) ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة:١٤] أي: تركناكم، فالله لا ينسى ﷻ ، وعز مقامه. أي: تركوا من الرحمة، وتركوا من العفو، وتركوا من دخول الجنان ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]؛ لأنهم تركوا طاعة ربهم، وتركوا الإيمان بما أوجبه تعالى مما كلف به أنبياءه أن يبلغوا خلقه من الجن والإنس.

стр. 1313

معنى قوله تعالى: (وذوقوا عذاب الخلد) قال تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤]. فذوقوا هذا العذاب الخالد الذي تعذب به الأبدان والأرواح: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤]. والباء باء السببية، و (ما) موصولة، أي: بسبب الذي كنتم تعملون، والذي كانوا يعملونه هو الشرك بالله، والكفر بأنبيائه وتكذيبهم فيما جاءوا به. ومن هنا كان الحساب وكان العقاب، فالأعمال تركت لعقول الناس، فلهم أن يختاروا وأن يكتسبوا، ومن هنا نشأ العذاب ونشأت الرحمة.

стр. 1314

تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة:١٥]. يقول ربنا ﷻ : إنما يؤمن بآيات الله، وبعلامات قدرة الله ووحدانيته، وصدق أنبيائه ومعجزاتهم، ودلائل رسالاتهم، ودلائل إلهية الله إيماناً صادقاً، ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة:١٥]. فالذي يؤمن بآيات الله هو الذي إذا ذكر بها -فتليت عليه، أو فسرت له- تراه يبادر ساجداً لله، إيماناً بتلك الآيات، وخضوعاً لجلال ربه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة:١٥] أي: وقعوا على الأرض سجداً على جباههم وعلى أنوفهم وعلى أكفهم وعلى ركبهم وعلى أصابع أرجلهم، على السبعة الأعضاء، فهؤلاء هم الذين يؤمنون بالله، وبآياته وبكتابه، ويؤمنون بنبيه محمد ﷺ . فالإنسان في حياته في شغل شاغل في الصباح والمساء، وفي الحضر وفي السفر، فيبقى ذاهلاً، فإذا ذكر وكان مؤمناً تذكر، والذكرى قد تكون بالأذان، وقد تكون بالإقامة، وتكون بالتكبير، وتكون بالدخول في الصلوات. وقد يكون التذكير برؤية أمر غريب في طائر أو في إنسان أو في حيوان، فالمؤمن إذا رأى شيئاً أعجبه يقول: ما شاء الله، ويسبح الله الذي لا يخلق مثل هذا سواه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وتجد المؤمن الحق كل كلامه ذكر، وكل كلامه تذكير، حتى إذا غلبته عينه ونظر النظرة الثانية ورأى جمالاً لا يقول: أشتهيه، ولا: أريد الخلوة به، بل تجده يقول في كل مكان: سبحان الله، فتجد منه هذه اللهجة في المشرق، وتجدها في المغرب، والمؤمن مؤمن حيث كان.

стр. 1315

تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٦]. هذه صفات المؤمنين الصادقين الذين يسجدون لله سجود القلب وسجود الجوارح، سجود الإيمان وسجود اليقين بغير كبر كما يفعله الكفار والمشركون، فهؤلاء -أيضاً- تتجافى جنوبهم عن المضاجع في الليل والناس نيام، أي: تبتعد وتزول جنوبهم، فالعبد ينام تارة على جنبه الأيمن، وتارة على الجنب الأيسر، وتارة على ظهره، فجنوب بدنه كلها يبعدها عن الفراش وعن الدفء وعن الزوجة وعن الراحة في ذلك الوقت، وقد لا يكون نام إلا ساعة أو ساعتين. والمضاجع: جمع مضجع، وهو مكان النوم الذي ينام فيه المرء ويأخذ راحته، فهؤلاء تزول جنوبهم فتصبح بعيدة عن المضاجع. قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]. يدعون الله ﷻ خائفين من ناره ونقمته وعذابه، راجين رحمته ورضاه وجنته، يبكون في الثلث الأخير من الليل، حيث ينزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مريض فأشفيه؟ هل من جائع فأشبعه؟ هل من عار فأكسوه؟ فيجيب الله تعالى سؤل هؤلاء الذين نبذوا فرشهم وزوجاتهم وراحتهم، وابتعدوا بجنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم وهم بين ساجد وراكع، فتارة يسجدون وتارة يركعون، وتارة يدعون، وتارة يتلون، يعبدونه خوفاً وطمعاً، خوفاً من ناره، وطمعاً في جنته.

стр. 1316

معنى قوله تعالى: (ومما رزقناهم ينفقون) قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]. فالله ﷻ يقرن كثيراً بين النفقة والعبادة البدنية، فهؤلاء الذين يقومون والناس نيام داعين ربهم مصلين راكعين ساجدين، مسبحين تارة، ومعظمين أخرى، هؤلاء وهم في هذه الحالة لا تكون عبادتهم مقصورة على أنفسهم فقط، بل مما رزقهم الله ينفقون، فيوزعون أموالهم بحسب قدرتهم هكذا وهكذا وهكذا. فتارة ينفقون أموالهم للزكاة الواجبة، وتارة للصدقة، وتارة للنفقات الواجبة، وتارة للنفقات غير الواجبة على الأقارب والأدنيين من غير الزوجة والأولاد، والوالدين إن لم يكونا محتاجين، فإن كانا محتاجين فهما كالأولاد، فتجب النفقة عليهم. ولذلك رتب النبي ﷺ ذلك ونظمه وسنه فقال: (ابدأ بنفسك، ثم من تعول). فزوجتك وأولادك الذين كنت سبب خروجهم إلى هذا العالم، لا يجوز أن تتركهم وهم لا يزالون ضعفاء عاجزين عن أن يقوموا بأنفسهم. والزوجة هي التي أتت بهؤلاء الأولاد، وهي التي جعلتها وعاء لترزق بهؤلاء الأطفال، ولا يجوز أن تشغلها في وظيفة وتقول لها: ائتيني بالفلوس لتعينيني فلا يفعل هذا رجل فيه شرف أو نخوة. فيكفي المرأة أنها تقوم في بيتك خادمة ومربية وحاملاً، فهي التي تقوم برعاية الولد ونظافته، ولا يستطيع الرجل ذلك. ودور الرجل في تربية الولد وتعليمه، والنظر إلى مستقبله والتخطيط له. فالوالد والوالدة هما طرفان لا تتم حياة الأولاد في الغالب إلا بهما، فإذا ذهب أحدهما -والله هو المختار في خلقه- هيأ تعالى لألئك الأولاد من يقوم مقام الأم إن غابت، أو مقام الوالد إن غاب.

стр. 1317

تفسير سورة السجدة [١٧ - ٢٠] بعد أن أخبرنا الله بصفات الذين يؤمنون بآيات الله، أخبرنا بما أعد لهم من قرة أعين، وأنه أخفاه سبحانه عن كل نفس، حتى يلاقوا جزاء إيمانهم يوم القيامة، وهذا الحال لا يساوي حال الكافر لمن له أدنى بصيرة.

стр. 1318

تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم) قال الله ﷻ عن عباده الصالحين: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. ذكر الله ﷻ الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجداً، ثم سبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، كما أنهم يتهجدون ليلاً، فيتركون مضاجعهم وراحتهم ونساءهم، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً، ومما رزقهم ربهم ينفقون. فهؤلاء المؤمنون القانتون المتهجدون ليلاً والناس نيام يقول الله عنهم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧]. فالضمير يرجع إلى أولئك الموقنين المؤمنين العابدين القانتين الصالحين المستجيبين لله ولرسوله، فهؤلاء لا تعلم نفس. ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] والنكرة تدل على العموم. فأخفى الله لهم ما تقر به عيونهم، وتسر به نفوسهم، وتفرح له أرواحهم، فيجدون في الجنة سعادة لا شقاء بعدها أبدا. والقرة أصلها من البرد والاطمئنان، والعين إذا بردت دل ذلك على أنها في سرور وأنها في راحة، فإذا حزنت تجدها في حر وتجدها في اكتئاب، فأصبحت هذه الكلمة في لغة العرب تعني السرور، وتعني الطمأنينة، وتعني الفرح بما يريد الإنسان وتطمئن له نفسه. قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧]. أي أن الله أخفى لهم ذلك، ولم يظهره ليفاجئهم برحمته وبرضاه، كما أخفوا هم قيامهم ليلاً والناس نيام، فلم ير عبادتهم أحد، فأخفوا هذه العبادة عن الناس، فأخفى الله ﷻ ما أعد لهم من خير وأعد لهم من رحمة وأعد لهم من نعيم دائم جزاء أعمالهم وطاعتهم. قال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. أي: جوزوا بذلك وكوفئوا به لعملهم وعبادتهم وطاعتهم. فالله تعالى يحض المؤمنين على أن يعملوا عملهم، ويجتهدوا اجتهادهم، ويتهجدوا تهجدهم، ويحمدوا ربهم حمدهم.

стр. 1319

تفسير قوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً) قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]. وهذا استفهام تقريري، وقد علم الله تعالى أن المؤمن ليس كالكافر بحال من الأحوال، ولذا قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]. فليس هذا وهذا سواء؛ إذ المؤمنون جوزوا بقرة عين، وجوزوا بالجزاء الأوفى رحمة وسعادة ورضا، وأما الكافرون فليسوا كذلك، فهم قد عوقبوا باللعنة والغضب والطرد عن رحمة الله. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة:١٨]. الفسوق: الخروج عن طاعة الله، ويعنى به هنا الكافر، وليس المؤمن كالكافر عند رحمة الله ورضا الله، ولكل عمله.

стр. 1320

تفسير قوله تعالى: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى) قال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٩]. ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [السجدة:١٩]. كان الكلام السابق مجملاً، وهو أن الكافر والفاسق ليسا سواء، ثم فصل تعالى فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ [السجدة:١٩]. فالذين آمنوا بالله، وبرسل الله وبكتب الله، وبأن الجنة حق، وبأن النار حق، ثم عملوا الصالحات بعد ذلك، فأقاموا الصلوات، وآتوا الزكاة، وحجوا بيت الله الحرام، وصاموا شهر رمضان، وتركوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وقاموا بالوجبات قدر جهدهم وطاقتهم واستطاعتهم. هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات المأوى، وليست جنة واحدة، بل هي جنان وبساتين ورياض، جعلها الله لهؤلاء مأوى، أي: متبوءاً ومسكناً وموطناً ومقاماً ونزلاً، أذاقهم وملكهم هذه المنازل مأوى ومقاماً دائماً أبداً سرمداً، يتلذذون بما أنعم الله به عليهم، وأعظم اللذات رؤية الله ﷻ ، ورضا الله عنهم. قال تعالى: ﴿نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٩]. أي: ذلك المأوى في تلك الجنات التي جعلها الله لهم حال كونها نزلاً وضيافة، هو بسبب أعمالهم. فهذه الباء يقال لها في لغة العرب: باء السببية، أي: كانت هذه الجنات مأوى لهم ومنازل، بسبب عبادة ربهم وقيامهم بأعمالهم واستجابتهم لدينهم ولما أمرهم به الله ورسوله ﷺ .

стр. 1321

تفسير قوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) ثم ذكر تعالى الفريق الآخر فقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠]. فالله تعالى يجمع في كتابه بين ذكر الجنة والنار، والعمل الصالح والسيئ؛ ليكون المؤمن بين رغبة ورهبة، وخوف ورجاء، فتارة يعبد الله خوفاً من ناره وغضبه، وتارة يعبده طمعاً في جنته ورضاه ورحمته. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة:٢٠]. قوله تعالى: (الذين فسقوا) أي: خرجوا عن أمر ربهم، فهؤلاء الفاسقون الخارجون عن أمر ربهم مأواهم ومنزلهم ومقامهم النار، فكما جعل الله لأهل النعيم والطاعة الجنة مأوى ونزلاً؛ جعل للفاسقين الكافرين النار مأوى ومنزلا.

стр. 1322

معنى قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠]. أي أن هؤلاء المعذبين من الكافرين الفاسقين يفرون من مكان إلى مكان، ظناً منهم أن النار لا تصلهم، وأن لهيبها لا يحرقهم، فهم لذلك يحرصون على أن يفروا عنها، فقال الله عنهم: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠]، بأن تلفحهم النار، أو ملائكة العذاب، حيث تضرب وجوههم وأدبارهم، وتسوقهم إلى السعير وإلى النار المؤلمة الموجعة جزاء كفرهم وخروجهم عن أمر الله. قال تعالى: ﴿أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠]. أي: ذوقوا العذاب كما يذوق الإنسان الشيء بلسانه، فذوقوا بأبدانكم، وذوقوه بخلايا أجسامكم عذاب النار المؤلمة الموجعة التي كنتم تكذبون بها في الدنيا.

стр. 1323

تفسير سورة الأحزاب [١ - ٤] سورة الأحزاب من السور العظيمة التي بينت حال المنافقين وبينت كثيراً من الأحكام الشرعية، وقد ابتدأت بخطاب النبي ﷺ وتحذيره من أن يطيع الكافرين والمنافقين.

стр. 1324

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١]. سورة الأحزاب سورة مدنية. وفيها ثلاث وسبعون آية، وسميت بسورة الأحزاب لأن فيها قصة غزوة الأحزاب الذين جاءوا من شتى أقاليم جزيرة العرب لحرب رسول الله ﵊ والمسلمين. تألبت قريش وغطفان من خارج المدينة واليهود من داخل المدينة على رسول الله ﷺ ، وجاءوا إلى عقر دار المسلمين يظنون أنهم سيقضون على الإسلام ونبي الإسلام وأهل الإسلام، فخابوا وخاب ظنهم، وعادوا بخفي حنين أذلاء مقهورين. وتسمى غزوة الخندق، والخندق: هو الحفرة، وبعد أن علم رسول الله ﷺ أن القبائل تحزبت عليه من كل جانب جاء سلمان إلى رسول الله ﵊ فقال: (يا رسول الله! كان الفرس إذا حدث لهم مثل هذا يخندقون على أنفسهم، ويحفرون حفراً تحول بين وصول الأعداء وبينهم، فهلا حفرنا مثلهم وخندقنا مثلهم، فقبل ﷺ هذا الرأي، وأمر المهاجرين والأنصار بحفر الخندق، فحفر الخندق)، وحيل بين هؤلاء الأحزاب وبين دخولهم المدينة المنورة. واشتملت هذه الغزوة على غزوة بني قريظة، إذ هؤلاء غدروا بالنبي ﵊، وألبوا عليه أعداءه، وحاولوا أن يحاربوه من الداخل. وقد نصر الله نبيه ﷺ والمؤمنين نصراً عزيزاً مؤزراً كما سنرى تفصيل ذلك. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) من كرامة نبينا ﷺ على الله أن أكثر ما يدعوه بالنبي والرسول، بخلاف ما كان يدعو الأنبياء قبله، فهو يقول: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأنبياء بني إسرائيل، فإذا كان الحديث عن نبينا ﵊ قال: (يا أيها النبي)، (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)، (يا أيها الرسول)، وهكذا دواليك، وقد نبه على ذلك الشيخ ابن تيمية بأبين وأفصح عبارة كما في كتابه القيم الذي يعتبر الأول بين كتبه: (الصارم المسلول على شاتم الرسول صلى الله عليه وعلى آله). وقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) أي: هو نداء مفرد مبني على الضم ينادى به الواحد، والهاء للتنبيه، يعني: يا هذا، والنبي نعت لهذا النداء، أي: يا هذا المنادى، أو يا أيها المدعو، أو يا نبي الله. وقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) يأمر الله عبده ونبيه وإمام أنبيائه بالتقوى، وكون النبي ﷺ يؤمر بالتقوى هو تنبيه بالأعلى على الأدنى، إذا كان النبي المعصوم ﷺ الذي لا يعصي يؤمر بتقوى الله وطاعته فكيف بالعصاة مثلنا؟ وكيف بغير المعصومين مثلنا؟ فذلك نداء للنبي المعصوم ﷺ ، وهو للناس كلهم بأن يتقوا الله، وأن يعبدوا الله ويوحدوه. والتقوى: هي طاعة الله على نور من الله يرجو رضا الله، والتقوى: هي أن يطيع الإنسان ربه بفعل أوامره وترك نواهيه على نور من ربه، وعلى برهان ودليل، لا أن يطيعه بالهوى، ولا بالخواطر، ولا بالفلسفات الباردة، ولكنه يطيع الله على نور من الله، كما يريد ربنا ويرضى. وأن تكون الطاعة ابتغاء رضوان الله، ورجاءٍ رحمة الله، لا لمجرد الهوى والعادة. والتقوى من الوقاية، وهي أن يجعل المؤمن وقاية بينه وبين عذاب ربه، وبين غضب ربه، وبين ما لا يرضي ربه، فالله ﷻ يدعونا إلى طاعته وإلى البعد عن معصيته؛ ليكرمنا برضاه وبالجنان خالدين مخلدين فيها. وقوله: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)). يعني: يا نبي الله، اتق الله طاعة، واتق الله رضاء، واتق الله بعداً عن المخالفة، وإياك أن تطيع الكافر في قوله أو فعله، وأن تطيع المنافق في قوله أو فعله، هذا أمر للأعلى تنبيهاً للأدنى، فهو أمر للنبي الله المعصوم ﷺ الذي لا يعصي الله ما أمره، وهذا فيه تنبيه العصاة غير المعصومين من عموم الناس، أي: يا أيها الناس تبعاً لنبيكم وما أمر به رسولكم اتقوا الله ولا تطيعوا الكافرين بالله، ولا تطيعوا المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام كذباً وزوراً، ويخفون معصية الله، ويخفون الكفر بالله، فهؤلاء المنافقون إياكم وإياهم، وهؤلاء الكافرون إياكم وإياهم.

стр. 1325

سبب نزول قول الله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) قال البعض من مفسري الآية الكريمة: وكان سبب نزول هذه الآية لما هادن رسول الله ﷺ قريشاً في تلك المدة من السنوات التي هادنهم فيها، وجاء إلى المدينة أبو سفيان، وجاء عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وجاء جماعة منهم، ونزلوا على رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول، وواجهوا رسول الله ﷺ قائلين له: (يا محمد، لو تركت عيب آلهتنا لتركناك ودينك، وتبعهم في هذا القول المنافقون وناصروهم وأضافوهم وأكرموهم، فقال عمر ﵁: يا رسول الله، لو أمرتني أن أقتل هؤلاء جميعاً، فقال رسول الله ﷺ له: والعهد الذي بيننا؟!) أي: بيننا وبينهم عهد عشر سنين، فكيف نغدر بهم ونقتلهم. فأمر بطردهم، فقام عمر وأخرجهم من المدينة المنورة ملعونين خزايا؛ لطلبهم هذا الطلب السخيف من رسول الله ﷺ ، فنزل قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ)) أي: في أن تنصت لمثل هذا القول الباطل. ((وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ)) أي: فيما طلبوه منك من مهادنة آلهتهم المزيفة، وتركهم على كفرهم ونفاقهم. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)) أي: له العلم ﷻ فيما يجري، وفيما سيكون بعد ذلك من أن هؤلاء مقهورون، ومغلوبون على أمرهم، وذاهبون وآلهتهم المزيفة، وأنت منصور عليهم النصر العزيز المؤزر، فلا تلتفت لأقوالهم، ولا تقبل كلامهم ولا كلام المنافقين الذين ساندوهم، فهو سبحانه عليم بباطل قول هؤلاء، وفساد ما يدعون إليه. وهو حكيم في أفعاله، ما أمرك بقتالهم إلا وقوله منزل منزلة الحق يعود بالخير عليك وعلى المؤمنين من أتباعك، والله ناصرك وناصر أتباعك ومذل عدوك، ومذل كل كافر ومنافق، فقد علم الله ذلك في سابق علمه وهو الحكيم في أقواله وأفعاله.

стр. 1326

تفسير قوله تعالى: (واتبع ما يوحى إليك من ربك) قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٢ - ٣]. أي: دع قول هؤلاء الكافرين، ودع قول هؤلاء المنافقين، ولا تلتفت إليهم، ولا تهتم بهم، ولكن الذي تتبعه وتطيعه هو ما أوحاه الله إليك. والأمر من الله لنبيه أمر للمؤمنين؛ لأنه ﷺ الأسوة والقدوة، ولا يليق بالمؤمن أن يستشير في دين الله كافراً أو منافقاً، فضلاً عن أن يعمل بقول الكافرين والمنافقين، ولكن المؤمن أمر بأن يعمل بما أوحى الله به وأنزله على نبيه وهو القرآن الكريم، وبما نطقت به السنة المطهرة، التي جاءت مبينة لكتاب الله. وقوله: ((وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ)). أي: اتبع الوحي الذي جاءك به جبريل عن الله. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)). أي: كان الله بقولكم أيها المؤمنون خبيراً عليماً، فهو يعلم ما تقولون، وهو خبير بما تفعلون، فمن فعل خيراً فله، ومن فعل شراً فعليه، فهو الخبير بأعمالنا وبأقوالنا، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار. والله ﷻ يلزمنا بأن نطيعه، ومن عصاه قد أنذره، وتهدده وتوعده بعذابه وعقابه، وهو يعلم ما يعمل وما يحدث به نفسه إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]. أي: يا محمد اتق الله في نفسك، وأمر أتباعك المؤمنين بأن يتقوه، وألا يطيع أحد من أتباعك منافقاً ولا كافراً، بل قل لهم: اتبعوا ما أوحى الله إليكم وأنزله عليكم، وتوكلوا على الله في طاعتكم له، واجعلوا الله وكيلكم، وابتعدوا عن كل منافق وكافر، ومن جعل الله وكيلاً له كفاه كل شر وكل سوء، ونصره على أعدائه، وأيده في أعماله، وكان له كما يكون لأوليائه المتقين. وقوله: ((وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا)) أي: يكفيك الله عدوك، ويكفيك شانئك، فلا تخرج عن طاعة الله، فذلك خير لك في دنياك وفي آخرتك، وكل هذا ديباجة وتمهيد لما أوحى الله به على نبيه في هذه السورة من غزوة الأحزاب غزوة الخندق، وما حصل فيها من إذلال عدو الله، ونصر رسول الله وأتباعه.

стр. 1327

تفسير قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]. اشتملت هذه الآية الكريمة على أحكام، واشتملت على أوامر ونواه، وجعلت لها مقدمة وديباجة، قال تعالى: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)). أي: ما خلق الله إنساناً وخلق له قلبين في جوفه، قلباً حاضراً وقلباً غائباً، وقلباً سميعاً، وقلباً عاصياً، وقلباً مشرقاً وقلباً مغرّباً، بل جعل الله لكل إنسان ولكل مخلوق قلباً واحداً، فلم يجعل الله لإنسان قلبين في جوفه وفي باطنه، وهو ضرب مثال لما يأتي في بقية الآية، أي: كما لم يجعل للإنسان قلبين لم يجعل للمولود والدين، ولم يجعل الزوجة أماً والأم زوجة، فهي ديباجة ومقدمة لقوله تعالى بعد ذلك. وقوله: (من) هي حرف جر للاستغراق وللعموم، أي: عموم الخلق، ولا مفهوم للرجل أو الذكر، وإنما المعنى: ولم يجعل لواحد من الناس قلبين في جوفه. وقوله: (وما جعل) هذه هي النتيجة من المقدمة، قال تعالى: ((وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)) أي: كما لم يجعل الزوجة المظاهر منها أماً، كما كانوا يقولون في الجاهلية، ولا تزال هذه الجاهلية يقول بها الكثير من الناس، إحياء للجاهلية الأولى، وقولاً للباطل والزور والمنكر من القول، فنجد من يقسم على زوجته ويقول: هي عليه كظهر أمه، ويكفي أن يقول: هي عليه كظهر واحدة من محارمه بأن يذكر أماً أو بنتاً أو أختاً أو عمة أو خالة، فكون الرجل يحرم نكاح زوجته على نفسه، فيقول: هي عليه كظهر أمه، أو أخته، أو عمته، أو خالته، أو أي حريم ممن حرم الله عليه، فعندما يقول الجاهل هذا فهو قول باطل ومنكر وزور، ولن يكون حقيقة ولا واقعاً، ولا تحرم زوجته عليه حرمة أبدية بذلك، فهي زوجة وستبقى زوجة، ولكن مقابل هذا القول الباطل جعلت له عقوبة وهي مفصلة في سورة المجادلة، وأن من قال ذلك لا يحل له أن يعود لها مرة ثانية ما لم يعتق عبداً، فإن لم يجد فليصم ستين يوماً متتابعة، فإن لم يستطع فليطعم ستين مسكيناً، فتلك عقوبته وذلك جزاؤه، وإلا فلا يحل له أن يتصل بها بعد ذلك ما لم يقم بالعقوبة التي عاقبه الله بها. وقوله: ((وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ)). أي: لم تكن الزوجة أماً في حال من الأحوال، ومن قال ذلك فعليه الكفارة: عتق رقبة أو صيام ستين يوماً أو إطعام ستين مسكيناً، فكما أن الرجل لن يكون له قلب في جوفه لن تكون الزوجة أماً أو الأم زوجة في حالٍ معاً. وقوله: ((وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ)). (أزواجكم): جمع زوجة، والظهار: أن يقول: هي عليه كظهر أمه، لن تكون هذه المظاهرة وهذا القول الباطل ليجعل الزوجة أماً أبداً. وهذه الفقرة من الآية لها سبب نزول. وقوله: ((وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ)): الأدعياء: جمع دعي، كان الناس في جاهليتها يأتي الواحد إلى الولد فيقول: هذا ولدي يرثني وأرثه، ويصبح كولد الصلب، وتحل له الخلوة بالأخوات من هذا المتبني، ويحرم عليه ما يحرم على الابن الذي هو من الصلب والرحم، فالله حرم ذلك وأبطله، وجعله زوراً من القول وباطلاً من الكلام. وقوله: ((ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ)). أي: ليس ذلك بقول حق ولا بقول صدق، ولن يكون للولد أبوان قط، كما لن يكون للرجل قلبان في جوفه.

стр. 1328

سبب نزول قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) إن سبب نزول قوله تعالى: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) هو ما كان يفعله الناس قبل الإسلام، وفعله رسول الله ﷺ ، وذلك حين تبنى زيد بن حارثة، وكان قد أسر في الجاهلية واشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، ووهبه لعمته خديجة بنت خويلد، وخديجة بنت خويلد بعدما تزوجت رسول الله ﷺ وهبته للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا بأبيه وعمه يبحثان عنه، فقيل لهما: إنه بمكة، فجاء إلى مكة فوجداه عند محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهذا كان قبل النبوة وقبل الإسلام، فجاءا إليه وقالا له: يا بن عبد الله، يا بن عبد المطلب، تكرم علينا بولدنا، فقال لهما رسول الله: خيروه، فإن اختاركم فهو لكم، فقالا له: يا زيد، أتختار أبيك وحسبك ونسبك أو تختار الرق والعبودية؟ قال: لن أختار على محمد أحداً. وإذا برسول الله ﷺ يراعي هذا الحب من زيد، فقال لأبيه وعمه: اشهدا أنني أتبناه وألحقه بنسبي، فهو بعد اليوم زيد بن محمد، فقرت عين أبيه وعمه عندما رأيا أن زيداً ارتفع نسبه إلى نسب قريش، وأصبح ابناً لمحمد وحفيداً لبني هاشم وسبطاً لـ عبد المطلب. وكان التبني عادة العرب من قوم محمد ﷺ وغيرهم، ولكن عندما جاء الإسلام أبطل التبني، وجاء الوحي من الله ونزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]. فحرم الله التبني، وألغاه، وألغى نتائجه، وجعله قولاً من الزور، وعملاً من الباطل. إذاً: التبني دعوى لا أصل لها، ولا يكون الرجل ولداً لأبوين في آن واحد، إما هو ابن صلبك ورحم زوجتك، وإما هو رجل بعيد لا صلة لك به.

стр. 1329

تفسير سورة الأحزاب [٦ - ٨] سيدنا وحبيبنا محمد ﷺ أولى بنا من أنفسنا، وأزواجه ﵅ أمهاتنا، وقد كان ﷺ أول النبيين خلقة وآخرهم بعثة، وهو خيرهم والمقدم عليهم، والأخوة في الدين الذي جاء به أقوى رابطة حتى لقد كان يقع بها التوارث ثم نسخ.

стр. 1330

تفسير قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قال الله : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦]. فالله ﷻ يقول: ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)). أي: الله ﷻ يعلم المؤمنين الأدب مع النبي ﵊، وأنه أولى بهم من أنفسهم وبأن تطاع أوامر النبي ﷺ وتجتنب نواهيه، وتقدم رغباته على رغبات الإنسان نفسه، فالنبي ﵊ عزيز عليه عنت قومه، حريص على إيمانهم، رءوف رحيم بهم أكثر من أنفسهم لأنفسهم. ولذلك فإن الله ﷻ جعل النبي ﵊ أولى بالمؤمنين من أنفسهم أمراً ونهياً، تحليلاً وتحريماً، وقال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] أي: لن يتم إيمان المؤمن ما لم يجعل النبي ﵊ الحكم المفوض له، يأمر وينهى بما يراه، إشارته أمر، وإشارته نهي، وطاعة الله في طاعته، ومن عصاه فقد عصى الله. ونبينا خاتم الأنبياء ﵊ هو أولى الناس بالمؤمنين، أولى الأنبياء بالطاعة والولاء والإخلاص، وهكذا جعل الله ﷻ نبينا محل القدوة والأسوة، ومحل التحريم والتحليل، وينبغي أن يقدم على نفس الإنسان ورغباته وخواطر نفسه، وقد قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، ومن ولده ووالده ومن الناس أجمعين، فقال عمر: إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: لن تكون مؤمناً حتى أكون أحب إليك حتى من نفسك، قال: ومن نفسي يا رسول الله أنت أحب إلي، قال: الآن فنعم). والنبي ﵊ عندما يكون أولى بالناس من أنفسهم وأولاهم بالطاعة، وأولاهم بالحب والولاء، عند ذلك يكون المؤمن مؤمناً حقاً، مطيعاً حقاً، تابعاً حقاً.

стр. 1331

معنى كون أزواج النبي ﷺ أمهات للمؤمنين قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]. أي: أن زوجات النبي ﵊ هن بالنسبة لكل مسلم كالأم احتراماً وكالأم براً وكالأم تقديراً، ويحرم الزواج بهن بعد رسول الله ﵊ في أنفسهن فقط، وليس أخواتهن ولا بناتهن كأخوات وبنات الأم الحقيقية؛ لأن الأم الحقيقية أخواتها خالات لولدها، وليس كذلك زوجات النبي ﵊، فزوجاته يحل الزواج ببناتهن منه ومن ربائب النبي ﵊، كما يحل الزواج بأخواتهن وليس كذلك الأم الحقيقة؛ لأن الزبير بن العوام تزوج أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة أم المؤمنين، ولم يقل عنها: هي خالة، وتزوج هند بن أبي هالة من بنات المسلمين، وهو ربيب رسول الله ﷺ ابن أم المؤمنين الأولى خديجة، ولم يقل أحد: إنه خال المؤمنين، كما لا يقال لأخواتهن: خالات، ولا لأولادهن أخوال. ومن هنا لم يقل لـ معاوية: خال وهو أخو أم حبيبة، كذلك من كان أخاً لبقية أمهات المؤمنين كإخوة عائشة محمد وعبد الرحمن لم يقل لهما أحد: يا خال، أو أنت خالي، وإنما الأمومة هي في كونهن لا يزوجن لأحد قط بعد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لا يحل الخلوة بهن، ولا يحل كلامهن إلا من وراء حجاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]. ولم تكن أماً للمؤمنين إلا التي دخل بها ﷺ ، أما التي طلقت قبل الدخول فهي لا تعتبر أماً، وليست لها حرمة الأمهات في تحريم الزواج بها. وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن عباس ﵄: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم). وكون النبي ﷺ أباً للمؤمنين إنما هي أبوة احترام وتعظيم وعطف، وإلا فالنبي ﵊ ليس أبا أحد من الرجال أبناء الصلب؛ فأولاده ماتوا أطفالاً، مات القاسم طفلاً، ومات إبراهيم طفلاً ولم يبلغا مبلغ الرجال، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وإن كان يقال للأحفاد وللأسباط: أبناء، فقد قال النبي ﵊ عن الحسن بن علي ﵇: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). وقال عن الحسن والحسين: (ابناي هذان ريحانتي من الدنيا، وهما سيدا شباب أهل الجنة)، وهذا أمر مجمع عليه، فإنه يقال لأولاد فاطمة الحسن والحسين وأم كلثوم: أبناء رسول الله ﷺ بنوة سلالة، بنوة ابن البنت، بنوة السبط. وقد قال ﵊ لـ أنس بن مالك خادمه: (يا بني)، وقال لغلمة من بني عبد المطلب: (أنتم بني)، وقد قال ﵊ كما في الصحيح: (أنا لكم كالوالد أعلمكم). فالنبي ﵊ هو أب للمؤمنين أبوة احترام وتعظيم، مع أن من عادة العرب أن تقول للكبير عماً، وتقول للكبير أباً، أبوة احترام وعمومة احترام، والنبي أولى بذلك من عموم المؤمنين.

стр. 1332

نسخ التوارث بالأخوة الدينية وجعل التوارث بين الأرحام قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦]. أي: كان التوارث في صدر الإسلام بالأخوة وبالحلف، وذلك عندما هاجر المؤمنون من مكة للمدينة، وكان قد سبقهم بالإيمان بعض سكانها من الأوس والخزرج ممن أطلق الله عليهم بعد ذلك الأنصار، فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]. فسمى الله المهاجرين بدينهم من مكة للمدينة مهاجرين؛ لأنهم هاجروا إلى الله ورسوله، هجروا الأوطان والمساكن والأموال، فراراً بدينهم من الكفر وأعداء الله. فعندما هاجر أهل مكة للمدينة آخى النبي ﵊ بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة زيادة على الأخوة العامة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وكانوا بهذه الأخوة يتوارثون، فيرث المهاجري الأنصاري، ويرث الأنصاري المهاجري، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ الله ﷻ ذلك وقال: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦]. الأرحام: الأقارب كالأولاد بالنسبة للأب والأم، والأبوان بالنسبة للأولاد، فهم أولى بالإرث من بقية الأرحام والعصبة، وهم أولى بالإرث مما كان في صدر الإسلام من التوارث بالإيمان وبالأخوة الدينية، وهذه الآية نسخت ما كان قبل. قال تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦] أي: كان هذا الأمر في التوارث بين ذوي القرابات وذوي الأرحام هو الأصل في كتاب الله في اللوح المحفوظ، ولكن ذلك نسخ بعد هذا، وكما سبق أن قلت أكثر من مرة: الكتاب كتابان: كتاب من قبل الحق، وكتاب من قبل الملائكة، فما كان من قبل الله لا يبدل ولا يغير، قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، وما كان من قبل الملائكة يبدل ويغير، قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وأم الكتاب هو أصل اللوح المحفوظ، وهو ما كان من قبل الله ﷻ ، ولا يراه غيره. والملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون إنما يرون اللوح الذي من قبلهم، فيمتثلون ما وجدوا فيه من تحليل وتحريم، ومن أمر ونهي، من التوارث بين المؤمنين من أنصار ومهاجرين قد كان ذلك في الكتاب الذي من قبل الملائكة فأمروا به ونهوا، ونزل جبريل على النبي ﵊ في الأمر بذلك، ولكن الذي في أم الكتاب هو ما قال الله عنه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦]. أي: في اللوح المحفوظ الذي هو من قبل الله أن التوارث لا يكون إلا بين الأرحام، بحيث يرث بعضهم بعضاً، ويتولى بعضهم بعضاً غرماً وغنماً، والغنم بالغرم، فعلى الأولياء أن يقوموا بأوليائهم عند الحاجة، ومن هاهنا يقع التوارث بين الأرحام. فقوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٦] فلا يجوز التوارث بين الأباعد بمجرد الإيمان وأخوة الإسلام، وإنما التوارث يكون بين الأرحام، ((وَأُوْلُو الأَرْحَامِ)) أي: من المؤمنين؛ ولذلك لا توارث بين دينين كما قال ﵊: (لا يرث مؤمن كافراً، ولا يرث كافر مؤمناً) وإنما التوارث بين الأرحام من المؤمنين. وقوله: ((إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا)). أي: إلا أن يأتوا إلى الأولياء الأقارب، ويفعلوا إليهم معروفاً، والمعروف: هو الوصية بالثلث، أو العطية يداً بيد، والإحسان والنفقة، إن كان ميتاً فوصية، وإن كان حياً فعطية ومنحة وهبة، ولم يمنع الله الوصية والمعروف والعطية والمنحة بين الأرحام المؤمنين الأقارب، وإنما حرم التوارث بالإيمان والإسلام مع البعد عن الرحم، وعن القرابة.

стр. 1333

الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) هذه الآية الكريمة فيها أحكام لا بد من القيام بها والعمل لها وهي من صلب الإسلام، وهذه الأحكام هي: أولاً: كون النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا أمراً ونهياً، وتحليلاً وتحريماً. ثانياً: كون زوجات النبي ﵊ هن أمهات المؤمنين رجالاً ونساء، فبالنسبة للنساء هي أمومة محبة وتقدير وتعظيم، وبالنسبة للرجال كذلك مع تحريم الزواج منهن ألبتة، احتراماً لمكانة رسول الله ﵊، ومع ذلك لا يجوز الخلوة بهن، ولا يجوز الكلام كفاحاً مواجهة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: لا تخضع الأم من أمهات المؤمنين بالقول اللطيف اللين للرجال من المؤمنين. والتحدث بغير لين ولا تكسر في القول هو أمر لجميع الأجنبيات مع الرجال، ويزداد ذلك ويتأكد من زوجات النبي ﵊ مع عموم المؤمنين. وقالت امرأة لـ عائشة: يا أماه، أي: يا أمي، فقالت لها السيدة عائشة: لست لك بأم إنما أنا أم الرجال، وهو رأي لـ عائشة ورأي لجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة، ولكن عموم الآية يدل على أن الأمومة هي أمومة الاحترام والتقدير، وهي تعم الرجال والنساء، بدليل القراءة التي هي خارجة عن السبع: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) فالأبوة أبوة احترام وتقدير، كالأمومة أمومة احترام وتقدير، وعدم الزواج للتقدير والاحترام ولحفظ مكانة النبي ﵊. ثالثاً: تجوز الوصية والمنحة والعطية للأباعد من المؤمنين، والذي لا يجوز هو التوارث فقط، ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، بل كما قال النبي ﵊: (الثلث والثلث كثير). وعندما أراد سعد بن أبي وقاص أن يوصي بجميع ماله، وكان إذ ذاك مريضاً يظن الموت، ولم يكن له وارث إلا ابنة له، فسأل النبي ﵊: (أأوصي بجميع مالي؟ قال: لا، فإن كان لا بد فالثلث والثلث كثير، لأن تترك أولادك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). وفي هذا إشارة إلى أن سعداً لن يموت إلا وله أولاد وورثة، وكان الأمر كذلك، وكان هذا الخبر لـ سعد من معجزات النبي ﵊، ومن الإخبار بالغيب. رابعاً: أن عدم التوارث إلا بالقرابات والأرحام هو ما كان في الكتاب المحفوظ، وهو الذي كان مسطوراً ومكتوباً، وهو الأصل، وإنما أبيح التوارث بالأخوة لوقت خاص لحكمة ظاهرة، وهي أن الذين آمنوا كانوا قلة في الصدر الأول، وكان أكثر أقربائهم وأرحامهم لم يسلموا، ولا توارث بين مؤمن وكافر، فالمال سيبقى بلا وارث، إذ الورثة من الأنصار أو المهاجرين أكثرهم لم يؤمنوا بعد، وأكثرهم لا يزالون على دين الكفر، فالله ﷻ أذن بالتوارث بالإيمان وأذن بالتوارث بالأخوة الدينية، وكان ذلك موقوتاً إلا أن أصبح الأقارب والأرحام مؤمنين كبقية مورثيهم ووارثيهم.

стр. 1334

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]. يقول تعالى: اذكر يا محمد إذ أخذ الله من النبيين ميثاقهم وعهدهم ألا يتوارث إلا الأرحام، وألا توارث بين مؤمن وكافر، واذكر يا محمد إذ أخذ الله من النبيين مواثيقهم بالوفاء بالتبليغ، وبالدعوة إلى الله، ومن ذلك التوارث بالأرحام لا بالأخوة الدينية. فقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾. أي: كما أخذ من النبيين قبلك عهودهم ومواثيقهم المؤكدة المشددة المحلوف عليها المجتمع عليها أن يبلغوا دين الله، وألا يتوارث كافر مع مؤمن، وألا يتوارث بعيد مع وجود القريب، وأن يبلغوا دين الله الحق، وأن يوفوا بما أمروا بتبليغه. كذلك فقد أخذ منك العهد المشدد المؤكد باليمين الثابتة على أن تبلغ دين الله، وأن تدعو إلى الله، وأن تحرم ما حرم الله، وأن تحل ما أحل الله، وأن المؤمنين إخوة بعضهم أولياء بعض، وأن الكفرة أعداء للمؤمنين وبعضهم أولياء بعض. إذاً: أخذ منك العهد والميثاق كما أخذ من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم. وهؤلاء الخمسة الذين ذكروا في غير ما آية هم أولو العزم من الرسل، وهم أصحاب الشرائع والرسالات، وقد تكبدوا في دين الله ما لم يتكبده غيرهم من الرسل، وهؤلاء كانت لهم رسالات خاصة دعوا إليها أقوامهم، فقد دعا نوح بشريعة خاصة، ودعا بعده إبراهيم، وبعده موسى، وبعده عيسى، ودعا بعدهم محمد ﷺ ، أما الأنبياء الآخرون فقد كانت شرائعهم ورسالاتهم بعضها مأخوذ من بعض، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]. أما الدعوة للتوحيد فدعوتهم جميعاً واحدة، كما قال النبي ﵊: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات أبونا واحد، وأمهاتنا شتى). أبناء العلات هم أبناء الضرائر الذين تكون أمهاتهم شتى متعددات ويكون الأب واحداً، وهو ما يعبر عنهم بالإخوة غير الأشقاء؛ والأب واحد، أي: الدين واحد، والدعوة إلى توحيد الله واحدة، فكلهم أتوا يدعون الناس إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له: أن اتقوه، وأن وحدوه، وأن خصوه بالعبادة ولا تعبدوا معه غيره. أما الشرائع فقد تكون مختلفة حسب الزمان والمكان، وحسب الإنسان وعصره، فقد كانت بعض الشرائع متشددة، وبعضها سهلة، ودين الإسلام أقرب الأديان يسراً، وأبعدها عن العسر، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] وكذلك كانت ملة إبراهيم لم يكن فيها عسر، بل كانت كلها يسراً. قدم الله تعالى في هذه الآية الكلام مع النبي ﵊ قبل نوح وقبل إبراهيم وموسى وعيسى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ [الأحزاب:٧] ثم ذكر بعد ذلك: ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب:٧] فما الحكمة في تقديم ذكر نبينا على غيره وكلهم أولو العزم من الرسل، وكلهم صلوات الله عليهم أصحاب شرائع خاصة وديانات خاصة؟ أقول: كان ذلك لأفضلية النبي ﷺ عليهم جميعاً، ولإمامته عليهم جميعاً، وقد قال الله ﷻ : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وكان أفضل الكل محمداً صلى الله عليه وعلى آله؛ ولذلك قال في هذه الآية: (ومنك ومن نوح) فقدم ذكره على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وهم كلهم أولو العزم من الرسل. وقد قال ﵊: (كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث) أي: كان النبي ﵊ المخلوق الأول في صلب آدم، خلقه الله قبل خلق بقية الأنبياء، وإن كانت بعثته آخر البعثات، وهذا معنى إمامة النبي ﵊ بالأنبياء ليلة أسري به في المسجد الأقصى. إذاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]. هذه المواثيق المشددة والعهود المؤكدة والأيمان المغلظة على الوفاء بالعهد وبلاغ الرسالة وأدائها كما أمر الله، وأخذ الله ذلك من الأنبياء عموماً ومن أولي العزم الخمسة خصوصاً، ومن نبينا ﵊ نبي الكل، وهو الرسول المرسل إلى الخلق كافة، والأنبياء حتى أولو العزم الخمسة لم يكونوا أنبياء إلا إلى أقوامهم، وقد قال ﵊: (خصصت بخمس: كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة). وقوله: ((وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)). أي: أخذ منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى المواثيق المغلظة المؤكدة المشددة بالوفاء بالعهد وتبليغ الرسالة كما أمر الله، وكان من ذلك: ألا توارث إلا بين الأرحام من المؤمنين، وكان من ذلك بقية الأوامر والنواهي، وتبليغ الرسالة في الحلال والحرام والآداب والرقائق، وكل رسالة بحسبها، وكل على طريقته ومنهاجه.

стр. 1335

تفسير قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم) قال الله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٨]. أي: أخذ العهود المؤكدة المغلظة؛ ليكون ذلك سبباً لسؤال الأنبياء والرسل عما بلغوه وعمن بلغوه، من آمن ممن بلغوه ومن كفر. فقوله: ((لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ)) أي: ليسأل الأنبياء الصادقين الذين لا يعصون الله ما أمرهم عن صدقهم الذي أرسلوا به، وعن الرسالات والشرائع. وما الحكمة من سؤال الله ﷻ لأنبيائه وهو يعلم صدقهم ويعلم تبليغهم؟ أقول: الحكمة من ذلك ظاهرة إذ كذبهم الكثير من أتباعهم وممن أرسلوا إليهم، فعندما يسألون ويجيبون بما أرسلهم الله به يكون ذلك تبكيتاً لهؤلاء الكفرة من الأتباع الذين كذبوا، والذين لم يصدقوا، والذين أبوا إلا الجحود والكفران. وقد فسرت الآية: ((لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ)) أي: ليسأل الأتباع من المؤمنين: هل صدقوا الله ما وعدوه عندما آمنوا وأسلموا؟ هل صدقوا الرسل وما جاءوا به؟ هل بلغوا ذلك بدورهم؟ وفي الحديث: (والعلماء ورثة الأنبياء). وفي آخر: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع). والآية تشمل أن الله يسأل الرسل والأنبياء تبكيتاً لمن كذبهم ولم يؤمن بهم، ويسأل المؤمنين من الأتباع زيادة في الإحسان إليهم، وأن من آمن فله الجنة والرضا والرحمة، ومن لم يؤمن فله الجحيم واللعنة والغضب. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٨]، أي: أعد للكافرين الذين كفروا بالرسالات وجحدوها، ولم يعملوا بما جاء به الأنبياء، أعد الله لهم يوم القيامة العذاب الأليم. وقد يكون العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، في الدنيا عذاب الأسر والعقوبة، والأمراض، والقحط، والذل والغلبة والقهر، ويوم القيامة أشد وأنكى من دخول النار ولعنة الله وغضبه الدائم. إذاً: هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالرسالات التي أرسلوا بها فإن الله يعد لهم ويهيئ لهم العذاب الأليم في الدنيا بما شاء، وفي الآخرة العذاب الأليم الخالد الدائم، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٥٦].
следующие страницы →