Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
معنى قوله تعالى: (والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات)
قال تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
هؤلاء الذين إذا أعطاهم الله يعطون الناس من مال الله الذي أعطاهم، فهم يتصدقون زكاة واجبة، ويتصدقون نفقة واجبة، ويتصدقون صدقة نافلة وكان من وصف المؤمن أنه لا يمنع السائل والمحروم ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩]، فهم ينفقون من المال على الزوجة والولد والوالدين إن كانا في حاجة إليه، وعلى الإخوة وأبناء العم والأعمام إن كانوا في حاجة إليه، ويعطون السائل والمحتاج والمحروم، ولا يبخلون بما آتاهم الله، وكما قال رسول الله ﵊: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) وأشار إلى الجهات الست، أي: الذين كثرت أموالهم وجمعوا بعضه إلى بعض، فهؤلاء هلكوا إلا أن يصرفوا هذا المال في فضوله وزوائده في جميع الجهات، فيصرفونه في الأقارب، والسائلين، والمحرومين، وفي الزكاة الواجبة وزكاة الفطر، وصدقات التطوع؛ هكذا صفة المسلم.
قال تعالى: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أي: الذين صاموا الفرض، صاموا شهر رمضان، وأمسكوا عن شهوات الفرج والبطن واللسان.
وصاموا النوافل صاموا الإثنين والخميس، وصاموا من كل شهر أيام البيض، وهي اليوم الثالث عشر واليوم الرابع عشر واليوم الخامس عشر.
ومن صام رمضان وصام ثلاثة أيام من كل شهر كتب في الصائمين والصائمات.
стр. 1402
معنى قوله تعالى: (والحافظين فروجهم والحافظات)
قال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
أصل كلمة (فرج) الشق، وهي في الأصل كلمة قيلت تكنية عن قبل المرأة والرجل، ودبر المرأة والرجل، فكانت بذلك كناية فقط، ولكن مع كثرة الاستعمال نُسيت الكناية وأصبحت تعتبر تعريفاً أصلياً للعورتين والسوءتين.
وقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] معناه: أنهم يحفظون فروجهم عن الحرام، وكما وصفهم الله تعالى في غير ما سورة فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] حفظ الرجال والنساء الفروج عن الحرام، أما على الزوجة والأمة فلا يلام الزوج في زوجته ولا يلام السيد في أمته، ولا تلام الزوجة في زوجها؛ ذاك شيء جعله الله سنة البشرية، سنة الأنبياء والرسل منذ أبينا الأول آدم إلى أبينا المباشر، وبذلك نشر الله تعالى خلقه وعباده من أبناء آدم وحواء، فتناسلوا وكثُرت الذرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
стр. 1403
معنى قوله تعالى: (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات)
قال الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
الذكر يكون باللسان، بأن تقول: لا إله إلا الله، قال ﷺ : (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله).
والذكر يكون بالجنان والقلب، بأن تتذكر قدرة الله، وتتساءل في نفسك وأنت صامت: من الذي خلق هذه السماوات العلا؟ من الذي خلق هذه الأراضي جبالاً ووهاداً وبحاراً، أشجاراً وغابات وصحاري؟ فتجد نفسك تقول: الإنسان والملائكة والجن مخلوقون لا يستطيعون، فتقول في نفسك: الخالق هو الله المستحق للعبادة.
هذا هو الذكر بالجنان والذكر باللسان.
ويشمل الذكر جميع وأنواع العبادات، فالمصلي ذاكر، والصائم ذاكر، والحاج ذاكر، والطائف ذاكر، والمزكي ذاكر، ذكر أمر الله في عبادته فامتثل أمره وقام بها، ففعل الطاعة ذكر، وترك المنكرات ذكر، وقد قال ﵊: (إذا قام الرجل ليلاً أو قامت المرأة ليلاً فأيقظ أحدهما الآخر فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين والذاكرات).
قال تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
هؤلاء المجموعة من النساء والرجال من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات إلى آخره، أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم، وأجراً عظيماً يوم القيامة بدخول الجنان التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
стр. 1404
تفسير سورة الأحزاب [٣٦ - ٣٧]
إذا قضى الله ورسوله أمراً فالواجب على المؤمنين أن يلتزموه ويعملوا به ولا يخالفوا فيه ولا يختاروا، وقد وقع ما وقع في قضية زواج سيدنا زيد بن حارثة بزينب بنت جحش ﵂، حيث انتهى الأمر بطلاقها منه وزواجها من رسول الله ﷺ .
стр. 1405
تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦].
أي: لا ينبغي ولا يليق بأي مؤمن وأي مؤمنة إذا قضى الله في كتابه قضاءً وأمر أمراً ونهى نهياً، وإذا قضى رسوله أمراً أو نهياً، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
أي: لا خيرة لأحد في أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
فلا يليق ولا ينبغي بكل مؤمن ومؤمنة أن يكون لهم اختيار في جميع أمورهم؛ فالأمر أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، ومن يخالف ذلك ويخرج عنه فما جزاؤه؟ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
أي: من خرج عن أمر الله فأحل حراماً أو حرم حلالاً، أو زاد شيئاً في شرع الله، أو حاول أن يحذف شيئاً من شرع الله، بأن يلغي قوانين الإسلام ويعمل بقوانين الكفر، بحجة أن قانون الإسلام قد كان يصلح زماناً قد مضى، وهو اليوم لم يعد يصلح؛ لأنه يخالف الحضارة والعصر والزمن، فإن من فعل ذلك يكون كافراً عاصياً لله وعاصياً لرسول الله، وضالاً عن الحق ضلالاً مبيناً بيناً واضحاً، لا يخفى على ذي فطرة سليمة، ولا يخفى على مؤمن.
وقد يفعل ذلك معصية لا تحدياً فيكون مع ذلك ضالاً فاسقاً، يعني: لا يزال مسلماً مع الفسق والضلال والجهالة البينة.
فهذه الآية الكريمة تعم كل المؤمنين والمؤمنات في العصر النبوي، وما جاء بعد العصر النبوي وإلى عصرنا وإلى يوم القيامة، فكل من حاول أن يخرج عن أمر الله وأمر رسوله، وأن يختار لنفسه غير ما اختاره الله له، ضارباً بخيرة الله عرض الحائط، كان ضالاً ضلالاً بيناً ظاهراً، وعاصياً لله ولرسوله.
وقرئ في القراءت السبع: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [الأحزاب:٣٦] بالتاء لا بالياء، وهي هكذا ينبغي أن تكون لو لم يفصل بين تكون وبين الخيرة بكلمة، أما إذا فصلت بكلمة فصح أن يقول: (أن يكون لهم الخيرة) وقرئ: (الخيْرَة)، والكل بمعنى واحد.
стр. 1406
سبب نزول قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً)
سبب نزول هذه الآية الكريمة ما يروى في السنن وغيرها: (أن النبي ﷺ ذهب يخطب زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته، فقالت: حباً وكرامة ونعما، فقال: ليس لي ولكن لمولاي زيد بن حارثة، فقالت هي: ألم يجد رسول الله ﷺ لابنة عمته الحسيبة النسيبة القرشية إلا مولى، وقال أخوها مثل ذلك، فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٦]) الآية.
يعني: ليس لمؤمن وليس لمؤمنة ولا ينبغي ولا يليق أن يكون لهم مع أمر الله اختياراً، فعندما نزلت الآية قالت: (سمعاً وطاعة لرسول الله، فليزوجني رسول الله ﷺ لمن شاء).
وقالوا: بعد أن طلقت زينب منه أراد النبي ﷺ أن يزوجه عقيلة من عقائل قريش، فتلك أسدية قرشية ابنة سيد العرب قبل الإسلام من قبل أمها عبد المطلب، وهذه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط كانت من السابقات للإسلام، وأول مهاجرة من مكة إلى المدينة، وكان أبوها عدو الله وعدو رسول الله ﵊، وطالما آذاه وألب الناس عليه، خرج أبوها مع الكفار لقتال رسول الله ﷺ وأصحابه في غزوة بدر فوقع أسيراً، فكان ممن قتله ﷺ صبراً، فعندما قال: (لمن تترك الصبية يا محمد؟ قال: للنار)، وكان لـ عقبة صبية فأراد أن يرحمه رسول الله ﷺ بهم، ونسي خبثه وسبابه وشتائمه وتحريضه على رسول الله ﷺ .
فعندما خطب النبي ﷺ أم كلثوم بنت عقبة قالت: إن كان لك فنعم؟ ووهبت نفسها من قبل للنبي ﵊، فقال: (أريد أن أنكحك مولاي زيداً، قالت: ألم تجد من تزوجني إياه إلا عبدك؟ فنزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، فقالت: بلى رضيت يا رسول الله).
وقيل في ذلك سبب آخر: وهو أن أحد الصحابة واسمه جليبيب كان إلى الحاجة وإلى المسكنة أقرب، فخطب له رسول الله ﷺ كريمة من كرائم الأنصار، فقالت أمها وقال أهلها: رضينا يا رسول الله، فقال: ليس لي ولكن لـ جليبيب، فقالت الأم للأب: أتزوج ابنتنا لـ جليبيب وقد رددنا فلاناً وفلاناً من كرام القوم وكبارهم؟ وإذا بالبنت المخطوبة تسمع هذا وكانت في خدرها فنادت أمها وأباها وقالت: أتردان على رسول الله ﷺ أمراً، زوجوني لمن أمر رسول الله ﷺ ، والله لا يضيعني ما دامت الخيرة من رسول الله في جليبيب فتزوجت به، فما هو إلا زمن حتى حضرت غزوة من الغزوات، فخرج جليبيب مجاهداً مقاتلاً، واستشهد جليبيب وفي نهاية المعركة قال نبي الله ﵊: ابحثوا من افتقدتم؟ فقالوا: فلاناً وفلاناً وفلاناً، قال: ولكنني لا أرى جليبيباً ابحثوا عنه بين القتلى، فوجدوه، وإذا بالنبي ﵊ يترحم عليه ويضعه بين ساعديه حتى جهزوا له قبراً فدفنه بيديه الشريفتين ﷺ ، بلا غسل ولا صلاة شأن شهداء المعركة.
الشهداء تشهدهم الملائكة ويتولون أمرهم عن البشر، فدعا النبي ﵊ لزوجته: أن يصب عليها المال صباً، وأن يودها الناس ويخطبوها، وإذا بشباب الأنصار والمهاجرين يتسابقون ويتبارون أيهم تكون من حصته ومن نصيبه، فتزوجت شاباً كريماً ذا وجاهة وكفاية وغنىً، وعاشت في رغد من العيش، كما دعا لها رسول الله ﷺ ؛ لأنها اختارت أمر الله ورسوله.
إذاً: كانت هذه الأمور الثلاثة سبباً لنزول هذه الآية الكريمة، وذلك للعلم فقط، وإلا فالآية تعم السابق واللاحق إلى يوم القيامة، فإذا اختار الله أمراً واختار رسوله أمراً فلا يليق ولا ينبغي ولا يجوز لأي مؤمن ومؤمنة أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يفعل ويقدم خيرته ورأيه على أمر الله وأمر رسوله يكون عاصياً لله وعاصياً لرسوله، ويكون قد ضل الطريق السوي ضلالاً ظاهراً بيناً واضحاً.
стр. 1407
تفسير قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب:٣٧].
هذه الآية الكريمة أشير لها في أول سورة الأحزاب، وهنا بينت ووضحت وذكر فيها اسم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﵊، وعاتب الله نبيه على أن أخفى شيئاً أخبره الله به، وسيكون بعد ذلك ظاهراً وواضحاً.
стр. 1408
إبطال التبني في الإسلام
يقول تعالى لنبيه: (وإذا تقول للذي أنعم الله عليه) أي: أنعم الله عليه بالإسلام فخرج من الكفر إلى الإيمان، ومن الضلال إلى الهداية.
وقوله: (وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ) أي: أنعمت عليه بالحرية والعتق بعد أن كان عبداً رقيقاً.
وذلك أن رسول ﵊ عندما تزوج خديجة أم المؤمنين رضوان الله عليها، كان زيد بن حارثة طفلاً رقيقاً لديها، وعندما رآه النبي ﵊ أعجب بذكائه وفطنته وطاعته ومحبته لرسول الله ﵊، فوهبته خديجة لزوجها ﵊ قبل الإسلام.
وكان زيد بن حارثة عربياً أخذ أسيراً في إحدى الغزوات، وبيع في أسواق مكة، وإذا بأبيه في يوم من الأيام يأتي ومعه عمه يبحثان عن ولدهما في أسواق وقرى ومدن وصحاري الجزيرة، إلى أن رآه أبوه وعمه وألقي في روعهما أنه ولدهما، فوقفا عليه يسألانه: من أنت يا غلام؟ قال: أنا زيد، فقالا: من أبوك؟ قال: حارثة، قالا: عند من أنت؟ قال: عند محمد بن عبد المطلب، قالا: أرقيق أنت أم حر؟ قال: بل رقيق.
قال أبوه: أنا أبوك وهذا عمك، وضماه إليه يقبلانه ويشمانه شأن الوالد الذي يفارق ولده لسنوات ويصبح عبداً رقيقاً.
وذهبا معه إلى النبي ﷺ فقالا: يا ابن عبد المطلب تكرم علينا أكرمك الله هذا ولدنا، طالما بكت أمه عليه، وطالما حزنا عليه، ونحن الآن وجدناه عندك، وأنت بالخيار بين أن تأخذ ثمنه بما تريد وبين أن تعتقه لله، قال: سلوه إن اختاركم فهو لكم، وإذا بهما يجزمان بأنه لا يترك أباه وعمه ويبقى رقيقاً عند مولاه، فقالا له ذلك، فقال: لا أختار على مولاي محمد أحداً، فعجبا واستغربا وقالا: أتفضل الرق والعبودية على الحرية وعلى أبويك؟! قال: نعم إذا كان مولاي هو محمد فأنا أفضل ذلك.
وإذا بالنبي ﵊ يجازيه ويشكره على ذلك فقال: اشهدوا بأني أرثه ويرثني، وأنه من اليوم ابني، فأصبح يقال له: زيد بن محمد، وأصبح يعرف بابن محمد ﵊، وكانت العادة في المتبنى أن يكون كابن الصلب في كل شيء.
في الإرث يرث أباه المتبني، ويرثه أبوه المتبني، ويكون واحداً من الأسرة كالابن من الصلب.
والتبني من عادات وتقاليد العرب كلها، وهذا العمل عادت إليه شعوب ودول من المسلمين، فعصوا أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، وكانوا ضالين ضلالاً مبيناً.
والرسول ﷺ إنما فعله قبل النبوة والرسالة على عادة قومه، فرسول الله وخاتم الرسل والأنبياء تبني زيداً، وإذا بالله يريد أن يبطل هذه العادة على أنها زور من القول، وعلى أنها لا أصل لها ولا حقيقة ولا صحة، فأراد الله ﷻ أن يجعل النبي ﵊ هو أول من يبطل هذا التبني، لا بالقول فقط، بل بالفعل، فيطلق زيد زوجته ويتزوجها رسول الله ﵊ كأرملة مطلقة لرجل أجنبي لا صلة له به ولا محرمية لا من نسب ولا من صهر.
وكان هذا الأمر شديداً على رسول الله ﵊، وأخبر الله النبي ﵊ أن زيد بن حارثة سيطلق زوجته زينب بنت جحش وستتزوجها بعده؛ ليكون هذا الزواج هو الإبطال العملي للتبني؛ لأن كل متبنى ليس ولداً حقيقاً، وإنما الولد هو ولد الصلب.
أما غير ذلك فلا حكم له وهو مردود.
فالنبي ﵊ عندما أخبر بذلك من الله ﷻ عظم عليه الأمر، وعلم بأن المنافقين والكفار سيكثرون فيه القالة والطعن والشتيمة، سيقولون: طمع في زوجة ولده حتى طلقها له وأخذها هو، فقال الله له: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧].
وزينب بنت جحش عندما تزوجت زيد بن حارثة تزوجته تزوج الحر للرقيق، فكانت تتعالى عليه وتتعاظم عليه، وكانت تعتبر نفسها من أعلى الدرجات، لقربها من رسول الله ﵊، وأن زيداً ليس إلا رقيقاً ومولى أعتق بعد ذلك، وهو على كل حال مولى بعد عتقه، كما هو معلوم.
فكانت تشتم زيداً وتطيل لسانها عليه، وكانت تهرب من فراشه، فكان زيد يأتي إلى رسول الله ﵊ ويشتكيها إليه؛ لأنه هو الذي زوجه بها، فكان النبي ﵊ يقول له: (أمسك عليك زوجك) لا تطلقها (واتق الله) فيها فالنساء هكذا.
وكان يسأله: هل رابك منها شيء؟ فقال: معاذ الله يا رسول الله، هي في منتهى الدين، ومنتهى التقوى والصلاح، ولكنني لم أصبر على لسانها وتعاليها وتعاظمها علي.
مع أن زيداً كان ذا شأن كبير، ولعله أفضل عند رسول الله وأحب منها، كان يقال له: حب رسول الله ﷺ ، أي: محبوب رسول الله، وكان يقال عن ولده أسامة بن زيد: الحب بن الحب، وكان عند رسول الله ﷺ في الدرجة العليا، كما في الصحاح عن النبي ﵊ أن علياً والعباس سألاه فقالا: (يا رسول الله من أحب أهلك إليك؟ قال: فاطمة، قالا: لسنا نقصد فاطمة، من أحب أهلك إليك من الرجال؟ فقال: أسامة).
قال هذا لعمه العباس ولصهره زوج ابنته وأبي أولاده الحسن والحسين، وقاله لمن انفرد من الصحابة بكرم الله وجهه؛ حيث لم يسجد لصنم قط، هذه كانت رتبة زيد عند رسول الله ﷺ ، وحتى عندما ارتفعت البنوة وسمي باسمه زيد بن حارثة كان ذا مكانة خاصة عند رسول الله ﵊، وعندما ولد له ولده أسامة كان يضعه رسول الله ﷺ وهو طفل على فخذه ويمسح أنفه ويقول لـ عائشة وهي ترى ذلك: (لو كان أسامة بنتاً لقرطتها ولقلدتها) أي: لجعلت لها قلادة ولجعلت لها أقراطاً.
إذاً: كانت زينب بنت جحش تتعالى على زيد بن حارثة وتشتمه، كانت تفر من فراشه، فكان يأتي ويشتكي منها لرسول الله ﵊ فيقول له: (أمسك عليك زوجك لا تطلقها، واتق الله فيها) فعاتب الله نبيه لما قال لمولاه ذلك وهو يعلم بأن الله أخبره بأن زيداً سيطلقها، أي: فدعه يطلقها وأنت ستتزوجها بعده، فلم تقول هذا لشيء تعلمه من قبل؟! وقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧].
أي: تخفي في نفسك يا محمد ما الله مبديه، أخفى أن زيد بن حارثة سيطلق زينب بنت جحش ويتزوجها بعده، وأن هذا تنزيل الله وسيكشفه وسيعلنه؛ ليكون رسول الله ﷺ الأسوة لكل من تبنى ولداً؛ ليزول أثر التبني بالقول واللسان، ويبقى الولد هو ولد الصلب وما سوى ذلك فباطل.
أما أبوة الاحترام فلا كلام عليها هنا؛ لأننا ذكرنا أن ابن عباس وزيد بن ثابت قرأا وتليا الآية الكريمة: ((وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم))، فهذه الأبوة أبوة احترام وتعظيم من قبل المسلمين، وأبوة علو ورحمة وعناية ورعاية من قبل رسول الله ﵊ للمؤمنين، لا الأبوة التي هي للولد من الصلب.
كذلك أمومة أمهات المؤمنين للمسلمين ليست كأمومة الأم من الرحم، ولكنها أمومة احترام تقدير، الأمومة التي بها يحرم زواجهن بعد رسول الله ﵊ من الرجال، ومع ذلك حرم الله ﷻ على المؤمنين رؤيتهن إلا للمحارم المباشرين، بل وحرم عليهن أن يتكلمن وهن من وراء حجاب بلين وتكسر في الصوت كما ذكرنا.
والذي نفاه الله هنا هي الأبوة الحقيقية من النبي ﵊ لـ زيد، وترك أثرها ومردودها، وذلك بأن يتزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش بعد طلاق زيد لها، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالحرية وبالمحبة وبالدلال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، تخفي الزواج بها بعد طلاقه، والله سيبدي ذلك ويظهره: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧]، تخاف الناس وتستحي من الناس، والله أحق أن تستحيي منه وأن تخافه وتخشاه وهو الآمر لك.
قالت عائشة: (لو كان رسول الله ﷺ مخفياً شيئاً من القرآن لأخفى هذه الآية)، فالله عاتب نبيه وأنبه بأنك تخشى الناس في إعلان أنك ستتزوج مطلقة زيد الذي زعمت أنه ابنك يوماً وليس كذلك، والله مظهر ذلك ومبديه، وأنت تخشى عشيرتك وقومك وتخاف أعداءك المنافقين أن يقولوا عنك: تزوجت امرأة ولدك، ورغبت في الزواج بامرأة ولدك، هذه الخشية لا محل لها، كان يجب أن تخشى الله الذي أمرك بفعل ذلك، كان يجب أن تخاف الله وتستحيي منه، هذه كانت صورة نازلة وإلا فالنبي ﵊ كما أخبر عن نفسه قال: (إني لأخشاكم إلى الله، وأكثركم خوفاً منه)، ولكن هذا من باب العتاب والعناية به ﷺ .
جاءني مرة رجل يطرق بابي وأنا في الساعة الثانية ليلاً وهو يبكي والقرآن بيده ويقول لي عن مثل هذه الآية وعن أمثالها: لقد أكثر الله على نبينا، فقلت له: اسكت يا فضولي، اتق الله في دينك، ألا تقولون في أمثالكم الشامية الدارجة: (ضرب الحبيب زبيب) أي: أن الحبيب مهما ضرب حبيبه بحجر فلن يكون ذلك
стр. 1409
إبطال الروايات الإسرائيلية في معنى قوله تعالى: (وتخفي في نفسك ما الله مبديه)
هناك خزعبلات وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان، هي إسرائيليات رويت عن اليهود، والقصد منها التعرض لمقام النبوة وشتم النبي ﵊، كعادتهم مع أنبيائهم عندما حرفوا التوراة وحرفوا الإنجيل فملئوهما شتائم وقذفاً في رسلهم، بما لا يفعله المؤمن منا أبداً؛ لأن الأنبياء عندنا مقدسون محترمون، ومن يسب نبياً فهو كمن سب جميع الأنبياء، وجزاؤه القتل، وقد يوصله ذلك إلى الكفر والردة.
وذكر ذلك في غير ما تفسير على عادة الكثيرين من المفسرين، ولكن العالم المفسر المربي يجب أن يختار مما يرويه من الكتب وما يهمله، لقد قال ﵊: (ناقل الكذب أحد الكاذبين)، وقال ﵊: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع).
فكثيراً ما نسمع ضلالات وقذفاً في صالحين، كما حدث ممن قذف عائشة أكرمها الله وبرأها من فوق سبع سماوات فجلدوا حد القذف، وهؤلاء قالوا عن رسول الله ﵊، ولولا أني أعلم أن هذا ذكر في الكثير من التفاسير لما ذكرته، ولعل بعضكم سمعه أو اطلع عليه فكان لا بد هنا من نفيه النفي القاطع؛ قالوا: طرق النبي ﵊ باب زيد، وإذا به يرى زوجه زينب فكبرت في صدره، وقال: سبحان الله مقلب القلوب.
وزعموا أن زينب سمعت ذلك وشعرت بأنها ملأت قلب النبي ﵊، وجاء زيد فبلغته، وإذا بـ زيد يصرف النظر عنها ويأتي إلى رسول الله ﵊ ويقول: أريد فراقها، فقال له النبي ﵊: (أمسك عليك زوجك واتق الله)، وكان بعد ذلك أن طلقها زيد وتزوجها النبي ﷺ .
وهذا كذب يكذبه سياق الآية ويكذبه الواقع النبوي؛ لأنه لو أراد نبي الله ﵊ أن يتزوجها لتزوجها من قبل، فهي ابنة عمته وكانت ترغب فيه، وهي عندما طلبها لمولاه امتنعت كما امتنع أهلها، فما الحاجة بأن يتزوجها زيد ليطلقها بعد ذلك ويتزوجها هو ﵊؟! كان يعرفها قبل أن يعرفها زيد أو أن يسمع بها.
وقول الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، ما الذي أبداه الله؟ أبدى الزواج بها، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]، هل زوجناكها لحبك ولغرامك ولرؤيتك لها؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، أي: السبب في ذلك لكي يزول هذا الحكم الباطل، وهذه البنوة الباطلة، وهذا الأثر الذي لا يكفي فيه القول، بل لا بد من العمل والتمثيل، وكان لا بد أن يكون هذا من النبي الأسوة الأعظم ﵊؛ ليأتسي به أتباعه والمؤمنون من أنصاره والمهاجرين.
فقوله: ((ما الله مبديه))، الذي أبداه الله هو الزواج بها ولم يبد سوى ذلك.
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧]، ما الذي خشي واستحيا منه؟ هو الزواج بها؛ لا أنه رآها ولا أنها عظمت في عينه ولا أنه كذا وسياق الآية من البداية إلى النهاية هذا معناه، وهو الذي يتناسب مع المقام النبوي من العصمة النبوية وجلالة رسول الله ﵊ وتقواه.
стр. 1410
تفسير سورة الأحزاب [٤٠ - ٤٦]
سيدنا محمد رسول الله ﷺ لم يكن أباً لأحد من الرجال، وقد أبطل تبنيه لزيد بن حارثة قولاً وفعلاً حين تزوج زينب بنت جحش التي كانت زوجة لزيد، والله تعالى يأمر المؤمنين أن يكثروا من ذكره وتسبيحه، فإن الذكر زاد القلوب والأرواح، وبه يستحق العبد أن يذكره الله ويصلي عليه هو وملائكته.
стр. 1411
تفسير قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم)
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠].
بعد أن أبطل الله تعالى التبني الذي كان قبل الإسلام وكان ممن فعله رسول الله ﵊، فأبطله بالقول وأبطله بفعل رسول الله ﷺ فقال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥]، وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٥].
والله ﷻ أمر نبينا ﵊ بعد أن أبطل بنوة زيد، وطلق زوجته أن يتزوج زينب؛ لكي يكون إبطال البنوة أمراً إلهياً عملياً، فكان عملاً نبوياً.
فأكد الله ذلك في هذه الآية الكريمة فقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠].
أي: لم يكن محمد ﷺ أباً لأحد من الرجال، فلم يكن أباً لـ زيد ولا لغير زيد من الرجال، وإنما كان أباً لمثل القاسم والطيب، والطاهر، والحسن، والحسين وكانوا جميعاً أطفالاً، فالثلاثة الأولاد الذين من صلب النبي ﷺ : القاسم، والطيب، والطاهر ماتوا أطفالاً فلم يبلغوا الحلم؛ أما والداه الحسن والحسين فهما ولدا بنته وهما سبطاه، فقد قال عن الحسن: (إن ابني هذا سيد) ولكن مع ذلك مات ﵊ وهما صغيران، وإنما كبرا بعد ذلك.
وإنما نفى في عصر زيد وفي الوقت الذي نزلت فيه هذه الآية أن يكون أباً لرجل، والآية من سورة الأحزاب التي لا نزال ندرسها وهي سورة مدنية، وغزوة الأحزاب التي كانت مناط هذه السورة كانت في السنة الخامسة من الهجرة، أي: نزلت هذه السورة الكريمة في السنة الخامسة من الهجرة.
والنبي ﵊ مات في بداية السنة الحادية عشرة من الهجرة، فكان الحسن والحسين لا يزالان في الطفولة لم يصلا حد المراهقة.
فلم يكن محمد ﷺ أباً لـ زيد، هذا هو المقصود من الآية، وأن زيداً يدعى لأبيه، فإن لم تعلموا أباه فادعوه بالأخوة الإسلامية، وبأنه مولى الإسلام، وهكذا كان سالم الذي تبناه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة لا يعرف له أب.
فعندما أبطلت البنوة قيل عنه: سالم مولى أبي حذيفة ودعي زيد بن حارثة باسم أبيه؛ لأنه كان معروفاً، فأصبح يعرف بـ زيد بن حارثة.
قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠].
ولكنه كان منذ أرسل ونادى في هذه البطاح المقدسة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة هو رسول الله وخاتم رسله وأنبيائه أرسل للناس كافة عربها وعجمها، من عاصروه ومن سيأتون بعده وإلى يوم القيامة.
стр. 1412
نهاية كل من ادعى النبوة بعد محمد ﷺ
إن كون النبي ﷺ خاتم الأنبياء، أي: طبع فكان خاتمهم، لا نبي بعده، وإذا نفى الله النبوة فقد انتفت الرسالة؛ لأن كل رسول نبي وليس العكس.
والنبي من أوحي إليه بالشرع ولم يؤمر بتبليغه.
والرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بالتبليغ، وهو لن يكون رسولاً حتى يكون نبياً، فإذا انتفت النبوة الخاتمة عن غير رسول الله ﷺ فمن باب أولى ختمت الرسالة كذلك به، فلا نبي ولا رسول.
هذا مما أجمع عليه المسلمون ولم يتنازع فيه مسلمان، ومن خرج عنه كان كافراً مرتداً حلال الدم، فمن العقيدة الرئيسية التي يجب أن يؤمن بها كل مسلم وكل إنسان أراد الدخول في الإسلام أن محمداً رسول الله أن يشهد أنه خاتم الأنبياء والرسل، وكل من ادعى النبوة بعده أو الرسالة بعده فهو ضال مضل كاذب فاجر كافر حلال الدم.
وقد ادعى مسيلمة الكذاب النبوة في الحياة النبوية، وكذبه حاله وسيرته وأضاليله وأباطيله، ثم قضي عليه أيام خلافة أبي بكر، وادعى الأسود العنسي النبوة قبل الوفاة النبوية فقاتله أهل اليمن فهلك كافراً.
ومن المعجزات التي شهدناها بعد مرور ألف وأربعمائة عام على الإسلام أنه لم يدع النبوة أحد خلال هذه القرون الأربعة عشر، ومن ادعاها كذبته حاله، وأتى بسخيف من القول والعمل، وعلم الحاضر والغائب من أتى بعده بأنه ضال مضل، ومن ذلك منذ ثمانين سنة في بداية هذا القرن ادعى دجال هندي الذي سمى نفسه غلام أحمد أي: عبد أحمد، فكان عبد الشيطان وكان عبد الإنجليز وكان جاسوساً خبيثاً لعيناً، ادعى أولاً أنه مجدد، ثم ادعى بعد ذلك أنه نبي، ثم ادعى بعد ذلك الألوهية، ووضع لنفسه خزعبلات وكلاماً مضحكاً سخيفاً سماه قرآنه وكتابه، ومع ذلك وجد من الناس قلة آمنت به ولا تزال، ولم يوجد إمام حاكم في الهند يؤدبه وأتباعه، فيفصل جسده عن رأسه هو وكل من آمن به واعتقد نبوته.
وفعلت دولتنا هنا حسناً عندما منعت هؤلاء الأخباث القاديانيين بقرار من رابطة العالم الإسلامي كما يمنع الكفار من الدخول لمكة والمدينة، وكانوا قبل يأتون ويزعمون الإسلام ويحجون، وهم ليس لهم دين ولا حج ولا صلاة، وإنما هم كفرة ودجالون ضالون.
وفي هذه القرون الأربعة عشر كل من ادعى فيها النبوة وهم قلة معدودة على الأصابع كشفوا وافتضحوا في حياتهم؛ لأنهم كذبة فجرة، فكان ﵊ هو النبي الخاتم والرسول الخاتم، وهذا مما علم من الدين بالضرورة، وكل من اعتقد خلاف ذلك يعتبر كافراً مرتداً حلال الدم، هذا نص القرآن ونص رسول الله ﷺ ، وقد تجاوزت حد التواتر عن جماهير من الأصحاب رضوان الله عليهم، وكمل ذلك وأتمه إجماع المسلمين بجميع فرقهم على ذلك، من عهد الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إلى يومنا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فعن أنس بن مالك، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة الدوسي وعن جماهير من الصحابة قالوا: قال ﵊: (إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي كقصور بنيت فأتم بانوها بناءها وأحسنوا وأتقنوا، إلا موضع لبنة، فدخل الناس ينظرون في هذه القصور، فقالوا: ما أجملها وما أتقنها إلا مكان هذه اللبنة، قال ﵊: فكنت أنا تلك اللبنة).
فبه تم الأنبياء وختم المرسلون، وأرسل النبي ﵊ علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري أميرين على اليمن وقال لهما: (بشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا، فإني أرسلت مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله وخاتم النبيين).
وقال ﵊: (لا نبي بعدي ولا رسول).
وقال ﵊: (إني لخاتم الأنبياء عند الله وآدم لا يزال منجدلاً في طينته)، أي: كان في علم الله الأزلي أن محمداً سيظهر وهو آخر الأنبياء والرسل، وآدم لم ينفخ فيه الروح، بل كان لا يزال هيكلاً من تراب مطروحاً على الأرض، بقي مدة أربعين عاماً قبل أن ينفخ الله فيه من روحه، وقبل أن يقول له: كن بشراً فكان، ونبوة النبي ﵊ خاتمة ورسالته خاتمة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.
وقال ﵊: (خصصت بصفة، كان الناس قبلي يبعثون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس عامة، وكنت خاتم الأنبياء والمرسلين) وهذه الخصائص النبوية قد تجاوزت المائتين جمعها الإمام السيوطي في كتابه (الخصائص) في مجلدين.
فقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] أي: لا رسول إلا بعد أن يكون نبياً، فكونه لا نبي بعده أي: لا رسول كذلك، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً؛ لأن النبي قد يكون كلف بشرع وأوحي إليه به ولم يؤمر بالتبليغ، كإسحاق ابن إبراهيم أبي النبي وأبي الأنبياء وأبي العرب عليه وعليهم جميعاً صلاة الله وسلامه.
فكان إسماعيل وهو جد النبي الأعلى نبياً رسولاً، وكان إسحاق نبياً فقط ولم يؤمر بالتبليغ، وهو جد أنبياء بني إسرائيل، أما إبراهيم الذي حاول أحفاد القردة والخنازير أن ينتسبوا إليه، ويقولون عنه: قال لنا وقال عنا وأمر بنا.
وقد قال الله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران:٦٧]، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] وشريعتنا تعتبر تجديداً لشريعة إبراهيم في الأصل وفي السماحة وفي اليسر، مع ما كلف الله به خاتم أنبيائه من تمامها، لتصلح لكل عربي وعجمي من عاصره ومن أتى بعده وإلى يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٠] أي: كان الله عليماً بمحمد قبل أن يخلقه، وبآدم قبل أن يصنعه، وبالناس برهم وفاجرهم، كان الله ﷻ عليماً بكل شيء، الخالق لكل شيء، المعلم لرسله ولأنبيائه ما يهدون به أنفسهم وأتباعهم من المؤمنين الموحدين.
стр. 1413
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١].
هذه الآية كالآية السابقة في تعداد المؤمنين والمؤمنات وصفاتهم الصالحة نساء ورجالاً، في ذلك النسق المتسلسل الذي ختمه الله في تلك الآية المطولة بقوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، وهنا دعا الله المؤمنين وناداهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١]، أي: يا من آمن بالله الواحد وآمن بمحمد خاتم النبيين، ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١].
وذكر الله يكون باللسان والجنان والأركان، فالصلاة ذكر والصيام ذكر، والحج ذكر، والتفكر والاعتبار بالقلب ذكر، والنطق باللسان ذكر، وهكذا الذكر يكون بكل خلايا الإنسان وبكل حواسه قال عبد الله بن عباس حبر الأمة ﵄: إن الله أمر أوامره فجعل لها حدوداً وأوقات، أمر بالحج وحدد له زمناً، وأمر بالصيام وحدد له وقتاً، وأمر بالصلاة وحدد لها أوقاتاً، إلا الذكر فلم يحد له حداً، قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣]، أي: اذكروا الله براً وبحراً، واذكروا الله حضراً وسفراً، واذكروا الله في اليقظة وعند النوم، واذكروا الله في الصحة والمرض، واذكروا الله عند الغنى والفقر، واذكروا الله تعالى في الكبر والصغر وفي جميع الأحوال.
فلم يحد له زمناً ولا وقتاً ولا عذر لتاركه، لكن عذر المصلي فأذن له إن عجز أن يصلي جالساً، الحاج إن لم يجد زاداً وراحلة فعذره في تأجيل الحج، وعذر الفطر في الصيام للمريض والحائض والنفساء على أن يؤجلوا ذلك ويرجئوه، أما الذكر لم يعذر فيه أحد إلا من غاب عقله، وإلا فمن عجز باللسان ذكر الله بالقلب، ومن عجز في وقت من الأوقات فالأوقات كثيرة في الحضر والسفر، وعلى ذلك فالذكر يكون في جميع الأحوال.
وتذكر السيرة النبوية العطرة أن النبي ﷺ كان يذكر الله في جميع أحواله، وقد قال النبي ﵊: (اذكر الله حتى يقال إنك مجنون) أي: اذكر الله في نفسك واذكر الله في الملأ، واذكر الله سراً وجهراً.
стр. 1414
تفسير قوله تعالى: (وسبحوه بكرة وأصيلاً)
قال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٢].
أمرنا الله بذكره وبتسبيحه وبتمجيده وبتعظيمه في جميع الأحوال، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
وقال ﵊: (ألا أعلمكم بخير أموركم، وأرفعها عند ربكم، وأعلاها درجة في آخرتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، ومن أن تضربوا رقاب أعدائكم وأن يضربوكم؟ قالوا: بلى! قال: ذكر الله).
والقتال فيه ذكر الله كذلك؛ لأن المقاتل يقاتل وهو ذاكر، ويبذل حياته رخيصة إعلاء لكلمة الله، ودفاعاً عن المسلمين وعن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
وقال نبي الله ﵊: (إن المؤمن ستشتد حسرته يوم القيامة عندما ينسى ويترك ذكر الله في مجلس)، أو كما قال ﵊.
وفي الحديث القدسي: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه).
والمسلم إذا ذكر الله متدارساً كتابه وسنة نبيه بينه وبين إخوانه المسلمين يذكره الله في ملأ خير منه، يذكره بين الملائكة ومع الملائكة.
وذكر الله عبادة دائمة لا تحتاج إلى قبلة، ولا تحتاج إلى وضوء، ولا تحتاج إلى زمن، ولا يعجز عن ذلك مريض ولا مسافر ولا شيخ هرم ولا رجل ولا امرأة.
وقد كتب وخصص المؤلفات في الأذكار الإمام النسائي والإمام العمري والكثير منها مطبوع، وأجمعها وأكملها وأشملها كتاب (الأذكار) للإمام النووي.
فقوله: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١]، قال ﵊: (إذا أيقظ الرجل أو الزوجة أحدهما الآخر ليلاً فصليا ركعتين من الليل كتبا عند الله من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات).
قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٢].
التسبيح: هو التعظيم والتمجيد والذكر بصفة عامة، أي: اذكروا الله يا أيها المؤمنون! ومجدوه وعظموه ونزهوه عن المثلية في الذات والصفة والأفعال، وسبحوه صباحاً ومساء، وقالوا: يشمل الصباح صلاة الصبح إلى صلاة الظهر، والمساء من الظهر إلى العصر إلى المغرب إلى العشاء، وكل من صلى هذه الصلوات في أوقاتها بأركانها وواجباتها وسننها يكون قد ذكر الله كثيراً، ولكن الذكر لا وقت له كما قاله ابن عباس، والصلوات تنتهي بأوقاتها، ولا تعاد الصلوات إلا لحاجة أو ضرورة.
والذكر يشمل جميع أنواع العبادات، يشمل الذكر: لا إله إلا الله، والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
فقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٢]، الأصيل: العشي مفرد آصال، والبكرة بداية اليوم، وكما في الحديث (بورك لأمتي في بكورها) جمع بكرة.
والبركة في البكور والصباح وقت العبادة ووقت الذكر إلى شروق الشمس، فصلاة الضحى، ثم بعد ذلك يذهب كل إلى عمله، سواء كان يدوياً أو فكرياً أو أي شيء كان هذا العمل، وقد يكون العمل إذا كان لله ذكراً؛ لأن الله ورسوله ﷺ قد حضا على العمل الصالح، فالعمل الصالح هو ما صحبته نية صالحة، حتى إن سائلاً سأل النبي ﷺ فقال: (أيأتي أحدنا شهوته فيكون له بذلك أجر؟ قال له النبي ﵊: أرأيت لو وضعها في حرام هل يكون عليه وزر؟ قال: نعم، فقال ﵊: كذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).
وإذا صحبت النية المباحات تتحول إلى عبادات، فمن أكل ليقوى على ذكر الله، ومن سافر ليعتبر ويتفكر في خلق الله في مشارق الأرض ومغاربها يكون ذاكراً لله، وهكذا قل عن جميع أنواع العبادات.
стр. 1415
تفسير قوله تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته)
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
أي: اذكروا الذكر الكثير وكونوا مؤمنين، مسلمين، صادقين، صابرين، خاشعين، متصدقين، حافظين لفروجكم، ذاكرين الله كثيراً، وكل ذلك للرجال والنساء كما مضى.
فإذا كنتم من الذاكرين الله كثيراً، والمسبحين لله بكرة وأصيلاً، فإنه ينشأ عن ذلك أن يصلي عليكم الله ﷻ ، وأن تصلي عليكم ملائكة الله عليهم سلام الله.
وصلاة الله على عبده ذكره والثناء عليه بين ملائكته، كما في الحديث السابق: (من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) أي: أثنيت عليه وأشدت بذكره عند الملائكة.
وقيل: الصلاة على العبد الرحمة.
والمعنى واحد، فمن ذكره الله رحمه، ومن رحمه ذكره ولم ينسه، وأي درجة وأي مقام أسمى وأعظم للعبد المؤمن من أن يذكره الله ويثني عليه وأن يرحمه.
وصلاة الملائكة الدعاء والاستغفار للمؤمنين، فالملائكة تستغفر ربها أن يغفر للمؤمنين وأن يعفو عنهم، وأن يرضى عليهم، وأن يرحمهم، وأن يدخلهم الجنان، وأن يبتعد بهم عن النيران، فهذا جزاء الله ومكافأته لكل من أكثر من ذكره صباح مساء، ولكل من ذكره كثيراً في سره وعلانيته مع الناس ووحده، وفي الصحة والمرض، وفي الحضر والسفر، وفي البراري والأجواء والبحار، وفي كل الأحوال، كما كان ﵊ يذكر الله على كل أحواله.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب:٤٣].
ما صلى الله على عبد إلا ورحمه وأثنى عليه، وإذا رحمه وأثنى عليه أخرجه من ظلمات الكفر والجهل والشرك والشك والريب والضياع إلى نور التوحيد والإسلام والهداية، وإلى نور الحكمة والموعظة والاقتداء برسول الله خاتم الأنبياء ﷺ .
وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
كان رحيماً بمن آمن به إلهاً واحداً رازقاً لا ثاني له في ذات ولا صفات ولا أفعال، ورحيماً بمن آمن بأنبيائه جميعاً وبنبيه وخاتم أنبيائه محمد ﷺ .
وإذا رحم الله العبد أخرجه من الظلمات إلى النور وأدخله الجنان، وغفر ذنوبه ورفع درجاته، والله ﷻ أرحم بعباده من الوالد بولده، ولذلك أسرت امرأة في غزوة من غزوات الرسول ﷺ ، وإذا بهذه المرأة يراها النبي ﵊ والأصحاب رضوان الله عليهم ومعها رضيع تأخذه وتضمه إلى صدرها وترضعه وهي وجلة عليه خائفة، فقال النبي ﷺ : (أترون هذه تلقي وليدها في النار؟ قالوا: لا، قال: لله أرحم بعباده المؤمنين من هذه بولدها)، والحبيب لا يعذب حبيبه.
إذا رحم الله عبداً أحبه، إذا صلى عليه وأشاد بذكره عند ملائكته فقد أحبه، إذا استغفرت الملائكة للمؤمن فقد أحبته، ومن أحبه الله رحمه، ومن أحبه لا يدخله النار، زعم اليهود والنصارى كما قال ربنا في كتابه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، قال الله لنبيه: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨].
وقال النبي ﵊: (إن الحبيب لا يعذب حبيبه)، أي: لو كانوا أبناءه لكانوا أحبابه، ولو كانوا مؤمنين لأحبهم ولو أحبهم لما عذبهم، ولكنهم في العذاب خالدون، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
стр. 1416
تفسير قوله تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً)
قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤].
قوله: (تحيتهم) الضمير يعود للمؤمنين المذكورين في الآية السابقة، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] أي: تحية الله للمؤمنين يوم يدخلون الجنان سلام، يقول الله لهم: (سلام) أي: لكم السلام من الغضب ومن العذاب، ومن الخروج من الجنة ألبتة.
وقد فسر البعض قوله: (سلام) أي: تحية بعضهم لبعض سلام، ولكن الله تعالى قد أعاد هذا المعنى في سورة (يس) فقال: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، فالسلام من الله والسلام هو الله، وقد سلم سبحانه في الدنيا فيما بلغه النبي ﷺ على السيدة الأولى أم المؤمنين خديجة رضوان الله عليها، فقال لها رسول الله ﵊: (إن ربك ليبلغك السلام، ويبشرك بقصر في الجنة)، فكانت خديجة عارفة بالله، كيف لا وهي تربية بيت النبوة، وأم أولاد النبوة، والزوجة الأولى لرسول الله ﵊، فردت السلام فقالت: هو السلام وإليه السلام ومنه السلام.
فلم تقل كما يقول الناس لبعضهم: وعليكم السلام؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، فهو السلام ﷻ ومنه السلام، هو الذي يسلم عباده الصالحين من العذاب والخلود في النيران.
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤].
أي: أعد للمؤمنين يوم القيامة أجراً كريماً، والأجر هو الثواب والمكافأة والجزاء الكريم، وهو الخلود في الجنة أبداً، ولهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، هذه المعاني الكريمة الإلهية والنبوية هي التي استحقت أن توصف بكريمة من الله في كتابه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤].
стр. 1417
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
ها نحن نرى باستمرار أن الله لا ينادي خاتم أنبيائه إلا بلقب من نبي أو رسول، وعجيب أمر بعض الناس ممن لم يتأدبوا بأدب القرآن مع النبوة، فتجدهم يسمون النبي ﵊ محمداً دون صلاة ودون سلام، ودون تلقيبه بالنبوة والرسالة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
هذه صفات من صفات النبي ﷺ وأسماء من أسمائه صلى الله عليه وآله، وأسماؤه كثر فقد قال ﵊ كما في الصحاح: (أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي محا الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي لا نبي بعدي) أي: الذي يعقب الأنبياء، فهو خاتمهم، فلا نبي ولا رسول بعده.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب:٤٥]، يخاطب الله نبيه بأنه أرسله للناس شاهداً يشهد عليهم بالتوحيد إذا آمنوا، ويشهد عليهم بالكفر والمعصية إذا عصوا وكفروا، فجعله الله شهيداً عليهم في الخير والشر.
وقد أدى الرسالة كما أمره ربه، وفي حجة الوداع أشهد الحجاج وهم مائة وعشرون ألفاً فقال: (هل بلغت؟ هل بلغت؟ فيقولون: اللهم نعم، فيشير بسبابته إلى السماء: اللهم اشهد ثم يشير بها على من شهدوا بذلك).
وقوله: ((وَمُبَشِّرًا)) أي: يبشر المؤمنين بالجنة وبالرضا وبالرحمة.
وقوله: ((وَنَذِيرًا)) متوعداً بالنار لمن عصاه وكفر به وأشرك، وهو البشير النذير المبشر بالجنة للمؤمنين، والنذير بالنار للكافرين، والشاهد عليهم بالخير والشر.
قال تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، أي: داعياً يدعو الخلق إلى عبادة الله وتوحيده وطاعته، وإلى العمل بما أمر، وإلى ترك ما نهى عنه، يدعو إلى طاعة الله وطاعة نفسه ﷺ ، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله.
стр. 1418
تفسير سورة الأحزاب [٤٩]
شرع الله للمؤمنين إذا تزوجوا ثم طلقوا قبل الدخول أنه لا عدة على المرأة، وعلى الزوج أن يمتعها ويسرحها سراحاً جميلاً.
стр. 1419
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩].
هذه الآية وما بعدها من سورة الأحزاب هي سلسلة على نسق واحد في أحكام النكاح والزواج لعموم المؤمنين ولرسول الله ﷺ ، وآداب الأسرة والحفلات، والأدب مع رسول الله ﵊.
قال ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩].
النكاح جاء في لغة العرب بمعنى العقد وبمعنى الوطء وبمعناهما معاً، وجاء في القرآن بمعنى العقد والوطء مشتركين، وفي هذه الآية جاء صراحة بمعنى العقد فقط، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩] أي: إذا عقدتم عليهن بدليل قوله بعد: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فهو طلاق قبل الوطء فيبقى معنى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ﴾ [الأحزاب:٤٩] أي: إذا عقدتم على المؤمنات عقد زواج وعقد نكاح.
وذكر المؤمنات على الغالب، ويدخل فيها الكتابية الذمية التي هي تحت ذمة المسلمين وأحكامهم، ويخطئ من يفهم أن الكتابية المباح زواجها للمسلم هي الحربية التي ليست تحت حكم المسلمين ولا ذمتهم، فالكتابية من يهودية ونصرانية أُذن للمسلم الزواج بها وهي تحت ذمة المسلمين وأحكامهم، قال هذا ابن عمر، وقاله الواقع الذي يحرص على أن يكون أولاد المسلم مسلمين.
ونرى في عصرنا الكثير ممن أباح لنفسه الزواج بهؤلاء وكلهن حربيات، وكلهن لسن تحت الذمة ولا تحت أحكام المسلمين فيعرِّض أولاده للتهود والتنصر، وما أكثر ذلك في بقاع الأرض، تجد المسلم مسلماً وأولاده يعلِّقون الصلبان في أعناقهم ويذهبون للكنائس مع أمهم، ولا يجد قانوناً يحميه ولا بلداً يدافع عنه ويؤازره، وتلك المرأة بصلتها بدولتها وسلطانها تتسلط على زوجها المسلم.
стр. 1420
حكم طلاق غير المدخول بها
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩].
أي: يا أيها الذين آمنوا اعلموا أن هذا حكم من أحكام الله: وهو أن زوجاتكم اللاتي عقدتم عليهن ثم بدا لكم طلاقهن قبل المساس وقبل الجماع وقبل الدخول بهن فليس لكم حق في أن يعتددن لكم؛ لأن العدة في الأصل بالنسبة للمطلقة هي للاستبراء، من أن يكون في رحمها ماء للزوج المطلِّق، ولا يجوز أن يلتقي ماءان في رحم مسلمة، بل في رحم امرأة مزوجة مطلقاً، وبما أن هذه لم يدخل بها ولم توطأ فالماء لم يصل من زوجها المطلِّق الذي لم يمسها، فلا معنى إذاً للاعتداد، والعدة تكون للمطلقة ثلاثة قروء، أي: ثلاث حيضات؛ ليطمئن على أنها ليس في بطنها ورحمها جنين لهذا المطلِّق، إلا ما كان ممن مات عنها قبل أن يدخل بها، فعدة من مات عنها زوجها ليست للاستبراء بل هي حداد وحزن على الزوج الميت فرضه الله تعالى على الزوجة، وحرمه على غيرها أكثر من ثلاثة أيام، ولو كان الميت أباً أو أماً.
إذاً: المرأة التي تطلّق قبل الدخول بها وبعد العقد لا عدة عليها من الطلاق، فبإمكانها بمجرد الطلاق أن تتزوج بمن يرغب فيها وبمن شاءت، هذا أمر الله وحكمه في المطلقات قبل المساس بهن.
قال ابن عباس ﵄ وغيره من السلف ﵃ من صحابة وتابعين: بأن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح.
وهو مذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام أحمد بن حنبل وهو مذهب الجماهير قبلهم وبعدهم.
وبعض الناس تجده يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، والبعض يقول: إذا تزوج من المدينة الفلانية فكل زوجة يتزوجها منها فهي طالق، والبعض يتجاوز الحد ويقول: كل امرأة يتزوجها فهي طالق، فالآية الكريمة صريحة بأنه لا طلاق إلا بعد نكاح، فإذا لم يكن هناك عقد فلا طلاق، وقد بين ذلك نبي الله ﵊ ورويناه عن ثلاثة من الصحابة كما في مسند الإمام أحمد وفي سنن أبي داود وفي سنن الترمذي وسنن ابن ماجة عن المسور بن مخرمة وعن علي بن أبي طالب وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ قال: قال رسول الله ﵊: (لا طلاق لمن لم تملك، لا طلاق إلا بعد نكاح).
فكان النص صريحاً في كتاب الله وفي حديث رسول الله ﵊، ومع هذا وجد قلة من الأئمة ومنهم الإمام أبو حنيفة والإمام مالك قالا: من قال: إن فلانة وعينها إذا تزوجها أو عقد عليها فهي طالق، أو المدينة الفلانية أو الأسرة أو العشيرة إن تزوج منها فهي طالق! وزاد أبو حنيفة فقال: من قال: كل امرأة يتزوجها فهي طالق؛ لا يحل له النكاح ولا يجوز بعد ذلك أبداً، فهو قد طلّق كل نساء العالمين قبل الدخول بإحداهن.
وقال مالك: إن طلّق فأطلق ولم يعين مدينة أو عشيرة أو واحدة بعينها فالطلاق عبث لا أثر له، وذلك مبني على قاعدة أصولية عنده وعند غيره من الأئمة وهي: أن الأمر إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق.
فإذا ضيّق على نفسه وقال: كل امرأة يتزوجها فهي طالق فهذا الضيق ينتهي إلى سعة؛ لأنه حرّم ما أحل الله ولا يحل له ذلك، والزواج فرض عند الكثيرين من الأئمة لمن استطاعه بدناً، أما المال فيقول تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:٣٢] فليس الفقر عذراً لعدم الزواج.
قالوا: فإذا اتسع الأمر ضاق، فإذا قال: إذا عقد على فلانة فهي طالق، أو العشيرة أو القبيلة أو البلدة إن نكح منها فكل من ينكحها منها فهي طالق؛ هذا يكون قد وسّع على نفسه؛ لأن النساء غير من سمى كثيرات، والعشائر والأسر والقبائل والمدن غير من سمى كثيرة، فهو قد وسّع على نفسه، فضاق الأمر عليه من جهة واتسع من أخرى.
ولكن مع كل هذا فالآية صريحة، والأحاديث صريحة وقد صححها الأئمة الحفاظ ووردت عن ثلاثة من الأصحاب عن الخليفة الراشد علي وعن المسور بن مخرمة وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن رسول الله ﷺ : (أنه لا طلاق فيما لا يملك العقد، ولا طلاق إلا بعد نكاح) وهذا مذهب جماهير السلف من صحابة وتابعين.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] أي: من قبل الوطء والجماع، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] وهذا إجماع.
قال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩]، قال الجمهور: متعوهن إذا لم يفرض لهن مهر، فإن فرض فلها نصفه وعليها أن ترد نصفه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] يعني: إذا كان هناك فرض أو أداء لمهر قبل الدخول وطُلِّقت فلها نصف المهر وعليها أن ترد النصف، وإن كانت فوضت أمرها لهذا الذي تزوجها، فبعد الدخول عليه أن يعطيها مهر أمثالها، فإن أرجأته فلا بد أن يكون ذلك بعد موته ولا أجل بعد ذلك، ويدخل في الدين، وإن كان قد ذُكر لها المهر فلها النصف إن طلقها قبل الدخول بها، فإذا لم يذكر لها مهر فتمتع على الموسع قدره وعلى المقتر قدره حسب غنى الزوج وفقره، ويمتعها بمال، وقد طلّق النبي ﷺ امرأة هي أميمة بنت شراحيل قبل أن يدخل بها، وقد تأبت عندما دخل عليها ودعاها للمجيء إليه فقالت: الأمراء لا يأتون للسوقة، فطلقها وقال: (الحقي بأهلك) وأمتعها بثوبين زارقيين؛ لأنها لم يفرض لها مهر.
وهناك قلة من الفقهاء يوجبون المتعة مع المهر قبل المساس وبعد المساس، سواء طُلِّقت بعد الدخول، أو طُلِّقت قبل الدخول، سواء أخذت مهراً أو لم تأخذ، فمع نصف المهر لمن لم تمس، ومع المهر لمن دُخل بها، لا بد عند الطلاق من متعة هي عوض عن الطلاق، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، قالوا: حتى في هذه الآية إن ذُكر لها مهر فلها نصفه ولها مع ذلك متعة الطلاق، فمتعة الطلاق شيء زائد عن مهر الزواج والعقد.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩] السراح الجميل: هو الطلاق بلا كلمة مؤذية ولا صخب ولا نزاع ولا مرافعات للمحاكم، ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] والإحسان أن تأخذ حقها كاملاً من مهر ومتعة أو من نصف مهر أو جميعه.
стр. 1421
تفسير سورة الأحزاب [٥٠ - ٥١]
امتن الله على رسوله ﷺ فأحل له أن يتزوج من بنات العمومة والخئولة، واختصه بأن أجاز له زواج الهبة رغم أنه لم يفعله، وأباح له الزواج من غير حد بأربع، ويسر له سبحانه أموره.
стр. 1422
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن)
قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠].
هذه الآية الكريمة هي أحكام متتابعة متعلقة بنبي الله ﵊، وكما أنه رسول إلى الناس كافة فهو مرسل إلى نفسه كذلك، فما أمره الله أمراً خاصاً فعليه أن يقوم به، وإذا لم يذكر في الأمر أو النهي على أنه خاص به كما ذُكر في هذه الآية الطويلة، فكل الأوامر والنواهي تشمله ﵊ كما تشمل المؤمنين من أتباعه.
فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠].
أي: أحل الله له من النساء من آتاهن مهورهن وصدقاتهن، هذا نوع وفئة من زوجات النبي ﵊ أن يتزوج كما يتزوج المؤمنون بمهر وولي وبشاهدي عدل، ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: من دخل بهن ومن يرغب فيهن بعد، وقد كان للنبي ﵊ ثلاث عشرة زوجة، اجتمع عنده منهن تسع، وماتت إحداهن، وطُلِّقت إحداهن قبل الدخول، وواحدة من الأصل ذُكرت ثم تركها، عُرضت عليه فقبلها النبي ﵊، فأخذت أمها تثني على جمالها وعلى كمالها وعلى صحتها وقوتها إلى أن قالت: لم تصرع قط ولم تمرض قط، فقال لها: (لا حاجة لي فيها) فالمؤمن يُشاك شوكة ويمرض ويكون ذلك كفارة له، والذي ليس كذلك قد يكون ذلك استدراجاً كما يستدرج الكفار والمنافقون، ويجمع الله له العذاب إما في أخريات أيامه عند الموت أو يوم القيامة.
وكان عنده من القرشيات ست: خديجة أم المؤمنين الأولى، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة، وأم سلمة وكان عنده زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته.
وأخذ من أسرى خيبر صفية بنت حيي بن أخطب فأعتقها وجعل عتقها صداقها، وجاءت أمة كان ملكها في الأسرى وهي جويرية بنت الحارث المصطلقية الخزاعية فكاتبت مالكها ثابت بن قيس بن شماس ﵁ أو ابن عم له فقال لها النبي ﷺ : (أو خير من ذلك أُؤدي عنكِ كتابتك وأتزوجكِ؟ قالت: نعم).
وهؤلاء كان مهرهن ما يعادل خمسمائة درهم، أي: ما يعادل أربعمائة ريال تزيد قليلاً، إلا أم حبيبة فأنكحه إياها النجاشي ملك الحبشة وأصدقها عن نبي الله ﵊ أربعمائة دينار، وجويرية وصفية أعتقهما ﷺ وكانتا أمتين، وجعل عتقهما صداقهما.
وكان له من الإماء مارية القبطية وريحانة وغيرهما.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: مهورهن وصدقاتهن.
﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] كما أحل الله له ملك اليمين، وهن الإماء والجواري اللاتي يؤخذن نتيجة معركة ظفر فيها المسلمون وأخذوا النساء جواري وإماء، بعد موافقة رئيس الدولة الإمام.
وكان نبي الله ﷺ مع نبوته إمام المسلمين ورئيس دولتهم، وقائد جيشهم، والحاكم لمحاكمهم، والمعيّن والعازل لموظفيهم، ولكنه يسمى بأحب الأسماء إليه وأشرفها، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣] أي: لا نناديه إلا نبي الله ورسول الله، وإذا ذكرناه لا نذكره إلا ونصلي عليه: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل عليَّ) كما قال النبي ﵊.
فقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
ملك اليمين كلمة تقال في التملك، وإلا فهي ملك لليمين ولليسار وللشخص كله، لكن جرت العادة أن يقال لغة: فلان ملك بيمينه كذا، وعقد بيمينه على كذا، والقرآن نزل بلغة العرب.
﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
أي: مما أعاده الله إليك، والفيء: هو العودة والإعادة، ومعناه أن الله جعل الكون يوم خلقه للمؤمنين الموحدين، فإن خرج بعض ذلك عن أيديهم فلمعصية أو خلاف منهم، فإذا عادوا إلى الله وقاتلوا وانتصروا فما يعود لهم من أرض وعقار وأموال وإماء وجوار فذلك قد عاد إلى أصله وعاد إلى المؤمنين.
ثم قال ربنا: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
أي: أباح له الله ﷻ أن يتزوج من شاء من بنات عمه وبنات عماته، والنبي ﵊ لم يتزوج من بنات عمه المباشر الملاصق، ويقال لكل كبير من العشيرة: عم، ولكل كبيرة منها: عمّة، أي: قد أبحنا لك زواج القرشيات، فبنات عمه قرشيات وبنات عماته قرشيات، فأذن الله له أن يتزوج من هذه الفئة من القرشيات من بنات العم وبنات العمة.
ثم قال ربنا: ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
أي: كما قد أذن له في بنات العم وبنات العمّة، أذن له في بنات الخال وبنات الخالة، وأمه آمنة كانت من بني زهرة بن عبد مناف، فيكون قد أباح الله له أن يتزوج من بنات خاله وخالاته من بنات زهرة بن عبد مناف، وهن قرشيات.
فقيّد الله كل ذلك بقوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وفسّر بعض المفسّرين ذلك بالمسلمات، أي: لا يحل لك أن تتزوج من هؤلاء إلا مسلمة موحدة؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] ولا تهاجر معه إلا من أسلمت، أما من بقيت على كفرها فهي لم تهاجر، ومن يقبل هجرتها؟ فتفسير ذلك بالإسلام اللازم للهجرة على أن المعنى أعم من ذلك؛ لأن بعض المضطهدات من بنات عمه وبنات عمّاته، وبنات خاله وبنات خالاته، بقين في مكة، وفي هذه الحالة لم يأذن الله له ولم يحل له الزواج بهن؛ لأنه قيّد ذلك بالهجرة معه، فإذا لم يهاجرن معه فهن محرمات عليه، وكان هذا عندما كانت مكة لا تزال دار كفر، أما بعد أن فتحت وأصبحت دار إسلام فهذا الشرط قد سقط بطبيعة الحال؛ لأنها أصبحت دار إسلام وسكانها مسلمون، وأرجئوا قبل ذلك أربعة أشهر ثم فر وهرب منها من هرب وأسلم الباقون.
ومن خصائص مكة ومسلميها أنه لم يكن فيهم منافق لا ذكر ولا أنثى، وإن كان فيهم بعد الإسلام الطلقاء الذين قال لهم النبي ﵊ يوم الفتح: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) فسمح لهم وعفا عن ذنوبهم فأصبحوا من ساعتها يقال عنهم: الطلقاء، ولم يكن فيهم منافق ولكن فيهم المؤلفة قلوبهم الذين لم يدخل الإسلام ويتمكن من القلوب، وبقي هذا زمناً ثم حسن إسلام الكل.
стр. 1423
اختصاص النبي ﷺ قبول الواهبة نفسها له بدون ولي ولا شهود
قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
كما أحل له بنات العم وبنات العمة، وبنات الخال وبنات الخالة إن هاجرن معه، وما ملكت يمينه بلا حد، أباح له خاصة دون غيره من الناس -وهذا من خصائصه- امرأة مؤمنة وموحدة مسلمة.
﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: جاءت تقول للنبي ﷺ : إني أهبك نفسي.
﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب:٥٠] السين والتاء للطلب، أي: إن وافق وقبل الزواج بها والعقد عليها، ولذلك هناك شرطان في هذا: الشرط الأول: أن تكون مؤمنة.
الشرط الثاني: إذا وافق.
إذا لم تكن مؤمنة فلا تحل له وإذا لم يقبلها لا يجبر ويكره عليها.
قوله: ﴿خَالِصَةً﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: حالة كون هذه الواهبة نفسها خالصة لك من دون المؤمنين، فللنبي ﷺ أن يتزوج من وهبت نفسها له بلا مهر ولا ولي ولا شهود.
أما المؤمنون فلا بد من مهر قليلاً كان أو كثيراً، ولا بد من ولي يعقد عليها، ولا بد من شاهدي عدل؛ ومن هنا كانت الخصوصية أن تهب نفسها حال كونها مؤمنة، وحال كون النبي ﵊ قد أراد ذلك، وفي حال الموافقة والإيمان لا حاجة لمهر ولا لموافقة ولي ولا حاجة لشهود عدول.
(كان النبي ﵊ في مجلسه فجاءته امرأة وقالت له: يا رسول الله إني أهبك نفسي، فصعّد فيها البصر وصوّبه وسكت عنها فطال مقامها، وكان في المجلس أحد فقراء الصحابة، فبادر وقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها قال: ما معك لتصدقها؟ قال: إزاري، قال: وما يغني عنك الإزار، هل معك غيره؟ قال: لا يا رسول الله، قال: التمس ولو خاتماً من حديد، فذهب وعاد وقال: يا رسول الله لم يوجد ولا خاتم حديد، قال: فما معك من القرآن؟ قال: أحفظ سورة كذا وسورة كذا وذكر سوراً قال: قد زوجتك بما معك من القرآن) معناه: قد زوجتها لك على أن تعلمها هذه السور، وكان مهرها وصداقها هو أن يعلمها هذه السور، وكفى بذلك مهراً وصداقاً.
إذاً: هذه الخصوصية هي أن للنبي ﷺ أن يتزوج من وهبت نفسها له، قال ابن عباس والزهري والمفسرون: هذا الحق لم يفعله النبي ﷺ قط، ولم يتزوج امرأة وهبت نفسها له أبداً، والكثيرات عندما تلون هذه الآية تشوفن وتطلّعن بأن يصبحن أمهات المؤمنين وزوجات سيد البشر أجمعين عليه صلوات الله وسلامه، ولكن النبي ﵊ كان يأبى ولم يفعل.
وزعم البعض أن منهن زينب أم المساكين، ولكن كل ذلك ليس بصحيح، فإنه لم يقبل من وهبت نفسها له، وتنازل عن هذا الحق الذي خصه الله به.
وكان أنس بن مالك يتحدث بقصة هذه المرأة وفي مجلسه إحدى بناته وقال: (إن امرأة جاءت النبي ﵊ فوهبت نفسها للنبي وإذا بابنته تصيح وتقول: أوه ما أقل حياءها، أتعرض نفسها زوجاً؟ قال: اسكتي يا قليلة الأدب، إنها رغبت في رسول الله ﷺ فوهبت نفسها له) أي: ومن لا يرغب في رسول الله ﵊ والصلة به بأي شكل من الأشكال؟ أما إذا جاءت امرأة لإنسان ما وقالت: أهبك نفسي تعرض نفسها للزواج به، فعليه المهر وعليه ولي وعليه الشهود، وبغير ذلك لا يصح نكاح ولا زواج.
стр. 1424
الحكمة من كثرة أزواج النبي ﷺ
قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] أما بقية المسلمين فقد استثناهم الله من جواز الزواج بالهبة فقال عنهم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥٠].
أي: قد علمنا وعلّمنا المؤمنين ما جعلنا من فرائض وأحكام وواجبات في زواجهم، وذلك أنه حصر زواج المسلم بألا يزيد عن أربع، وحرّم عليه الواهبة نفسها بلا مهر ولا ولي ولا شهود، في الوقت الذي أباح للنبي ﵊ أن يتزوج بلا حد وبلا حصر، ولم يجتمع عنده أكثر من تسع.
وفي ذلك حكم بليغة، فنقول لأعداء الإسلام وللمنافقين من أدعياء الإسلام، الذين حاولوا أن يتكلموا في رسول الله ﵊: إن النبي ﵊ لم يتزوج حتى بلغت سنه خمساً وعشرين سنة، وكان في منتهى القوة والجمال، فلو كان شهوانياً -وحاشاه من ذلك ولعن الله من زعم ذلك- لتزوج قبل العشرين، ولتزوج على عادة قومه العشر والعشرين لكنه لم يفعل، وعندما تزوج وهو ابن خمس وعشرين سنة لم يكن هو الراغب الطالب الخاطب، ولكنه كان المرغوب فيه والمقصود والمطلوب، وكل ذلك قبل النبوة بخمسة عشر عاماً، وكان متولياً التجارة للسيدة خديجة إلى أرض الشام فربحت وبلّغها غلامها ميسرة عن حالات النبي ﵊ في رحلته للشام في تجارتها، فغبطته، وأرسلت له بأنها ترغب التزوج به، فخطبها له عمه أبو طالب فرضيت؛ لأنها كانت حريصة ومغتبطة بالزواج منه.
وعندما تزوجها كانت ابنة أربعين سنة، فبينه وبينها خمسة عشر عاماً، وكونها عجوزاً أقرب.
وأقول مبيناً بعد رسول الله ﷺ عما زعموه: لقد قنع ﷺ وهو شاب قوي رائع الجمال أن يتزوج أرملة سبقه إليها زوجان وولدت منهما كليهما، وعندما تزوجها ﷺ قنع بها ولم يتزوج عليها قط، وقد ماتت في السنة الثامنة من النبوة أو السابعة، ومعنى ذلك: أنها ماتت وسن رسول الله ﵊ قد شارف الخمسين، أي: عاشت معه خمساً وعشرين سنة، أي: أن زهرة شبابه وزهرة قوته وزهرة جماله قصرها على هذه الأرملة، ولم يتشوف للزواج عليها قط وإنما تزوج بعد موتها وبعد الهجرة، ومن هنا ندرك ونعلم أنه ﷺ ليس شهوانياً وحاشاه من ذلك.
وهو لم يتزوج بكراً قط إلا عائشة، وزوجه الله بها، نزل إليه جبريل وهي مصورة في قطعة حرير فقال: (هذه زوجتك، فلما بحث عن الصورة وجدها بنت أبي بكر) كما زوجه الله زينب بنت جحش.
وكان زواجه بهؤلاء النسوة ليربط العلائق مع العشائر العربية والقبائل العربية؛ ليكون ذلك داعياً إلى إسلامهم وإلى كسر عداوتهم، ولقد قلنا أكثر من مرة إن أبا سفيان وكان الحاقد الناقم على رسول الله وعلى دينه وعلى جميع بني هاشم، ومع ذلك عندما آمنت ابنته أم حبيبة وهاجرت الهجرة الأولى للحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، فارتد هذا الزوج وبقيت متمسكة بإسلامها، فخطبها النبي ﵊ من النجاشي وكان قد أسلم، وكان هو الولي للمسلمين في الحبشة، فعندما تزوجها ﷺ وأرسلت إليه إلى المدينة بلغ ذلك أبا سفيان وهو على غاية ما يكون من الحرب والعداوة، وإذا بـ أبي سفيان يقابل ذلك بارتياح وبسعادة وغبطة ويقول عن النبي ﵊: هو الفحل.
فكان هذا الفعل من رسول الله ﵊ جمعاً له وكسراً لعداوته وتأليفاً لقلبه، وكانت النتيجة أن أبا سفيان بن حرب آمن وأسلم، فتزوج ﷺ من قريش وغيرها من قبائل العرب، وكل هذه القبائل آمنت وأسلمت وآزرت النبي ﷺ ، فهذه الحكمة من تعدد زوجات النبي ﵊، وهي واضحة وضوح الشمس، ولا ينكرها إلا مشرك أو منافق ومن في قلبه مرض على رسول الله ﷺ وعلى دين الإسلام.
قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: قد علم الله ما فرض عليهم وهو الآمر وهو الذي علمهم ذلك وحصر الزواج بالنسبة لعموم المسلمين في أربع حرائر، أما ما ملكت يمينهم فلا عد ولا حصر.
وتتبين الحكمة من كون ملك اليمين بلا عدد إذا عرفنا المثال الآتي: في الحربين العالميتين اللتين جرتا في هذا القرن، وقع من الأسرى عند الدول التي انتصرت على ألمانيا ما يزيد على خمسة وعشرين مليوناً من الخلق.
فهؤلاء الأسرى كان ثلاثة أرباعهم من النساء ولم يقاتلن، فماذا يصنع بهؤلاء النساء، خربت بيوتهن، وقتل آباؤهن وأولادهن وإخوتهن وأزواجهن، فأخذوهن ووزعوهن على العالم للبغاء والزنا والفساد، فانتشر في العالم عشرات الآلاف من أولاد البغايا، وأدخلوا الفساد لكل دار وكل بلدة وقطر، وأصبحت ألمانيا بعد ذلك ثلاثة أرباع سكانها من النساء ممن سلمن من الأسر، فهؤلاء النسوة لم يجدن زواجاً ولم يجدن حتى الحرام لا خليلاً ولا زانياً، وأصبن بسعار الجنس وشدته فقمن بالمظاهرات، وطلبت فئة منهن بتعدد الزوجات كما عند المسلمين، فالبعض حصر ذلك في أربع كالمسلمين، والبعض الآخر طلب أن يكون ذلك بلا حد، واكتفت فئة منهن بإعارة الأزواج كما يعار الفحل للبهائم.
وكتب كبير ألمانيا إذ ذاك إلى رؤساء العالم الإسلامي، وطلب تقارير عن تعدد الزوجات في الشريعة الإسلامية، ومع الأسف كان المسلمون قد تراجعوا عن تعدد الزوجات، وأصبحوا يستحون أن يذكروا تعدد الزوجات، وأخذوا يقلدون الكفار في عدم التعدد ومنعه حلالاً وإباحته حراماً، كقوانين دول الكفر كلها، ودخل ذلك في قوانين جميع المسلمين، سوى بلادنا المقدسة هذه.
فجميع القوانين التي يتحاكم إليها المسلمون أباحت الزنا من المرأة والرجل إذا بلغا سن الرشد، إذا تراضيا على ذلك، ولا حق لأحد أن يشتكي، إلا إذا اشتكى الزوج بالزوجة أو الزوجة بالزوج، فلا حق لأب ولا لأخ ولا لزعيم ولا لنائب ولا لمجتمع.
وقد جاء الإسلام من الله وهو أعلم بالحكمة التي تصلح المسلمين، وقد فرض الجهاد لإعزاز دين الله، وللدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، وهو يعلم سبحانه أن الحروب لا تنتهي إلا بالقتل والتدمير والخراب وموت مئات الآلاف وعشرات الملايين من البشر، فنساء هؤلاء الملايين ستؤخذ أسرى فما يصنع بهن؟ إنهن يحتجن للأكل والشرب واللباس وإلى ما تحتاجه النساء من الشهوة، فعندما أباح الله التسري والتملك بلا عد ولا حصر فمعنى ذلك أن يقوم الناس متضامنين لخدمة هؤلاء الأسرى نفقةً ولباساً وسكناً وكفايةً وشهوة تكفهن عن الشر وعن نشر الفساد في الأرض، ولا يترك ذلك كما ترك لأوروبا في أسراها في الحربين.
فهؤلاء الأسرى كانوا يعاملون أقل من معاملة الكلاب، فكانوا يقتلون لأي سبب، ويذلون لأي سبب، ويجاعون إلى حد الموت، وتنتهك حرمات الأسيرات ضرباً وإيذاءً وتفنناً في التعذيب، ولا أحد يرفع صوته.
أما الإسلام فقد أباح ذلك خدمة لهن ورعايةً لمصالحهن، والوصايا في هذا كثيرة جداً، ومنها قول النبي ﵊: (إخوانكم خولكم)، أي: خولكم إخوانكم، وهذا يستشهد به في النحو من تأخير المبتدأ على الخبر وكلاهما معرفة، وأن المعنى يدل على أن هذا مبتدأ وهذا خبر.
(إخوانكم خولكم) لو ذهبنا نعرب (إخوانكم) مبتدأ، و (خولكم) خبراً، فإن المبتدأ مسند إليه والخبر مسند فيكون المعنى: إخوانكم أشقاؤكم هم عبيدكم وخولكم، والإسلام لا يريد هذا، لكن معنى الكلام فيه تقديم وتأخير فتكون الجملة: (خولكم إخوانكم) أي: خدمكم.
وقد منع النبي ﵊ أن يقول الإنسان: عبدي أو أمتي بل يقول: فتاي وفتاتي، كلمة أشبه بالدلال: يا غلامي كأنك تنادي: يا ولدي، ويا بنيتي عندما يقول لها: يا فتاتي، والإسلام اعتبر الإنسانية في الصلة.
فقال ﷺ : (إخوانكم خولكم، أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، وإذا كلفتموهم ما لا يطيقون فأعينوهم)، أي: اعتبرهم ﷺ إخواننا، فأمر أن يطعموا معنا مما نطعم، وأن يأكلوا من أكلنا، ويلبسوا من لباسنا، ويسكنوا سكنانا، ويعيشوا عيشتنا، وإذا حملناهم ما لا يطيقون أن نعينهم كما نعين أولادنا لأصلابنا.
من الذي أتى بهذا؟ حضارة ماركس خاب وخسر هو وأنصاره وأتباعه! أم حضارة نابليون، وهو الذي وضع القانون الذي نسب إليه! أم أمريكا وأوروبا خابوا جميعاً وخسروا، فبلادهم بلاد الفواحش والمنكرات والفساد والظلم والقسوة وسفك الدماء، وبلاد نشر الفواحش بجميع أشكالها، ومع ذلك نرسل أولادنا إليهم بلا رقابة ولا إشراف ورعاية ولا عناية، يذهبون بدين الإسلام ويعودون بلا دين، يذهبون برجولتهم ويعودون بلا رجولة، يذهبون أصحاء الأبدان ويأتون منهوكين ضائعين، ترى ابن العشرين وكأنه ابن الستين والسبعين، نتيجة إسرافه على نفسه، هذه هي الحضارة الأمريكية والأوروبية.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٥٠] هذه متعلقة بالكلام الأول عن النبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] إلى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٠] فقوله: ((لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ)) أباح له ذلك ووسعه عليه، ليتبع حكمته وسياسته وطريقة دعوته.
стр. 1425
الحكمة العظمى من تعدد زوجات النبي ﷺ
إن الحكمة الأخيرة الكبيرة جداً من تعدد زوجاته ﷺ هي: أن السيرة النبوية داخل البيت سترويها لنا زوجاته، فهو يصلي العشاء ﵊ ويدخل البيت من العشاء إلى صلاة الفجر ماذا يصنع في بيته؟ وعندما يدخل البيت نهاراً ماذا يصنع؟ هل سيرته الباطنة بين نسائه كسيرته الظاهرة؟ ليس كذلك رؤساء الأرض قديماً ولا حديثاً، بل تجد لهم شخصيات مزدوجة، فأمام الناس يتظاهرون بالتقوى وفي داخل دورهم فسقة فجرة، وأمام الناس يتظاهرون بالإسلام وفي داخل دورهم منافقون دجالون أعداء الإسلام والمسلمين.
والنبي ﵊ بدا لغير المؤمنين أنه ملك وزعيم للعرب، وهؤلاء كانوا يراقبون حركاته ويراقبون سكناته، وقد فعلوا، فقد كان مع أصحابه في الحرب والسلم في السفر والحضر، في المساجد وبين أتباعه، أما داخل الدار فكيف يعرفون سيرته؟ فكان هؤلاء النساء التسع من قبائل شتى ومن أسنان مختلفة هن اللاتي يحكين لنا سيرته الداخلية، ولو رأين ما يسوء وما يؤذي لتكلمت إحداهن.
وقد قالوا في الأمثال: إذا أردت أن تذيع سراً وأن ينتشر بين الناس فاذكره لامرأة وأوصها بالحفاظ على السر، فهي بطبيعتها سواء كانت أماً أو زوجةً أو بنتاً، تنشر ذلك السر؛ لأن الإيصاء بالسر كأنك تحضها على الإعلان، وهؤلاء النساء كن يتخاصمن كالنساء، فلو رأين من رسول الله ما يسيء وما يخالف الظاهر لذكرن ذلك.
وعلى كثرة أعدائه ﵊، وعلى كثرة المتربصين به في عصره وبعد عصره وإلى عصرنا هذا، وعلى كثرة الأكاذيب التي كذب بها عليه ﷺ لم يدع أحد قبل ولا بعد أن النساء رأين عليه شيئاً داخل البيت، لا خديجة الأولى ولا عائشة الصغيرة ولا الزوجة المسنة ولا ولا، فكلهن لم يذكرن إلا خيراً وأكثر من ذلك، فنشرن شريعة الله داخل الأسر، كيف يعيش أباً في داره؟! كيف يعيش زوجاً في داره؟! كيف يعيش جداً بين أحفاده؟! ما الذي يصنع في داره؟! هل كل ذلك نوم وراحة؟ لا، بل مما بلغننا عن النبي ﵊ أنه كان يقوم أكثر الليل يتهجد فيه، وكان يعين نساءه على شئون البيت ﵊، فقد كان يرقع نعله، ويكون في مهنة أهله، وكان يذبح الشاة ويسلخها بيده ويجعلها في أواني الطبخ والعمل، وكان إذا كلفهن لا يكلفهن بما يعجزن عنه.
هذا الذي تواتر وهذا الذي نشر، وهذا الذي رواه المؤمن والكافر، ورواه المخلص والمنافق، فأي كلام بقي لمن يقول: لم تزوج النبي تسع زوجات؟ فهؤلاء قبل أن يفقدوا الدين والشرف والكرامة فقدوا العقول، فعقولهم لا تدرك، ونفوسهم لا تعي، يهرفون بما لا يعرفون، ومن كان كذلك فما جزاؤه إلا الإغفال والإهمال والدوس بالأقدام.
والقافلة سائرة، ودع الكلاب تنبح.
قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٥٠] هذه الآية بخصوصيات النبي ﵊، فقد أباح له ما أباح لكيلا يتحرج ولا يضيق ولا يتبرم ولا يظن أن في ذلك إثماً، بل كل ذلك فعله الله له للتوسعة عليه.
ثم قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠].
أي: كان الله غفوراً لعباده، غفوراً لذنوبهم وإساءاتهم، مع ما فرض لهم من أربع زوجات ومن مهر وشهود وولي، ومن إماء إن شاءوا بلا حصر، ومع ذلك قد يقصرون وقد يخالفون، لكنهم إن تحروا الأسوة برسول الله فيما كان عاماً، وأطاعوا ربهم ونبيهم، ثم ما يصدر عنهم بعد ذلك من شيء لم يقصدوه أو جاء عن جهالة ثم تابوا وأنابوا فالله يغفر ذلك ويرحمهم، ويلحقهم بالرعيل الأول من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
стр. 1426
تفسير قوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء)
قال الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥١].
قوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ).
الإرجاء التأخير، ومعناه: أن الله ﷻ رفع الضيق والحرج عن رسول الله ﵊، وأباح له عدم القسم بين نسائه، وأن له أن يختص واحدة بليال وأن يترك واحدة ألبتة، وأن يعطي هذه ولا يعطي هذه، فالأمر له وهو المخير بين كل ذلك.
فقوله: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) أي: تؤخرها ولا تجعل لها نوبة، أو تنام معها قليلاً.
(وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي: تضم إليك منهن من تشاء وتقرب.
(ومن ابتغيت عزلت فلا جناح عليك) أي: ومن أردت وطلبت ممن عزلت وأرجأت منهن وشئت أن ترجع إليها مرة أخرى فلا حرج ولا مانع من ذلك.
قال ربنا: ((ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ)) أي: هذا العمل في الإرجاء والتأخير وذلك العمل في أن تضم إليك من شئت ومن ابتغيت ممن أبعدت عندما يعلمن أن هذا أمر الله وأن النبي ﵊ يفعل ما أمره الله به دون قيد ولا شرط يكون ذلك أقرب لأن تقر أعينهن بأن يكن مسرورات، وقرار العين برودتها، ولا تبرد العين إلا عند السرور والانشراح، أما من سخنت عينه فقد اشتد حزنه، أي: دمعت عينه حتى سخنت.
وقوله: (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن) أي: لا يدخلهن حزن عندما يعلمن أن هذا أمر الله.
وقوله: (ويرضين بما آتيتهن كلهن) أي: يقبلن ذلك عن رضاً وعن انشراح وارتياح.
وقوله: (والله يعلم ما في قلوبكم) أي: يعلم ما في قلوب العباد من محبة وكراهة، ومن ميل وعدم ميل، ومن طاعة ومخالفة.
وقوله: (وكان الله عليماً حليماً) أي: عليماً بأحوال عباده الظاهرة والباطنة، حليماً بهم، يغفر زلاتهم ويشفق عليهم، ويتوب عليهم إن تابوا وأنابوا.
وهذه الآية لم يفعلها النبي ﵊ وهي خاصة من خواصه، بل كان يعدل بين نسائه، تفضلاً منه وتكرماً، وكان يبيت كل ليلة عند واحدة، وإذا زار إحداهن نهاراً يمر على الكل ويزورهن، وكان يقسم بينهن بالعدل والسوية، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، أي: في القلب.
стр. 1427
تفسير سورة الأحزاب [٥١ - ٥٢]
مما فضل الله به سيدنا رسول الله ﷺ أن أباح له ترك القسم بين أزواجه، وأن يرجي من يشاء منهن ويؤوي إليه من يشاء، وأما الإماء فهن مباحات له ولأتباعه من غير حد.
стр. 1428
تابع تفسير قوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء)
قال الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥١].
لا نزال مع أوامر الله في سورة الأحزاب في حقوق الزواج وآدابه، في مباحاته وممنوعاته لرسول الله ﷺ وللمؤمنين، قال تعالى لرسوله ﵊: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١]، أي: من زوجاته.
عندما طلب زوجاته ﷺ النفقة ولم تكن عنده نفقة غضب عليهن رسول الله ﷺ وهجرهن شهراً كاملاً كما مر معنا، ثم بعد ذلك نزل ودخل عليهن، وخيرهن كما أمره الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]، فعندما قال لهن ذلك اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وقد مضى كل ذلك.
ولكن بعد أن أبقاهن واخترن الله وما هو عليه ﷺ من الزهادة والتقشف رضاً وطواعية أسقط الله عليه القسم بينهن فقال له: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: تؤجل وتؤخر من تشاء فلا تقسم لها قسمة ولا تجعل لها يوماً إن شئت، وتؤوي وتضم إليك منهن من شئت.
قوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: من طلبت وأرادت منهن بعد أن عزلتها عنك وشئت العودة إليها مرة أخرى فلا إثم ولا جناح ولا ملامة عليك.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١].
أي: هذا الإرجاء والتأجيل أو التقريب والضم أمام طلاقهن وفراقهن هو أقر لأعينهن وأكثر سروراً لهن وأبعد عن حزنهن.
وقرار العين برودتها، ولن تكون كذلك إلا لشيء سار، وبالعكس إذا حزن الإنسان سخنت عيناه.
إذاً: كونهن يبقين زوجات لرسول الله ﵊ مع تقريبهن أو إبعادهن أو عزلهن أو ابتغائهن فذلك أقر لأعينهن، وأبعد ألا يحزنن ولا يأسفن وأن يرضين كلهن.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥١].
أي: الله أعلم منكن ومنكم ومن غيركن وغيركم بما في القلوب من الميل وعدمه ومن الحب والكراهة.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥١] أي: عليماً بأحوالكن حليماً بكن في مغفرة الذنوب ورفع الدرجات والإحسان إليكن وإلى زوجكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله.
والرسول ﷺ مع كون الله تعالى أباح له عدم القسم بين زوجاته، لكنه كان يقسم بينهن، وكان يؤدي لكل واحدة منهن ما للأخرى دون فارق بينهن، لكل واحدة ليلتها وكسوتها ومخدعها ونفقتها.
وكان ﵊ كما في الصحاح يقسم بينهن ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) أي: هذه قسمتي فيما أملكه وأطيقه من النفقة والليلة والسكن واللباس وما إلى ذلك، فأنا أقسم بينهن بلا فارق، أما الميل القلبي فالقلب ليس بيدي، وكان ميله ﵊ أيام خديجة لها وحدها، حتى إنه لم يتزوج معها ومكث معها ربع قرن، وفي أيام اجتماع النسوة التسع كان يميل لـ عائشة عن غيرها من بقية النساء.
وليس ذلك نزوة ولا شهوة، ولكن كانت عائشة رضوان الله عليها تمتاز عنهن بالذكاء البالغ وبالعلم الواسع، وبالفهم عن رسول الله ﷺ فيما يرضيه، وفيما لا يرضيه وكانت عند أمره ونهيه، وكانت بنت أحب الناس إليه خليفته وأفضل الخلق بعد الأنبياء أبي بكر الصديق ﵁، فكان يشعر بهذا الميل ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) أي: الميلان القلبي، وهذا معنى الآية الكريمة: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء:١٢٩] أي: لا تستطيعون أن تعدلوا بين النساء عدل القلب وعدل الميل والمحبة، وهذا الميل ليس بيد الإنسان بل هو بيد الله، ومع ذلك قال الله للزوج: إن كان عندك ميل لواحدة دون الأخرى فلا يكن هذا الميل سبباً لظلمها وعدم القسمة لها، وعدم أخذها لحقوقها، بحيث تبقى مائلة ضائعة، وكأنها معلقة لا مزوجة ولا مطلقة.
هذا الذي نهى الله عنه، وليس ما زعمه الزنادقة والجهلة أن الله أباح الزوجات ثم أمر بالعدل وحكم به، ثم قال: إنكم تعجزون عن العدل، ولذلك فلا زوجة ثانية فهي محرمة، نقول: هذا كذب على الله، وقائل ذلك مفتر عليه؛ لأنه قال ما لم يكن له أصل، وإلا سيكون قوله طعناً في الصحابة وطعنًا في النبي ﵊ وطعناً في السلف الصالح، فكلهم تزوجوا اثنتين وثلاثاً وأربعاً، وسيد البشر تزوج تسعاً.
وقال ﵊: (خيركم أكثركم أزواجاً).
وقال الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣]، قال علماؤنا ومفسرو الآية: إن الله لم يذكر الواحدة فقد ابتدأ بالثانية ثم الثالثة ثم الرابعة، فالأولى رخصة للضعاف من الرجال، الضعيفة مسئوليتهم، القليلة ذات يدهم، أما الرجال التامون رجولةً فالله يخاطبهم بأن يتزوجوا اثنتين فثلاثاً فأربعاً.
стр. 1429
تفسير قوله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج)
قال الله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢].
لا نزال مع هؤلاء اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة تكرمة لهن، فالله حرم على الرسول ﷺ بعد ذلك أن يتزوج غيرهن، فقال سبحانه: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب:٥٢] أي: بعد هؤلاء التسع اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واخترن زهادتك وتقشفك وصبرك على شظف العيش فلا تتزوج عليهن بعد، فكما أعطيناك عدم القسمة بينهن وعدم الحرج في ذلك، كذلك لا تتزوج عليهن بعد: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب:٥٢]، أي: من بعد هؤلاء التسع.
وقال المفسرون: لم يكن الأمر كذلك وإنما تفسير الآية: أن الله أباح له أصنافاً من النساء، فقال له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: هذه الأصناف من النساء اللاتي آتيت أجورهن ومهورهن من بنات عمك وعماتك القرشيات، ومن بنات خالك وخالاتك الزهريات، ومؤمنة وهبت نفسها لك بلا مهر ولا ولي ولا شهود، كل هؤلاء لا يباح لك ولا يجوز أن تتزوج غيرهن من بقية العرب، ومن باب أولى ألا تتزوج سوى مسلمة من هؤلاء، فلا يحل لك الزواج من نصرانية ولا يهودية ولا من لم يذكر الله في هذه الأصناف، وأباح له الإماء، وقد ذكرت الحكمة في ذلك.
سئل أبي بن كعب القارئ المفسر العالم بالقرآن: لو مات نساء النبي ﵊ أيحل له أن يتزوج بعدهن؟ فأجاب: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢].
قال: ليس معنى الآية كما فهمت، ولكنهن ضروب من النساء أباحهن الله له من بنات العم والعمة والخال والخالة من المسلمات المهاجرات معه ومؤمنة وهبت نفسها له، هذه الضروب هي التي أباحها له، ولا يحل له سواها، وهؤلاء لو متن فعنده كثير من القرشيات وكثير من الزهريات وكثير ممن يمكن أن تهب نفسها، وإن كان النبي ﵊ لم يتزوج بالمرأة التي وهبت نفسها له.
إذاً: قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب:٥٢] أي: هؤلاء النسوة بعد أن اخترن الله ورسوله حرم الله عليه أن يتزوج بعد غيرهن؛ تكرمة لهن على أن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة عندما خيرن.
قال الله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢] أي: ولا أن تبدل واحدة بواحدة بأن تطلق زوجة من هؤلاء وتتزوج مكانها أخرى، أو تطلقهن كلهن وتتزوج غيرهن، وإن كان الطلاق لم يحرم عليه.
وقد قيل: إنه طلق حفصة بنت عمر ثم راجعها، وعلى كل اعتبار فقد راجعها فلم تطلق واحدة منهن ألبتة، ولم يتزوج عليهن بعد ذلك، ومن وهبت نفسها لم يقبلها، ولم تكن عنده واحدة ممن وهبن أنفسهن له، كما نص على ذلك ابن عباس والإمام الزهري.
وقوله: (ولو أعجبك حسنهن) أي: قد يرى النبي ﵊ امرأة تأتيه فتكون عذراء أو أرملة أو واهبة فيلفت جمالها نظره، فقال له الله تعالى: لا تتزوج على هؤلاء ولا تستبدل واحدة منهن بغيرها، ولو كن جميلات في نظرك.
وكون النبي ﷺ رآهن أو يمكن أن يراهن لم يحدث هذا، ولكن من باب الفرض، والله قد أحل له ذلك وأباحه، وهذا مصرح به من النبي ﵊ فقد جاءه المغيرة بن شعبة وقد خطب فقال له: (هل نظرت إليها؟ قال: لا، قال: لو نظرت إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً)، قيل: كان في أعين الأنصار صفر، وقال ﵊: (من أراد أن يتزوج فلينظر إلى من يريدها فإن ذلك أدوم للنكاح بها، أو آدم).
وفي حديث آخر: (من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إليها)، أو: (فلينظر إلى ما يعجبه منها).
стр. 1430
حكم نظر الخاطب لمخطوبته وضابطه
اختلف أئمة المذاهب ما الذي يجوز للخاطب أن يرى من المخطوبة؛ واختلفوا هل يجوز له النظر إليها بغير إذنها؟ ذهب الجمهور ومعهم في ذلك النص إلى أن هذا حق أعطاه له رسول الله ﵊، فله أن ينظر إلى المخطوبة بغير إذن ولا موافقة منها ولا من أهلها، فهو لم يرد ريبة وإنما يريد تحصين نفسه، ويريد أن يضمها إليه؛ ليكوّن بها أسرة وأولاداً يشهدون أن لا إله إلا الله.
ما الذي يجوز له أن يرى منها؟ فالجمهور قالوا: يرى منها وجهها ويديها.
وقال الأوزاعي وغيره: يرى منها إن شاء مواضع اللحم، أي: الساقين والفخذين والذراعين.
وقالت الظاهرية: له أن يراها عارية لا بالاتفاق معها، ولكن بأن يتحايل ليصل إلى ذلك.
وهذا القول شاذ، وهم أخذوا هذا الحكم من قول النبي ﵊: (من أراد أن يتزوج فلينظر إلى ما يعجبه منها) قد يقول: يعجبني منها قوامها، ويعجبني صدرها، وكل محاسنها.
وهم بنوا هذا الكلام إذا كان صادقاً في الخطبة لا يريد أن يتلاعب ببنات الناس وينظر إلى عوراتهن، فإن كان غرضه التلاعب فهو فسق ودعارة، وهو قلة دين، وإن علم به يعزر.
وهناك قوم من معاصرينا من المنتسبين للدين والصلاح يفهمون الدين أحياناً فهماً أعرج، يمشي على رأسه لا على رجليه، فتجد عندما يأتيهم الخاطب ويقول: أريد أن أتزوج ابنتك وأريد رؤيتها، فتجد الولي ينادي: يا فلانة تعالي فيراها، لم يقل هذا رسول الله ﵊ وليس هذا من الشرع، بل هذا أشبه ببيع الجواري، فالولي الذي يفعل ذلك سواءً كان أباً أو غير أب لا يؤتمن على بناته ولا على ولياته، ويحدث هذا كثيراً، فلو رآها ولم تعجبه ماذا ستكون النتيجة؟ لا يتزوجها، ويقال: فلان رأى بنت فلان أو أخته أو وليته فلم يتزوجها، فيقولون: لم تعجبه، لعله وجد عيباً أو نقصاً فيكون ذلك فضيحة لها، ويكون ذلك تنفيراً من زواجها، وطعناً في كرامتها، ولا يليق هذا بمسلم، ولا يليق بوليها أن يفعل ذلك بوليته، ولكن الذي أذن به ﵊ أن يراها دون إذن الولي ولا الأب، فمثلاً البنت تدرس في مدرسة أو جامعة له أن يتعقبها إلى أن يراها، وذلك مأذون فيه في هذه الحالة، وإن علم الأب والولي وأن الذي يجري لرؤيتها بهذه الطريقة فلا يتكلم ولا يمنع؛ لأن النبي ﵊ قد أعطاه هذه الحق، فإن تزوجها فذاك، وإن لم يتزوجها لم يدر أحد بما حصل، فلا يقال: فلان خطب ورأى بنت فلان ولكنها لم تعجبه، فيذهب يطعن فيها، ليس هذا عمل العقلاء ولا الأولياء المخلصين لبناتهم ومولياتهم، إنما يفعل هذا من يبيع الإماء والجواري والعبيد.
стр. 1431
الحكمة من تعدد الإماء بلا حد
قوله: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، أي: تتبدل، حذفت إحدى التائين للتخفيف أي: أن تستبدل واحدة بواحدة، وأن تطلق واحدة وتتزوج أخرى، فالله حرم عليه ذلك.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٢] هذا الباب مفتوح؛ إحساناً لهؤلاء الأسرى وضماً لهن، وتحصيناً لهن، وعناية بنفقتهن وبكسوتهن وبسكناهن، ويؤجر من فعل ذلك.
وقد قلت في درس مضى: في الحربين العالميتين اللتين مضتا حصل فيهما كثير من الفضائح ومن الكوارث ومن البلايا، ومن إذلال النساء اللاتي أسرن، فقد عذبن وأذللن وجعن وعرين وبقين مشردات، لا حفظ ولا كرامة ولا رعاية، فالإماء في الإسلام هن تحت سلطاني كبناتي وكأخواتي، بل النبي ﵊ جعل الرقيق كالإخوة فقال: (إخوانكم خولكم)، أي: خدمكم إخوان لكم.
ثم قال: (أطعموهم مما تطعمون، وألبسوهم مما تلبسون، وإذا كلفتموهم ما لا يطيقون فأعينوهم)، هذا هو الذي قال به دينك، فالله جعل لأمتك من الحق ما لأقاربك، بل أبناء الإماء ملكوا العالم الإسلامي، فدولة بني أمية كان الكثير من خلفائها أبناء الإماء، فأصبحت الأمة ملكة في الدولة على سعتها وسعة أرجائها، وكان ملوك بين العباس أكثرهم أبناء الإماء فملكن وحكمن وكان للأمة أم الخليفة من النفوذ والسلطان أحياناً ما ليس للخليفة نفسه، وكان هذا أيام خلفاء بني عثمان، ويتكرر باستمرار.
وفي هذا العصر حصل الاضطهاد والإذلال والاستعباد للأحرار والحرائر قبل غيرهم، فالغرب حرموا الرقيق أفراداً وأباحوه شعوباً وأمماً، فشعوب العالم الإسلامي اليوم على ما يبدو أنها تحكم أمرها بنفسها، وهي في الحقيقة مستعبدة ومستعمرة استعماراً جديداً.
أزال الله هذا الذل والهوان عن المسلمين، وسحق أعداءهم يهوداً ونصارى ومنافقين.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥٢] أي: يا أمهات المؤمنين ويا أيها المؤمنون: اعلموا أن الله رقيب وشاهد وناظر لكل أعمالنا، فلنحرص على أن تكون أعمالنا أعمالاً ترضي الله، وترضي رسول الله، وأن تكون حسب أمره ونهيه، وأن تكون حسب أمر رسول الله ونهيه، قال النبي ﵊: (ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاتركوه).
стр. 1432
تفسير سورة الأحزاب [٥٣ - ٥٥]
يؤدب الله المؤمنين ويعلمهم كيف يتعاملون مع بيوت رسول الله ﷺ ونسائه، فنهاهم عن دخول بيوته من غير إذنه، وأن يسألوا أزواجه إلا من وراء حجاب وغير ذلك من الآداب.
стр. 1433
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣].
هذه الآية الكريمة هي آية حجاب نساء وبنات رسول الله ﷺ ، وحجاب المؤمنات من كل لون وفي كل أرض وفي كل عصر، وبهذه الآية تم صراحة تحريم زوجات رسول الله ﷺ والزواج بهن، فكما يقال عنها: آية الحجاب، يقال عنها: عدم إيذاء رسول الله في زواج نسائه بعده، ويقال عنها: آية الدخلاء.
قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ)).
إذا قال الله: ((يا أيها الناس))، فالخطاب يشمل كل بني آدم رجالاً ونساءً، وإذا قال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، فهو خطاب للمسلمين فقط؛ لا لأن غير المسلمين ليس بمخاطب؛ ولكن لأنه إذا قال الله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))، ففي الأغلب يكون الخطاب في فروع الشريعة، وإذا كان: ((يا أيها الناس))، في أصولها، مثل: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والفروع من الأركان الأخرى: صلاةً، وزكاةً، وصياماً، وحجاً، يخاطب بها كل إنسان، ولكنها لا تصح إلا من المؤمن الذي شهد لله بالوحدانية، ولمحمد بالرسالة وختمها، ولذلك عندما يقول ربنا: ((يا أيها الذين آمنوا))، فلن تقبل الفروع إلا منهم إذا قاموا بها حق القيام.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣].
حرم الله على المؤمن أن يدخل بيوت النبي ﷺ وغرفه وعلى نسائه وعياله بغير إذنه، وكان العادة في الجاهلية قبل الإسلام أن يدخل الناس الدور ولا يغلقونها، يبقى باب الدار مفتوحاً فيدخل كل إنسان سواء كان الرجل في البيت أو لم يكن، فبقي هذا زمناً بعد الإسلام إلى أن حرم الله ذلك، وفي الصحيح أن عمر ﵁ قال: (وافقت ربي في ثلاث: قلت لنبي الله ﵊: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزل قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، وقلت: يا رسول الله إنه يدخل بيتك البر والفاجر فلو حجبت نساءك عن الناس، فما كان يجيبني أو يستجيب لي، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] وقلت لنسائه في قصة الغيرة وطلب النفقة وهجره لهن شهراً كاملاً دخلت عليهن فقلت لهن: والله لا تزلن على حالكن حتى يطلقكن أو يبدله الله خيراً منكن، فقالت أم سلمة: يا عمر أما كان لرسول الله أن يعظ نساءه وأن يأمرهن وينهاهن غيرك، فخجل عمر وخرج، فنزل قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم:٥]).
والإمام الحافظ العسقلاني له رسالة في موافقات عمر لله في كتابه، فعد منها أربعة عشر قضية، ومنها: قصة أسرى بدر.
فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] كان هذا في شهر ذي القعدة في السنة الخامسة من الهجرة في غزوة الأحزاب ونزول هذه السورة الكريمة.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: إلا أن يؤذن لكم في الدخول للطعام، أو إلى اجتماع إن طلبكم لسبب فادخلوا، وإلا فالمسجد هو النادي وهو دار الندوة وهو المجتمع.
فقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] من آن يئين إذا أدرك واستوى، أي: لا تدخلوا حتى إذا دعيتم لطعام إلا إذا نضج واستوى وأعد، أما أن تجلسوا عنده الساعات الطوال وتضيقوا عليه، أو تأتوا بلا دعوة تنتظرون نضج الطعام فلا، وهؤلاء اسمهم في اللغة العربية: طفيلية، والآية كذلك يقال عنها: آية التطفيل.
وللإمام الخطيب البغدادي رسالة مطبوعة في التطفيل والمتطفلين ذكر فيها غرائب وعجائب من هذه الآية إلى أحداث في عصر النبوة وبعده إلى القرن الخامس.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣]، أي: حال كونكم غير منتظرين ولا معدين الأنفس إلى أن تدخلوا قبل نضجه، بل لا تدخلوا إلا بعد النضج، فالله قال للمؤمنين يؤدبهم ويهذبهم ويدافع عن النبي ﵊ الذي كان أكثر حياءً من العذراء في خدرها، قال: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣]، يعني: يأذن لكم النبي ﵊، ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: غير منتظرين نضجه.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: إذا دعيتم لدخول البيت للطعام فادخلوا.
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: لا تجلسوا بعد الطعام يأنس بعضكم ببعض، وتتذكرون الأحداث والقصص وعلل وهموم أولادكم وأزواجكم وأنتم في بيت رسول الله مثقلين عليه وعلى نسائه.
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: إذا أكلتم فاخرجوا، هذا أدب مع رسول الله، وأدب الدعوات عند جميع المسلمين، فالجلوس بعد الطعام والحديث قلة أدب وتثقيل على المسلمين، وقد قال ﵊: (من دعي فليجب)، عرساً أو غيره، (ولكن إذا دخلتم فخففوا)، أي: خففوا على أهل البيت حتى إذا طعمتم فانتشروا، ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣].
أي: أن دخولكم البيت بغير إذن، ومجيئكم للطعام بلا دعوة، وإتيانكم للطعام قبل نضجه بساعة أو ساعات، وبقاءكم بعد الطعام مدة طويلة أو قصيرة، كل هذا كان يتأذى منه النبي ﵊ بليغ الإيذاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، إذا كان الكلام مع جماعة فالإضافة لاسم الإشارة يكون جماعة: ((إن ذلكم))، أي: يا هؤلاء الجماعة ذلك العمل من الدخول والمكث والانتظار طويلاً، وانتظار النضج والدخول قبله، ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣].
أي: كان يتأذى منه، ولكنه كان يستحيي أن يقول لهم: اخرجوا؛ لأن الدار داره، والنبي ﷺ كان سيد الكرماء، وكان كعادة قومه ضرب بهم المثل في الكرم، فكان يصعب عليه أن يقول لهم: اخرجوا عني، فكان يتحمل ذلك، ولكنه كان يتأذى في نفسه الأذى البالغ، ولا يتكلم ولا يشتكي حتى لا يبلغهم ذلك فيؤذيهم.
﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣]، أي: الله لا يستحيي أن يعلن الحق، فهو الآمر والناهي ﷻ ، وإن كان النبي له هذا الحق يأمر ويوجب وينهى ويحلل ويحرم بإذن الله وأمر الله، ولكن بما أن الأمر يمسه وفي داره وعلى طعامه كان يجد حياءً من نفسه أن يبعدهم فيقولون: طردنا رسول الله من بيته، وكان ذلك يؤذيه، وقد يفسرون ذلك تفسيراً قبيحاً فيصفونه بالبخل وما إلى ذلك، والنبي ﷺ ضرب به المثل في الكرم، فقد كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، طالما أعطى المائة من الإبل وأعطى أكثر من ذلك وأقل ﷺ ، ولا يكاد يمسك بيده شيئاً.
ونزول هذه الآية في هذا وفي الحجاب، وذلك عندما تزوج النبي ﵊ زينب بنت جحش الأسدية مطلقة زيد بن حارثة أولم عليها رسول الله ﵊ باللحم والخبز، فهو ﵊ عندما أصبح متزوجاً زينب أرسل أنساً وقال له: (ادع لي فلاناً وفلاناً وفلاناً للطعام في البيت لوليمة زينب، وادع كل من وجدته، فدعا جميع من وجده، وطاف في الأسواق فجاء معه بثلاثمائة مدعو، فملئوا الغرف النبوية وملئوا ساحات الدار، وقبل أن يقدم الطعام دعا به فوضع عليه يده، يقول أنس: ولقد كان الطعام قليلاً فوضع عليه يده فأكل هؤلاء الثلاثمائة عشرة عشرة، قال: فوالله عندما رأيته لا أدري هل كان بعدما أكلوا أكثر منه عندما وضعته، أو كان في الأول أكثر، فكل الأواني لم تفرغ من الطعام لا لحماً ولا خبراً) وهذا من معجزات رسول الله ﵊ المشهور بها، وكان الله يبارك له في كل ما يضع يده عليه من ماء أو طعام.
فعندما أكل الناس من الطعام جلسوا يتحدثون، فتضايق منهم النبي ﵊ والحجاب لم ينزل بعد، وكانت العروس جالسة في المكان الذي سيدخل فيه الرجال ووجهها إلى الحائط، وبقيت ساعات على هذه الحال.
فالنبي ﵊ خرج بعد أن انتهت الوليمة ليشعرهم بذلك فيخرجون، يقول أنس:
стр. 1434
أمر الله نساء النبي بالحجاب وبيان صفته
قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣].
أي: إذا أردتم ما يتمتع به من آنية أو آلة أو أردتم فتوى أو سؤالاً علمياً فاسألوهن من خلف الحجاب، والحجاب يجب أن يكون كاملاً بحيث يحرم رؤية نساء رسول الله ﷺ حتى شخوصهن من وراء النقاب، فلا ترى شخوصهن ألبتة، لا بد أن يكن مستورات خلف حائط أو ستار، ولذلك أمرهن الله بعدم الخروج، ولذلك عندما ذهبت عائشة إلى الكوفة وقصدها الصلح ركبت على هودج، فكانت مستورة لا يرى منها شيء.
وفي حياة عمر ﵁ ماتت سودة فأمر عمر ألا يحضر جنازتها إلا محارمها؛ لكي لا ترى جثتها تحت الكفن؛ لأنه يحرم على الرجال أن يروا من نساء النبي ﵊ حتى شخوصهن وهن متسترات، ولو تحت النقاب، فالتفتت إليه أم حبيبة وكانت في أرض الحبشة فقالت له: يا أمير المؤمنين لما كنا في الحبشة مهاجرين رأيناهم يضعون النساء عند موتهن في صندوق من خشب، فلو فعلت ذلك، فأعجبت الفكرة عمر، فوضع سودة في صندوق من الخشب، ووضع الصندوق في التراب ودفنت به؛ لكي لا ترى ألبتة.
وهذه العادة أن المرأة تكون في صندوق ويحمل الصندوق الرجال ولا يرون جثة المرأة، لا تزال في المغرب إلى اليوم منذ ألف وأربعمائة عام، منذ عهد المؤسس الأول للدولة الإدريسية: إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي، وفاطمة ﵈، وأخذ هذه العادة من الحجاز، وهو مدني أخذها من المدينة المنورة، ولا تزال هذه العادة هنا كذلك، ولكن لا أدري هل تدفن بصندوقها أو إنما توضع على النعش كذلك مستورة ولا تدفن في صندوقها؟ أما المغاربة فهم أكثر اهتماماً بهذه السنة لأمهات المؤمنين.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: أطهر أكرم وأشرف وأبعد عن الريبة والسوء والأطماع، سواء كان هذا في الحياة النبوية أو بعده، خاصة وستذكر المعاني المسندة لهذا في آخر الآية.
بعد أن نزل الحجاب قال البعض: لماذا نحجب عن بنات عمنا وعن بنات عشيرتنا؟ لو مات رسول الله لتزوجنا عائشة وكل صار يقول كلاماً، فحرم الله الكلام معها ومع غيرها من أمهات المؤمنين، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: أطهر لقلوب السائلين والرجال المتكلمين، ومن تكلم معهن من أمهات المؤمنين أطهر وأبعد عن الريب والقيل والقال.
стр. 1435
النهي عن إذاية الرسول وتحريم التزوج بنسائه من بعده
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣].
زعموا أنه عندما نزل الحجاب قال طلحة بن عبيد الله وهو تيمي من عشيرة عائشة: لم يحجب عنا بنات عمنا؟ لو مات رسول الله لتزوجت عائشة.
فكان هذا القول عظيماً، وإن كان هذا الكلام عن طلحة نفاه البعض من السلف والإمام السيوطي ذكر: أن رجلاً يسمى طلحة بن عبيد الله وليس هو طلحة بن عبيد الله الذي هو أحد الستة المرشحين للخلافة، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي شلت يده يوم أحد دفاعاً عن رسول الله ﷺ وبقيت معطلة لم يستفد بها.
وقال بعضهم: عندما قال طلحة هذا إنما قاله على العادة من أن العرب المسلمين كانوا يتزوجون من مات عنهن أزواجهن ومن طلقهن أزواجهن، فاعتبروا هذه حسب العادة، ولكن عندما نزلت الآية وقال الله عن هذا إنه إذاية لرسول الله، وأن الزواج بنسائه بعده أمر عظيم وخطر عظيم وبلاء عظيم في الإسلام، تركوا هذا القول وتابوا إلى الله منه.
وفي حياة أبي بكر تزوجت امرأة طلقها الرسول ﷺ قبل الدخول بها، فانزعج أبو بكر وهم بقتلها وقتل من تزوجها، فقال له عمر: أربع على نفسك، لم ينزل عليها حجاب ولم يدخل بها رسول الله، ولم يتم له عقد عليها ولم تسم بأم المؤمنين، وبالتالي فليست زوجة لرسول الله.
بعد هذا هدأت نفس أبي بكر.
أما لو حاولت إحداهن وحاشاها من ذلك أن تتزوج أو حاول أحد أن يخطبهن لقتله أبو بكر والمؤمنون.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥٣] سواء الإذاية بالإثقال عليه بالكلام أو بقلة الأدب معه، أو بمخالفته وعصيانه، أو غيرها من أنواع الإيذاء.
ومن الإيذاء الزواج بإحدى أمهات المؤمنين، وما سماهن الله أمهات للمؤمنين إلا لأنهن محرمات على الرجال تحريم الأم أدباً واحتراماً، ولسن بأمهات حقيقة، ولا يجوز للمؤمنين أن يجلسوا معهن أو أن يكلموهن إلا من وراء حجاب.
﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣] والنكاح يقصد به العقد والخطبة وما سوى ذلك، فكل ذلك قد حرمه الله.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣]، أي: كان هذا الأمر شيئاً فظيعاً عظيم الإثم، من الكبائر ومن الجرائم لمن فكر فيه، فضلاً عن أن يطلبه أو يسعى فيه، سواء من الرجال أو من أمهات المؤمنين أنفسهن.
هل هذا الحجاب خاص بأمهات المؤمنين أو عام لكل المؤمنات؟ الحجاب عام لكل المؤمنات، ما أمر رسول الله ﷺ بأمر إلا وكان ذلك أمراً عاماً لجميع الرجال والنساء، إلا ما خص الله به نبيه دون المؤمنين، كما قال عن الواهبة نفسها، وكما خصه الله بتسع نسوة، وكما خصه الله بالتهجد ليلاً فرضاً، وكما خصه بتحريم أكل الثوم والبصل والكراث وما فيه رائحة كريهة، وهو حلال لكل المؤمنين، ولكن إذا أكلوه وكان نيئاً وكانت رائحته ظاهرة يخرجون من المسجد إن دخلوه، حتى تنقطع منهم تلك الروائح الكريهة.
إذاً: الحجاب حسب هذه الآية يشمل بدن المرأة، وكما قال ابن عباس وابن مسعود: (المرأة كلها عورة، وإنما أذن لها بكشف عين واحدة أو عينين للنظر).
ومن باب أولى إن خرجت لشغلها أو للضرورة من الدين والدنيا أن تخرج غير متبرجة ولا متعطرة ولا متزينة ولا مظهرة محاسنها لأحد، ولا متكسرة في مشيتها في الشوارع، شأن من يعرضن أنفسهن على الرجال من الفساق والفخار.
стр. 1436
تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً)
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤].
قالوا عن طلحة عندما ذكر ما ذكر وقال ما قال: من التزوج بـ عائشة ﵂ بعد موت رسول الله: إنه بعد نزول الآية حج على رجليه وهو كبير يتجاوز الأربعين توبة لله ورجاء مغفرته، وإنه أعتق جميع عبيده وإمائه طلباً للمغفرة من الله من هذه القولة التي قالها، وفعل الكثير من الحسنات عسى الله أن يتوب عليه وأن يغفر له قولته، إن كان قالها فهي قولة عظيمة، ولكن الله يتوب على من تاب، على أن السلف قالوا: لم يقل ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁.
وقد ذكرنا أن السيوطي أكد في رسالة مستقلة أن الذي قال ذلك رجل اسمه طلحة بن عبيد الله وهو غير طلحة بن عبيد الله الذي هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، والذي شلت يده يوم أحد دفاعاً عن رسول الله ﵊.
قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب:٥٤] أي: إن تظهروا ما أضمرتم في نفوسكم أو تخفوه عن الله، فإن الله بكل شيء عليماً.
فمن أخفى الزواج بأمهات المؤمنين، ومن أخفى الرغبة فيهن، ومن حدثته نفسه بما لا يليق مع رسول الله ومع مقام رسول الله ﵊ فالله عالم بذلك لا تخفى عليه خافية ﷻ وعلا مقامه.
وهذه الآية خرجت مخرج التهديد والوعيد والنذير لمن تحدثه نفسه بأمثال هذه الأشياء من إيذاء رسول الله فيما لا يرضي رسول الله، سواء كان حياً أو ميتاً؛ لقولة يقولها أو بعمل يعمله، أو بمخالفة له في أوامره ونواهيه، فالله يعلم ذلك من نفس الإنسان أخفى ذلك أو أعلنه.
стр. 1437
تفسير قوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن)
قال الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥].
أي: بعد أن منع الرجال من أن يتكلموا مع أمهات المؤمنين إلا من وراء حجاب، استثنى هؤلاء فقال: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: لا إثم ولا ملامة ولا حرج أن يراهن آباؤهن، أن يرى عائشة أبو بكر، وأن يرى حفصة عمر، وهكذا بقية نساء النبي ﵊.
وقوله: ﴿وَلا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥].
كان لأكثر أمهات المؤمنين أولاد، وكلهن أرامل سوى عائشة وكان لبعضهن أولاد من غير رسول الله ﵊، فأذن الله لهن ولهم أن يرى بعضهم بعضاً؛ لأن هؤلاء محارم.
وقوله: ﴿وَلا إِخْوَانِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥].
أي: الأخ من الأب والأم أو من الأب فقط أو من الأم فقط، لا مانع من أن يرى محمداً وعبد الرحمن عائشة، ولا مانع من أن يرى معاوية بن أبي سفيان أخته أم حبيبة، وهكذا قل في بقية أمهات المؤمنين.
وقوله: ﴿وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥].
أي: أبناء محمد بن أبي بكر، وأبناء عبد الرحمن بالنسبة لـ عائشة، وأبناء معاوية وأبناء الباقي من الإخوة الذكور بالنسبة لـ أم حبيبة.
وقوله: ﴿وَلا أَبْنَاءِ أِخْوَاتِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أبناء الأخوات كأبناء أسماء أخت عائشة وهم عروة وإخوته.
وقوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] قال أكثر المفسرين: لا يحل لأمهات المؤمنين كما لا يحل للمؤمنات عموماً أن يتكشفن أمام امرأة غير مسلمة، ويعتبرنها كالرجل تماماً؛ كي لا تصف هذه المرأة المشركة أمهات المؤمنين.
стр. 1438
تفسير سورة الأحزاب [٥٥ - ٥٦]
يبين الله في كتابه المحارم الذين لا جناح على المرأة أن تظهر أمامهم، وذلك بعد أن ذكر الحجاب المفروض على أمهات المؤمنين، وبين أيضاً ما شرف به عبده محمداً ﷺ من أنه وملائكته يصلون عليه، ثم فرض على المؤمنين أن يصلوا عليه ويسلموا تسليماً.
стр. 1439
تابع تفسير قوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن)
قال الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥].
نحن لا نزال مع سورة الأحزاب وما فيها من أحكام الحلال والحرام، وأحكام النكاح للمؤمنين جميعاً ولرسول الله ﷺ خاصة، وما في السورة من آداب ورقائق وتهذيب، آداب الأسرة في أدبها في بيوتها وفي ولائمها ومع الناس.
عندما أنزل الله سبحانه الحجاب وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شهر ذي القعدة حيث كانت غزوة الأحزاب التي سميت بها السورة، نزل قوله تعالى فيما نزل من آية الحجاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ولو بقيت هذه الآية وحدها لفهم أن الحجاب عام في المحارم وغير المحارم، ولكن الله ﷻ استثنى من ذلك المحارم بعد أن فرض الحجاب على أمهات المؤمنين وتبعاً لهن نساء المؤمنين، وجعل ذلك فرضاً واجباً على كل امرأة مسلمة قد بلغت الحلم.
فاستثنى الله بعد ذلك بقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: لا جناح ولا إثم ولا حرج على أمهات المؤمنين ونساء المؤمنين في الكشف لآبائهن، أو أبنائهن، أو إخوانهن، أو أبناء إخوانهن، أو أبناء أخواتهن، كل ذلك قد أباح الله لأمهات المؤمنين وللنساء المؤمنات، أباح لهن عدم الحجاب منهم؛ لأنهم محارم.
وقوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] فسر المفسرون النساء هنا مع الإضافة إليهن أي: النساء المسلمات، أما المرأة غير المسلمة فلا يباح للمؤمنة ولا لأمهات المؤمنين أن يكشفن لهن.
ولكن بعض المفسرين من المحققين يقولون: إن معنى قوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: لا يحتجبن من النساء مطلقاً كما لا يحتجبن من ذوي المحارم أو ما ملكت أيمانهن.
وقوله: ﴿وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: ولا حرج ولا إثم في ملك اليمين، قالوا: ملك اليمين هنا النساء، ولا دخل للرجال في الموضوع؛ لأن الرجال قد خرجوا في الآية السابقة: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] فهنا الخطاب لكل الرجال سواء كانوا أحراراً أو عبيداً.
فقوله: ﴿وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: ما ملكت اليمين من الإماء لأمهات المؤمنين فلا حرج في عدم الحجاب منهن.
وهذه الآية لم يذكر فيها أبناء الأزواج، والربائب.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ذكر البعولة، أما هنا فالبعل هو النبي ﵊، وأيضاً لم يذكر أبناء البعولات، من هنا كان الحسن والحسين أبناء فاطمة وأبناء علي، أسباط رسول الله ﵊، بما أن أبناء البعولة أبناء الزوج الذي هو رسول الله ﵊ لم يذكروا هنا في الآية، فـ الحسن والحسين كلاهما: بالنسبة لأمهات المؤمنين كغيرهما من الرجال، وبقيا على عموم الحجاب، فلم يكن الحسن ولا الحسين يدخلان على أزواج رسول الله ﷺ ، ولم يكونا يوماً يريدان رفع الحجاب بينهما وبينهن، وأمهات المؤمنين أقررن كذلك أن الحسن والحسين وهما أبناء رسول الله ﵊.
ولكن الحسن والحسين ﵉ فهما الآية فهماً ظاهرياً، ومن أدلة الظاهرية داود وابن حزم ورجال مذهبهما أن النص يفهم على ظاهره، فـ الحسن والحسين لأنهما لم يذكرا في هذه الآية حسبا أنفسهما أجانب عن أمهات المؤمنين، فيجب عليهن أن يحجبن منهما، وبقيا هكذا مدة حياتهما ﵄.
لم يذكر في الآية كذلك ما ذكر في إبداء الزينة كما في سورة النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وإنما ذكر الباقي من أبناء الإخوة وأبناء الأخوات والنساء وملك اليمين.
ولم يذكر الخال والعم لا في الآية الأولى ولا في الآية الثانية، ومن هنا كره بعض الأئمة أن تكشف البنت خمارها وشعرها أمام عمها أو خالها؛ لأنهما قد يصفان بنت الأخ وبنت الأخت لأولادهما، والأمر ليس كذلك، فالعم محرم والخال محرم، ولكن العم دخل في ذكر الأب: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فالعم أب، وقد قال ﵊: (العم صنو الأب) أي: هو أب وأخ للأب وفي رتبة الأب.
ولم يذكر الخال؛ لأنه في معنى الخالة، وقد قال ﵊: (الخالة أم).
هذه الآيات الكريمات لم يذكر الله فيها ابن العم وابن الخال؛ لأنهما أجنبيان، والزواج بهما صحيح جائز بإجماع المسلمين.
وقد جاء الإسلام وسطاً بين اليهود والنصارى، فالنصارى حرموا الزواج بابنة العم وابنة الخال، واعتبروهما كالأختين إلى سبعة آباء.
واليهود أفرطوا وتجاوزوا الحد فأباحوا زواج بنت الأخ لعمها، وبنت الأخت لخالها، فتزوجوا المحارم.
وقوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: من كن من جنسهن فلا استثناء، فالنساء كلهن لا يحتجب بعضهن من بعض إلا في العورات، والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الرجل من السرة إلى الركبتين، فما سوى العورات يجوز أن يراه المحرم، وما كان من العورة فلا يجوز بحال إلا للزوج.
ومن هنا ذكرت البعولة -أي الأزواج- في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فهذا استثناء من الحجاب الذي فرضه الله على نساء النبي ﵊.
ثم أمرهن بالتقوى فقال: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٥٥].
أي: خفن من الله واخشينه، وخفن عذابه وعقابه وأطعنه، أحللن حلاله وحرمن حرامه فيما أمر به في كتابه، وطاعة رسوله ﵊ طاعة له.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥] هذا نذير ووعيد، أي: اعلموا يا هؤلاء أن الله شاهد ورقيب على أعمالكم، إن فعلتم خيراً فمرجع ذلك في الخير والجزاء لكم، وإن فعلتم سوى ذلك فإثمه عليكم، ولكن نساء النبي ﷺ ﵅ كن في منتهى التقوى والصلاح والطاعة والرضا لله ولرسوله.
стр. 1440
تفسير قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
هذه رتبة عظيمة وشرف كبير لمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، أن الله وملائكته يصلون عليه، ويحض المؤمنين أن يعملوا عمله وعمل ملائكته.
ومعنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب:٥٦]: (يصلون): فعل مضارع يدل على الحال والاستقبال، أي: أن الله ﷻ وملائكته منذ كان رسول الله ﷺ رسولاً يصلون عليه حال نزول الآية ومستقبلاً وإلى يوم القيامة.
وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] أي: للزمن الآتي خير لك من ما مضى درجة ورفعة، وذلك بكثرة صلاة الله عليه وصلاة ملائكته عليه وصلاة أتباعه من المؤمنين وسلامهم عليه ﵊.
والصلاة من الله رحمة وثناء وذكر بين الملائكة، أي: الله ﷻ يثني على نبيه في أوساط الملائكة وبين ملئهم في الحال وفي الاستقبال وإلى يوم القيامة.
ثم هو يرحمه رحمات متتابعات إلى لقاء الله وإلى دخول الفردوس الأعلى من الجنة، وهي منزلته من الجنة.
وصلاة الملائكة دعاء لرسول الله، فالملائكة يدعون لرسول الله ﵊ باستمرار، يدعون له برفع الدرجات وبتوالي الرحمات، ويدعون الله ﷻ أن يزيده مقاماً فوق مقامه ﷺ .
следующие страницы →