← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً) قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤]. قالوا عن طلحة عندما ذكر ما ذكر وقال ما قال: من التزوج بـ عائشة ﵂ بعد موت رسول الله: إنه بعد نزول الآية حج على رجليه وهو كبير يتجاوز الأربعين توبة لله ورجاء مغفرته، وإنه أعتق جميع عبيده وإمائه طلباً للمغفرة من الله من هذه القولة التي قالها، وفعل الكثير من الحسنات عسى الله أن يتوب عليه وأن يغفر له قولته، إن كان قالها فهي قولة عظيمة، ولكن الله يتوب على من تاب، على أن السلف قالوا: لم يقل ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁. وقد ذكرنا أن السيوطي أكد في رسالة مستقلة أن الذي قال ذلك رجل اسمه طلحة بن عبيد الله وهو غير طلحة بن عبيد الله الذي هو أحد العشرة المبشرين بالجنة، والذي شلت يده يوم أحد دفاعاً عن رسول الله ﵊. قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب:٥٤] أي: إن تظهروا ما أضمرتم في نفوسكم أو تخفوه عن الله، فإن الله بكل شيء عليماً. فمن أخفى الزواج بأمهات المؤمنين، ومن أخفى الرغبة فيهن، ومن حدثته نفسه بما لا يليق مع رسول الله ومع مقام رسول الله ﵊ فالله عالم بذلك لا تخفى عليه خافية ﷻ وعلا مقامه. وهذه الآية خرجت مخرج التهديد والوعيد والنذير لمن تحدثه نفسه بأمثال هذه الأشياء من إيذاء رسول الله فيما لا يرضي رسول الله، سواء كان حياً أو ميتاً؛ لقولة يقولها أو بعمل يعمله، أو بمخالفة له في أوامره ونواهيه، فالله يعلم ذلك من نفس الإنسان أخفى ذلك أو أعلنه.

стр. 1437

تفسير قوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن) قال الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥]. أي: بعد أن منع الرجال من أن يتكلموا مع أمهات المؤمنين إلا من وراء حجاب، استثنى هؤلاء فقال: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: لا إثم ولا ملامة ولا حرج أن يراهن آباؤهن، أن يرى عائشة أبو بكر، وأن يرى حفصة عمر، وهكذا بقية نساء النبي ﵊. وقوله: ﴿وَلا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥]. كان لأكثر أمهات المؤمنين أولاد، وكلهن أرامل سوى عائشة وكان لبعضهن أولاد من غير رسول الله ﵊، فأذن الله لهن ولهم أن يرى بعضهم بعضاً؛ لأن هؤلاء محارم. وقوله: ﴿وَلا إِخْوَانِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥]. أي: الأخ من الأب والأم أو من الأب فقط أو من الأم فقط، لا مانع من أن يرى محمداً وعبد الرحمن عائشة، ولا مانع من أن يرى معاوية بن أبي سفيان أخته أم حبيبة، وهكذا قل في بقية أمهات المؤمنين. وقوله: ﴿وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥]. أي: أبناء محمد بن أبي بكر، وأبناء عبد الرحمن بالنسبة لـ عائشة، وأبناء معاوية وأبناء الباقي من الإخوة الذكور بالنسبة لـ أم حبيبة. وقوله: ﴿وَلا أَبْنَاءِ أِخْوَاتِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أبناء الأخوات كأبناء أسماء أخت عائشة وهم عروة وإخوته. وقوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] قال أكثر المفسرين: لا يحل لأمهات المؤمنين كما لا يحل للمؤمنات عموماً أن يتكشفن أمام امرأة غير مسلمة، ويعتبرنها كالرجل تماماً؛ كي لا تصف هذه المرأة المشركة أمهات المؤمنين.

стр. 1438

تفسير سورة الأحزاب [٥٥ - ٥٦] يبين الله في كتابه المحارم الذين لا جناح على المرأة أن تظهر أمامهم، وذلك بعد أن ذكر الحجاب المفروض على أمهات المؤمنين، وبين أيضاً ما شرف به عبده محمداً ﷺ من أنه وملائكته يصلون عليه، ثم فرض على المؤمنين أن يصلوا عليه ويسلموا تسليماً.

стр. 1439

تابع تفسير قوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن) قال الله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥]. نحن لا نزال مع سورة الأحزاب وما فيها من أحكام الحلال والحرام، وأحكام النكاح للمؤمنين جميعاً ولرسول الله ﷺ خاصة، وما في السورة من آداب ورقائق وتهذيب، آداب الأسرة في أدبها في بيوتها وفي ولائمها ومع الناس. عندما أنزل الله سبحانه الحجاب وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة في شهر ذي القعدة حيث كانت غزوة الأحزاب التي سميت بها السورة، نزل قوله تعالى فيما نزل من آية الحجاب: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ولو بقيت هذه الآية وحدها لفهم أن الحجاب عام في المحارم وغير المحارم، ولكن الله ﷻ استثنى من ذلك المحارم بعد أن فرض الحجاب على أمهات المؤمنين وتبعاً لهن نساء المؤمنين، وجعل ذلك فرضاً واجباً على كل امرأة مسلمة قد بلغت الحلم. فاستثنى الله بعد ذلك بقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: لا جناح ولا إثم ولا حرج على أمهات المؤمنين ونساء المؤمنين في الكشف لآبائهن، أو أبنائهن، أو إخوانهن، أو أبناء إخوانهن، أو أبناء أخواتهن، كل ذلك قد أباح الله لأمهات المؤمنين وللنساء المؤمنات، أباح لهن عدم الحجاب منهم؛ لأنهم محارم. وقوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] فسر المفسرون النساء هنا مع الإضافة إليهن أي: النساء المسلمات، أما المرأة غير المسلمة فلا يباح للمؤمنة ولا لأمهات المؤمنين أن يكشفن لهن. ولكن بعض المفسرين من المحققين يقولون: إن معنى قوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: لا يحتجبن من النساء مطلقاً كما لا يحتجبن من ذوي المحارم أو ما ملكت أيمانهن. وقوله: ﴿وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: ولا حرج ولا إثم في ملك اليمين، قالوا: ملك اليمين هنا النساء، ولا دخل للرجال في الموضوع؛ لأن الرجال قد خرجوا في الآية السابقة: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] فهنا الخطاب لكل الرجال سواء كانوا أحراراً أو عبيداً. فقوله: ﴿وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: ما ملكت اليمين من الإماء لأمهات المؤمنين فلا حرج في عدم الحجاب منهن. وهذه الآية لم يذكر فيها أبناء الأزواج، والربائب. وفي قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ذكر البعولة، أما هنا فالبعل هو النبي ﵊، وأيضاً لم يذكر أبناء البعولات، من هنا كان الحسن والحسين أبناء فاطمة وأبناء علي، أسباط رسول الله ﵊، بما أن أبناء البعولة أبناء الزوج الذي هو رسول الله ﵊ لم يذكروا هنا في الآية، فـ الحسن والحسين كلاهما: بالنسبة لأمهات المؤمنين كغيرهما من الرجال، وبقيا على عموم الحجاب، فلم يكن الحسن ولا الحسين يدخلان على أزواج رسول الله ﷺ ، ولم يكونا يوماً يريدان رفع الحجاب بينهما وبينهن، وأمهات المؤمنين أقررن كذلك أن الحسن والحسين وهما أبناء رسول الله ﵊. ولكن الحسن والحسين ﵉ فهما الآية فهماً ظاهرياً، ومن أدلة الظاهرية داود وابن حزم ورجال مذهبهما أن النص يفهم على ظاهره، فـ الحسن والحسين لأنهما لم يذكرا في هذه الآية حسبا أنفسهما أجانب عن أمهات المؤمنين، فيجب عليهن أن يحجبن منهما، وبقيا هكذا مدة حياتهما ﵄. لم يذكر في الآية كذلك ما ذكر في إبداء الزينة كما في سورة النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] وإنما ذكر الباقي من أبناء الإخوة وأبناء الأخوات والنساء وملك اليمين. ولم يذكر الخال والعم لا في الآية الأولى ولا في الآية الثانية، ومن هنا كره بعض الأئمة أن تكشف البنت خمارها وشعرها أمام عمها أو خالها؛ لأنهما قد يصفان بنت الأخ وبنت الأخت لأولادهما، والأمر ليس كذلك، فالعم محرم والخال محرم، ولكن العم دخل في ذكر الأب: ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فالعم أب، وقد قال ﵊: (العم صنو الأب) أي: هو أب وأخ للأب وفي رتبة الأب. ولم يذكر الخال؛ لأنه في معنى الخالة، وقد قال ﵊: (الخالة أم). هذه الآيات الكريمات لم يذكر الله فيها ابن العم وابن الخال؛ لأنهما أجنبيان، والزواج بهما صحيح جائز بإجماع المسلمين. وقد جاء الإسلام وسطاً بين اليهود والنصارى، فالنصارى حرموا الزواج بابنة العم وابنة الخال، واعتبروهما كالأختين إلى سبعة آباء. واليهود أفرطوا وتجاوزوا الحد فأباحوا زواج بنت الأخ لعمها، وبنت الأخت لخالها، فتزوجوا المحارم. وقوله: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: من كن من جنسهن فلا استثناء، فالنساء كلهن لا يحتجب بعضهن من بعض إلا في العورات، والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الرجل من السرة إلى الركبتين، فما سوى العورات يجوز أن يراه المحرم، وما كان من العورة فلا يجوز بحال إلا للزوج. ومن هنا ذكرت البعولة -أي الأزواج- في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور:٣١] فهذا استثناء من الحجاب الذي فرضه الله على نساء النبي ﵊. ثم أمرهن بالتقوى فقال: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٥٥]. أي: خفن من الله واخشينه، وخفن عذابه وعقابه وأطعنه، أحللن حلاله وحرمن حرامه فيما أمر به في كتابه، وطاعة رسوله ﵊ طاعة له. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥] هذا نذير ووعيد، أي: اعلموا يا هؤلاء أن الله شاهد ورقيب على أعمالكم، إن فعلتم خيراً فمرجع ذلك في الخير والجزاء لكم، وإن فعلتم سوى ذلك فإثمه عليكم، ولكن نساء النبي ﷺ ﵅ كن في منتهى التقوى والصلاح والطاعة والرضا لله ولرسوله.

стр. 1440

تفسير قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. هذه رتبة عظيمة وشرف كبير لمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، أن الله وملائكته يصلون عليه، ويحض المؤمنين أن يعملوا عمله وعمل ملائكته. ومعنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب:٥٦]: (يصلون): فعل مضارع يدل على الحال والاستقبال، أي: أن الله ﷻ وملائكته منذ كان رسول الله ﷺ رسولاً يصلون عليه حال نزول الآية ومستقبلاً وإلى يوم القيامة. وقوله تعالى أيضاً: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤] أي: للزمن الآتي خير لك من ما مضى درجة ورفعة، وذلك بكثرة صلاة الله عليه وصلاة ملائكته عليه وصلاة أتباعه من المؤمنين وسلامهم عليه ﵊. والصلاة من الله رحمة وثناء وذكر بين الملائكة، أي: الله ﷻ يثني على نبيه في أوساط الملائكة وبين ملئهم في الحال وفي الاستقبال وإلى يوم القيامة. ثم هو يرحمه رحمات متتابعات إلى لقاء الله وإلى دخول الفردوس الأعلى من الجنة، وهي منزلته من الجنة. وصلاة الملائكة دعاء لرسول الله، فالملائكة يدعون لرسول الله ﵊ باستمرار، يدعون له برفع الدرجات وبتوالي الرحمات، ويدعون الله ﷻ أن يزيده مقاماً فوق مقامه ﷺ .

стр. 1441

صفة الصلاة على رسول الله ﷺ من المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأحزاب:٥٦]. أي: كما أن الله جلت رفعته وعز مقامه يصلي على نبيه ويشيد به ويثني عليه في الملأ الأعلى، ويرحمه دواماً واستمراراً، وبما أن الملائكة الكرام يدعون لنبينا ﵊ في كل زمن وحين وإلى يوم القيامة، فأنتم كذلك يا هؤلاء الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً. وصلاتنا كصلاة الملائكة أي: ندعو له برفع مقامه وعلو درجته في الفردوس الأعلى، ونسلم عليه تسليماً. وتسليماً: مفعول مطلق، أي: نسلم عليه كثيراً ودواماً عند زيارته في المسجد النبوي وفي البعد وحيث كنا من أرض الله تعالى. عندما نزلت هذه الآية جاء الأصحاب إلى رسول الله ﵊ فقالوا له: (يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، وأما الصلاة فكيف نصلي عليك؟) أي: أن السلام تعلموه من التحيات حيث كان يعلمها النبي ﷺ المسلمين من على المنبر كما يعلمهم السورة من القرآن، وفي التحيات (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته). فهم علموا معنى السلام، ولكن الصلاة في لغة العرب: هي الدعاء، فجاء الاصطلاح وغير هذا المعنى إلى اصطلاح شرعي، فكانت الصلاة هي الصلاة المعروفة عندنا بالتكبير مع الطهارة واستقبال القبلة، مع قراءة الفاتحة والسورة، مع الركوع والسجود والارتفاع من الركوع ومن السجود، إلى ركعات معدودة اثنتين وأربعاً وأربعاً وثلاثاً وأربعاً، جهرية وسرية. فهم قد علموا أن الصلاة انتقلت من مصطلحها اللغوي في العبادة إلى اصطلاحها الشرعي، فعندما قيل لهم: صلوا، فلم يدروا الصلاة على رسول الله كيف هي، هل سيصلون عليه هذه الصلاة بمفهومها الشرعي؟ فهم يعلمون أن الله وحده المعبود، وأن النبي ﷺ عبد لله وتلك أشرف صفاته وأسماها وأعلاها. إن التحية هي: السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته، وقد ألغى الله سلام العرب في الجاهلية، وألغى سلام الأمم الأخرى في الجابهلية، وقد كانوا يقولون: عم صباحاً وعم مساءً، والمسلمون اليوم تركوا السلام الإسلامي وصاروا يقولون: صباح الخير، مساء الخير، وهذه تحية جاهلية، وليست تحية إسلامية، وكانوا يسلمون على الأمراء في الجاهلية ويقولون: أبيت اللعن، أي: أبيت وامتنعت عما يوجب اللعن، فألغى الله تعالى هذه التحية أيضاً، فجعل التحية بيننا: السلام عليكم، نقولها لرسول الله حياً وميتاً، ويقولها لنا رسول الله عندما كان حياً ﵊، ونسلم على بعضنا كذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦]. فإذا قال المسلم: السلام عليكم، فرد السلام واجب وجوب كفاية، فتقول له: وعليكم السلام، وإن زدت وقلت: وعليكم السلامة ورحمة الله فحسن. فإن قال هو ابتداء: السلام عليكم ورحمة الله، فزد أنت: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، ولا زيادة على قولك وبركاته. فإذا سلم المسلم وقال: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، فرد التحية بهذا اللفظ ولا زيادة. فالصحابة قالوا: (يا رسول الله، أما السلام عليك فقد علمناه فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد)، والحديث رواه الجماعة: البخاري في صحيحه، ومسلم في صحيحه، ومالك في موطئه، وأحمد في مسنده، والشافعي في مسنده، وأصحاب السنن الأربعة في سننهم وهم: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، فهذه تسمى الصلاة الإبراهيمية، ولها ألفاظ أشملها وأعمها هذا اللفظ. وفي بعض الروايات: (اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته) وذكر الذرية بعد الزوجات ينفي المعنى الذي يقوله من لا يعلم: إن الآل هم جميع المسلمين، وليس الأمر كذلك، بل الآل هم أزواج رسول الله وذريته، ولا ذرية لرسول الله إلا من بنته فاطمة. فكان السلام على الآل سلاماً على الأزواج، وهن من خاطبهن الله بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] فكان الخطاب لأمهات المؤمنين، وعندما نزلت الآية في بيت أم سلمة نادى ابنته فاطمة وزوجها علياً وابنيهما الحسن والحسين ﵉، وكان عليه كساء أسود فلفهم به وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً). وهو ما فسره الحديث الصحيح الذي رواه الجماعة: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد). وقوله: (اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته) وذكر الذرية لا يبقي مجالاً لمعنى آخر.

стр. 1442

حكم الصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة أما حكم الصلاة على رسول الله فالله قد أخبرنا بأنه يصلي على النبي، وأن ملائكته تصلي على النبي، وأمرنا أن نصلي عليه ونسلم، وقد نقل الإجماع في وجوب الصلاة على رسول الله ﷺ القاضي عياض في الشفاء، وقال به الإمام الطحاوي والإمام الحليمي والإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي كرم الله وجهه وعليهم السلام. وقال الإمام الشافعي: الصلاة على رسول الله واجب في كل صلاة في التشهد الأخير، فمن لم يصل على رسول الله في الصلاة فصلاته باطلة وعليه أن يعيدها. وما قاله الإمام الشافعي وأعلنه قولاً واحداً بلا خلاف، وهو مذهب جميع أصحابه بلا خلاف، وهو ما ذهب إليه الإمام أحمد أخيراً، وهو مذهب الإمام إسحاق بن راهويه، وهو مذهب الإمام محمد بن إبراهيم بن الموالي المالكي، وهو مذهب ابن المواز المالكي، وهو مذهب ابن العربي الأندلسي المالكي، فلم ينفرد بهذا الإمام الشافعي. إذاً: القول بوجوب الصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة وأن من لم يصل عليه في الصلاة في التشهد الأخير فصلاته باطلة هو مذهب جماعة من الصحابة، منهم: جابر بن عبد الله وعبد الله بن مسعود، وهو مذهب جماعة من التابعين منهم: الإمام الشعبي، ومنهم الإمام محمد الباقر، وزاد أصحاب لـ أحمد وأصحاب للشافعي: أن الصلاة على رسول الله في الصلاة في التشهد الأخير لا بد وأن تكون مع الصلاة على الآل في الصلاة الإبراهيمية، فمن لم يصل على رسول الله ﷺ في الصلاة العامة ويصلي معه على الآل فصلاته باطلة. وهذا هو رأي طائفة من الصحابة وطائفة من التابعين وطائفة من الأئمة المجتهدين. والأحاديث في الصلاة على رسول الله متواترة مستفيضة عن العشرات من الصحابة، وفيهم من الخلفاء الراشدين عمر وعلي، وفيهم من آل البيت الحسن والحسين وفاطمة أمهما بنت النبي عليه وعليهم السلام. وروي كذلك عن جماعات تجاوزت الثلاثين إلى الأربعين، ومع هذه الكثرة الكاثرة والنص على التواتر من الإمام ابن كثير وغيره فهناك من كتب في التواتر فأغفل ذكر الصلاة على النبي ﷺ وأنها من المتواتر. فمن الأحاديث هذه الصلاة الإبراهيمية، ومن ذلك: (من أراد أن يدخل الجنة معي فليصل علي). ومن ذلك قوله ﵊: (البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي). ومن ذلك قوله ﵊ وقد أصبح يوماً منشرح النفس ضاحك الأسارير، فسئل عن ذلك ﵊؟ فقال: (أتاني جبريل فبشرني أن من صلى علي مرة صلى الله عليه عشراً، وكتب له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفعه عشر درجات). وجاء رجل للنبي ﵊ فقال: (يا رسول الله إني أصلي عليك كثيراً، أأصلي عليك ربع صلاتي؟ -أي: ربع وقتي من الدعوات- قال: إن شئت، وأن تزيد خير لك، قال: فالثلث يا رسول الله؟ قال: إن شئت، وأن تزيد خير لك، قال: فالنصف يا رسول الله؟ قال: إن شئت، وإن تزيد خير لك، قال: الثلثين؟ قال: إن شئت وأن تزيد خير لك، قال: يا رسول الله، أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذاً يكفيك الله همك في الدنيا والآخرة، ويغفر الله لك جميع ذنوبك). من الذي يزهد في هذا الخير؟ من الذي يبتعد عن هذه الخيرات؟ من الذي يسمع هذا عمن لا ينطق عن الهوى ﷺ -وهو في غنية عنا بصلاة الله عليه وصلاة ملائكته عليه- ولا يصلي عليه، والله يأمرنا بذلك، ونبي الله ﵊ يأمرنا بذلك ويحضنا؟ والصلاة على رسول الله لا وقت لها ولا زمن كالذكر، وهي تفرض في أوقات معلومة، إذا صلينا على الجنازة فعند التكبيرة الأولى نقرأ الفاتحة الأولى، وعند التكبيرة الثانية نقرأ الصلاة الإبراهيمية: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد إلى آخرها. فنحن في الصلاة على الميت ووداعه الوداع الأخير نصلي على رسول الله؛ لأن هذا الميت كان فضل رسول الله عليه عظيماً، إذ هو برسول الله صار مسلماً، فنحن نيابة عنه وهو قد أفضى إلى ما قدم نصلي على رسول الله شكراً لما أكرم به هذا العبد من كونه آمن به واتبع أوامره واجتنب نواهيه. فإن قصر فنحن ندعو له في التكبيرة الثالثة وندعو لأنفسنا، وفي التكبيرة الرابعة نقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده. إذاً: فالصلاة على رسول الله مطلوبة عند بداية الخطاب وعند نهايته، وعند ابتداء الكلام وعند انتهائه، وتزداد استحباباً وتأكيداً ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فقد قال ﵊: (من صلى علي يوم الجمعة بلغتني صلاته، فقالوا له: كيف تصلك يا رسول الله وقد أرمت - أي: بليت وفنيت - قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، إن صلاتكم تبلغني حيث كنتم وحيث سلمتم) فصلى الله عليه وسلم. وقال ﵊: (إن لله ملائكة سياحين يبلغونني عن أمتي صلاتها وسلامها، وإن الله كلف ملكاً أو ملكين يردان السلام على من سلم علي) صلى الله عليه وعلى آله. ويوم الجمعة قال عنه ﵊: (هو خير أيامكم، فيه خلق آدم، وفيه يموت آدم، وفيه تكون الصعقة - أي: يوم القيامة - ومن صلى علي فيه بلغتني صلاته) فصلى الله عليه وعلى آله. والصلاة على رسول الله يكفي في أجرها وثوابها أن المكثر في صلاته على النبي يكفى همه في الدنيا والآخرة، وتغفر ذنوبه، وتصلي عليه الملائكة، ويرفع الله له عشر درجات، ويمحو عنه عشر سيئات، ويؤتيه عشر حسنات، ومن هنا أوجب من أوجب الصلاة على رسول الله ﵊. (جاء إلى رسول الله ﵊ بدويان أعرابيان فسأله أحدهم، قال: يا رسول الله! قد كثرت علي الشرائع فاختر لي، قال: إن استطعت أن يكون لسانك رطباً بذكر الله فافعل)، ثم ذكر الصلاة عليه ﷺ . فكانت هذه درجات ومنازل بالنسبة للمصلي على النبي ﵊، وفيها من أسمى ما يتمناه المسلم ويسعى إليه العابد، ولا يزهد فيه إلا مغبون، ولا يبتعد عنه إلا مخذول، خاصة إذا ذكر ﵊. فإذا ذكرنا اسمه لا نزال نعقب عليه بقولنا: صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا ذكرناه لا بد أن نصلي عليه، وقد قال ﵊: (البخيل كل البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي) أي: البخيل كثير البخل من يسمع اسم محمد نبيه ورسوله وخاتم الأنبياء ولا يقول عنه: صلى الله عليه وعلى آله. ولا بد أن يذكر آله مع الصلاة عليه؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد). ومن هنا فالإمام الشافعي المطلبي أوجب اجتهاداً بمثل هذه الأحاديث وأضرابها وأشكالها الصلاة على رسول الله في الصلاة، وأن من لم يصل على رسول الله في الصلاة الواجبة فصلاته باطلة، وليس هذا مذهباً خاصاً به، فهو مذهب لـ أحمد. وقال الإمام مالك، والإمام سفيان الثوري: الصلاة على رسول الله في الصلاة في التشهد الأخير سنة مؤكدة يعاتب ويوبخ ويلام تاركها، وكأنهما أيضاً يقولان بالوجوب؛ لأن التوبيخ والتقريع والملامة لا تكون إلا على من ترك واجباً. فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] لنقول امتثالاً لأمر الله وهو يأمرنا كما أمر من قبلنا: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد). والعالمين جمع عالم، أي: عالم الإنس والجن والملك، وفي عوالم البشر عربها وعجمها، مشارقها ومغاربها، وفي العوالم المعاصرة والعوالم الآتية بعدنا بعد رسول الله ﵊ والتي ستتوالى إلى يوم القيامة. وقوله: (وسلموا تسليماً) مفعول مطلق أي: سلاماً دائماً مستمراً لا ينقطع.

стр. 1443

تفسير سورة الأحزاب [٥٧ - ٥٩] يحذر الله الكفار المجرمين الذين يؤذون الله ورسوله، ويبين أن عليهم لعنة الله، وكذلك الذين يؤذون المؤمنين، ويأمر الله أمهات المؤمنين وبنات رسوله الأمين، وكافة نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن حتى لا يؤذين من قبل السفهاء والمنافقين.

стр. 1444

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧]. أما إذاية الله فكانت بجعل الولد والصاحبة له، كما زعمت اليهود والنصارى، فقد أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] وغير ذلك من صور الإيذاء. أما إذاية رسول الله ﵊ فكانت بإخراجه من بلدته مكة المكرمة، وبقولهم عنه: ساحر ومجنون، وبرمي رجليه بالحجارة، وبكسر رباعيته وجرح خده الشريف في المعركة، وبمخالفة أمره وارتكاب نهيه. ومن الإيذاء: قلة الأدب مع رسول الله ﵊، فهلا نتأدب معه؟ وهلا نصلي ونسلم عليه؟ وهلا نعظمه ونحترمه؟ وهلا نجازيه خيراً عما أكرمنا الله به على يده من إيمان وإسلام. وقد قال ﵊ لـ علي: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس) فكيف بمن هدى الله على يديه هؤلاء البشر جميعهم من عاصروه ومن جاءوا بعده إلى عصرنا؟! فهو ﷺ صاحب الفضل الأكبر في إيماننا وإسلامنا واتباعنا له، فكان ذلك موجباً علينا الأدب معه، والصلاة عليه، والتزام احترامه صلى الله عليه وعلى آله. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧]. أي: طردهم الله من رحمته، فهم في دنياهم كفرة تحت ذل المؤمنين واستعبادهم، وفي الآخرة هم في النار خالدين فيها أبداً، إن ماتوا على نصرانيتهم وعلى شركهم ويهوديتهم، إن لم يتوبوا قبل الموت ويتوب الله على من تاب. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب:٥٧] أي: هيأ وأوجد لهم العذاب المهين في الدنيا من الذل والاستعباد، ومن حبهم وعشرتهم للكلاب والخنازير وأمثالها من القاذورات. والعذاب المهين في الآخرة من دخول النار والخلود فيها أبداً سرمداً، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].

стр. 1445

تفسير قوله تعالى: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨]. أي: كما حرم الله إيذاءه بالقذف والقول بما لا يليق بعزته وجلاله من نسبة الولد والصاحبة له، وحرم إيذاء رسوله ﷺ ، كذلك حرم الله إيذاء المسلمين. وإيذاء الله ورسوله كفر وردة، وجزاء فاعل ذلك القتل، وأخذ المال غنيمة، وإيذاء المؤمنين إن كان بحق كأن يرتكب جريمة يستحق عليها الحد من قتل أو زنا أو سرقة أو قذف أو شرب خمر أو ما إلى ذلك؛ فهذا يكون إيذاءً بحق، وبما اكتسب هؤلاء من جرائم وذنوب ومعاص. أما إذا لم يصنعوا شيئاً من ذلك وأوذوا بغير سبب موجب، أو أوذوا بشيء لم يكتسبه المؤمن ولا المؤمنة، فلا يستحق إيذاء ولا يستحق ضرباً ولا يستحق عقاباً ولا يستحق شتيمة، فمن فعل ذلك أخزاه الله وعاقبه الله. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٨] المؤذون للمؤمنين والمؤمنات حملوا في صحائفهم إثماً مبيناً وذنباً ظاهراً، وجريمة بينة، وسيعاقبون عليها في الآخرة، وقد يعاقبون في الدنيا الآخرة إذا لم يسترضوا من آذوه وسامحهم؛ لأن الله يسمح ما يتعلق به، أما ما يتعلق بالعباد فلا بد أن يغفروه ويتنازلوا عنه، كما قال الشاعر: كن كيف شئت فإن الله ذو كرم وانف الهموم فما في الأمر من بأس سوى اثنتين فلا تقربهما أبداً الشرك بالله والإضرار بالناس فالإضرار بالناس لا يغفره الله إلا إذا غفره من أوذي، والشرك بالله إذا مات المرء عليه فلا مغفرة ألبتة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فإذاية المؤمن والمؤمنة كبيرة من الكبائر وجريمة من الجرائم، وكل ذلك بحسبه، فإن سرقه قطع، وإن قذفه جلد، وإن انتهك حرمته عزر، وإن قال عنه ما ليس فيه كان أفاكاً آثماً. وفي الحديث: (جاء رجل إلى رسول الله ﵊ فقال: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قال: فإن كان فيه؟ قال: إن كان فيه فهو غيبة، أما إن ذكرته بما ليس فيه فهو البهتان) والبهت هو أشد الكذب. فمن ذكر أخاه المؤمن بما ليس فيه فلا يعتبر مغتاباً فقط بل يعتبر كذاباً قاذفاً، فالبهت أكبر من الغيبة، ذاك كبيرة وهذا أكبر من الكبيرة وعليه تعزير وتأديب، فقد يصل إلى حد القذف فيجلد الحد.

стр. 1446

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]. فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب:٥٩] لا يزال الله ﷻ ينادي عبده بلقبه الشريف المكرم، وهكذا منذ البداية وإلى ختم القرآن. قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]. الآية الأولى التي درسناها وشرحناها وفسرناها آنفاً في حجاب أمهات المؤمنين، وهذه الآية أصرح، فهي في نساء النبي ﵊ وبناته والنساء المؤمنات عموماً. يقول الله لنبيه: يا محمد، يا رسول الله: قل لهؤلاء زوجة وبنتاً وامرأة مسلمة: يدنين عليهن من جلابيبهن، والإدناء هو التقريب، والجلباب هو الرداء، أو العباية، أو الملحفة. ويكون عادة أقرب لما يصنعه أهل الحجاز، يكون على الخمار فوق الرأس يستر به الوجه وجميع البدن، بحيث ترى المرأة ولا يراها أحد، إن كان ذلك الحجاب صفيقاً. أما ما يجري الآن فالحجاب يكاد يكون في رقة قشر البيضة ولا يستر، فهو إلى الزينة أقرب، وكان مثل هذا الحجاب كما هو حاصل في بعض الأقطار الأخرى، وكان أمر الله قدراً مقدوراً. فأمر الله نبيه أن يأمر نساءه وبناته وأن يأمر نساء المؤمنين إن خرجن لضرورة دينية أو دنيوية كذهاب إلى المسجد أو صلة رحم لأبوين، أو سبب ما قد أذن به فليخرجن غير متبرجات، كما أمرن من قبل، وأن يخرجن بجلباب تام يستر البدن كله الجسد والوجه. قال ابن عباس: أن يحجبن جميع البدن إلا عيناً واحدة. وكان النساء الجزائريات منذ سنوات على هذه الطريقة، ولكنهن الآن ممن رفعن الحجاب ألبتة، وكان في المغرب كذلك في الجبال وفي البدو. أما الحضريات فكن يحجبن البدن كله ويكشفن العينين معاً، وكان المسلمات في الأرض كلها يحتجبن لا يبتعدن من الحجاب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩]. أي: إن كن لا يحتجبن، ومع ذلك كن في الجاهلية يلبسن الجلباب والعباءة ويضعنها على الأكتاف كالرجال، فأمر الله أن يوضع هذا الجلباب على الرأس، وأن يغطى به الوجه والبدن كله. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩]. أي: حجابهن أقرب أن يعرفن فلا يؤذين، فقد كان المنافقون واليهود والفساق والفجار في المدينة، عندما يخرج النساء ليلاً لقضاء الحاجة؛ لأن البيوت ليس بها مراحض وليس هناك مجار، فكن لكي لا يفسدن روائح البيت يصبرن إلى الليل فيخرجن إلى قضاء الحاجة، فكان هؤلاء المنافقون والفجار يتبعوهن، فكانت الإماء لا يحتجبن، فأمر الله الحرائر أن يحتجبن، فإذا جاء المنافقون والفساق فرأوها محتجبة ابتعدوا عنها لا ديناً، ولكن خوفاً من زوجها أو أبيها. أما الأمة فلم يعتبروها، وكانوا يقولون: إذا تجاوزت حدها بيعت أو أعتقت وخلي سبيلها. فالله أمر الحرائر بالحجاب حتى يميزن ويعرفن عن الإماء، فيهابها المنافقون ولا يمسونها ولا يكلمونها ولا يجرءن عليها، فكانوا يخافون من الحرة ومن زوجها ومن أبيها، وممن يتصل بها من رجالها. فالله أكد هنا وأمر أمهات المؤمنين وبنات رسول الله ﵊ والمؤمنات عموماً بالحجاب، وخص أمهات المؤمنين وبنات رسول الله ﵊ بالذكر لشرفهن ومقامهن، ثم نساء المؤمنين كذلك، والأمر واحد أن يحتجبن إذا خرجن لضرورة. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩]. غفوراً للمؤمنات فيما مضى في الجاهلية من تعرية الوجه وعدم حجابه، رحيماً بهن في السنوات التي لم ينزل فيها الحجاب بعد، وكانت جميع سنوات مكة وخمس سنوات من الهجرة في المدينة على ذلك؛ لأنه لم يصدر أمر خلالها بالحجاب. وقال الله لأمهات المؤمنين: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] الأمر لأمهات المؤمنين في الدرجة الأولى أن يبقين في البيوت ولا يخرجن، فإذا اضطررن فلا يخرجن متبرجات لا مظهرات لزينة ولا متطيبات، بل يخرجن تفلات، ويلبسن الجلابيب ويغطين بها جميع أبدانهن. قال أمهات المؤمنين: رحم الله الأنصاريات! عندما نزلت هذه الآية أصبحن في المسجد وكأنما على رءوسهن الغربان. كن يلبسن الملاحف والجلابيب السوداء كما لا زالت تلبس هنا، وكما لا تزال سنة في الشام بالنسبة لمن لا يزال يلبسها. أما جلابيب المغربيات فكن يلبسن الثياب البيضاء الخشنة. فهنا بين تعالى أن الجلباب ليس خاصاً بأمهات المؤمنين وليس خاصاً ببنات رسول الله ولكنه عام في الجميع. وعندما قال ﷻ : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] كان من المعلوم أن السؤال لا يكون من وراء حجاب إلا وهن محتجبات، وفسر المفسرون الآية الماضية بخصوص أمهات المؤمنين، وأنه لا يجوز أن ترى جسومهن حتى مع الجلباب والنقاب، وأنه لا بد أن يكون هناك ستار قائم، حتى لا يعرف طولهن من عرضهن، ولا صغرهن من كبرهن. كما فعل عمر لما ماتت إحدى أمهات المؤمنين أمر ألا يحضر جنازتها إلا محرم، فقالت له أم حبيبة أم المؤمنين: يا أمير المؤمنين، رأيت في الحبشة إذا ماتت المرأة منهم وضعت في صندوق ودفنت، فسرّ هذا الرأي عمر وأمر به، فكانت المرأة من أمهات المؤمنين وغيرها توضع في صندوق من الخشب وتدفن به. وفي الحجاز تدفن بغيره، وفي المغرب كانت ولا تزال توضع في صندوق من الخشب يحمل في النعش بحيث لا يرى شخصها كله، وتدفن بهذا الصندوق، ويحمل الصندوق بالحبال من هنا وهنا ويوضع ويبقى معها كذلك.

стр. 1447

ذكر أولاد رسول الله ﷺ وبناته ذكرنا أولاد رسول الله ﷺ وقلنا: كان له القاسم وهو الأكبر، وكان له الطاهر، وكان له الطيب، وكان له عبد الله كلهم من خديجة. وكان له إبراهيم من مارية القبطية المصرية الأمة. ومن المحقق أن القاسم كان يكنى به ﵊ قبل النبوة وبعدها. أما الطاهر والطيب وعبد الله فقد قال البعض: ليسوا إلا واحداً، الطاهر يقال له: الطيب ويقال له: عبد الله. إذاً: لم يكن له من خديجة إلا ولدان في رأي بعض أهل السير وبعض الأئمة. والمشهور أنهم ثلاثة: القاسم والطاهر والطيب وإبراهيم ابن مارية. وكان له أربع بنات ﵊: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. أما زينب فزوجت للعاص بن الربيع، ورقية وأم كلثوم زوجتا معاً لـ عثمان، تزوج الأولى ثم ماتت، ثم الثانية ثم ماتت، وقال رسول الله: (لو كان عندي ثالثة لزوجتك بها) وهؤلاء الثلاث توفين في حياة رسول الله ﵊. أما فاطمة فقد ولدت قبل النبوة بخمس سنوات، وقيل: أكثر، وليس هناك تأكيد، وتزوجها علي بن أبي طالب، ولم يكن لرسول الله ذرية ولا سلالة إلا من فاطمة، ولم يكن من أولادها سلالة إلا من الحسن والحسين، وكان هناك المحسن ولكنه مات صغيراً. وهناك من كفار مكة من عيروا رسول الله ﵊ فقالوا: محمد أبتر، أي: لا سلالة له ولا ذرية، فالله قال لهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣] أي: مبغضك وشاتمك هو الأبتر، وهو الذي سيبتر الله سلالته وذريته، وكان لبعض هؤلاء أولاد وأسباط وبعضهم أسلم، ومع ذلك محق الله ذريتهم لا قبل الإسلام ولا بعده وبقيت ذرية رسول الله ﵊ وإلى يوم القيامة؛ لأن الله قال عمن قال عنه أبتر: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:٣]. فمن قال: محمد لا ذرية له ولا سلالة له يكون جزاؤه جزاء من قال ذلك من أهل الجاهلية أن يبتره الله من الذرية والسلالة، وأن يفقده الأولاد.

стр. 1448

تفسير سورة الأحزاب [٦٠ - ٦٢] يحذر الله المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة أنهم إن لم ينتهوا عن الإيذاء والتعرض للمؤمنات ليبيحن لرسول الله قتلهم والتنكيل بهم.

стр. 1449

تفسير قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض) قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠]. ذكرنا في الدرس الماضي أن آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٩] عامة، وكان الفساق والمنافقون في المدينة المنورة ينتهزون فرصة خروج هؤلاء الكرائم والعقائل إلى قضاء حاجتهن ليلاً، ولم يكن في دور المدينة مراحيض، فكان هؤلاء إذا رأوا أمة حاولوا الفسق بها، ولذلك أمر الله الحرائر أن يلبسن الحجاب ليميزن ويعرفن أمام هؤلاء المنافقين فيهابون رجالهن وآباءهن فلا يفعلون ذلك، هذا بالنسبة للنساء. أما بالنسبة للحكم فقد تهدد هؤلاء وأوعدهم بأنهم إن لم ينتهوا عن هذا ليسلطن عليهم رسوله ﵊، فيطردهم عن جواره ويقتلهم تقتيلاً، ويمكر بهم مكراً حيث وجدوا بعد طردهم عن المدينة. قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب:٦٠] تهديد ووعيد لهؤلاء المنافقين، والمنافق هو من أظهر غير ما يبطن، وكانوا في المدينة كثيرين من الأوس والخزرج واليهود. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٦٠] أي: مرض قلوب هؤلاء بسبب أنهم كانوا فساقاً زناة، ومرض القلب هنا فسر بالزنا والسعي خلفه. وقوله: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب:٦٠] الإرجاف هو التهديد والوعيد من قبل أعداء الله ليخيفوا المؤمنين، فكان هؤلاء المرجفون إذا خرج النبي ﵊ لمعركة من المعارك، أو أرسل سرية من سراياه لمحاربة أعداء الله يخرجون للمعركة وبعضهم يبقى في المدينة، فمن خرج منهم فإنه قبل أن يصل إلى المعركة ينسحب؛ ليخاف المجاهدون الصادقون، ويشيعون بأن جيش الأعداء أكثر عدداً وعدة، ولا قبل لنا بهم. وقد فعل ذلك كبير المنافقين عبد الله بن أبي ابن سلول في غزوة أحد، حيث انسحب بمن كان معه، والبعض كان منافقاً والبعض الآخر كان ضعيف الإرادة والنفس، حيث فر وهو لا يعلم لماذا يفر. فالله تهدد هؤلاء وتوعدهم، وقد قيل: إن الواو في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب:٦٠] زائدة، فتكون هذه كلها صفات لهؤلاء المنافقين، فهم الكذبة الذين يشيعون الرعب بين أصحاب رسول الله ﷺ ؛ ليفروا من المعركة وينسحبوا منها، وهم مرضى القلوب الذين يرغبون في الفحش والزنا والفساد، فهم قد جمعوا بين النفاق ومرض القلوب والإرجاف على المسلمين. وقوله: ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب:٦٠] أي: من أهل المدينة ومن سكانها. وقوله: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦٠] هذه اللام يقال عنها لغة ونحواً: اللام الموطئة للقسم، فيكون المعنى في الآية: أن الله يقسم بأن هؤلاء إن لم يكفوا ولم يتوبوا عن نفاقهم وفجورهم وإرجافهم وكذبهم فلنعلمنك بهم لتعرفهم واحداً واحداً، ولنسلطنك عليهم فتقتلهم وتبيد خضراءهم، أو تطردهم عن جوارك من المدينة المنورة. وقوله: ﴿ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٠] أي: بأن يبقوا قلة لا تملك لنفسها أمراً ولا نهياً، وإنما يكونون قلة ذليلة حقيرة يمكن القضاء عليهم في كل وقت وزمن. أو أنهم لا يبقون في جوارك إلا زمناً قليلاً ومدة قليلة، وكل ذلك تشتمله الآية في معناها.

стр. 1450

تفسير قوله تعالى: (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلاً) قال الله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١]. فقوله: (مَلْعُونِينَ) أي: حال كونهم مطرودين من رحمة الله، وحال كونهم مغضوباً عليهم من الله ورسوله. وقوله: ﴿أينما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب:٦١] أي: أينما وجدوا. وقوله: ﴿أُخِذُوا﴾ [الأحزاب:٦١] أي: أسروا واعتقلوا وأمسكوا. وقوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب:٦١] في لغة العرب أن زيادة المبنى في الكلمة يدل على زيادة المعنى، كان يكفي أن يقال: وقتلوا فقط. فقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ [الأحزاب:٦١] يأمر الله نبيه بقتلهم، وهذا أمر بصيغة الخبر أن يقتلهم قتلاً مدمراً، أو يطردهم بحيث لا يبقي منهم أحداً في المدينة، أو يأسرهم فيبيعهم كما يباع الرقيق. إذاً: سلط الله النبي ﵊ على هؤلاء المنافقين وأمره بتأديبهم؛ لما يقومون به من فساد وفسوق ونفاق وإرجاف وكذب على الله والرسول في المدينة، وشأن اليهود الفساد، وهم الذين أفسدوا طائفة من الأوس والخزرج، حتى صاروا منافقين متظاهرين بالإسلام وهم ليسوا كذلك، وكانت النتيجة أن نبي الله ﵊ بعد أن نزلت عليه هذه الآية قام على المنبر في مسجده النبوي، وذكر النفاق والمنافقين وأخذ يشير إليهم: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان، وطردهم من المسجد وأعلن نفاقهم، وإذا بهم يكشفون، فيهجرون ويطردون ويلعنون. وكانت النتيجة بعد ذلك أن خرج عن جواره من المدينة من خرج خوفاً على حياته، وحضر منهم من حضر القتال مع الرسول ﷺ ، وبقي منافقاً، فقتل قتل الكافرين. مثال ذلك: أنه في معركة من المعارك رأى الصحابة رجلاً يقاتل قتالاً في غاية ما يكون من الحماسة والشجاعة ويصول على الأعداء يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً إلى أن جرح، فذهبوا يخبرون رسول الله ﵊ عن بلائه وشجاعته وقتاله، فقال لهم: (هو في النار، فعجبوا وقالوا له: إن كان هذا معنا وقد أبلى وهو في النار فأين نحن ولم نبل بلاءه ولم نقاتل قتاله؟ قال لهم رسول الله ﵊: هو في النار). فذهبوا ليترصدوه ويترقبوه، فأتوه وهو يجود بنفسه ويحتضر ويموت، فقالوا له: هنيئاً لك يا فلان الجنة، قال: والله لم أقاتل من أجل الدين وإنما أقاتل عصبية وأقاتل للقبيلة والعشيرة، فتبين أنه تظاهر مع المؤمنين أنه مؤمن وكان كذاباً منافقاً. قال ابن عباس: هذا خبر في الآية بمعنى الأمر، وكأن الله يقول للنبي ﵊: اطرد هؤلاء عن جوارك، وأبعدهم عن كرامة المؤمنات وشرفهن أو اقتلهم تقتيلاً. ومن هنا قال علماؤنا: الحدود في الزنا تكون جلداً للأعزب، ورجماً للمحصن المتزوج. هذا إذا تراضى هو وإياها ودخلا مكاناً لا يراهما الناس ثم كشفا، أما إذا اختطفها، فهذا يعتبر مفسداً في الأرض، وجزاء هذا أن يقتل ويصلب، بأن تقطع يده ورجله من خلاف بهذه الآية وبالآيات الأخرى. والأحكام تؤخذ من مختلف الآي، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة:٣٣] وهذه الآية فيها: حيثما وجدوا فإنهم يقتلون تقتيلاً قال تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ [الأحزاب:٦١]. إذاً: هؤلاء مفسدون في الأرض؛ لأنهم أخافوا وأرعبوا المؤمنات في دينهن، وفي عرضهن وشرفهن. وهذه الآية التي في سورة الأحزاب خاصة بالزناة، وتلك التي في سورة المائدة عامة بالزنا وغيره من أنواع الفساد، فجزاء هذا أن يقتل، والتقتيل معناه: أن تقطع يده ورجله ويترك بدون حسم حتى يموت، أو يصلب حياً ويبقى مصلوباً إلى أن ينزف دمه ويموت مصلوباً.

стр. 1451

تفسير قوله تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً) قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢]. أي: هذه سنة الله. و (سنة) منصوبة على المفعولية المطلقة، أي: سن الله سنة، ثم هي سنة الله في الأولين والآخرين من المنافقين. والأنبياء السابقون وأتباعهم أمروا بتقتيل أو طرد كل من نافق وكل من نشر الفساد والإرجاف، وكل من حاول أن ينتهك أعراض المسلمين، كما أمر نبينا ﵊ بتقتيلهم وتدميرهم وطردهم عن جواره. فقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:٦٢] أي: سنة الله وحكم الله ودين الله في معاقبة هؤلاء، وفيمن مضوا من الأمم السابقة. وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٦٢] أي: لن تجد يا رسول الله في سنة الله وحكمه تبديلاً أو تغييراً، وهذا ما اتفقت عليه جميع الشرائع السماوية، وجميع الأنبياء والرسل عليهم صلاة الله وسلامه في مكافحة الفساد وعقوبة المفسدين، والله لا يأمر بالفحشاء، فلم يأت دين من الأديان يأمر بالزنا والفاحشة، ولا بالفساد بأنواعه، ولذلك فإن جريمة الزنا جريمة الاغتصاب والأخذ بالعنف والقوة وقطع الطريق، والاعتداء على العقائل والكرائم من المؤمنات المسلمات هي كما أمر بها رسول الله ﷺ في الآخرين، وهي الأمر والسنة الإلهية في الأمم السابقة، ولن تغير ولن تبدل سنة الله في الأمر بترك الفواحش والعقوبة لأهلها من قتل وطرد وصلب وقطع أيد وأرجل من خلاف.

стр. 1452

تفسير سورة الأحزاب [٦٣ - ٧٢] قضى الله تعالى أن تكون الساعة بغتة، وقد أخفاها فلم يعلم بها ملك ولا رسول، ولذلك يجب على المرء أن ينشغل بالإعداد لها، والحذر من اتباع الكبراء المضلين.

стр. 1453

تفسير قوله تعالى: (يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله) قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]. سبق هذا السؤال في سورة الأعراف وهي مكية، وكثر في غير ما آية، وجاء في هذه السورة وهي مدنية، ومعنى ذلك: أن نبينا ﵊ أكثر ما سئل هذا السؤال من كفار ومنافقين ينكرون البعث ويوم القيامة، ويأتون لرسول الله ﵊ فيسألونه: متى هذه الساعة التي تتحدث عنها؟ وهل يمكن أن يعود الآباء والأجداد وقد أصبحوا رمماً وتراباً؟ وهذا السؤال قد حصل من مسلمين كذلك، لكن أولئك المنافقون والكفار يسألون سؤال استنكار، أما المسلمون فيسألون عن قرب وقتها؛ لأن النبي ﵊ قد سبق أن قال لهم: (بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى) أي: أرسلت للناس وبيني وبين الساعة والقيامة المنتظرة ما بين السبابة والوسطى. والذي بين السبابة والوسطى قدر ضئيل. فالأنبياء الذين ذكرهم الله في كتابه لا يتجاوزون خمسة وعشرين، وأنبياء الله كما أخبر رسول الله ﵊ أنهم جم كثير ثلاثمائة وزيادة، وكم بين النبي والنبي، وكم بين الأمة والأمة، وإنما ذكر الله لنا قصص خمسة وعشرين نبياً؛ لأخذ العبرة والدرس، حتى إذا ارتكب المسلمون من أمة محمد ﷺ ما ارتكبه الأولون الذين دمروا، والذين زلزلوا، والذين فاض عليهم الفيضان، والذين رجموا من السماء وزلزلت بهم الأرض وكان مما فصل الله، فيحذروا أن يحصل لهم ما حصل لمن قبلهم، فيتوبوا إلى الله. فقوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب:٦٣] أصبحت كلمة (الساعة) إذا أطلقت تعني القيامة وتعني البعث والنشور، وتعني الحياة الثانية عندما تزرع فينا الأرواح، ونقوم للعرض على الله في أرض المحشر، فإما إلى جنة وإما إلى نار. وقوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب:٦٣] كلمة (الناس) هنا تشمل المؤمن والكافر، أي: كلهم قد سألوا. وقوله: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦٣] أي: قل لهم يا رسول الله: إنها مما استأثر الله بعلمها، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فلا يعلم وقتها بالتحديد إلا الله. وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [الأحزاب:٦٣]. أي: إذا لم أعلمك بها أنا فلا أحد يعلم بها لا ملك ولا رسول، وإنما الذي يعلمها الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. فما يعلم الله به نبيه ﷺ من الغيب يقوله للناس، وما لا فلا. وقد استأثر الله بأشياء من الغيب منها علم الساعة، فقد جاء جبريل يسأل رسول الله ﷺ : ما الإيمان؟ ما الإسلام؟ ما الإحسان؟ إلى أن سأله: متى الساعة؟ قال: ليس المسئول عنها بأعلم من السائل. يعني: أنت تسألني لتعلم وعلمي وعلمك فيها سواء، فلا تنتظر مني جواباً بعلمها. قال: وما أمارتها؟ ألها علامة؟ قال: نعم، إذا رأيت الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان، وإذا رأيت الأمة تلد سيدها، وذكر له عدة من الأمارات، وهذه الأمارات كلها قد حدثت، وهناك أمارات صغرى وكبرى منها: خروج يأجوج ومأجوج، والريح الحمراء، والدابة، وغير ذلك من الأمارات. والبدو هم الذين كانوا إذا ملك الواحد منهم جملاً أو حماراً وتمرات يسد بها جوعته وجرعة ماء يطفئ بها عطشه فكأنما ملك الدنيا، واليوم يملكون القصور والبنايات، ويعيشون في الرفاهية، والعيش الرغيد. وكون الأمة تلد ربتها، يعني: أن تلد الأمة الجارية ولدها فيكون عاقاً، فيذهب يسب أمه كما تسب الأمة، وقد يضربها كما تضرب الأمة، نرى هذا قد حدث ولا يزال يحدث. وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]. أي: لعل يوم الساعة يكون قريباً، فقريباً جاء لذكر اليوم، على أن الساعة وإن كانت كلمة فيها تاء التأنيث ولكن ليس تأنيثاً حقيقياً، وما كان كذلك يذكر ويؤنث. والقرآن هو أبلغ ما نطق به من لغة العرب، كيف وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فهذه الآية فيها إخبار من الله بقرب الساعة، وقربها بدا وظهر يوم ظهر رسول الله ﵊، فهو نبي آخر الزمان، لا نبي بعده ولا رسول، به انقطعت الشرائع والنبوءات والرسالات السابقة، وهو كما قال عن نفسه: (بعثت والساعة كهاتين) في القرب كقرب السبابة إلى الوسطى.

стр. 1454

تفسير قوله تعالى: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤ - ٦٥]. هذه الآيات تؤكد أن السائلين كانوا من المنافقين والكفار، فسؤالهم سؤال إنكار وتعجب: كيف يبعث الموتى بعد أن يصبحوا رمماً وتراباً؟ وكيف يعودون للحياة مرة أخرى؟ فبين الله لهم وأمر نبيه ﷺ أن يبين لهم، وهو الذي جاء ﵊ ببيان ما يجهلون. فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦٤] أي: طرد هؤلاء المستنكرين لأمر الله وأمر رسوله من رحمته. وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٤] أي: هيأ لهم يوم القيامة ناراً متسعرة ملتهبة محرقة مدمرة، كلما نضجت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٦٥] أي: ناراً مستعرة ملتهبة محرقة خالدين فيها أبد الآباد، لا أموات فيستريحون ولا أحياء فيرجون، هم أحياء بالحركة والشعور والحس، وهم أموات بالعذاب والمحنة التي هم فيها، ماتوا من الراحة ومن الرحمة ومن الرضا شأن أمثالهم من الكافرين والمنافقين. ويوم القيامة يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح، فيقال لأهل الجنة: خلود لا موت بعده، ويقال لأهل النار: خلود لا موت بعده. وهذا من المعلوم بالدين بالضرورة، لم يختلف فيه مسلمان في الأرض. وقوله: ﴿لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٥] أي: هؤلاء على جبروتهم وطغيانهم واستيلائهم على المؤمنين وتعذيبهم لهم، وتظاهرهم بالتأله والطغيان، فهؤلاء الطغاة عند الموت يرمون في حفرة لا يجدون لهم من أوليائهم ومن أقاربهم، من أنصارهم، ومن جندهم من يستغيثون به، ومن ينصرهم. يوم القيامة يقول الله ﷻ عند فناء الكون: أين ملوك الأرض؟ فلا جواب، فيجيب نفسه ﷻ بنفسه فيقول: أنا ملك الملوك. وأخبر النبي ﵊ أن من أسماء الله: ملك الملوك، ونحن نرى من تلقب بملك الملوك كيف يذل ويهون، وكيف يصبح ألعن من خنزير وأذل من كلب وأذل من شاة، بل الشاة أشرف منه.

стр. 1455

تفسير قوله تعالى: (يوم تقلب وجوههم في النار) قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦]. أي: يوم يدخلون إلى النار مسحوبين على وجوههم يتقلبون ظهراً لبطن، تارة على الخد الأيمن وتارة على الخد الأيسر وهم يحرقون، وكلما نضجت منهم الجلود وذهبت مع لحومها جددت وأعيدت؛ ليزدادوا العذاب جزاءً وفاقاً على كفرهم بالله خالقهم ورازقهم، وعلى كفرهم بالأنبياء والرسل، وما جاءوا به من أدلة قاطعة على صدقهم، وأنهم رسل الله المتكلمون بأمر الله، ومع ذلك كذب هؤلاء فكان جزاؤهم الخلود في السعير وفي النار أبد الآبدين ودهر الداهرين، لم يجدوا ولياً يواليهم ولا نصيراً ينصرهم، فهم يقلبون ليل نهار على وجوههم في النار، فيصيحون نادمين وهيهات فقد سبق السيف العذل؛ لأنهم لم ينتهزوا الحياة قبل الموت وهم يؤمرون أو ينهون، وقبل أن يذهبوا للقبور ويسألون من منكر ونكير: ما دينكم؟ من ربكم؟ من نبيكم؟ وعندما ماتوا كفاراً لم يعرفوا جواباً. وقوله: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ﴾ [الأحزاب:٦٦] أي: حال كونهم يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] أي: عندما يرون من يهزءون بهم ويسخرون منهم ويتسلطون عليهم قد أمنوا هذا العذاب، وأبعدوا عنه، وأدخلوا الجنة آمنين سعداء متلذذين بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فهؤلاء الكفار يقولون يا ليتنا فعلنا فعل هؤلاء، وأطعنا الله فيما أمرنا به من طاعته وطاعة رسوله وطاعة كتابه. فهؤلاء يتمنون أنهم كانوا مع المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله، وآمنوا برسالته ﷺ وبأنه خاتم الأنبياء ولا نبي بعده، لكن ولات حين مندم، فلو آمنوا بالله الواحد، وأنه الخالق لا صاحبة له ولا ولد، ولا أول له ولا آخر، وأنه كان ولم يكن شيء معه، وأنه يعيد الخلق كما كان ﷻ ، وهو القادر على كل شيء. وقوله: ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب:٦٦] الألف واللام في الرسول للعهد الذهني أي: محمد ﵊، وتطلق على كل رسول أرسل إلى قومه أيام زمانهم؛ لأن هذا القول سيقوله جميع الأمم الذين كفروا بربهم وبالنبي المرسل لهم، فكل واحد يقول: ليتني أطعت الله ورسوله المرسل إليَّ. إذاً: قوله: (الرسولا) في هذه الآية ألف (الرسولا) يقولون عنها: ألف الفواصل؛ لأنها تفصل بين الآي والآي وبين المعنى والمعنى، ولا يصح أن تقول: أطعنا الله والرسول. وهذا من تمام فصاحة اللغة العربية وبلاغتها، ولا يوقف عليها بسكون اللام وإنما يوقف عليها كما هي.

стр. 1456

تفسير قوله تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] أخذوا يعتذرون وهيهات. فالله لم يرسل لكم كبراءكم ولم يرسل لكم سادتكم، وإنما أرسل أنبياء ومرسلين وهم الذين أمروكم بطاعته سبحانه، كبراؤكم إنما أكبرتموهم أنتم وليسوا بحال من الأحوال كبراء، بل هم الصغراء، وسادتكم من الذي سودهم عليكم؟ أنتم الذين سودتموهم، وأنتم الذين جعلتموهم أنبياء، بل وألهتموهم دون الله، وأخذتم تطيعونهم كما تطيعون الله، وكما تطيعون أنبياءكم، فكانت النتيجة كما قال الشاعر: ومن يكن الغراب له دليلاً يمر به على جيف الكلاب أي: الذي يتخذ الغراب دليلاً، فإن الغراب لا يذهب به إلا إلى جيف الكلاب، فهذا مثل من يتبع هؤلاء الكبراء والسادة ومن سودوهم على أنفسهم، وجعلوهم زعماءهم وحكامهم وعلماءهم وفلاسفتهم، وهم بهذه الألقاب ليسوا مؤمنين ولا مسلمين. أما إذا كان الكبراء والسادة مسلمين فهم خلفاء النبي صلى الله عليه وعلى آله في تبليغهم أمر الله وأمر رسوله، كما هي عادة الخلفاء الراشدين وأمثالهم ممن جاء بعدهم. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح فالزعيم والكبير والملك والرئيس من يدعو الناس ويقول: يا أيها الناس اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً يا أيها الناس عليكم بدين الإسلام فهو الدين الحق ولا دين بعده. يا أيها الناس عليكم بلغة العرب فبها نزل القرآن، وبها نطق سيد العرب والعجم محمد ﷺ ، ولا سبيل إلى تفهم القرآن وتفهم السنة إلا بتعلم لغة العرب، فمن كان غير ذلك فليسوا من السادة والكبراء. وكم من أناس يسمون أنفسهم بالسادة والكبراء والرؤساء وهم منافقون يدعون المسلمين إلى الجري وراء اليهود والنصارى، فهؤلاء لا دين عندهم ولا ضمير ولا شرف. فهؤلاء ليسوا هم سادة في حد أنفسهم ولا كبراء، ولكن هؤلاء الناس سودوهم على أنفسهم وجعلوهم كبراءهم، ولذلك يوم القيامة سيتبرءون منهم وهيهات، وسيطلبون من الله -وهم أحقر من أن يطلبوا- عقابهم مرتين. وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا﴾ [الأحزاب:٦٧] أخذوا يقولونها وهم في النار، وعندما كانوا في الحياة ما كانوا يقولونها، كانوا يقولونها عن سادتهم وكبرائهم من المنافقين والكفرة، ممن سموا أنفسهم شيوعيين واشتراكيين وماسونيين ومجددين وتقدميين. وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب:٦٧] أي: وهم في النار؛ لأنهم تركوا طاعة الله وطاعة رسوله ﵊ وأطاعوا السادة والكبراء، فأضلوهم السبيل والطريق المستقيم، وعوضاً أن يذهبوا إلى طريق الجنة وإلى الصراط المستقيم الذي ليس هو صراط اليهود المغضوب عليهم، ولا صراط النصارى الضالين، ولكنه صراط الله وهو الإسلام الذي جاء به خاتم الأنبياء ﵊. أبوا كل ذلك، وقاوموه، وحاربوه ولا يزال هذا ديدنهم في كل عصر كل حسب كفره ووضعه، بل أخذ المسلمون يتركون كتاب الله وسنة رسول الله وجعلوهما وراءهم ظهرياً، وذهبوا إلى وضع قوانين وضعها اليهود والنصارى والمنافقون، عوضاً عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، التي ساد المسلمون بهما في الأرض ألف عام، فعندما تركوهما ذلوا وهانوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1457

تفسير قوله تعالى: (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً) قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٨]. الأتباع يدعون ربهم وهم في السعير أن يعذب رؤساءهم ويذيقهم ضعفي العذاب، وفي آيات أخرى تقول الملائكة لهم: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] الرؤساء لأنهم أمروا بالضلال، والأتباع لأنهم أطاعوا من لم يؤمروا بطاعتهم في كتاب الله، ولم يؤمروا بذلك على لسان رسول الله ﵊. فقوله: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الأحزاب:٦٨] ضعفاً لكونهم أضلوا كثيراً من خلق الله، وأخرجوهم من الهداية إلى الضلال، وضعفاً لأنهم في أنفسهم ضالون، ولم يعلموا هذا ويدركوه حتى وجدوا أنفسهم مقيمين في العذاب أبد الآباد. وقوله: ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٦٨] أي: أكثر من لعنهم، وقرئ: (كثيراً) والمعنى واحد، أي: العنهم لعناً كثيراً مع العذاب مرتين؛ لأن النار دركات كما أن الجنة درجات، والجنة منازل والنار منازل، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، وهناك من هو في ضحضاح من النار، قد وضعت على قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، نسأل الله اللطف والسلامة.

стр. 1458

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]. أي: يا أيها الذين آمنوا لا تؤذوا رسول الله كما آذى بنو إسرائيل رسولهم موسى، وقد آذى رسول الله ﵊ المنافقون الذين زعموا الإسلام ظاهراً وأبطنوا الكفر. وهناك مسلمون مغفلون كانوا قليلي الأدب مع رسول الله ﵊. وسبب نزول هذه الآية أن النبي ﵊ قسم مالاً، وكان هناك أعرابي فقال لرسول الله ﷺ مواجهة: هذه قسمة لم يرد بها وجه الله. وقد يكون هذا البدوي منافقاً بهذه الكلمة، وقد تكون بدويته دفعته إلى الجهل بمقام النبوة، وذهب يتأدب معه حسب الملوك والأمراء فأراد أن يكون جريئاً، ولكن عدم الأدب مع الملوك والأمراء لا يحكم على صاحبه بكفر ولا نفاق، أما مع رسول الله ﵊ فتلك الردة، وجزاء فاعل ذلك القتل. مثال غير الرسول صلى عليه وسلم أن أبا بكر ﵁ جاءه إنسان يطلب حقاً، فأجابه أبو بكر بكلام لم يرضه، فشتم أبا بكر، فغضب أبو بكر غضباً شديداً وكان بمحضره أحد الأصحاب، فقال: يا خليفة رسول الله مرني بقتله، فهدأ أبو بكر وذهب ما كان في نفسه من الغضب فقال: أكنت فاعلاً لو أمرتك، قال: والله نعم، قال: ويلك، لا يكون ذلك مع أحد إلا مع رسول الله. أي: لا يقتل الساب والشاتم وقليل الأدب إلا إذا فعل هذا مع رسول الله ﵊، ولـ ابن تيمية كتاب عظيم الشأن في هذا الجانب اسمه (الصارم المسلول على شاتم الرسول ﷺ وقد طبع أكثر من مرة، وهو ما يقرب من (٨٠٠) صفحة، ويذكر فيه القصص بالأدلة والبراهين القاطعة، وأن شاتم النبي ﵊ وقليل الأدب معه يقتل ولو قال: أنا تائب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩] أي: لا تؤذوا رسولكم كما آذى اليهود نبيهم موسى، وكان موسى عند الله وجيهاً، كان إذا طلب ربه ودعاه استجاب له؛ لأن له مكانة عنده، شأنه كشأن الرسل والأنبياء، وخاصةً أولي العزم من الرسل: نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأزكى التسليم. ولقد آذى اليهود موسى بعدة أنواع من الإيذاء، والآية لم تذكر نوعاً معيناً، ونحن نذكر أنواعاً من أذى بني إسرائيل لموسى: من ذلك أنه كان من شريعة اليهود أنهم لا يتسترون، ولا عورة عندهم، فكان موسى حيياً ستيراً يحب الستر، حتى إنه كان إذا دخل نهراً للغسل يدخل بثيابه، فأخذ أتباعه يقولون: موسى لا يحرص على هذا إلا وفيه مرض في رجولته؛ فلذلك هو يحرص على ذلك. وفي يوم من الأيام دخل نهراً ولم يكن أحد، فوضع ثيابه على حجر، ووضع حجراً آخر عليها؛ خوفاً من الرياح، وإذا بهذا الحجر يتحرك ويذهب بثيابه، فطفق موسى يلحق هذا الحجر وينادي: ثيابي حجر ثيابي حجر، إلى أن وقف الحجر على ملأ من بني إسرائيل، فرأوه سليم البدن ليس به برص ولا مرض، فعند ذلك كما قالت الآية: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب:٦٩] والحديث في الصحيحين. ومن أنواع الأذى: أن هارون مات فدفنه موسى، فقالت له اليهود: أنت قتلته واتهموه بذلك، وهو أخوه الذي سأل الله له أن يكون رسولاً نبياً مقرباً منه، قال تعالى مخبراً عن موسى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٠]. ومما آذوه به كذلك: أنهم إذا أمرهم بأمر يقولون في وجهه ما يتشككون في أمر النبوة والرسالة. المهم كان اليهود يؤذون نبيهم، فالله قال للمؤمنين: إياكم أن تؤذوا رسولكم كما كان اليهود يؤذون موسى، أولئك بأذاهم لنبيهم وقولهم على ربهم ما لا يليق به ارتدوا وكفروا ولعنوا لعن الأبد. وما سلطوا برهة من الزمن على المسلمين إلا بعد أن ترك المسلمون كتاب الله وسنة نبيه، فينبغي للمسلمين أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة، لا أن يجروا خلف اليهود ويتبعوهم. وهكذا كلما رأينا محنةً أو عذاباً فهو بأعمالنا وبعصياننا وبمخالفتنا لأمر الله وأمر رسوله ﵊.

стр. 1459

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٧٠]. أي: هذا البدوي الذي قال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، قد آذى رسول الله ﷺ ، فاحذروا أيها المؤمنون واتقوا الله من مثل هذا القول، واتقوا الله من المخالفة والمعصية، واتقوا الله من فعل المنافقين والكافرين. وقوله: (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا). والقول السديد هو القول الصواب، والقول الحق، وأحق ما يقال في السداد والقول الصواب: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويأتي بعدها كل الأحكام والأركان والآداب والفرائض والحلال والحرام. (وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) أي: آمنوا بالله رباً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً. قال الله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١]. أي: قولوا القول السديد والقول الحق والصواب، ولا تقولوا قول المنافقين والكافرين، وإن أنتم قلتم القول السديد وفعلتموه يصلح الله أعمالكم، ويصلح بالكم، ويصلح لكم ما تريدونه من طاعة لله ورسوله. فقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب:٧١] أي: أن أعمالكم تكون صالحة، وتكون حسب رضا الله وحسب رضا رسوله ﷺ . وقوله: (يُصْلِحْ) مجزوم على أنه جواب الأمر. وقوله: (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ): ما فعلتموه عن جهالة عن نسيان أو خطأ مع القول النجيب مع الإيمان والإسلام يغفره الله لكم، ويمحوه الله من صحائف ذنوبكم، ولا يحاسبكم عليه؛ مغفرةً ورحمةً بكم. وقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي: من يطع الله يكن مؤمناً مطيعاً، ومن يطع رسوله، فيما أمر به، ويطعه فيما نهى عنه، ويطعه في التأسي به على أنه الأسوة العظمى والإمام المتبع صلى الله عليه وعلى آله. وقوله: (فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) أي: فاز بالجنة وهو فوز عظيم، وفاز برضا الله وهو شيء عظيم، وفاز برحمة الله ومغفرة ذنوبه وهو الفوز وهو النجاة، وهو أكبر من نجاحات جامعات الدنيا، وأكبر من كل كبير في الأرض، فمن فاز وهو مطيع لله ومطيع لرسوله فقد فاز الفوز العظيم، وفاز برحمة الله ورضاه ودخول الجنة، ثم رؤية الله ﷻ في الجنان، جعلنا الله من أهلها، وأكرمنا بذلك فضلاً منه وكرماً.

стр. 1460

تفسير قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]. يخبر ﷻ عن عظم الأمانة ومكانتها في الدنيا والآخرة، ويبين سبحانه أن هذه الأمانة تشمل كل معاني الدين، ومن الأمانة الطاعة لله ولرسوله، ومن الأمانة حفظ المال والودائع للناس، وحفظ الأعراض، وأنت أيها المسلم اؤتمنت على فرجك فلا ترتكب فاحشة، واؤتمنت على عينيك فلا تنظر بهما ما حرم الله، واؤتمنت على سمعك فلا تستمع إلى ما حرم الله، واؤتمنت على لسانك فلا تستعمله فيما حرم الله. ومن الأمانة نشر العدل في الأرض، والسعي في الإصلاح بين الناس، وعدم الظلم والأذى، وأن يكون المؤمن أخاً لك، وأن يكون الكافر عدواً لك، لا بأس أن تصاحبه في الدنيا معروفاً، أما أن تخلص له وتقدمه وتزيل الحواجز بينك وبينه، حواجز اليهودية وحواجز النصرانية وحواجز النفاق وزوال الإسلام بينك وبينهم، فمعنى ذلك: أنك أصبحت واحداً منهم، وأنك ارتددت عن الإسلام. الأمانة تشمل كل هذه المعاني، وقديماً قالوا: (لا إيمان لمن لا أمانة له). فقوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) أي: امتنعن ورفضن لا إباء عصيان ولا إباء مخالفة، ولكن شفقة وخوفاً أن يعجزن عن القيام بهذه الأمانة. هذه الجمادات خلق من خلق الله، وقد تنطق وقد يكون لها إحساس، والآية تدل على ذلك، والقرآن مليء بهذا، والسنة النبوية كذلك. من القرآن قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج:١٨] فيسجد لله الشجر والجبال، وهي ممن عرضت عليها الأمانة، ولا يسجد إلا من يدرك. والله تعالى قال عن الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤] أي: تتدحرج وتترامى، كما جرى لجبل الطور عندما سأل موسى ﵇ الرؤية وكانت النتيجة أن الجبل دك دكاً من خشية الله وعظمته وهو جماد. فالحجارة تدهدهت وهبطت من خشية الله. وفي الدنيا من السيرة المتواترة عن رسول الله ﵊ أن هذا الخشب بعد أن قطع من شجره ومن غابته كان يخطب عليه رسول الله ﷺ بالمسجد النبوي، فرأى بعض أصحابه أن يصنع له منبراً صغيراً له ثلاث درجات، فصنعوا له المنبر ليسمع كل من في المسجد، وليراه كل من في المسجد، فلما ترك ﵊ الجذع الذي كان يخطب عليه وصعد المنبر الجديد حن وصوت، وسمعه كل من في المسجد وهو جماد، أحس بشرف وقرب النبي ﵊ وقت الخطابة عليه لسنوات مضت. ثم أحس بعد ذلك أنه هجر وترك وأتي بغيره فبكى وهو جماد، وأي عجب في ذلك ونحن خلقنا من التراب، ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ [طه:٥٥] نحن جزء من هذا التراب بدليل أنه عندما يموت أحدنا يعود تراباً، فيصبح جماداً كما كان، فمن أنطق الجماد وزرع فيه الروح؟ إنه الله، كذلك هذه الجمادات من السماوات ومن الأرض ومن الجبال عرضت عليها الأمانة، فالأمانة بالنسبة والجبال والأرض بحسبها، فالأرض تؤتمن على من فيها من الخلق فلا تدخلهم في بطنها قبل الموت، ولا تتزلزل بهم فلا يستقرون عليها، والسماء لا تطبق على الأرض، ولكن مع كل هذا امتنعوا شفقةً لا عصياناً ومخالفةً، شفقة وخوفاً من أن يعجزن عن القيام بهذه الأمانة. وزعم بعض المفسرين أن هناك كلمة محذوفة كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: أهل القرية. فيكون المعنى: إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وعلى أهل الأرض وعلى أهل الجبال. هذا كلام لا يقبل ولا معنىً له، فأهل السماوات هم الملائكة، وهل عرضت الأمانة على الملائكة فرفضوا، ما كان هذا ولن يكون، وهم الذين ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. وأهل الأرض هم الإنس والجن، والله قد أرسل لنا الرسل والأنبياء وأمرنا بأوامر، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. والجبال نحن نسكنها، فهل معناه: أن كل إنسان رفض الأمانة؟ ليس هذا صحيحاً، بل قال الله: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢].

стр. 1461

تفسير سورة الأحزاب [٧٢ - ٧٣] عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، لما يترتب على ذلك من التبعات، ولكن حملها الإنسان جهلاً منه، فكان ذلك سبباً لشقاء الكافرين والمنافقين.

стр. 1462

تابع تفسير قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال)

стр. 1463

معنى الأمانة وأحكامها قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]. شرحنا في الدرس السابق بعض معاني هذه الآية العظيمة الكريمة، ونحن اليوم نتمم ذلك بعون الله وتوفيقه. هذه السورة فيها أحكام خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله، وفيها أحكام عامة للمؤمنين، فناسب أن تكون خاتمتها أمراً شاملاً لكل تلك الأحكام ولجميع تلك المعاني، فذكرت الأمانة، وقد قيل: (لا إيمان لمن لا أمانة له). والأمانة كلمة فسرت بتفاسير متعددة، فسرت بكلمة الشهادة، وفسرت بالإسلام، وفسرت بالقيام بالأركان، وفسرت بحفظ ودائع الناس، وفسرت بالعدل ونشره في الأرض ودفع الظلم وقتال الظالمين، وفي الحقيقة أن الأمانة كلمة جامعة شاملة، تشمل الإسلام في جميع أركانه، المؤمن مؤتمن على عقيدته ومؤتمن على طاعة ربه، ومؤتمن على حواسه بألا يرى ما حرم الله، وألا يسمع ما حرم الله، وألا يحل ثيابه فيما حرم الله. والمرأة مؤتمنة في دينها وعلى نفسها وفي مال زوجها. والأمّة مؤتمنة على أوطانها وعلى دينها وعلى فقرائها ومساكينها. والدولة مؤتمنة على رعاياها وعلى حدود بلادها وعلى نشر العدل بينهم. فإذا زالت الأمانة ضاع الإيمان بين الناس، وضاعت البلاد، وهتكت الأعراض، وضاعت الأموال، وأصبح الإنسان حيواناً في غاب لا يقدم ولا يؤخر ولا يحلل ولا يحرم، شأن الكافرين في أحوالهم وأعمالهم. هذه الأمانة التي بهذه المعاني قال الله فيها: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب:٧٢]. قال ربنا للسماوات: أتحملن الأمانة فإذا أحسنتن أثبتن بالخير وإذا أسأتن عوقبتن؟ فأشفقن وخفن وعجزن وأبين قبول ذلك، وكان عرضاً ولم يكن أمراً، وكان تخييراً ولم يكن إرادة صادرة، وإلا فلو أمر الله فليس لأحد أن يعصيه ولا أن يخرج عن أمره. وقال ﷻ مثل ذلك للأرض، وقال مثل ذلك للجبال وهي جزء من الأرض، فامتنع الكل وأبى لا معصية، ولكن خوفاً وعجزاً، خوفاً من الله أن يعجزن عن تحمل هذه الأمانة، فيمحقن ويدمرن ويزلن.

стр. 1464

أقوال العلماء في كون الجمادات تعقل الأمر واختلف العلماء في معنى الآية، هل هو على ظاهره، أمرت الجمادات فأجابت، أو هناك كلمة محذوفة، أو هو ضرب مثل؟ فقد قال بكل ذلك أعلام ومفسرون، وسنعرض لكلامهم لنقبل ونرد، وما لا دليل عليه لا يجوز أن يعمل به، فالذين قالوا: الأمر كان للجمادات؛ وهي قد عقلت أمر الله وليس هذا بالأمر الجديد ولا الشاذ، فقد قال تعالى في كتابه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]. والسماوات شيء، والأرض شيء، والجبال شيء، وهي تسبح الله، فإذاً تعقل بما أودع الله فيها من حس وعقل، ولكننا لا نفقه ذلك ولا نفهمه، حتى إننا في أنفسنا لا نفهم جميع لغاتنا ولهجاتنا، وإن تعلم أحدنا يتعلم بضع لغات، والأرض فيها مئات من اللغات. فترى الإنسان يجتمع مع إنسان آخر وهما من أرومة واحدة، ومن أب واحد وأم واحدة، ولا يفهم أحدهما الآخر، فكيف نفهم الجمادات؟! وقال الله عن الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤] يعني: أن الحجارة تخشى الله وتخافه وتهبط وتدهده. وقال الله عن الجمادات: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج:١٨] فذكر الله الجبال والشجر والشمس والنجوم والقمر، وغير ذلك من الجمادات، ذكر أنها تسبحه سبحانه وتسجد له وتعبده وتوحده، فهي إذاً تعقل. بل وفي دنيانا في قصة المنبر النبوي عندما حن عندما تركه النبي ﵊، فهو خشب قد قطع من شجر وهو جماد في الأصل والفرع، ومع ذلك عندما تركه ﵊ شعر بذلك وحن وصوت حتى سمعه جميع من في المسجد. والقصة صحيحة في جميع أمهات كتب السنة لم ينكرها أحد، ويبقى المعنى في الآية على ظاهره: بأن الله عرض على السماوات وعلى الأرض وعلى الجبال حمل الأمانة، عرضها عليها ولم يأمرها، فمع عظم الأمانة امتنعن عن حملها إشفاقاً وخوفاً، لا معصية ولا خلافاً. أما من قال: إن هناك كلمة محذوفة يدل عليها المعنى، فقدرها وقال: (إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات وعلى أهل الأرض وعلى أهل الجبال) نقول: هذا كلام لا يستقيم، وأعجب كيف ذكر هذا في كتب التفسير منسوباً لأعلام وأئمة، فأهل السماوات هم الملائكة، والملائكة محملون بأمانة تخصهم، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. وأهل الأرض نحن، ونحن قد تحملنا الأمانة عن عجز منا وجهل وظلم، وأهل الجبال كذلك. فإذاً: هذا المعنى لا يستقيم، وهي زيادة على الآية لم ترد عن صحابي فضلاً عن الله ورسول الله ﵊. وقال القفال: هو ضرب مثل. والأمثال يضربها الله للناس، ومعناه: نحن أمرنا السماوات والأرض والجبال على عظم أجرامها وعلى ما فيها من عرض وطول وسعة، ومع ذلك عجزت عن حملها وقال لسان حالها: نحن نشفق عن أن نحمل ذلك ونعجز. نقول: هذا التقدير لا حاجة إليه، ما دام قد ثبت قرآناً وسنةً أن الذي أنطقنا ونحن نوع من أنواع الجمادات عندما نموت، وهذه الروح المزروعة فينا هي من أمر الله، ولا يعلم كنهها إلا الله، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] هذه الروح عندما يأخذها واهبها يعود الإنسان تراباً وجماداً كما كان، كذلك هذه الأرض أعطاها الله حساً وإدراكاً مع غيرها من الجمادات كالسماوات والجبال، فهي تدرك بما تسبح الله وتسجد له، وهذا تأكد في القرآن باليقين في غير ما آية، وتأكد في السنة المتواترة المستفيضة، فلا حاجة إلى تأويل ولا إلى زيادة كلمة.

стр. 1465

ظلم الإنسان لنفسه بتحمله الأمانة وعدم القيام بها قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ [الأحزاب:٧٢] أي: امتنعن عن حملها شفقةً عن كونها تعجز عن حملها. قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢] أي: الإنسان الأول آدم ﵇، عرض الله عليه الأمانة فقبلها، ولكنه ما كاد ينتهي ما بين الظهر إلى العصر وهو في الجنة إلا وقد ارتكب الخطيئة، فأكل من الشجرة المحرمة، واغتر بوسواس الشيطان هو وأمنا حواء. فكان بهذا عاجزاً عن حمل الأمانة ظالماً لنفسه في قبوله للأمانة، وهو لم يستطع منذ الساعات الأولى تقبلها، ثم قد جهل في نفسه حقيقة هذه الأمانة ومسئولياتها وعظمة ما فيها مدى الحياة. كان السلف يعيشون مئات السنين، وقد قص الله علينا قصة نوح وأنه مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وتحكي التوراة والإنجيل عن أنبياء بني إسرائيل أنهم عاشوا مئات السنين، كذلك يؤكد ذلك إخبار الله تعالى في كتابه المهيمن على الكتب السماوية في قصة نوح في القرآن الكريم. فقوله: (الإنسان) ذكرت هذه الكلمة بالألف واللام فهي وإن خص بها الإنسان الأول آدم ﵇، فإنما خصته لأنه كان مفرداً، ولكنها بعد ذلك عمت كل من يمكن أن يطلق عليه إنسان، فآدم إنسان وزوجته إنسان وأولاده وإلى يوم القيامة من ذكور وإناث كذلك أناسي، فحملها الكل. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]. أي: ظلم نفسه بتحمل الأمانة وعجز عن تحملها، فآدم ارتكب ما ارتكب وغفر الله له كما أخبرنا ربنا ﷻ ، أما ولداه قابيل وهابيل فصنعا ما لا يزال القاتل منهما يتحمل الإثم إلى يوم القيامة. كما قال ﵊: (من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة)، فهو قد قتل روحاً ظلماً وعدواناً حسداً وتكبراً، وعلم الإنسان بعده القتل والظلم وإزهاق الأرواح بغير حق، فهو مع تحمله الأمانة ظلم نفسه فارتكب كبيرةً من الكبائر بقتل أخيه، وقطع رحمه حيث ارتكب معه ما لا يرتكبه عدو مع عدوه. وعدد الناس اليوم في الأرض ما يقرب من أربعة مليارات من البشر، ومليار أو قريب منه هم مسلمون، والباقون بين وثني يعبد الحجارة ويعبد الخلق ويعبد الطبيعة ويعبد ماركس ولينين، وبين طبقة تعبد العزير والعجل، وطبقة تعبد عيسى ومريم. والمسلمون حملوا الأمانة فيما زعموه، ومع ذلك هذا المليار من الخلق منهم من أصبح شيوعياً، ومنهم من أصبح اشتراكياً، ومنهم من أصبح ماسونياً، وما بقي من المؤمنين -وهم قلة- إلا من رحم ربك. ولذلك قال الله عن المؤمنين الحق: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]، فهؤلاء وإن كانوا ينسبون إلى الإسلام فهم مع كفرهم بالله وارتدادهم وخروجهم من الإسلام أفواجاً كما دخل آباؤهم في الإسلام أفواجاً، عادوا فألغوا الأمانة كلها. كذلك الأتقياء من المسلمين قد يعصون وقد يخالفون وقد يرتكبون، ولكن إذا سلمت لهم العقيدة، وإذا سلمت لهم الأركان الخمسة من الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج فهم على خير على كل حال، وما سوى ذلك، فإن الحسنات يذهبن السيئات. فالإنسان المتحمل للأمانة قد حمل نفسه ما لا تطيق، كما رأينا الأولين وقرأنا عنهم في كتاب ربنا، وكما رأينا المعاصرين وقد غلب عليهم الخيانة في تحمل الأمانة، ومن هنا وصف الله الإنسان بظلم نفسه. فقوله: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] أي: كان جاهلاً بحقيقة ما تحمّل، كان جاهلاً أن من تحمل الأمانة يجب أن يحملها ما دام فيه عرق ينبض وإلى أن يلقى الله، فهو في صحوه ونومه، وهو في شبابه وشيخوخته، وهو في حضره وسفره، وهو في مرضه وصحته كان الواجب عليه أن يلتزم بهذا الذي احتمله والذي التزمه، ولكن لم يلتزم ذلك، بل كان ظالماً لنفسه، ومن هنا وصفه الله بأنه ظلوم كثير الظلم لنفسه؛ لأنه التزم شيئاً ولم يقم به. فمن حين نصبح إلى أن نمسي وربنا يدعونا إلى أوقات معهودة نؤدي الصلاة فيها والوقوف بين يديه، مناجين قائمين راكعين ساجدين ذاكرين، ومن حين نصبح إلى حين نمسي وعلينا مسئوليات أنفسنا ولأزواجنا ولأولادنا ولمجتمعنا، ولعموم مسلمي الأرض، وعلينا واجبات كثيرة، من أهمها أن نعلن كلمة الله وأن نقاتل أعداء الله إلى أن نلقى الله، ويفعل ذلك من أكرمه الله وأعانه الله وحرص على ذلك وهم قلة، ومع ذلك تجدهم ارتكبوا ما يخالف الأمانة، ولكن الحسنات يذهبن السيئات. أي: أن الله تعالى ﷻ أظهر لنا ميزة الأمانة وقيمتها، وأنها الكلمة الجامعة الشاملة لكل ما أمر به المسلم في دنياه إلى أن يلقى ربه، ومع ذلك وصف الله الإنسان بالظلم لنفسه في تحمله الأمانة، وبالجهل في معرفته بحقيقة الأمانة وعاقبتها، ولكون هذه السماوات العلا وهذه الأرض السفلى وهذه الجبال وما خلق الله فوقنا وتحتنا على عظمة أجرامها عجزت وخافت وخشيت من التحمل، فامتنعت وأبت مع خضوعها لأمر الله، وهي لم تؤمر ولو أمرت لنفذت على قدر ما تستطيع.

стр. 1466

تفسير قوله تعالى: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات) قال الله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٣]. لقد حمل الإنسان الأمانة من تلقاء نفسه في الأصل، والله يقول لنا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وعبادة الله في معناها الأعم هي الأمانة. وكلف الله الإنسان بالأمانة وإن عصى من عصى من المنافقين والمنافقات ومن المشركين والمشركات. والمنافقون والمنافقات هم من تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الكفر، والمشركون والمشركات هم من أظهروا الكفر وأبطنوه. وأمر الله الإنسان بحمل الأمانة؛ ليعذب هؤلاء المنافقين والمشركين بعصيانهم، وينكل بهم لمخالفتهم، وما خلقت النار إلا لأمثالهم؛ لذلك كانت الأمانة أمراً إلهياً للإنسان؛ ليعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات بإيذائهم وبخيانتهم في تحمل الأمانة، وبتعهدهم بحملها ثم تركوها، وهم لم يتركوها جهلاً ولا ظلماً لأنفسهم، ولكنهم تركوها عصياناً وخلافاً لله في أوامره ولرسله في أوامره، وعاشوا كذبةً منافقين يتظاهرون بأنهم مؤمنون وليسوا في الحقيقة كذلك. والمشركون قد أعلنوا الكفر ظاهراً وباطناً، أظهروه أمام الملأ استهتار وعدم اهتمام. فالله أمر بالأمانة وإن نافق من نافق في حملها، وأشرك من أشرك في عصيان الآمر بها وهو الله ورسله بأمر الله لهم؛ ليغفر الله للمؤمنين والمؤمنات بحرصهم وبذل جهدهم لتحمل هذه الأمانة طاعةً لربههم وطاعة لنبيهم، فالمؤمنون تحملوا الأمانة بحواسهم بحيث لا يرتكبون إلا ما أذن الله به وأحله. وليتوب الله عليهم ويغفر ذنوبهم؛ لما تركوا من إذاية الإنسان وظلم إخوانهم المسلمين، فهؤلاء لحملهم للأمانة قدر الله جهدهم، حتى إذا أساءوا استغفروا وأنابوا فتاب الله عليهم وغفر لهم. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٣]. هذا المؤمن الذي تاب تاب الله عليه، وهذه المؤمنة التي تابت تاب الله عليها، والله يغفر الذنوب جميعاً لكل مؤمن تائب، ولكل مؤمنة تائبة، ويرحم ضعفهم وعجزهم وكثرة نسيانهم؛ لقاء توبتهم وإنابتهم وعودتهم إلى الله. وبهذا نكون بفضل الله وعونه قد ختمنا سورة الأحزاب.

стр. 1467

تفسير سورة سبأ [١ - ٦] سورة سبأ سورة مكية، وسميت بهذا الاسم لأنه ذكر فيها، وهو اسم رجل من اليمن كان له عشرة من الولد، تيامن منهم ستة وتشاهم أربعة، كما بين ذلك رسول الله ﷺ .

стр. 1468

مقدمة بين يدي سورة سبأ سورة سبأ سورة مكية، فقد نزل بها الروح الأمين عن رب العزة ﷻ على قلب نبينا خاتم الأنبياء عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم، وكان ذلك في مكة المكرمة مسقط رأسه الشريف، ومنزل الوحي الأول، وبيت الله الحرام، ومركز الكعبة المشرفة، ومناسك الحج المقدسة. والجمهور يقولون: هي مكية إلا آية، وزعم قوم -بعد أن أجمعوا على أنها مكية- أن هذه الآية مدنية، والآي في أكثرها تدل على أنها مكية. ولكن من سبأ الذي سميت به السورة؟ جاء من يسأل رسول الله ﵊: (ما سبأ يا رسول الله! أرجل هو أو امرأة أو أرض؟ قال النبي ﷺ : هو رجل كان له عشرة أولاد، تيامن منهم ستة وتشاءم أربعة)، أي: ستة ذهبوا لليمن، وأربعة ذهبوا إلى الشام. قال النسابة: هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ولذلك أكثر ما يقال عن عرب اليمن: القحطانية، ومنهم ملوك سبأ، ومنهم بلقيس صاحبة سليمان في القصة التي مضت، وأخذنا منها العبر والحكم والأحكام. وهذا الاسم هو من باب تسمية الكل باسم البعض، وذلك في الآية الخامسة عشرة: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا﴾ [سبأ:١٥ - ١٦]، فعندما أعرضوا عن النعم والمغفرة أصابهم الله بما أصابهم به. هذه السورة التي سميت بسبأ، سيقص الله علينا فيها قصته مع ما يتخللها على عادة القرآن الكريم من حكم وعبر وأحكام وآداب ورقائق، ونحن مع القرآن ومع السنة الطاهرة وخاصة في كتاب الله يجد الدارس والتالي والعالم والطلاب يجدون أنفسهم في روض فيه من كل ثمرة زوجان. ففيها صفات الله ونعوته الكريمة، وتحدثت عن الأنبياء وكيف أكرمهم الله بالنبوءة وأوحى إليهم، وعن الأمم السابقة العاصية والمطيعة، وقصة بدء الخليقة منذ خلق آدم من تراب وإلى يوم القيامة، وعن الحلال والحرام، والآداب والرقائق والقصص، فلا تجد المدرس ولا الطلاب يملون منها؛ لأنهم يتنقلون من زهرة إلى وردة، إلى عسل إلى ثمرات طيبات في كتاب الله. وعن نفسي أقول قبل أن أقول عنكم: عندما أدرس كتاباً مصنفاً على طريقة كتب الفقه، وأجد نفسي أبقى في أبواب الطهارة الشهور المتعددة، وقل مثل ذلك على بقية الأبواب، فإني أمل وأكل، وأما مع كتاب الله وسنة رسوله في المسانيد المرتبة على أسماء الرواة من الصحابة لا على أبواب الفقه، فالإنسان ينتقل من حديث في أول الخلق، إلى حديث في الله، إلى حديث في النبوءة، إلى أحاديث في الأحكام والحلال والحرام، وهكذا، فلا يمل، وهكذا نحن في كتاب الله، وقد أعاننا الله وتابعنا بيانه وشرحه ولنا إلى الآن تسع سنوات بنشاط وغبطة ولله الحمد، وعدم ملل البتة، وكما نرجو من الله الذي أعاننا في الماضي أن يعيننا في الآتي إلى إتمامه بفضله وكرمه.

стр. 1469

تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١]. ابتدأ الله الخلق بالحمد، وختم الدنيا والخلق بالحمد لله، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]، وكانت السورة التي هي ديباجة كتاب الله، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وهي التي نتلوها ونقرأها وقلنا بفرضيتها كما تؤكد ذلك الأحاديث في جميع الصلوات، فرائضها ونوافلها، وفي كل الحالات جماعات أو فرادى. وهنا الحمد لله: الحمد الكامل، بجميع أنواعه، الحمد الحق لله، فمهما أوتيت من عافية ومن رزق ومن مال ومن كل شيء إذا جاء على يد العبيد، فالله هو الذي ألهمهم، والله الذي حرك قلوبهم، فهو المحمود على ذلك، وإن كان من آداب الإسلام كما يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله). ولكن الحمد الكامل، والحمد التام بجميع أنواعه هو لله، نحمده على ما هدانا إليه من دين وإسلام، نحمده على أن جعلنا من أمة محمد ﵊، نحمده على ما وفقنا إليه من التزام ذلك والرجاء والضراعة إليه أن يحيينا عليه وأن يميتنا عليه، إلى أن نلقاه يوم القيامة مع محمد وصحبه. نحمده على ما أولانا به من عافية ومن رزق ومسكن، وكسوة، وذرية، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، ومهما قلنا: يبقى فضل الله عظيماً، ولكننا مع ذلك نقول ما علمنا الله أن نقول: الحمد لله، فنحمده على كل حال، ويتأكد ذلك عقب الصلوات، وتجدد النعمة في الذات أو الأخلاق أو الأولاد أو الأرزاق. وعلمنا الله أن نحمده، وعلى أن له السماوات والأرض، وهو من السماوات يميتنا، ويسيل الأمطار لغياث الأرض ولخصبها، ولإنباتها بما نعيش عليه، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، لا يحيا مخلوق بلا ماء، كان إنساناً أو حيواناً أو نباتاً، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ:١]. ونحمد الله على أن الأرض له، أسكننا في أطرافها، نضرب في جوانبها ونسترزق ربنا، نعيش من باطنها بما ينبته من نبات وثمرات، وما يعيش عليها من دواب وحيوانات من أشكال اللحوم وأشكال النعم، فنحن نحمد الله أن السموات والأرض هي له ومن عليها من خلق، الكل ملك له، والكل عبد له، والكل متوقف على رحمته، والكل متوقف على رزقه، فهو المحيي وهو المميت. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ﴾ [سبأ:١]، أي: في يوم القيامة الحمد له وحده، فلم يكن لأحد فيه حمد أو شكر؛ لأن الكل له، ولن يستطيع أحد فعل شيء إلا ما كان من الشفاعة المحمدية -أكرمنا الله بها- وإلا ما كان من شفاعة العلماء والصالحين والأخيار كذلك -أكرمنا الله بها- وهي أيضاً من الله، ولن يشفع أحد إلا بإذنه، فالحمد كله لله، فهو الذي أذن لمن يشفع أن يشفع، ولا يشفع إلا في مؤمن أدى الشهادتين، فالحمد في الدنيا لله: في السموات والأرض، والحمد في الآخرة لله، فالحمد إذاً كله لله بتمامه وأنواعه وأشكاله دنيا وآخرة، ولذلك ينبغي للمسلم كما أوصى رسول الله ﷺ ذلك الأعرابي الذي جاء وقال: (يا رسول الله، قد كثرت علي شرائع الإسلام، فقل لي شيئاً أكتفي به، قال: إن استطعت أن يكون لسانك رطباً بذكر الله فافعل). ومن أعظم الذكر وأعلاه وأسماه: الحمد لله، الذي امتلأ بها كتاب الله، فهو كما أثنى على نفسه لا نحصي ثناءً عليه. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١] أي: هو الحكيم في كل أعماله، وفي كل أقواله، وفي جميع قدره، والحكمة هي وضع الشيء محله، والله وحده حكيم، ومن يكرمه الله بشيء من ذلك، فهو الحكيم في أمره، الحكيم في نهيه، الحكيم في قدره ﷻ وعز مقامه، (وهو الحكيم الخبير) الخبير بعباده مؤمنهم وكافرهم، وما يصلح لهم نساءً ورجالاً، كباراً وصغاراً، فمن يصلح له الفقر أفقره، ومن يصلح له الغنى أغناه، ومن تصلح الحياة له أكبره إلى الشيخوخة، ومن يصلح له الموت أماته في الطفولة، فالأمر أمره، فلا يسأل عما يفعل ونحن نسأل، فهو الحكيم بكل أعماله، الخبير بكل خلقه.

стр. 1470

تفسير قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها) قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:٢]. ربنا ﷻ الخالق لكل شيء هو العالم بكل شيء، يعلم ما يلج في الأرض: أي: ما يدخلها، ويلج: يدخل، والمعنى: ما يلج الأرض من أمطار: كم قطراتها، وكم أوزانها، وفي أي ساعة وفي أي وقت من ليل أو نهار نزلت أو ستنزل، وما يلج في الأرض من أموات ومن أجسام، فالله يعلم كل شيء، (وما يخرج منها) أي: ما ينبت من ثمراتها وأرزاقها ومعادنها وخيراتها. فهو العالم بما يدخل إلى الأرض مما ينزل من أوامر ونواهٍ. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ:٢] ويعلم ما يعرج ويصعد للسماء من أرواح المؤمنين، ومن الملائكة الجند المكلفين، ومن دعوات الداعين، وهو ﷻ الخالق لذلك، العليم به وحده. ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:٢] الرحيم بعباده المؤمنين، فمن رحمته أنه غفر ذنوبهم، وقبل توبتهم، واستجاب لاستغفارهم، وتاب على من تاب وأناب إليه، فهو الرحيم بعبادة المؤمنين التائبين، وهو الغفور لذنوبهم عندما يستغفرون.

стр. 1471

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]. كفروا بالقيامة وأنكروها، وكذبوا رسلهم، وأنكروا ما ورد عن الله لرسلهم، فكان جواب الله لنبيه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣] أي: قل يا رسول الله: بلى، وكلمة بلى تعني نعم بعد الإنكار، فهم أنكروا فكان الجواب بلى ستأتي الساعة. (بلى وربي) أمره الله أن يقسم بربه أن الساعة آتية لا محالة، ((عَالِمِ الْغَيْبِ)) صفة لربي. وقد ورد القسم على قيام الساعة في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: في سورة يونس، والآية: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] أي: يطلبون نبأك وخبرك أحقٌ يوم القيامة؟ ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]، فهم طلبوا الاستنباء والاستخبار من رسول الله عن القيامة، فقال الله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس:٥٣] أي: نعم وربي، فأقسم بربه أن يوم القيامة حق لا مين ولا شك فيه. الموضع الثاني: آيتنا هذه التي في سبأ. الموضع الثالث: قوله في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، والزعم مطية الكذب، فقد زعموا بأنه لا بعث ولا نشور ولا قيامة، قال الله لنبيه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، فأكد ذلك بلام الابتداء، وبنون التوكيد الثقيلة، زيادة على القسم الظاهر، فهي ثلاث آيات في ثلاث سورة كريمات، يأمر الله نبيه فيها أن يقسم به أن القيامة حق، ونحن تبعاً لأمر الله، ولما استجاب إليه رسول الله ﵊ كذلك نقسم ونقول للمنكرين الكافرين: بلى وربي لتبعثن، بلى وربي إن يوم الساعة حق. قوله: ((لَتَأْتِيَنَّكُمْ))، أكد القسم بلام الابتداء، مع التأكيد بنون التوكيد المثقلة. (عالم الغيب) أي: الذي لا يطلع على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، وهذا من الغيب الذي أخبر به رسوله، وعلمناه نحن عن رسولنا ﵊. قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]. قوله: لا يعزب عنه أي: لا يغيب، ولا يغرب، ولا يبعد عنه الاطلاع على خلقه، ولو كان هذا الخلق في وزن ذرة، والذرة هي الهباءة الصغيرة التي لا تكاد ترى إلا بالمجهر، سواء كانت في السماوات أو في الأرض، وفي السموات السبع العلى وما فوقها إلى سدرة المنتهى إلى العرش، إلى الأرضين السبع بحارها وجبالها ووهادها وأعماقها إلا ويعلمها الله ﷻ ، ولا تغيب عنه ولا تبعد. ((وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ)) ولا أصغر من الذرة. ((وَلا أَكْبَرُ)) أكبر من الذرة. ((إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)) علم كل ذلك وغيبه في الكتاب، والكتاب هنا اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ لوحان، لوح من قبل الحق لا يراه إلا الله، ولوح من قبل الملائكة، فما كان من قبل الله لا يراه غيره، قال عنه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، وما دون فيه لا يغير ولا يبدل، جفت الصحف ورفعت الأقلام. واللوح الذي من قبل الملائكة، هذا يقع فيه المحو والإثبات، يمحى ما سبق أن كتب فيه الجنين شقياً أو فقيراً أو بائساً، بدعوات والديه، وبالصدقة، وبالضراعة إلى الله، أو بأي سبب من الأسباب، كما جاء في أحاديث كثيرة، وفي كتاب الله، وهو ما قال الله عنه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]. فاللوح المحفوظ الذي من قبل الله هو الأم، كما نقول: أم الشريعة كتاب الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة النبوية شرح وبيان لأم الكتاب، وهو أيضاً فيما صح عنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، هو المعصوم ﷺ ، وهو الذي إذا قال لا يقول إلا الحق، وإذا غضب لا يغضب إلا للحق، وإذا سر لا يسر إلا للحق، وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل ما سمع من رسول الله ﵊، وسمى بعد ذلك ما كتبه: الصادقة، وكان في هذا الكتاب ألفا حديث، لم يضع منها شيء ولله الحمد، وكلها رويت في الكتب الستة، وبقية الصحاح والسنن، فانقطع عن الكتابة يوماً، فانتبه له رسول الله ﵊، قال: (ما بالك لا تكتب؟ قال: يا رسول الله! رآني فلان وفلان فقالا لي: أتكتب كل ما يقول رسول الله في الغضب والرضا وهو بشر؟ قال: اكتب فوالله لا يخرج عن هذا إلا حق في الغضب والرضا). ولذلك كانت حياة رسول الله في جميع سيرته قولاً وفعلاً وعملاً وإقراراً من الشريعة الشارحة والمبينة للقرآن الكريم، ومن هنا قال الله لنا في كتابه في أكثر من آية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فرسول الله أسوتنا وقدوتنا في غضبه ورضاه، وفي حبه وبغضه، وفي سلمه وحربه، وفي حضوره وغيبته، وفي حضره وسفره، وفي سلامه ومعاركه ﵊، وفي كل أحواله.

стр. 1472

تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٤ - ٥]. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سبأ:٤]، لم كانت القيامة؟ ولم جعل الله لهذه الدنيا الدنية حياة فانية؟ حتى لا يفر الظلمة في الأرض بظلمهم وبجبروتهم وبطغيانهم، ويظنون أن الأمر كان سبهللاً، وأن الضعيف لا يجد من يدافع عن حقه، وهيهات هيهات، ما كانت الآخرة إلا للحكم العدل، وسيكون الحاكم العدل أحكم الحاكمين الله ﷻ . قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣] لم؟ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سبأ:٤] ليجزيهم أجر ذلك، ليجزيهم ويحسن إليهم ويكافئهم على ما فعلوه من طاعة وعبادة، وهيهات أن يكون المحسن كالمسيء، والجاهل كالعالم، والظالم كالعادل، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ:٤]، أولئك الذين أحسنوا وآمنوا وعملوا الصالحات يجزيهم الله المغفرة والرزق الكريم، المغفرة مما أتوا به، وهم دائمون على الإيمان والإسلام، ثم يرزقهم الرزق الكريم، والرزق الكريم هو الجنة، ورضا الله ﷻ ، والحياة الدائمة بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ومقابل ذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٥]، فكانت الساعة وكانت القيامة ليجازي الله المؤمنين العاملين للصالحات بمغفرة ذنوبهم، وبرضاه عنهم، ثم يرزقهم الرزق الكريم الذي لا مشقة فيه ولا تعب، وذلك في دخولهم الجنان، وتمتعهم بما فيها. ((وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا)) أولئك الذين أساءوا وسعوا في الأرض بالفساد. ((مُعَاجِزِينَ)): ظنوا أنهم سيفوتون على ربهم ويعجزونه، وأنه يعجز عن عذابهم، زعمت ذلك عقولهم الكاسدة، وهيهات أن يكون لذلك أصل أو وجود إلا في ضمائرهم الفاسدة الغبية. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ:٥] سعوا في تكذيب آياتنا وكتابنا ومعجزات أنبيائنا، وما أمرنا به وقلناه في كتابنا، وأنزلناه على أنبيائنا، هؤلاء يسعون في صد الناس عن الإيمان. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ [سبأ:٥]، سعوا في إفسادها، وصد الناس عنها، وبذلوا من أنفسهم سعياً وحركة وعملاً للإفساد والصد عن الله وعن دينه، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٥]، (أليم) قرئ: (مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ)، وقرئ: (أليمٌ) صفة للعذاب، بمعنى: أولئك لهم عذاب أليم من رجز، والرجز أشد العذاب والمهانة والإذلال، ففي يوم القيامة يحسن إلى المحسن، ويساء إلى المسيء، يلاقي المحسن رضاء ربه ومغفرته ودخول الجنان، ويلقى المسيء الساعي في الأرض الفساد، المكذب لله ورسوله، الصاد عن الله ورسله، العذاب والمهانة في جهنم وبئس المصير.

стр. 1473

تفسير قوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق) قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]. (ويرى الذين أوتوا العلم) هذا كلام عام، وقد فسره البعض بمؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله، وكانوا من أهل العلم الذين فهموا التوراة والإنجيل، وفسروه بعلماء المسلمين، والآية تشمل الكل: من آمن من أهل الكتاب من علمائهم كـ عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وهؤلاء الذين كانوا من أهل العلم، والذين حازوا رتبة العلم بالله والمعرفة به. ((وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) أي: يعلموا، أي: من رأيهم، ومن عقيدتهم، ومن فهمهم، كما نقول: يرى فلان كذا وكذا، أي: يعتقد ويدين بهذا الرأي. ((الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)) يرون ويعتقدون ويؤمنون أن ما نزل إليك من كتاب الله، وما نزل إليك من رسالة الله هو الحق، الذي انفرد بعد الأديان السابقة وتبديل أصحابها لها وتحريفها، ولم يبق الحق إلا الإسلام، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] لا سواه ولا غيره. ((وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)) أي: أن الذي أنزله إليك ربك بواسطة رسول الملائكة إليك جبريل، هو الحق، لا كما يزعم الكفرة، والحق الذي أنزل عليك هو قوله بيوم القيامة وبالنبوءة وبالجنة والنار، وبالجن والملائكة، وبالموت والحياة، وبأن خالق الخلق هو الله الواحد ﷻ . ((وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) هذا الذي أنزل إليك يهدي أي: يدل ويرشد ويوجه إلى الصراط وإلى الطريق، والعزيز هو الله الذي لا ينال، والغالب الذي لا يغالب، وصراط الله الحق هو الإسلام، أي: رسالة محمد ﵊. فهؤلاء أهل العلم يعتقدون بأن هذا القرآن الكريم يهدي إلى صراط الله العزيز الحميد، المحمود في السماء، والمحمود في الأرض، الذي له حق الحمد.

стр. 1474

تفسير سورة سبأ [٧ - ٩] الاستهزاء بالرسالة والرسل هو منهج الكافرين والمشركين الماضين وكذلك المعاصرون؛ وذلك إنما هو لعجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة، فيلجئون إلى السخرية والتهكم، حتى يلبسوا على الجهلة وضعاف العقول، والله من ورائهم محيط.

стр. 1475

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق) قال الله جلت قدرته: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:٧]، هؤلاء الكفرة المشركون، الجاحدون ليوم القيامة ويوم البعث، وهؤلاء الذين لا يزالون يصرون على تكذيب الأنبياء والكفر بالله وما جاء عن الله. يقول الله عنهم: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ)) أي: قال الذين كفروا لغيرهم من الناس وأمثالهم -وقد يطمعون أن يقولوا ذلك للمسلمين-: ((هَلْ نَدُلُّكُمْ)) أي: هل نوصلكم ونوجهكم لتتعرفوا على رجل يخبركم وينبئكم ويبلغكم بأنكم إذا مزقتم كل ممزق، وتفرقت أجسادكم وأخرجتم من هذه الدنيا بالموت والفناء، أنكم لفي خلق جديد، وتعودون مرة ثانية في جسد جديد، وفي حياة جديدة، وفي دار جديدة، يقولون هذا مستنكرين متعجبين، منفرين الناس عن الإيمان بالله، وأن هناك بعثة يوم القيامة، ليحاسب المسيء على إساءته، وليجزى المحسن على إحسانه. هؤلاء الكفرة عندما يقولون ذلك لا يقتصرون على أنهم كفرة جاحدون منكرون للبعث، ولكنهم يأبون إلا أن يذيعوا الكفر، ويكونوا دعاة للكفر. ثم هم عندما يتكلمون عن رسول الله ﷺ يقولون: رجل وهي كلمة نكرة، أي: رجل مجهول، ويقصدون بذلك شتم رسول الله ﷺ ، وليس بعد الكفر ذنب، فعندما يكذبون ربهم وأنبياءهم مهما قالوا بعد ذلك فليس غريباً عنهم، على أن النبي ﵊ لم يكن مجهولاً في حياته، بل كان يعرفه البر والفاجر، وكان يعرفه المؤمن والكافر، فقد كان سبط وحفيد سيد العرب عبد المطلب، وكان عبد المطلب معروفاً في جميع جزيرة العرب، وكان مقدراً ومعظماً ومحترماً، فهم عندما يقولون: محمد بن عبد المطلب، ويقولون: محمد بن عبد الله، كان جده أشهر من أبيه، فأبوه مات شاباً صغيراً، ولذلك فالنبي في غزوة حنين عندما شاع أنه قتل في المعركة قام على دابته وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ولكن هؤلاء الكفرة الذين يقص الله عنهم، يريدون أن ينقصوا من مقام النبي ﵊ في كلمة رجل، وهم متعجبون، ويقولون لغيرهم: يا هؤلاء الناس هل نعرفكم ونوصلكم إلى رجل يقول الغرائب؟! وهذه الغريبة والعجيبة أنه يقول عن الناس: إذا هم مزقوا وصاروا قطعاً في التراب أنهم سيعودون مرة أخرى. فقوله: ((مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)) أي: ضعتم وأصبحتم ذراً مع الذر، وتراباً مع التراب، أنكم تعودون مرة ثانية في خلق جديد، وحياة جديدة وجسم جديد.
следующие страницы →