Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
تفسير قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)
قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
لا يزال ربنا يشيد بأحوال الصادقين من المؤمنين الثابتين الراسخين.
قوله: (من المؤمنين).
(من) للتبعيض، أي: من المؤمنين بالله وبرسوله (رجال) مؤمنون صادقون.
وقوله: (صدقوا ما عاهدوا الله عليه).
أي: عاهدوا الله وأعطوه من أنفسهم ذمتها وعهدها والثبات في دين الله، والطاعة لكتابه، والطاعة لرسوله، والاقتداء به صلى الله وعليه وسلم.
فهؤلاء المؤمنون عاهدوا الله على الوفاء، وعلى الثبات، وعلى الإخلاص ما داموا أحياءً.
وقوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ).
أي: من هؤلاء من قضى نذره، ووفى بعهده واستشهد في سبيل الله، عاهد الله ووفى بعهده، وآمن وصدق في إيمانه، وقاتل وثبت في قتاله، وابتلي في نفسه وفي ماله وفي أرضه فثبت في كل ذلك ثبوت الجبال الرواسخ، فمن هؤلاء الصادقين من قضى نحبه، والنحب: قيل: النذر، وقيل: العهد، وقيل: الحياة والموت، وكل ذلك صحيح، فهؤلاء قد وفوا نذورهم، ووفوا عهودهم وعهودهم بالصدق والثبات، وجاهدوا في سبيل إعلاء كلمة الله، حتى استشهدوا في سبيل الله.
وممن قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﵊، ومنهم مصعب بن عمير وغيرهما ممن استشهد في أحد وغيرها.
فجميع الصحابة تحملوا الشدائد والرزايا والبلايا في سبيل الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله، فكل هؤلاء ممن صدقوا الله ما عاهدوه، وقضوا نحبهم وعهودهم إلى أن استشهدوا في سبيل الله، ومنهم من بقي على عهده إلى أن مات.
стр. 1367
سبب نزول قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)
ورد في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أنه قال في قوله تعالى: (هذه الآية ما أظن إلا أنها نزلت في عمي أنس بن النضر، وبه سميت أنساً، فاتته معركة بدر ولم يعلم بها؛ لأنها لم تحدث إلا اتفاقاً، وعندما لم يحضرها تألم في نفسه وتوجع وقال: معركة يحضرها رسول الله ﷺ بنفسه وأغيب عنها، فعلي عهد الله إن كانت هناك معركة وحضرها الرسول ﵊ بنفسه ليرين الله مني ما أصنع).
لم يرد أن يزكي نفسه، ويقول: سأقاتل وسأعطي وسأفعل، وإنما قال: (ليرين الله مني ما أصنع)، أي: من قتال وجهاد في سبيله سبحانه، قال أنس بن مالك: فجاءت معركة أحد فبذل من نفسه، ولقي في طريقه سعد بن معاذ فقال: واهاً يا سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد.
وإذا بـ أنس بن النضر يدخل المعركة ويقاتل قتال المريد للموت والشهادة إلى أن سقط في المعركة شهيداً، وبه بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، ومثل به أعداء الله من المشركين الكافرين، حتى قال أنس وغيره من الرواة عندما بحث عنه في الأموات وجثثهم: لم تعرف جثة أنس بن النضر إلا أخته الربيع عرفته ببنانه من كثرة الجراح، ولتمثيل وتشويه جثته من قبل أعداء الله من المشركين الوثنيين.
وورد أن هذه الآية نزلت في طلحة بن عبيد الله كذلك، وقد كانت شلت يده في غزوة أحد؛ دفاعاً عن رسول الله ﷺ ، وجهاداً في سبيله.
ومنهم أيضاً مصعب بن عمير القرشي الذي كان شاباً مترفاً بمكة، وعندما أسلم وكان من المسلمين الأول أرسله النبي ﷺ لتعليم الناس الإسلام والدين في المدينة، فعاش عيشة الزهد، وكان إذا وجد تمرات أكلها وشرب عليها جرعة ماء وحمد الله، حتى عندما استشهد لم يجدوا له ثوباً يكفنونه به إلا نمرة فكفنوه بها، فكانوا إذا غطوا رأسه تنكشف قدماه، وإذا غطوا قدميه ينكشف رأسه، فقال لهم ﵊: (استروا رأسه، وضعوا على رجليه الإذخر).
فكان من هؤلاء الصحابة من استشهد في سبيل الله، كما قال الله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: أوفوا بنذورهم وبعهودهم وبذلوا أنفسهم وأرواحهم رخيصة في سبيل الله.
وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣].
أي: من هؤلاء الرجال المؤمنين الذين صدقوا الله ما عاهدوه من قاتل ولم يمت، ومنهم خالد بن الوليد الذي ما حضر معركة إلا وخرج منها منتصراً مظفراً، فـ خالد بن الوليد جاءه الموت وهو على فراشه، وما من موضع في بدنه إلا وأصابته سهام وأصابته طعون بالسيوف، فأخذ يبكي ويقول: هأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء! قال ذلك تواضعاً وهضماً لنفسه، وإلا فـ خالد قد ارتمى على الموت فأباه الموت، وقذف نفسه في كل معركة ليموت، ولكن الموت لم يرده، إلى أن مات على فراشه، وكان ممن ينتظر مع الكثير من أصحاب رسول الله ﵊، وهذه الآية وإن كانت نزلت في غزوة الأحزاب أيام رسول الله ﷺ وأصحابه، إلا أنها تشمل كل المؤمنين الصادقين الذين صدقوا الله عهودهم، وبذلوا أنفسهم رخيصة في سبيل الله، فذهبوا شهداء في سبيله.
قوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
أي: من يوم أن قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، قالوها لساناً وأيقنوا بها جناناً، وعملوا بمقتضاها أركاناً، إلى أن بذلوا الأرواح والأموال، وبذلوا كل عزيز وحبيب على النفس في هذه الحياة الدنيا لم يبدلوا ولم يغيروا، وهذا من أعظم الإشادة بهؤلاء رضوان الله عليهم، وقد قال عنهم رسول الله ﵊: (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي).
فما كان عليه ﷺ هو موضع القدوة بأمر الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] وكذلك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، فهؤلاء ﵃ ورضي أعمالهم وطاعتهم، وهم كذلك رضوا عن الله بقضائه ورضوا برزقه، ورضوا بأمره، ورضوا ببلائه إلى أن ذهبوا إلى الله قريرة أعينهم ودخلوا جنان الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
وكذلك صدقوا الله ما عاهدوه عليه إلى أن قضوا نحبهم وأنهوا حياتهم، إلى أن أوفوا بنذورهم وعهودهم، ﵃ وألحقنا بهم لا مبدلين ولا مغيرين.
وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣].
أي: لم يغيروا دين الله، ولم يبتدعوا فيه، ولم يرتدوا عنه، ولم يخرجوا عما عاهدوا الله عليه من الثبات في دينه، والثبات على طاعته وطاعة نبيه صلى الله عليه وعلى آله.
стр. 1368
تفسير قوله تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء)
قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤].
أي: هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بدلوا ولا غيروا، وقضوا نحبهم، فعل الله ذلك بهم، ليجزي الله الصادقين بصدقهم ما وعدوه في دينهم، وفي طاعتهم وفي حياتهم.
فقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤] أي: بسبب صدقهم، فيجازيهم الله الجزاء الأوفى بدخول الجنان، وبرضاء الله، وبمصاحبة نبيه ﷺ يوم القيامة في الجنة، وفي الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤].
أي: ليبتلي هؤلاء وهؤلاء، أما الصادقون فيجازيهم بصدقهم، وأما المنافقون فيعذبهم إن شاء أو يتوب عليهم.
وكيف تكون التوبة على المنافقين والكفار؟ يتوب عليهم بأن يلهمهم التوبة من النفاق والكفر، بالرجوع إلى الله والصدق في الإيمان، والإخلاص في طاعة الله وطاعة نبيه.
إذاً: هؤلاء يتوب عليهم من النفاق، فيخلصون لله، ويعودون لله، حتى إذا تابوا من النفاق تاب الله عليهم ليتوبوا، والنفاق في العقيدة كفر، والكافر لا توبة له في الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] لكن ما داموا أحياءً لم يموتوا بعد فتوبتهم أن يعودوا من الكفر والنفاق، ويخلصوا النية والعمل لله، فتكون تلك توبة لهم ومغفرة لذنوبهم، فيختم الله حياتهم بخير.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤].
أي: يغفر الذنوب ﷻ ، ويتوب على المذنبين ﷻ ، وهو رحيم بعباده، وقد سبقت رحمته غضبه، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق، فالكافر والمنافق عندما يتوبان من النفاق والكفر في دار الدنيا يختم لهما بخير، والمؤمن المذنب يرحمه الله ويغفر له ذنوبه، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ووسعت رحمته حتى الحيوانات والحشرات، وقد قال ﵊: (دخلت امرأة النار في هرة؛ لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض).
وفي الحديث: رحم الله بغياً وغفر لها برحمتها لكلب وجدته يكاد يموت عطشاً على رأس بئر، فسقته بنعلها.
فراعى الله ذلك لها ورحمها حيث رحمت هذا الحيوان.
وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
فرحمة الله وسعت كل شيء، الكافر والمؤمن، والحيوان وكل خلق الله.
стр. 1369
تفسير قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً)
قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥].
رد الله الذين كفروا من الأحزاب من أهل مكة، ومن أهل نجد، ومن يهود المدينة بغيظهم، ردهم خائبين أذلاء، ردهم بغيظهم يعضون أناملهم ندماً، رجعوا خائبين مما كانوا يطلبونه من النصر، ومن غنيمتهم، ومن قضاء على الإسلام، ومن قتل لرسول الله ﷺ ، فكان ما حصلوه ذلاً لأنفسهم وبلاءً عليهم، وكارثة أصابتهم في الدنيا، فازدادوا توجعاً وألماً وحقداً، ولم ينالوا خيراً في الدنيا ولا وفي الآخرة، لم ينالوا في الدنيا ما كانوا ينتظرونه من نصر، ومظهر، ولن ينالوا في الآخرة إلا الخزي والعذاب والخلود في النار.
وقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:٢٥]: أي: كفى الله المؤمنين من المهاجرين والأنصار وسيدهم القتال، كفاهم القتال بالريح التي أرسلها عليهم، فشردتهم وشتتتهم، وبالملائكة الذين أرسلهم الله وزعزعوا بهم الأرض، وأكفئوا قدروهم، وخوفوهم وأرعبوهم، وهكذا تولى الله ﷻ بنفسه قتال هؤلاء وإذلالهم، حتى رجعوا بغيظهم لم ينالوا خيراً.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥].
قوياً في ملكه، قوياً في إرادته، إن القوة لله جميعاً، يهب منها لمن يشاء ابتلاءً أو إكراماً، وينزعها ممن يشاء ابتلاءً أو إكراماً، عزيزاً لا ينال، وهو قد أعطى من قوته للمؤمنين، فقووا على أعدائهم، وأعطى من عزته المؤمنين فعزوا وسادوا، ومن هنا كان صلى الله وعليه وسلم يقول وقت المعركة: (اللهم منزل الكتاب، هازم الأحزاب، سريع الحساب، اهزمهم وانصرنا عليهم).
وكان ﷺ يقول: (لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ولا شيء بعده).
والنبي ﵊ من تمام إخلاصه في دينه وعبادته لربه مهما بذل من نفسه، فإنه كان لا ينظر لنفسه شيئاً، بل كان يجعل كل ذلك إلى الله، وهكذا يجب أن يكون المؤمن الصادق.
стр. 1370
تفسير قوله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم)
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦].
الآية السابقة خصت قريشاً وغطفان ممن جاءوا من مكة ونجد من الوثنيين، وهذه الآية خصت أهل الكتاب، والكل كافر ذليل كاذب على الله، وعدو لله ولرسل الله، فقال الله عن أهل الكتاب من يهود المدينة: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦].
أي: أنزل الذين ظاهروا الأحزاب على رسول الله ﷺ وأصحابه، فهؤلاء اليهود الذين ظاهروا الأحزاب وساندوهم وعاونوهم أنزلهم من صياصيهم.
والصياصي: جمع: صيصة، وهي القلاع المحصنة، فهؤلاء الذين تحصنوا في حصونهم وقلاعهم، يظنون أن تلك القلاع ستحميهم وستمنعهم من رسول الله ﷺ وأصحابه، فأنزلهم الله ذليلين حقيرين.
فقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦]؛ فهم من أول مرة لم يجرءوا على أن يقابلوا رسول الله ﷺ والمسلمين، بل فروا فرار الجراذين والحشرات فتحصنوا بالحصون؛ ورعباً وخوفاً من قوة الله التي قوى بها نبيه ﷺ والمؤمنين، وقذف في قلوبهم الرعب، والنبي ﵊ يقول: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، وفي رواية: (مسيرة شهرين هكذا وهكذا) يعني: من جميع النواحي مشرقاً ومغرباً وشمالاً وجنوباً.
وهذا لو صدق المسلمون الله في دينهم وعهدهم لنصرهم بالرعب، ولما ذلوا حتى يستبيح بلادهم وأعراضهم وأموالهم إخوان الخنازير والقردة من اليهود أعداء الله.
وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦].
هؤلاء قد قذف فيهم الرعب بين أيديكم، وقتلتم منهم فريقاً وأسرتم منهم فريقاً، كما في غزوة بني قريظة التي سبق أن قصصتها بتفاصيلها، وأعيدها هنا ملخصة.
انتهت غزوة الخندق بفرار قريش وغطفان، بريح سلطها الله عليهم، قلعت خيامهم، وقلبت قدورهم، وأرعبت قلوبهم، وبجيوش من الملائكة زلزلوا بهم الأرض وأرعبوهم وخوفوهم، وإن كان المسلمون والكفار هذه الغزوة لم يتواجهوا بالسلاح، وإنما فر الكفار خائفين كما وصفهم الله، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب:٢٥].
بعد ذلك اليهود الذين ظاهروا المشركين وناصرهم وذهبوا يجمعونهم من مشرق الجزيرة وغربها، هؤلاء رجع النبي ﷺ من الغزوة وهو يظن أنها قد انتهت وكان في بيت أم سلمة تغسل شعره ﷺ ، وإذا بجبريل يأتيه ويقول: يا رسول الله أوضعت السلاح؟ نحن لم نضع السلاح بعد، اذهب إلى بني قريظة فأدبهم وانتقم منهم لمظاهرتهم للعدو، وإذا بالنبي ﵊ يلبس سلاح الحرب وينادي في المؤمنين: أن هلموا، وكان ذلك بعد صلاة الظهر، وقال لهم: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة، فتسابق الصحابة، فبعضهم صلى العصر قبل المغرب في الطريق، والبعض لم يصل إلا بعد العشاء، فلم يعنف هؤلاء ولا هؤلاء، وكان قد جعل ابن أم مكتوم نائبه وأمير المدينة، وأعطى الراية لـ علي بن أبي طالب، وذهب إليهم فحاصرهم، وعندما أرسل علياً للراية عاد إليه علي وقال: يا رسول الله إن شئت لا تحضر، قال: لعلك سمعت شتماً، قال: نعم، قال: إذا رأوني لا يجرءون على شتمي، فجاءهم ﷺ وهم متحصنون في الآفاق والحصون والصياصي، فقال: يا إخوة القردة! يا إخوة الخنازير! ما هذا الذي صنعتم؟ ستلقون جزاء الله بسبب غدركم وخيانتكم، فقالوا له: يا أبا القاسم لم تكن يوماً جهولاً! ولم يجرءوا على أن يبادلوه بذلك، وحاول علي أن يشتمهم من قبل ولكن الزبير قال له: ما بيننا وبين هؤلاء أعظم من الشتيمة، وبقي أربعة أسابيع يحاصرهم إلى أن طالبوا أن يستشيروا أبا لبابة بن عبد المنذر من حلفائهم في الجاهلية.
فجاءهم فالتف عليه الأطفال والنساء فأخذوا يجهشون بالبكاء، والرجال يستعطفونه ويتمسحون به ويسألونه ماذا ترى؟ فقال لهم: ليس إلا الذبح وأشار بأصبعه إلى حلقه ولم ينطق، وشعر بأنه خان الله ورسوله وفر إلى المسجد النبوي وربط نفسه بسارية.
ثم بعد ذلك عرضوا على رسول الله ﵊ أن يخرجوا بنسائهم وأطفالهم وبما حملت دوابهم كما فعل مع بني النضير، فأبى عليهم النبي ﵊ ذلك، وإنما يستسلمون.
وإذا بهم يطلبون أن يحكم عليهم حليفهم في الجاهلية سعد بن معاذ، وكان قد أصيب في غزوة الخندق في أكحله -أي: في العرق الذي في يده المتصل بالقلب- فنزف الدماء فدعا الله تعالى ألا يميته حتى تقر عينه من بني قريظة، فرقى الدم ووقف، وبقي جرح خفيف إلى أن أرسل إليه ﵊ فجاء على حمار، فقال: قوموا إلى سيدكم -أي قوموا إجلالاً وإكباراً واحتراماً- فقال له رسول الله ﵊: هؤلاء يريدون أن تكون أنت الحكم فيهم، فأخذ العهود والمواثيق من المهاجرين والأنصار ومن رسول الله ﵊، فالتفت إلى المهاجرين وقال: آلله إن حكمت بحكم لتنفذنه؟ قالوا: اللهم نعم، والتفت إلى الأنصار وقال مثل ذلك، والتفت من الجهة التي فيها النبي ﵊ وقال: ومن هنا؟ وهو يغض البصر حياء من رسول الله ﵊؟ قال: اللهم نعم، وإذا به يقول: أحكم بقتل الرجال وسبي النساء والأطفال وغنيمة الأموال، فقال له النبي ﵊: (قد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله)، فلما تمكن منهم ربط الأعناق منهم والأيدي، وسيقوا إلى خارج المدينة بأميال، وهم ما بين سبعمائة إلى تسعمائة، فحفرت لهم الأخاديد، وقطعت رءوسهم في عشية يوم نصر الله فيه نبيه ﷺ وأذل عدوه.
وكان الأسرى من الأطفال ومن النساء كذلك ما بين ستمائة إلى سبعمائة، وكان من يشك فيه هل بلغ أو لم يبلغ يكشف عن عانته، إن وجد قد أنبت اعتبر رجلاً فتقطع رأسه، ومن لم ينبت اعتبر طفلاً فيؤسر.
وهكذا حكم الله ﷻ نبيه في هؤلاء الأعداء، حيث قال ممتناً عليه وعلى أتباعه من المهاجرين والأنصار وعلى المؤمنين إلى يوم القيامة: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦].
أي: هؤلاء الذين ظاهروا وعاونوا الأحزاب على حرب رسول الله ﷺ ، ما كان من الله سبحانه إلا أن رد كيدهم في نحورهم، فجاء إليهم ﷺ وحاصرهم فاستسلموا، فقتل رجالهم وسبى نساءهم وأطفالهم، وغنم أموالهم، وكفى الله المؤمنين القتال.
стр. 1371
تفسير قوله تعالى: (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم)
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٧].
أي: دورهم وقصورهم.
سبق في علم الله وأخبر بالفعل الماضي وهو كالحاضر والمتوقع والواقع، (أورثكم أرضهم) أي: سيورثكم أرض أهل الكتاب وأرض المشركين والوثنيين كذلك.
وقوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧].
قال الحسن البصري: أي: لم تدوسوها بأقدامكم ولم تدخلوها بعد، وهي أرض فارس والروم، وقد فعل الله ﷻ ذلك في أيام الخلفاء الراشدين ابتداء من أبي بكر ﵁، فقد توفي عليه رضوان الله وجيوشه على أبواب الجابية في أرض الشام، وكانت أرض الروم.
ثم استكمل الفتح بعد ذلك الضرغام عمر بن الخطاب ﵁، ثم فتح الشام والعراق، وفتح مصر وإفريقيا، وفتح أرض فارس، فكان الأمر كما ذكر الحسن البصري.
فقوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧]، لم يطأها المسلمون قبل ذلك ولم يدخلوها فاتحين ولم يملكوها يوماً، ولا تعلقت نفوسهم بها حتى جاء الإسلام ووعدهم رسول الله ﷺ ، يوم الخندق حيث قال في الضربة الأولى للصخرة: (فتحت لكم أرض الروم، وفي الثانية: فتحت أرض فارس، وفي الثالثة: فتحت أرض اليمن ورأيت قصورها كأنها أنياب الكلاب).
وهكذا تم ذلك بعد النبي ﵊ في سنوات، فذهبت فارس ولا فارس بعد اليوم، كما قال ﵊ عندما أرسل كتاباً إلى كسرى ملك فارس يدعوه إلى الإسلام، فأخذته العزة بالإثم فمزق الكتاب وأمر جنديين بأن يأتياه بهذا العربي، أي: أن يأتيا إليه بالنبي ﷺ .
فلما بلغ الخبر النبي ﵊ قال: (مزق الله ملكه، فلا كسرى بعد كسرى، ولا فارس بعد فارس)، ومضت بضع سنوات وإذا الله يسلط عباده المؤمنين في عهد عمر فذهبوا بفارس وذهبوا بكسرى فلم يعد كسرى الفارسي بعد ذلك وإلى اليوم القيامة، ولم تعد فارس وثنية منذ ذلك اليوم وإلى يوم القيامة، فدخل المسلمون أرضاً لم يطئوها من أرض الروم وأرض فارس.
وقال عكرمة مولى ابن عباس: (وأرضاً لم تطئوها): كل أرض سيفتحها المسلمون بعد ذلك.
فقد فتح المسلمون بعد ذلك أرض الفرس والروم، وفتحوا أرض الهند، وفتحوا أرض المغرب، وفتحوا أرض أسبانيا، وفتحوا أرض برتغاليا، وفتحوا كثيراً من أرض أوروبا، وجابت سفنهم البحار كلها في مشارق الأرض ومغاربها، وجابت خيولهم البراري كلها في مشارق الأرض ومغاربها، وجنوبها وشمالها، وكان ذلك تأكيداً وتفسيراً لقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٧].
فقوله: ((وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)) أي: هو القوي ﷻ ، وهو العزيز الذي لا ينال ﷻ ، وهو القادر على كل شيء.
فهؤلاء العرب كانوا يتقاتلون على ناقة أو فرس مدة أربعين سنة، فأعزهم الله بالإسلام فسادوا وحكموا الأرض، وكانوا المعلمين والموجهين والمؤدبين المحكمين بين الخلق، فلما عادوا فبدلوا وغيروا سلط الله عليهم الأعداء من النصارى واليهود الذين هم أذل الخلق وأحقرهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
فإن عاد المؤمنون والمسلمون وغيروا ما بأنفسهم من عصيان، وغيروا ما هو واقع في الأمة من كفر بالله ومن جري وراء اليهود والاستسلام لهم، كما هو الحاصل من الحكام الذين أذلوا الأمة الإسلامية وأهانوها، والإسلام منهم بريء ومن أعمالهم، حينها سينطبق علينا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٧].
стр. 1372
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨].
نلاحظ في القرآن الكريم وفي هذه السورة أن الله خص خاتم أنبيائه ﷺ بأنه لا يناديه باسمه وإنما يقول عنه: يا رسول الله، يا نبي الله، وفي أول هذه السورة قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١].
وهنا يناديه ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب:٢٨]، وسيقول بعد ذلك: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٣٠]، وما ذلك إلا لمنزلته ولمقامه ولقدره عند الله ﷻ ، فهو سيد الأنبياء وإمامهم وسيد جميع الخلق من ملائكة وبشر.
قد يبدو لأول مرة أن الآيات الآتية ابتداء من هذه الآية لا مناسبة بينها وبين غزوة الخندق أو الأحزاب، فنقول: إن مناسبة الآية مع الغزوة ظاهرة، وهي: أن الغزوة قائمة والرسول بين إذاية المنافقين والمشركين واليهود، وإذا بالنساء يجتمعن حوله ويقلن: يا رسول الله نريد ذهباً، نريد قصوراً، نريد نفقة، نريد رفاهية.
وهذا من الأذى للرسول ﷺ ، وقلن: هؤلاء نساء الملوك من الروم والفرس يتنعمن ونحن في حالة من البؤس لا تليق بنساء الملوك، وكأنهن يتحدثن عن ملك لا عن نبي ورسول وجاء في الحديث: (أن الله تعالى خير النبي ﵊ بين أن يكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً، فأشار إليه جبريل أن تواضع، فقال: اللهم نبياً عبداً)، وكان بذلك سيد الملوك، وكانت الملوك يشرفها أن تمسح أقدام النبي ﷺ وأن تنفض الغبار عن نعاله، وكان ﷺ لا يهاب الملوك، ومن هم حتى يهابهم ﷺ ؟ بل هم الذين يهابونه ويرتعدون بين يديه، ومع ذلك فقد قاد الجيوش وساد في الأرض، وبلغت جيوشه المشارق والمغارب، إلى أقصى المغرب في ديار أوروبا، وأقصى الشرق كالهند والصين.
стр. 1373
تفسير سورة الأحزاب [٢٨ - ٢٩]
اجتمع أزواج رسول الله ﷺ وعزمن على أن يطالبنه بالزيادة في النفق، والتوسعة عليهن في المعيشة، فأنزل الله تعالى عليه آيتي التخيير لهن بين الله ورسوله والدار الآخرة، أو أن يطلقهن ويسرحهن سراحاً جميلاً.
стр. 1374
تابع تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها)
стр. 1375
المعنى الإجمالي لقوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]].
يأمر الله ﷻ نبيه ﵊ أن يقول لأزواجه جميعاً: إن أردتن من الدنيا زينة وزخرفاً ومتاعاً ورفاهية فتعالين إليَّ لأمتعكن متعة الطلاق، ثم أطلقكن طلاقاً جميلاً، وأسرحكن وسراحاً جميلاً بلا عنف ولا كلام يسوء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة:٢٣١] فالآية ظاهرة.
والله أمر نبيه ﷺ أن يخير نساءه إن كن يردن الحياة الدنيا ويردن أن يعشن عيشة الملكات وعيشة المترفات الغنيات فليخبرن بذلك النبي ﵊؛ ليمتعهن متعة الطلاق، ثم يسرحهن سراحاً جميلاً بلا كلام مؤذ لا منهن ولا من النبي ﵊.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩].
أي: إن كانت نساؤك يفضِّلن طاعة الله ورسوله، ويفضِّلن رسوله ﷺ زوجاً، إن كن كذلك ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩].
فالمحسنات الطائعات العابدات الصابرات على التقشف مع النبي ﷺ ، أعد الله لهن أجراً عظيماً، والأجر الكبير هو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
стр. 1376
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها)
هاتان الآيتان لهما سبب، وسبب نزولهن أن نساء النبي ﵊ عندما هاجر للمدينة وانتصر على أعدائه وأعزه الله، وأصبحت الجزيرة العربية تحت سلطانه وأمره ونهيه، رأين أن النبي ﷺ أصبح في شئون الدنيا ذا رتبة عالية، وبلغهن كيف تعيش، ملكات فارس والروم، وأردن أن يعشن عيشة الملكات، ونسين أن النبي ﵊ عبد نبي آثر الفقر والمسكنة والحاجة عن رضاً منه وطواعية، وقد عُرض عليه أن تكون جبال مكة ذهباً وفضة، وعُرض عليه أن يعيش نبياً ملكاً فآثر أن يعيش نبياً عبداً، يجوع يوماً فيصبر ويشبع يوماً فيشكر.
فعندما قلن ذلك وطلبن الحلي والحلل وأكثرن على رسول الله من هذا القول هجرهن شهراً كاملاً، وترك الدخول عليهن، واعتزل في علية من الدار، وشاع الأمر وذاع بين أصحابه، وخاصة عند أصهاره أبي بكر والد عائشة، وعمر والد حفصة.
في هذه الحال قال عمر كما في الصحاح: كنت أسكن العوالي -عوالي المدينة-، وكنت أتناوب أنا وجار لي الحضور والصلاة والاجتماع برسول الله ﷺ يوماً بيوم، يوماً ينزل جاري فيجالس النبي ﵊ ويسمع حديثه، وما نزل عليه من آي، وما سئل به، وما أجاب عنه، فيأتيني ويخبرني بذلك، ويوماً أنزل أنا فأسمع ذلك وأبلِّغه لجاري كما بلغني.
قال: وفي يوم من الأيام يأتيني بعد صلاة العشاء فيطرق عليَّ الباب طرقاً شديداً فأخرج إليه وأقول: ماذا هناك؟ قال: أمر عظيم! قال: قلت: هل غزتنا الروم؟ قال: الأمر أعظم من ذلك.
وكان شاع بين الصحابة أن الروم تريد غزو رسول الله ﷺ بعد أن غزته قريش وغطفان ويهود المدينة، فعجزوا عنه ورجعوا أذلة خائبين يجرون الخيبة والذل والهوان، فأرادوا أن يقوموا بذلك عنهم، هكذا شاع، وإن لم يكن لهذا أصل! فقال له جاره: الأمر أعظم من ذلك، طلّق رسول الله ﷺ نساءه.
وإذا بـ عمر ينتظر أذان الفجر، فيخرج إلى المسجد عند الأذان، وينتظر خروج رسول الله ﷺ ، فخرج النبي ﵊ وصلى بالمسلمين الفجر، وتركهم رسول الله ﵊ وصعد العلية فتبعه عمر، وكان هناك غلام على باب العلية، فقال له عمر: استأذن لي على رسول الله ﵊.
فدخل الغلام ثم خرج وقال: ذكرتك له فلم يجبني، فذهب عمر وغاب ملياً داخل المسجد، ثم عاد فقال للغلام: استأذن لي على رسول الله ﷺ ، فدخل ثم خرج وقال: ذكرتك له فلم يجب.
وإذا بـ عمر يعيش عيشة القلق والانزعاج ولا يعلم ماذا هناك، وكان قد دخل على ابنته حفصة فوجدها تبكي، وسمع بكاء أمهات المؤمنين، ووجد من الأصحاب في المسجد من يبكي، فقال لها: طلقكن رسول الله؟ قالت: لا أدري، فعاد وطلب من الغلام أن يستأذن له على رسول الله ﵊، فخرج وقال له: استأذنت لك فلم يجب، فذهب عمر حزيناً مكروباً مغموماً، وجلس في المسجد كعادته في انتظاراته، وإذا بالغلام يناديه: يا عمر قد أذن لك رسول الله! فصعد عمر فسلّم فرد ﵇ وسكت.
ونظر عمر في الغرفة فلم ير تحت رسول الله إلا حصيراً ومعه مخدة من ليف، وقربة ماء قد قدم عهدها، وإذا بـ عمر يقول: يا رسول الله! فارس والروم يعيشون في رغد من العيش وأنت تعيش في هذا الشظف، وكانت مشكلة رسول الله مع نسائه في نفس الموضوع، وإذا بالنبي ﷺ وكان متكئاً يجلس ويقول: يا ابن الخطاب أفي شك أنت؟ أولئك عجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا.
فقال عمر: فاغفر لي يا رسول الله.
وأراد عمر أن يجعله يبتسم فقال: يا رسول الله لو رأيت زوجتي كيف أخذت تطلبني الرغد في المعاش، وتطلبني الزينة، وإذا بي أقوم إليها فأنهرها، فتبسم رسول الله ﷺ ، فعندما رأى تبسمه قال: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ قال: لا، قال: أتأذن لي أن أُخبر القوم؟ قال: إن شئت.
فأشرف عمر من العلية ونادى بأعلى صوته أن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه، فقال له ﵊: إن أمهات المؤمنين أكثرن عليّ في طلب الحلي والحلل وزينة الدنيا وليس عندي ما أُعطيهن، ولا أرغب أن يكون عندي ما أعطيهن، بل أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر.
فنزل عمر ووجد أبا بكر فقص عليه القصة، ودخل كل منهما على ابنته فقال لها: لم تطلبين رسول الله ما ليس عنده؟ ونهر أبو بكر ابنته، ونهر عمر ابنته، وقال كل واحد منهما: ما شئتِ فاطلبيني ولا تطلبي رسول الله ﵊.
وزاد عمر فقال لابنته: لا يغرك أن تكون جارتك أصبح منك وجهاً فقد سبق أن طلقكِ رسول الله وما ردّكِ إلا من أجلي، فإن طلقكِ هذه المرة فلا والله لا ترجعين أبداً.
فبقي رسول الله ﵊ شهراً، وإذا به ينزل من العلية، وقد نزل عليه الوحي بهاتين الآتين، فذهب تواً إلى عائشة وكان قد أقسم أن يهجرهن شهراً، قالت له: يا رسول الله! أنا أعد الأيام ولم يمض من الشهر إلا تسع وعشرون يوماً، فقال لها ﷺ : الشهر هكذا وهكذا وهكذا -أي: قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعة وعشرين يوماً- ثم قال لها: لم أحنث وقد أتممت شهراً، وكان شهري هذا تسعة وعشرين يوماً.
ثم تلا عليها هاتين الآيتين الكريمتين، وقال لها: شاوري أبويك قبل أن تختاري، قالت: أفيك أشاورهما يا رسول الله! فلن يختارا الطلاق، ولا والله لا شاورتهما، وإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة، يا رسول الله، إنك ستطوف على نسائك وتخيّرهن كما خيّرتني فلا تقل لهن: إنك خيّرتني فاخترت الله ورسوله والدار الآخرة، فقال لها رسول الله ﵊: إن سألنني سأخبرهن.
وإذا به يطوف على بقية نسائه التسع، على حفصة بنت عمر وعلى أم سلمة وعلى زينب بنت جحش وعلى ميمونة الهلالية وعلى صفية بنت حيي وغيرهن، فقلن كلهن: بل نريد الله ورسوله والدار الآخرة، فسرّ رسول الله ﵊ أن اخترن الله ورسوله عن زينة الدنيا وزخرفها ومتاعها.
стр. 1377
أقوال العلماء في حكم تخيير الزوجة
اختلف الفقهاء اختلافاً طويلاً هل يلزم من التخيير طلاق؟ وإذا لزم الطلاق فهل يعتبر طلقة واحدة أم ثلاثاً؟ وإن كانت واحدة فهل هي طلقة رجعية أو بائنة؟ بكل ذلك قد قال فقيه وفقهاء، وكل ذلك لا معنى له في هذه الآية الكريمة، فهو ليس تخييراً في الطلاق، ولكنه تخيير بين قبول حياة رسول الله على ما فيها من زهد، وعلى ما فيها من عدم رفاهية وغنى، وبين إرادة زينة الدنيا وزخرفها، فهن إن أردن الدنيا وزخرفها وزينتها فليخبرن رسول الله أن يفعل ما قاله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨] ومتعة الطلاق لها كلام آخر سنعود إليه.
وقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨].
أي: بعد أن تأخذ كل واحدة منهن متعتها، فهذا يدل على أنه ليس في الطلاق ألبتة، ولكن هو تخيير بين الله ورسوله والدار الآخرة، وبين الدنيا وزينتها وزخرفها، فإن اخترن الزينة والحياة الدنيا فإن رسول الله ﷺ سيطلق، وإن اخترن الله ورسوله فالأمر على ما هو عليه، فلا حاجة لهذا النزاع ألبتة كما قال القرطبي.
وكما قال المحققون من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، إن التخيير ليس في الطلاق، ولكنه تخيير بين الدنيا والآخرة، وبما أنهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة فلم يكن هناك طلاق لنقول: هي طلقة رجعية أو بائنة أو ثلاث طلقات، ولم يذكر أحد من المفسرين على الإطلاق أن النبي ﷺ اعتبر ذلك طلاقاً ثم ردّهن، وكأن أحداً قال لـ عائشة ذلك فأجابت بقولها: (اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ولم يكن شيء) أي: لم يكن فراق ولا طلاق، والأمر واضح.
стр. 1378
أنواع المتعة
وقوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨].
المتعة ثلاث في الفقه: متعة الحج، ومتعة النكاح، ومتعة الطلاق.
أما متعة الحج فهي أن يعتمر الحاج في أشهر الحج -شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة- ثم يحج من عامه، فالمتمتع لا يمنع مما يمنع منه المفرد والقارن، فالمتمتع بعد أن تنتهي عمرته يفعل ما يفعله الحلال حتى يحرم للحج.
والحج ثلاثة أنواع: حج متعة، وحج إفراد، وحج قران.
وأما متعة النكاح فهي المتعة التي أبيحت في صدر الإسلام بسبب الحاجة والضيق مع الحروب، ومع وجود الجند بالآلاف خارج مدينتهم بعيدين عن نسائهم، وأخذ نسائهم معهم يكلفهم الكثير، وهم لا يملكون ذلك؛ فأذن لهم رسول الله ﵊ أن يتزوجوا زواجاً مؤقتاً ينتهي بنهاية الوقت الذي اتفق عليه مع مهر، ومع الحفاظ على الولد إن كان، ولكنه لا يحتاج إلى طلاق، فبمجرد نهاية الوقت الذي اتفقوا عليه ينفسخ النكاح، وما سوى ذلك فالولد يلحق والمهر قائم، ولا يصح للمسلم أن يتزوج بمن تمتع بها إلا بعد أن تستبرئ إن كانت جارية بحيضة، وإن كانت حرة بثلاث حيضات.
ثم حرمت المتعة بعد ذلك، كما في صحيح مسلم قال النبي ﵊: (ولا تحل إلى يوم القيامة)، فحرّم الله ورسوله المتعة ولن تحل أبد الآباد.
ونسب حل ذلك لبعض الصحابة مثل ابن عباس وغيره، وذلك أنهم لم يبلغهم الحديث في تحريم ذلك تحريماً أبدياً، وقد ثبت رجوعهم بعد إخبارهم، ومن يتمسك بذلك من غير أهل السنة يتمسك ببدعة وبشيء قد حرم عليه.
وأما متعة الطلاق فهي إعطاء شيء من مال توطئة للطلاق وتخفيف وقعه على المرأة، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] أي: الموسع عليه حسب توسعته وغناه، والفقير المسكين حسب فقره وما عنده، وقد قدروا ذلك بنسبة الصداق والمهر، والبعض فسّره بالمهر نفسه، والبعض بجزء من المهر، وبعض الفقهاء أوجب المتعة، وجمهورهم قالوا: إنما هي سنة مستحبة وليست بواجبة، وليس هناك سوى المهر والصداق.
стр. 1379
قبول زوجات النبي بالعيش معه مع الزهد والتقشف وشظف العيش
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩].
أي: إن كنتن يا هؤلاء الزوجات تفضّلن ربكن في طاعته، فطاعته في طاعة نبيه، ونبيه قد آثر الحاجة والفقر يجوع يوماً ويشبع يوماً، آثر أن يعيش نبياً عبداً لله دون أن يعيش عيشة الملوك كما عاش أنبياء سبقوه من أنبياء بني إسرائيل كسليمان وداود وغيرهما.
والنبي ﵊ لم يرد أن يعيش عيشة الملوك في الغنى والرفاهية، ومع ذلك فقد كان سيد الملوك وكان ملكاً بالفعل، فالملك هو رئيس الدولة، والنبي ﵊ كان رئيس دولة، فقد ظهر في جزيرة العرب في بطحاء مكة وجبالها ثم انتقل إلى المدينة المنورة وبطحائها وجبالها، ولم تكن في جزيرة العرب دولة، ولم يكن لهم رئيس ولا ملك، فعندما آمن المؤمنون من المهاجرين والأنصار، أو بقي من لم يؤمن إما منافقاً أو محارباً مكسوفاً ولكنهم ذلوا وخنعوا وخضعوا بعد الحروب المتوالية التي نصر الله فيها نبيه ﵊ والمسلمين، وكان يتصرف فيهم تصرف رئيس الدولة يأمر وينهى ويُطاع، ومن خالف يُعاقب، وكان يقطع ويرجم ويقتل في الحدود، وكان يرسل القادة، ويعد الجيوش، ويفتح الأقطار، ومن خالف حاربه وقاتله ومن هاجمه قام بمواجهته، وهذا فعل الدولة.
والله تعالى حرّم علينا أن نناديه أو نسميه بما نسمي بعضنا البعض، فمن الآداب في الإسلام أن يلقّب الإنسان ويسمى بأحسن أسمائه، وقد قال الله لنا في أدبنا مع رسول الله ﵊: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
ننادي بعضنا البعض بالملك والأمير ورئيس الدولة والقائد والحاكم، أما النبي ﷺ فنقول: يا نبي الله، ونقول: يا رسول الله هذا لمن صاحبه، أما نحن فنختم هذه الكلمة بصلى الله عليه وسلم، ولا تقال لغيره، ولا نبي بعده، وإن تحدثنا عنه فكذلك نقول: قال رسول الله، وقال: نبي الله صلى الله عليه وعلى آله، ولا نقول: قال ملك العرب، وإن كانت الروم وفارس ومشركو قريش وجزيرة العرب يقولون عنه: ملك العرب، وأبو سفيان عند فتح مكة أخذ أسيراً في ضواحيها، وتركه النبي ﷺ عند عمه العباس وقال: دعه يرى عرض جند الله وهم يدخلون مكة فاتحين، فأخذ أبو سفيان يسأل: من هؤلاء؟ من هؤلاء؟ من هؤلاء؟ ودخلوا مكة في عشرة آلاف جندي شاكي السلاح باللأمة الكاملة وهو يسأل فيقول: ما لي ولقبائل فلان، لم تكن بيني وبينهم حرب، كان يتكلم كما لو كان أمير مكة، ويتكلم عن رسول الله ﷺ كما لو كان ملك العرب، إلى أن قال للـ عباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً يا عباس! قال: ويلك إنها النبوة، قال: والله لا يزال في نفسي من هذه شيء.
فهو رأى ما يكون للملوك من جيوش وأمر ونهي وطاعة؛ وهكذا كان رسول الله ﵊، ولكنه كان نبي الله، وكان رسول الله، وما عمل الملك والرئاسة إلا بعض وظيفته في النبوة والرسالة، ولا ينادى بذلك ولا يلقّب.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩].
كن جميعاً محسنات، وكن جميعاً صادقات، وجميعهن آثرن الله ورسوله والدار الآخرة.
وبعدما نزل ما نزل من وحي تبن لله ولرسوله ﵊، وخضعن لما أراده من شظف العيش والزهد في الدنيا، وأصبحن يعشن كما يعيش ﵊، حتى لقد كانت عائشة تقول: (يمر علينا الشهر والشهران ولا توقد في أبيات النبي ﷺ نار، إنما الأسودان: التمر والماء).
عشن ﵅ تبعاً لزوجهن رسول الله ﷺ ، يمر عليهن الشهر والشهران ليس هناك إلا الماء والتمر، ويحمدن الله ويشكرنه؛ لأنهن زوجات رسول الله ﵊، لأن الله أكرمهن وسماهن أمهات المؤمنين (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) كما روى ابن عباس وزيد بن ثابت فيما سبق أن فسّرنا في الآية السابقة في هذه السورة المباركة.
стр. 1380
تفسير سورة الأحزاب [٣٠ - ٣٣]
يوجه الله زوجات نبيه ﷺ بما يجب عليهن من الأدب، وأن الله تعالى قد فضلهن على غيرهن من النساء، فمن أتت منهن بفاحشة ضوعف لها العذاب؛ وإذا اتقين الله ولزمن بيوتهن فلهن الأجر العظيم.
стр. 1381
تفسير قوله تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين)
قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٠].
بعد أن اخترن الله ورسوله نزلت الآيات في نسق واحد، فقد توعدهن الله وأنذرهن أن يؤذين رسول الله من غيرة بعضهن من بعض، حتى لقد كانت عائشة تهجر رسول الله ﷺ اليوم كله، وكلهن يهجرن رسول الله اليوم واليومين والثلاثة؛ لشدة غيرتهن، بل لقد كانت عائشة تهجر الحديث معه، فقال لها يوماً ﵊: (يا عائشة إني لأعلم عندما تكونين عني راضية وعندما تكونين عني غضبى، قالت: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا غضبت قلت: لا ورب إبراهيم، وإذا رضيت قلتِ: لا ورب محمد، فقالت: والله يا رسول الله لا أهجر إلا اسمك).
فهن يردن الدلال عليه، وهذا حق الزوجات على الأزواج، ولكن لا يصل الدلال إلى الإيذاء لرسول الله ﵊.
وكان شيخ أعرابي متزوجاً صغيرة ففرت منه وذهبت عند أهلها وامتنعوا أن يردوها عليه، فجاء يشتكي إلى رسول الله ﵊ بقطعة شعرية بليغة ختم القصيدة والشكوى الشعرية بقوله: وهن شر غالب لمن غلب، وإذا بالنبي ﵊ يكرر معه هذا الشطر من البيت فيقول: (وهن شر غالب لمن غلب).
فهو ﷺ قد قاسى من غلبة فيهن، ومن كثرة دلالهن عليه لكن الله غار عليه أكثر من غيرته على نفسه ﷺ ، فأدبهن وأنذرهن، وأمر نبيه ﵊ أن يراجعهن فيما إذا أصررن على أن يعشن ملكات مترفات أن يطلقهن ويمتعهن، ويذهبن إلى حال سبيلهن، ولكنهن ﵅ كن جميعاً من التقوى والإيمان ومن الحب لله والطاعة لرسول الله في الدرجة القصوى، بحيث لم تستشر إحداهن أباً ولا أماً، ومن أول مرة قلن له: أفيك نستشير أبوينا يا رسول الله؟ نحن نختار الله ورسوله والدار الآخرة، وبعد هذا لم يعدن أبداً إلى طلب شيء من رسول الله ﵊.
فالله يتوعدهن بقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٠].
والفاحشة هنا فسرت بالنشوز على رسول الله، وبمخالفته المخالفة الدلالية التي تكون بين الزوج والزوجة، لا المخالفة التي تكون بين المؤمن ورسول الله فهي ردة وكفر، وهي خروج عن طاعة رسول الله، وخاصة عندما يأمر كفاحاً ومواجهة فيعتبر ذلك تمرداً، لكن فسّروا الفاحشة هنا بسوء الخلق والنشوز والإيذاء بكثرة المطالب وشدة الغيرة.
وننقل ما قاله القرطبي وغيره: حتى لو كان الإنذار بالفاحشة المعروفة من الفساد والزنا وحاشاهن من ذلك، فالشرط لا يلزم منه الوقوع، وقد قال الله لنبيه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] ورسول الله معصوم من الذنوب صغارها وكبارها، ولكن إذا قيل هذا للرسول ﵊ فغيره ممن ليس معصوماً من باب أولى.
ولم يكد يموت رسول الله ﵊ حتى ارتد الكثير من العرب، وتنبأ أربعة من الكذبة وادعوا النبوة، وامتنع الكثيرون من أداء الزكاة ممن بقوا على الإسلامه، وقد أنذرهم الله قبل أن يكون ذلك فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
أعني أن الشرك والكفر يكون من غير الأنبياء وقد كان، أما من الأنبياء الذين عصمهم الله فلا، وتكريماً للأنبياء ولرسول الله في الدرجة الأولى لم تصدر الفاحشة من إحدى زوجاته، ولن يكون ذلك، وهو يبقى شرط، والشرط لا يلزم منه الوقوع، وأمهات المؤمنين لا يأتين الفاحشة، وبالتالي لا يعاقبن لا ضعفاً ولا ضعفين، ولا مرة ولا مرتين، ولكنه وعيد وإنذار ليعلمن أنه لا يوجد عبد من عبيد الله من الأنبياء فمن دونهم فوق حساب الله وعقاب الله، وأن الخروج عن أمر الله جزاؤه العذاب.
والله أراد أن يجعل من أمهات المؤمنين مثالاً لباقي المؤمنين والمؤمنات، فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠] أي: يضاعف فيما لو فعل مثل ذلك غيرهن مرتين في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٠].
أي: أن مضاعفة العذاب لهن -إن صدر منهن ذلك- هين على الله ويسير عليه؛ لأنهن إن فعلن ذلك لم يكن لهن عند الله مقام ولا اعتبار، فيعذبهن ويضاعف لهن العذاب في الدنيا والآخرة، ومن إكرام الله للنبي ﷺ ، ومن إكرامه لهن لم يصدر ذلك عنهن، وبالتالي لم تكن عقوبة لا مرة ولا مضاعفة.
نكون قد ختمنا من كتاب الله واحداً وعشرين جزءاً ولله الحمد والشكر والمنة، أي: بقي علينا تسعة أجزاء، وهي أقل من الثلث، وندعو الله ونرجوه ضارعين كما أعاننا على تفسير كتابه إلى حيث وصلنا، أن يعيننا على إتمامه، وأن يقبله فضلاً منه وشكراً له ﷻ .
وقد مضى على هذا تسع سنوات، ومما أشكر الله عليه وأشكر عليه أخانا الشيخ محمد ناظرين؛ لأنه قد سجّل جميع ما مضى معنا من تفسير في أشرطة، فأصبح لنا تفسير منطوق به، وكون القرآن سجِّل متلواً فهذا عرفه كثير، أما أنه سجِّل التفسير من البداية إلى النهاية لم أسمع بهذا، وتسجيل واحد وعشرين جزءاً نعمة أشكر الله عليها.
وقد كنت أكتب التفسير في أيامي الأولى وكتبت بضعة أجزاء، ثم توقفت عن الكتابة عندما شعرت بأن أخانا الملازم لنا منذ تسع سنوات يسجّل ذلك ويتكلف له مالاً، ويتكلف له زمناً وعملاً، فحمدت الله أولاً، ثم شكرته على صنيعه.
стр. 1382
تفسير قوله تعالى: (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين)
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣١].
أي: يا نساء النبي! من عاشت منكن مطيعة لربها ومطيعة لزوجها رسول الله ﷺ ، عاملة للصالح من الأعمال، نؤتها أجرها مرتين.
وطاعة الله طاعته في كتابه، وطاعة رسول الله طاعته في سنته، وفعل الصالح القيام بالأركان وما يتعلق بها من واجبات وسنن وآداب ومستحبات.
والواجب لا يترك بحال أبداً، والسنة مأجور فاعلها، قد يعاتب تاركها إن تركها ألبتة، والمستحبات زيادة نوافل، والإحسان: هو الرتبة العليا كما في حديث جبريل الذي رواه عمر وغيره عندما سئل رسول الله ﷺ عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان، فقال: (الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، ومن يعبد الله يره بعين القلب والبصيرة: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد عندما يرى نفسه وخلقه يرى الله في ذلك، ويقول: كيف خلقني ربي؟ من الذي يستطيع أن يخلق مثل هذا الخلق الناطق الناظر السامع المتحرك العاقل المدرك؟ عندما يريد الضالون أن يصنعوا تماثيل من أحجار أو أخشاب أو من أي شيء تجد أنهم بعد أن يصنعوها يتباهون بعملهم، وأن فلاناً مبدع؛ لأنه صنع هذه الصورة الجميلة، ولكن مع ذلك قل له: دعها تنطق أو تتحرك أو تعقل، ومن صنع ما حرمه الله عليه فسيقال له يوم القيامة: أحي ما صنعت؟ ولن يفعل، وأين ذاك من خلق الله، عندما يخلق إنساناً أو حيواناً أو أي شيء، كيف ترى حركات هذا المخلوق ووعيه وإدراكه، من الذي يستطيع أن يفعل ذلك سوى الله ﷻ ؟! فأمهات المؤمنين يحضهن الله على فعل الخيرات وأعلاها، فيقول: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١] وفعل الصالحات وفعل الإحسان يأتي من المحسنات، قال سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩].
والمحسنات هن القائمات بالإسلام حركات وأركاناً وعبادة وواجبات، والقائمات بالإيمان تصديقاً قلبياً لا شائبة شك فيه، والقائمات بالإحسان اللاتي يعبدن الله كأنهن يرينه، فإن لم يصلن لهذه الدرجة فليعبدنه وهن يعلمن أنه يراهن، ومن عبد الله هكذا تجده على غاية ما يكون من الخشوع ومن السكون ومن الحضور ومن الفكر فيما يتلو ويقرأ، وهو على غاية ما يكون من الهيبة والأدب مع الله.
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١] (من): اسم موصول يطلق على المفرد المذكر والمؤنث، وعلى المثنى المذكر والمؤنث، وعلى جمع الذكور والإناث، فتقول: من جاء من الرجال؟ من جاء من النساء؟ وهكذا هنا.
فقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١] أي: من أطاعت الله ورسوله وعملت الصالح، فإن الله أعد للمحسنات منهن أجراً عظيما.
وقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣١].
أي: يؤتيها الله أجرها مرتين: أجر الدنيا ببقائها زوجة في عصمة رسول الله ﵊، وأجر كونها قدوة للمؤمنات والمؤمنين بسماعها لرسول الله ولحكمته، وبسماعها للآيات المنزلة عليه صلى الله عليه وعلى آله.
وأجرها يوم القيامة في الدار الآخرة بجعلها في أعلى مقام مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى، وأي أجر وأي ثواب أعظم من أن يكن مع رسول الله ﵊ في الفردوس الأعلى.
стр. 1383
تفسير قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول)
قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢].
قوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٣٢]: يخاطب الله ﷻ نبيه بالنبوة والرسالة، فإذا كان الله يقول ذلك ويتكلم بذلك ﷻ مع رسوله ﷺ فنحن من باب أولى، والله سبحانه يعلمنا بذلك ويؤدبنا، فمن ينطق ويتكلم عن رسول ويقول: قال محمد وذهب محمد فقد خالف نهج القرآن وفعل الله ﷻ في كتابه، والأدب الذي يجب أن يكون مع الرسول، والصواب أن يقول: قال رسول الله، ونطق نبي الله، وسمعت رسول الله، ورويت عن نبي الله، وذلك الله ﷻ مع ألوهيته وعبودية عبده محمد رسول الله ﷺ فإنه يخاطبه بالنبوة ويدعوه بالرسالة، ويتكلم عن نسائه بمثل ذلك: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، أي: يا نساء النبي درجتكن وفضلكن ومقامكن ليس كأحد من النساء.
وأحد أبلغ من إحدى، وأحد يدخل على المذكر والمؤنث، وإحدى لا تدخل إلا على المؤنث.
وقوله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢].
أي: ويا نساء النبي أنتن في درجات لا يوازيكن فيها أحد من نساء العالمين، فأنتن أفضل الخلق بعد الرسل والأنبياء، وأنتن في أعلى الدرجات، وأنتن في رفقة نبيه ﷺ يوم القيامة في الفردوس الأعلى، وكنتن في الدنيا معه صباحاً مساءً، تسمعن ما يتلى عليه وتسمعن ما ينطق به من الحكمة.
ومن فضلهن على الله وكرامتهن في أنفسهن أنهن جميعاً اتقين الله، ولم يأتين بفاحشة لا مبينه ولا غير مبنية، وهن عندما اتقين الله استحققن باستمرار أن يكن أمهات للمؤمنين، وأن تذكر الواحدة منهن بالرضا، كأن نقول: عائشة ﵂، وأم سلمة ﵂، وحفصة ﵂، وهكذا لا يذكرن إلا بالتبجيل والاحترام والترضي، وبأنهن أعلى طبقات النساء في الأرض.
فقوله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢] علق الله ذلك الفضل بالشرط، والشرط التقوى، والتقوى هي القيام بالحلال وترك الحرام، والتقوى هي الإيمان بالله وبرسوله، وطاعة الله وطاعة رسوله، وأمهات المؤمنين ﵅ كن على هذا المنوال وعلى هذا المنهج تقى وصلاحاً، فقد قمن بالشرط خير قيام؛ لأنهن سيدات نساء المسلمين على الإطلاق والشمول والاستغراق.
ثم أخذ الله يعلمهن الأدب، ويعلمهن ما يكن به القدوة والأسوة للناس جميعاً، إذ هن أمهات المؤمنين، فقال الله لهن: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢].
والخضوع بالقول: هو اللين فيه وتكسيره وترقيقه، فالله منعهن من ذلك ألبتة، وألا يكون ذلك إلا لزوجهن أو محارمهن المحرمية الدائمة كالأب أو الابن أو الأخ أو العم، أما المحرمية المعلقة على المصاهرة غير الدائمة فليست بهذه الدرجة.
فقوله: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: لا تتكلمن بلين مع الأجانب ولا برقيق الكلام، وهذا أمر لهن وهو أمر لجميع المسلمات.
وقد أذن الله لهن بعد حجبهن في الكلام من وراء حجاب، فقال ربنا لنا: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] والسؤال يحتاج إلى جواب.
وقال لهن هنا: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] لم؟ ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: الناس ليسو سواء؛ لأن القلب المريض الفاجر إذا سمع الأنثى تتكسر في قولها وتلين وتترقق فيه قد يدعوه ذلك إلى الطمع وإلى الغزل وإلى ما لا يليق.
فكون هذا تأديباً لأمهات المؤمنين هو في الحقيقة تأديب لمن يأتي بعدهن ولمن عاصرهن من نساء المؤمنين، فالمرأة يحرم عليها تحريماً باتاً أن تتحدث مع الأجانب متكسرة في قولها لينة في كلامها، وهذا يعتبر فجوراً وفساداً وقد حرمه الله ﷻ ، فتكون المرأة بترقيقها كأنها عرضت نفسها على شهوات الفجار وعلى نزوات الفساق وعلى أمراض القلوب.
وقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢].
القول المعروف: هو ما عرفه الله وما عرفه رسوله ﵊ وعرفته الآداب العامة الإسلامية، لا ما عرفه ما يسمى بالحضارة الزائفة، وما يسمى بالأخلاق الكاذبة، وما يسمى بالأدب الاجتماعي حتى ولو كان فاسداً، وحتى ولو كان فاحشة وفحشاً، ولذلك قيد وقال: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: قلن القول الذي يعرفه القرآن وتعرفه السنة وتقره، ويعرفه المسلم المتدين ويقره.
стр. 1384
تفسير قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)
قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].
أمر الله نساء رسوله ﷺ بلزوم الإقامة في البيت، والأمر لهن أمر لنساء المسلمين قاطبة.
فقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣].
قرن: من القرار والملازمة والإقامة، أي: لا تخرجن من دياركن إلا لما لا بد منه، ولذلك أذن بعد ذلك، وهو مفهوم قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: إن كان هناك داع للخروج كالخروج للصلاة في المسجد أو الحج أو لزيارة رحم أو لسبب من الأسباب الشرعية الواجبة فلا بأس.
أما سوى ذلك فكما قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: الزمن بيوتكن وأقمن فيها، ولذلك أخذ النبي ﵊ في حجة الوداع نساءه جميعاً فحججن معه، ثم قال لهن ﵊: (هذه ثم ظهور الحصر) أي: هذه الخرجة للحج فقط، وبعد ذلك الزمن الحُصُرَ في بيوتكن فلا خروج ألبتة.
وكانت أم سلمة لا تخرج من بيتها أبداً إلى أن لقيت الله، وكذلك كن أمهات المؤمنين، وما كان من خروج عائشة في معركة الجمل إنما كان ذلك قضاء وقدراً، وكان عن اجتهاد منها، ثم ندمت وبكت واستغفرت.
وعندما طلب عمر ﵁ منها مكاناً ليدفن فيه بجوار صاحبيه، وكانت الغرفة التي فيها النبي ﵊ وأبو بكر هي مسكنها وغرفتها، أرسل ولده عبد الله وقال له: اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فاطلب منها أن أكون مع صاحبي فكان الجواب أن قالت: سأوثر أمير المؤمنين به وكنت أريده لنفسي.
فعندما حضرت معركة الجمل ورجعت وندمت قالت: أدفنوني مع أمهات المؤمنين، ادفنوني مع أخواتي من أزواج رسول الله ﵊ في البقيع، فما صدر عني لا يصح أن أكون فيه معه رسول الله، قالت هذا لنفسها، وهي إنما فعلت ذلك اجتهاداً، وما أرادت إلا الخير، وما قصدت إلا الإصلاح، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، ولكنها عاقبت نفسها بأن منعت نفسها من أن تدفن مع رسول الله وصاحبيه.
فقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: لا يخرجن إلا إلى المساجد أو إلى أمر يجب عليهن الخروج له، قال نبي الله ﵊: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ومع ذلك قال لهؤلاء الإماء: (صلاة المرأة في بيتها خير لها من الصلاة في المسجد، وصلاتها في مخدعها خير لها من صلاتها في بيتها)، ومع ذلك قد أذن لها بالصلاة في المسجد بشروط: قال ﵊: (فليخرجن تفلات) أي: غير متزينات ولا متبرجات ولا متعطرات، فإن كانت ستخرج إلى المسجد متزينة متبرجة كاشفة زينتها ففي هذه الحالة تحرم عليها الصلاة في المسجد، لما يصدر منها من التبرج، ولذلك لما قال الله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] قال بعد ذلك: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: أذن لهن بالخروج إلى الصلاة، لكن بلا تبرج، وإنما يخرجن تفلات غير متعطرات وغير متزينات وغير متبرجات، وأذن لهن في الخروج لصلة الرحم وللضرورة الماسة التي لا بد منها، أما الخروج إلى الأسواق والتلاعب في الشوارع وما نرى عليه عصرنا الفاسد فتلك الجاهلية الثانية.
فقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
التبرج من الظهور، ومنه سمي البرج برجاً؛ لكونه متبرجاً ظاهراً بارزاً، والمرأة عندما تريد أن تظهر زينتها لرجل تبرز ذلك بزينة وعطر وكشف ما لا يجوز من محاسن ومن شعر ومن جيد أو أي شيء حرمه الله عليها.
قال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: الجاهلية التي قضى عليها الإسلام وجاء بعدها، ومنه سمي العصر عصر جاهلي والشعر شعر جاهلي، والعمل عمل جاهلي، والنبي ﵊ قد قال لبعض أصحابه عندما قال لعبد: يا ابن السوداء قال: (إنك امرؤ فيك جاهليه) أي: عندما عيره بأمه ولونه، وما الفرق بين الأبيض والأسود وكل ذلك خلق الله؟ وكم من أسود هو أتقى وأشرف وأقرب إلى الله من كثير من البيض!
стр. 1385
تفسير سورة الأحزاب [٣٢ - ٣٤]
في سورة الأحزاب أفرد الله تعالى جزءاً عظيماً لمخاطبة أزواج النبي ﷺ بما يجب عليهن من الآداب والأحكام، وما ينبغي أن يكن عليه من حفظ وتلاوة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتبليغهما، وأن يلازمن بيوتهن ولا يتبرجن.
стр. 1386
تفسير قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)
стр. 1387
تأديب أمهات المؤمنين وذكر فضلهن
قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٣].
هذه آيات على نسق واحد في أمر أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم بآداب وأخلاق تليق بأمثالهن؛ لأن الله سيجعلهن قدوة يقتدي بهن أمثالهن من النساء.
فالله ﷻ هدد أمهات المؤمنين وأوعدهن إذا صنعن ما لا يليق بهن، ثم أمرهن بالأخلاق العالية وحضهن عليها فقال: (من يقنت منكن) أي: من تطع الله ورسوله وتعمل الصالحات نؤتها أجرها مرتين في الدنيا والآخرة، ونهيئ لها الرزق الكريم في الدنيا بحيث لا تتعب في ذلك، وفي الآخرة بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
ثم إن الله رفع من شأنهن فقال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: أنتن أشرف النساء إطلاقاً، وأعلى النساء مقاماً، هذا إذا اتقيتن الله، وعملتن من الصالحات ما يليق بأمثالكن.
ثم قال: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢].
أي: فلا تلن الكلام ولا ترققنه، ولا تتكسرن فيه، فيطمع ويرغب ويمني نفسه من في قلبه مرض من الفساق والفجار وأمراض القلوب، ولكن إذا تحدثتن فتحدثن بالقول المعروف الذي يرضي الله ورسوله، من أمر بمعروف ونهي عن منكر، بكلام هو إلى الخشونة أقرب، من غير تكسر ولا تغنج.
стр. 1388
تفسير قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)
ثم عاد فأمرهن بقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].
أي: الزمن بيوتكن لا تكثرن خروجاً ولا دخولاً، فإن كان ولا بد من الخروج فإلى المساجد وأنتن تفلات غير متعطرات ولا متبرجات.
وقد أمر الله الرجال بقول النبي ﵊: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) أي: لا تمنعوا النساء إذا أردن الصلاة في المساجد، ومع ذلك قال لهن ﷺ : (صلاتكن في مخدعكن أفضل لكن من صلاتكن في بيوتكن، وصلاتكن في بيوتكن أفضل لكن من صلاتكن في المساجد)، لكن إذا خرجن إلى الصلاة وأبين إلا ذلك فلا يخرجن وهن متعطرات، بل يخرجن تفلات بلا عطر ولا تبرج ولا إظهار زينة، ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
إذاً: الزمن بيوتكن ولا تخرجن منها إلا لضرورة دينية أو دنيوية، فالضرورة الدينية مثل الخروج إلى المساجد، على أن يخرجن غير متبرجات ولا متعطرات ولا سافرات ولا متغنجات، أو يخرجن للحج على نفس الحال، أو خروجاً دنيوياً لصلة أرحامهن كالأب والأم ومن لا بد أن يزرنه من أقاربهن المحارم، لا يكون في هذا الخروج تبرج كتبرج الجاهلية.
стр. 1389
التبرج في القديم والحديث
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
التبرج هو: إظهار النساء المحاسن، وخروجهن متبخترات، متعطرات، متكسرات في مشيتهن، فالله منعهن من ذلك، وحرم عليهن ذلك، وقال لهن: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
وكما قال ابن عباس: (ما كانت جاهلية أولى حتى كانت جاهلية ثانية).
وقال قتادة بن دعامة السدوسي: (لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، والجاهلية الثانية ستأتي في آخر الزمان).
فما أصدق ابن عباس في فهمه وقد أوتي حسن التأويل، وما أصدق قتادة بن دعامة في فهمه كذلك لكتاب الله.
والجاهلية الأولى هي التي كانت قبل الإسلام، عندما كان النساء يخرجن متبرجات، متعطرات، مبرزات محاسنهن، متعرضات للرجال في ثياب هي إلى العري أقرب ويمشين في تكسر وميلان.
وهذه الجاهلية الأولى التي حرم الله على النساء أن يفعلنها عاد إليها النساء في زماننا هذا الفاسد، كما فسر ابن عباس وكما صرح قتادة بن دعامة، فلقد عادت النساء للخروج وهن متبرجات متكسرات متغنجات، مبرزات للمحاسن ساقاً وفخذاً وصدراً وظهراً وعنقاً وخداً وشعوراً، من غير خوف من الله ولا خشية من الناس، وهذا ما قد حرمه الله في كتابه على أمهات المؤمنين، وعلى غيرهن تبعاً لهن، فالأمر للنساء عموماً.
وقد روى مسلم في الصحيح، والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري قالا: قال ﵊: (صنفان من الناس لم أرهما بعد: نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، يأتين أبواب المساجد على المياثر، لا يرحن ريح الجنة، وإن بينهن وبينها مائة عام، ورجال).
فقوله ﵊: (صنفان من الناس) أي: نوعان من الخلق أو فئتان: فئة من النساء لم يرهن بعد، وفئة من الرجال لم يرهم بعد، أي: لم يكونوا في عصره ولا زمانه، بل لم يكونوا بعد عصره بأكثر من ألف عام، إلى أن كانوا في عصرنا هذا، العصر اليهودي الفاسد الفاجر.
فقد وصف ﷺ النساء بأنهن كاسيات عاريات، يلبسن ألبسة هي إلى العري أقرب، تظهر منها جميع محاسنهن، من ظهور وصدور وشعور وسوق، وتكاد تكون عارية، مع التكسر والتبختر والتعطر، وعرض أنفسهن على الرجال، فهؤلاء يخرجن في الشوارع وهن إلى العري أقرب، يلبسن على رءوسهن برانيط وقبعات، ويضعنها تارة على اليسار وتارة على اليمين، يملن على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف.
أسنمة: جمع سنام، كما يكون عادة سنام الجمال الهزيلة المائلة يميناً وشمالاً، وهي عادة ذات سنامين، يأتين على هذه الحالة إلى أبواب المساجد، مما يدل أنهن في الأصل محرمات.
يقول رسول الله ﷺ عنهن: (لا يرحن ريح الجنة) أي: لا يشممن لها ريحاً، مع أن ريحها يشم من مسيرة مائة سنة، فإذا كانت المرأة على هذه الحالة لم تقبل لها صلاة، ولا يقبل لها صيام، ولا يقبل لها حج ولا عبادة، ما لم تتخل عن هذه الفواحش والبلايا والمصائب، وقديماً قالت الحكمة: التخلية مقدمة على التحلية.
فبدل أن تذهب المرأة وتزف لزوجها وقد تعطرت ولبست الحلي والحلل، تذهب لتغسل بدنها وتتنظف، ثم بعد ذلك تزف.
وهكذا المؤمنة قبل أن تذهب للطاعة من صلاة وحج وصيام فلتتطهر من الأرجاس والأدناس والعري والتبرج، وما لا يليق بالمسلمات.
стр. 1390
حض أمهات المؤمنين وغيرهن على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة
قال تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ [الأحزاب:٣٣].
أمرهن الله كما أمر النساء عموماً بأن يقمن الصلاة، وإقامة الصلاة المحافظة عليها أوقاتاً وطهارة وحشمة وستر عورة، وواجبات وسنناً ومستحبات، وأن يقمن الصلوات الخمس في أوقاتهن في كل حياتهن، كذلك إن كان لكن ما تتصدقن به، وجوباً أو سنة نافلة فافعلن ذلك، وزكين أموالكن، وتصدقن على كل سائل ومحروم.
وقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣] خصص ثم عمم جل جلالة، فأمر بالتزام البيوت، وأمر بالحياء والحشمة وعدم التبرج منهن، إلا أن يخرجن لزيارة رحم كأب أو أم أو لمسجد أو لحج بشرط ألا يتبرجن، وأمرهن بملازمة الصلاة بأركانها وواجباتها وسننها، وبأن يؤدين الزكاة الواجبة والنافلة، ثم عمم عموماً فقال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وطاعة الله طاعته في كتابه، وطاعته في طاعة رسوله، بأن يقمن بكل الأركان، من شهادتين، وصلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وأن يتركن كل حرام حرمه الله، وأن يقمن بكل واجب أوجبه الله، ما أمرن به فليفعلن منه ما استطعن، وما نهين عنه فلينتهين عنه ألبتة.
كذلك أمر الله أمهات المؤمنين بأن يطعن رسول الله في سنته، وفيما يأمرهن به كفاحاً ومواجهة، يطعنه في كل أمر ونهي؛ لأنهن سادات النساء، ولأنهن لسن كأحد من النساء.
стр. 1391
معنى الرجس الذي أذهبه الله عن أهل البيت
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣].
(إنما) أداة حصر، أي: ما أمر الله به أمهات المؤمنين مما ذكر في الآيات السابقة، إنما أراد الله بها أن يطهر أهل بيت النبي ﷺ من الرجس، وهن من أهل البيت.
والرجس: هو السوء والشهوة، وهو عمل الشيطان، وهو كل ما نهى الله عنه ورسوله.
إذاً: الرجس كل سوء من النواهي، وكل شر من الأعمال، وكل أعمال الشيطان.
فقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: ليذهب الشر والإثم والفاحشة والسوء وما لا يليق بكن يا أهل بيت رسول الله.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: أن تطهرن من السوء والفحشاء، ومن الذنوب والمعاصي.
стр. 1392
حقيقة آل بيت النبي ﷺ
من هم آل البيت؟ الخطاب في الآية لأمهات المؤمنين، وهي صريحة بأن أمهات المؤمنين من آل بيت رسول الله.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣] أي: يا أهل البيت.
ولكن النبي ﵊ عندما نزلت هذه الآية، فيما ترويه أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين أم سلمة، وفيما يرويه أبو هريرة وأبو سعيد وزيد بن أرقم ﵃ وغيرهم كما في الصحاح والسنن، قالوا: (عندما نزلت هذه الآية الكريمة: نادى ﵊ علياً وفاطمة والحسن والحسين، ثم أخذ كساء أسود كان يلبسه، وغشاهم به، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً).
فكان هذا الحديث زيادة بيان وتفسير وشرح لمعرفة آل البيت، فآل البيت هم في الدرجة الأولى بناته ﵊، ثم سلالته من فاطمة، ولم يكن له سلالة من غيرها.
وفي الحديث المتواتر الذي صححه أئمة الشام، والشاميون إذا صححوا حديثاً عن آل البيت وعن بني هاشم فعض عليه بالنواجذ، كما إذا صحح أهل الكوفة والعراق أحاديث في أبي بكر وعمر فتمسك بها؛ لأن الحديث الذي صح عادة بشهادة من اتهم في هؤلاء واتهم في هؤلاء يكون صحيحاً.
فعن زيد بن أرقم وعمر بن الخطاب وعن جماهير من الصحابة قالوا: عندما عاد رسول الله ﷺ من حجة الوداع في اليوم السادس والعشرين من شهر ذي الحجة، وهو عائد للمدينة المنورة مع من معه من الحجاج أقام ونزل في الجحفة ودعا: الصلاة جامعة، فحضر من معه من الحجاج، فصلى بهم رسول الله ﵊، ثم وقف خطيباً بعد ذلك، فأشاد بـ علي بن أبي طالب وأشاد بآل بيته رضوان الله عليهم جميعاً، ثم قال: (علي مولاي، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وتركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي آل بيتي، ولن يختلفا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟!).
نص الإمام ابن كثير والإمام الذهبي والمزني وكلهم من الشام على تواتر هذا الحديث، وأنه كان في يوم مشهود عند غدير خم في الجحفة، وقد انجحفت وذهبت واندثرت، وهي أقرب ما يكون إلى ما يسمى اليوم رابغ.
стр. 1393
تفسير قوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤].
قال ربنا لأمهات المؤمنين: (واذكرن) إما من الذكر والتلاوة، وإما من التذكر والاعتبار، وإما أن يذكرن ذلك ويأمرن غيرهن بالمعروف، وينهين عن المنكر، وإما أن يذكرن نعمة الله عليهن بما أولاهن وأكرمهن به، وكل ذلك صالح في تفسير هذه الكلمة.
وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٤].
أي: يا أمهات المؤمنين اذكرن الذي يتلى في بيوتكن ويقرأ من كتاب الله، ومن أوامر الله ونواهيه، ومن العقائد والقصص، من أخبار الأمم السابقة واللاحقة، ومن أخبار الآخرة جنة وناراً، ومن يوم الحساب والعقاب عندما يحيي الله الأمم ويعيد الرمم كما كانت عليه في الحياة الدنيا، وما يضمه القرآن وتجمعه دفتاه.
واذكرن ما يتلى كذلك في بيوتكن من الحكمة، والحكمة هي سنته صلى الله عليه وعلى آله، فالله يأمر نساء رسول الله ﷺ أن يجعلن من هذا البيت الطاهر جامعة ومدرسة يتعلمن فيها ما يوحي الله به من كتابه الكريم على زوجهن ﵊، وما يتلى في بيوتهن من سنة رسول الله وحديثه وبيانه، ومن كتاب الله شرحاً وتفسيراً وبياناً، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فهو ﷺ مكلف بالبيان والشرح والتفسير، مكلف بأن يبين للناس ما نزل إليهم من كتاب، ومن هنا يقول الإمام الشافعي: السنة كلها شرح وبيان لكتاب الله.
والسنة أجمع بياناً وتفسيراً للقرآن، ولا يسع أي مسلم فرداً كان أو جماعة، شعباً كان أو حكومة، إلا أن يلتزم بالقرآن دستوراً، وبالسنة قانوناً وشريعة وبياناً، ومن لم يفعل ذلك لا يكون مسلماً ألبتة.
كما أمر آل بيت النبوة بأن يتعلمن ويدرسن ويحفظن ما يتلى في بيت النبي ﵊، من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، من كتابه الخالد الدائم، من كتابه المهيمن على الكتب السابقة، كذلك يتعلمن ويعين الحكمة والبيان من سنة رسول الله ﵊، ومن جمع بين الكتاب والسنة فقد جمع بين خيري الدنيا والآخرة، وجمع بين جميع العلوم والمعارف، علوم الشرع، وعلوم الأمر والنهي والحكم والإدارة والدولة، علوم الدنيا والآخرة، سعادة الدنيا والآخرة.
ومن هنا وجدنا نساء رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين بين رواة السنة، فقد روينا عن أم المؤمنين عائشة ﵂، وهي عالمة النساء التي كانت أعلم بكثير من الرجال، فلقد روينا عنها أكثر من ألفي حديث.
وكما كانت عالمة محدثة فقد كانت بليغة وخطيبة، وكانت فقيهة، فلقد استنبطت من كتاب الله ومن حديث رسول الله ﷺ ما لو سجل في صحائف وجمع لزاد على سفر ضخم، وفيه فقهها وفهمها واستنباطها واجتهادها، وهو ما أعمل له عملاً في جامعة الملك عبد العزيز في جمع فقه الصحابة ابتداءً من الخلفاء الراشدين إلى أمهات المؤمنين، وقد جمعت من فقهها ما يزيد على مجلد، وأطمع أن يكون ذلك في مجلدين.
قال ابن حزم: يمكن أن يجمع من فقه الصحابة سفر ضخم لكل واحد من سبعة، وسمى السبعة فقال: هم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وأم المؤمنين عائشة.
فقد ذكر من فقه عائشة ما لو دون وسجل لخرج سفراً ضخماً، أي: مجلدات عديدة.
ونحن نعرف المراجع في ذلك، فلا نكاد نجد تفسيراً يعتني بالأحكام إلا نجد فيه فقه عائشة، وذلك ككتاب الجامع للقرطبي، وكتفسير ابن كثير، وكتفسير البغوي، وغيرهما من التفاسير التي تعتني بالأحكام، ونقلها عن مختلف الأئمة من صحابة وتابعين وأئمة مجتهدين.
ونقل الاستنباط في فقه القرآن والسنة عن أزيد من ثلاثمائة من الصحابة، رجالاً ونساءً، مهاجرين وأنصاراً، ورويت السنة والحديث عما يزيد عن عشرة آلاف إلى اثني عشر ألفاً من الصحابة رضوان الله عليهم، ولكل واحد منهم ترجمة، وقد ترجم لهم على التوالي ابن عبد البر الإمام الأندلسي المالكي، في كتابه (الاستيعاب) في مجلدين، وقد طبع أكثر من مرة، وترجم لهم ابن الأثير الجزري في (أسد الغابة) وهو في خمسة أجزاء، وترجم لهم وهو آخر من ترجم في القرن التاسع الحافظ ابن حجر العسقلاني سيد الحفاظ، وإمام العلماء والمحدثين: إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام وذلك في كتابه (الإصابة) في أربع مجلدات ضخام، أوصل تراجمهم إلى اثني عشر ألف صحابي وزيادة، وذكر روايتهم، وأين توجد، وهو من أعظم كتب الإسلام، ومن أعظم كتب الحافظ ﵀ وجزاه عن المسلمين خير الجزاء.
إذاً: أمر الله أمهات المؤمنين أن يذكرن ويقرأن ويتعلمن ويعلمن ما يتلى في بيوتهن من كتاب الله، ومن حديث رسول الله ﷺ ، وقد امتثلن الأمر الإلهي والأمر النبوي، وتفاعلن معه وذكرن ودرسن وروين ذلك، فنحن منذ عصر النبوة إلى عصرنا هذا نرويه ويرويه معنا رفاقنا، كما رويناه عن شيوخنا، وهم عن شيوخهم، عن شيوخهم من مشارق الأرض ومغاربها، إلى الأئمة المجتهدين، إلى أتباع الصحابة، إلى الصحابة، إلى سيدنا رسول الله ﷺ ، إلى جبريل، إلى رب العزة ﷻ وعلا مقامه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤] أي: كان لطيفاً بكن، حيث أكرمكن بأن تكن من أزواج رسول الله سيد الخلق والبشر، سيد الجن والإنس والملائكة، حيث شرفكن وأعلى مقامكن، ولطف بكن فجعلكن أمهات المؤمنين، الراويات عن رسول الله ﷺ شريعته الداخلية التي لا يراها سواكن، وهذا ما اختصصن به، فالرجال رووا عن رسول الله ﷺ أعماله خارج بيته، أما عندما يدخل بيته، وعندما ينام في بيته، وعندما يتهجد في بيته، وعندما يعامل زوجاته، وعندما يأمرهن وينهاهن، فمن الذي روى لنا السيرة العطرة الداخلية؟ رواها لنا أمهات المؤمنين، ومن هنا كان فضلهن على المسلمين كبيراً، وهن شيوخنا في الإسلام، شيوخنا في كتاب الله، شيوخنا في حديث رسول الله ﷺ .
стр. 1394
من أسرار تعدد زوجات الرسول ﷺ وكثرتهن
من أسرار تعدد زوجات رسول الله ﷺ إلى تسع وإلى ما ملكت أيمانه بغير عد ولا حصر يتبين مما يلي: كأن من عادة الرؤساء والقادة والزعماء قديماً وحديثاً أن يكون لهم وجه أمام الناس ووجه داخل بيوتهم، يكونون مزدوجي شخصية، ولا يليق هذا بنبي، بل ولا يليق بخاتم الأنبياء والرسل صلى الله عليهم جميعاً، فكانت أمهات المؤمنين زيادة على كونهن زوجات للرسول ﷺ وأمهات للمؤمنين، كن رقباء على سيرة رسول الله ﷺ الداخلية، فعندما رويناها عنهن وجدنا النبي ﵊ ظاهره كباطنه، ما يعلنه يبطنه، وما يبطنه يعلنه، هو في تقوى من الله، وطاعة لله، وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، أمام الناس في خارج بيته، وأمام نسائه في داخل بيته، في حضره وسفره، لم يتغير ظاهر عن باطن، ولم يتبدل باطن عن ظاهر، من الذي بلغنا ذلك، وما حكمة كون أمهات المؤمنين تسع نساء؟
الجواب
مهما كتمن عنه، ومهما سترن عنه فلا بد أن تقول واحدة أو اثنتان ما يمكن أن يعد عيباً أو نقصاً، ولكن العيب والنقص لا يوجد، فقد أكرم الله ظاهره كما أكرم باطنه، وكانت سيرته سيرة عطرة تصلح للأئمة المسلمين علماء وقادة ورؤساء.
ويجب أن تكون السيرة النبوية هي القدوة الحسنة لأئمة الاجتهاد، كما يجب أن تكون القدوة للأب وللأم وللولد وللسيدة وللخادم وللكل.
فالنبي ﵊ كان إماماً نعم الإمام، وكان زوجاً نعم الزوج، وكان أباً نعم الأب، وكان جداً نعم الجد، وكان براً رحيماً رءوفاً، وكان لطيفاً بأصحابه، حريصاً على هدايتهم، عزيزاً عليه خروجهم عن أمر الله وطاعة الله، حريصاً على أن يكونوا جميعاً مؤمنين، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣].
من الأدلة القاطعة والبراهين التي لا ينكرها عقل سليم أن النبي ﵊ منذ ظهر في هذه البقاع المقدسة وهو يأمر الناس بأنه رسول الله المتكلم عن الله، المبلغ لرسالات الله، منذ أمر أن ينذر أقربائه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، إلى أن أمر أن يأمر الناس جميعاً: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، لمدة ثلاث وعشرين سنة إلى أن ذهب إلى الرفيق الأعلى، وهو ﵊ في ليله ونهاره، في حضره وسفره، في حربه وسلمه، بين نسائه وأصحابه، بين أصدقائه وأعدائه، كان الإمام وكان النبي الذي لم يتغير ظاهره عن باطنه.
ومن هنا فحق أن يجعله الله مثالاً أعلى عندما يقول للمؤمنين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فهو القدوة والأسوة في أعمالنا الظاهرة وأعمالنا الباطنة، أعمالنا الأبوية، وأعمالنا الزوجية، وأعمالنا القضائية، وأعمالنا العسكرية، وأعمالنا الإخوانية، وأعمالنا مع الصديق والعدو.
هذا إذا أكرم المؤمن بأن يجعل رسول الله ﷺ أسوته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله وحده ﷺ الآمر الناهي، والمقتدى به في الحلال والحرام، في الآداب والأركان، وفي جميع أعمال الحياة إلى أن يلقى الله.
стр. 1395
تفسير سورة الأحزاب [٣٥]
إذا ذكر الله المؤمنين في القرآن دخل المؤمنات فيهم بالتغليب، وقد صرح الله بذكرهن في كثير من الآيات الكريمة، وهنا يثني الله تعالى على المسلمين والمسلمات المتصفين بالأوصاف الحميدة اللائقة بهم.
стр. 1396
تفسير قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات)
стр. 1397
سبب نزول قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
سبب نزول هذه الآية التي ذكر فيها النساء مع الرجال في كل فقرة: أن أمهات المؤمنين أم سلمة وعائشة وزينب بنت جحش والكثيرات من النساء الطاهرات من المهاجرات والأنصاريات جئن رسول الله ﷺ فقلن له: (يا رسول الله ما لنا لا نذكر مع الرجال في كتاب الله)، ألا خير فينا؟ ألا نصلح لشيء؟ مع أنهن ذكرن في عدة آيات، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ [النساء:١٢٤]؛ ولكن هؤلاء النساء تطلعن وتشوفن أن يذكرن في كتاب الله كما يُذكر الرجال، فنزلت هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
стр. 1398
معنى قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات)
قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
المسلم من أسلم وجهه لله ﷻ ، واستسلم لأمره ونهيه، واستسلم لقضائه.
والإسلام قد يعم الإيمان كما يعم الإيمان الإسلام، ولكن يذكر الإسلام في أعمال الجوارح الظاهرة، كما في حديث جبريل عندما جاء سائلاً رسول الله ﷺ عن الإسلام: (ما الإسلام؟ فقال ﵊: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) إلى آخر الأركان، ثم سأله عن الإيمان؟ فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته).
فكان تعريف الإسلام أنه العمل بالجوارح الظاهرة، من نطق باللسان، وعمل بالأركان من صلاة وصيام وزكاة وحج، وهي كلها أعمال ظاهرة بارزة تُعمل بالأركان.
والإيمان: التصديق، وهو عمل القلب، ولا إسلام بلا إيمان ولا يتم إيمان إلا بالإسلام، فقد نافق أعراب وجاءوا نبي الله ﷺ وقالوا له: آمنا، ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤] كانوا كذبة.
والمنافقون قالوا: أسلمنا باللسان، وجلسوا في مجلس رسول الله ﷺ ، وحضروا معه الجمع والجماعات ولكن قلوبهم لم تكن موافقة لأركانهم، فالجنان لم يتفق مع اللسان، وإنما آمن اللسان وكفر الجنان، فكشفهم الله وفضحهم، ولذلك ذكر الله هنا المؤمن والمؤمنة والمسلم والمسلمة، وذكر الإسلام الذي هو عمل الأركان وعمل الحواس، وذكر الإيمان الذي هو عمل القلب؛ ليكون ذلك كاملاً تاماً.
فقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أي: هؤلاء أسلموا بأن فعلوا الأعمال بالجوارح من يد ولسان وسمع ورجل وغير ذلك، ثم أكدوا ذلك بالإيمان والتصديق به، فكان الإسلام كاملاً وكان الإيمان كاملاً.
وقد يؤمن الإنسان ولا ينطق به، فالإيمان غيب من عمل القلب، كما أن من يظهر لنا الإسلام بذكر الشهادتين وبدخول المساجد وبالقيام بالأركان نقول له: قد آمنت حقاً، وإن لم يفعل ذلك نعتبره كاذباً، إلا إذا منع من القول بسبب خرس أو ما إلى ذلك، فالأخرس تكفي إشارته، وتكفي كتابته إن كان يكتب، ويعتبر معذوراً، فيكون مسلماً بالجوارح بما نراه من صلاة، وقد ورد في الحديث: (أن رجلاً نذر أن يعتق رقبة مؤمنة، فجاء إلى رسول الله بجارية فقال: يا رسول الله أتصح هذه أن أعتقها وقد نذرت أن أعتق مؤمنة؟ فسألها ﵊ من أنا؟ قالت له: أنت رسول الله، فسألها النبي ﵊ عن الله؟ فأشارت إلى السماء، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فاكتفى منها بالإشارة، حيث أشارت بيدها إلى العلو، والله تعالى قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فاعتبر ﷺ إشارتها إسلاماً كافياً في أن تُعتق، وأن يحقق هذا الذي نذر أن يعتق مسلمة، فكانت هذه مسلمة بالإشارة.
стр. 1399
معنى قوله تعالى: (والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات)
قال الله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
قال تعالى في الآية السابقة: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب:٣١] والقانتون هم الطائعون الله في كتابه، والطائعون النبي ﷺ في سنته، فمن أطاع الله في كتابه وأطاع نبيه في سنته وحكمته فهو من القانتين.
قال تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أي: صدقوا الله عندما أسلموا وآمنوا، وصدقوا الله عقيدة وأعمالاً وإسلاماً، وصدقوا الله في كل ما يظهرونه، وكما قال النبي ﵊: (لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) فالصدق سمة المؤمن ولا يليق بالمؤمن أن يكذب.
والكذب شيمة الكافر والمنافق: (علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) فكان من صفة المنافق الكذب، ولا يزال يكذب حتى يكتب كذاباً.
وقد عُرف من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم لا يكذبون، بل كان العرب في جاهليتهم قل ما يكذبون، وخاصة منهم قريش، فقد كان الرجل يفخر وهو في إسلامه أنه ما كذب في جاهلية ولا إسلام، فهذا عثمان عندما اتهمه خصومه وأعداؤه قال: (والله ما كذبت منذ عرفت الدنيا ولا مست يميني ذكري).
إذاً: صفة المؤمن الصدق.
(وقد سأل أبو ذر الغفاري رسول الله ﵊: أيزني المؤمن؟ أيسرق المؤمن؟ فكان يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨] أيكذب المؤمن؟ قال: لا) فالمؤمن ليس بمعصوم في الصفات التي لا تليق به، ولكن سرعان ما يتوب إذا وقع في الخطيئة، وسرعان ما يندم عما كان منه، ولكنه لا يكذب؛ لأن الكذب ذُل وهوان، وقد قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
стр. 1400
معنى قوله تعالى: (والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات)
قال الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أي: الصابرين على عمل الأوامر، وعلى ترك النواهي: الذين صبروا على الطاعات فقاموا بها صلاة، وصياماً، وزكاة، وحجاً، وجهاداً، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر.
وصبروا على ترك المنكرات فلم يفعلوها.
وصبروا على قضاء الله إن أصيبوا فاستسلموا لأمر الله.
فكانوا صابرين في الطاعة، صابرين عن المعصية، صابرين على قضاء الله وقدره.
قال الله تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أي: الذين خشعت حواسهم وأركانهم لله تعالى حال صلاتهم، وحال عبادتهم، وسكنت جوانحهم ونفوسهم واطمأنت ثقة بالله وبوحدانيته وقدرته، وخشعت حواسهم وآمنت من غير شك ولا ريب بصدق نبينا محمد ﷺ ، وأنه رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين، ما قال إلا صدقاً، وقد بلّغ ما أمره الله به، وكان الصادق في حديثه وفي رسالته وفي جميع أعماله.
فالخاشعون به خشعت له نفوسهم وحواسهم، وكانوا متواضعين لله غير متعاظمين ولا متعالين، ولا متكبرين على عباد الله مهما كان منصبهم وحالهم، فهم عبيد من عبيد الله، إن كانوا أغنياء فالغنى من الله، وإن كانوا علماء فالذي علمهم رسول الله، وإن كانوا ملوكاً ورؤساء فالملك لله والأمر لله يعز من يشاء ويذل من يشاء، والله هو ملك الملوك، وإن كانوا فقراء فليس ذلك بمسبة ولا بعيب، فهم مع ذلك مؤمنون سادة من سادات الخلق والبشر بإيمانهم وإسلامهم، فلم تقلق نفوسهم ولم تنزعج حواسهم.
стр. 1401
معنى قوله تعالى: (والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات)
قال تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
هؤلاء الذين إذا أعطاهم الله يعطون الناس من مال الله الذي أعطاهم، فهم يتصدقون زكاة واجبة، ويتصدقون نفقة واجبة، ويتصدقون صدقة نافلة وكان من وصف المؤمن أنه لا يمنع السائل والمحروم ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩]، فهم ينفقون من المال على الزوجة والولد والوالدين إن كانا في حاجة إليه، وعلى الإخوة وأبناء العم والأعمام إن كانوا في حاجة إليه، ويعطون السائل والمحتاج والمحروم، ولا يبخلون بما آتاهم الله، وكما قال رسول الله ﵊: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) وأشار إلى الجهات الست، أي: الذين كثرت أموالهم وجمعوا بعضه إلى بعض، فهؤلاء هلكوا إلا أن يصرفوا هذا المال في فضوله وزوائده في جميع الجهات، فيصرفونه في الأقارب، والسائلين، والمحرومين، وفي الزكاة الواجبة وزكاة الفطر، وصدقات التطوع؛ هكذا صفة المسلم.
قال تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أي: الذين صاموا الفرض، صاموا شهر رمضان، وأمسكوا عن شهوات الفرج والبطن واللسان.
وصاموا النوافل صاموا الإثنين والخميس، وصاموا من كل شهر أيام البيض، وهي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر.
ومن صام رمضان وصام ثلاثة أيام من كل شهر كتب في الصائمين والصائمات.
стр. 1402
معنى قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات)
قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أصل كلمة (فرج) الشق، وهي في الأصل كلمة قيلت تكنية عن قبل المرأة والرجل، ودبر المرأة والرجل، فكانت بذلك كناية فقط، ولكن مع كثرة الاستعمال نُسيت الكناية وأصبحت تعتبر تعريفاً أصلياً للعورتين والسوءتين.
وقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] معناه: أنهم يحفظون فروجهم عن الحرام، وكما وصفهم الله تعالى في غير ما سورة فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] حفظ الرجال والنساء الفروج عن الحرام، أما على الزوجة والأمة فلا يلام الزوج في زوجته ولا يلام السيد في أمته، ولا تلام الزوجة في زوجها؛ ذاك شيء جعله الله سنة البشرية، سنة الأنبياء والرسل منذ أبينا الأول آدم إلى أبينا المباشر، وبذلك نشر الله تعالى خلقه وعباده من أبناء آدم وحواء، فتناسلوا وكثُرت الذرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
стр. 1403
معنى قوله تعالى: (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات)
قال الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
الذكر يكون باللسان، بأن تقول: لا إله إلا الله، قال ﷺ : (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله).
والذكر يكون بالجنان والقلب، بأن تتذكر قدرة الله، وتتساءل في نفسك وأنت صامت: من الذي خلق هذه السماوات العلا؟ من الذي خلق هذه الأراضي جبالاً ووهاداً وبحاراً، أشجاراً وغابات وصحاري؟ فتجد نفسك تقول: الإنسان والملائكة والجن مخلوقون لا يستطيعون، فتقول في نفسك: الخالق هو الله المستحق للعبادة.
هذا هو الذكر بالجنان والذكر باللسان.
ويشمل الذكر جميع وأنواع العبادات، فالمصلي ذاكر، والصائم ذاكر، والحاج ذاكر، والطائف ذاكر، والمزكي ذاكر، ذكر أمر الله في عبادته فامتثل أمره وقام بها، ففعل الطاعة ذكر، وترك المنكرات ذكر، وقد قال ﵊: (إذا قام الرجل ليلاً أو قامت المرأة ليلاً فأيقظ أحدهما الآخر فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين والذاكرات).
قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
هؤلاء المجموعة من النساء والرجال من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات إلى آخره، أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم، وأجراً عظيماً يوم القيامة بدخول الجنان التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 1404
تفسير سورة الأحزاب [٣٦ - ٣٧]
إذا قضى الله ورسوله أمراً فالواجب على المؤمنين أن يلتزموه ويعملوا به ولا يخالفوا فيه ولا يختاروا، وقد وقع ما وقع في قضية زواج سيدنا زيد بن حارثة بزينب بنت جحش ﵂، حيث انتهى الأمر بطلاقها منه وزواجها من رسول الله ﷺ .
стр. 1405
تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦].
أي: لا ينبغي ولا يليق بأي مؤمن وأي مؤمنة إذا قضى الله في كتابه قضاءً وأمر أمراً ونهى نهياً، وإذا قضى رسوله أمراً أو نهياً، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
أي: لا خيرة لأحد في أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
فلا يليق ولا ينبغي بكل مؤمن ومؤمنة أن يكون لهم اختيار في جميع أمورهم؛ فالأمر أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، ومن يخالف ذلك ويخرج عنه فما جزاؤه؟ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
أي: من خرج عن أمر الله فأحل حراماً أو حرم حلالاً، أو زاد شيئاً في شرع الله، أو حاول أن يحذف شيئاً من شرع الله، بأن يلغي قوانين الإسلام ويعمل بقوانين الكفر، بحجة أن قانون الإسلام قد كان يصلح زماناً قد مضى، وهو اليوم لم يعد يصلح؛ لأنه يخالف الحضارة والعصر والزمن، فإن من فعل ذلك يكون كافراً عاصياً لله وعاصياً لرسول الله، وضالاً عن الحق ضلالاً مبيناً بيناً واضحاً، لا يخفى على ذي فطرة سليمة، ولا يخفى على مؤمن.
وقد يفعل ذلك معصية لا تحدياً فيكون مع ذلك ضالاً فاسقاً، يعني: لا يزال مسلماً مع الفسق والضلال والجهالة البينة.
فهذه الآية الكريمة تعم كل المؤمنين والمؤمنات في العصر النبوي، وما جاء بعد العصر النبوي وإلى عصرنا وإلى يوم القيامة، فكل من حاول أن يخرج عن أمر الله وأمر رسوله، وأن يختار لنفسه غير ما اختاره الله له، ضارباً بخيرة الله عرض الحائط، كان ضالاً ضلالاً بيناً ظاهراً، وعاصياً لله ولرسوله.
وقرئ في القراءت السبع: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] بالتاء لا بالياء، وهي هكذا ينبغي أن تكون لو لم يفصل بين تكون وبين الخيرة بكلمة، أما إذا فصلت بكلمة فصح أن يقول: (أن يكون لهم الخيرة) وقرئ: (الخيْرَة)، والكل بمعنى واحد.
следующие страницы →