← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]. كفروا بالقيامة وأنكروها، وكذبوا رسلهم، وأنكروا ما ورد عن الله لرسلهم، فكان جواب الله لنبيه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣] أي: قل يا رسول الله: بلى، وكلمة بلى تعني نعم بعد الإنكار، فهم أنكروا فكان الجواب بلى ستأتي الساعة. (بلى وربي) أمره الله أن يقسم بربه أن الساعة آتية لا محالة، ((عَالِمِ الْغَيْبِ)) صفة لربي. وقد ورد القسم على قيام الساعة في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: في سورة يونس، والآية: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] أي: يطلبون نبأك وخبرك أحقٌ يوم القيامة؟ ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]، فهم طلبوا الاستنباء والاستخبار من رسول الله عن القيامة، فقال الله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس:٥٣] أي: نعم وربي، فأقسم بربه أن يوم القيامة حق لا مين ولا شك فيه. الموضع الثاني: آيتنا هذه التي في سبأ. الموضع الثالث: قوله في سورة التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، والزعم مطية الكذب، فقد زعموا بأنه لا بعث ولا نشور ولا قيامة، قال الله لنبيه: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧]، فأكد ذلك بلام الابتداء، وبنون التوكيد الثقيلة، زيادة على القسم الظاهر، فهي ثلاث آيات في ثلاث سورة كريمات، يأمر الله نبيه فيها أن يقسم به أن القيامة حق، ونحن تبعاً لأمر الله، ولما استجاب إليه رسول الله ﵊ كذلك نقسم ونقول للمنكرين الكافرين: بلى وربي لتبعثن، بلى وربي إن يوم الساعة حق. قوله: ((لَتَأْتِيَنَّكُمْ))، أكد القسم بلام الابتداء، مع التأكيد بنون التوكيد المثقلة. (عالم الغيب) أي: الذي لا يطلع على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، وهذا من الغيب الذي أخبر به رسوله، وعلمناه نحن عن رسولنا ﵊. قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]. قوله: لا يعزب عنه أي: لا يغيب، ولا يغرب، ولا يبعد عنه الاطلاع على خلقه، ولو كان هذا الخلق في وزن ذرة، والذرة هي الهباءة الصغيرة التي لا تكاد ترى إلا بالمجهر، سواء كانت في السماوات أو في الأرض، وفي السموات السبع العلى وما فوقها إلى سدرة المنتهى إلى العرش، إلى الأرضين السبع بحارها وجبالها ووهادها وأعماقها إلا ويعلمها الله ﷻ ، ولا تغيب عنه ولا تبعد. ((وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ)) ولا أصغر من الذرة. ((وَلا أَكْبَرُ)) أكبر من الذرة. ((إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)) علم كل ذلك وغيبه في الكتاب، والكتاب هنا اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ لوحان، لوح من قبل الحق لا يراه إلا الله، ولوح من قبل الملائكة، فما كان من قبل الله لا يراه غيره، قال عنه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩]، وما دون فيه لا يغير ولا يبدل، جفت الصحف ورفعت الأقلام. واللوح الذي من قبل الملائكة، هذا يقع فيه المحو والإثبات، يمحى ما سبق أن كتب فيه الجنين شقياً أو فقيراً أو بائساً، بدعوات والديه، وبالصدقة، وبالضراعة إلى الله، أو بأي سبب من الأسباب، كما جاء في أحاديث كثيرة، وفي كتاب الله، وهو ما قال الله عنه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]. فاللوح المحفوظ الذي من قبل الله هو الأم، كما نقول: أم الشريعة كتاب الله، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة النبوية شرح وبيان لأم الكتاب، وهو أيضاً فيما صح عنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، هو المعصوم ﷺ ، وهو الذي إذا قال لا يقول إلا الحق، وإذا غضب لا يغضب إلا للحق، وإذا سر لا يسر إلا للحق، وقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب كل ما سمع من رسول الله ﵊، وسمى بعد ذلك ما كتبه: الصادقة، وكان في هذا الكتاب ألفا حديث، لم يضع منها شيء ولله الحمد، وكلها رويت في الكتب الستة، وبقية الصحاح والسنن، فانقطع عن الكتابة يوماً، فانتبه له رسول الله ﵊، قال: (ما بالك لا تكتب؟ قال: يا رسول الله! رآني فلان وفلان فقالا لي: أتكتب كل ما يقول رسول الله في الغضب والرضا وهو بشر؟ قال: اكتب فوالله لا يخرج عن هذا إلا حق في الغضب والرضا). ولذلك كانت حياة رسول الله في جميع سيرته قولاً وفعلاً وعملاً وإقراراً من الشريعة الشارحة والمبينة للقرآن الكريم، ومن هنا قال الله لنا في كتابه في أكثر من آية: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، فرسول الله أسوتنا وقدوتنا في غضبه ورضاه، وفي حبه وبغضه، وفي سلمه وحربه، وفي حضوره وغيبته، وفي حضره وسفره، وفي سلامه ومعاركه ﵊، وفي كل أحواله.

стр. 1472

تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٤ - ٥]. قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سبأ:٤]، لم كانت القيامة؟ ولم جعل الله لهذه الدنيا الدنية حياة فانية؟ حتى لا يفر الظلمة في الأرض بظلمهم وبجبروتهم وبطغيانهم، ويظنون أن الأمر كان سبهللاً، وأن الضعيف لا يجد من يدافع عن حقه، وهيهات هيهات، ما كانت الآخرة إلا للحكم العدل، وسيكون الحاكم العدل أحكم الحاكمين الله ﷻ . قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣] لم؟ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سبأ:٤] ليجزيهم أجر ذلك، ليجزيهم ويحسن إليهم ويكافئهم على ما فعلوه من طاعة وعبادة، وهيهات أن يكون المحسن كالمسيء، والجاهل كالعالم، والظالم كالعادل، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ:٤]، أولئك الذين أحسنوا وآمنوا وعملوا الصالحات يجزيهم الله المغفرة والرزق الكريم، المغفرة مما أتوا به، وهم دائمون على الإيمان والإسلام، ثم يرزقهم الرزق الكريم، والرزق الكريم هو الجنة، ورضا الله ﷻ ، والحياة الدائمة بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ومقابل ذلك قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٥]، فكانت الساعة وكانت القيامة ليجازي الله المؤمنين العاملين للصالحات بمغفرة ذنوبهم، وبرضاه عنهم، ثم يرزقهم الرزق الكريم الذي لا مشقة فيه ولا تعب، وذلك في دخولهم الجنان، وتمتعهم بما فيها. ((وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا)) أولئك الذين أساءوا وسعوا في الأرض بالفساد. ((مُعَاجِزِينَ)): ظنوا أنهم سيفوتون على ربهم ويعجزونه، وأنه يعجز عن عذابهم، زعمت ذلك عقولهم الكاسدة، وهيهات أن يكون لذلك أصل أو وجود إلا في ضمائرهم الفاسدة الغبية. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ:٥] سعوا في تكذيب آياتنا وكتابنا ومعجزات أنبيائنا، وما أمرنا به وقلناه في كتابنا، وأنزلناه على أنبيائنا، هؤلاء يسعون في صد الناس عن الإيمان. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ [سبأ:٥]، سعوا في إفسادها، وصد الناس عنها، وبذلوا من أنفسهم سعياً وحركة وعملاً للإفساد والصد عن الله وعن دينه، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٥]، (أليم) قرئ: (مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٍ)، وقرئ: (أليمٌ) صفة للعذاب، بمعنى: أولئك لهم عذاب أليم من رجز، والرجز أشد العذاب والمهانة والإذلال، ففي يوم القيامة يحسن إلى المحسن، ويساء إلى المسيء، يلاقي المحسن رضاء ربه ومغفرته ودخول الجنان، ويلقى المسيء الساعي في الأرض الفساد، المكذب لله ورسوله، الصاد عن الله ورسله، العذاب والمهانة في جهنم وبئس المصير.

стр. 1473

تفسير قوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق) قال الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]. (ويرى الذين أوتوا العلم) هذا كلام عام، وقد فسره البعض بمؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله، وكانوا من أهل العلم الذين فهموا التوراة والإنجيل، وفسروه بعلماء المسلمين، والآية تشمل الكل: من آمن من أهل الكتاب من علمائهم كـ عبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وهؤلاء الذين كانوا من أهل العلم، والذين حازوا رتبة العلم بالله والمعرفة به. ((وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) أي: يعلموا، أي: من رأيهم، ومن عقيدتهم، ومن فهمهم، كما نقول: يرى فلان كذا وكذا، أي: يعتقد ويدين بهذا الرأي. ((الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)) يرون ويعتقدون ويؤمنون أن ما نزل إليك من كتاب الله، وما نزل إليك من رسالة الله هو الحق، الذي انفرد بعد الأديان السابقة وتبديل أصحابها لها وتحريفها، ولم يبق الحق إلا الإسلام، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] لا سواه ولا غيره. ((وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)) أي: أن الذي أنزله إليك ربك بواسطة رسول الملائكة إليك جبريل، هو الحق، لا كما يزعم الكفرة، والحق الذي أنزل عليك هو قوله بيوم القيامة وبالنبوءة وبالجنة والنار، وبالجن والملائكة، وبالموت والحياة، وبأن خالق الخلق هو الله الواحد ﷻ . ((وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)) هذا الذي أنزل إليك يهدي أي: يدل ويرشد ويوجه إلى الصراط وإلى الطريق، والعزيز هو الله الذي لا ينال، والغالب الذي لا يغالب، وصراط الله الحق هو الإسلام، أي: رسالة محمد ﵊. فهؤلاء أهل العلم يعتقدون بأن هذا القرآن الكريم يهدي إلى صراط الله العزيز الحميد، المحمود في السماء، والمحمود في الأرض، الذي له حق الحمد.

стр. 1474

تفسير سورة سبأ [٧ - ٩] الاستهزاء بالرسالة والرسل هو منهج الكافرين والمشركين الماضين وكذلك المعاصرون؛ وذلك إنما هو لعجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة، فيلجئون إلى السخرية والتهكم، حتى يلبسوا على الجهلة وضعاف العقول، والله من ورائهم محيط.

стр. 1475

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق) قال الله جلت قدرته: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:٧]، هؤلاء الكفرة المشركون، الجاحدون ليوم القيامة ويوم البعث، وهؤلاء الذين لا يزالون يصرون على تكذيب الأنبياء والكفر بالله وما جاء عن الله. يقول الله عنهم: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ)) أي: قال الذين كفروا لغيرهم من الناس وأمثالهم -وقد يطمعون أن يقولوا ذلك للمسلمين-: ((هَلْ نَدُلُّكُمْ)) أي: هل نوصلكم ونوجهكم لتتعرفوا على رجل يخبركم وينبئكم ويبلغكم بأنكم إذا مزقتم كل ممزق، وتفرقت أجسادكم وأخرجتم من هذه الدنيا بالموت والفناء، أنكم لفي خلق جديد، وتعودون مرة ثانية في جسد جديد، وفي حياة جديدة، وفي دار جديدة، يقولون هذا مستنكرين متعجبين، منفرين الناس عن الإيمان بالله، وأن هناك بعثة يوم القيامة، ليحاسب المسيء على إساءته، وليجزى المحسن على إحسانه. هؤلاء الكفرة عندما يقولون ذلك لا يقتصرون على أنهم كفرة جاحدون منكرون للبعث، ولكنهم يأبون إلا أن يذيعوا الكفر، ويكونوا دعاة للكفر. ثم هم عندما يتكلمون عن رسول الله ﷺ يقولون: رجل وهي كلمة نكرة، أي: رجل مجهول، ويقصدون بذلك شتم رسول الله ﷺ ، وليس بعد الكفر ذنب، فعندما يكذبون ربهم وأنبياءهم مهما قالوا بعد ذلك فليس غريباً عنهم، على أن النبي ﵊ لم يكن مجهولاً في حياته، بل كان يعرفه البر والفاجر، وكان يعرفه المؤمن والكافر، فقد كان سبط وحفيد سيد العرب عبد المطلب، وكان عبد المطلب معروفاً في جميع جزيرة العرب، وكان مقدراً ومعظماً ومحترماً، فهم عندما يقولون: محمد بن عبد المطلب، ويقولون: محمد بن عبد الله، كان جده أشهر من أبيه، فأبوه مات شاباً صغيراً، ولذلك فالنبي في غزوة حنين عندما شاع أنه قتل في المعركة قام على دابته وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ولكن هؤلاء الكفرة الذين يقص الله عنهم، يريدون أن ينقصوا من مقام النبي ﵊ في كلمة رجل، وهم متعجبون، ويقولون لغيرهم: يا هؤلاء الناس هل نعرفكم ونوصلكم إلى رجل يقول الغرائب؟! وهذه الغريبة والعجيبة أنه يقول عن الناس: إذا هم مزقوا وصاروا قطعاً في التراب أنهم سيعودون مرة أخرى. فقوله: ((مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)) أي: ضعتم وأصبحتم ذراً مع الذر، وتراباً مع التراب، أنكم تعودون مرة ثانية في خلق جديد، وحياة جديدة وجسم جديد.

стр. 1476

تفسير قوله تعالى: (أفترى على الله كذباً أم به جنة) قال تعالى: ﴿أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:٨]. ثم عاد هؤلاء الكفرة فقالوا عن نبي الله: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ:٨]، قال الله يجيبهم: ﴿بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:٨]. قالوا ذلك عن النبي ﵊؛ لأنه أعلن وبلغ عن الله، والحقيقة أن الله هو الذي قال ذلك، وهو الذي أمر نبيه أن يقسم بربه أننا سنبعث، وبأن الساعة آتية، وأن الحياة الثانية قائمة، فهم عندما يكذبون نبيهم يكونون قد جحدوا ربهم، وجحدوا رسالته ونبأه وكتابه. ((أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ)) أي: أأفترى، فهما همزتان همزة استفهام وهمزة وصل، ولكن حذفت الثانية فبقيت الأولى، ودل على المحذوفة بقاء الأولى، وهو استفهام إنكاري تعجبي، يقولون: هل افترى الكذب، وزعم أنه رسول، وأن ما يقوله هو كلام الله، وأنه نقل عن الله أننا بعد الموت سنعيش حياة جديدة بجسد جديد وجسم جديد؟ فهو لا يخلو إما أن يكون قد اخترع الكذب -وحاشاه من ذلك- أو به جنة: أي: أصابه الجنون، وفقد عقله، فأصبح يقول ما لا يعقل، ويتكلم بما لا يعلم، ذاك قولهم مع أنهم هم الكذبة الفجرة، والمكذب للصادق وهو الكاذب، قالوا ذلك لصغار عقولهم، فعقولهم لم تتسع لدين الله، ولا لأنبياء الله، ولا لرسالات الله، فالذي يكذب نبياً فإنه مكذب لجميع الأنبياء؛ لأن الأنبياء جميعاً ظهروا للناس وقالوا: إننا رسل ربنا إلى الناس جميعاً، وقالوا عن ربهم: إن حياة جديدة ستكون بعد الموت وأننا سنحيا بعد الموت والفناء للحساب والمجازاة، إما إلى جنة وإما إلى نار، فلم يكن هذا خبراً عن رسول الله فقط، ولكنه خبر الله الذي نطق به كتابه، والذي يعتبر أصلاً في جميع الشرائع، فهم لم يتصوروا إلا حالتين، فلم يقولوا الاحتمال الثالث وهو: أن يكون صادقاً، فكفرهم وحقدهم على الرسالات، وبغضهم لسيد البشر ﷺ ، تركهم لا يتصورون إلا صورتين: الكذب، والجنون، فهو إما نطق عن جنة، وإما نطق كاذباً، فكذبهم الله وأخزاهم، ولعنهم وقال: ((بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)). (بل) كلمة إضراب عن كلام سابق، أي: اسكتوا عما مضى، وعما هذى به هؤلاء الذين هرفوا بما لم يعرفوا، بل الحقيقة في ذلك ليس هناك كذب، والنبي لا يكذب، وليس هناك جنون، فالنبي من العقلاء، ولكن الواقع هو أن الذين كفروا لا يؤمنون بالآخرة، ((بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)) هؤلاء حملهم على ذلك عدم إيمانهم باليوم الآخرة. ((بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ)) هم في العذاب لكفرهم، ولقلة أدبهم مع نبي الله ﵊ ولتكذيبه، هم في العذاب المهين، في جهنم وبئس المصير، خالدين أبداً سرمداً، فهم علاوة على كونهم كذبة فجرة، جزاؤهم العذاب وسيلقونه، وهم في ضلال لقولهم هذا، ضلوا الطريق السوي، وضلوا الحق القائم والواقع، والذي جاءت به جميع الأنبياء منذ آدم أبي البشر، إلى نوح وإبراهيم، وجميع أنبياء بني إسرائيل، إلى خاتم الأنبياء نبينا محمد صلى الله عليه وعليهم جميعاً، ((وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ)) أي: الضلال العميق الذي ليس له أي شبهة، لا من فكر ولا من عقل، فبذلك أصبحوا من أئمة الكفر؛ لإعلامهم ذلك وقولهم للناس هذا عن رسول الله ﵊، فهم من أجل ذلك في العذاب، وفي ضلال بعيد وسحيق وعميق، لا يكاد يدل عليه، لا منطق ولا أية شبهة.

стр. 1477

تفسير قوله تعالى: (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم) قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ:٩]، هؤلاء الجاحدون ليوم القيامة، المنكرون لها ولوقوعها، أفلم يروا: استفهام تقريعي توبيخي من الله لهم ولأمثالهم، فإنكار القيامة هو كفر الأولين وكفر الآخرين والمعاصرين، وهم يقولون هذا عن نبينا ﵊، ويتهمونه بالكذب، فإذا قرءوا سيرته العطرة قالوا: به مس، أو به جنون، أو به طموح، فأملى عليه طموحه والجنون القائم فيه ما ليس بواقع، صلى الله عليه وحاشاه من كل ذلك. وها نحن نرى أن هؤلاء الكفرة المعاصرين سواء منهم اليهود والنصارى والوثنيون أو المنافقون المرتدون عن الإسلام، الذين يصفون أنفسهم بالتقدمية والإدراك، لكنهم هم الرجعيون المتأخرون الذي رجعوا لكفر أسلافهم. ومن كان بيته من زجاج لا يضرب بيوت الناس، ومن كان بيته من فولاذ ومن صخر أصم لا يهمه هراء الكذبة وفجور من لا يعقل ولا يدرك، فجميع أنواع الكفر المعاصرة والتي سبقت لم تزد في كفرها على ما قاله الأولون، فهم رجعوا إليهم فكانوا رجعيين متأخرين، وكانوا مع ذلك في الضلال البعيد، وفي العذاب المهين. (أفلم يروا) هؤلاء أين عقولهم؟ بل أين أبصارهم، ولكن كما قال ربنا: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨]، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. ((أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ))، أفلا يرون فيما يعيشون؟ أمامهم الأرض والسماء، وخلفهم أرض وسماء، وبين أيديهم ومن كل جهاتهم هذه السماء العالية، بما فيها من ثوابت وكواكب مما لا يحصيه إلا الله، وهذه الأرض الثابتة بما فيها من جبال وغابات وصحار وبحار، كل هذا هم يرونه ويقيمون عليه، وينامون فيه، ويصحون عليه، ويتنقلون في شماله وجنوبه وشرقه وغربه، هل يفكر هؤلاء المنكرون للخلق، من خلق هذا؟ من أقام السموات بهذا النظام الثابت؟ من الذي أرسى هذه الأراضي وثبتها بالجبال الرواسي؟ بل أنت نفسك، ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، من الذي خلقك؟ من الذي أعطاك عينين للبصر؟ من الذي أعطاك أذنين للسمع؟ وإذا ثبت هذا، وهو ثابت برؤيا العين وبالحس وبالواقع، فالخلق لا يمكن أن يكون بلا خالق، ومن قدر على كل هذا، فأوجدنا من العدم، وأوجد السموات والأرض والكون من العدم، وبلا مثال سابق، فعندما يفنيه ويقضي عليه، أيعجز أن يعيد ما كان صنعه؟ ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. ولكن العقول ضائعة، والجنون هو القاعدة القائمة، ومن أضله الله لا يهديه أحد، لا مرب ولا داع ولا عارف ولا عالم. هؤلاء الذين يرون السماء والأرض بين الأيدي وعن اليمين والشمال، ومن الأمام ومن الخلف، هؤلاء الذين يعيشون بين السماء والأرض، ألم يخافوا أن يخسف بهم الأرض؟ هذه الأرض التي ينكرون خالقها. وقد خسفت بالكثيرين قبل وبعد وفي عصرنا، ومنذ سنوات خسف بإقليم من أقاليم أمريكا الجنوبية، وغيرت خريطته، وذهبت مدن وكأنها لم تكن، وغرقت في البحار، وصعدت جبال لم تكن. قارون وقصته من الذي صنعها؟ قوم لوط في أرض فلسطين من الذي خسف بهم الأرض ودهدهها عليهم من السماء والأرض؟ فمن يقول مثل كفرهم ومثل شركهم، لا يخاف أن هذه الأرض تلفظه وترفض أن يقوم عليها وهي المسبحة الموحدة لله؟ أفلا يخاف أن يصبح في الأرض السابعة؟ وإذا لم يخف من الأرض ألم يخف من السماء ونحن نرى يومياً ما يقع منها من نيازك، وما يقع منها من صواعق، أن تقع عليه يوماً صاعقة؟ ألم يخف أن تقع عليه قطع من السماء فيصبح وكأنه لم يكن؟ ولكن الله عندما يقول هذا ويهدد ويوعد إنما رحمة منه بالعباد؛ لأنه أرسل عبده ونبيه، وخاتم أنبيائه رحمة لكل الناس، مسلمين ويهوداً ونصارى ووثنيين، فذلك الإمهال وذلك التأجيل هو رحمة من الله، كما أرسل النبي الكريم رحمة للعالمين، (إنما أنا رحمة مهداة) كما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه. ومع ذلك فالله ﷻ أجل العبد بعد أن رزقه عقلاً وبصراً وسمعاً وحساً، وأخذ يستدل عليه بالأدلة القاطعة، على الخلق والإيجاد، وعلى الدنيا والساعة الآتية، وأن هناك آخرة فيها الحساب، فيها العقاب وفيها الجنة والنار، ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ:٩]، فالله يفعل ما يشاء، وهو القادر على ما يشاء، وإذا شاء ﷻ أن يخسف الأرض بهؤلاء وكأنهم ما كانوا، أو يسقط عليهم قطعاً من السماء فيسحقهم سحقاً. من الذي يعجزه؟ ومن الذي يمنعه؟ هو الذي لا يغالب، هو العزيز القهار الجبار، هو القاهر فوق عباده، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ:٩] أي: إن في السماء والأرض، وفي الكون وما فيه من نظام ثابت، ومن حياة لا يعلمها أحد، ولا يصل إلى حقيقتها أحد لآية. من خلقنا؟ من رزقنا؟ من الذي رزقنا هذا المنطق واللسان؟ من الذي رزقنا جميع حواسنا؟ من الذي سخر لنا السموات والأرض وما فيهما من أرزاق وخيرات ورحمات؟ هل أحد إلا الله؟ فعل ذلك بالمؤمن، وفعله بالكافر، فالمؤمن يحمد الله ويشكره في الدنيا والآخرة، والكافر يزداد بكل نعمة كفراً على كفر، ثم عندما يأخذه يأخذه ولا يفلته، لأن الله لا يهمل ولكنه يمهل، وإذا أخذ العبد أخذه أخذ عزيز مقتدر، ولله الحجة البالغة. إن في هذه الآية لعلامة ودليلاً ظاهراً لكل عبد منيب، تائب رجاع إلى الله، مسلم مؤمن، إذا كان هؤلاء الكفار لم يروا ولم يتعظوا به، ولم يؤمنوا به، ولم يدركوا هذه الحقائق، إذا كانوا هم كذلك فليس المؤمنون كذلك، فكل تائب، وكل مؤمن، وكل منيب راجع لله في عبادته وفي عقيدته وفي نفسه يعلم هذه الآية، ويعلم أن هذا الخلق آية وعلامة على قدرة الله وعظمة الله ووحدانية الله.

стр. 1478

تفسير سورة سبأ [١٠ - ١٣] ذكر الله في سورة سبأ قصة نبيه ورسوله داود ﵇، ومما ذكره عنه أنه أمر الجبال والطير أن تسبح لتسبيحه، وأنه ألان له الحديد، وقد أتبع الله ذلك بذكر ابنه سليمان بن داود ﵉، وما تفضل الله عليه من المعجزات، وهو تسخير الجن والرياح له، وهو الملك الذي لا ينبغي لأحده بعده ﵇.

стр. 1479

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلاً) ننتقل ونحن لا نزال في سورة سبأ أو ابتدأناها من جديد إلى قصة داود وسليمان النبيين الملكين الإسرائيليين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١٠ - ١١]. يقول ربنا: وكما أكرمنا محمداً بالمعجزات وبالآيات الدالات على صدقه وعلى أمانته وبما أعطيناه من فضل ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، كذلك آتينا من سبق، آتينا داود وسليمان، ((وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا))، وداود هو أبو سليمان، وكان أحد كبار أنبياء بني إسرائيل ورسلهم، وكان نبياً رسولاً ملكاً، ((وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا)) تفضلنا عليه، وأكرمناه، وفضل: نكرة، أي فضل؟ وما هو هذا الفضل؟ كل ما فعله الله له، وكل ما أكرمه الله به هو فضل من الله، تفضل عليه بأن جعله نبياً وبأن جعله من قبل موحداً، وجعله رسولاً، وجعله ملكاً داعياً للحق وللهدى والصلاح، وأكرمه بمعجزات، وأكرمه بعلامات، وأكرمه بآيات كما أكرم الأنبياء السابقين واللاحقين. وقد تفضل الله عليه وأكرمه بأنواع من الفضل، مع النبوءة والرسالة والملك، قال الله عنه: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ))، نادى الله الجبال أن تسبح معه، ونادى الطير أن تسبح معه، وكان لداود صوت سبق جميع آلات الطرب، كان صوته طرباً في حد ذاته، وكان إذا ناح بتلاوة ما أنزل عليه من زبور تجد الجبال تردد عليه نياحته وأنغامه وتوحيده وتسبيحه، وتجد الطير قد تجمعت جميعها بين يديه، تسبح بتسبيحه وتنوح بنواحه، وتذكر بذكره، ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي)) أي: سبحي، والأوب هو الرجع، أي: رجعي معه ما يقوله، ومنه الترجيع الذي في الأذان، وهو أن يرجع المؤذن الشهادتين عندما ينطق بهما. ونحن قد ذكرنا ما قاله المفسرون من أقوال مختلفة، وأكدنا القول الحق أنه عرض عليها ذلك عرضاً، سمعته وأحسته، وللجبال من الحس ومن الحياة ما تدرك به ما تؤمر، بدليل قوله تعالى: ((يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ))، أي: من الفضل الذي أعطيناه أن نادينا الجبال إذا سبح، وإذا وحد، وإذا نزه، وإذا ذكر داود ربه أن ترجع معه تسبيحه، وترجع معه ذكره، فكان هذا مؤكداً للأول، ولا حاجة لكل تلك المعاني التي قالها من استبعد أن تتحرك الجبال وأن تعي، والله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، وهذا من ذاك. فمن المعجزات التي آتاها الله لعبده داود أنه نادى الجبال وأوحى إليها بأن تسبح معه، وداود في مزاميره في الزبور المنزل عليه، كان له من جمال الصوت ما لا يكون لمجموع آلات الطرب، فالله ﷻ يزيد في الخلق ما يشاء، وفسروا (يزيد في الخلق): الصوت الحسن، وهناك قراءة خارج السبعة (يزيد في الحلق). وإحدى الشهيرات من مصر بجمال الصوت عالمياً هلكت، وكانوا يقولون: بأن حنجرتها فيها من أنواع العروق والشرايين ما لم يكن في جميع أنواع آلات الطرب، حتى إن شركة عالمية من شركات الطرب اشترت منها حلقها بعد موتها بكذا وكذا مليون، لترى ما هي الشرايين الزائدة، وتبني عليه معارفها وعلمها، ولكن هذه ماتت بسرطان الحلق، فذهبت الشرايين في حياتها، وانقطع الصوت في حياتها، وعندما ماتت كان هذا الحلق وهذه الشرايين كتلة مريضة، اختلطت بالقيح وبالصديد. وداود ﵇ قالوا عنه: أكثر مما قالوا عن هذه. وهذا يرى في بعض الناس، فإذا تكلم أحدهم مجرد كلام تجد في صوته النغمة، وتجد جرساً، أما إذا تلا القرآن فتجد شيئاً عجيباً غريباً، وقد استمع نبينا ﵊ يوماً إلى أبي موسى الأشعري وهو يتلو القرآن الكريم، فلما أصبح قال له رسول الله ﵊: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود)، وكان أبو موسى مشهوراً بصوت إذا سمعه الطير سقط بين يديه، صوت يحمل له الإنسان والحيوان، وينصت إليه من يفهم لغته ومن لا يفهمها من الأعاجم. وأدركت وأنا صغير بأرض الشام منشداً، عندما يتغنى بالقصائد الإلهية أو المدائح النبوية تجد الطير يتجمع من أمكنة مختلفة، ويترامى بين يديه، ولا يهابنا ولا يهاب الناس، وقد يكون أيام برد شديد بأرض الشام، ونوافذ الغرف مغلقة من شدة البرد، ولكن البلور من الخارج فتجد الطير يترامى على البلور ويدخل أحياناً يرتمي بقوة ويصرخ ويموت. وهذا ما قاله الله لنا، وكل ما قال الله هو حق، وهذا الحق يتكرر مع الأيام والسنين والقرون، وإلى عصر الناس هذا. ((وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ))، أي: كما تفضلنا عليه بأمرنا للجبال أن توحد معه، وأن تسبح معه، كذلك الطير، والألف واللام للجنس، أي: جميع أنواع الطيور، على كل أشكالها، كان داود إذا تغنى بتوحيده، وإذا رفع صوته بالتسبيح بمزاميره وبالزبور المنزل عليه تجد البهائم والطير والجبال والجمادات والمتحركات كلها تتحرك متأثرة بصوته، وتسبح معه، وهذا من المعجزات. ((وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ)) الحديد معروف، جعله الله ليناً بين يديه، قالوا: كان كالعجينة. ثم هل هذا التليين معجزة له بمجرد مسحه أو كانت له القوة في ذلك؟ قال بعض المفسرين: كانت له من القوة ما إذا مسح الحديد صنع به ما يصنع بالعجين، وأنه يأتي إلى قضبان الحديد ويلويها كما شاء، ويصنع منها ما شاء، فإن كان ذلك قوة فهي من الله، فهو الذي ألانها من أول مرة، إذاً: فهي كذلك معجزة من الله. (أن اعمل سابغات)، ألان له الحديد ليصنع السابغات، وهي الدروع الكوامل الساترة لكل البدن، والدرع هي تلك اللبسة التي يلبسها المحارب، ويغطي بها جميع جسده من الرأس إلى القدمين، ولا يبقي إلا فتحة صغيرة في عينيه، وليس بارز العين حتى لا تضرب بسهم أو برصاص. فالله ألان له الحديد، وأمره ((أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ)) أمره وعلمه كيف يصنعها، والسرد: هو نسجها وصنعها، يقال لدروع الحرب واللأمة: سراد، وأصل السرد: التتابع، وفي المغرب نقول للمعيد: سارد، أي: يسرد الكلام بعضاً بعد بعض ما دام يؤمر بذلك. قالت السيدة عائشة ﵂: (لم يكن حديث رسول الله ﷺ كحديثكم سرداً)، أي: لا يقول الكلمات متتابعة، ولا يخلط كلمة بكلمة بحيث يضيع بعض كلامه، ولكنه كان ﵊ كما وصف أنس بن مالك، وكما وصف غيره من الصحابة إذا قال كلمته أعادها ثلاثاً لتفهم عنه، وإذا قالها تأنى بها تأنياً، حتى إذا أراد العاد أن يعد الحروف التي ينطق بها لعدها، ومع الفصاحة والبلاغة أوتي جوامع الكلم، فكان سيد البلغاء وسيد الفصحاء. ((أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ)) أي: اصنع سابغات، وأسبغ الوضوء أي: أتمه ولم يترك عضواً بدون وضوء، وأسبغ الله عليه النعمة أي: أتمها. فسابغات: أي: دروع كوامل. ((وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ)) أي: عندما تصنع جرساً وتدخل حلقة في حلقة قدر في السرد، أي: لا تصغر المسمار، فتتقلقل حلقة داخل مسمار، وربما تتفكك تلك الحلقات، ولا تغلظها فتكسر الحلقة، وبالتالي تنكسر الدرع، فلا تصون ولا تحصن المقاتل والمدرع. قالوا: إن داود كان من عادته -وهذه العادة كان يفعلها عمر أيضاً ﵁ يخرج ليلاً فيتحين الرجال الذين لا يعرفون داود، فيسألهم كيف داود بينكم؟ فقد كان حاكماً وكان مع حكمه نبياً، فكانوا يصفونه بالخير ويثنون عليه، وجاءه ملك في صورة إنسان فسأله: كيف داود واليكم بينكم؟ قال: نعم الرجل، لو استغنى عن العيش ببيت مال المسلمين، وإذا بداود يفزع فيسأل ربه أن يعلمه صنعة يعيش عليها، فعلمه صنع الدروع، قالوا: كان يصنع الدرع في يوم وليلة، ويبيعه بستة آلاف، وهذه قد تكون من الإسرائيليات، وقد يكون لها أصل، فيأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويضع الثلث في بيت المال، وقد قال النبي ﵊ كما في صحيح البخاري ومسلم: (خير طعام الرجل ما كان من صنع يده، وكان داود يعيش بصنع يده)، والصنعة كانت الميزة الفارقة بين العلماء قديماً وحديثاً، وأدركنا شيوخنا في أرض المغرب وأرض الشام فيهم الخياط وفيهم المزارع، وفيهم الحداد، وفيهم وفيهم، فيعيشون على كسب أيديهم، لذا استطاعوا أن يعيشوا بلا رفاهية ولم يأخذوا من بيت المال، فقد يكون خليطاً من حلال وحرام، ولم يأخذوا الهدايا ولا الصدقات. وهكذا كان علماؤنا في سلفنا الصالح وشيوخنا، وإن كان الخير لم ينقطع إلى يوم القيامة، ولا يزال الصالحون يعتمدون على صنعة أيديهم فيعيشون بها مع الزهد والورع. لقد كان داود كما كان ولده سليمان لا يشبعان إذا أكلا قط، وهكذا كان نبينا ﵊، بل كان نبينا في ذلك القدوة والأسوة والمثال العالي، وكان يأمر الناس بما هو أصح لأبدانهم وأحسن لدينهم، فقد كان يقول ﵊: (يكفي ابن آدم أن يأكل لقيمات، فإن كان ولا بد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس). وكان يقول: (ارفع يدك من الطعام وأنت تشتهيه) أي: لا تشبع، ولا تستكمل شهوتك، لأن المعدة ما دامت تشتهي فمعناه أنك صحيح، فإذا أملأتها يوشك أن تمرض بالتخمة، وقد مات الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بالتخمة، وغيره كذلك. وكان الطبيب العربي الحارث بن كلدة يقول: المعدة بيت الداء، والحمية أصل الدواء. والمعدة تكفيها لقيمات لقيام الحياة، وقلة الطعام أصح للبدن، وأحد للذهن، وأما التخمة فإنها تبلد الذهن، وتكثر النوم، وتمرض الأعضاء، وتفسد المعدة مع الأيام، وقلما تشفى من القرحة، نسأل الله السلامة. وقوله تعالى: ((وَاعْمَلُوا صَالِحًا)

стр. 1480

تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر) قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ:١٢]. أي: كما سخرنا الجبال لوالده تسبّح معه، وكما آتينا داود تسبيح الطير، وألنّا له الحديد، وعلمناه صنعة اللبوس، فكذلك ((وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ)) أي: آتينا سليمان الريح وسخرناها له. ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ سخر له الريح فكان يضع على الريح بساطاً، وأخشاباً تحمله وتحمل جميع جنده، وكانت الغدوة الواحدة عندما يطير ببساطه يقطع فيها ما يُقطع على الدواب مدة شهر، والغدوة: الصباح، والرواح: المساء، وكان يقطع في رواح واحد ما يقطعه الراكب وما تقطعه الدواب في مسافة الشهر، وهذا نحن نفعله اليوم. وهذا يؤكد ما قاله أحد كبار العارفين من أصحاب الرقائق والآداب والمعرفة قال: كل ما ذُكر في القرآن معجزة لا تنتهي الدنيا حتى تُصبح شيئاً عادياً في متناول كل الناس، قال هذا ولم يستدل، ولكن كان ذلك من بديع معرفته بالله ونظره البعيد. فآخر الأنبياء قد مات ﵊ ورسالته لا تزال قائمة، وهو رسولنا كما كان رسول من قبلنا، وهو رسول من بعدنا، فالقرآن أُنزل عليه وأُمر به كل من معه وكل من يأتي بعده إلى يوم القيامة، فعندما يقول ربنا: يا أيها الناس! فنحن من المخاطبين بيا أيها الناس، وإذا قال ربنا: يا أيها الذين آمنوا! فنحن من المخاطبين بذلك، ومن هنا كان سلفنا من مفسري كتاب الله يقولون: إذا سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا فأعرها أذنك، فأنت المخاطب، فانظر ماذا يقول لك ربك. والمعجزات قد انتهت وبقيت الكرامات، لكن الكرامة لا يُتحدى بها، والمعجزة للتحدي، والتحدي لم تعد له حاجة. فقال هذا العارف: لا تنتهي الدنيا حتى يصبح كل ما مضى من معجزة شيئاً عادياً، وبساط سليمان منها، فنحن نسافر اليوم بأسرع من بساط سليمان، وأكثر الطيران اليوم عند من لم يؤمن بالله، وإن كان المخترع للطيران مسلم عربي وهو عباس بن فرناس من الأندلس، حيث صنع لنفسه جناحين كالطائر، ودرّب نفسه على ذلك زمناً إلى أن طار وحلّق وقطع مسافة، وحاول النزول فعجز؛ لأنه فكر في أجنحته وفي صعوده ولم يفكر في هبوطه، والطائر له ذنب يساعده على الهبوط، ولذلك تجد جميع الطائرات فيها ما يسمى بالمؤخرة كذنب الطائر، وهو يساعد الطائرة على النزول، ومقاومة ضغط الرياح والعواصف، فلما حاول النزول لم يستطع، فبقي يطير إلى أن عجز ووقع، وقبل أن يموت قال: غفلت عن حكمة وجود الذيل للطائر، وعندما مات لم يتشجعوا لأن يتابعوا عمله، وهابوا الموت ثم عادوا يفكرون الآن في صنعه، ويوشك أن نفاجأ به يوماً، وعندها سنحتاج أن نعمل أبواباً في الأسطح؛ حتى لا ينزل علينا طائر الإنسان، فهذا الطيران الذي كان بالنسبة لسليمان معجزة وذُكر في القرآن معجزة أتى هذا العصر ولم يبق معجزة، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣]، وربنا قال هذا منذ ١٤٠٠ سنة، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، والطيارة صنعها الإنسان نعم، ولكن من الذي أعطى الإنسان هذا العقل ليصنع هذه الطائرة؟ فلو فقد صانع الطائرة أو سائقها عقله والطائرة تطير لذهبت الطائرة بجميع من فيها، وهم لم يعطوه عقلاً احتياطياً حتى إذا ذهب عقله استعمل العقل الثاني، وهيهات، فلم يصنع هذا إلا الصانع الأول واهب الحياة والجسد وجميع حواس الجسد. ومن المعجزات التي ذكرها القرآن قصة بلقيس عندما قال أحد الجن لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، وقال الله عن الثاني: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠] أي: أنا آتيك بعرشها قبل أن يرتد أهداب عينيك عاليها لسافلها، فكان العرش موجوداً في فلسطين في القدس وكانت بلقيس في صنعاء في اليمن، وبينهما آلاف الكيلو مترات، والآن هذه الصواريخ التي وصلت القمر تقطع الثلاثين والأربعين ألف كيلو متر في ثانية وقد فعلت، والطيران منذ اكتشف وأدركناه كان أشبه بجرادة، ثم تطور إلى أن وصل الآن إلى ما يسمى بطائرة كونكورد التي تقطع ما بين المشرق والمغرب في ثلاث ساعات، والقرآن كله معجزات في أخباره وأنبائه، والسنة النبوية أوسع؛ لأنها هي البيان والشرح. إن الصحابة آمنوا على معجزات شاهدوها وعاصروها، وآمنوا بما يأتي تصديقاً لرسول الله ﵊، ونحن كذلك، فقد أدركنا في حياتنا معجزات ذكرها القرآن وتحققت في أيامنا، فآمنا بها شهوداً وحضوراً ومعاصرة، وآمنا بالمعجزات السابقة التي وردت عن سلفنا إلى التابعين إلى الصحابة إلى رسول الله ﵊. والله قال عن قبل يوم القيامة: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ [يونس:٢٤]، أي: إذا بها بعد ذلك تُصبح حصيداً كأن لم تغن بالأمس، كالزرع حين يُحصد وكأنها لم تكن؛ فأخبر عن الدنيا أهلها سيخدمونها وسيكونون عبيداً لها ويحرصون على أن يزخرفوها حتى يظنوا أنهم قدروا عليها، ونسمع اليوم الكثير من كلام جبابرة الأرض وطغاتها من الكفرة من الحكام وخاصة ممن يسمونهم الدولتين العظيمتين من أنواع الجبروت، فهذا يهدد هذا ويقول: عندي من الأسلحة ما أستطيع أن آتي لقارتك ودولتك وأمحوها من الوجود، وتقول الدولة الأخرى مثل ذلك؛ وهذا صحيح، ونحن لا نكذبهم، فقد اخترعوا من أنواع السلاح والتدمير والبلاء ما نخافه، وما يكاد يجف معه الريق في حلوقنا، ومع ذلك فلن يقيموا هم الساعة، وإنما الله سيقيمها، وسيرجع سلاحهم عليهم، والمسلمون بعد ذلك عليهم أن يأخذوا هذه الدروس من الذل والهوان والغلبة؛ لأنهم ابتعدوا عن الله وفروا عن كتابه وجعلوا القرآن وراءهم ظهرياً، تركوا محمداً ﷺ وصحبه، وذهبوا لمن يسمونهم: فلاسفة القادة، وعندما نقرأ سيرة أحد هؤلاء في هذا العصر نجدها كلها فساد وفجور وسفك للدماء، وفي برلماناتهم وندواتهم يُعلنون مُبيحين أقبح وأخس أنواع الفواحش، فقد أباحوا اللواط وأصبح قانوناً، وأباحوا تعدد الأزواج للزوجة الواحدة وأصبح قانوناً، وأباحوا ما لا يكاد يخطر بالبال، وتحللوا تحللاً لم يسبق لا في روما قديماً ولا فيمن تحلل من تلك الشعوب التي أصبحت في أمس الدابر، والتي مقتها الله عندما أرسل الله محمداً ﵊، كما قال ﷺ : (نظر الله إلى الأرض شرقها وغربها فلعن هؤلاء وهؤلاء إلا بقايا من أهل الكتاب) ثم أكرم من أكرمه بالإيمان بالله وبنبينا ﵊، فإذا بالأرض تتبدل غير الأرض، وإذا بأصحاب محمد ﷺ من المهاجرين والأنصار يفتح الله لهم البلاد خلال خمسين عاماً من أقصى الهند إلى أقصى بلاد الغرب في الأندلس والبرتغال والجزء الكبير من فرنسا وأوروبا والصين، فكانوا أئمة الناس ومعلميهم وسادتهم وناشري العدل بينهم، ولكن جاء من بعدهم كما قال الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، فأنذرهم الله بالتسويف البعيد فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] ولا حول ولا قوة إلا بالله، فكما أريتنا يا ربنا ويا خالقنا قدرتك فأرنا عفوك، اللهم حوالينا ولا علينا. قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ:١٢]، والقطر: النحاس، أسال الله له عيناً من نحاس تجري كما تجري المياه في العيون والأنهار، قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ:١٢] فجعل للنحاس عيناً سالت وجرت كما تجري عيون الماء، وأخذ يصنع منها ما سخّر له الله به الجن، فأخذوا يصنعون له ما قاله الله: ((وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ))، أي: من الجن، ((عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ)) فقد سخّر له الرياح فكانت تطير به وبجنوده، وسخّر له الجن فكانوا خدماً وجنداً له، وتحت قهره وسلطانه وإذلاله، وكلّف الله ملكاً بيده عصاً من نار يضرب أي جن من هؤلاء الجن يعصي أمر سليمان بتلك العصا فيحترق، وذاك معنى قوله تعالى: ((وَمَنْ يَزِغْ))، أي: ومن يمل ويعصي ويخالف، ((نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ)) أي: يذقه من النار المتسعرة الملتهبة الحارقة.

стр. 1481

تفسير قوله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب) ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]. أي: أخذ يأمر الجن بأن يصنعوا من هذا النحاس العجائب، فيصنعون و ((يَعْمَلُونَ لَهُ)) أي: لسليمان ((مِنْ مَحَارِيبَ))، جمع محراب، والمحاريب قيل: هي المساجد والمعابد، وقيل: هي القصور، وفيها غرف تُعتبر صدر الدار كما نقول: صالون، ويُصعد إليه بدرجات، أي: يصنعون الصروح والقصور من النحاس ويصبّونه صباً كما نصب نحن اليوم الصب؛ ويصنعون له من ذلك النحاس ما يريد ((مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ)) جمع تمثال وهو الصور، صور الشجر والبشر والملائكة والأنبياء والصالحين، وكان ذلك في شريعته جائزاً، وهو ما تسلسل بعد ذلك إلى أن تغيروا وبدلوا وأصبحوا يعبدون هذه التماثيل، فجاء الإسلام الخاتم المهيمن فحرّم هذا، ولعن رسول الله ﷺ المصورين، وهو عند موته قال ﵊: (لعن الله اليهود والنصارى، كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه التصاوير) أي: جعلوا في كنائسهم التماثيل والصور. والجفان: جمع جفنة وهي قصعة الطعام، فكانوا يصنعونها كبيرة كالجواب، وهي جمع جابية، والجابية: الحوض، وهو الحفرة الكبيرة، قالوا: كان يأكل على جفنته ألف إنسان، ويصعد عليها بالسلالم، وفي عصرنا الكثير من أهل الكرم من شيوخ العرب من الأمراء والسادة من له من هذه الجفان ما لا تملأ إلا بمائة جمل ومئات الشياه.

стр. 1482

تفسير سورة سبأ [١٢ - ١٤] سخر الله الجن لنبيه ورسوله سليمان ﵇، وسخر له الريح تحمله هو وجنوده فتقطع بهم في الغدوة مسافة شهر، وفي الروحة مسافة شهر، وفي قصة موت نبي الله سليمان ﵇ دليل واضح وبرهان جلي على عدم معرفة الجن للغيب، فسبحان الذي تفرد بعلم الغيب وحده.

стр. 1483

تفسير قوله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل) قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ:١٢]. الآية متعلقة بما أكرم الله به آل داود، وقد مضى بعض ذلك في إكرام سليمان به، وأن الله سخّر له الريح تطير به وتحمل الأخشاب والسجاد فيما كان في الأصل يسافر إليه شهراً مشياً على الأقدام أو على البهائم أو على الدواب، فسُخّر ذلك لسليمان في ساعة، وقد مضى كل ذلك فكانت تطير به السجادة أو ما يصنعه من أخشاب في الهواء هو وجنوده وأتباعه ومن يرغب فيهم، ويقطع في ساعة ما تقطعه الدواب في شهر، فيقطعه بغدوة صباح أو بروحة مساء، وأسال الله وأذاب له عين القطر -أي: عين النحاس-، فكان يصنع منه ما يشاء، وسخّر الله له الجن تعمل بإذن ربه بين يديه ما يشاء، ومن يحد عن أمر الله ويخرج عن طاعة سليمان يذقه الله من عذاب السعير، أي: يعذّبه عذاباً متسعّراً ملتهباً مهيناً أليماً. قال تعالى: ((يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)) كانت الجن التي سخّرها الله تعالى لسليمان يعملون ويصنعون ما يشاء، ويبنون له القصور، ويصنعون له البساتين، ويزرعون فيها ما يشاء من أشجار وثمار وحبوب، وقد نص الله تعالى على ما هو أكثر من ذلك جهداً، فقال: ((يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ))، جمع محراب، والمحراب: صدر المنزل والقصر والمسجد، وهو غرفة يُصعد لها بدرج كالصالون باعتبار الناس اليوم واصطلاحهم، فكانوا يبنون له معابد وقصور ومساجد وما يشاء، ويستخدمون في قطع الحجارة، ويعملون له ذلك مرغمين، وكلّف الله ملكاً يُعاقب كل جني خرج عن أمر سليمان، فيضربه بعصاً من نار فتحرقه. قال تعالى: ((يَعْمَلُونَ لَهُ)) أي: لسليمان، ((يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ))، جمع تمثال، والتماثيل: الصور، فكانوا يصنعون له صوراً من أخشاب ومن نحاس ومن أي مادة شاءها سليمان، وكانوا يصنعون صور الأنبياء والصالحين في المساجد؛ ليكون ذلك عندهم أدعى للعبادة، وكان هذا جائزاً في دين سليمان، ثم بعد ذلك جاءوا إلى هذه الصور والتماثيل فعبدوها وجعلوها شركاء لله وأنداداً، فجاء الإسلام فحرّم ذلك تحريماً باتاً قاطعاً، ولعن النبي ﷺ من يصنع ذلك، وفي حديث أم حبيبة وكانت في الحبشة مهاجرة مع زوجها الذي ارتد عبيد الله بن جحش ثم تزوجها بعد ذلك رسول الله ﵊، قالت له: يا رسول الله! تركت الناس في الحبشة يصنعون صوراً في معابدهم، فقال لها النبي ﵊: (أولئك شرار الخلق) فلعنهم ﵊ وقال: (إنهم يوم القيامة يقال لهم أحيوا هذه الصور) وما هم بمحييها، فهم أعجز من ذلك وأضعف، وإنما أُذن بالرقم في الثوب، وهو ما يسمى اليوم رحلاً، وما سوى ذلك ممنوع غير مأذون به بحال من الأحوال. والجفان: جمع جفنة، والجفنة: القصعة، فكانوا يصنعون له القصعة من الطعام تكفي ألف آكل وألف ضيف، ((وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ)) جمع جابية، والجابية هي: الحوض الذي يملأ بالماء أو السفرة الواسعة في الأرض، وقد كان لسليمان جفان وقصاع يحيط بها ألف آكل، يجمع عليها جنوده وضيوفه وأهل البلد إن شاء، وكان يصنع هذا الجن الذين سخّرهم الله لسليمان وجعلهم له عبيداً يصنعون له ما يشاء، قال تعالى: ((مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ)) جمع جفنة أي: قصعة، ((كَالْجَوَابِ)) جمع جابية وهي: الحفرة والحوض الذي يسع من الماء ما عسى أن يسع، ((وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)) قدور: جمع قدر، وهي ما يطبخ فيه الطعام، راسيات: ثابتات في الأرض، وكانوا يصعدون إليها بسلالم ويضعون فيها المئات من الشياه والعشرات من الإبل ومن البقر، ويضعوا فيها من الطعام من أشكاله وألوانه، وكانت راسيات ثابتات، بحيث لا يُخاف عليها أن تميل أو تنكسر، كل هذا كان يصنعه الجن لسليمان، كما قال تعالى: ((يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا)) يقول الله لهم: اعملوا وأطيعوا ربكم واعبدوه واتقوه واعملوا الصالحات، ودعوا ما سوى ذلك من الباطل ومن الفساد ومما لا يليق، قال تعالى: ((اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا)) أي: اعملوا يا آل داود شكراً، وشكراً مصدر، أي: اشكروا الله شكراً، فهو مفعول مطلق منصوب على المفعولية المطلقة، أي: اشكروا الله في عملكم وفي أقوالكم، والشكر كما يكون بالأركان يكون باللسان، فعندما أكرم الله داود بما أكرمه به وأكرم سليمان بملك لا ينبغي لأحد من بعده قال لهم: ((اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ)) وآل داود: داود وسليمان وأزواجهما وأولادهما، وفي الحديث: (إن داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه)، وقالوا: كان سليمان يقسم العبادة بينه وبين آله بحيث لا يوجد وقت إلا وأحدهم مصلياً، البعض في النهار والبعض في الليل، ولا ينقطعون عن ذلك البتة، فكان لا تريد أن ترى داود وسليمان وقومهما في العبادة وفي الصلاة وفي الطاعة إلا وجدتهما كذلك. قال تعالى: ((اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا)) والشكر يكون بالعمل بالأركان ويكون باللسان فمن صلى أو صام أو زكى أو عمل الصالحات فعبادته عملية، ومن شكر ربه وحمده ﷻ بلسانه يكون كذلك شاكراً، والشكر فرض على كل مسلم، إذاً الشكر هنا العبادة، قال تعالى: ((اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا)) أي: اعملوا الطاعة، والشكر منصوب على أنه مفعول مطلق، أي: اشكروا الله شكراً بالدوام على العبادة وعلى الصلاح والتقى والصلاة لله والعبادة له في جميع الأحوال. قال تعالى: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)) أي: إن الناس في العبادة قلة، كما قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤] وقد سمع عمر ﵁ رجلاً يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال: يا أمير المؤمنين! دعوت الله أن أكون من تلك القلة والثلة التي يقول عنها الله تعالى: ((وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ))، فرجوته أن يجعلني من هذه القلة الشاكرة العابدة، فقال عمر: كل الناس أعلم منك يا عمر! وهذا هضم للنفس وتواضع منه بأن القليل الذي قالها هذا لم يفهم ويعرف معناها.

стр. 1484

تفسير قوله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤]. كان سليمان له خلوات في العبادة، فكان يدخل معبده فيبقى فيه سنة أو أكثر، وقد يبقى شهوراً وأسابيع، فينقطع عن الناس وينقطعون عنه، ولا يأذن لأحد بالدخول، وكانت تنبت في مكان سجوده كل يوم شجرة -كما زعموا- فكان يسأل الشجرة: ما اسمك ولم أنت؟ فكانت تقول: هي لدواء كذا، أو في ثمرة كذا، فيأخذها وينقلها إلى البساتين ويكتب اسمها والدواء الذي تصلح له، والداء الذي يصلح له دواؤها إلى أن نبتت في مكان سجوده يوماً شجرة فقال لها: ما أنت؟ قالت: الخروب- فقال: لعلها جاءت لتكون سبب خراب بيته، والناس يتشاءمون بالخروب، والتشاؤم ليس بصالح، فالتساؤل مقبول، وأما التشاؤم فلا- فأخذ اسمها وقال لها: ما أنت إلا للخراب، فقطعها وصنع منها عصاً هي المنسأة، وصار يعتمد عليها، فلما قُدِّرت وفاته دخل إلى خلوته، وإذا به وهو على كرسيه يموت وهو متكئ على عصا، ((فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ)) أي: لما سبق قضاء الله عليه بأن يموت كما يموت كل حي، ((مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ))، ما دل الجن على أن سليمان مات إلا الدابة التي أكلت المنسأة التي كان يعتمد عليها، ومعنى ذلك أن الجن الذين سُخّروا لسليمان كان يظهر كثير منهم عصياناً، فكان يربطهم بالسلاسل والأغلال، زيادة على العقاب الذي كانوا يعاقبون به من الملك المكلّف بهم، فكان من زاد تمرده ضربه الملك ضربة أحرقته، وكان الكثير منهم في السلاسل والأغلال يعملون؛ ليكفوا شرهم عن إيذاء الإنسان، فلما دخل سليمان خلوته قُدّرت وفاته، وبقي ميتاً سنة وهو جالس على كرسيه والعصا بيده معتمد عليها، وإذا بالجن تُطل عليه من الكوة ومن النوافذ فترى العصا في يده وتراه جالساً فلا تظن إلا أنه حي، فلبثت في العذاب المهين وهي في السلاسل والأغلال مع العذاب تصنع له القصور والصور والقصاع، وتصنع له ما قال الله تعالى: ((يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ))، ومما لم يذكره الله ﷻ ، ثم أشرفوا عليه يوماً وإذا به يسقط على الأرض، فرأوه قد خرّ على وجهه فعلموا إذ ذاك أنه قد مات، وهذه العصا لطول متنها مكثت الأرضة تنخرها سنة كاملة، وهذه الأرضة دويدة تعيش من نخر الخشب والعيدان، وتموت بسببها أعظم الأشجار وأعظم الأبنية إذا كانت من خشب، فترى تلك الأخشاب والأشجار تنخرها الأرضة ودويدة الشجر والأخشاب فإذا بها مع الأيام تسقط وكأنها لم تقف يوماً، فسليمان كان متكئاً بجهده على العصا فبقيت العصا حاملة ثقله، فلما دخلتها الأرضة إذا بها تعجز عن حمله فسقط سليمان، قال تعالى: ((فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ)) أي: تأكل عصاه الذي يعتمد عليها، فهذه الأرضة هي التي دلّت الجن، أي بسببها وبسبب أكلها للعصا لم تبق هذه العصا حاملة لسليمان وثقله، فسقطت العصا وسقط سليمان معها، وأدركوا أنه مات منذ سنة عندما أخذوا العصا ووضعوا عليها الأرضة وانتظروها حتى تأكل مثلما أكلت فوجدوه قد مضى عليه سنة، فعلموا أن المأكول الأول قد مضى عليه سنة، أي: مات سليمان قبل عام وهم لم يدركوا ذلك. قال تعالى: ((مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ)) خرَّ: سقط عن غير رضا منه، فلم يقعد من نفسه ولم يحاول الجلوس، ويقال على من سقط دون إرادة منه خرّ، ((فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)) والجن كانت تستعبد الإنس وكانت توهمهم أنها تطّلع على الغيب، وكانت تسترق السمع من كلام الملائكة عندما تحاول الصعود إلى أعلى الأجواء، فيرميها الله بالشهب فتتساقط محترقة، وكان هذا قبل ظهور الرسالة المحمدية وقبل ظهور نبينا ﵊، ثم أدرك الجن في أنفسهم بعد أن رأوا سليمان قد مضى على موته عام وهم لم يدركوا ذلك ولم يعلموه أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ويطّلعون على ما هو بعيد عنهم لما لبثوا ولما أقاموا في هذا العذاب المهين، من تسخير سليمان لهم، واستعباده لهم وتكليفهم بأشق الأمور وأصعبها، وتبينت كذلك الإنس الذين كانوا يثقون بالجن ويعتقدون بهم ويصدقونهم في أخبارهم وفي كهاناتهم، فتبيّن الجن في أنفسهم وتبيّن غيرهم أن الغيب منفرد به الله، لا يعلمه ملك ولا جن ولا إنس، ولا يعلم الغيب إلا الله، ومن أراد الله أن يعلمه ذلك، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، وليس الجن منهم. قال تعالى: ((فَلَمَّا خَرَّ)) أي: فلما سقط سليمان تبين للجن وقد بقوا سنة وسليمان ميت وهم لا يدركون ذلك أنهم لو كانوا يعلمون الغيب في زعمهم لما لبثوا وأقاموا في العذاب المهين، وقد رأوه لمدة عام كامل على صورته لم يتغير بالموت، وهذا يؤكده قول النبي ﵊ عندما قال له بعض أصحابه جواباً لكلامه: (إن الله كلّف ملكاً أن يبلغني سلام الناس وصلاتهم علي حيث كانوا في الأرض، فقالوا له: يا رسول الله! كيف وأنت قد أرمت -أي: مت وفنيت- قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) وهذا من الأنبياء، والله يخبر ﷻ أن سليمان مكث ميتاً سنة، وما أدركوا ذلك ولا فهموه ولا عقلوه، وما بقي سليمان تلك السنة وهم يظنونه حياً إلا لأن جثته لا تزال على حالها وقت الحياة، وللإمام البيهقي كتاب مشهور اسمه: حياة الأنبياء، فهم يُرزقون عند ربهم أحياء الحياة البرزخية، وأجسامهم لا تبلى في الأرض ولا تصبح رمماً ولا تنتهي، ومع ذلك قال الله لنبينا ﵊: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وكان ذلك عندما انتظر أعداؤه من كفار قريش ومن كفّار الناس ورجوا موته وقالوا: أيام تنقضي ويموت وكأنه لم يكن، وأخذوا يتربصون به الدوائر، فقال الله له: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] وقال الإمام الشافعي وقد تمنى موته خصومه وأعداؤه فقال لهم: تمنى أناس أن أموت وإن أمت فتلك طريق لست فيها بأوحد أي: تمنى لي أقوام أن أموت، وإذا أنا مت فلست وحدي الذي سأموت، فسيموت معي خصومي وأعدائي، وعند الله تجتمع الخصوم. ((فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ)) أي: كانت دلالة الموت بسبب هذه الدويدة، ((إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ))، إلا الأرضة، ((تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ)) المنسأة: العصا، وزعم أقوام من المفسّرين ومن غيرهم: أن كلمة منسأة هي بلغة الحبشة العصا، وهؤلاء أناس يلذ لهم أن يأتوا إلى كلمات من كتاب الله فتارة يحيلونها عن عربيتها، فيقولون: إنها حبشية أو رومية أو غيرها، وكل ذلك لا أصل له، وإنما هو كلام لا دليل عليه، وقد قال الله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢] وكرر ذلك مرات في كتابه، والإمام الشافعي في كتابه العظيم المسمى الرسالة المطبوع مرات سفه القول بأن في القرآن كلمات غير عربية ورد على قائليه، وقال: كثير من اللغات فيها كلمات تتشابه، وتشابه هذه الكلمات ليس هناك دليل يدل على أصلها منهم، وإن صح أن في الحبشية كلمة منسأة تعني العصا فلم لا نعكس ونقول: إن الحبشة أخذوها عن العرب؟ وإذا وجدنا كلمة عند الروم أو غيرهم فلم لا نقول: هم أخذوها عن العرب؟ وما جاء الإسلام إلا بعد أن كانت لغة العرب قد نضجت ووسعت القرآن جميعاً بما فيه من معان علوية ودينية ودنيوية، ووسعت قبائل العرب جميعاً، وهي أوسع لغات الأرض على الإطلاق، فلسان العرب مطبوع في عشرين مجلداً ضخماً، وهناك كتاب لا يزال مخطوطاً في الأندلس اسمه الذر والعالم في مائة مجلد، لا يزال محفوظاً بكل أجزائه، وهو في لغة العرب من الذرة إلى العالم، كما يدل اسم الكتاب على أن هذه الكلمة وما لها من اشتقاقات تكذب هؤلاء الذين زعموا ذلك، فالمنسأة: هي من نسأ، أي: أجّل وأخّر، يقال: أنسأ الله في أجلك، أي: أطال الله عمرك وأجّل أجلك إلى سنوات وسنوات، ويقال: النسيء، وهي كذلك في كتاب الله، أي: الشيء المؤخر والمؤجّل، فكلمة النسيء والنسي والمنسأة وأنسأ فيها من الأفعال ومن الأسماء والمصادر ما يؤكد بالقطع على أنها لفظة عربية، لها اشتقاقاتها في الأفعال والأسماء، والقرآن جميعاً ليس فيه كلمة إلا عربية كما أكّد الإمام الشافعي، وسفه قول كل من قال بأن فيه كلمات غير عربية.

стр. 1485

تفسير سورة سبأ [١٥ - ١٩] يقص الله علينا في كتابه الكريم قصص الأمم السالفة، وما امتن الله عليهم من الخيرات والنعم، وسلبه لهذه النعم، واستبدالها بالعذاب والنقم بسبب كفرهم وطغيانهم وجحودهم، ومن هذه الأمم قوم سبأ الذين كانوا في أرض اليمن.

стр. 1486

تفسير قوله تعالى: (لقد كان لسبإ في مسكنهم) قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَة جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥]. ننتقل من الكلام عن سليمان وداود ﵉ إلى الكلام عن سبأ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] كان لسبإ في مسكنهم قرئت (مَساكِنهِمْ)، و ((مسكنِهِم))، على صيغة المسجد، فلقد كان في مساكن سبأ في أرض اليمن ((آيَةٌ)) أي: علامة على قدرة الله ﷻ ، كما كانت هذه العلامات فيما سخّر الله لداود ولسليمان، وكذلك سخّر لهؤلاء، وقد كانوا مؤمنين صالحين قبل أن يبدّلوا ويغيروا. قال تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ)) وقد جاء إلى رسول الله ﷺ فروة الغطيفي فقال: يا رسول الله! ما سبأ؟ أرجل هو أو امرأة أو أرض؟ والحديث في مسند أحمد قال: (سبأ رجل كان له عشرة من الأولاد، تيامن ستة وتشاءم أربعة) أي: سكن في اليمن ستة وسكن في الشام أربعة، وهؤلاء الذين سكنوا اليمن أسسوا حضارة كبيرة وبنوا السدود؛ لأن أرضهم كانت جبالاً، واستفادوا منها، وجمعوا المياه التي تأتي من العيون والتي تنزل من السماء والتي تجمعها الوديان والوهاد فجعلوا منها سدوداً، وقالوا إن الذي فعل ذلك هي بلقيس صاحبة سليمان، وقد كانت ملكة سبأ، وسبأ أرض على مرحلة من صنعاء عاصمة اليمن، انتبهت بذكائها إلى أن أرض اليمن يمكن أن تكون جناناً، ويمكن أن يكون فيها من الخصوبة ومن الفواكه ومن الأنعام ما يغني البلد ويغني جيرانها ويدع السكان يعيشون في رفاهية، ومن الماء جعل الله كل شيء حي، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] وانتبهت بأن مأرب هي بين جبلين فأتت بالصنّاع وبالمهندسين وبالأبّارين المعتنيين بالماء وبالمياه، ثم جاءت لهذه الطريق بين الجبلين، فجعلت جداراً سداً من جهة اليمين وسداً من جهة الشمال، وإذا ببحر من الماء يرتفع وجعلت له أبواباً في أعلاه وأسفله قالوا: الأبواب عشرة، إذا فاض الماء فتحت الباب الأعلى، فإذا نقص فتحت الذي يليه، إلى أن تفتح آخر باب، ومع كثرة المياه والأمطار والينابيع أصبح هذا السد بحراً من الماء العذب الزلال، فأصبحت هذه المياه تسقي الجنان والبساتين والدور والقصور وما هم في حاجة إليه، ثم عن يمين وشمال زرعت هذه الجبال والأراضي والقصور والدور والبيوت والبساتين، فكانت فيه جنتان عن يمين وشمال، أي: أشجار وجنان عن اليمين والشمال، عن يمين سد مأرب وعن يساره وفي الدور وحيثما تنقلت، ومن هنا سميت في التاريخ بالأرض السعيدة، ومن هنا قال ﵊: (لا تقوم الساعة حتى تعود جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً). وقول النبي ﵊: (تعود) عاد في لغة العرب هو الرجوع إلى شيء سبق وكان، ومعناه: أن جزيرة العرب بما فيها اليمن كانت في العصور السحيقة جناناً متصلة وبساتين، وهذا سنجد أثره فيما يدل عليه قول الله في الآية الآتية. فعاشوا زمناً في غاية ما يكون من الرفاهية والخصب وتنوع الفواكه والحبوب وكثرة المواشي والدواب وكل ما يشتهون، قالوا: وأرسل إليهم ثلاثة عشر نبياً، فكانوا مؤمنين مسلمين موحّدين، فحفظ الله عليهم دنياهم وخصوبة بلادهم وما فيها من رفاهية ومن حضارة. قال تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ)) أي: علامة على قدرة الله فيما يريده. قال تعالى: ((جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ)) (كلوا) أمر بمعنى الخبر، أي: يخبر الله بأنهم كانوا يأكلون من رزق ربهم مما رزقهم من المياه، والمياه ليسوا هم الذين خلقوها، وإنما استفادوا من خلق الله، وما خلق الماء إلا الله ﷻ . قال تعالى: ((كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ)) أي: الذي كان نتيجة الأمطار والمياه والغيث، وهكذا أصبحت بلادهم جديرة باسم الأرض السعيدة التي سعد أهلها بما يريدونه ويرجونه ويسعون فيه من هناء وحضارة وأرزاق دارة. قال تعالى: ((كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ)) وبالشكر تدوم النعم، فكلوا مما رزقكم الله واشكروا الله تعالى على هذه النعم، اشكروه بالأركان وباللسان، وكما قال ربنا في كتابه المنزل على نبينا ﵊: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فبالشكر تزيد النعم، ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]. وجحود النعمة وكفرانها تجرّد المنعم عليه من النعمة، والعذاب على كفر النعمة زوالها، نعوذ بالله من الخذلان ومن السلب بعد العطاء. قال تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] أي: بلدة طيبة بخيراتها وبمياهها وبفواكهها وبأرزاقها وبأنواع لحومها وبكل ما يشتهيه الإنسان في الأرض، وكأنها قطعة من جنان الآخرة، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] أي: إن شكرتموه وأطعتموه وعبدتموه، وماذا يريد الإنسان أكثر من حسنة الدنيا والآخرة؟ وقد علمنا الله ﷻ وعلمنا نبيه ﵊ أن نُعيد هذه الآية ونكررها ونحن نطوف بالبيت المقدّس بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، وقد قال هذا لسبأ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ أي: البلاد طيبة، وفي الآخرة لهم غفران الله لذنوبهم، ومحو سيئاتهم، وقبول حسناتهم، ثم النهاية لهم بالجنان ورحمة الله دائماً.

стр. 1487

تفسير قوله تعالى: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم) ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]. وهكذا الله ﷻ يقص علينا قصص الأمم السابقة وما أكرمهم به وتفضّل عليهم به من أرزاق دارة وهم موحدون مؤمنون، فإذا كفروا النعمة: وكفرانها الشرك بالله وترك الطاعات ومعصية رسل الله فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فإذا غيروا ما بأنفسهم من طاعة وتوحيد غير الله رحمته ومغفرته ورزقه إلى الغضب وإلى الجوع وإلى الخوف وإلى البلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة. قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]، فأعرضوا عن الله وعن شكره وعن طاعته وعن امتثال أوامر أنبيائهم، فعندما أعرضوا أعرض الله عنهم، وعندما نسوا الله نسيهم، وعندما أبوا إلا الجحود والكفران سلبهم الله النعمة، قال تعالى: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)) وسيل العرم السيل المعروف، والعرم: الشديد القوي، والسيل: المياه الجارية التي لا يكاد يقف في طريقها شيء، وقد أغرق الله تعالى قوم نوح بهذا، وأغرق هؤلاء فقال: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]، والعرِم هو من باب إضافة الشيء إلى صفته، أي: الماء العارم، يُقال: شاب عارم، أي: شاب سيئ الخلق، والعرامة: الشدة. و ((سَيْلَ الْعَرِمِ)) أي: السيل العارم الشديد القوة والضغط وجريان المياه، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦]، ومعنى ذلك أن هذا السد الذي كان مرتفعاً عشرات القامات ولعله كانت تجري فيه السفن، سلطه الله عليهم. وهذه البلدة كانت طيبة الهواء وطيبة الروائح من الزهور والورود ومن أنواع الفواكه والثمرات، بحيث إن البعوض والبط والحشرات لا تعيش فيها، وقد كان الآتي من الخارج يأتي وفيه قمل، فلا يكاد يدخل هذه الأرض حتى يموت ما عليه من قمل وحشرات، وكانت الجرذان في كبر القطة الصغيرة، فأخذت تنازع القطط التي تريد أكلها، حتى خافت القطط وفرّت فتكاثرت الجرذان وتوحشت وأخذت تحفر السد من تحته، ومن عادة الجرذ أن يحفر في الأرض ومع مرور الأيام إذا بالمياه تنفجر من تحت، وإذا بشدة المياه تحيط بالسد وتخرج وتغرق الدور والبساتين، وتقلع الأشجار، وتصبح الأرض بعد أيام خراباً وكأنها لم تكن يوماً ذات جنان عن اليمين والشمال يأكلون منها أكلاً طيباً، وكانت فيها حياة طيبة رغيدة، ثم غار الماء فإذا بالبلاد يصيبها القحط والجدب والجوع والخوف، ولشدة الجوع أصبح القوي يأكل الضعيف، فلا أمن ولا شبع ولا راحة ولا أشجار، وسيقص الله علينا كيف كانت اليمن ومأرب بهذه المياه وهذا السد. قال تعالى: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ)) أي: أبدل الله ما كان عن اليمين من الجنان المتصلة يميناً والجنان المتصلة يساراً في جميع البلاد دوراً وبساتين وحدائق وقصوراً وساحات وشوارع وأزقة، وحيثما ذهبت كانت الأشجار عن اليمين والشمال، ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ)) أي: أبدل الله جنتيهم الكريمتين الطيبتين الكثيرتي الثمار بجنتين من غير ذلك، ((جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ))، أبدلهم بجنتين عكس تلك الجنتين السابقتين بالمرة، ووصف الله هاتين الجنتين بقوله: ((ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ)) أي: ذواتي مأكول خمط مر تعافه النفس ولا تستطيع ابتلاعه، (وَأَثْلٍ) وهي الطرفاء التي لا يصلح ثمرها ولا يصلح أكلها، فبدلت بالطرفاء التي لا تصلح لشيء مما كان من أشجار وكروم ونخيل وأنواع من الفواكه لا تمل ولا تنتهي. ((وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)) السدر: هو شجر النبق، ومنه البري ومنه المزروع باليد، وهو معتنى به، وهذا البري نبت بفيضان المياه من السد، ومع ذلك هو شيء قليل وليست شجراً كثيرة فيه، وإنما الكثير ما لا يكاد يؤكل ولا تستسيغه الأفواه؛ وهكذا عندما كفروا النعمة ذهب الله بطيب البلدة وبأشجارها وبنعيمها وبثمارها، فأعرضوا وغيّروا وبدّلوا فغيّر الله ما عنده، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. قال تعالى: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ))، أي: مر لا يكاد يؤكل ولا يسيغه حلق إنسان، ((وَأَثْلٍ)) الطرفاء، ((وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ)) أي: شيء قليل من السدر البري الذي فيه النبق، والثمر كذلك مر لا يكاد يسيغه الإنسان، وهو بري يأكله الإنسان كما يأكل التبن، لا ماء فيه ولا غذاء.

стр. 1488

تفسير قوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧]. ((ذَلِكَ)) أي: فعلنا بهم ما مضى من تغيير النعمة عليهم بسبب كفرهم بالله، فالجنتان اللتان كانتا ذواتا ثمار يانعة وأشجار باسقة، والأرض التي كانت ذات مواش ودواب وطيور ولحم طير ولحم مواش ومن كل ما يشتهون، وكما وصفها الله بلدة طيبة، كل ذلك صار كأن لم يكن، وهكذا إذا رأيت قوماً أصابهم الله بالذل بعد العز، وبالجوع بعد الشبع، وبالفقر بعد الغنى، فما ذاك إلا لمعصيتهم، وما ذاك إلا لخروجهم عن أمر الله، ولا يكون ذلك إلا عقوبة من الله، فعندما يجحد المؤمن بدين ربه ويكفر بنعمته ويخرج عن أمره ويبدل الطاعة معصية والتقوى فجوراً يسلّط الله عقوبته، كما سلط على المسلمين منذ أزمان وإلى اليوم، ولم نعد إلى ربنا بعد ونتب من ذنوبنا ونستغفره مما نحن فيه، فعلى الإنسان أن يستغفر ويندم على ما فرط منه ويعزم على أن لا يعود لذلك، فإذا لم يفعل فإنها توبة باللسان ولا يكاد يكون لها أثر، ويكون التائب كالمتلاعب. قال تعالى: ((ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا))، الباء باء السببية، أي: كانت عقوبتنا لهم من استبدال جنتيهم الطيبتين بالجنتين ذواتي الأكل المر الذي تعافه النفس وذات الطرفاء والسدر البري بسبب كفرهم وجحودهم بتلك النعم الفائضة التي أغدقها الله عليهم، قال تعالى: ((وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)) يقول ربنا: وهل نجازي؟ وهو استفهام تقريري، أي: ولا نجازي ولا نعاقب إلا الكفور، أي: الجاحد الكافر الشديد الجحود والكفر، الذي يصمم ويصر على جحوده وكفره، والكفور صيغة مبالغة من شدة الجحود وشدة الكفر، فالله لا يجازي إلا الكافر، وأما المؤمن فقد يعاقبه وقد يغفر له، والله يغفر كل الذنوب إلا الكفر والجحود، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].

стр. 1489

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] يصف الله هذه البلاد بأنها كانت ذوات قرى متصلة بارزة ظاهرة من أرض اليمن من صنعاء إلى بقية جزيرة العرب وإلى أرض الشام، وهي البلاد التي بارك حواليها بخصبها وبثمارها وبالنعم الدافقة على أهلها، أي: قد كان هذا يوم ذاك، ثم كل من جحد النعمة ولم يشكرها وكفر بالله ولم يتق ويخف الدار الآخرة وعذاب الله يُصاب بما أُصيب به هؤلاء أهل اليمن وأهل سد مأرب الذين أعطاهم الله من الخيرات ما يكاد يشبه بعض ما ذكر الله لنا من جنان الآخرة، ومع ذلك كفروا النعمة وجحدوها بعد أن أكرمهم الله بثلاثة عشر نبياً متواليين، هذا خلف هذا، ليذكروا الجيل بعد الجيل قال تعالى: ((وَجَعَلْنَا)) أي: بين أهل سد مأرب وقوم سبأ ((وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً)) أي: بارزة متصلة واضحة ومعروفة، أي: جعل الله من أرض مأرب وسد مأرب وأرض سبأ من أرض اليمن التي كانت تسمى الأرض السعيدة جعل قراها متصلة بارزة وظاهرة بحيث اتصلت من أرض اليمن إلى القرى التي بارك الله فيها، والقرى التي بارك الله فيها هي قرى أهل الشام، وهم أهل فلسطين والأردن ولبنان وسوريا، فكل هذه أرض الشام، وكلها كانت ذات خصب ونعم دافقة وأشجار وثمار متنوعة، قالوا: وكانت الأشجار ما بين القرية والقرية من القرب بحيث لا يكاد يمر الإنسان قريباً إلا ويرى القرية التي بعدها، قالوا: وكانت المرأة تخرج من القرية إلى القرى المجاورة وعلى رأسها قفة وتمشي تحت أشجار ظليلة في ظلها، فتمشي والفواكه تقع بطبيعتها كما تقع عندما تنضج، فلا تكاد تصل من قرية إلى قرية حتى تكون القفة قد امتلأت بتلك الثمار من كل نوع، ولا تحتاج إلى زاد ولا إلى تمويل بل ولا إلى ركوب، وتقطع القرى بأرجلها من مكان إلى مكان، فالنعم باسطة خيراتها لكل إنسان، وجعل هذه القرى من أرض مأرب ظاهرة بارزة بيّنة، لا يظل فيها الإنسان، تظهر من أول قرية، فكلما ذهب الإنسان رأى القرية الآتية ويرى ما بعدها، وهكذا منذ يخرج من صنعاء إلى أن يصل إلى قرى ومدائن الشام، فكانت أرض الشام كلها وأرض اليمن كلها قرى متصلة، قالوا: وقد كانت آلافاً، وكلها بهذه الخيرات والأرزاق، أشجار متصلة عن اليمين والشمال، ليست من نوع السدر ولا الأثل ولا من تلك الأشجار التي لا ثمر فيها، ولكن كلها أشجار ثمار وفواكه تلذ للآكل، منوعة مشكلة. قال تعالى: ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً)) أي: بارزة بيّنة واضحة يرى الإنسان القرية خلف القرية، بحيث لا يحتاج إلى دليل، فهي تظهر من قريب، وهذا معناه: أنهم كانوا ذوي حضارة كبيرة وعلم بالزرع وبالسدود وباستنباط المياه وبرصف الشوارع والطرق، ومما لا يزال الناس يحلمون به ولم يصلوا إليه حتى في هذا العصر، عصر اليهود والتبرّج والفساد والكفر بكل أنواعه والفواحش والمنكرات والظلم وإراقة الدماء، والذي يسمونه عصر النور والعلم والحضارة، ومن يسميه بذلك ليس إلا جاهلاً لا يعلم ماذا كان عليه العالم الإسلامي من حضارة ومن أمن ومن خيرات دافقة ومن علوم مندثرة بين الكبار والصغار وبين الرجال والنساء. قال تعالى: ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ)) أي: جعل بين كل قرية وقرية قدراً معلوماً معروفاً من الزمن، أي: ليس بين القرية والقرية إلا مسافة قريبة لا يكاد يمضي عليها أكثر من ساعة أو ساعتين على الأرجل، فبين كل ساعة وساعتين وثلاثة قرية، وكلها من هذا النمط، فكلها أشجار وثمار وخيرات دافقة وما تشتهيه النفس من لحم ماشية أو طير أو حيتان أو ما تريد. قال تعالى: ((وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ)) أي: جعل له قدراً ليس بعيداً ولا متعباً ولا مجهداً. قال تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾، وهذا أمر بالصيغة، وهو خبر بمعنى الأمر، أي: يقول الله كانوا يسيرون في هذه القرى المتواصلة المتصلة بعضها ببعض، وقد قدر السفر والمشي من قرية إلى قرية بمدة يسيرة لمن يأت من الشام إلى صنعاء من أرض اليمن، أو من يذهب من أرض اليمن إلى أرض الشام، فكانت جزيرة العرب إلى أرض الشام كلها قرى متصلة والسير فيها مقدّر، وكانوا يسيرون الليالي والأيام ذوات العدد، ((آمِنِينَ))، وماذا يريد الإنسان أكثر من الأمن والشبع وأنواع الطعام والشراب والفواكه؟ فقد كانوا يعيشون في جنة على الأرض، إلا أن جنة الآخرة دائمة وجنة الدنيا زائلة، وقد زالت بكفرهم، ولا كفران في جنان الآخرة، فالكافر يكون في السعير وفي جهنم. وقد كان يقول بعضهم لبعض: سيروا ما شئتم واقطعوا السفر ليالي متتابعة، أي: سواء كان السفر ليلاً أو نهاراً فالطريق عامرة وليست مخوفة، والأمن ضارب أطنابه، فلا يخاف طفل ولا مولى ولا رجل ولا امرأة؛ لأن الخوف لا يكون إلا من جوع جائع أو فقر الفقير أو كفر الكافر، وهم كانوا مؤمنين، كما قال لهم ربهم: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] وكان الرب يغفر لهم بطاعتهم لأنبيائهم وطاعتهم لربهم وعبادتهم له آناء الليل والنهار، كما يأمرهم أنبياؤهم بذلك مع النعم الدافقة، فإذاً لا داعي للخوف، ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨].

стр. 1490

تفسير قوله تعالى: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩]. فهؤلاء أرادوا أن يفعلوا ما فعله اليهود عندما هربوا من مصر واستعباد وقهر فرعون وهامان ومن إليهما من جندهم، واتبعوا موسى وهارون، وخرجوا وابتعدوا، وغرق فرعون، ثم تاهوا في صحاري سيناء أربعين سنة؛ لعودتهم إلى جحود النعمة، ومع ذلك كانوا يرزقون بالمن وهو العسل، كان ينزل على الشجرة فيأكله الإنسان دون أن يصنعه، والسلوى: نوع من الطائر كألذ ما يأكله الآكل، مع المياه اثنتا عشرة عيناً متدفقة، فملوا الشبع والأكل وتمنوا الفوم والبصل والقثاء، وأخذوا يسألون الأدنى دون ما هو أعلى، وهكذا هؤلاء: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩]، وذلك عندما جحدوا النعمة، وأعرضوا عن الطاعة، وعادوا إلى الكفر.

стр. 1491

تفسير سورة سبأ [١٩ - ٢١] كان قوم سبأ في رغد من العيش، وفي نعم شاملة متضافرة، ومن هذه النعم أن قراهم كانت متصلة متقاربة، فجحدوا أنعم الله وبطروا، وطلبوا من الله سبحانه أن يباعد بين أسفارهم؛ اتباعاً لأمر إبليس وطاعة له، فمزقهم الله كل ممزق، وجعلهم أحاديث.

стр. 1492

تفسير قول تعالى: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا) قال الله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩]. لا نزال مع كتاب ربنا وهو يقص علينا قصة سد مأرب، وقصة قوم سبأ وكيف كانوا في رغد من العيش، وكانوا في نعمة شاملة، وكانوا في نعم متضافرة، وكانوا يعيشون بما أكرمهم الله به من أرزاق من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وكانت قراهم متصلة تُعد ثلاثة آلاف وسبع مائة قرية من أرض اليمن، من مأرب إلى أرض الشام، وبين كل قرية وقرية قُدّر فيها السير، فلا يكاد يقطعون ساعة إلا ويرون قرى ويرون نعماً وثمرات وفواكه، حتى إن المرأة إذا كانت متنقلة بين قرية وقرية يكفي أن تذهب وعلى رأسها مكتل، وإذا بالثمار تتساقط في هذا المكتل ولا تحتاج إلى جمع، ثم تجلس فتأكل مما تشتهيه نفسها، قال ربنا: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] هذه القرى ذات الأشجار المثمرة اليانعة، والمياه المتدفقة من أرض اليمن إلى أرض الشام، وهم في ظلال من الأشجار وفواكه دانية، ولكنهم أعرضوا عن الله وعن طاعته، فكان جزاؤهم جزاء من كفر بعد إيمان، وجحد النعمة بعد إسلام، فأبدلهم الله جنتين ﴿ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦]، ثم عادوا فدعوا ربهم كما دعاه اليهود ومشركو الجزيرة عندما كانوا يأكلون من المن والسلوى ونعم الله الدافقة، وبعد أن أكرمهم الله وأنقذهم من فرعون وهامان وقومهما، وإذا بهم يأخذهم البطر ويأخذهم التيه بهذه النعم، فيسألون موسى وهارون أن يُرزقوا من بقلها وقثّائها وفومها وعدسها وبصلها؛ وهكذا انقلب عليهم ما كانوا فيه من النعم إلى قحط وأرض يابسة لا تكاد تُثمر، وأرض جافة لا يكاد يجدون ماء للشرب؛ وهكذا هؤلاء. وطلبوا كما طلب الكفار ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢] فأُرسلت، لكن قوم محمد صلى الله عليه وعلى آله أُكرموا بالنبي ﵊ فلم يُصابوا بسوء مدة وجوده بين أظهرهم، ومدة حياته ﵊ تكرمة له. فقال هؤلاء: ((رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)) بطروا النعمة فأرادوا أن تكون هناك مفاوز وقرى بعيدة بعضها عن بعض، فيتزودون لها، ويركبون الرواحل أسابيع وأشهراً، فالله ﷻ استجاب لهم وكانوا هم الذين ظلموا أنفسهم، فأنهى ما كانوا فيه من نعمة، وسلّط عليهم القحط، وسلّط عليهم من جاء إلى سد مأرب فجعله كأنه لم يغن بالأمس، جعله خراباً يباباً، فخربت جدرانه، وذهبت مياهه، وساقت أمامها جميع مدن اليمن، وجميع شجره وبساتينه، وتفرقوا وتشتتوا في كل موقع كما قال ربنا: ((فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا))، وقرئ في السبع: ((بَعِّدْ)) أي: اجعل بين أسفارنا -أسفار: جمع سفر- مسافات بعيدة، بمعنى: لا نُريد هذا القرب بين هذه القرى، ولكن باعد بينها، وإذا بالله الكريم يجيبهم لما طلبوا بعد أن بطروا النعمة وجحدوها وكفروا بنعمة الله، فضاع سد مأرب، فذهبت المياه، ويبست الأشجار، وذهبت الفواكه، وماتت الدواب والشاء والطير، سواء الداجن أو البري، وإذا بهم لا يجدون طعاماً يُغنيهم ولا شراباً يرويهم، فتشتتوا في أقطار الأرض. فقوله تعالى: ((وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)) أي: ظلموها بالكفر والجحود، وظلموها بما طلبوا لأنفسهم من عذاب ومحنة، فاستجاب الله لهم، يقول تعالى: ((فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)) ذهبوا في أمس الدابر، وانتقلوا من شهرة واسعة إلى أسماء تُذكر، فيسير الناس على ذكرهم وعلى غريب قصصهم ويملئون المجالس بحديثهم، وأنه كان يوماً من الأيام وفي سنة من السنين قوم يقال لهم: قوم سبأ، كان لهم من الخيرات ومن النعم والأرزاق، وكان لهم أنبياء تعددوا وتكاثروا، وإذا بهم في يوم من الأيام رجعوا للكفر والردة، وأضاعوا ما أوتوا من الإيمان والتوحيد، فضاع بضياعهم خيرهم وبلادهم وجعلوا أحاديث. قال تعالى: ((وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)) أي: فرّقهم الله تفريقاً، وشتت جمعهم وشملهم، وأصبحوا كدابر الأمس، كأن لم يغنوا فيها يوماً من الأيام، وتشتتت القبائل فذهبت الأزد إلى عمان، والأوس والخزرج إلى المدينة، وغسّان إلى الشام، وخزيمة إلى العراق، وخزاعة إلى تهامة، وهكذا تشتتوا طرائق وأحزاباً ومللاً ونحلاً، فأصبحوا يُضرب بهم المثل، وكل هذه القبائل في أصولها من قوم سبأ، وهو: ابن يشجب بن قحطان. ((فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)) بهذا الدعاء ((فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ)) انتقلوا من صفوف قائمة، وقبائل حية إلى فناء، ولم يبق إلا ذكرهم على الورق، وفي ألسنة الناس يسمر عليهم بحكايات وقصص. قال تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ)) الإشارة لسبأ لما كانوا فيه من نعمة وأمان وعيش رغد وحضارة، ثم انقلب عليهم الأمر عندما جحدوا ربهم وكفروا بدينه وعصوا رسله، فسلب عنهم هذه النعم، ولا يبدّل الله ما بقوم إلا بعد أن يبدّلوا ما بأنفسهم؛ فأصبحوا مثلاً ضربه الله لأهل مكة، ولكفار الجزيرة والعالم إذا هم أبوا وأصروا على الجحود والكفران، وإذا هم صنعوا ذلك يصنع الله بهم ما صنعه في قوم سبأ، يشتتون ويمزّقون، ويصبحون أحاديث، وقد فعل هذا ربنا، فأين فارس؟ وأين الروم؟ وأين دول عاصرناها كانت تُعتبر الدول الأولى في الأرض؟ وإذا بها آبت ورجعت للذل والهوان والفقر والحاجة، واستولى عليها من كانوا تحت حكمها وتحت سُلطانها! فعندما جحد المؤمنون عوقبوا، وعندما أصر الكافرون زاد الله من محنتهم وعذابهم. فقوله: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)) أي: لعلامات على قدرة الله ﷻ ، وهو القادر على كل شيء، يرزق ويكرم ويُعطي ويُعز، حتى إذا جحد من أُنعم عليه نعم الله نزعها وسلبها منه، وأعاده إلى الذل والفقر والجوع والحاجة. قوله: ((صَبَّارٍ شَكُورٍ)) صبّار: صيغة مبالغة، أي: شديد الصبر، يصبر على طاعة الله ويصبر على ترك المنكرات والمعاصي، يُمهل نفسه ويعقلها طاعة لله وبعداً عن الأرجاس. قوله: ((شَكُورٍ)) أي: كثير الشكر، يشكر الله في كل أحواله بأركانه ولسانه، يشكره مصلياً ويشكره مزكياً وصائماً وحاجاً، يشكره بلسان الحمد لله رب العالمين، فيفرده بالحمد، ومن حُمِدَ إنما هو حمد مجازي، فالله المكرم والمنعم وهو الذي حرّك قلب ذلك العبد الذي قدّم لك خدمة أو قدّم لك إحساناً، فالمشكور هو الله دوماً واستمراراً. عن سعد بن أبي وقاص ﵁ -في مسند أحمد - قال رسول الله ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن كل خير، إذا أصابه خير حمد الله وشكر، وإذا أصابته مصيبة حمد الله وصبر) فهو على كل حال مأجور، يؤجر حتى باللقمة يرفعها إلى في امرأته، ويؤجر بالنفقة على عياله؛ فالمؤمن على كل حال مأجور شاكر للنعمة صابر على البلوى، ولهذا الحديث شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ في صحيحي البخاري ومسلم قال رسول الله ﷺ : (عجبت للمؤمن هو في خير أبداً إذا أُنعم عليه شكر، وإذا بُلي صبر، وهو في كل حال مأجور مثاب) أو كما قال ﵊؛ وهكذا المؤمن يرى أن كل ما يحصل عليه هو من الله، فيفرح لكرمه ولنعمه ويشكر الله عليها، ويصبر على قضاء الله، ويقول: هي كفارات للذنوب ورفع للدرجات، وهكذا، وقد قال ﵊: (إن المؤمن ليؤجر حتى في الشوكة يشاكها) أو كما قال ﵊.

стр. 1493

تفسير قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] هؤلاء الكفرة بالله في قديم الزمان وفي حاضره وفي مستقبله، أتباع الشيطان وحزبه، ولقد صدق الشيطان فيهم، أي: صدّقوا ظنونه، فإبليس عندما تكبّر أبى السجود لآدم، ثم طرده الله من الجنة، وطلب أن يُنظر إلى يوم البعث، أجابه الله لطلبه، فأخذ عند ذلك يتوعد آدم وذريته وقال: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩]، ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩] قال ذلك ظناً منه، فإنه لا يعلم الغيب إلا الله، فاحتمل ذلك وظن ذلك رجماً بالغيب، وإذا بالأمر كان كما ظنه الشيطان، فكفر المشركون فصدق فيهم ظن إبليس، حيث انتقلوا من حزب الله إلى حزب الشيطان، ومن شكر النعم إلى جحودها وكفرها، ومن حمد الله إلى الكفر بالله، وهكذا أصبحوا من حزب الشيطان وأنصاره، وما ذلك الظن إلا عندما أغوى آدم وحواء، فأكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها، عند ذلك قال في نفسه: إن كنت أغويت الأبوين وهما من هما، فالأولاد مهما كانوا فهم أضعف عند الصبر على مثل هذه الطاعة، وعلى وساوسي وإغوائي؛ فأخذ يظن ويتوعد ويقول: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩]، ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩]، ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] وهكذا سمى الله هذا الظن صدقاً قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠] فكانوا من أتباع الشيطان، كفروا بكفره وجحدوا بجحوده، وخالفوا بمخالفته، وتكبروا على الله وعباده بتكبره، فكانوا بذلك من جماعة الشيطان، فأوقدت جهنم لهم ولأمثالهم من الكفار والعصاة. قال تعالى: ((فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) فريق: مستثنى منقطع أي: اتبعه هؤلاء إلا فريق المؤمنين، أي: إلا المؤمنين جميعاً أهل التوحيد والعبادة والإيمان بالله وبرسوله، وفسّر قوم ((إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) إلا طائفة من بين المؤمنين، وليس جميع المؤمنين، فنحن نرى في المؤمنين من يعصي الله ويرتكب الكبائر، والمعنيان صحيحان، فهم اتبعوه في المخالفة الفرعية، أما الاتباع في أصل الشرك وأصل الكفر فليسوا كذلك. ومن قال: ((إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) أي: إلا جماعة من بينهم، فالمعنى: لم يعصه إلا المؤمنون الكاملون الذين عصمهم الله من بين الأنبياء والرسل، والذين كانت حسناتهم أكثر من سيئاتهم، وإذا أساءوا بادروا إلى التوبة، ومن تاب تاب الله عليه، وخير المؤمنين الواهي الراقع، وخير المؤمنين من إذا أذنب عوض ذنبه بحسنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فهم على كل حال اتبعوهم في الفروع، وعصوهم في الأصول، وهم على كل حال في خير، وفرق كبير بينهم وبين المشركين، فأولئك حزب الشيطان، أما المؤمن الذي مات على التوحيد والإيمان بالله وبرسله فهو على خير على كل حال، إما أن يغفر الله له، وإما أن يعذبه ثم المآل إلى الجنة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].

стр. 1494

تفسير قوله تعالى: (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة) قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ:٢١]. يقول الله: لم يكن لإبليس والشيطان سلطان على العباد، أي: استيلاء وتسلط، ولكن الله سلّطه اختباراً وابتلاء؛ ليعلم من يؤمن بالآخرة، أي: من كان مؤمناً بالله ورسله واليوم الآخر، وبما أوجب الله ورسوله من الإيمان به، ثم الإيمان بالكتب وبالقدر خيره وشره وبجميع العقائد الإسلامية، فالله لم يجعل للشيطان سبيلاً ولم يجعل له استيلاء وتسلطاً إلا ليعلم علم ظهور ووقوف، أما العلم السابق في الأزل -علم الغيب- فقد قدّر الله ذلك قبل أن يخلق الكون وقبل أن يخلق العوالم بألفي عام؛ ولكن العلم هنا علم الظهور والوقوف، والله يعلم ذلك قبل أن يكون وكيف سيكون، فهو ابتلاء من الله لهؤلاء، فصبر من صبر على البلاء وانتصر على الشيطان، وأبى إلا أن يكون مطيعاً لله ولرسوله وأن يكون من حزب الله، فآمن بالله ورسله والآخرة فلم يكن للشيطان عليه سبيل، فإن وسوس له ساعة من الزمن سرعان ما يعود للتوبة وللاستغفار، يقول الله: ((إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ)) أي: ليظهر حقيقة دين المؤمن باليوم الآخر، وحقيقة دين الكافر الذي هو في شك من الآخرة ولا يؤمن بها حقيقة واقعة، ولا يؤمن بالله وحده، ولا بالكتاب كتاباً من الله، ولا يؤمن بمحمد ﷺ رسولاً لله وخاتماً فابتلي بالشيطان ووسواسه فلم يصبر على ذلك وسرعان ما تهدم وسقط، وعند الامتحان يُعز المر أو يُهان، وقد امتُحن فرسب ولم ينجح. قوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ:٢١] أي: وربك الله على كل شيء رقيب، يحفظ المؤمن الذي يسعى لتطهير قلبه، فإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ فإذا كان الله في قلبه عقيدة وإيمان ثبت وانتصر على إبليس، وإن كان مرتاباً شاكاً متردداً متزعزعاً بعقيدته رسب وخسر وخاب وأصبح ممن صدّق إبليس ظنه فيه، فالله رقيب على الخلق يعلم الصالح من المفسد، ويحسن إلى الصالح، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. قال الإمام الحسن البصري: لم يكن للشيطان سلطان ولا قوة، ولا ضربهم بعصا ولا أجبرهم بمال ولا ألزمهم بسلطان، ولكنه منّاهم ووعدهم وأغراهم بالنزوات والشهوات فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين، فلم يكن له عليهم في الأصل قوة ولا سلطان يجبرهم ويلزمهم بالكفر بالله، ولكن أنفسهم أضاعوا وأنفسهم ظلموا فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة.

стр. 1495

تفسير سورة سبأ [٢٢ - ٢٧] للشفاعة شرطان يجب توافرهما حتى تقبل: إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع، ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه، وهذا الشرطان منتفيان عن المشركين وآلهتهم التي زعموا أنها ستشفع لهم عند الله .

стр. 1496

تفسير قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢]. قال الله لنبيه: قل يا محمد! لهؤلاء الذين كفروا في عصرك ومن سيكفر بعد ذلك، قل لهم: يدعون من شاءوا ممن زعموهم آلهة مع الله، قل لهم أن يدعوهم ليرزقوهم وليعطوهم وليجعلوا لسليمان وداود ما جعلنا لهم من معجزات، وما أعطينا قوم سبأ من خيرات وأرزاق، فعندما أشركوا بالله وأعرضوا عن طاعته جازيناهم بالنقمة والعذاب وسلبناهم نعمنا، قل لهؤلاء الكفرة: ليدعوا من زعموهم آلهة من دون الله، ليعملوا عمل الله فيرزقون من يدعون وليحيوا ويميتوا، وهم أعجز من ذلك هم وآلهتهم المزيفة، ومع هذا قال الله: ((لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ)) فهذه الآلهة المزيفة والأرباب المزعومة من قبل حزب الشيطان ليس لهم ملك في السماوات ولا في الأرض مقدار ذرة، والذرة: الهباء الذي في الهواء ولا يُرى إلا عند الشمس، ولو كان هناك شيء أذل وأحقر من الذرة لذكره الله تعالى، فهؤلاء لا يملكون ذرة لا في السماوات ولا في الأرض. قال تعالى: ((وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ)) أي: ليس لهؤلاء الأدعياء أرباب وآلهة من دون الله، وليس لهم شريك مع الله في السماوات ولا في الأرض، بل انفرد سبحانه بالملك والخلق، ولم يشتركوا معه في شيء، فهم أحقر وأذل من ذلك، وإنما يعبدون ما لم يستطع أن يقدّم لنفسه نفعاً ولا ضراً، وإنما يعبدون أصناماً وأمواتاً وعجزة. قال تعالى: ((وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ)) أي: وما لله ظهير من هذه الآلهة أي: معين ومساعد ومشارك، وليس لله حاجة إلى أحد منهم في العون والمشاركة، بل الكل خلق الله وعبيده، إذا لم يرزقهم ماتوا، وإذا لم يسقهم ماتوا، وإذا لم يحيهم لم يوجدوا، فهؤلاء الذين يدعون من دون الله أرباباً لا وجود لربوبيتهم ولا وجود لإلهيتهم إلا في الأوهام والأساطير. فقل لهؤلاء: إن آلهتهم أعجز من أن يملكوا ذرة في سماء أو أرض، وليس لله حاجة إلى عونهم ومساعدتهم، فالله قادر على كل شيء، وهو الغني المطلق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] أي: الغني غنىً مطلقاً عن كل الخلق، وليست هذه صفة لواحد من الخلق، فالكبير والصغير لا يستطيع أن يقوم بنفع نفسه لا يخبز خبزه ولا ينضج طعامه، ولا يذبح شاته، ولا يبني داره، ولا يصلح طريقه، ولا يخيط ثوبه، ولكن الله سخر بعضنا لبعض؛ ليعين بعضنا بعضاً، وبهذا قامت السماوات والأرض، والمعين والمعان خلق لله وعبيد له، فلا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، والله سبحانه هو الغني المطلق الذي لا يحتاج لمعين ولا مساعد، وليس هناك معين ولا مساعد لله، إن هي إلا أسماء سماها هؤلاء المشركون الجاحدون كذباً وزوراً وشركاً بالله.

стр. 1497

تفسير قوله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) قال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] ﷻ وعلا مقامه. يقول تعالى: هؤلاء ليسوا شركاء، ولا يملكون في السماوات والأرض مقدار ذرة، ولا لله حاجة إلى واحد منهم أن يساعده أو يعينه، فالله الغني الغنى المطلق عن كل خلقه، بل هم خلقه وعبيده، وهم المحتاجون والفقراء إليه، ولا يجرؤ أحد أن يشفع عنده، قال تعالى: ((وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)) لأنهم قالوا عن آلهتهم: هم شفعاؤهم عند الله، فلن يكون هذا أبداً، ولن يشفع عند الله لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا بعد إذن الله له بالشفاعة، ولن يجرؤ أحد أن يتكلم بكلمة أو يقول قولاً بين يدي ربه شفاعة في أحد ما لم يأذن الله له، فإذا لم يأذن الله فليس لأحد قدرة ولا إرادة أن يشفع في أحد حتى في نفسه فضلاً عن غيره، والقرآن مليء بهذه المعاني. وسيد البشر قد ذكر الله له مقاماً محموداً يوم القيامة، وهو يوم الشفاعة العظمى، مع مقامه وسيادته العامة على جميع الخلق، ومع ذلك عندما يريد أن يشفع يخر ساجداً لله، قال النبي ﵊: (وأدعو الله بمحامد لا أعرفها، فأبقى ساجداً ما شاء الله لي أن أسجد، فيقال لي: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفّع) إلى تمام الحديث على طوله، وهو متواتر ومعلوم من الدين بالضرورة، ولن يشفع إلا بعد أن يخر لله ساجداً لربه، مستأذناً بالشفاعة إلى أن يؤذن له بعد زمن يطول أو يقصر، إذ إن اليوم في الآخرة كألف سنة مما تعدّون، وهو يحمد الله، ويمجّده، ويوحّده، ويذكره ﷻ ، إلى أن يؤذن له بالشفاعة، فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يُسمع لك، واشفع تشفّع. عند ذلك يشفع في جميع الخلائق ممن مات على التوحيد، أما من مات على الشرك فلا شفاعة، وقد حرّم الله الجنة على الكافرين أبد الآبدين، ويكون الخلق قد اشتد بهم الحال وعظم عليهم الكرب ويذهبون إلى أبينا آدم أبي البشر فيردهم ويقول: نفسي نفسي، نهاني الله أن آكل من الشجرة فعصيت، فيأتون إلى نوح فيقول: نفسي نفسي، وهكذا إلى إبراهيم ثم موسى ثم عيسى فلا يذكر عيسى شيئاً عن نفسه، ولا يقول: نفسي نفسي، ولكنه يقول لهم: اذهبوا إلى محمد ﷺ ، فيذهب الناس جميعاً من جميع الخلائق والأمم، وهو اليوم الذي يبعثه الله فيه مقاماً محموداً تحمده فيه الخلائق كلهم ﷺ ، وذاك معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ليس لعالم فقط، وليس للأمة المحمدية فقط، ليس لمن عاصره ومن جاء بعده من أمته، ولكن للأمم السابقة من أمة آدم إلى أمته ﷺ ، فهو شفيع كل الخلائق ﵊، ومع مقامه هذا لن يشفع إلا بعد أن يأذن الله له، وهذا معنى قوله تعالى: ((وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)) فكيف بمن زعم المشركون أنهم سيكونون لهم شفعاء عند الله، قالوا ذلك عن أوثانهم وأصنامهم، وهيهات هيهات، إذا كان نبي الله كذلك فمن دونه من الأنبياء والصالحين لن يشفعوا إلا بعد أن يأذن الله لهم، فكيف بمن لا وجه له، ولا كرامة له، ولن يجد ريح الجنة أبداً من المعبودين، أو من المشركين، أو ممن هو في الأصل جماد أو حيوان أو شيء من خلق الله؟! قال تعالى: ((حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ)) بعض المفسّرين قالوا: (فُزِّعَ) أي: زال الفزع، والتفزيع: زوال الفزع، كالتمريض: زوال المرض، فقالوا: هذا يكون عند الوحي الإلهي إلى جبريل ﵇، إذ يوحي الله لجبريل فيبلّغ جبريل أهل السماء السابعة والسادسة والخامسة إلى السماء الدنيا ومن يكون نبياً. وقد انقطع الوحي ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام فلم يكن بينهما نبي ولا رسول، وما أرسل النبي ﵊ بعد ذهاب عيسى ورفعه للسماء إلا بعد ستمائة وخمسين عاماً؛ فعندما يأتي الوحي من الله يغشى على النبي ﷺ ويسمع صوتاً كصلصال الجرس أي: الحديد يضرب بعضه ببعض، وقد فسّر ذلك النبي ﵊ كما في الصحيحين، وهو أشد عليه من غيره، فقد كان يتصبب عرقاً في اليوم الشاتي البارد كأيامنا هذه في أرض الحجاز. ولكن أكثر المفسرين قالوا: الآية ليست في سياقه ولا تقتضيه، بل تفسير الآية كما قال ابن عباس وغيره: إن هؤلاء عندما يفزّع عن قلوبهم يزول الفزع وهم في حال الاحتضار للموت، وذلك بعد أن يُصبح العلم بالغيب علم مشاهدة وحضور، فكل ما أخبر به الأنبياء من الإيمان بالغيب بعد الموت وعند الغرغرة بالروح يُصبح إيماناً بالمشاهدة وهيهات، فقد قال الله تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. فالملائكة عندما تأتي لقبض الأرواح يقولون للكافر: ((مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ))؟ وذلك بعد أن تزول غيبوبته ويزول فزعه، ((قَالُوا الْحَقَّ)) أي: قال هؤلاء الكفرة: قال الله الحق. وهكذا اعترفوا بعد أن أصبح الاعتراف بالنسبة لهم لا يفيد؛ ولذلك فإن النبي كان كثيراً ما يقول: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شُغلك، وغناك قبل فقرك) وآخرها الحياة قبل الموت، فما دام الإنسان في حياته لم يكسب خيراً، أي: لم يؤمن بالله ولا برسوله، ولم يؤمن بما جاء عن الله في كتابه، فإنه لن يعترف إلا عند الموت عند وصول الروح إلى الحلقوم، ومن باب أولى بعد الموت ولن ينفعه ذلك، فهو إذ ذاك يعترف للملائكة بأن الله قال الحق فيما أرسل به رسله وأنزل به كتبه، ولكن هذا الاعتراف لا يزيدهم إلا حسرة وتوجعاً وندماً؛ لأنه كما قال أهل المعرفة بالآداب والرقائق: إن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فمن لم ينتهز حياته في طاعة الله وعبادته يوشك إذا مات أن يكون سيف الحياة قد قطعه غير مؤمن بالله ولا برسوله، ولن يفيده اعترافه وإقراره بعد الموت. فقوله تعالى: ((قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ)) أي: قالت الملائكة لهؤلاء الكفار: ماذا قال ربكم؟ فيجيبون: ((قَالُوا الْحَقَّ)) أي: قالوا: إن الله قال الحق، ((وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)) فالله ﷻ هو العلي المنزّه عن كل نقص، وهو المتصل بكل كمال والعلي على خلقه العظيم ﷻ ، وهو الكبير المتعال فلا أكبر منه ﷻ ، فالكون خلقه، فهو أكبر من الطغاة والجبابرة والملوك؛ لأنه خالقهم والكل عبد له؛ ولذلك فإن شعار المؤمن: الله أكبر، وبها نستفتح الأذان للإعلام بدخول الوقت، وبها نستفتح الإقامة للدخول في الصلاة، وبها نشغل حركات الصلاة عند الدخول فيها: عند الركوع والرفع من الركوع، وعند الهوي للسجود إلى آخر أعمال الصلاة، وهي شعار الذاكر في حجه والملبي في حجه، وهكذا فالله الكبير المتعال العلي على خلقه العلي عن حاجتهم وعن عونهم، فكل الخلق عبيد لله فقراء إليه، وهو الغني الغنى المطلق.

стр. 1498

تفسير قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماوات والأرض) قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]. أي: قل لهؤلاء: من الذي يرزقكم من السماء؟ ومن يدبر أمر الملائكة بالخيرات والرحمات والأرزاق؟ ومن يرزقكم في الأرض؟ فمن ينبت شجرها وثمرها؟ ومن يغذي دوابها وطيرها؟ ومن يغذيكم لتعيشوا مدة إلى أجل مسمى؟ فالله قال لنبيه: ((قُلِ اللَّهُ)) ولم ينتظر جوابهم، وإلا فهم معترفون بذلك، ولكنهم يشركون بالله في الألوهية، ويجعلون معه شركاء من الملائكة والجن والأحجار والأخشاب والدواب، ومن عبادة النفس وتأليه هواها، وهم يعترفون لله برزقه ولا يعترفون له بتوحيد الألوهية، وهم بذلك قد ضلوا، والإيمان وحده لا يقبل التجزئة، ومن آمن بشيء وكفر بشيء فهو كافر لا محالة، ومن آمن ببعض شرائع الإسلام وكفر ببعضها فهو مشرك كامل ولا ينفعه الإيمان بالبعض دون البعض، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة:٨٥]، فهذا جزاء من يؤمن بالبعض، ويكفر بالبعض فلم يفدهم اعترافهم بأن الله الرازق من السماء والأرض، وبأنهم آمنوا بربوبيته وأشركوا معه بعض خلقه ممن هم أعجز عن دفع الضر عن أنفسهم فكيف لهم أن ينفعوا غيرهم أو يضروا!! قال تعالى: ((قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ)) أي: قل: الله الرازق من السماوات والرازق في الأرض، فيرزق عباده من السماء بالأمطار، ومن الأرض بالإنبات، فهو الرازق من السماء بالتدبير وهو على عرشه ﷻ قد استوى يدبّر الأمر، فالله الرازق في السماء والرازق في الأرض وليس لأحد أن يرزق أحداً من الخلق إذا لم يرد الله رزقه؛ وهذا الذي يرزق لم يرزق أحداً بما عنده، وإنما بخلق الله وبرزق الله وبإمداد الله، أما أنه يأتي بشيء من عنده! فهيهات هيهات، فقد تحدى الله الخلق وعجزوا عن أن يخلقوا ذبابة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣] أي: ضعف الوثنيون المشركون وضعف من يعبدونهم من أوثان وشركاء زعموهم آلهة من دون الله. قال تعالى: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ)) أي: كلهم، قال: ((لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) أي: قل يا رسول الله! لهؤلاء الكفار: نحن وإياكم إما على هداية أو على ضلالة، وليست ((أَوْ)) هذه للشك ولكنها للتفصيل، أي: نحن الذين على هداية فلقد أتينا بأدلة العقول على وحدانية الله وقدرته وخلقه لما تراه العين من خلقه للكون وتحس به، وأعظم شيء في الوجود الروح؛ ولذلك طالما تساءل الناس في الجاهلية والإسلام في مكة والمدينة وفي عصرنا هذا إلى يوم القيامة عن الروح، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] وهذا السؤال لا يزال قائماً إلى اليوم ورغم زعم المعاصرين أنهم تحضّروا وتعلّموا لو سألتهم: ما الروح؟ يقولون: لا ندري! ومن فسّر الروح بأنها حركات فهذا أثر الروح وليست الروح، فلكل من الإنسان والدواب والملائكة والجنة والنبات روح، نرى الأرض إذا جاء الشتاء يبس ورقها وأصبحت الأرض بلقعاً، فإذا جاء الغيث ونزل المطر وأحيا الله ما يريد ترى الأرض اهتزت وربت وإذا بها تنبت من كل نوع من الفواكه أشكالاً، ومن الخضار أشكالاً، ومن الثمار أشكالاً، ومما تأكله الناس والأنعام أشكالاً، فمن الذي خلق فيها هذه الحياة؟ وما الحياة؟ هذا ما عجز عنه البشر وسيبقون عاجزين؛ لأن هذا من علم الله الذي انفرد به، وقد قال ﵊ في دعواته: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) فقد استأثر الله بأسماء له وعلوم عنده لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] فلو أن سبعة أبحر ملأها حبراً ومداداً وجاء لشجر الأرض فذرأه أقلاماً تكتب وتستمد المداد من هذه الأبحر فتفنى الأبحر وتنتهي الأشجار وعلم الله لا ينتهي. يروى أن موسى سئل: من أعلم منك؟ قال: لا أحد، فأدّبه الله تعالى وربّاه وقال: بلى عبدنا الخضر، فسأل الاجتماع به فكان من قصته ما قصه الله علينا في سورة الكهف، ومغزى القصة ما قاله الخضر لموسى وهو يحاوره، إذ جاء طائر صغير وأخذ قطرة من البحر فقال: يا موسى! ما علمي وعلمك أمام علم الله إلا كهذه القطرة يأخذها هذا الطائر من البحر، فأين أدعياء العلم والمعرفة؟ هيهات هيهات فكلنا ذوو أرواح إلا أن يشاء الله غير ذلك، ومع ذلك لا نعلم نحن ولا غيرنا ولا كل حي في الوجود عن هذه الروح التي ينطق بها وينظر بها ويسمع بها ويحس بها ويعقل بها ما هي؟ هذا ما انفرد الله به، ويكفي هذه المعجزة الإلهية على أن نعلم أن الله هو القادر وهو الواحد، وأن الله استأثر الروح في علمه وقدرته دون جميع خلقه. وزعموا اليوم أنهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه ولم يصنعوا شيئاً، فقد صنعوا طائرة من خشب والخشب خلق الله، والماء خلق الله، والمسامير من الحديد خلق الله، والعقول التي صنعت ذلك خلق الله، ولو ذهب الله بعقولهم وبما خلقه لما استطاعوا صنع شيء، ولو ذهب الله بتلك الأشجار والأخشاب وذلك الحديد وتلك المياه التي يقال عنها البترول -وستذهب إنما هي مؤقتة- فستقف الطائرات والدبابات والمصانع، وقد قال أحد العارفين: إذا أراد أن يظهر فضله عليه خلق ونسب إليه، ومن فعل ما يقربه إلى الله كان فضلاً من الله، ومن فعل ما يبعده عن الله كان ابتلاء من الله، قال تعالى: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)). أما النبي وحزبه فهم على هدى، وقد بيّنوا ذلك بالأدلة العقلية القاطعة، وأما الشيطان وحزبه فهم في ضلال مبين واضح ظاهر لا دليل لهم عليه البتة، وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:١ - ٦]. فقوله تعالى: ((وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) أي: نحن الذين على الهدى بالأدلة العقلية القاطعة، وأنتم الذين على ضلال بالأدلة القاطعة، فاقبلوا أو لا تقبلوا، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]. فليست الهداية وظيفة الأنبياء وإنما وظيفة الأنبياء -ومن باب أولى ورثتهم من العلماء- البلاغ، وأما الهداية فكما قال الله لنبيه سيد الخلق: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] فهؤلاء أقارب أحباب كانوا للنبي ﵊ وطمع النبي ﷺ أن يكونوا مؤمنين فما كانوا؛ لأن الله لم يرد لهم الهداية، فالله قال لنبيه ﵊ ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] أي: لعلك مهلك نفسك على أنهم لم يؤمنوا ولكن الإيمان والهداية بيد الله، والعلم وحده لا يكفي، فإبليس كان أعلم العلماء في عصره فلم يفده علمه، فالتوفيق والهداية من الله؛ ولذلك فإن الأنبياء أنفسهم يعبدون ربهم ويحرصون على العبادة الليل والنهار، ومع ذلك يدعون ربهم ويلجئون إليه، هؤلاء وهم معصومون، فكيف بغير المعصوم! يفعل ما يفعل وهو لا يدري عن الخاتمة فالعبرة بالخاتمة، نسأل الله حسن الختام لنا ولكم جميعاً.

стр. 1499

تفسير قوله تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا) قال تعالى: ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٢٥] أي: قل لهم يا محمد! لا تسألونا عما أجرمنا، فهم يزعمون أن من خرج عن دينهم فقد خان دين الوثنية وخان دين قومه وخرج عنه! فهم بذلك يعتبرونهم مجرمين، فقال الله: ((قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا)) أي: إن كنا مجرمين في نظركم لستم مسئولين عنا ولستم مطالبين بإجرامنا ((وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) كذلك نحن دعوناكم إلى الله وبلّغناكم كتاب الله وحرصنا على ذلك ليل نهار في الحضر والسفر وفي المنشط والمكره وفي كل وقت وحال ولا نستطيع أكثر من ذلك، أما أن نشق البطون والعقول وندخل الهداية والإيمان فليس هذا في إمكاننا ولا قدرتنا، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].

стр. 1500

تفسير قوله تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق) قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦]. فهم لا يميزون هداية من ضلالة، ولا إيماناً من كفر، فقد ملئوا عقولهم بالخرافات والخزعبلات والأباطيل، فقل لهم: ((يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا)) أي: سيأتي يوم يجمع الله بيننا وبينكم وبين كل الأمم منذ آدم وإلى آخر مخلوق وإنسان في الأرض مؤمناً كان أو كافراً. قال تعالى: ((ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ)) أي: يقضي ﷻ بيننا ويرتفع الأمر له، وتنتهي رسالات الرسل ونبوات الأنبياء وتنتهي العبادة بموت الإنسان، وسيكون اليوم الآخر يوم الحكم والحساب، ويوم الوقوف بين يدي الله والعرض عليه، ويكون المآل إما إلى جنة وإما إلى نار. قوله: ((ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ)) أي: ثم يحكم ويقضي بالحق، وسيعرفنا من المهتدي منا ومن الضال، ومن المؤمن ومن الكافر، وهل المفلح من عبد الأوثان وعاش في حياته مفسداً مرتكباً لأنواع الكبائر، من سفك الدم الحرام، وأكل المال الحرام، وهتك العرض الحرام، أم نحن الذين ملأنا قلوبنا وعقولنا بالله الواحد الرازق المحيي المميت، وقد طهّر الله أيدينا من سفك الدماء إلا بحق، وطهّرنا من الذنوب والمعاصي والكبائر، وطهّرنا من نشر الظلم والفساد، وأكل الأموال بالباطل، وانتهاك الحرمات بالباطل، ونشر الفساد في الأرض ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود:٢٤] هيهات هيهات، فلا تستوي الظلمة مع النور، ولا الجهل مع العلم. فقوله: ((ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ)) أي: يحكم ويقضي بالحق، والله هو الحق وسيقضي بالحق ويحكم به، قال تعالى: ((وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ))، فهو القاضي الحاكم المطلق العليم بما ينفع عباده، والعليم بجرائم المجرمين، والعليم بإحسان المحسنين، فيحكم على المجرم بما يليق به، ويحكم على المحسن بما يليق به، فهذا إلى النار وهذا إلى الجنة، ولا يظن إنسان في الأرض أنه سيفلت من يد الله العادلة وقضائه العادل، فيسفك الدماء ويقول: إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر كما يقول أكثر سكان الأرض ممن أضلهم الله على علم، فما نشروا إلا الفساد والكفران، وما نشروا إلا قطيعة الأرحام وسفك الدماء وهم يسعون في ذلك ليلاً ونهاراً. ((وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ)) أي: هو الحاكم العادل ﷻ العليم بعباده، فمن أحسن فله الإحسان، ومن أساء فعليه الإساءة، ومن يعمل مثقال ذرة من خير كان له الخير، ومن عمل شراً كان له الشر، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].

стр. 1501

تفسير سورة سبأ [٢٧ - ٣٣] يستعجل الكفار عذاب الله سبحانه، استهزاء برسلهم وجحوداً لوقوعه، لكن حين يأتيهم ويحل بهم يتبرأ التابع من المتبوع، ويلقي عليه اللوم، ويدفع المتبوعون عن أنفسهم هذا اللوم، وهذا لا ينفعهم بشيء ولا ينجيهم من العذاب بعد كفرهم به في الدنيا واستعجالهم له.

стр. 1502

تفسير قوله تعالى: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء) قال الله ﷻ : ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ:٢٧]. يأمر الله سبحانه نبيه أن يقول للذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً: ((قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ)) أي: أروني إما رؤيا بصرية، أو رؤيا قلبية، أي أعلموني بذلك وأخبروني عن هؤلاء الذين كذبتم على الله واتخذتموهم شركاء له. ((كَلَّا)) وهي إضراب عن كلام سبق أن قيل، أي: لم يكن ذلك ولا أصل له ولا حقيقة ولا واقع، فليس هناك إله غير الله وليس هناك رب سوى الله وليس لله شريك، بل الكل عبيد لله وخلق لله ولكن من اتخذ ذلك اتخذه زوراً وكذباً، فسمى أسماء واخترعها وليس له عليها من الله سلطان. ((كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) إضراب عما قيل في الكلام قبل، أي: قيل هناك شركاء، وقيل هناك أصنام، كلا ليس هناك شيء، بل الموجود المعبود الخالق الرازق ((هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)). العزيز الذي انفرد بالقدرة والقهر وهو القاهر فوق عباده، والحكيم في أقواله وأفعاله وأحكامه ﷻ . ((بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) فليس هناك أوثان، وليس هناك شركاء، بل الموجود هو الله، وموجد الوجود هو الله ﷻ ، والكل له عبيد مقهورون مغبوطون ليس لهم شرك مع الله ولا اتخذ الله منهم معيناً ولا مساعداً.

стр. 1503

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس) قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ:٢٨]. زعمت طوائف من اليهود في العصر النبوي ويزعم هذا بعض من أضله الله عن علم أو عن جهل بأن النبي لم يُرسل إلا إلى العرب، وأن اليهود لهم نبيهم، وأن النصارى لهم نبيهم، فاتخذوا مع الله آلهة شركاء ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا البلاء أخذ يقوله اليوم من يتزعم ويتحكم في بعض الشعوب الإسلامية، فقد أضله حتى كفر بالله وارتد عن دين الإسلام، فذهب يزعم في كتاب أذاعه ونشره أن النبي لم يرسل إلا إلى الوثنيين، ولم يُرسل إلى اليهود ولا إلى النصارى. يقول تعالى تأديباً لهؤلاء ممن يعبدون الأوثان قبل وبعد، وممن جعلوا لله شريكاً بلا دليل ولا سلطان من الله: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)). أي: يا محمد لم نرسلك إلا لكل الخلق ولكل الناس، وهذه الآية هي كما قال الله له وأوحى إليه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، فهو النبي والرسول للخلق كافة عربهم وعجمهم، أحمرهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، وهو الذي أُرسل لجميع عوالم عصره والعوالم التي بعده إلى يوم القيامة، فلا نبي ولا رسول بعده، هو خاتم الأنبياء وهو خاتم الرسل صلى الله عليه وعلى آله. وقد قال ﵊ كما تواتر عنه من جملة خصائصه: (كان الأنبياء قبلي يُبعثون إلى أقوامهم خاصة وأرسلت إلى الناس كافة) فكان الأنبياء السابقون أنبياء قوميين لم يرسلوا إلا لأقوامهم، وكان نبينا ﵊ نبي البشرية كلها ونبي العوالم كلها من أدركه في عصره ومن سيأتي بعده إلى يوم النفخ في الصور. وقال ﵊: (بعثت إلى الأحمر والأسود) كل هذا من المعلوم في دين الله بالضرورة، فمن أنكر ذلك بل من تشكك فيه خرج عن الإسلام وأصبح مرتداً. ولذلك الخلق كلهم من يوم ظهر النبي ﷺ في الديار المقدسة ودعا الناس إلى الإيمان برسالته؛ أصبح كل الخلق منذ تلك اللحظة وإلى يوم القيامة يعتبرون شعوباً وأمماً وعوالم محمدية، ولكن من أجاب واستجاب للرسالة المحمدية كان أمة إجابة، ومن تمرد وأعرض كان أمة متمردة معرضة. بعد ظهور النبي ﵊ لم تبق رسالة موسى ولا رسالة عيسى ولا رسالة أي من الأنبياء، فقد كانوا أنبياء في وقت مخصوص ولأقوام بأعيانهم، فلما رُفع عيسى لم يرسل بعده نبي خلال ٦٥٠ عاماً إلى أن أرسل الله محمداً العربي الهاشمي المكي المدني الرسول العام الشامل لكل الخلق، ولم تبق نبوة ولا رسالة بعده، وكل من أنكر ذلك وكل من تشكك في ذلك خرج عن الإسلام بخرافات وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان، وكل من قال سوى ذلك يكون قد أنكر القرآن الكريم والسنة النبوية والرسالة المحمدية. قال تعالى: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)): أكثر الناس لا يؤمنون بهذه الحقيقة ولا يعلمونها، ولذلك يقول ربنا لنبينا ﵊: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] وقال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤] هي قلة ممن آمن قبل، وفئة قليلة ممن آمن بعد. وسكان الأرض اليوم أربعة مليار نسمة، المسلمون منهم لا يتجاوزون ملياراً، والباقي كلهم بين عبدة عيسى ومريم وعبدة العجل والعزير وعبدة النيران والحيوانات وعبدة ماركس ولينين، وعبدة ما لم ينزل الله به من سلطان من كل من ضل وأضل ولم يقدم لنفسه نفعاً ولا ضراً. ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) أنك النبي الهادي لكل البشر، وأنك الرسول الخاتم لكل العوالم لا نبي بعدك ولا رسول، وأنزل عليك القرآن الكريم لتنذر به الناس ومن بلغ، أي: ومن سمع ذلك يجب عليه أن يدين بهذا وإلا كان كافراً، وقد قال ﵊: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي) لو قُدّر وعاش موسى لما وسعه إلا أن يكون تابعاً لمحمد مسلماً ومؤمناً بدينه، وعيسى لا يزال حياً وهو في السماء الدنيا وسينزل في آخر الزمان فيحكم بدين محمد وبالكتاب المنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك من كتب في تراجم الصحابة ترجم لعيسى على أنه من الصحابة وأنه من أتباع النبي ﵊؛ لأن الصحابي من آمن برسول الله ورآه في حياته ومات على ذلك، وعيسى اجتمع بنبينا في السماء الدنيا ليلة الإسراء ورحّب به وخاطبه بالرسالة. وسينزل الأرض ويكون على دين الإسلام فيأتم بأئمة المسلمين في صلاته، وسيحج حج المسلمين في مكة ومنى وعرفات فهو على ذلك صحابي محمدي كما ترجم له الحافظ العسقلاني في الإصابة وأطلق عليه تعريف الصحابي.

стр. 1504

تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ:٢٩]. هؤلاء عندما قال لهم نبي الله: يوم القيامة يجمع بيننا ربنا ثم يحكم بيننا بالحق، أنكروا هذا الجمع وأنكروا يوم القيامة وأخذوا يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ:٢٩]. أي: متى سيكون ذلك؟ يقولون ذلك متشككين ومتلاعبين وهازئين. ((وَيَقُولُونَ)) يقول الكفرة والمشركون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ:٢٩] يخاطبون النبي ﵊ وأصحابه الذين يؤمنون به وباليوم الآخر: أين هذا اليوم الموعود؟ متى ستكون القيامة؟ وسئل النبي ﵊ من جبريل: متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: أستوي أنا وأنت في عدم معرفتها فهي من العلم المكنون الذي استأثر الله به، ولا يعلمه سواه، ولكن لها علامات، فسأل جبريل النبي ﵊: وما أماراتها؟ وكان من الأمارة الأولى والعلامة الأولى بعث النبي ﵊ فهو نبي آخر الزمان ورسول آخر الزمان، وقد قال ﵊: (بعثت والساعة كهاتين) وأشار بالسبابة والوسطى.

стр. 1505

تفسير قوله تعالى: (قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة) قال تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ:٣٠]: يوم خلق الله الخلق ويوم كوّن النطفة في رحم أمها جنيناً، ويوم أمر الله الملك بنفخ الروح كتب الله أهو شقي أم سعيد، أغني أم فقير، أمؤمن أم كافر، ما أجله فالآجال قد أُحصيت قبل خلق الخلق، وقدّرت المقادير قبل خلق الدنيا بآلاف السنين، وطويت الصحف على اللوح المحفوظ الذي قال الله عنه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق:٢٩] واللوح الذي من قبل الملائكة الذي قال عنه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] قد قدّر الله ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الخلق بآلاف السنين، فمن كانت له حياة مهما كانت ومهما لقي من العذاب والمحن لا بد أن يبلغها، ومن قُدّر عليه شيء لا بد أن يصل إليه خيراً أم شراً. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ:٣٠]. أي: لكم يوم موعود ستموتون فيه، فاليوم المذكور هنا يوم الوفاة، وهو يوم القيامة الصغرى، واليوم الموعود هو يوم القيامة الكبرى، اليوم الذي يُبعث فيه الخلق إلى الله وينتصبون قياماً للعرض عليه لحسابهم، ليدخل الجنة من فاز وليدخل النار من خاب. ((قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ)) ميعاد: موعد، أي وقت محدد معلوم مقدر في الأزل في اللوح المحفوظ، لا يتقدم عن وقته ساعة ولا يتأخر ساعة، فنحن نرى أنه قد يتعرض الإنسان لكل أنواع الموت فلا يموت، قد يقع من الطائرة وهي في أجواء الفضاء فلا يموت، قد يغرق في البحر ويردم عليه الردم ثم يخرج حياً؛ وقد يموت الإنسان من عثرة، أو من وقوع إناء عليه. ((قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً)) أي: لا تتأخرون -ولو طلبتم- ولو ساعة من زمن والتاء للطلب. ((وَلا تَسْتَقْدِمُونَ)) أي: ولو طلبتم أن تموتوا، ولا بد من اليوم الموعود عند الله المكتوب في اللوح المحفوظ الذي كُتب على الجبين يوم زُرعت الروح للجنين وهو في بطن أمه؛ فلا تستعجلوا العذاب، الكلام مع الكفار الذي يستعجلون بالآخرة ولا يؤمنون بها، أما المؤمنون فهم منها وجلون خائفون ومن يوم العرض على الله ترتعد فرائصهم، وهؤلاء لا يقولون ذلك إلا كفراً بها وعدم إيمان بها، وسيرون ذلك عند الغرغرة.

стр. 1506

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]. لو ترى -يا محمد- حال هؤلاء المنكرين للبعث الذين يستعجلون يوم القيامة ولا يحسبون لها حساباً ولا يهابون يوم العرض على الله وهم في النار خالدون، يقول الله عن هؤلاء الذين أصروا على الكفر: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)). لن هنا يقال عنها لن الزمخشرية، أي أنها للنفي المؤبد، يقولون للنبي ﵊: لن نؤمن بهذا القرآن الذي أُنزل عليك، لن نؤمن به كتاباً من الله، ولن نؤمن به وحياً، لن نؤمن به كلاماً من الله. ((وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)) أي: ولا بما سبقه قبل أن ينزل، فلا يؤمنون بالتوراة ولا بالإنجيل ولا بجميع الرسالات والكتب السماوية؛ فهم كفرة يتحدون بكفرهم، وهم مشركون مصرون على كفرهم يتجاهرون بذلك ويعلنونه. قال تعالى للنبي ﵊ عن هؤلاء: ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) أي: لو ترى هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك بالله محبوسين عند ربهم وموقوفين للعرض وللحساب ولمناقشة الكتاب؛ لو تراهم ((يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ)) أي: يتجادلون يقول بعضهم لبعض كلاماً يرجع له الآخر بالقول ويجادله ((يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)). هذا الذي كانوا يرجعون به في الجدال وفي الخصام وفي النزاع بعد أن جمعتهم النار، فهم يرجعون القول ويتجادلون ويتخاصمون ويتنازعون. ((يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)) أي: يقول الأتباع الفقراء ((لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)) أي: لأوليائهم وسادتهم وزعمائهم وخبرائهم: ((لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)) أي: لولا ما نشرتم بيننا من الكفر وأمرتمونا به وسعيتم به بيننا وصددتمونا عن الله وكتاب الله ورسالة الأنبياء لولا ذلك لكنا مؤمنين.

стр. 1507

تفسير قوله تعالى: (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا) قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣٢]. عندما قال الأتباع للمتبوعين: ((لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)) أجابهم هؤلاء القادة والزعماء ((الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)) أي: تعاظموا في الدنيا ورأوا لأنفسهم شأناً وعظمة وكبراً لأنهم سخروا من الأتباع وجروهم إلى اتباعهم وأضلوهم عن الله وعن دين الله وعن رسل الله؛ فأخذ هؤلاء الكبراء يجيبون: ((أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ)) استفهام إنكار تقريعي، أي: أنحن الذين منعناكم؟ هل ربطنا أيديكم بالأغلال، أم جعلنا على أرجلكم أكبالاً؟ هل أجبرناكم إلى أن كفرتم ودخلنا في عقولكم؟ ليس الأمر كذلك ((بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ)) أي: أنتم مجرمون في الأصل لأنا قلنا كلاماً نحن في أنفسنا لم نتحقق منه ولم نأت عليه بدليل ولا برهان، إنما استغفلناكم وأخذنا أموالكم وركبنا أكتفاكم وأصبحنا قادة وزعماء على حسابكم، وكنتم أنتم قد أطعتم النزوات والشهوات وكنتم مجرمين في قبولكم، إذ اتبعتم ما لا دليل عليه ولا منطق فيه ولا برهان يؤكده، ما ذلك إلا لطبيعتكم المجرمة التي قبلت هذا بلا دليل ولا برهان.

стр. 1508

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٣]. عاد الضعفاء وأجابوا الكبراء وقالوا لهم: ((بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا)): أي: هي أباطيلكم التي دأبتم في الليل والنهار تعلنونها وتجرونا إليها وتلبسون علينا الحقائق. والمكر: الحيل والأباطيل، أي: تحايلتم علينا بأن قلتم لنا اكفروا بالله واجعلوا له أنداداً، أي: أشباهاً مما تشركون به. قال تعالى: ((وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ)): أسر: من الأضداد، يكون معناها الجهر ويكون معناها السر، ((وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ)) أي: جهروا بالندامة، وهذا الكلام يدل على أنهم جهروا بها فأخذ بعضهم يوبخ بعضاً وكفر الأتباع بالزعامات والسيادات وتبرأ الكبراء من الصغراء، والنار قد جمعت الجميع، ولن يفيدهم ذلك هيهات! لقد أضاعوا فرصة الحياة وأضاعوا فرصة الشباب التي قال عنها في الحديث: (شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وعافيتك قبل مرضك) فهؤلاء قد تركوا الفرص كلها مدة حياتهم فما آمنوا يوماً ولا قالوا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، حتى إذا رأوا الحقائق أخذ بعضهم يشتم بعضاً وأخذ بعضهم يتبرأ من بعض؛ والكل جمعتهم النار. قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أُخذ كل كافر صغيراً وكبيراً وجُعل في أعناقهم أغلالاً من حديد سحبوا منها على وجوههم في النار وقيل لهم: امكثوا خالدين أبداً دائماً سرمداً. والأغلال: جمع غُل، وهو الحبل الذي في العنق يُسحب به إلى النار. والأعناق: جمع عنق. قوله: ((هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) أي: فلا يلومون إلا أنفسهم هم الذين أشركوا بالله وكفروا بالله في دار الدنيا، كذّبوا أنبياءهم، كذّبوا كتب ربهم، ووقعوا فيما كانوا به يكذّبون، فلعن بعضهم بعضاً وتبرأ بعضهم من بعض، وأحاطت الملائكة بالتابع والمتبوع فجعلوا الأغلال في أعناقهم وسحبوهم منها إلى النار، وهل جزاء الكافر المشرك الظالم لنفسه إلا أن يعذّب عذاباً أبداً سرمداً. جاء الأنبياء بهذا يعلمون ويبلغون وينذرون الكافرين ويبشّرون المؤمنين، ولكن هؤلاء أبوا في إصرار وتحدوا وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١] أي: لا يؤمنون بكتاب سماوي البتة، فكما كفروا بالتوراة والإنجيل من قبل كفروا بالقرآن بعد ولم يؤمنوا برسالة سماوية ولا بكتاب من عند الله، وإذا بالدنيا تذهب ثم تأتي ملائكة الموت فرأوا الحقائق التي كانوا ينكرونها، فيجرون بالسلاسل في الأعناق، وذلك جزاء الكافرين.

стр. 1509

تفسير سورة سبأ [٣٤ - ٣٨] ليست الكرامة بالمال ولا بالجمال ولا بالحسب والنسب، وليس مقام الخلق عند الله بالآباء والأجداد وما يملكه الناس، لكن بالتقوى، إلا أن سخافة عقول المشركين تجعلهم يقولون: (نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين).

стр. 1510

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها) قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ:٣٤]. ((وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ)) أي: من رسول ينذر بيوم العذاب ويخوّف ويتوعد بيوم العقاب؛ فهذا الرسول ما كاد يظهر إلا قال مترفو القرية: ((إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)) يبادرون بالجحود.
следующие страницы →