← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

معنى كون أزواج النبي ﷺ أمهات للمؤمنين قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]. أي: أن زوجات النبي ﵊ هن بالنسبة لكل مسلم كالأم احتراماً وكالأم براً وكالأم تقديراً، ويحرم الزواج بهن بعد رسول الله ﵊ في أنفسهن فقط، وليس أخواتهن ولا بناتهن كأخوات وبنات الأم الحقيقية؛ لأن الأم الحقيقية أخواتها خالات لولدها، وليس كذلك زوجات النبي ﵊، فزوجاته يحل الزواج ببناتهن منه ومن ربائب النبي ﵊، كما يحل الزواج بأخواتهن وليس كذلك الأم الحقيقة؛ لأن الزبير بن العوام تزوج أسماء بنت أبي بكر وهي أخت عائشة أم المؤمنين، ولم يقل عنها: هي خالة، وتزوج هند بن أبي هالة من بنات المسلمين، وهو ربيب رسول الله ﷺ ابن أم المؤمنين الأولى خديجة، ولم يقل أحد: إنه خال المؤمنين، كما لا يقال لأخواتهن: خالات، ولا لأولادهن أخوال. ومن هنا لم يقل لـ معاوية: خال وهو أخو أم حبيبة، كذلك من كان أخاً لبقية أمهات المؤمنين كإخوة عائشة محمد وعبد الرحمن لم يقل لهما أحد: يا خال، أو أنت خالي، وإنما الأمومة هي في كونهن لا يزوجن لأحد قط بعد رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لا يحل الخلوة بهن، ولا يحل كلامهن إلا من وراء حجاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]. ولم تكن أماً للمؤمنين إلا التي دخل بها ﷺ ، أما التي طلقت قبل الدخول فهي لا تعتبر أماً، وليست لها حرمة الأمهات في تحريم الزواج بها. وفي قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن عباس ﵄: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وهو أب لهم). وكون النبي ﷺ أباً للمؤمنين إنما هي أبوة احترام وتعظيم وعطف، وإلا فالنبي ﵊ ليس أبا أحد من الرجال أبناء الصلب؛ فأولاده ماتوا أطفالاً، مات القاسم طفلاً، ومات إبراهيم طفلاً ولم يبلغا مبلغ الرجال، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وإن كان يقال للأحفاد وللأسباط: أبناء، فقد قال النبي ﵊ عن الحسن بن علي ﵇: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين). وقال عن الحسن والحسين: (ابناي هذان ريحانتي من الدنيا، وهما سيدا شباب أهل الجنة)، وهذا أمر مجمع عليه، فإنه يقال لأولاد فاطمة الحسن والحسين وأم كلثوم: أبناء رسول الله ﷺ بنوة سلالة، بنوة ابن البنت، بنوة السبط. وقد قال ﵊ لـ أنس بن مالك خادمه: (يا بني)، وقال لغلمة من بني عبد المطلب: (أنتم بني)، وقد قال ﵊ كما في الصحيح: (أنا لكم كالوالد أعلمكم). فالنبي ﵊ هو أب للمؤمنين أبوة احترام وتعظيم، مع أن من عادة العرب أن تقول للكبير عماً، وتقول للكبير أباً، أبوة احترام وعمومة احترام، والنبي أولى بذلك من عموم المؤمنين.

стр. 1332

نسخ التوارث بالأخوة الدينية وجعل التوارث بين الأرحام قال تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦]. أي: كان التوارث في صدر الإسلام بالأخوة وبالحلف، وذلك عندما هاجر المؤمنون من مكة للمدينة، وكان قد سبقهم بالإيمان بعض سكانها من الأوس والخزرج ممن أطلق الله عليهم بعد ذلك الأنصار، فقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة:١٠٠]. فسمى الله المهاجرين بدينهم من مكة للمدينة مهاجرين؛ لأنهم هاجروا إلى الله ورسوله، هجروا الأوطان والمساكن والأموال، فراراً بدينهم من الكفر وأعداء الله. فعندما هاجر أهل مكة للمدينة آخى النبي ﵊ بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة زيادة على الأخوة العامة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وكانوا بهذه الأخوة يتوارثون، فيرث المهاجري الأنصاري، ويرث الأنصاري المهاجري، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ الله ﷻ ذلك وقال: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦]. الأرحام: الأقارب كالأولاد بالنسبة للأب والأم، والأبوان بالنسبة للأولاد، فهم أولى بالإرث من بقية الأرحام والعصبة، وهم أولى بالإرث مما كان في صدر الإسلام من التوارث بالإيمان وبالأخوة الدينية، وهذه الآية نسخت ما كان قبل. قال تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦] أي: كان هذا الأمر في التوارث بين ذوي القرابات وذوي الأرحام هو الأصل في كتاب الله في اللوح المحفوظ، ولكن ذلك نسخ بعد هذا، وكما سبق أن قلت أكثر من مرة: الكتاب كتابان: كتاب من قبل الحق، وكتاب من قبل الملائكة، فما كان من قبل الله لا يبدل ولا يغير، قال تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، وما كان من قبل الملائكة يبدل ويغير، قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] وأم الكتاب هو أصل اللوح المحفوظ، وهو ما كان من قبل الله ﷻ ، ولا يراه غيره. والملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون إنما يرون اللوح الذي من قبلهم، فيمتثلون ما وجدوا فيه من تحليل وتحريم، ومن أمر ونهي، من التوارث بين المؤمنين من أنصار ومهاجرين قد كان ذلك في الكتاب الذي من قبل الملائكة فأمروا به ونهوا، ونزل جبريل على النبي ﵊ في الأمر بذلك، ولكن الذي في أم الكتاب هو ما قال الله عنه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦]. أي: في اللوح المحفوظ الذي هو من قبل الله أن التوارث لا يكون إلا بين الأرحام، بحيث يرث بعضهم بعضاً، ويتولى بعضهم بعضاً غرماً وغنماً، والغنم بالغرم، فعلى الأولياء أن يقوموا بأوليائهم عند الحاجة، ومن هاهنا يقع التوارث بين الأرحام. فقوله: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٦] فلا يجوز التوارث بين الأباعد بمجرد الإيمان وأخوة الإسلام، وإنما التوارث يكون بين الأرحام، ((وَأُوْلُو الأَرْحَامِ)) أي: من المؤمنين؛ ولذلك لا توارث بين دينين كما قال ﵊: (لا يرث مؤمن كافراً، ولا يرث كافر مؤمناً) وإنما التوارث بين الأرحام من المؤمنين. وقوله: ((إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا)). أي: إلا أن يأتوا إلى الأولياء الأقارب، ويفعلوا إليهم معروفاً، والمعروف: هو الوصية بالثلث، أو العطية يداً بيد، والإحسان والنفقة، إن كان ميتاً فوصية، وإن كان حياً فعطية ومنحة وهبة، ولم يمنع الله الوصية والمعروف والعطية والمنحة بين الأرحام المؤمنين الأقارب، وإنما حرم التوارث بالإيمان والإسلام مع البعد عن الرحم، وعن القرابة.

стр. 1333

الأحكام المستنبطة من قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) هذه الآية الكريمة فيها أحكام لا بد من القيام بها والعمل لها وهي من صلب الإسلام، وهذه الأحكام هي: أولاً: كون النبي ﷺ أولى بنا من أنفسنا أمراً ونهياً، وتحليلاً وتحريماً. ثانياً: كون زوجات النبي ﵊ هن أمهات المؤمنين رجالاً ونساء، فبالنسبة للنساء هي أمومة محبة وتقدير وتعظيم، وبالنسبة للرجال كذلك مع تحريم الزواج منهن ألبتة، احتراماً لمكانة رسول الله ﵊، ومع ذلك لا يجوز الخلوة بهن، ولا يجوز الكلام كفاحاً مواجهة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال سبحانه: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: لا تخضع الأم من أمهات المؤمنين بالقول اللطيف اللين للرجال من المؤمنين. والتحدث بغير لين ولا تكسر في القول هو أمر لجميع الأجنبيات مع الرجال، ويزداد ذلك ويتأكد من زوجات النبي ﵊ مع عموم المؤمنين. وقالت امرأة لـ عائشة: يا أماه، أي: يا أمي، فقالت لها السيدة عائشة: لست لك بأم إنما أنا أم الرجال، وهو رأي لـ عائشة ورأي لجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة، ولكن عموم الآية يدل على أن الأمومة هي أمومة الاحترام والتقدير، وهي تعم الرجال والنساء، بدليل القراءة التي هي خارجة عن السبع: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) فالأبوة أبوة احترام وتقدير، كالأمومة أمومة احترام وتقدير، وعدم الزواج للتقدير والاحترام ولحفظ مكانة النبي ﵊. ثالثاً: تجوز الوصية والمنحة والعطية للأباعد من المؤمنين، والذي لا يجوز هو التوارث فقط، ولا تجوز الوصية بأكثر من الثلث، بل كما قال النبي ﵊: (الثلث والثلث كثير). وعندما أراد سعد بن أبي وقاص أن يوصي بجميع ماله، وكان إذ ذاك مريضاً يظن الموت، ولم يكن له وارث إلا ابنة له، فسأل النبي ﵊: (أأوصي بجميع مالي؟ قال: لا، فإن كان لا بد فالثلث والثلث كثير، لأن تترك أولادك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). وفي هذا إشارة إلى أن سعداً لن يموت إلا وله أولاد وورثة، وكان الأمر كذلك، وكان هذا الخبر لـ سعد من معجزات النبي ﵊، ومن الإخبار بالغيب. رابعاً: أن عدم التوارث إلا بالقرابات والأرحام هو ما كان في الكتاب المحفوظ، وهو الذي كان مسطوراً ومكتوباً، وهو الأصل، وإنما أبيح التوارث بالأخوة لوقت خاص لحكمة ظاهرة، وهي أن الذين آمنوا كانوا قلة في الصدر الأول، وكان أكثر أقربائهم وأرحامهم لم يسلموا، ولا توارث بين مؤمن وكافر، فالمال سيبقى بلا وارث، إذ الورثة من الأنصار أو المهاجرين أكثرهم لم يؤمنوا بعد، وأكثرهم لا يزالون على دين الكفر، فالله ﷻ أذن بالتوارث بالإيمان وأذن بالتوارث بالأخوة الدينية، وكان ذلك موقوتاً إلا أن أصبح الأقارب والأرحام مؤمنين كبقية مورثيهم ووارثيهم.

стр. 1334

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]. يقول تعالى: اذكر يا محمد إذ أخذ الله من النبيين ميثاقهم وعهدهم ألا يتوارث إلا الأرحام، وألا توارث بين مؤمن وكافر، واذكر يا محمد إذ أخذ الله من النبيين مواثيقهم بالوفاء بالتبليغ، وبالدعوة إلى الله، ومن ذلك التوارث بالأرحام لا بالأخوة الدينية. فقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾. أي: كما أخذ من النبيين قبلك عهودهم ومواثيقهم المؤكدة المشددة المحلوف عليها المجتمع عليها أن يبلغوا دين الله، وألا يتوارث كافر مع مؤمن، وألا يتوارث بعيد مع وجود القريب، وأن يبلغوا دين الله الحق، وأن يوفوا بما أمروا بتبليغه. كذلك فقد أخذ منك العهد المشدد المؤكد باليمين الثابتة على أن تبلغ دين الله، وأن تدعو إلى الله، وأن تحرم ما حرم الله، وأن تحل ما أحل الله، وأن المؤمنين إخوة بعضهم أولياء بعض، وأن الكفرة أعداء للمؤمنين وبعضهم أولياء بعض. إذاً: أخذ منك العهد والميثاق كما أخذ من نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم. وهؤلاء الخمسة الذين ذكروا في غير ما آية هم أولو العزم من الرسل، وهم أصحاب الشرائع والرسالات، وقد تكبدوا في دين الله ما لم يتكبده غيرهم من الرسل، وهؤلاء كانت لهم رسالات خاصة دعوا إليها أقوامهم، فقد دعا نوح بشريعة خاصة، ودعا بعده إبراهيم، وبعده موسى، وبعده عيسى، ودعا بعدهم محمد ﷺ ، أما الأنبياء الآخرون فقد كانت شرائعهم ورسالاتهم بعضها مأخوذ من بعض، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]. أما الدعوة للتوحيد فدعوتهم جميعاً واحدة، كما قال النبي ﵊: (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات أبونا واحد، وأمهاتنا شتى). أبناء العلات هم أبناء الضرائر الذين تكون أمهاتهم شتى متعددات ويكون الأب واحداً، وهو ما يعبر عنهم بالإخوة غير الأشقاء؛ والأب واحد، أي: الدين واحد، والدعوة إلى توحيد الله واحدة، فكلهم أتوا يدعون الناس إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له: أن اتقوه، وأن وحدوه، وأن خصوه بالعبادة ولا تعبدوا معه غيره. أما الشرائع فقد تكون مختلفة حسب الزمان والمكان، وحسب الإنسان وعصره، فقد كانت بعض الشرائع متشددة، وبعضها سهلة، ودين الإسلام أقرب الأديان يسراً، وأبعدها عن العسر، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] وكذلك كانت ملة إبراهيم لم يكن فيها عسر، بل كانت كلها يسراً. قدم الله تعالى في هذه الآية الكلام مع النبي ﵊ قبل نوح وقبل إبراهيم وموسى وعيسى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ [الأحزاب:٧] ثم ذكر بعد ذلك: ﴿وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب:٧] فما الحكمة في تقديم ذكر نبينا على غيره وكلهم أولو العزم من الرسل، وكلهم صلوات الله عليهم أصحاب شرائع خاصة وديانات خاصة؟ أقول: كان ذلك لأفضلية النبي ﷺ عليهم جميعاً، ولإمامته عليهم جميعاً، وقد قال الله ﷻ : ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣] وكان أفضل الكل محمداً صلى الله عليه وعلى آله؛ ولذلك قال في هذه الآية: (ومنك ومن نوح) فقدم ذكره على نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وهم كلهم أولو العزم من الرسل. وقد قال ﵊: (كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث) أي: كان النبي ﵊ المخلوق الأول في صلب آدم، خلقه الله قبل خلق بقية الأنبياء، وإن كانت بعثته آخر البعثات، وهذا معنى إمامة النبي ﵊ بالأنبياء ليلة أسري به في المسجد الأقصى. إذاً: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب:٧]. هذه المواثيق المشددة والعهود المؤكدة والأيمان المغلظة على الوفاء بالعهد وبلاغ الرسالة وأدائها كما أمر الله، وأخذ الله ذلك من الأنبياء عموماً ومن أولي العزم الخمسة خصوصاً، ومن نبينا ﵊ نبي الكل، وهو الرسول المرسل إلى الخلق كافة، والأنبياء حتى أولو العزم الخمسة لم يكونوا أنبياء إلا إلى أقوامهم، وقد قال ﵊: (خصصت بخمس: كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة). وقوله: ((وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)). أي: أخذ منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى المواثيق المغلظة المؤكدة المشددة بالوفاء بالعهد وتبليغ الرسالة كما أمر الله، وكان من ذلك: ألا توارث إلا بين الأرحام من المؤمنين، وكان من ذلك بقية الأوامر والنواهي، وتبليغ الرسالة في الحلال والحرام والآداب والرقائق، وكل رسالة بحسبها، وكل على طريقته ومنهاجه.

стр. 1335

تفسير قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم) قال الله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٨]. أي: أخذ العهود المؤكدة المغلظة؛ ليكون ذلك سبباً لسؤال الأنبياء والرسل عما بلغوه وعمن بلغوه، من آمن ممن بلغوه ومن كفر. فقوله: ((لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ)) أي: ليسأل الأنبياء الصادقين الذين لا يعصون الله ما أمرهم عن صدقهم الذي أرسلوا به، وعن الرسالات والشرائع. وما الحكمة من سؤال الله ﷻ لأنبيائه وهو يعلم صدقهم ويعلم تبليغهم؟ أقول: الحكمة من ذلك ظاهرة إذ كذبهم الكثير من أتباعهم وممن أرسلوا إليهم، فعندما يسألون ويجيبون بما أرسلهم الله به يكون ذلك تبكيتاً لهؤلاء الكفرة من الأتباع الذين كذبوا، والذين لم يصدقوا، والذين أبوا إلا الجحود والكفران. وقد فسرت الآية: ((لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ)) أي: ليسأل الأتباع من المؤمنين: هل صدقوا الله ما وعدوه عندما آمنوا وأسلموا؟ هل صدقوا الرسل وما جاءوا به؟ هل بلغوا ذلك بدورهم؟ وفي الحديث: (والعلماء ورثة الأنبياء). وفي آخر: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع). والآية تشمل أن الله يسأل الرسل والأنبياء تبكيتاً لمن كذبهم ولم يؤمن بهم، ويسأل المؤمنين من الأتباع زيادة في الإحسان إليهم، وأن من آمن فله الجنة والرضا والرحمة، ومن لم يؤمن فله الجحيم واللعنة والغضب. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٨]، أي: أعد للكافرين الذين كفروا بالرسالات وجحدوها، ولم يعملوا بما جاء به الأنبياء، أعد الله لهم يوم القيامة العذاب الأليم. وقد يكون العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، في الدنيا عذاب الأسر والعقوبة، والأمراض، والقحط، والذل والغلبة والقهر، ويوم القيامة أشد وأنكى من دخول النار ولعنة الله وغضبه الدائم. إذاً: هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالرسالات التي أرسلوا بها فإن الله يعد لهم ويهيئ لهم العذاب الأليم في الدنيا بما شاء، وفي الآخرة العذاب الأليم الخالد الدائم، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٥٦].

стр. 1336

تفسير سورة الأحزاب [٩] غزوة الأحزاب من أعظم الغزوات النبوية التي اشتملت على الدروس والعبر، وكان قد اجتمع على المدينة الحصار، وتألب عليها الأحزاب من قريش وغطفان وغيرهم من الكفار، وغدر اليهود فنقضوا العهد وصاروا مع الأعداء، وحينئذ نزل الاختبار والابتلاء فثبت الصحابة ﵃ ثبات الجبال.

стр. 1337

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]. ابتداء من هذه الآية ندخل في قصة غزوة الأحزاب، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله: اذكر نعمة الله عليك إذ غزتكم جنود في عقر داركم، ونصركم الله عليهم بالصبر، ونصركم الله عليهم بريح زعزعتهم، وقلعت أوتادهم، وأكفأت قدورهم وتركتهم يفرون خوفاً وهلعاً، وكفى الله المؤمنين القتال. وقوله: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) بصيراً بأعمالكم، وبصيراً بما استقبلتم به هؤلاء الجنود. وهؤلاء الجنود هم من تحزبوا على المسلمين من كل جانب، وهم قريش جاءوا في عشرة آلاف محارب، وأهل نجد وغطفان، وكذلك اليهود الذين غدروا ونقضوا العهد والميثاق الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ . فهذه الأحزاب من قريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، ومن نجد بقيادة عيينة بن حصن الفزاري النجدي، ومن يهود المدينة بقيادة كعب بن أسد القرظي وحيي بن أخطب النضري. واليهود من بني قريظة ومن بني النضير ممن جاوروا النبي ﵊ في المدينة المنورة، وعاهدهم، ليختبر ما عندهم، ولكن اليهود هم اليهود سواء في تاريخهم القديم أو الحديث هم أهل غدر وخيانة وكذب، وعدم وفاء بالعهد، فقد ذهبوا إلى مكة يؤلبون قريشاً على النبي ﵊، وذهبوا إلى نجد يؤلبون غطفان على النبي ﵊، ويعدونهم النصر والحلف، وأنهم سيحاربون النبي ﷺ من خلفه ويغدرون به، وستكون الحرب من أمام ومن خلف ومن فوق ومن أسفل، وأخذوا يدعونهم ويحرضونهم ويهونون لهم أمر حرب النبي ﵊، إلى أن استفزوهم واستثاروا أحقادهم، ونقلوا إليهم ما بينهم من عداوات سابقة، فقررت قريش وغطفان غزو النبي ﵊ في عقر داره داخل المدينة المنورة. ولم يكن إذ ذاك الجيش النبوي يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل، على مبادرة هؤلاء الذين جاءوا غزاة إلى عقر الأرض النبوية والوطن الإسلامي، وجاءوا من مسافة خمسمائة أو أربعمائة ميل. وبلغ الأمر النبي ﵊ كما بلغ المؤمنين، وإذا بهم في حالة من الرعب والخوف، خاصة أن من يساكنهم كفار ووثنيون وأهل كتاب ومخادعون وغدارون ومنافقون ممن ادعوا الإسلام من الأوس والخزرج، فجمع النبي ﵊ أصحابه المؤمنين وشاورهم فقال: ماذا ترون معاشر المؤمنين، هؤلاء قد تألبوا وتحزبوا وهم في الطريق إليكم، وهم كثرة كثيرة بالنسبة لكم، فالمواجهة لا تنكي، فما عندكم من رأي؟ فقام سلمان الفارسي ﵁ وقال: يا رسول الله! كنا بفارس إذا هوجمنا وكان المهاجمون أكثر عدداً منا كنا نحفر خندقاً نتحصن خلفه. فأعجبت النبي ﷺ الفكرة وأمر بها، وقام المهاجرون والأنصار والنبي ﷺ على رأسهم يحفرون الخندق من أمامهم من جهة مكة، وكذلك من جهة نجد، وتركوا الجهة التي فيها الجبال أحد وسلع، وجاءوا من أمكنتهم التي هي مفتوحة فحفروا فيها خندقاً، وحوطوا المدينة من ثلاث جهات، على أنهم توقعوا أن يأتي المكيون من جهة المغرب، ويأتي النجديون من جهة المشرق، فخندقوا المغرب والمشرق معاً، وانتظروا مجيء العدو، وعمقوا الخندق بحيث لا يمكن القفز عليه أو النزول إليه، ولو نزلوا إليه لكان موضع نبال المسلمين، وموضع قتالهم وغلبتهم. فأخذ ﷺ يحفر الخندق بنفسه، كما هي عادته معهم في أن يعمل عملهم ولا يدعهم يقومون بشيء دونه، إلى أن واجهتهم صخرة صعب عليهم كسرها وزوالها فأخبروا النبي ﷺ بها، (فأخذ النبي ﷺ المعول بيده الشريفة وضربها ضربة ذاكراً الله ومستعيناً به، فطار ثلثها، وقال ﵊: فتحت بلاد الشام، إني لأرى قصورها، فضرب الثانية فكسر الثلث الثاني من الصخرة إلى أن أضاءت، فقال ﵊: فتحت لي فارس، ورأيت قصرها الأبيض، ثم ضربها الثالثة فقال ﵊: فتحت لي اليمن ورأيت دورها كأنها أنياب الكلاب). ويأتي النبي ﵊ من يخبره أن اليهود من بني قريظة غدروا وخانوا، وتحالفوا مع كفار قريش وغطفان على قتال النبي ﵊ من خلفه. وهذه الغزوة لها ثلاثة أسماء سميت بـ (غزوة الأحزاب) لتحزب أهل مكة من قريش مع قبائل نجد وغطفان ويهود المدينة من بني قريظة لحرب رسول الله ﷺ من خلفه، فكانوا من فوقه ومن أسفل منه. وقد أرسل النبي ﵊ من يتأكد له من غدر اليهود وقال له: إذا رأيتهم غدروا كما بلغنا عنهم فعرض لي ولا تصرح، حتى لا يفت الخبر في عضد المؤمنين. وقد ترك النبي ﵊ النساء والأطفال والشيوخ العجزة في الآطام والحصون، وجعل لهم حراسة خفيفة، فلو بلغ المؤمنين أن العدو خلفهم يريد أولادهم ونساءهم وشيوخهم لفت ذلك في عضدهم، ولانزعجوا انزعاجاً كبيراً، فوق ما هم فيه من انزعاج، كما وصف القرآن الكريم. فيأتي من أرسله النبي ﷺ ليتأكد من نقض يهود بني قريظة للعهود ويقول: (يا رسول الله! عضل والقارة) يعني: أنهم غدروا كما غدر أهل عضل وأهل القارة بـ خبيب ومن كانوا معه، حيث عاهدوهم على الأمان إلى أن صدقوهم وإذا بهم يغدرونهم ويقتلونهم، فشبه الغدر من هؤلاء اليهود بغدر عضل والقارة، فقال النبي ﵊: (أبشروا أيها المسلمون بنصر من الله)، أو كما قال النبي ﵊. استشار النبي ﷺ المؤمنين قبل غزوة الأحزاب، وهذا من عادته، وذلك الأدب الذي أدبه عليه الله ﷻ ، فقال له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وأثنى على المؤمنين وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] وكان يكثر أن يستشيرهم ﷺ في الحروب والغزوات، وفي المعاملات، وفيما يتعلق بأرزاقهم وغير ذلك. وكان الخندق قد اتسع عرضه وحصلت عنده مناوشات استشهد فيها بعض أفراد من جند المسلمين، وقتل فيه عمرو بن عبد ود من قريش حين قفز من فوق الخندق وأثار الرعب بين أوساط المسلمين، فيقف أمامه علي ﵁، وبيده السيف والترس وناداه: يا عمرو تقدم وبارز، قال: لا حاجة لي بقتلك يا ابن أخي، قال: أما أنا فوالله إني لفي حاجة شديدة إلى قتلك. وإذا بـ عمرو تنتفخ أوداجه وتأخذه العزة بالإثم، ويتقدم إليه ضرباً من هنا وضرباً من هنا، وإذا بـ علي بطل الصحابة يجندله تحت قدميه، ويطعنه طعنة كان فيها هلاكه، مما جعل الآخرين خافوا أن يقفزوا، ومع ذلك تقدم ثلاثة أو أكثر وإذا بهم يقعون داخل الخندق فقتلوا، وأخذت خيولهم وسلاحهم غنيمة للمجاهدين من المسلمين.

стр. 1338

دور نعيم بن مسعود في غزوة الأحزاب هذا رجل من أهل نجد من بني أشجع من قبائل غطفان اسمه نعيم بن مسعود الغطفاني الأشجعي، جاء سراً إلى رسول الله ﵊ وقال: يا رسول الله إني أسلمت، ولا يعلم أحد بإيماني، فمرني بأمرك، قال: ما عسى أن تعمل وأنت واحد، ولكن خذل عنا، قال: أفعل يا رسول الله، فذهب نعيم وكان جيشاً بمفرده، وكان من نصر الله للمسلمين. فجاء نعيم إلى اليهود من بني قريظة، ونادى حيي بن أخطب وكعب بن أسد زعيم بني قريظة وقال لهما: تعلمان ولائي لكم وحلفي وإياكم، وقد حملني ذلك على نصحكم، فقالوا: لست عندنا بالمتهم، قال: إن اليهود يساكنون محمداً وهم منه على مرمى حجر، وقريش بعيدة عنه، إذا رءوا خذلاناً أو رءوا هزيمة فروا وهم بعداء عن يثرب بمئات الأميال، وتبقون أنتم تحت نقمة محمد وأصحابه، فالذي أرى لكم أن تطلبوا منهم رهائن؛ حتى لا يتركوكم لمحمد وأصحابه، فقالوا: نعم الرأي! وذهب بعد ذلك إلى قريش، وقال لهم: بلغني أن اليهود يقولون: لا نثق بكم أنتم بعداء عن محمد ونحن قريبون منه وكيف نقاتله وأنتم بعداء ونحن منه قريبون، فنحن نريد منكم رهائن حتى إذا غدرتم انتقمنا من رهائنكم. وإذا باليهود يرسلون إلى قريش يطلبون الرهائن، فتقول قريش: صدق نعيم! وعندما رفضت قريش قال اليهود: صدق نعيم! وأصبحوا من ساعتها يعيشون في خلاف وهلع، والأمر لا يزال بأيديهم.

стр. 1339

تخذيل المنافقين للمؤمنين وكان الجيش النبوي مشتملاً على ضعاف النفوس من المؤمنين، وعلى المنافقين ممن دخلوا الإسلام وهم كذبة، وهؤلاء من الأوس والخزرج. وكان هؤلاء المنافقون في أوساط المسلمين الصادقين يخذلونهم، ويقولون لهم: يزعم محمد أنه ستفتح له أرض الروم وأرض فارس وأرض اليمن، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج لقضاء حاجته! وأخذوا يختلقون الأعذار ليرجعوا إلى بيوتهم خوفاً على الأولاد، وجاء كما سيقص الله علينا من يقول للنبي ﵊: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣]، وجاء من يقول من المنافقين: اتركوا يثرب ليست لكم بمقام.

стр. 1340

تفسير سورة الأحزاب [١٠ - ١٣] أحاط الكفار بالمدينة في غزوة الأحزاب إحاطة السوار بالمعصم، واشتد الأمر على المسلمين حتى زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وحينئذ ظهر ضعفاء النفوس فظنوا بالله الظن الذي لا يليق، وإذا بهم يقولون يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويعتذرون بأن بيوتهم عورة، وما هي بعورة، إن يريدون إلا فراراً!

стр. 1341

تفسير قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم) قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]. الذين جاءوا من قريش كانوا من أسفل الوادي، والذين جاءوا من نجد كانوا من فوقكم، واليهود من الخلف، فأحاطوا بالنبي ﷺ إحاطة السوار بالمعصم. ثم وصف الله حال المؤمنين بأبلغ صفة فقال: ((وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ)) أي: مالت وتزلزلت، حتى صار بصر المدهوش المرعوب الخائف لا يكاد يزول عن المكان الذي يأتيه منه الخوف، من أسفل الوادي ومن أعلاه ومن فوقه، فأبصارهم زاغت وصارت مصوبة تجاه مكان الخوف من المشرق والمغرب. وقوله: ((وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)) يقولون في وصف الجبان: إذا استبدى خوف الجبان تنتفخ رئته، فإذا انتفخت الرئة صعد القلب حتى يكاد أن يخرج من مكانه ويصل إلى الحلقوم. أي: أن القلوب كادت أن تصل إلى الحناجر من شدة الخوف والجبن والهلع. وهكذا كان الأصحاب بين خوف وهلع، فالمؤمن منهم ينتظر أمر الله في رضا وطواعية، أما المنافق فينتظر سبباً ليقوم وينقلب على النبي ﷺ مع أعدائه. ويقوم المنافقون فيأتون إلى ضعاف الأنفس وضعاف القلوب من المؤمنين فيخوفونهم، يصفهم الله تعالى في الآية: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] أي: بلغت ووصلت قلوب المقاتلين والمجاهدين إلى الحناجر؛ لشدة الهلع والخوف على أرضهم وعيالهم وأموالهم. وقوله: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا))، كان المنافقون يقولون: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]، وكرر ذلك معهم ضعاف النفوس وضعاف القلوب، وظنوا كذلك، فعوتبوا وقيل لهم: أتظنون أن الله سيترك نبيه والمؤمنين؟! انظروا إلى من سبقكم فقد ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. فالنصر مع الصبر، والصبر معه الفرج، ولذلك ورد الصبر في كثير من آي الكتاب الكريم، وخصص بسورة هي: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. فالمؤمنون مع صلاتهم وصلاحهم وتقواهم لا بد لهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الصبر، فقد قص الله علينا قصة لقمان عندما أمر ولده بالصبر، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين له أنه ما من داعية إلا أصيب في نفسه، وأصيب في شيء عزيز عليه.

стр. 1342

تفسير قوله تعالى: (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]. قوله: ((هُنَالِكَ))، يقال للإشارة البعيدة: (هنالك)، وللوسطى (هناك)، وللقريبة (هنا). هذه الآية نزلت بعد غزوة الأحزاب؛ لأن الإشارة أصبحت إليها بعيدة، يعني: عند تلك الحالة وإتيان الجنود بما زاغت به الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وكثرت الظنون السيئة من المنافقين، أو من المسلمين الصالحين، وظنوا بأن الله متخل عن عبده وجنده، ويفعل الله ما يشاء، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]. أي: بعد أن بلغت الحال ما بلغت إليه ابتلى الله المؤمنين واختبرهم وامتحنهم بهجوم الأحزاب من أعداء الإسلام من مشرق الجزيرة ومغربها، حتى يفوضوا أمرهم إلى الله، وحتى يستسلموا لقضاء الله، أو يظهر منهم ما لا يليق بمؤمن صادق ويتأثروا بالمنافقين وبضعاف القلوب. قوله: ((هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ)) أي: اختبروا وامتحنوا. وقوله: ((وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)) أي: اهتزت نفوسهم وقلوبهم، ومالت أبصارهم، وتغيرت نياتهم، فالمنافق قد أعلن نفاقه، والضعيف قد كاد يفعل ذلك، والمؤمن الثابت قال: لعلها القاضية، مع استسلامه لقضاء الله وقدره.

стр. 1343

تفسير قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]. قوله: ((وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ)) أي: الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وكبيرهم عبد الله بن أبي ابن سلول في جماعة من اليهود، فهؤلاء ظنوها القاضية والفاصلة، وخرجوا عن الجيش المحمدي، بل ودعوا غيرهم أن يتركوا يثرب وأنه لا مقام لهم فيها. وبدءوا يشككون في وعود النبي ﷺ للمؤمنين بالنصر، فقالوا: أين الوعود السابقة من أنكم تفتحون أرض قيصر وكسرى وتبع؟ وأخذوا يلغطون في أقوالهم، مما جعل ضعاف القلوب والذين لم يستقر الإسلام بعد في قلوبهم، يصدقونهم ويقولون بقولهم. وقوله: ((وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)) [الأحزاب:١٢] أي: شك ورعب، فهؤلاء يحسبون كل صيحة عليهم، ويشعرون بزلزلة الأرض تحت أقدامهم. قولهم: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢. وكان النبي ﵊ وعدهم عندما ضرب الصخرة في الخندق وكسرها ثلاث قطع، فبشرهم في الضربة الأولى بفتح أرض الروم والشام، وفي الثانية بأرض فارس، وفي الثالثة بأرض اليمن، فاعتبر هؤلاء المنافقون كل هذه الوعود مجرد أماني وغرور، وذكروا ذلك صفة لله، وصفة لرسوله، خابوا وخاب فألهم، وصدق الله ورسوله، وتلك شنشنة من المنافقين علمت عنهم قبل وبعد في التاريخ القديم والحديث، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢].

стр. 1344

تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا)

стр. 1345

معنى قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]. قوله: ((وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ)). هذه هي الطائفة المنافقة، الطائفة المظهرة للإسلام كذباً وزوراً، والمبطنة للكفر، فهي عندما وصلت الحالة في غزوة الأحزاب ما وصلت إليه، أعلنت هذه الجماعة المنافقة كفرها وقالت: ((يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ)) وعادوا للاسم الجاهلي، وتركوا الاسم المحمدي المدينة النبوية الذي أمر به النبي ﵊ اسماً دائماً ليثرب. فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٣]. أي: اتركوا محمداً وأصحابه في الخندق وارجعوا إلى بيوتكم في المدينة. أو: لن يكون لكم بعد اليوم في هذه البلدة مقام ولا استقرار ولا استيطان، فقد غلبكم عليها محمد وأصحابه فاتركوه واتركوها له، وإلا فستبقون ملاحقين من محمد وأصحابه، فأنتم إذا لم تموتوا في هذه المعركة فسيطالبكم في حروب ومعارك آتية، إذ أنصبته العداء فارس والروم وجميع سكان جزيرة العرب من العرب ومن فيها. قوله: ((يَا أَهْلَ يَثْرِبَ)) يثرب: اسم المدينة النبوية قبل الهجرة، وسميت باسم رجل من العماليق وهم سكان المدينة القدامى، وكان اسمه يثرب، ويثرب من التثريب، كما قال يوسف لإخوته عندما غدروا به وتآمروا عليه، ﴿قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف:٩٢] أي: لا ملام ولا عتب ولا مؤاخذة عليكم. والتثريب مأخوذ من هذا المعنى، وهو فعل السوء الذي يستوجب المؤاخذة والعتاب. والنبي ﷺ لما دخل المدينة مهاجراً قال: (هي طابة، هي طابة). وقال: (لا تقولوا: يثرب، هي طابة، هي طيبة، ومن قال: يثرب فليستغفر الله) حديث رواه الإمام أحمد في المسند عن البراء بن عازب. فإذاً قال المسلم غلطاً وسبق لسان عن المدينة: هي يثرب، فليستغفر الله ولا يعد، إنما هي طابة، إنما هي طيبة. والمدينة النبوية هي عاصمة الدنيا، وبها استقر الإسلام ورسالة محمد ﵊، وكانت دار هجرته ﷺ ، ومنها انتصر الإسلام النصر العزيز الساحق في غزوة الخندق، وقبلها في غزوة بدر، وفي فتح مكة، وأصبحت بذلك عاصمة الدنيا جميعها، مما استحقت أن يقول النبي عليها الصلاة والسلام لأهلها: (المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو لم أكن من قريش لكنت امرأً من الأنصار). وكان الأمر كما أخبر ﷺ ، فإنه منذ هاجر للمدينة أصبحت موطنه، ودار سكنه، وأصبحت مرقده وقبره صلى الله عليه وعلى آله، فهي داره مدة حياته إلى أن لقي الله، وهي داره إلى يوم البعث والنشور.

стр. 1346

معنى قوله تعالى: (ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة) وقوله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]. هؤلاء جماعة ضعيفة قلوبهم، مزعزعة نفوسهم، ولكنهم ليسوا من المنافقين، استأذنوا النبي ﷺ بترك المعركة، بعد أن اشتد بهم الحال لمدة شهر كامل، وبلغت القلوب الحناجر، وزاغت الأبصار، فزعموا ما ليس بصحيح، زعموا أن بيوتهم عورة مكشوفة للعدو وللسراق وللمهاجمين، فهم يريدون حماية أولادهم وأموالهم، ولكن الله كذبهم وقال: (وما هي بعورة) أي: ليست مكشوفة، وليست عرضة للعدو وللسارق وللغازي، فإن بين الغزاة الكفار والمجاهدين المؤمنين في المعسكر النبوي الإسلامي خندقاً، ولا يكاد يريد واحد من جيش العدو تجاوزاً إلا تعرض للقتل أو السقوط في الخندق فيهلك. إذاً: رد الله عليهم وكذبهم بقوله: (وما هي بعورة) أي: ليست بمكشوفة ولا مفتوحة، ويقال: عورة، أي: لا يليق أن يكون على مرأى من الناس. ومن هنا سمي القبل والدبر من الرجل والمرأة عورة، وسمي ما تريد أن تكتمه عورة، وسميت الدور والأمكنة المفتوحة والمكشوفة للعدو عورة. وهكذا كان تعبير القرآن الكريم عن الدور في زعم هؤلاء. فقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]. كشف الله مقاصدهم، وأظهر أن بيوتهم ليست بعورة حتى عند أنفسهم، وهم لم يقولوا الصدق، أو قالوا ما أوحى لهم به الهلع والرعب الذي به زاغت أبصارهم وبلغت قلوبهم الحناجر، وابتلوا وزلزلوا زلزالاً شديداً، حتى ظنوا بالله الظنون، رعباً وهلعاً، فأخذوا يستأذنون النبي ﵊ في ترك المعركة، معتذرين بأن بيوتهم مكشوفة للعدو، فكذبهم الله وقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب:١٣]، ثم كشف مقصدهم وقال: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]، أي: يريدون الفرار من الزحف ومن المعركة، والفرار من المعركة كبيرة من الكبائر يستحق الفار به القتل. فهذا خالد بن الوليد القائد لمعارك الشام والعراق قبل أبي عبيدة عامر بن الجراح سلم نساء المجاهدين سيوفاً وعمداً وأخشاباً وقال لهن: إذا رأيتن أحداً ترك المعركة ويريد الفرار فاقتلنه. وكم قتل نساء المسلمين من هؤلاء الذين فروا من المعركة، وكان الخليفة الأول أبو بكر ﵁ هو القائد الأعلى للمعركة، وهو الخليفة المحمدي النبوي، ولم يستنكر على خالد أمره النساء بقتل الفارين من المعركة، بل ولا عمر الذي كان شديداً على خالد حتى عزله وولى مكانه أبا عبيدة عامر بن الجراح؛ لكنه لم يقل فيما قال عن خالد: إنه قتل أناساً لا يستحقون القتل من هؤلاء الفرارين. وفي معركة أحد فعل هذا نساء المقاتلين من كفار مكة في جيش أبي سفيان وهو قائد الكفر إذ ذاك، فقد أوقف النساء خلف جنده وذلك عندما رأى البعض يفرون، وكانت المعركة في أوائلها في صالح المسلمين، إلى أن خالف الرماة أمر النبي ﵊ وتركوا التلال والجبال التي هم عليها، فتركوها فكان ما كان من تمحيص المسلمين، فكان نساء قريش خلف مقاتليهن ومحاربيهن وهن يقلن: نحن بنات طارق نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق أو تدبروا نفارق فراق غير وامق وبنات طارق هن بنات النجم، أي: لسنا من سكان الأرض، بل نحن أعلى شأناً، كما هو حال الكفار في كل عصر، فهم يمشون على السجاد؛ لأنهم أغنياء رأسماليين مترفين. فقولهن: إن تقبلوا نعانق. يرغبن أزواجهن في القتال وعدم الرجوع والفرار. وقولهن: أو تدبروا نفارق. أي: إن تحاولوا الفرار والإدبار نفارقكم ونهجركم ونخالعكم. وقولهن: فراق غير وامق. أي: فراق غير محب، فالفراق طلاق الخلع، وليس فراق الدلال والدلع.

стр. 1347

تفسير سورة الأحزاب [١٤ - ١٨] لقد وقف المنافقون في الخندق من رسول الله ﷺ موقف التخذيل، حتى إنهم لو سئلوا الفتنة والردة لما تخلفوا، مع أنهم كانوا قد عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، ثم هاهم يعوقون ويخذلون عن القتال، ثم هم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً.

стр. 1348

تفسير قوله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها) قال الله ﷻ : ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤]. لا نزال مع المجاهدين في مقاومة الأحزاب الكافرين الذين تجمعوا من كل وثني وكتابي وضال مضل من أعداء الله والإسلام. فقوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب:١٤] الكلام على من قال الله عنهم في الآية السابقة: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]. يقص الله علينا قصص هذه الفئات المنافقة الكاذبة الذين حضروا مع جيوش المسلمين، وهم يتظاهرون بالإسلام وبالجهاد في سبيل الله، لكنهم حينما اشتد عليهم البأس، اشتد هلعهم ورعبهم، فأظهروا نفاقهم، وطائفة منهم تركوا المعركة وفروا من الزحف. ولم يكتفوا بذلك، بل أخذوا يدعون غيرهم لترك المعركة، بل وترك يثرب المدينة المنورة. وطائفة منهم أرادوا التوسط فكذبوا في استئذانهم النبي ﷺ متعللين أن بيوتهم مكشوفة ومفتوحة، وأنها عرضة لكل سارق ومهاجم وغاز، فكذبهم الله وقال عنهم عندما زعموا أن بيوتهم عورة: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب:١٣] أي: ليست مكشوفة، وليست عرضة للسارقين والمعتدين والغازين. وهنا قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب:١٤]. أي: هؤلاء لو غزوا ودخل أعداء الإسلام المدينة المنورة، ثم طلب منهم أن يكفروا، وطلب منهم الفتنة في دينهم وفي أنفسهم وعيالهم، لأسرعوا إليها متسابقين. وقوله: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤]. أي: لو أن المنافقين استجابوا للفتنة وأعلنوا كفرهم، فهم من الأصل كفرة، ولو سئلوا الفتنة وطلب منهم أن يعودوا للكفر جهاراً علناً لأتوا إلى ذلك مسرعين، ولو فعلوا ما طلب منهم، فإنهم لن يلبثوا بها ولن يلزموها إلا يسيراً من الوقت، ثم ستنقلب عليهم ويكونون وقود نارها وحطب جحيمها، حينها سيندمون ولات حين مندم. فهؤلاء المنافقون كشف الله حالهم، وحقيقة إيمانهم، والمنافقون يكذبون وليس لهم من الإيمان والإسلام إلا قول اللسان.

стр. 1349

تفسير قوله تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:١٥]. أي: هؤلاء الذين تذبذبوا ونافقوا، سبق أن فاتتهم حروب قوية حضرها النبي ﷺ بنفسه، فعندما قاتل ﵊ في بدر، قالت فئة من بني حارثة: لقد فاتنا الخير الكثير في عدم حضور هذه المعركة، وقد كان قائدها مباشرة رسول الله ﷺ ونحن نعاهد الله إن جاءت غزاة أخرى حضرها النبي ﷺ بنفسه لنحضرنها، ولنبذلن فيها أرواحنا وأموالنا، وكل عزيز علينا ونحرص ألا تفوتنا. وهاهم هؤلاء قد حضروا معركة الأحزاب، وكان المشرف عليها النبي ﵊، وإذا بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم قد نقضوه، فهم يفرون من المعركة، وبعضهم يستأذنون في تركها كذباً زاعمين أن بيوتهم مكشوفة، وأن بيوتهم تحت تناول الغزاة والسارقين والمهاجمين، وهم إنما يريدون الفرار من المعركة، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر. وقوله: (وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا). أي: هذا العهد الذي قطعوه على أنفسهم من أن يحضروا المعركة ولا يفروا منها، سيسألهم الله يوم القيامة عن خيانتهم لهذا العهد، ولهذا الميثاق.

стр. 1350

تفسير قوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل)

стр. 1351

معنى قوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم) قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦]. أي: يا أيها النبي قل لهؤلاء المنافقين الكفرة: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦]. فأنتم تفرون من المعركة خوف الموت والقتل، والموت تابعكم وملاحقكم، وفراركم من الموت لن ينفعكم، ولن تفلتوا من الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة. وإن أنتم عشتم بعد ذلك لا تعيشون إلا أياماً وشهوراً معدودات، فمهما طالت وامتدت فلن تكونوا قد استمتعتم فيها إلا تمتعاً يسيراً، وماذا عسى أن يزيدكم هذا التمتع وقد فررتم من الموت أو القتل؛ ظناً منكم أن أعماركم ستطول وحياتكم ستدوم، وهيهات هيهات ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨]. فكيف تفرون من الموت وهو آتيكم، ومن القتل ولا مفر عنه، ولو عشتم فلن تمتعوا ولن تعيشوا إلا يسيراً قليلاً، مع الخزي وغضب الله.

стр. 1352

موقف أبي لبابة الأنصاري مع بني قريظة وقد سألني سائل بالأمس عن أبي لبابة هذا الذي عندما طلب اليهود من رسول الله ﷺ أن يأتيهم ليستشيروه، وقد كان حليفهم مع الأوس في الجاهلية، فاجتمع عليه صبيانهم ونساؤهم وأخذوا يجهشون بالبكاء والعويل، والرجال تسأله: ماذا يريد منا محمد؟ وإن استسلمنا له فبماذا سيجازينا ويعاقبنا؟ وقد كان حصرهم في حصونهم لمدة شهر، وهم يأبون الاستسلام، ثم بعد ذلك أرسلوا له يقولون: (ألا تعاملنا معاملة قبائل بني النضير بأن تأخذ أموالنا وأرضنا وتتركنا ونساءنا وأطفالنا، فقال النبي ﵊ لهم: استسلموا دون قيد ولا شرط) أو كما قال ﵊. يعني: لا تشترطوا، بل استسلموا وسأحكم عليكم بما أريد، وبما يلهمني الله عند ذلك، فاستشاروا أبا لبابة. وإذا بـ أبي لبابة عندما بكت أمامه النساء والأطفال وسألوه: ماذا يراد بنا؟ فأشار لهم بأصبعه إلى حلقه. أي: الذبح! فعلم أنه خان الله ورسوله، وكشف سراً من أسرار النبي ﵊، وهو لم يقل: موت ولا ذبح، ولكنه أشار إليهم بأنه لن يعاقبهم ويجازيهم بما جازى به بني النضير قبلهم، وإنما يريد ذبحهم وقتلهم؛ لأن بني قريظة تزعموا التأليب والتحزيب على رسول الله صلى الله وعليه وسلم بقيادة طاغيتهم وكبيرهم في الكفر كعب بن أسد ومعه حيي بن أخطب الذي تنقل بين قبائل العرب يؤلبهم على رسول الله ﵊ والإسلام. ثم إنهم هم الذين أفسدوا بني النضير على النبي ﵊ والمسلمين، فكان جزاؤهم أشد وأقوى عقوبة من بني النضير. فالنبي ﵊ ينتظر أبا لبابة الأنصاري ليخبره خبر بني قريظة، فإذا به يذهب إلى المسجد ويربط نفسه بسارية من سواريها، ويقول: علي عهد الله ألا أعود لأرض خنت الله فيها، وعلى أن أربط نفسي ولا أحلها ما لم يتب الله علي، فبقي ستة أيام مربوطاً في السارية تأتيه زوجته فتحله عند أوقات الصلاة، ثم تعود فتربطه. وعندما أخبر ﵊ بخبره قال: لو أتاني لاستغفرت له، أما وقد أبى إلا ذلك فليترك وما أراد، عسى الله أن يغفر له. وبعد انتهاء معركة بني قريظة كان النبي ﷺ عند أم سلمة وإذا به يضحك ويتبسم ﵊، وذلك عند السحر، فسألته أم سلمة: ما الذي أضحكك يا رسول الله، أضحك الله سنك؟ قال: قد نزلت التوبة من الله على أبي لبابة بن عبد المنذر، وكان الحجاب لم ينزل بعد، فقالت: يا رسول الله، أتأذن لي أن أبشره؟ قال: إن شئت! وإذا بها تفتح باب غرفتها وتصيح: أبشر أبا لبابة فقد نزلت توبتك من الله، وغفر الله لك. وإذا بمن كان في المسجد من المؤمنين المنتظرين لصلاة الصبح، يتسابقون إليه مهنئين ومباركين، ويريدون حل رباطه من السارية، فقال لهم: لا، حتى يحلني رسول الله ﷺ بيده. وإذا بالنبي ﵊ عندما خرج من حجرته لصلاة الصبح يرى أبا لبابة لا يزال مربوطاً فيحله بيده ﷺ . وقد نزل في أبي لبابة عندما خان الله بما أشار به لإخوة القردة والخنازير أنه الذبح، نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧]. وعندما نزلت توبته، نزل قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].

стр. 1353

موقف سعد بن معاذ وموته بعد بني قريظة أما سعد بن معاذ فقد جرح في الخندق ودعا الله تعالى ألا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة الذين خادعوا الإسلام والمسلمين، وغدروا برسول الله ﷺ ، فحفروا حفرة كانوا الواقعين فيها، وبحثوا عن حتفهم بأنفسهم. فتم له ما أراد، وحكم في رجالهم بالقتل، وفي النساء والأطفال بالأسر، وفي أموالهم بقسمتها، فخمست ثم قسمت فجعل للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد. ثم بعد ذلك بزمن قليل انفجر جرحه، وانقطع أكحله، وهو العرق في اليد يتصل بالقلب، فاستفحلت الدماء، فدخل جبريل على رسول الله ﷺ قائلاً له: (يا نبي الله من هذا الذي مات، لقد اهتز له عرش الرحمن؟ فقام ﷺ مسرعاً من بيته ليرى ما الذي صنع الله بـ سعد وهو عند الجارية السوداء رفيدة تعالجه وتمرضه، وإذا به يجده قد مات)، فكان اهتزاز العرش وحضور الملائكة في جنازته كرامة من الله لهذا الصحابي الجليل الشهيد رضوان الله عليه. وقد حاول بعض من يطعن في هذا الحديث من حيث المعنى، فقالوا: (اهتز العرش) أي: اهتز السرير الذي حمل عليه سعد، ولكن في الحديث ذكر عرش الرحمن. قال أبو عمر ابن عبد البر من أئمة المالكية الأندلسيين: ولم لا يهتز العرش وما هو إلا خلق من خلق الله؟! ويقول أبو عمر ابن عبد البر أيضاً: قد تواتر الحديث بهذا عن جمهور من الصحابة. وممن كتب في التواتر من السابقين واللاحقين السيوطي في القرن التاسع في كتابه (الأزهار المتناثرة من الأحاديث المتواترة)، وجدي محمد بن جعفر الكتاني ﵀ في أواسط هذا القرن، وهذا في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر). إذاً: مشهور ومنتشر بين أهل العلم والحديث خاصة أن سعد بن معاذ رجل عظيم جليل من أصحاب رسول الله ﷺ اهتز لموته عرش الرحمن، وأن أبا لبابة الأنصاري قد خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً كما نزلت الآية فيه.

стр. 1354

تفسير قوله تعالى: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً) قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٧]. أي: قل يا محمد لهؤلاء: من الذي يمنعكم من عذاب الله إذا شاء ذلك من هزيمة أو قتل أو أسر، ومن الذي يعصمهم من الله إن أراد بهم رحمة وأراد بهم نصراً، وأراد لهم عزاً وأراد لهم شهادة؟ و الجواب لا أحد يعصم من الله ومن مراد الله، خيراً كان أو شراً. وقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب:١٧]. أي: أراد غضباً ولعنة للمنافقين الفارين من القتال، أو أراد رحمة للمجاهدين المقاتلين الصادقين، من الذي يحول بين الله وعباده؟ لا أحد، بل كل عبد لله خاضع لجلاله ذليل بين يديه، لا يد له ولا إرادة ولا رغبة، ولا يستطيع أحد أن يقف بين الله ومراده. والسوء هنا الغلبة والقهر والذل والموت. والرحمة هنا النصر والعز والسيادة والشهادة، فمن الذي يحول بين الله وبين عباده المؤمنين أن ينصرهم ويعزهم، أو ينيلهم الشهادة، برحمة الله ورضوانه؟ ومن الذي يستطيع أن يحول بين الله وبين من عصاه من عباده من المنافقين والكافرين، إن أراد لهم سوءاً وذلاً وهواناً وغلبة؟ لا أحد يستطيع أن يتأله ولا أن يغالبه ﷻ وعز مقامه. وقوله: ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٧]. أي: هؤلاء المهزومون المنافقون لم يجدوا لهم ولياً يرجعون إليه، ولا قريباً ينتصرون به ويعتزون بسلطانه وقوته، ولم يجدوا نصيراً ينصرهم، ويقف حائلاً بينهم وبين عذاب الله وعقابه، وإنما يخرجون من الدنيا ويلقون في حفرة فرادى بلا أولاد، ولا أنصار، جاءوا إلى الدنيا فرادى وسيذهبون ويخرجون منها فرادى، فلا يحول بينهم وبين مراد الله أحد في الأرض لا ولي ولا نصير، فلا حول مع حول الله، ولا قوة مع قوة الله، إن القوة لله جميعاً.

стр. 1355

تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) قال الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨]. (قد) في لغة العرب إذا دخلت على المضارع تكون للاحتمال والتوقع، وتكون للتقليل، فإذا دخلت على الماضي تكون للتحقيق، وقد تخالف القاعدة العامة، فتدخل على المضارع فتكون للتحقيق، كما في هذه الآية الكريمة: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ). والمعنى: أن الله ﷻ يعلم كل شيء، وهو مطلع على كل شيء، ولا يحول بين علمه وقدرته شيء، وقد هنا دخلت على المضارع، وهي للتحقيق في العلم، لا للتقليل ولا للظن، وهذا من القلة في كلام العرب. فقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨]. يقال: عوق فلان فلاناً، أي: وقف في وجهه وثبطه على ترك عمل من الأعمال. فهؤلاء المنافقون حاولوا أن يعوقوا المؤمنين عن الحرب والقتال، وقد قص الله علينا في الآية السابقة خبرهم فقال: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٣]، فهم حاولوا أن يعوقوا المؤمنين عن البقاء في المعركة، فهؤلاء المعوقون المنفرون يحولون بين الناس وبين الجهاد، وبين بذل أنفسهم رخيصة في سبيل الله، فالله يعلم حالهم، ويعلم مقاصدهم. وهذا إعلان من الله ﷻ بتهديدهم وتخويفهم وتوعدهم بالعذاب الشديد والخلود في النيران إن بقوا على نفاقهم، أما إن تابوا وأنابوا ورجعوا عما هم فيه من التعويق، وإبعاد الناس عن القتال والجهاد وطاعة الله ورسوله، فإن الله يتوب عليهم. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨]. أي: الذين تركوا المعركة خوفاً من اليهود وغيرهم من المشركين المهاجمين، قالوا لإخوانهم الذين بقوا مع النبي ﷺ وأصحابه: هلموا إلينا وأقبلوا علينا واتركوا محمداً وأصحابه. وقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨]. أي: أنهم إذا تظاهروا بالإسلام والقتال لا يحضرون المعركة إلا برهة من الزمن لا تكاد تعد، ولا تكاد ينظر لها، بل لا يكادون يحملون السلاح إلا رياء ونفاقاً، فإذا اشتد هلعهم وزاد خوفهم وبلغت منهم القلوب الحناجر أعلنوا الكفر، وفروا من المعركة، وأخذوا يحضون المؤمنين على ترك القتال، فهم إن أتوا القتال لا يأتونه إلا قليلاً مع النفاق والكذب، وهم يعوقون المؤمنين عن حضور المعارك، ويريدون بذلك انفراد النبي صلى الله وعليه وسلم مع أعدائه ومعه قلة من المخلصين، وهيهات أن يغلب من كان الله معه. والنبي صلى الله وعليه وسلم كان وحده بين الكفار مع قلة من أصحابه في المدينة النبوية، والكفار من كل جانب، فكلهم يحاولون قتله ويحاولون صده، ويغرونه بالملك وبالمال وبالنساء، ويرهبونه بتعذيب أصحابه وأتباعه، ويشتمونه ويتهمونه، والنبي ﷺ ثابت ثبوت الجبال الرواسي، وقد تهتز الجبال وتتزلزل ولا يهتز ﷺ . وقبل الهجرة جاءته قريش يعرضون عليه الملك والنساء والمال، على أن يترك الدعوة إلى دين الله، حتى كاد أبو طالب أن يغرى بذلك، فقال النبي ﷺ : (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أدع هذا الأمر ما تركته، حتى يقضي الله أمره أو أهلك دونه). أي: لن أترك ما أمرني الله به إلى أن أموت أو أنتصر، فهو قد مات ﵊ كما يموت كل حي، ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، لكن لم يلق الله إلا بعد النصر وبعد العز، وبعد الغلبة، وبعد عودته إلى مكة عزيزاً منصوراً مظفراً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَاد﴾ [القصص:٨٥] أي: حين خرج النبي ﷺ مهاجراً من مكة إلى المدينة وهو في الطريق أنزل عليه يبشره بأنه سيعود إلى مكة منتصراً، فبشر بذلك المسلمين، وما كادت السنة الثامنة من الهجرة تقبل وتهل إلا ودخل النبي ﵊ مكة عزيزاً مظفراً منصوراً، دخل القبلة المحمدية، ومكان الحج والمناسك التي فرض الله على كل مسلم في الأرض أن يأتيها حاجاً مرة في العمر إن كان مستطيعاً، ويستحب مرة عند كل خمس سنوات، كما في مسند الإمام أحمد. وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨]. (هلم) اسم فعل أمر مبني على السكون دوماً، بمعنى: أقبل إلينا، ويخاطب بها المفرد والمثنى والجمع بصيغة واحدة: هلم يا رجل، هلم يا امرأة، هلم يا رجلان، هلم يا امرأتان، هلم يا رجال هلم يا نساء، وهي بمعنى الإقبال والقدوم. وقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨]. أي: لا يأتون القتال إن أتوا، والبأس: الحرب والقتال، لا يأتونه إلا قليلاً، بلا رياء ولا صدق ولا إخلاص يحذر الله نبيه والمؤمنين من هؤلاء المنافقين أن يصدقهم وأن يقبل قولهم.

стр. 1356

تفسير سورة الأحزاب [١٩ - ٢١] لا يزال الله تعالى يسرد أوصاف المنافقين المخذلين للمؤمنين في غزوة الأحزاب، والذين إذا جاء الخوف رأيتهم تدور أعينهم، وإذا ذهب الخوف أظهروا الشجاعة والبسالة. ثم يأمر الله عباده المؤمنين أن يتخذوا رسول الله ﷺ قدوة وأسوة في كل أحوالهم.

стр. 1357

تفسير قوله تعالى: (أشحة عليكم فإذا جاء الخوف) قال الله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩]. لا يزال الله ﷻ يصف حال هؤلاء المنافقين الذين كادوا أن يحولوا غزوة الخندق أو الأحزاب إلى هزيمة للمسلمين، ولكن هيهات هيهات لا مذل ولا غالب لمن نصره الله وأعزه، فكشف الله كذب المنافقين وأظهر صفاتهم، حتى عرفها النبي ﷺ والمؤمنون. فقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٩]. الشح منتهى البخل، فهؤلاء يبخلون عليكم بالمال وبالأرواح وبالإخلاص وبالصدق وبالإيمان. وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب:١٩]. أي: إذا حضرت معركة وجاء خوف على حياتهم وعلى أموالهم، تجدهم في غاية من الهلع، وقد وصف الله ذلك بأبلغ العبارة وأصدق الألفاظ، فقال: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩]. وصف الله نظرهم لرسول الله ﷺ والمؤمنين عندما يشتد خوفهم وهلعهم من الحرب فقال: تراهم يا محمد ينظرون إليك في الظاهر، ولكن أعينهم تدور في محاجرها زائغة، لا يكاد يستقر بصرهم على مرئي لا لك ولا لغيرك، حالهم كحال المحتضر عند الموت عندما يزيغ بصره، تراه ينظر إليك وهو لا ينظر، وهؤلاء تراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون، وإنما أبصارهم شاخصة باهتة، شأن المرعوب الذي أصابه الهلع والجزع. فيصف الله هؤلاء المنافقين بأقبح الصفات، يصفهم بالشح وهو أقبح أنواع البخل، وبالجبن الشديد الذي لا يتماسكون فيه، لا في قول ولا في بصر ولا في حالة، مع أن الرجل عند الخوف يتماسك ويظهر البطولة والشجاعة، أما هؤلاء عند الخوف تجدهم كالنساء. وكما وصفهم الشاعر أنهم عند الخوف كالنساء العواتق أو كالأطفال الصغار، والنساء العواتق هن ذوات الحيض. وهؤلاء المنافقون إذا زال الخوف أخذوا يتظاهرون بالرجولة والشجاعة، وإذا جاء الخوف إذا بهم يفرون فرار النعامة. وقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب:١٩]. أي: إذا ذهب الخوف من أنفسهم آذوكم وهاجموكم وشتموكم بألسنة حداد شرسة، تسمع منهم الكلمة الرذيلة واللفظة البذيئة، فهم يتفاصحون ويظهرون أنهم لا يهابون ولا يخافون، في حين إذا بدا أمامهم قط ظنوه نمراً، وإذا بهم يعودون إلى هلعهم وإلى وخوفهم. وقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب:١٩]. كانوا من قبل أشحة عليكم، أشحة في مشاركتكم في القتال بأموالهم وبأرواحهم وبالكلمات الطيبات، وعند زوال الخوف تجدهم أشحة على الخير، لا خير فيهم ألبتة، يشتد شحهم وبخلهم حتى بكلمة خير أو مساعدة في خير، أو عمل صالح، فهم لا خير فيهم، وهم ليسوا بشجعان، وليس لهم من الرجولة إلا الشكل، وإنما هم كالنساء الحيض. وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩]، أي: هؤلاء الجبناء الأشحاء، وهؤلاء الذين لا خير فيهم، وهؤلاء المنافقون؛ لم يؤمنوا ولكن أظهروا الإسلام، ولم يدخل الإيمان في القلب، والإيمان عمل القلب، ففي حديث جبريل فصل الإسلام عن الإيمان، وذلك عندما سأله عن الإيمان، فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى) أي: أن تصدق ذلك بقلبك. وعندما سأل عن الإسلام، قال: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة) إلى آخر الحديث أي: الإسلام هو إعلان ذلك باللسان بأن تنطق بالشهادتين، وهو عمل ظاهر بالجوارح كالصلاة والزكاة والصوم والحج. إذاً: الإيمان يكون بالقلب، ولا يتم إسلام بلا إيمان ولا إيمان بلا إسلام، ولا نستطيع أن نعلم أن هذا قد آمن وصدق بقلبه؛ لأننا لا نكشف عن القلوب، ولكن اللسان يعرب عما في القلب، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩]، أي: أولئك فيما أظهروا من صلاتهم ومن قتالهم ومن إيمانهم كانوا كاذبين لم يؤمنوا بقلوبهم، فأحبط الله أعمالهم، كما قال ﵊ عن أمية بن أبي الصلت عندما قرئ عليه من شعره في التوحيد والإيمان فقال عنه النبي ﵊: (ذاك رجل آمن لسانه وكفر قلبه). فإذا قال اللسان قولاً لم يصدقه القلب فهو النفاق، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩]. أي: أولئك الذين وصفهم الله بالكذب والنفاق، وبالشح والجبن، وبسلاطة اللسان، وبظهور الرجولة عند ذهاب الخوف، وعند ظهور الخوف يكونون في غاية من الهلع والجبن، فهؤلاء الموصفون بهذه الصفات لم تؤمن قلوبهم، وإنما قال اللسان شيئاً لم يصدقه القلب، فأحبط الله أعمالهم، وأذهبها ومحقها. وهكذا كل عمل لا يكون فيه إخلاص لله، وكل عمل شابه نفاق ورياء وسمعة فهو غير مقبول؛ لأن الله لا يقبل إلا ما كان خالصاً له، قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]. وقد بين ﷺ صفات المنافق بقوله: (إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر) أي: ليس له عهد ولا صدق ولا إخلاص. وقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩]. أي: إحباط أعمالهم وإذلالهم وتخليدهم في النار إن ماتوا على النفاق يسير على الله وهين، لأنهم لم يصدقوا في إيمانهم.

стр. 1358

تفسير قوله تعالى: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٠]. تفرقت الأحزاب من قريش وغيرها وعادت بخفي حنين، عادت خائبة إلى نجد وإلى مكة، أما اليهود فتوجه لهم نبي الله ﷺ فحاصرهم في حصونهم إلى أن خضعوا لحكم سعد بن معاذ، فقتل الرجال وسبى النساء والأطفال وأخذ الأموال غنيمة، وكانوا عبرة لكل معتبر من كل منافق وكافر، وكفى الله المؤمنين القتال. ومع كل هذا الذي رآه المنافقون فهم لا يزالون يظنون أن الأحزاب الذين تجمعوا حول الخندق وحول المدينة المنورة يحسبون ويظنون أنهم لم يذهبوا، وأن قريشاً وغطفان لا تزال محاصرة للمدينة، ولو أن العين قد رأت غير ذلك، ولكنه من رعبهم وهلعهم، وصعود قلوبهم وخروجها من مكانها رعباً وهلعاً ظنوا أن الأحزاب لا تزال ولم يذهبوا. وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ﴾ [الأحزاب:٢٠] أي: وإن عادوا فهم يظنون أنهم لم يذهبوا أو أنهم ذهبوا ليعودوا. وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب:٢٠]. أي: لو رجع الأحزاب فإن المنافقين يتمنون ويحبون ويودون أنهم لا يكونوا في المدينة، وإنما يكونون في البادية خارج المدينة بعداء عن متناول هؤلاء الأحزاب، وهم مع بعدهم يلحقهم الخوف إلى هناك، فتجدهم يسألون يريدون أن يسمعوا أن المسلمين قد هزموا، ليأتوا وقد ذهب الخوف فيؤذوا المؤمنين بألسنة حداد، وهم أشحة على الخير كما وصفهم الله جلا جلاله. وقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٢٠] أي: وعلى فرض أنهم عادوا إليكم ودخلوا صفوفكم وتظاهروا أنهم من جندكم، ﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٠] فهم سيعودون إلى حالهم من الجبن والبخل والهلع والتظاهر بالقتال ولا قتال، فهم لا يقاتلون إلا بالألسن فتراهم ينفرون ويعوقون المؤمنين عن القتال، ويفرون عند أول اللقاء مع العدو. إذاً: هؤلاء لا خير فيهم سوء كانوا في العصور السابقة أو في العصور اللاحقة، فهم في كل وقت وعصر يقولون عن الإسلام ما لا يليق، فتجدهم الآن يقولون: إن أحكام الإسلام فيها قسوة، أو أنها لا تصلح لزماننا هذا، فقائل هذا القول منافق كافر لم يؤمن قلبه، وإن آمن لسانه فهو كاذب مخادع منافق.

стр. 1359

تفسير قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. أي: يا مسلمون في عموم أقطار الأرض لم لا تتخذون محمداً نبي الله الأسوة والقدوة الصالحة؟! فنبي الله ﵊ قد أوذي في مكة وأوذي في المدينة، وحضر هذه المعارك بنفسه الشريفة ﵊ فشتم، وكسرت رباعيته ﷺ ، وشج وجهه، وهجر سنوات حتى اضطر مع أصحابه أن يأكل ورق الشجر زمناً ودهراً، وقيل عنه: ساحر، وقيل عنه: كاذب، ومع كل هذا لم يزده ذلك إلا رسوخاً في الله وثباتاً في أمر الله وقياماً بدعوة الله، وهاهو في غزوة الأحزاب شارك بنفسه ﵊، وأخذ المعول وكسر الصخور والأحجار، وثبت ثبوت الجبال الرواسي، فلم يبخل بنفسه ولا ماله، ولم يخف عدواً مهاجماً أو مترصباً أو محاصراً، فلم لا تتخذون يا هؤلاء نبيكم محمداً ﵊ القدوة والأسوة؟! قرئ: (الأسوة) و (الإسوة) وكل ذلك متواتر في القراءات السبع، وهما بمعنى واحد. (الأسوة) مكان التأسي والاقتداء والاتباع، والله جلا جلاله أمرنا بأوامر ونهانا بنواهٍ، وأنزل علينا الكتاب فيه بيان الحلال والحرام، وفيه بيان الآداب والرقائق، وفيه تفصيل العقائد، وفيه الكلام على الدنيا والآخرة، فيه خبر أهل الجنة وأهل الجحيم، وصفة كل واحد منهم. ومع ذلك فكل هذه التفاصيل أجملها الله تعالى في أن تتخذوا محمداً نبيكم رسول الله أسوة وقدوة، فانظروا عمله وهديه وعبادته وشجاعته وكرمه فاجعلوه قدوة وأسوة، هذا إن كنتم صادقين في الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر. أما إذا كان الإسلام باللسان فقط والقلب ينكر ما يقوله اللسان فذاك النفاق، والمنافق لا يأتسي بمحمد ﷺ ، ولا يقتدي به، ولا يصدق رسالته، ولا يخلص لدعوته. وقوله: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ). أي: يرجو رحمته ويرجو جنته ويرجو رضاه، ويخاف عذابه ونقمته، يخاف عذاب الآخرة، يخاف يوم الحساب ويوم العرض على الله، فهو في الدنيا يعيش بين خوف وطمع، يخاف عذاب الله، ويرجو رحمة الله. وقوله: (وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). أي: هو كثير الذكر باللسان، والذكر بالجوارح؛ ليكون مؤمناً حقاً لا شائبة نفاق فيه.

стр. 1360

تفسير النبي ﷺ لقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٢١]. هذه الآية الكريمة شرحها النبي ﵊ عندما ذكر اختلاف الأمم السابقة واللاحقة، فقال ﵊: (اختلفت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: يا رسول الله! ومن هذه الواحدة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي). أي: ما كان ﵊ فيه من عقائد، ومن عبادات، ومن آداب، ومن جهاد، ومن كرم، ومن طاعة لله، ومن قيام وتهجد، ومن مختلف أنواع الطاعات. فالفئة الناجية الصالحة التي على الحق هي من اتخذت رسول الله ﷺ القدوة والأسوة والإمام والمتبوع، فلا إمام غيره ولا متبوع سواه، وكل النبوات السابقة ليست لعموم الناس، ولكنها لأقوامهم ولعشائرهم، ولم تكن رسالة عامة لمختلف أنواع البشر والأجناس وفي جميع الأعصار إلا رسالة محمد عليه صلوات الله وسلامه. ولم يكن موسى وعيسى وغيرهما إلا أنبياء في أقوامهم من بني إسرائيل، ولذلك يقال عنهم: أنبياء بني إسرائيل، وزاد هذا تأكيداً قول النبي ﵊: (أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي، فذكر منها: أن الأنبياء كانوا يبعثون إلى أقوامهم خاصة وأنا بعثت إلى الناس كافة). وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] فيوم ظهر ﷺ في هذه البطاح المقدسة أمر أن يدعو كل الناس في مشارق الأرض ومغاربها من عاصروه ومن جاءوا بعده، من كانوا معه ومن كانوا بعيدين عنه، ليبلغ الحاضر الغائب، فالكل مدعو للإيمان بالرسالة المحمدية، والكل مدعو إلى الإيمان بمحمد النبي الخاتم الذي لا نبي بعده ولا رسالة بعد رسالته صلى الله عليه وعلى آله.

стр. 1361

حكم الاقتداء بالرسول ﷺ اختلف العلماء هنا هل الأسوة بالنبي ﵊ فرض واجب في الحلال والحرام والآداب وشئون الدنيا والآخرة؟ فقال علماؤنا: الأسوة برسول الله ﵊ واجب من الواجبات وركن من الأركان، فينبغي أن نرى كيف صلى رسول الله ﵊، فتكون صلاتنا كصلاته أركاناً وواجبات، وسنناً، وآداباً، وأوقاتاً، فالتأسي به في ذلك واجب وحق، حتى إذا اختلفنا في آية أو في حديث، أو في مفهومهما، كان المرجع في تحقيق ذلك الأسوة المحمدية النبوية. من باب المثال: نحن نتوضأ في الليل والنهار مرات، ومع ذلك هذا الرأس الذي نمسحه عند كل وضوء اختلف الأئمة الأربعة فيه هل الواجب مسح جميع الرأس أو ربعه أو بعض شعرات منه؟ قال الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد: يكفي مسح بعض الرأس. وقال مالك منفرداً من بين الأربعة: يجب مسح جميع الرأس، واستدل بقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦]، وقال: الباء للإلصاق، يعني: أمر الله أن نلصق أيدينا برءوسنا جميعاً. وقال الأئمة الثلاثة: الباء للتبعيض، أي: امسحوا بعض الرأس، والآية الكريمة تحتمل التبعيض والإلصاق، وما احتمل واحتمل سقط به البرهان والاستدلال، فما المرجع؟ يقول بعض علماء الأصول: عندما يختلف في فهم النص ويحتمل نرجع إلى الأسوة والقدوة ﷺ فننظر كيف قال، وكيف فهم، وكيف نفذ ذلك القول، والنبي ﵊ توضأ مرات بعدد أيام سنينه منذ نبئ وهو ابن أربعين سنة، إلى أن ذهب إلى الرفيق الأعلى وهو ابن ثلاث وستين سنة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فماذا كان يفعل؟ أجمع الفقهاء على أنه كان يمسح جميع رأسه إلا في صورة حكيت: أنه كان به وجع في الرأس من شدة برد المدينة، فعندما حاول مسح جميع الرأس أمال العمامة قليلاً ومسح على الناصية، وأتم المسح على العمامة، فالجمهور قالوا: إنه بهذا الفعل يكون قد مسح بعض الرأس. فقيل لهؤلاء: إن كان هذا الفهم صحيحاً فما باله مسح على العمامة؟ أي: مادام مسح الناصية كافياً فلم مسح على العمامة؟ فهو لم يمسح عليها إلا وقد اعتبرها نابت عن مسح جميع الرأس، وذلك دليل الإمام مالك، وهو الحق، أعني أن مسح جميع الرأس فرض واجب، وأن الباء للإلصاق؛ لأن فعل النبي ﷺ لم يتجاوز ذلك.

стр. 1362

تفسير سورة الأحزاب [٢١ - ٢٢] إذا كان موقف المنافقين وضعفاء النفوس في غزوة الأحزاب هو موقف الخذلان والتضعضع، فإن موقف المؤمنين هو موقف الثبات مع رسول الله ﷺ واتخاذه الأسوة الحسنة في جميع التصرفات، وقد ثبتوا دونه حتى استشهد بعضهم فقضى نحبه وصدق ما عاهد الله عليه.

стр. 1363

تفسير قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. ربنا ﷻ يؤدب عباده المؤمنين من أتباع نبيه ﷺ الصالحين منهم والمتذبذبين والمنافقين عندما حضروا غزوة الخندق، فزاغت منهم الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وزلزلوا زلالاً شديداً، فأخذوا يتداعون في أن يتركوا الغزوة ويعودوا إلى يثرب كما سموها، وأخذوا يستأذنون النبي ﷺ في ترك الغزوة، ويزعمون أن بيوتهم عورة، وكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]. بعد ذلك قال الله لهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. أي: لقد كان لكم أيها المؤمنون في رسول الله قدوة حسنة. وقد صبر ﵊ على لأواء الغزوة وشدتها، وعلى شدة عداوة الأعداء، فقد شتم وهجر وكسرت رباعيته، وأسيل دمه فداه النفس والولد والمال صلى الله وعليه وعلى آله، وكان في ذلك الصابر المحتسب في أقواله وأفعاله وأحواله، وكما أن الجبال لا تتزحزح فهو ﵊ كذلك لم يتزحزح، وقد قاد الغزوة بنفسه وبإشرافه، فعندما عجزوا عن الصبر والمصابرة كان عليهم أن يتخذوا رسول الله ﵊ الأسوة والقدوة، ومكان الإمامة، ومكان التأسي، ولكنهم لم يفعلوا إلا القليل منهم ممن سيصفهم الله ﷻ ويثني على أفعالهم في الآية الآتية. وسبب نزول هذه الآية ما حصل في هذه الغزوة، ولكن كما في أصول الفقه: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالله يأمر المؤمنين جميعاً من حضر الغزوة ومن لم يحضرها، من عاصره ومن لم يعاصره، وإلى عصرنا وإلى يوم القيامة، أن يتخذ محمداً صلى الله عليه وعلى آله الإمام القدوة، والأسوة الحسنة في الأقوال والأفعال والأحوال، والنبي ﵊ يعلمنا مجامع الدين، حيث علمنا أن نقول: الله ربنا، ومحمد نبينا، والقرآن إمامنا، والإسلام ديننا، والقبلة كعبتنا، والمؤمنون إخوتنا. فالنبي ﵊ هو القدوة الحسنة الطيبة لكل مؤمن، فإذا اختلف المسلمون في نصوص من القرآن والسنة، وكانت تحتمل وتحتمل، فالمحتم في الفهم والقول والعمل هو نبينا ﵊، ومن أجل ذلك كانت هذه الآية خاصة بالاقتداء بالنبي ﷺ ، وباتخاذه وحده ﵊ القدوة والأسوة بين البشر جميعهم في مشارق الأرض ومغاربها، بين العرب والعجم، بين من عاصره ومن أتى بعده وإلى يوم القيامة. وقوله: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. أي: من كان يصدق في دينه وفي إيمانه بربه، ولم يكن منافقاً متذبذباً هالكاً ضائعاً، ومن كان يؤمن باليوم الآخر الدائم يوم الحساب، يوم العرض على الله، وكان قد ذكر الله كثيراً في سفره وحضره، في منشطه ومكرهه، كما كان ﷺ صابراً مصابراً يتحمل كل شيء من الأعداء، وهو لا ينسى ربه على جميع الأحوال، يذكره قائماً وقاعداً، محارباً ومسالماً، يذكره باللسان، ويذكره بالجنان، ويذكره بالأركان. وهكذا كل من زعم الإسلام وكان مسلماً حقاً يؤمن بالله وحده، ويؤمن بيوم القيامة، ويذكر الله على كل أحواله، فلا يستقيم له ذلك ما لم يتخذ المصطفى ﵊ الأسوة والقدوة في جميع أحواله، وهذه الأسوة في العبادات وفي الدين واجبة وجوب الإسلام، وتكون سنة، وتكون مستحبة، وتكون أدباً، فنلبس ما كان يلبسه ﷺ ، ونصلي حيث كان يصلي ﵊، ونسر بسروره ﵊، ونحزن بحزنه ﵊، ونزهد في هذه الدنيا التي لا تسوى عند الله جناح بعوضة، كما كان يزهد فيها ﵊. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يلتزمون كل ذلك في أحوالهم العامة، قولاً وفعلاً وهدياً، حتى لقد كانوا يتتبعون الأمكنة التي حج فيها ﵊ من حيث القيام والقعود والمنام واليقظة، ومن حيث الحديث بصوت مرتفع وبصوت منخفض، وحين كان يتهجد، ومتى كان يرضى على نسائه، ومتى كان يغضب عليهن، وهكذا في كل الأحوال. وقد اشتهر عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ بأنه كان يلتزم ذلك التزاماً دقيقاً، حتى إنه كان إذا حج يتتبع كل مكان وقف فيه ﵊، أو أقام وقعد، وإذا دخل المسجد كان يلتزم أن يصلي فرائضه وسننه وتهجده حيث كان يصلي ﵊، والله أمر بأن يجعل نبينا القدوة والأسوة في أقواله وفي أفعاله وفي جميع أحواله، وألا يتخذ سواه في شيء من ذلك إلا ما كان من أصحابه؛ لأن أصحابه التزموا هديه وسيرته، وكانوا ألسنة ناطقة وأحوالاً كاشفة لسنته رضوان الله عليهم.

стр. 1364

تفسير قوله تعالى: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. وصف الله حال المنافقين في الآية السابقة كيف كان قتالهم في غزوة الخندق أو الأحزاب، وفي هذه الآية الكريمة يصف سبحانه حال المؤمنين من الرعيل الأول، من السابقين من المهاجرين والأنصار، كيف كان موقفهم عندما رأوا الأحزاب قد تجمعوا عليهم من قريش وغطفان، ويهود المدينة، لما رأى المؤمنون الصادقون ذلك لم يتزحزحوا ولم يضجروا، بل قبلوا كل ذلك بقلب ثابت وبيقين راسخ، وقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]. وقد وعد الله بذلك حيث قال ﷻ : ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. فالله سبحانه يبتلي خلقه وعباده؛ ليرى صدق الصادق وكذب الكاذب، وهو يعلم ذلك قبل أن يكون. فقوله: (أم حسبتم) أيك أحسب وظن المؤمنون أن الله لا يبتليهم ويختبرهم بما اختبر وابتلى به المؤمنين السابقين من أتباع الرسل أولي العزم وغيرهم من رسل الله؟ لقد ابتلوا في أنفسهم، وفي أوطانهم، وفي أموالهم، فما زادهم ذلك إلا إيماناً ورسوخاً وثباتاً، وهكذا أتباع خاتم الأنبياء ﷺ ورضي الله عنهم عندما رأوا الأحزاب لم يتزعزعوا ولم يضجروا ولم يملوا ولم يكلوا، وإنما قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]. وعد الله في كتابه في غير ما آية كما ذكرت كائن لا محالة. ودعا ﷺ في العديد من الأحاديث الصحيحة والمتواترة والمستفيضة المؤمنين إلى الصبر والمصابرة والثبات؛ لأن الله يبتلي عباده في هذه الدنيا الدنية الزائلة غير الدائمة، والتي هي الطريق إلى الجنة لمن أطاع وأناب. وقوله: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]. أي: لا يقول ربنا إلا صدقاً، ولا يقول نبينا ﷺ إلا صدقاً، قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] وقال سبحانه عن نبيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. فما قاله الله كائن لا محالة، وما قاله النبي ﷺ واقع لا محالة، ذلك من علم الله ومن إخبار الله، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. فالمؤمنون قبل ذلك كانوا يهيئون أنفسهم ويعدونها لهذا البلاء والاختبار، فلم يدخلوا الإسلام اعتباطاً، ولم يدخلوا الإسلام على أنهم دخلوا نزهة يلعبون فيها، ولكن دخلوا ليبذلوا النفس والنفيس، والعزيز والحبيب في سبيل الله ونصرة للإسلام ودفاعاً على أوطانه. قال ربنا في وصف المؤمنين: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. أي: هذا البلاء والاختبار، وهذه المحنة التي من أجلها غزاهم الأعداء إلى عقر دارهم، حتى كادت تتزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وحتى ظهر النفاق، وحتى تزعزعت قلوب ضعاف الإيمان، أما الثابتون والراسخون من الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار ما زادهم هذا الابتلاء والاختبار إلا إيماناً وتسليماً وتصديقاً بوعد الله، وتصديقاً بالله وبالقرآن كلام الله، وبمحمد خاتم الأنبياء عليه صلوات الله وسلامه. وهنا في ذكر الإيمان دليل لأهل السنة والجماعة على أن الإسلام والإيمان يزيد وينقص، يزيد بالثبات والطاعة والرسوخ والصبر على البلوى والاختبار، وينقص عند ضعاف النفوس والمزعزعين عندما يرون أي ابتلاء كان، فهؤلاء الراسخون ما زادهم هذا البلاء والابتلاء والاختبار إلا إيماناً ويقيناً وتصديقاً بأن الله مرسل نبيه محمداً ليبلغ عنه الخلق، منذ ظهر في بلاد مكة المقدسة في أرض الحجاز، وإلى يوم القيامة. وما زادهم ذلك إلا تصديقاً بما أخبروا به في كتاب الله وسنة رسوله، وما زادهم ذلك إلا تسليماً واستسلاماً لله ولقضائه ولأمره ولبلائه، يخرجون من مثل هذا الابتلاء كما يخرج الذهب من النار وقد زالت شوائبه، وهكذا البلاء لا يزيد المؤمن إلا إيماناً، ولا يزيد المسلم إلا تصديقاً واستسلاماً لله ولقضاء الله.

стр. 1365

تفسير سورة الأحزاب [٢٣ - ٢٨] إن المؤمنين الصادقين الذين ثبتوا مع الحبيب ﷺ في غزوة الخندق قد أثنى الله عليهم وكافأهم فنصرهم على عدوهم، ومكنهم من رقاب اليهود الغادرين، فأنزلهم من حصونهم وأورث المؤمنين أرضهم وديارهم.

стр. 1366

تفسير قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. لا يزال ربنا يشيد بأحوال الصادقين من المؤمنين الثابتين الراسخين. قوله: (من المؤمنين). (من) للتبعيض، أي: من المؤمنين بالله وبرسوله (رجال) مؤمنون صادقون. وقوله: (صدقوا ما عاهدوا الله عليه). أي: عاهدوا الله وأعطوه من أنفسهم ذمتها وعهدها والثبات في دين الله، والطاعة لكتابه، والطاعة لرسوله، والاقتداء به صلى الله وعليه وسلم. فهؤلاء المؤمنون عاهدوا الله على الوفاء، وعلى الثبات، وعلى الإخلاص ما داموا أحياءً. وقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ). أي: من هؤلاء من قضى نذره، ووفى بعهده واستشهد في سبيل الله، عاهد الله ووفى بعهده، وآمن وصدق في إيمانه، وقاتل وثبت في قتاله، وابتلي في نفسه وفي ماله وفي أرضه فثبت في كل ذلك ثبوت الجبال الرواسخ، فمن هؤلاء الصادقين من قضى نحبه، والنحب: قيل: النذر، وقيل: العهد، وقيل: الحياة والموت، وكل ذلك صحيح، فهؤلاء قد وفوا نذورهم، ووفوا عهودهم وعهودهم بالصدق والثبات، وجاهدوا في سبيل إعلاء كلمة الله، حتى استشهدوا في سبيل الله. وممن قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﵊، ومنهم مصعب بن عمير وغيرهما ممن استشهد في أحد وغيرها. فجميع الصحابة تحملوا الشدائد والرزايا والبلايا في سبيل الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله، فكل هؤلاء ممن صدقوا الله ما عاهدوه، وقضوا نحبهم وعهودهم إلى أن استشهدوا في سبيل الله، ومنهم من بقي على عهده إلى أن مات.

стр. 1367

سبب نزول قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ورد في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أنه قال في قوله تعالى: (هذه الآية ما أظن إلا أنها نزلت في عمي أنس بن النضر، وبه سميت أنساً، فاتته معركة بدر ولم يعلم بها؛ لأنها لم تحدث إلا اتفاقاً، وعندما لم يحضرها تألم في نفسه وتوجع وقال: معركة يحضرها رسول الله ﷺ بنفسه وأغيب عنها، فعلي عهد الله إن كانت هناك معركة وحضرها الرسول ﵊ بنفسه ليرين الله مني ما أصنع). لم يرد أن يزكي نفسه، ويقول: سأقاتل وسأعطي وسأفعل، وإنما قال: (ليرين الله مني ما أصنع)، أي: من قتال وجهاد في سبيله سبحانه، قال أنس بن مالك: فجاءت معركة أحد فبذل من نفسه، ولقي في طريقه سعد بن معاذ فقال: واهاً يا سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد. وإذا بـ أنس بن النضر يدخل المعركة ويقاتل قتال المريد للموت والشهادة إلى أن سقط في المعركة شهيداً، وبه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، ومثل به أعداء الله من المشركين الكافرين، حتى قال أنس وغيره من الرواة عندما بحث عنه في الأموات وجثثهم: لم تعرف جثة أنس بن النضر إلا أخته الربيع عرفته ببنانه من كثرة الجراح، ولتمثيل وتشويه جثته من قبل أعداء الله من المشركين الوثنيين. وورد أن هذه الآية نزلت في طلحة بن عبيد الله كذلك، وقد كانت شلت يده في غزوة أحد؛ دفاعاً عن رسول الله ﷺ ، وجهاداً في سبيله. ومنهم أيضاً مصعب بن عمير القرشي الذي كان شاباً مترفاً بمكة، وعندما أسلم وكان من المسلمين الأول أرسله النبي ﷺ لتعليم الناس الإسلام والدين في المدينة، فعاش عيشة الزهد، وكان إذا وجد تمرات أكلها وشرب عليها جرعة ماء وحمد الله، حتى عندما استشهد لم يجدوا له ثوباً يكفنونه به إلا نمرة فكفنوه بها، فكانوا إذا غطوا رأسه تنكشف قدماه، وإذا غطوا قدميه ينكشف رأسه، فقال لهم ﵊: (استروا رأسه، وضعوا على رجليه الإذخر). فكان من هؤلاء الصحابة من استشهد في سبيل الله، كما قال الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: أوفوا بنذورهم وبعهودهم وبذلوا أنفسهم وأرواحهم رخيصة في سبيل الله. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣]. أي: من هؤلاء الرجال المؤمنين الذين صدقوا الله ما عاهدوه من قاتل ولم يمت، ومنهم خالد بن الوليد الذي ما حضر معركة إلا وخرج منها منتصراً مظفراً، فـ خالد بن الوليد جاءه الموت وهو على فراشه، وما من موضع في بدنه إلا وأصابته سهام وأصابته طعون بالسيوف، فأخذ يبكي ويقول: هأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء! قال ذلك تواضعاً وهضماً لنفسه، وإلا فـ خالد قد ارتمى على الموت فأباه الموت، وقذف نفسه في كل معركة ليموت، ولكن الموت لم يرده، إلى أن مات على فراشه، وكان ممن ينتظر مع الكثير من أصحاب رسول الله ﵊، وهذه الآية وإن كانت نزلت في غزوة الأحزاب أيام رسول الله ﷺ وأصحابه، إلا أنها تشمل كل المؤمنين الصادقين الذين صدقوا الله عهودهم، وبذلوا أنفسهم رخيصة في سبيل الله، فذهبوا شهداء في سبيله. قوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. أي: من يوم أن قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قالوها لساناً وأيقنوا بها جناناً، وعملوا بمقتضاها أركاناً، إلى أن بذلوا الأرواح والأموال، وبذلوا كل عزيز وحبيب على النفس في هذه الحياة الدنيا لم يبدلوا ولم يغيروا، وهذا من أعظم الإشادة بهؤلاء رضوان الله عليهم، وقد قال عنهم رسول الله ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي). فما كان عليه ﷺ هو موضع القدوة بأمر الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وكذلك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، فهؤلاء ﵃ ورضي أعمالهم وطاعتهم، وهم كذلك رضوا عن الله بقضائه ورضوا برزقه، ورضوا بأمره، ورضوا ببلائه إلى أن ذهبوا إلى الله قريرة أعينهم ودخلوا جنان الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وكذلك صدقوا الله ما عاهدوه عليه إلى أن قضوا نحبهم وأنهوا حياتهم، إلى أن أوفوا بنذورهم وعهودهم، ﵃ وألحقنا بهم لا مبدلين ولا مغيرين. وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. أي: لم يغيروا دين الله، ولم يبتدعوا فيه، ولم يرتدوا عنه، ولم يخرجوا عما عاهدوا الله عليه من الثبات في دينه، والثبات على طاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وعلى آله.

стр. 1368

تفسير قوله تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء) قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤]. أي: هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بدلوا ولا غيروا، وقضوا نحبهم، فعل الله ذلك بهم، ليجزي الله الصادقين بصدقهم ما وعدوه في دينهم، وفي طاعتهم وفي حياتهم. فقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤] أي: بسبب صدقهم، فيجازيهم الله الجزاء الأوفى بدخول الجنان، وبرضاء الله، وبمصاحبة نبيه ﷺ يوم القيامة في الجنة، وفي الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]. أي: ليبتلي هؤلاء وهؤلاء، أما الصادقون فيجازيهم بصدقهم، وأما المنافقون فيعذبهم إن شاء أو يتوب عليهم. وكيف تكون التوبة على المنافقين والكفار؟ يتوب عليهم بأن يلهمهم التوبة من النفاق والكفر، بالرجوع إلى الله والصدق في الإيمان، والإخلاص في طاعة الله وطاعة نبيه. إذاً: هؤلاء يتوب عليهم من النفاق، فيخلصون لله، ويعودون لله، حتى إذا تابوا من النفاق تاب الله عليهم ليتوبوا، والنفاق في العقيدة كفر، والكافر لا توبة له في الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] لكن ما داموا أحياءً لم يموتوا بعد فتوبتهم أن يعودوا من الكفر والنفاق، ويخلصوا النية والعمل لله، فتكون تلك توبة لهم ومغفرة لذنوبهم، فيختم الله حياتهم بخير. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤]. أي: يغفر الذنوب ﷻ ، ويتوب على المذنبين ﷻ ، وهو رحيم بعباده، وقد سبقت رحمته غضبه، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق، فالكافر والمنافق عندما يتوبان من النفاق والكفر في دار الدنيا يختم لهما بخير، والمؤمن المذنب يرحمه الله ويغفر له ذنوبه، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ووسعت رحمته حتى الحيوانات والحشرات، وقد قال ﵊: (دخلت امرأة النار في هرة؛ لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض). وفي الحديث: رحم الله بغياً وغفر لها برحمتها لكلب وجدته يكاد يموت عطشاً على رأس بئر، فسقته بنعلها. فراعى الله ذلك لها ورحمها حيث رحمت هذا الحيوان. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). فرحمة الله وسعت كل شيء، الكافر والمؤمن، والحيوان وكل خلق الله.

стр. 1369

تفسير قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً) قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]. رد الله الذين كفروا من الأحزاب من أهل مكة، ومن أهل نجد، ومن يهود المدينة بغيظهم، ردهم خائبين أذلاء، ردهم بغيظهم يعضون أناملهم ندماً، رجعوا خائبين مما كانوا يطلبونه من النصر، ومن غنيمتهم، ومن قضاء على الإسلام، ومن قتل لرسول الله ﷺ ، فكان ما حصلوه ذلاً لأنفسهم وبلاءً عليهم، وكارثة أصابتهم في الدنيا، فازدادوا توجعاً وألماً وحقداً، ولم ينالوا خيراً في الدنيا ولا وفي الآخرة، لم ينالوا في الدنيا ما كانوا ينتظرونه من نصر، ومظهر، ولن ينالوا في الآخرة إلا الخزي والعذاب والخلود في النار. وقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]: أي: كفى الله المؤمنين من المهاجرين والأنصار وسيدهم القتال، كفاهم القتال بالريح التي أرسلها عليهم، فشردتهم وشتتتهم، وبالملائكة الذين أرسلهم الله وزعزعوا بهم الأرض، وأكفئوا قدروهم، وخوفوهم وأرعبوهم، وهكذا تولى الله ﷻ بنفسه قتال هؤلاء وإذلالهم، حتى رجعوا بغيظهم لم ينالوا خيراً. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]. قوياً في ملكه، قوياً في إرادته، إن القوة لله جميعاً، يهب منها لمن يشاء ابتلاءً أو إكراماً، وينزعها ممن يشاء ابتلاءً أو إكراماً، عزيزاً لا ينال، وهو قد أعطى من قوته للمؤمنين، فقووا على أعدائهم، وأعطى من عزته المؤمنين فعزوا وسادوا، ومن هنا كان صلى الله وعليه وسلم يقول وقت المعركة: (اللهم منزل الكتاب، هازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزمهم وانصرنا عليهم). وكان ﷺ يقول: (لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ولا شيء بعده). والنبي ﵊ من تمام إخلاصه في دينه وعبادته لربه مهما بذل من نفسه، فإنه كان لا ينظر لنفسه شيئاً، بل كان يجعل كل ذلك إلى الله، وهكذا يجب أن يكون المؤمن الصادق.

стр. 1370

تفسير قوله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم) قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦]. الآية السابقة خصت قريشاً وغطفان ممن جاءوا من مكة ونجد من الوثنيين، وهذه الآية خصت أهل الكتاب، والكل كافر ذليل كاذب على الله، وعدو لله ولرسل الله، فقال الله عن أهل الكتاب من يهود المدينة: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦]. أي: أنزل الذين ظاهروا الأحزاب على رسول الله ﷺ وأصحابه، فهؤلاء اليهود الذين ظاهروا الأحزاب وساندوهم وعاونوهم أنزلهم من صياصيهم. والصياصي: جمع: صيصة، وهي القلاع المحصنة، فهؤلاء الذين تحصنوا في حصونهم وقلاعهم، يظنون أن تلك القلاع ستحميهم وستمنعهم من رسول الله ﷺ وأصحابه، فأنزلهم الله ذليلين حقيرين. فقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦]؛ فهم من أول مرة لم يجرءوا على أن يقابلوا رسول الله ﷺ والمسلمين، بل فروا فرار الجراذين والحشرات فتحصنوا بالحصون؛ ورعباً وخوفاً من قوة الله التي قوى بها نبيه ﷺ والمؤمنين، وقذف في قلوبهم الرعب، والنبي ﵊ يقول: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، وفي رواية: (مسيرة شهرين هكذا وهكذا) يعني: من جميع النواحي مشرقاً ومغرباً وشمالاً وجنوباً. وهذا لو صدق المسلمون الله في دينهم وعهدهم لنصرهم بالرعب، ولما ذلوا حتى يستبيح بلادهم وأعراضهم وأموالهم إخوان الخنازير والقردة من اليهود أعداء الله. وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦]. هؤلاء قد قذف فيهم الرعب بين أيديكم، وقتلتم منهم فريقاً وأسرتم منهم فريقاً، كما في غزوة بني قريظة التي سبق أن قصصتها بتفاصيلها، وأعيدها هنا ملخصة. انتهت غزوة الخندق بفرار قريش وغطفان، بريح سلطها الله عليهم، قلعت خيامهم، وقلبت قدورهم، وأرعبت قلوبهم، وبجيوش من الملائكة زلزلوا بهم الأرض وأرعبوهم وخوفوهم، وإن كان المسلمون والكفار هذه الغزوة لم يتواجهوا بالسلاح، وإنما فر الكفار خائفين كما وصفهم الله، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب:٢٥]. بعد ذلك اليهود الذين ظاهروا المشركين وناصرهم وذهبوا يجمعونهم من مشرق الجزيرة وغربها، هؤلاء رجع النبي ﷺ من الغزوة وهو يظن أنها قد انتهت وكان في بيت أم سلمة تغسل شعره ﷺ ، وإذا بجبريل يأتيه ويقول: يا رسول الله أوضعت السلاح؟ نحن لم نضع السلاح بعد، اذهب إلى بني قريظة فأدبهم وانتقم منهم لمظاهرتهم للعدو، وإذا بالنبي ﵊ يلبس سلاح الحرب وينادي في المؤمنين: أن هلموا، وكان ذلك بعد صلاة الظهر، وقال لهم: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، فتسابق الصحابة، فبعضهم صلى العصر قبل المغرب في الطريق، والبعض لم يصل إلا بعد العشاء، فلم يعنف هؤلاء ولا هؤلاء، وكان قد جعل ابن أم مكتوم نائبه وأمير المدينة، وأعطى الراية لـ علي بن أبي طالب، وذهب إليهم فحاصرهم، وعندما أرسل علياً للراية عاد إليه علي وقال: يا رسول الله إن شئت لا تحضر، قال: لعلك سمعت شتماً، قال: نعم، قال: إذا رأوني لا يجرءون على شتمي، فجاءهم ﷺ وهم متحصنون في الآفاق والحصون والصياصي، فقال: يا إخوة القردة! يا إخوة الخنازير! ما هذا الذي صنعتم؟ ستلقون جزاء الله بسبب غدركم وخيانتكم، فقالوا له: يا أبا القاسم لم تكن يوماً جهولاً! ولم يجرءوا على أن يبادلوه بذلك، وحاول علي أن يشتمهم من قبل ولكن الزبير قال له: ما بيننا وبين هؤلاء أعظم من الشتيمة، وبقي أربعة أسابيع يحاصرهم إلى أن طالبوا أن يستشيروا أبا لبابة بن عبد المنذر من حلفائهم في الجاهلية. فجاءهم فالتف عليه الأطفال والنساء فأخذوا يجهشون بالبكاء، والرجال يستعطفونه ويتمسحون به ويسألونه ماذا ترى؟ فقال لهم: ليس إلا الذبح وأشار بأصبعه إلى حلقه ولم ينطق، وشعر بأنه خان الله ورسوله وفر إلى المسجد النبوي وربط نفسه بسارية. ثم بعد ذلك عرضوا على رسول الله ﵊ أن يخرجوا بنسائهم وأطفالهم وبما حملت دوابهم كما فعل مع بني النضير، فأبى عليهم النبي ﵊ ذلك، وإنما يستسلمون. وإذا بهم يطلبون أن يحكم عليهم حليفهم في الجاهلية سعد بن معاذ، وكان قد أصيب في غزوة الخندق في أكحله -أي: في العرق الذي في يده المتصل بالقلب- فنزف الدماء فدعا الله تعالى ألا يميته حتى تقر عينه من بني قريظة، فرقى الدم ووقف، وبقي جرح خفيف إلى أن أرسل إليه ﵊ فجاء على حمار، فقال: قوموا إلى سيدكم -أي قوموا إجلالاً وإكباراً واحتراماً- فقال له رسول الله ﵊: هؤلاء يريدون أن تكون أنت الحكم فيهم، فأخذ العهود والمواثيق من المهاجرين والأنصار ومن رسول الله ﵊، فالتفت إلى المهاجرين وقال: آلله إن حكمت بحكم لتنفذنه؟ قالوا: اللهم نعم، والتفت إلى الأنصار وقال مثل ذلك، والتفت من الجهة التي فيها النبي ﵊ وقال: ومن هنا؟ وهو يغض البصر حياء من رسول الله ﵊؟ قال: اللهم نعم، وإذا به يقول: أحكم بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال وغنيمة الأموال، فقال له النبي ﵊: (قد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله)، فلما تمكن منهم ربط الأعناق منهم والأيدي، وسيقوا إلى خارج المدينة بأميال، وهم ما بين سبعمائة إلى تسعمائة، فحفرت لهم الأخاديد، وقطعت رءوسهم في عشية يوم نصر الله فيه نبيه ﷺ وأذل عدوه. وكان الأسرى من الأطفال ومن النساء كذلك ما بين ستمائة إلى سبعمائة، وكان من يشك فيه هل بلغ أو لم يبلغ يكشف عن عانته، إن وجد قد أنبت اعتبر رجلاً فتقطع رأسه، ومن لم ينبت اعتبر طفلاً فيؤسر. وهكذا حكم الله ﷻ نبيه في هؤلاء الأعداء، حيث قال ممتناً عليه وعلى أتباعه من المهاجرين والأنصار وعلى المؤمنين إلى يوم القيامة: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦]. أي: هؤلاء الذين ظاهروا وعاونوا الأحزاب على حرب رسول الله ﷺ ، ما كان من الله سبحانه إلا أن رد كيدهم في نحورهم، فجاء إليهم ﷺ وحاصرهم فاستسلموا، فقتل رجالهم وسبى نساءهم وأطفالهم، وغنم أموالهم، وكفى الله المؤمنين القتال.
следующие страницы →