Полный текст (2 442 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تفسير سورة مريم [٧٣ - ٨٤]
إن الله تعالى يزيد من اهتدى وسعى في الخير خيراً ويوفقه إلى الصالحات، ومن تنكب طريق الخير واتبع الشر فإن الله يمد له في الشر حتى يستدرجه، ولا يبقى إلا الأعمال الصالحة التي تنفع العبد في الدنيا والآخرة، وغير ذلك يضمحل ويفنى.
стр. 177
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣].
ينزل الله ﷻ آياته البينات ومعجزاته الواضحات وعلامات قدرته على الخلق، والإيجاد مما لا يستطيعه إلا هو ﷻ وعز مقامه، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [مريم:٧٣] أي: إذا تتلى على الناس قصص الأنبياء، وقدرات الله تعالى على الخلق والإيجاد بما يعجز عنه الناس.
قوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ [مريم:٧٣] أي: واضحات معروفات لا ينكرها إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر، فعندما يحدث ذلك في دار الدنيا يقول الذين كفروا للذين آمنوا: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] أي: فريق الكفر وفريق الإيمان أيهما أحسن مقاماً؟ والمقام: هو المنزل، والندي: هو المجلس، فهؤلاء السخفاء يظنون أنهم الأفضل؛ لأنهم أغنى من المؤمنين، وأكثر رفاهية، وأوسع دوراً، وأعظم قصوراً، وأحسن مجلساً، وأما الفقير المسكين فقد قال ﷺ : (رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره)، فهؤلاء الطغاة والأغنياء والعتاة والمرفهون يجلسون مجالسهم في دار الدنيا بالحرام وأكل السحت، وأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً في الأرض، ويقولون للمؤمنين: انظروا أينا خير مقاماً؟ أنحن في بهاء وجوهنا، وجمال قصورنا، وسعة مرافقها؟ أم أنتم في ضيق عيشكم ومساكنكم التي لا تكاد تظلكم ولا تكاد تئويكم؟ ويقال عن المجلس: النادي.
وكان قصي جد النبي ﷺ قد بنى مجلساً وأسسه في مكان الصفا والمروة، وكان يجلس فيه مع كبار قريش والعرب عندما يفدون للعمرة أو الحج إلى مكة المكرمة، وكانت تسمى دار الندوة إلى أن أدخلت في المسجد، فكان نادي حفيده المصطفى ﷺ أعلى شأناً من ناديه، فقد كان نادي قصي في شئون الدنيا، وكان نادي رسول الله بيت الله الحرام وبيوت الله بنيت للقيام فيها والركوع والطواف والسعي، والقيام بكل خير لصالح الإسلام والمسلمين، فضم النادي الأول إلى النادي الجديد وأصبح جزءاً من بيت الله الحرام.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] يعني: أي الفريقين أعلى منزلة: فريقهم الكافر، أو فريق المؤمنين الصالح؟ وهكذا ضحكوا على أنفسهم، واستدرجوا بذلك استدراجاً، ومن الذي ملكهم إياه ونفعهم به؟ فبدلاً من أن يجعلوه سبباً للشكر والإيمان والحمد على النعم جعلوه زيادة في الكفر والمعصية.
ويسخر الله منهم ويقول: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم:٧٤].
فهؤلاء السخفاء قد سبق قبلهم من الأمم الضالة والعشائر الكافرة من كانوا أقوى سلطاناً، وأعظم مكاناً وقصوراً، وأوسع مرافق، وأجمل ندياً، ومع ذلك عندما كفروا وطغوا عاقبهم الله ﷻ بالهلاك والدمار واللعنة والغضب، ونزع عنهم كل ذلك، وأورثه الذين جاءوا بعدهم من المؤمنين والمؤمنات، وعوضهم عن كل ذلك السعير والنار الدائمة المقيمة، ولعنة الله المحيطة بهم من كل جانب.
قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم:٧٤] القرن يطلق على الزمان وعلى أهله، فيطلق على الفئة التي عاشت خلال مائة عام، والعصر الذي دام مائة عام، والكلمتان متلازمتين، فلا يأتي زمن إلا وله أهله، والزمن ملازماً لحياتهم ووجودهم، فالمآل واحد.
قال تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم:٧٤] أي: أحسن رئاسةً ولباساً وزينة وفرشاً، فهم أحسن في كل ما يزين القصور ويعلي شأنها أمام أهل الدنيا، فهؤلاء لا يعبدون إلا الدينار والدرهم.
الرئي: المرأى، أي: أحسن جمالاً ورؤية وصباحة وأشب أجساماً، وأطول قامات.
стр. 178
تفسير قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً)
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم:٧٥].
يذكر تعالى هؤلاء الذين ما زادتهم الموعظة إلا كفراً، وما زادتهم دعوة الأنبياء إلا فراراً، وما زادهم حرص الأنبياء والعلماء على هدايتهم وصلاحهم إلا عناداً وكفراً.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ﴾ [مريم:٧٥] قل يا محمد: إن هؤلاء الذين عاشوا في الضلالة والشرك والعصيان والخروج عن طاعة الله سيستدرجهم الله من حيث لا يعلمون، ويمد لهم الرحمن في الضلالة، بحيث يزيد أموالهم وجاههم وسلطانهم فيزدادون بها كفراً وطغياناً وصداً عن الله، وما ذلك إلا استدراج لهم للعذاب الأليم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥] أي: يمد له من الحياة والصحة والشباب ومن الجاه والمال والسلطان.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [مريم:٧٥] أي: حتى إذا وقعوا فيما أوعدهم به أنبياؤهم وعلماؤهم، قال: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ [مريم:٧٥] أي: إما عذاب الدنيا من نصر المؤمنين وأسر الكافرين واستعبادهم، وغنم أموالهم وتحقيرهم، وهو عذاب الدنيا على يد عباد الله الصالحين.
وإما أن يمد الله لهم إلى أن يموتوا فيحشرون، وإذا بهم يعيشون في واقع القيامة، فيكون عذاب الله أشد وأنكى من عذاب المحشر وعذاب الويل في جهنم، وشرب القيح والصديد وما يخرج من فروج الزواني في النار والسعير، فيصرخون ويندمون ولات حين مندم.
قال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم:٧٥].
وقد كانوا في الدنيا من قبل يتيهون بجمالهم وكثرة قصورهم وأموالهم، وكثرة جندهم وجاههم وسلطانهم، فعندما يكونون بين يدي العذاب الأليم فسيعلمون الحقيقة إذ ذاك، فقوله: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [مريم:٧٥] أي: من هو الأشر والأقبح ألمؤمنون أم الكافرون؟ قوله: ﴿وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم:٧٥] أي: ومن جنده أذل وأضعف سلطاناً وأقل شأناً وأكثر هواناً، فلا يكادون ينفعون مواليهم لا بنقير ولا بقطمير، بل يزدادون عليهم لعنة وشتيمةً وتحقيراً.
стр. 179
تفسير قوله تعالى: (ويزيد الله الذي اهتدوا هدى)
قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦].
أي: كما زاد الله هؤلاء الكافرين استدراجاً للعذاب، فاستدرجهم نكايةً بهم وتأديباً ليكونوا مثلاً للآتين، كذلك يزيد أهل الصلاح والفلاح إيماناً، قال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] أي: الذين اتقوا الفواحش والمعاصي، والتقوى والطاعة: فعل أوامر الله ورسوله، وترك نواهي الله ورسوله.
فقوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] أي: صلاحاً وعافيةً وتقىً واستمساكاً بالدين وكثرة طاعات وبعداً عن المعصيات، قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) أي: الهداية بالباقيات الصالحات، قوله: (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا) أي: أكثر ثواباً من غيرها عند الله في دار الدنيا والآخرة، فتسجلها الملائكة وترفعها لله ﷻ ؛ ليحاسب بها ويجازي عليها، قوله: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦] أي: خير مردود، ومردودها: ربحها من الأجر والثواب وكثرة الرضا والرحمات.
стр. 180
معنى الباقيات الصالحات
قال الجمهور: الباقيات مأخوذة من لفظها، أي: الصالحات الدائمات، فصالح المال ينتهي، وصالح اللباس ينتهي، وصالح السكن ينتهي، وصالح الجاه ينتهي، أما صالح العبادة وذكر الله قائماً وقاعداً وعلى جنب فهي الباقيات، وقد كان رسولنا ﷺ يذكر الله في كل أحواله، روي عن أبي سلمة وأبي الدرداء: أن الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي: الذكر بالتهليل والتعظيم والتسبيح والتنزيه، فهو الذكر الدائم الخالد الصالح، وهو أكثر ثواباً من غيره، والصلاة أشرف العبادات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣]، ويقول عن الذكر: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، والصلاة مشتملة على الذكر وأنواع العبادات من قيام، وقعود، وجلوس، وتلاوة قرآن، وصلاة على النبي ﷺ ، فهي عبادة جامعة.
وقال أبو الدرداء: إني لأهلل ربي وأسبحه وأعظمه وأنزهه حتى يقول الرائي والمبصر لي: مجنون، وهذا تحقيق لقوله ﷺ : (اذكر الله حتى يقال: مجنون)، ولم لا يجن الإنسان بذكر الله وقد جن البشر بالبشر، فـ مجنون ليلى جُن بـ ليلى وهي إنسانة من لحم ودم، وليست نبية ولا بنت نبي ولا صالحة، ولا بنت رجل صالح، ولكنها امرأة من عامة الناس جن بها وتاه، وضاع سنين طويلة، فكان لا يرى إلا مع الحيوانات في الفيافي والبراري، ولقد حكى أحد كبار العارفين أن ليلى بعد أن تزوجت قالت لزوجها: بلغني أن المجنون في هذا المحيط فهل تسمح لي أن أبحث عنه وأقف عند رأسه وأكلمه؟ قال: افعلي، فأخذت تبحث عنه فوجدته فقالت له: قيس! وهو لا يجيب، فقالت له: أنا ليلى، فعندما قالت ذلك رفع رأسه فصوبه وصعده ثم قال لها: إليك عني أنا مشغول بك عنك.
وفسر هذا العارف الكبير قولته هذه: أن طريق حب مجنون ليلى لـ ليلى كان طريقه لحب الله والفناء فيه؛ لأنه عندما رفع بصره إليها وجدها قد تغيرت، إذ لم تكن على الصورة المعروفة عنها منذ أكثر من عشرين عاماً، فقال لها: أنا مشغول بك عنك، فمن الذي أعطاك ذلك الجمال الذي تيمني؟ ومن الذي أزاله عنك؟ إذاً: أنا مع الذي لا يزول ولا يحول، أنا مع الله ﷻ ، وهكذا تيم المجنون في الله، وأصبح شعره في الله ﷻ .
فقوله تعالى: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] أي: ذكر الله وتسبيحه وتهليله وتمجيده، قوله: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [مريم:٧٦] أكثر ثوابا، ً وأصل خير: أخير، ولكن خير صيغتها هكذا بلا ألف، قوله: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦] أي: في مردودها الأجر والثواب، ورضا الله ورحمته بالذاكرين الموحدين المهللين المسبحين، إذ يكون أجرهم في الدرجات العلى عند الله في جناته.
стр. 181
تفسير قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا)
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم:٧٧ - ٧٩].
هذه الآيات نزلت في العاص بن وائل، فقد كان له حداد يخدمه ويصنع له الأسلحة والسيوف والدروع، وهذا الحداد هو خباب بن الأرت من دراويش الصحابة، ومن كبار العارفين بالله منهم، فجاءه ذات يوم يريد أن يقبض ما عنده من دين له لسيوف صنعها له، فقال له العاص: لا أعطيك شيئاً حتى تكفر بمحمد، فقال خباب: والله لو مت ثم بعثت ثم مت ثم بعثت فلن أكفر بمحمد، فقال العاص: فإن بعثت أنا فسأكون أكثر مالاً وولداً، فتأتيني إذ ذاك وأقاضيك، فسخر الله منه لكلامه الذي يدل على صغار عقله وشدة كفره برسل الله.
فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم:٧٧] أي: كفر بالقرآن وبقدرة الله وتوحيده، وكفر برسوله، ومع كفره قال: (لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا) إن أنا بعثت يوم القيامة، وأقسم على ذلك بلام التوكيد للقسم، وبنون التوكيد الثقيلة، فقال الله له: ﴿كَلَّا﴾ [مريم:٧٩] وهي تقال لردع ما قبلها، ولتأكيد ما بعدها، فقد ردع بها العاص بن الوائل لما تألى على الله وكذب، ومن يتألى على الله يكذبه، وجاءت (كلا) لتأكيد ما بعدها، فقال الله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم:٧٩] أي: ستسجل عليه ملائكتنا كفره وهراءه، ويؤتي بكتابه يوم القيامة فيحمله بيساره، ونمد له مداً من العمر فيستدرج وتطول حياته ويكثر ماله وجاهه استدراجاً من الله له ليزداد عذابه؛ لأن كفره ليس ككفر الجاهلين، ولكنه كفر الصادين المعرضين.
стр. 182
تفسير قوله تعالى: (ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً)
قال تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم:٨٠].
فهو يتكبر بأن عنده مالاً وولداً وطغى بذلك في دار الدنيا، فسنكون الوارثين لماله ولولده، أي: نفقره ونميت أولاده، ونجعله أبتر لا مال ولا ولد، زيادةً في الإذلال، ويكون الوارث لهما هو الخالق لهما ﷻ ، والذي قاله العاص: إن له مالاً وولداً، ويريد أن يطغى به على النبوة والرسالات، ومع ذلك سيأتينا يوم القيامة فرداً لا مال له ولا ولد، فكلنا نخرج إلى لعالم فرادى ونعود إليه فرادى: ملوكنا وخلفاؤنا وكبراؤنا وأغنياؤنا وعلماؤنا، وكل من على وجه الأرض، فكما جئنا فرادى سنعود يوم القيامة فرادى، ولن يأتي أحد بمال ولا جاه ولا سلطان، إن هو إلا الجسد العاري قد انتهى كفنه، ونقف بين يدي الله حفاةً عراة غرلاً، قالت السيدة عائشة: يا رسول الله! أينظر بعضنا لبعض ونحن مكشوفو العورات؟ قال: (هيهات يا عائشة! الأمر أعظم من ذلك).
стр. 183
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً)
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٢].
يقول تعالى عن هؤلاء الكفار: سيكفرون يوم القيامة بعبادتهم، أي: المعبودون من الشياطين والإنس والملائكة والأحجار والأوثان كلهم سيتبرءون من هؤلاء العابدين، فيقولون: ما أمرناهم ولا طلبناهم ولسنا لأحد بآلهة، إنما نحن خلق الله وصنعه.
فقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم:٨١] أي: أشركوا بالله في دار الدنيا، فمنهم من عبد الملائكة، ومن عبد الجن، ومن عبد الإنس، ومن عبد الحجارة، وكلُّ عبد ما شاء له هواه واتخذ إلهاً له.
قوله: ﴿ليَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم:٨١] أي: أرادوا أن يعتزوا بهم، وأن يأخذوا بهم سلطاناً، وأن يتعاظموا بهم على خلق الله وهيهات، إن هي إلا عقول أضلها بارئها، والشرك لا يحفظ للإنسان عقلاً؛ لأنهم عبدوا حجارة وخلقاً لا يضرون أنفسهم ولا ينفعونها، فكيف يريدون منها الاعتزاز؟! قال تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨٢] أي: سيكفرون يوم القيامة بعبادتهم، فيقولون لهم: ما طلبناكم في عبادة ولا كلفناكم بعبادة، ولسنا المعبودين، فالمعبود هو الله الخالق وحده، ونحن عباد من عباده، فقد أكرمنا سبحانه بالتوحيد، فكوننا نطلب أن يعبدنا أحد فهيهات هيهات، فتلك افتراءاتكم وأكاذيبكم وخزعبلاتكم ما أنزل الله بها من سلطان.
قال تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨٢] أي: ويكون هؤلاء المعبودون من دون الله أضدادهم وأعداءهم وخصومهم المحاربين لهم المشوهين سيرتهم، وهكذا يوم القيامة يبين الله الحقائق بعد أن أنكر هؤلاء الكفار الإيمان بالغيب، ورسالات الرسل، وكتبه سبحانه التي أنزلها على عباده المصطفين الأخيار.
стр. 184
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣].
أي: ألم تر يا محمد! أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين وهم أشد كفراً من كفار الإنس؛ لتؤزهم ولتحسن لهم كفرهم وتزين لهم ظلمهم، وليزدادوا كفراً على كفر ما داموا قد أشركوا بالله، وابتعدوا عن طاعة الله، وأبوا إلا أن يعيشوا كالحيوانات التي لا تكاد تصنع لنفسها أو لغيرها خيراً في دار الدنيا ولا في الدار الآخرة، فقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣] أي: تقلقهم وتزعجهم وتزين لهم أعمالهم وكفرهم.
قال تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] أي: يا محمد! لا تعجل على هؤلاء الكفار، فما أنذورا به واقعون فيه لا محالة، وسيعذبون في النار، وسينكر معبودوهم عبادتهم، وسينكر عبادتهم شياطينهم ويكونون أضداداً لهم، أي: أعداءً لهم، فلا يهتمون بهم بل يحتقرونهم ويقللون من شأنهم ولا يلتفتون إليهم، فقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم:٨٤] أي: فالعذاب آت لا محالة، ولكل أجل كتاب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] أي: سيبلغ الكتاب أجله بعد سنين، وستنتهي أعمارهم فيقبلون على الله هلكى، ويدخلون القبور فيأتيهم منكر ونكير محاسبين لهم ومعزرين ومعذبين؛ لما صدر عنهم من معاصٍ وآثام.
стр. 185
تفسير سورة طه [١ - ٨]
افتتح الله سورة طه بخطاب نبيه ﷺ أنه ما أنزل عليه القرآن ليشقى، ولكن تذكرة لمن يخشى، ثم ذكر سبحانه أنه لا إله إلا هو، وأنه مستو على عرشه، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وأن له سبحانه الأسماء الحسنى.
стр. 186
تفسير قوله تعالى: (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)
قال الله ﷻ : ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣].
طه: اختلف المفسرون في تفسيرها وبيانها أكثر مما اختلفوا في فواتح السور والحروف المقطعة، وقيل عنها: إنها من الحروف المقطعة الماضية، وحكمها حكمها.
وقيل: طه: يا رجل، في لغة عكل وذبيان.
وقيل: يا إنسان.
وقيل: بأن النبي ﷺ عندما نزل عليه الوحي وأكرم بالنبوءة بالغ في العبادة حتى كان يقوم الليل كله، فاضطر بأن يراوح بين قدميه، ويقف على رجل ويرفع أخرى، كما روى عياض ذلك في الشفاء فقال الله له: ﴿طه﴾ [طه:١].
أي: طأ الأرض بقدميك، ولا تتعب نفسك، فلم ينزل عليك القرآن لشقاء ولا عناء ولا تعب.
وروي: بأن طه اسم من أسماء الله ﷻ .
وروي: أنه اسم من أسماء السورة.
وروي أنه اسم من أسماء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله.
وروي عنه ﷺ أنه قال: (أنا عند ربي قد سميت بعشرة أسماء، فذكر منها طه وياسين).
وكما سبق أن قلنا: لا يمكن البت والقطع بمعنى من هذه المعاني؛ لأننا لم نرو حديثاً صحيحاً في ذلك نعتمده ونلغي جميع الروايات، ولم يحصل لنا إجماع من الصحابة أو ممن جاء بعدهم، فنحن نلقي كل ذلك، ونقول: يحتمل المعنى أن يكون واحداً من هذه المعاني.
﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢]: أي: لم ننزل عليك يا محمد هذا القرآن لتتعب به وتشقى منه، وقد قالت له كفار قريش عندما رأوا عناءه وتعبه وما يدخله على نفسه من مشقة السهر والقيام عابداً وقائماً وساجداً وراكعاً، قالوا له: لقد شقيت بهذا الكتاب يا محمد، فكذبهم الله وقال لنبيه: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢].
فلم يكن القرآن للشقاء لا لك ولا لأتباعك، بل كان للهناءة والراحة، والهداية والصلاح، ولسعادة الدنيا والآخرة، ولا يقلب من ذاك إلى غيره إلا إذا كان القارئ غير مسلم، أو مسلماً ناقصاً، كما ورد عنه ﷺ أنه يقول: (رُبَّ قارئ يقرأ القرآن والقرآن يلعنه).
فالقرآن يلعن الكاذبين، ويلعن الفاسقين، ويلعن الظالمين والكافرين.
قوله: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣].
استثناء منقطع من غير جنس الأول، أي: ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة لمن يخشى الله والدار الآخرة، وما أنزلناه إلا عظة لمن يخاف الله، ويخاف عذابه ويخاف نقمته، وهو على ذلك ما أنزل إلا أمانة، وما أنزل إلا سعادة، وما أنزل إلا راحة، وليس كما زعم هؤلاء.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وفي معجم الطبراني عن ثعلبة بن الحكم أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله ﷻ للعلماء يوم القيامة عندما يستوي على الكرسي للقضاء بين الخلائق: ما أعطيتكم من علمي ومن حكمتي إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي).
قال الحافظ ابن كثير المفسر الجليل: هو حديث، جيد السند متصل الرواية، وثعلبة بن الحكم صحابي جليل ترجم له في كتب الصحابة.
قوله: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣].
أي: ولكننا أنزلناه تذكيراً وتذكراً، وتفسيراً وتمعناً لمن يخشى الله والدار الآخرة، ويحسب حساب ما بعد الموت.
стр. 187
تفسير قوله تعالى: (تنزيلاً ممن خلق الأرض والسموات العلى)
قال الله تعالى: ﴿تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى﴾ [طه:٤].
(تنزيلاً) بدل من (تذكرة).
أنزله الله ﷻ على خاتم الأنبياء سيدنا محمد ﷺ ليكون خاتم كتب السماء، وليكون كتاب الحياة وكتاب الممات، وكتاب العظة والدرس، وكتاب الحكم والسلوك، كتاب ما يحيون من أجله، ويحيون له، وما يموتون على سلوكه والأدب معه.
﴿تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى﴾ [طه:٤].
والذي خلقها هو الله ﷻ ، والذي أنزل القرآن على عبده ونبيه ﷺ هو الله ﷻ ، فمنزل القرآن هو خالق الأرض وخالق السموات السبع.
والعلى جمع عالية، وهي عالية بالنسبة لمن في الأرض، والأرض سافلة بالنسبة لمن في السماء، والكل خلق الله، والكل من أمر الله، والكل تحت جلال الله وتدبيره.
ولن يقدر على إنزاله، وعلى الوحي به إلا من قدر على خلق السموات السبع العلى، وخلق الأرضين السبع السافلة، وأوحى بالكتاب لنبينا ﵊.
стр. 188
تفسير قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)
قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
الرحمن هو الله ﷻ ، وهو من الأسماء التي لا يليق أن يسمى بها إلا هو ﷻ ، قد نسمي مالكاً، ونسمي عزيزاً، ونسمي رءوفاً، ويكون ذلك مجازاً، ولكن اسم الجلالة الله واسم الجلالة الرحمن من خواص أسماء الله ﷻ ، لا يسمى بهما غيره، ولا يليقان بسواه.
وما العرش؟ وما الاستواء؟ العرش: خلق من خلق الله، كما في الصحاح والأحاديث المتواترة، يقول ﷻ : (ما السموات العلى وما الأرضون السفلى أمام عظمة العرش إلا كحلقة ملقاة في صحراء من الأرض أو في فلاة من الأرض).
لا يعلم عظمه، ولا يعلم كبره، ولا يعلم كم يصل إلا خالقه ﷻ ، وقد فسر هذه الآية سلف وخلف.
أما الخلف: فزعموا أنهم يريدون بذلك أن يخضعوا قواعد التوحيد إلى الفلسفة اليونانية وإلى مذاهب علم الكلام من الأشعرية والماتريدية والمعتزلة وما إلى ذلك، فقالوا كلاماً عند فهمه وتحقيقه نخرج بأنا لا نعلم أين الله، فهم يقولون: لا في السماء ولا في الأرض، ولا خارجاً عنها، ولا داخلاً فيها، لأن كل شيء من ذلك إذا قلناه قلنا بالحيز، وذلك من صفات المخلوق.
فقلنا لهم: ما حملكم على ذلك، ألا يكفيكم ما جاء عن الله، وعن رسول الله، فنثبته كما جاء ونؤمن به كما أنزل وكما فسره ﷺ ؟ ويقولون عن تفسير السلف: رأي الخلف أعلم، ورأي السلف أسلم.
ونحن نقول: رأي السلف في هذا أعلم وأسلم معاً، أسلم لأننا نروي فيه آيات، ونروي فيه أحاديث، وما كان الاستدلال عليه بقال الله قال رسوله كان أعلم بالقطع واليقين، وما كان فيه آية كريمة وحديث نبوي صحيح كان أسلم عاقبة، وأسلم مسئولية، أمام السؤال في القبر، وأمام سؤال الله يوم الحشر، ويوم العرض عليه ﷻ .
ومن هنا عندما يقال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ونقول: إن هناك رأيين وتفسيرين أحدهما: وصفه بالأعلم، والثاني: وصفه بالأسلم، نقول نحن: الرأي الذي فسره السلف أسلم عاقبة، وهو أعلم دليلاً وبرهاناً.
وقد سئل الإمام مالك ﵀ وهو في المسجد النبوي: يا أبا عبد الله! ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]؟ فأطرق ملياً وفكر برهة ثم التفت إلى السائل قائلاً: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، يا شرطي أخرج هذا من مسجد رسول الله.
فاعتبره من المفسدين! وذلك لأن السلف لم يدققوا في هذا فقد فهموه بلغته العربية، وبالدلالة عليه عندما حصروا المعنى في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، فقالوا: لا شبيه له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما ورد مما يشبه ذلك أو يتشابه فالله أعلم بحقيقته، وليس معناه على ظاهره، إذ الله ﷻ لا يستوي استواء خلقه، ولا يجلس جلوس خلقه، ولكننا نقول كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، ونعتبر التدقيق في ذلك والنبش عليه من بدع علماء الكلام.
ومن هنا كان السلف الصالح يكرهون علم الكلام، وقالوا: علم الكلام كلام بلا دليل، كلام بفلسفة تشبه الفلسفة اليونانية التي تعدم الحجة والدليل من قال الله وقال رسوله، ومن هنا كتب ابن تيمية كتاباً يذم فيه علم الكلام، وينفر عنه، وكتب بعده بأكثر من قرن السيوطي كتاباً زيفه وقبحه ونفر عنه، وكلا الكتابين مطبوعان منتشران.
والقرآن منه متشابه وغير متشابه، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧].
وكقاعدة عامة سلفاً وخلفاً: لا نكاد نجد طائفة ضالة مبتدعة إلا وتحتج على بدعتها بالآيات المتشابهات، وقد قال لنا نبينا ﷺ : (إذا رأيتم من يتبع المتشابه فذلك الذي حذر الله منه).
خاصة إذا كان الاهتمام بالمتشابه قبل الاهتمام بالمحكم من الحلال والحرام، ومن القصص ومن ذكر الأنبياء، ومن ذكر الدنيا والآخرة، ومن ذكر الجنة والنار، ومن ذكر ما جرى على الضالين المكذبين، وما سيجري على الصادقين المتقين الأخيار من عباده.
стр. 189
تفسير قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض)
قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦].
الله ﷻ الذي وصف ذاته العلية بأنه على العرش استوى ذكر أن له السموات السبع والأرضين السبع، وما بين السموات والأرضين، وما بين كل سماء وسماء، وما بين كل أرض وأرض، ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦].
يقول ﷺ عن السموات: (ما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام) ولم يحدد لنا هل هي من تقدير سنوات الأرض، أو مما قال الله عنه في كتابه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، أو كخمسين ألف سنة كما في مقدار العروج إليه، وبما أنه لم يفصل فإننا نمر ذلك كما ورد ونقول: الخمسمائة عام يحتمل أن تكون خمسمائة ألف عام، ويحتمل أن يكون اليوم بخمسين ألف سنة.
وما بين سمك بداية السماء ونهايتها خمسمائة عام كذلك، والأرض التي نراها وما تحتها، وما نراه من المجرات والنجوم التي لا حصر لها هي ما بين السماء والأرض، فهي خلق الله، وتحت أمر الله وجلال الله.
والثرى: التراب الندي، كالتراب الذي يصيبه طل وندى، وبهذا المعنى ورد في مسند أبي يعلى عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ عندما قفل من غزوة تبوك، وكان الوقت وقت حرارة شديدة، ففرق الناس وحداناً وجماعات، يقول جابر بن عبد الله: (كنت مع فرقة بين ثلاثة وأربعة، وإذا برجل يمر علينا ويقول: أفيكم محمد؟ قال: فيذهب رفاقي وأبقى أنا واقفاً، وأقول له: هو ذاك محمد الراكب الجمل الأحمر، فوقف ينتظر، فجاء ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وهو على جمله الأحمر، مقنع بثوبه من حرارة الشمس، فتقدم هذا الرجل السائل عنه وقال له: أأنت محمد؟ قال: نعم.
أنا محمد، وما تريد؟ قال: أريد أن أسألك أسئلة تجيبني عنها؟ قال: سل عما بدا لك.
فأخذ يسأل: أينام الأنبياء؟ قال: تنام عيونهم ولا تنام قلوبهم.
قال: مم يكون الشبه في الأولاد بين الآباء والأمهات؟ قال: للرجل ماء أبيض غليظ، وللمرأة ماء رقيق أصفر، متى امتزج الماءان وغلب أحدهما على الآخر كان الشبه.
قال: ما للولد من الأب وما له من الأم؟ قال: له من الأب العظام والعصب والعروق، وله من الأم اللحم والدم والشعور.
ثم قال له: ما هذه الأرض وما الذي تحتها؟ قال: خلق من خلق الله.
قال: وماذا تحتهم؟ قال: أرض.
قال: وما تحت الأرض؟ قال: الظلمة.
قال: وما تحت الظلمة؟ قال: ماء.
قال: وما تحت الماء؟ قال: الثرى.
قال: وما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله ﷺ دمعاً وقال: هنا انقطعت علوم الخلائق إلى علم الخالق، وما المسئول أعلم من السائل، وإذا به لم ير، فقال للحاضرين ﷺ : ذلك جبريل).
هذا الحديث استغربه ابن كثير، واستغربه يحيى بن معين وقالا: إن فيه علة لأنه من رواية القاسم بن عبد الرحمن وقد تفرد به، ولا يحتمل تفرده بمثل هذه الأحاديث؛ ولكنه على أي حال أقرب لتفسير الثرى المذكور في الآية، ومجموع الآثار الواردة في ذلك من أحاديث وإسرائيليات فيها ما يشبه هذا المعنى، وأن بعد الثرى ثور، وبعد الثور نوناً، والنون كذا كذا في عظمه.
أما هذا الحديث فمتصل السند معروف الرجال، وكون القاسم لم يحتمل لكنه يستأنس به في تفسير الثرى من الآية، ولا يغير لنا حكماً، ولا يغير لنا قاعدة في علم التوحيد وتفسير كتاب الله.
стр. 190
تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧].
أي: يا أيها الإنسان قد علم الله بحالك، وعلم بقولك، سواء جهرت به وأعلنته أم أسررته، أم كان أخفى من السر، فهو في علمه سواء.
والسر: هو ما أسررت في نفسك، ولم ينطق به لسانك.
وأخفى منه ما سيكون غداً أو بعد غد مما لا يعلمه إلا الله ولم تحدث به نفسك بعد، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً.
ولما كان الأمر كذلك فأنت لم تتحدث بعد بما غاب عنك، وبما لا يعلمه إلا الله.
стр. 191
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨].
القرآن كله مبني على هذه الكلمة العظيمة كلمة التوحيد فهذه الكلمة الجليلة قامت عليها السموات والأرضون وما بينهن، وهذه الكلمة هي التي أرسل الله من أجلها رسله وأنبياءه؛ ليعلموا خلقه أن لا إله إلا هو ولا خالق غيره، ولا رازق سواه، ولا مدبر للخلق إلا هو ﷻ ، وهذا أكد في القرآن في غير ما سورة، والشيء إذا تكرر تقرر حتى يصبح ضبطاً ملزماً، وقضاءً مبرماً.
وإلى كلمة (لا إله إلا الله) دعت الأنبياء منذ آدم أبي البشر إلى خاتمهم نبينا ﷺ ، وما اختلفوا في هذا، وإنما تختلف الشرائع والأحكام وأنواع العبادات، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
وقال ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء أبناء علات، أبونا واحد وأمهاتنا شتى) والعلات هن الضرائر، بمعنى: أن شريعة الله لنا في الدعوة إليه، ولوحدانيته ولعبادته وحده لم نختلف فيها، ولكن شرائعنا وطرقنا متعددة، وكلها موصلة إلى الله.
وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [طه:٨]: أي: الله ﷻ الذي انفرد بهذا الاسم العلي علماً على ذاته العلية، لا إله غيره، ولا رب سواه، انفرد بالخلق وبالرزق وبالتدبير، لا ثاني له في صفة ولا ذات ولا أفعال، فالكل لله ومن الله ﷻ ، فلم يحتج إلى معين، ولا مساعد، ولا شريك، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً.
قوله تعالى: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨].
أي: أن الله واحد، والأسماء التي ندعوه بها، ونضرع إليه بها، ونتعبده بها كثيرة وقد ذكر بعضها في كتابه، وكلها حسنى، والحسنى مؤنث الأحسن، وقد مضت هذه الآية مفسرة في السور الماضية، ونعيد ملخص ذلك بقوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة).
وكلها أسماء حسنى، وقد أمرنا أن ندعوه بها؛ ليستجيب لنا ربنا ﷻ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠].
стр. 192
تفسير سورة طه [٩ - ١٤]
كان أول أمر موسى حين بدأه الوحي أنه لما عاد من مدين ومعه أهله قد رأى في الطريق ناراً، وذلك في طور سيناء، فأراد أن يقتبس من النار ما يستدفئ به، وإذا بربه يناديه ويصطفيه بالرسالة.
стр. 193
تفسير قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)
стр. 194
معنى قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩].
هنا كان المدخل لقصة موسى وكيف بدأه الوحي، وكيف اختاره الله لكلامه حتى صار كليم الله، أي: كلمه الله ﷻ ، فقال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩].
هل: استفهام تقريري، أي: وقد علمت ذلك وتقرر عندك، وتأكد علمه لك، وعلى ذلك فموسى فيما علمت وأوحي إليك نبي صادق، ومن أولي العزم الخمسة من بين الرسل، وهذه قصة بدء نبوءته وبدء الوحي له.
فقوله: ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه:٩]: أي: قصة موسى وما حدث بينه وبين ربه.
стр. 195
قصة بدء الوحي لسيدنا موسى ﵇
قال تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠]: وبيان ذلك: أن موسى بعد أن قتل الذي قتل من قوم فرعون نصرة لبعض قومه من بني إسرائيل، جاء بعض قومه في مصر فحذره قائلاً: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠] أي: كانوا يريدون قتله والثأر منه، فخرج موسى من مصر خائفاً يترقب الجواسيس الذين يتبعونه، ولما وصل ماء مدين وجد قوماً يستقون من بئر في ازدحام كبير، ووجد بعيداً من السقي امرأتين تدفعان غنمهما، ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣].
أي: نحن ضعيفات لا نحتمل الزحام، ولا يليق بنا ونحن نساء أن نزاحم الرجال، بل ننتظر إلى أن يذهب هؤلاء الأقوام الأقوياء فنسقي.
وكان موسى قوياً شديد الشكيمة شاباً كامل الرجولة، فسقى لهما، وأوى إلى الظل، فجاءتا أباهما قبل وقتهما المعروف بزمن، فتساءل: ماذا حدث؟ فأخبرت بقصة الرجل الذي سقى لهما، وأنه قوي أمين؛ لأنه جاء إلى الصخرة التي يحملها عشرة من الناس وحملها بمفرده.
وأما أمانته فإنه لما كان ذاهباً إلى شعيب كانت البنت أمامه تدله على الطريق، وكانت الريح تتلاعب بثوبها، وتحدد بدنها، فقال: تأخري، ودليني على الطريق برمي حصاة، فتلك أمانته.
فلما أوى إلى الظل قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤].
وكان جائعاً متعباً خائفاً، فلما وصل إلى شعيب قال له: بلغت الأمان فلا خوف عليك، فإنه لا حكم لفرعون في هذه الأرض، ودعا له بالطعام وبالشراب، ثم عرض عليه أن ينكحه إحدى ابنتيه على أن يأجره ثماني حجج، أي: ثمان سنوات، ثم طمع فيه وقال: وإن أتممتها عشراً فمن عندك.
وسئل ﷺ : (ما الذي فعل موسى مع شعيب؟ قال: فعل معه الأكرم والأوفى) أي: خدمه عشر سنين.
ولما تمت العشر أخذ زوجته، وكان لا يخرج بها إلا في الليل؛ لشدة غيرته كي لا يراها أحد، وكانت حاملاً في شهرها التاسع، وكان البرد شديداً، وكان هذا عند طور سيناء، وتلك البلاد شديدة البرد كثيرة الثلج، فأخذها وقد ابتعد عن الطريق حتى لا تقع عليها عين، وإذا به يشعر أنه قد ضل الطريق، وهو يريد أن يعود لمصر ليزور أمه وأخته اللتين ابتعد عنهما عشر سنوات كاملة، وبينما هو في هذه الحيرة إذا به يبصر من بعيد ناراً في الجانب الأيمن من جبل الطور.
стр. 196
معنى قوله تعالى: (إذ رأى ناراً فقال لأهله امكثوا)
قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ [طه:٩ - ١٠] كانت معه زوجته فقال لها: أقيمي وانتظريني، ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه:١٠] أي: أبصرت ناراً، وهو يريد ناراً ليصطلي ويدفأ بها مع زوجته.
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه:١٠] والقبس من النار جذوة كما عبر عنها في آية أخرى، وهي قطعة من جمر تؤخذ فتشعل لإيقاد نار أخرى، وأخذ ورقاً من الأرض يابسة يريد أن يشعلها، وعندما أتاها رأى عجباً؛ رأى شجرة سمر خضراء شديدة الخضرة والنار محيطة بها، وكانت النار على غاية ما يكون من الصفاء، كاللون الأبيض، فرأى أنه لا الشجرة احترقت، ولا النار تأثرت بماء الشجرة وخضرتها، وإذا به يدرك بعد ذلك أن هذه النار نور وليست ناراً، فهي نور الله ﷻ الذي تجلى للجبل فجعله دكاً وخر موسى صعقاً، والذي كلم الله منه كليمه موسى صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا.
وبهذا قال جمع من الصحابة والتابعين، أي: أنها نور وليست بنار، وإنما كانت ناراً في ظن موسى، ولكن الحسن البصري كان يقسم ما هي بالنور، وإنما هي نار، ومن حجب الله التي احتجب بها النار، ولو كشف عنها لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه البصر من خلقه.
وقد قيل للنبي ﵊: (هل رأيت ربك عندما أسري بك إليه؟ قال: نور أنى أراه).
قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠].
ففهمنا من (قبس): أنه كان في برد شديد، والوقت وقت برد شديد، فذهب ليصطلي ويأتي بجذوة من نار وقبس منها.
стр. 197
معنى قوله تعالى: (أو أجد على النار هدى)
قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠] أي: أنه ضال ضائع قد تاه عن الطريق فرجا أن يجد إنساناً هناك يهديه للطريق الذي يوصله إلى مصر، وقد كانت ولا تزال صحاري تتيه فيها القطا لا يعلم أولها من آخرها، وقد تاه قوم موسى فيها أربعين عاماً، لا يصل موسى للقدس، ولا يصل قومه في حياته للقدس، يقرب إلى مدينة أريحا على أميال منها، فيموت في أريحا ولا يدخلها، وقد قال ﵊ في قصة الإسراء: (لقد رأيت موسى يصلي على الكثيب الأحمر عند أريحا، ولو كنت هناك لأريتكم مكانه).
والذي وصل بعد أخوه هارون فقد عاش بعده، ثم خليفته على قومه يوشع بن نون.
قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠] أي: من يهديني.
стр. 198
تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى)
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١١].
أي: لما وصل إلى هذه النار، ورأى ما رأى كما ذكرنا، وإذا به يسمع اسمه ينادى به: يا موسى، يا موسى! فقال: من يناديني فإني أسمع الصوت ولا أرى المنادي؟ فقال: أنا فوقك، وأنا معك، وأنا أمامك، وأنا من خلفك، وأنا بين يديك! فقال: ذاك الله، ولا يليق هذا الوصف إلا به.
وإذا بالله يقول له: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢].
وعندما سمع النداء كان كله آذاناً صاغية منتبهاً لمن يناديه، وما الذي يراد منه، فقول الله ﷻ : ﴿أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] أي: المنادي هو الله ربك، ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢].
وورد عن النبي ﷺ أن سبب أمره من الله بخلع نعليه أن نعليه كانتا من جلد حمار ميت لم يذكَّ.
وقيل: لقدسية المكان وطهارته، ولذلك وصف الله المكان بعد ذلك: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢].
وذكر هذا بعد قوله: (اخلع نعليك) يدل على أن خلع النعلين لم يكن لأن النعلين لم تذكيا، ولا لأنهما من جلد حمار، ولكن لطهارة المكان، كما إذا دخلنا إلى جوف الكعبة يجب أن نخلع النعال.
قوله: ﴿طُوًى﴾ [طه:١٢] هو اسم الوادي، قرئ: (طوىً) بالتنوين (وطوى) بلا تنوين على أنه ممنوع من الصرف؛ لأنه معدول عن (طاو)، كعمر عن عامر وزفر عن زافر.
стр. 199
تفسير قوله تعالى: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى)
قال تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣].
أي: أنا اصطفيتك لرسالاتي واخترتك لنبوءتي على من في عصرك ومن في زمانك، فأنت مختارهم، وأنت مصطفاهم، ولا يلزم أن يكون ذلك دائماً، فنبينا أفضل منه، وهو المصطفى والمختار، وقد قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر).
قوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣]: أي: لما سأوحيه إليك، وأكلمك وأخاطبك به.
قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤].
فكان أول ما قال له من الوحي: إنه الله الواحد لا إله إلا هو.
قوله: (فاعبدني) أي: أفردني بالعبادة ووحدني، فلا ثاني معي، ولا شريك لي، وما زعمه من زعم من أعداء الله السابقين واللاحقين كلها أكاذيب، وكلها أضاليل ما أنزل الله بها من سلطان.
قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤].
أقم الصلاة: أي: استعد لها، وجهز نفسك وأعضاءك وحواسك لذكري؛ لتكون بذلك ذاكراً لي وحدي، عابداً لي وحدي، متفرغاً لعبادتي وحدي، ولا يليق بالله الواحد أن يشرك به في شيء، لا في ذات ولا صفة ولا فعل، والنبي ﷺ قد قال عمن نسي صلاة كما في مسند أحمد والصحيحين: (من نسي صلاة فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها).
فقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] أي: إذا نسيت وقتها وغفلت عنها فصلها عندما تذكرها، وذلك وقتها، وقد رفع القلم عن الناسي حتى يذكر.
стр. 200
تفسير سورة طه [١٥ - ٢٢]
يهيئ الله رسوله موسى ﵇ للرسالة، فيخبره بأن الساعة آتية، ثم يحادثه في شأن العصا التي في يده ويأمره بإلقائها فتصير حية تلتهم كل ما تجده ثم يأخذها فإذا هي عصا، ويأمره بضم يده إلى جناحه لتخرج بيضاء من غير سوء، فهاتان معجزتان يرسل بهما موسى.
стр. 201
تفسير قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها)
قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥].
لا نزال مع ربنا ﷻ وهو يكلم موسى عند جانب الطور الأيمن، ووصلنا إلى قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] فنقول: مما أتى به الأنبياء جميعاً ولم يختلفوا فيه، بل كان دينهم في ذلك واحداً: عبوديتهم لله وحده ووحدانيته وألوهيته والصلاة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ولاشك.
وقوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥].
أكاد: من أفعال المقاربة، أي: يكاد يخفيها ﷻ حتى لا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهكذا حدث؛ (ثقلت في السموات والأرض لا يعلمها إلا هو) وكان هذا ما أنزل إلى موسى وما أنزل إلى من قبله، وهو كذلك ما حدث مع نبينا ﵊ عندما جاءه جبريل في صورة رجل فسأله: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: لست أعلمها كما أنك لا تعلمها، ولا جديد عندي عليها كما لا جديد لك عنها إلا معرفة أماراتها.
يقول هنا ﷻ في مكالمته لموسى: ﴿إَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه:١٥] أي: مقبلة لاشك فيها ولا ريب.
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥].
أي: تكاد أن تخفى على القريب والبعيد، ولا يعرفها أحد قبل ولا بعد.
وقرأ سعيد بن جبير: (أكاد أَخْفيها) أي: أظهرها، أي: آن أوانها وقرب زمانها بالنسبة لما مضى قبل، وقد جاء نبينا ﵊ وكان من علامات الساعة فقال: (بعثت أنا والساعة كهاتين)، فكان أقرب إلى الساعة وقيامها من السبابة إلى الوسطى، ولكن ما بقي من السنين لا يعلمه إلا الله، وسيبقى ذلك غيباً على كل الخلق.
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥].
فالله ﷻ قضى بقيام الساعة وبالبعث بعد الموت؛ لتجزى كل نفس بما صنعت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فيوم القيامة هو يوم الحكومة الكبرى والعرض على الله لأجل الحساب على كل ما صنعت يد الإنسان من خير أو شر، وذلك هو يوم العدل الأكبر، يوم معرفة الحق الأكبر، يوم مجازاة كل إنسان على عمله، إن خيراً فله الجنة، وإن شراً فله النار.
стр. 202
تفسير قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها)
ثم قال تعالى: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦].
الخطاب للنبي موسى ﵇ وهو خطاب للمؤمنين من أشياعه وأنصاره.
قوله: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ [طه:١٦].
أي: فإياك يا هذا المؤمن أن يصدك عنها صاد، وأن يردعك عنها رادع، أو يبعدك عنها مبعد كي لا تؤمن بوقوعها، ولا بإتيانها، بل آمن بها وبمجيئها، وإياك أن تفعل كما يفعل الكفرة الجاحدون.
وقوله: ﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ [طه:١٦]: أي: من لا يؤمن بيوم القيامة، ولا يؤمن بالبعث بعد الموت.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦].
أي: اتبع أهواءه، واتبع وساوسه، واتبع فساده، فلم يؤمن بالأنبياء ولا بالكتب المنزلة عليهم، فصدوا عن الحق، وابتعدوا عنه، فإن أنت فعلت ترد فتهلك وتخسر وتكون من أصحاب النار.
стр. 203
تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى)
قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧].
المكالمة بين الله وبين عبده ورسوله موسى كانت طويلة، وفيها ذكر الأحكام والتوحيد والعبادة والحض على الطاعة وغيرها من علم يوم القيامة وأنه آت لا محالة، وفيها هذه الفقرة: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧].
وهي مؤانسة من الله لنبيه موسى، ثم هي من المعجزات التي سيبعث بها إلى فرعون وهامان وقارون وبني إسرائيل، فابتدأ يسأله ويستفهمه استفهاماً تقريرياً: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧].
أي: ما التي تحمل يدك اليمنى؟ وكان يعلم أن موسى يعلم أنه يحمل عصا، ولكنه يريد منه أن يتأكد بأن هذه عصاً وبأنها جماد لا يتحرك، ولكنها بتلك الحالة ستنقلب إلى حية تسعى معجزة كبرى له مع فرعون، ولذا قال: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ [طه:١٨].
والله يريد منه أن يقر بأنها عصاً وأنها ليست حية، وبأنها ليست شيئاً زائداً عن كونها جماداً لا يتحرك ولا روح فيه، ليعلم موسى أنها معجزته، وأنها الخارقة للعادة، وأنه بها سيرسل إلى فرعون.
стр. 204
تفسير قوله تعالى: (قال هي عصاي أتوكأ عليها)
قال تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨].
كان
السؤال
ما هي هذه؟ وكان يكفي أن يقول: هي عصاي.
أي: هي عصا أملكها وليست عارية، ولكن موسى كان حريصاً على إطالة مكالمة ربه والبسط معه فلم يكتف بقوله: إنها عصاً، بل أخذ يقص على ربه ﷻ فوائدها وما يصنع بها فقال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨].
ومن هنا نعلم أن المسئول إذا أجاب أحياناً عن أكثر مما سئل عنه سواء كان تلميذاً، أو معلماً متبوعاً، وأن ذلك إن كان لحكمة ولسبب وعلة، فلا مانع منه.
قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٨].
الاتكاء: الاعتماد، بمعنى: أنه يعتمد عليها في سفره، وفي سيره، وفي أعماله، ويتخذها رجلاً ثالثة يستعين بها على السير، ويستعين بها على الإسراع، ويستعين بها على الحركة.
﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨].
ومن المعلوم أن موسى آجره شعيب على مصاهرته بأن يرعى له شياهاً ثمان سنوات، وإن أتم عشراً فبفضل منه، فكان يهش بها على الغنم، والهش على الغنم أن يأتي إلى الأشجار عندما تيبس أوراقها فيضرب الغصن ضرباً خفيفاً لتتحات تلك الأوراق وتسقط للغنم فترعاها في وقت القحط والجدب.
وهذه العصا كانت ذات لسانين وكان لها تعكيف يعتمد عليها، وكانت تصلح له حيث قال بعد ذلك: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨].
مآرب: جمع مأرب، أي: أشغال وأعمال أخرى، ومنها: أنه يحملها على عاتقه، ويضع القفة عند تعكيفها ولسانيها كما يفعل الناس ذلك عادة، ويضربها في الأرض ويضرب عليها خيمة من هنا ومن هنا، فيستظل بها من حر الشمس ووهجها، ويستعين بها على الدفاع والكفاح إن خرج له عدو إنسي أو حيواني، فيضربه بها، فينتصر بها عليه.
والمآرب لا تقف ولا تنتهي، وهناك روايات إسرائيلية أنها كانت تضيء، وكانت تكلمه، وكانت وكانت، وهذه أشياء لم يأت وقتها بعد، وموسى لم يرسل بعد، ولم ير معجزة بعد، ولو كان معتاداً ذلك من عصاه لما خاف منها عندما انقلبت حية، ولما ولى هارباً.
стр. 205
تفسير قوله تعالى: (قال ألقها يا موسى)
قال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه:١٩].
قال الله له ذلك ليريه المعجزة، وليريه هذه العصا وما يمكن أن تصنع.
﴿فَأَلْقَاهَا﴾ [طه:٢٠].
يظهر هنا أنها كانت في يده، ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] أي: ما كاد يلقيها حتى انقلبت حية ساعية، تلتقم الحجارة وتلتقم ما تجده في طريقها، وفي بعض الآيات أنها انقلبت ثعباناً، والثعبان أعظم ما يكون، فهي ابتدأت صغيرة وتمت كبيرة، وإذا بموسى يخاف ويفر، فناداه ربه: ﴿قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١].
أي: خذها يا موسى من غير خوف، وستعود عصاً كما كانت، وهكذا مد يده عليها وهي ثعبان يكاد يفترس كل ما يجد في طريقه، فما كاد يضع يده على خياشيمه حتى عاد المعقف الذي كان يعتمد عليه كما هو عصاً، فالله يصنع ما يشاء، وهو القادر على كل شيء.
وسيرتها الأولى كونها كانت عصاً، فانقلبت حية، فعادت عصاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى﴾ [طه:٢٢].
وجناحا الإنسان ما تحت إبطه إلى جانبه الأيمن كله وإلى الجانب الأيسر، فالجناحان هما الجانبان، أي: مكان الجناحين من الطائر.
(واضمم يدك) أي: مد يدك إلى جناحك، وقال في آية أخرى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ [النمل:١٢] أي: في شق ثوبك من الجناح إلى الجانب.
فوضع يده وسحبها وإذا هي كالشمس في رابعة النهار ضياءً ونوراً تأخذ بالأبصار، وقد قال الله له: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢] أي: من غير برص ولا مرض، ولكنها معجزة من المعجزات.
فخرجت كأنها الكوكب الدري يضيء في الظلام الحالك، وينير في الظلمات من غير سوء ولا مرض ولا عيب.
قوله: ﴿آيَةً أُخْرَى﴾ [طه:٢٢].
أي: معجزة وعلامة أخرى على صدقك مع فرعون، وكانت العلامة الأولى هي العصا التي تنقلب حية، وكانت العلامة الثانية والآية الثانية يده نفسها عندما يضمها إلى جانبه وإلى جناحه فتخرج بيضاء من غير سوء ولا علة، ولا مرض ولا عيب.
стр. 206
تفسير سورة طه [٢٣ - ٣٦]
يأمر الله عبده موسى ﵇ أن يذهب إلى فرعون لينذره، فطلب موسى من ربه أن يشرح صدره وييسر أمره، وأن يحلل عقدة من لسانه، ويرسل معه أخاه هارون ليؤازره.
стр. 207
تفسير قوله تعالى: (لنريك من آياتنا الكبرى)
قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣].
أي: فعلنا هذا بك يا موسى لنرسلك إلى خلق من خلقنا، عتوا عن أمرنا، وادعوا ما ليس لهم، فادعوا أنهم الآلهة الأرباب، وقال فرعون لقومه وقد استخف بهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨].
فاستعبدهم واستذلهم وقتل شبابهم، واستحيا نساءهم، وأخذ يقول عن موسى وقومه: إننا فوقهم قاهرون، فأخذ يدعي لنفسه الذليلة الضعيفة الزائفة من القهر والقوة ما ليس لها.
فقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ﴾ [طه:٢٣] أي: لنعلمك ولنطلعك، ﴿مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣] أي: من علامات صدقك، ومعجزات رسالتك الكبرى مما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يأتي به أحد إلا وكان العلامة البينة على صدق من جاء به وأنه رسول من الله حقاً وصدقاً.
стр. 208
تفسير قوله تعالى: (اذهب إلى فرعون إنه طغى)
قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤]: النتيجة كانت بعد الكلام، وبعد إظهار المعجزتين: معجزة العصا، ومعجزة اليد، فأمره بالرسالة بعد ذلك وأعده لها، فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
أي: اذهب إلى فرعون الذي طغى طغياناً، وتجبر جبروتاً، وظلم ظلماً، ونشر الفساد في الأرض، واستباح الأعراض، وسفك الدماء، واستقل بالأرزاق، وأذل الكرامات، هذا الذي حاول أن يشارك ربه في الأرض والسماء، اذهب إليه فأنت رسول الله، فادعه إلى الله ومره أن يعبد الله وحده، وأن يتوب عما صدر منه.
ولم يكتف بذلك ﷻ ، بل استجاب له بتزكيته وتأييده بأخيه هارون، قال: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
فمع طغيان هذا الكافر، أمرهما أن يخاطباه بلين، ويخاطباه بيسر، فلا يغضبانه ولا يزعجانه؛ لعله يعود إلى الله، فليس القصد من الرسالة أن يذل ويخزى، فذاك ليس عمل الرسالة ولكنه عمل المرسل ﷻ .
وأرسل له رسولين كريمين عظيمين حتى لا تكون لفرعون حجة على الله، ويقول: لم أدر ولم أسمع ولم أعلم، أدركت آبائي يدعون الألوهية فادعيتها كادعائهم.
قال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤].
وإذا بموسى يرى المهمة صعبة والعمل شاقاً، ويرى أنه أعجز من أن يقوم به؛ لأنه نشأ في دار فرعون كولد من أولاده، وعلى فراشه ترعرع، وبطعامه تغذى، وفي صغره وهو لا يزال رضيعاً جر لحيته إليه فأذله الله بذلك، فغضب فرعون وكاد أن يقتله.
ثم هو بعد ذلك قتل قبطياً من الأقباط انتصاراً لرجل من الإسرائيليين، وكان الأمر سراً ثم عرف وأعلن، وأرسل فرعون إلى موسى من يأتيه برأسه ويذبحه، ففر هارباً إلى أرض مدين فتعرف على ابنتي شعيب، وقد سقى لهما من البئر، فدعاه شعيب فأنكحه إحدى ابنتيه أجرة على رعاية الغنم عشر سنين، وفي هذه المدة الطويلة لم يأت مصر، لا لصلة رحمه بأمه، ولا لصلة رحمه بأخته.
وعندما كان رضيعاً في بيت فرعون أصيب بعاهة دائمة، فعندما لعب بلحية فرعون غضب وكاد أن يذبحه، وقال: هذا من أعدائي أبناء بني إسرائيل، فأخذت زوجته تقول له: هو طفل صغير لا يفقه، وإن أردت اختباره فأعطه جمرة وتمرة، فإن أخذ التمرة فاقتله، وإن أخذ الجمرة فاتركه! فأخذ الجمرة ووضعها على لسانه فأحرقت لسانه فعقدته، فأصبح ألكن في الحديث يقول الكلمة ولا يتمها، فهو يقول: كيف أستطيع أن أفعل هذا ولساني لا يبين، ولفرعون معي حساب، فهو يريد أن يقتلني بالقبطي الذي قتلته، ولذلك طلب من ربه أن يعينه ويؤازره فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦].
فكان موسى ضيق الصدر من هذا الطلب؛ لأنه خاف عواقبه، وخاف أن يعجز عن تبليغ هذه الرسالة إلى الطاغية الجبار فرعون، فطلب شرح الصدر؛ لتنشرح أعضاؤه وحواسه، ويشتغل بنفس قابلة راضية.
стр. 209
تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري)
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦].
أي: يسر لي الأمور الصعبة، بحيث لا ينتقم مني فرعون، لا بقتلي للفرعوني الذي قتلته، ولا بما كنت صنعت به وأنا طفل عن غير قصد، ولا بالفرار الذي فررت منه عشر سنوات كاملة، وبأن تغفر لي أمي وقد غبت عنها وعن أختي عشر سنين، وأنا لا أعلم من مرض أو مات منهما.
قوله: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٦].
(أمر) مفرد ويراد به الجنس، أي: اجعل جميع أموري ميسرة منذ أن أبتدئ تنفيذ الرسالة وتبليغها لمن أمرتني، فيسر لي أموري ولا تصعبها علي يا رب، واشرح لي صدري.
قال تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨].
أي: احلل هذه العقدة التي في اللسان حتى أبلغ عنك ما يفهمني به فرعون وقومه، وما يفهمني به بنو إسرائيل، فأبلغ ما أمرت به أحسن بلاغ وأحسن بيان، وأحسن شرح وتفصيل.
والمعنى: أفصح لساني وأزل اللكنة التي فيه مما كنت قد أصبت به عند وضع الجمرة في لساني.
﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٨].
أي: يدركوا ما أريد من المعاني، وموسى كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يطلب أن تزول العقدة كلها، ولم يطلب الفصاحة كلها، وإنما طلب ما يستطيع أن يؤدي به عن ربه، وما عدا ذلك ففضل.
وقيل عن ابن وهب: إنه كان عالماً بالحديث والتفسير وكان يلحن، فعيره بذلك أحد زملائه، فقال: أتفهمني؟ قال: نعم.
قال: وأفهمك عندما تسألني؟ قال: نعم.
قال: كذلك كان موسى ولم تمنعه لكنة لسانه من أن يكون رسولاً، بل كان رسولاً عظيماً، ومن الخمسة أولي العزم، وهو عندما طلب زوال العقدة لم يطلب الفصاحة كلها، ولا البيان كله، كفصاحة نبينا ﷺ ، وإنما طلب ما يستطيع به أن يبين، وكان فرعون يذمه بذلك وينتقصه ويقول لقومه: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢].
أي: هذا الذي ادعى النبوءة وجاء يطلب أن أكون خلفه ووراءه، وهو مهين فلا يلبس الدمقس ولا الحرير، ولا هو مثلي في طوله وعرضه، ولا في قصوره وخدمه وحشمه، فعده بذلك مهيناً، وحاشا النبوءة من ذلك.
﴿وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] أي: له لكنة وعقدة في لسانه، فإذا أراد البيان في القول لا يكاد يستطيع ذلك إلا بمشقة، وهو ما طلبه موسى من ربه فقال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨].
стр. 210
تفسير قوله تعالى: (واجعل لي وزيراً من أهلي)
قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه:٢٩].
وطلب من الله ﷻ وهو لا يزال يخاطبه ويكلمه فقال: اجعل لي وزيراً من أهلي؛ لأن الأهل عندما يصدقون الحب، وعندما يصدقون الأخوة، تكون أخوتهم مفيدة، ولا يعدل عنها، وإن انتقلت إليهم العداوة تكون أشد من عداوة الأباعد.
فطلب أن يكون المعين والوزير والمساعد والمؤيد من أهله يعينه على البلاغ لفرعون.
ثم بادر فصرح به فقال: ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٣٠].
هذا بدل من الكلمة السابقة، أي: واجعل هارون أخي وزيراً، فهارون أخي بدل من الوزير، ولذلك أعطي حكمه في النصب والمفعولية.
وكان هارون أسن وأفصح وأجمل من أخيه موسى، كان إذا تكلم أفصح، وإذا رئي مقبلاً بهر، وإذا كان في المجلس يكون المنظور إليه دون الحاضرين جميعاً.
تقول السيدة عائشة رضوان الله عليها: سمعت مرة بدوية تكلم بدوياً، فتقول له: ما رأيت أخاً لأخ أحسن عائدة وأحسن سعياً وأحسن إخلاصاً وسكتت، فانتظرت عائشة تسمع وقالت: من هذه المتألية على الله، كيف تجزم بأن يوجد أخ أحسن لأخيه من كل الخلق؟ وإذا بها تقول: ما رأيت كأخوة موسى لأخيه هارون! عند ذاك قالت عائشة: صدقت! ذاك الحق، وذاك الصواب، قد سعى لأخيه فلم يطلب له ملكاً، فالملك دون ذلك، ولم يطلب له مالاً، فالمال أحقر من ذلك، ولم يطلب له نساءً فالدنيا مليئة بالنساء، ولكنه طلب له النبوءة، لا أن يكون تابعاً وخليفة كالخلفاء الراشدين مع نبينا ﵊، بل أن يكون نبياً من الله في رتبته.
وهكذا عندما عين ﷺ علي بن أبي طالب وهو ذاهب إلى غزوة تبوك على إمارة المدينة ليخلفه في الناس والحكم والأهل والعيال قال المنافقون: خلفه مع النساء والأطفال استغناءً عنه.
وكان علي لم يترك غزوة ولم يترك معركة حضرها رسول الله ﷺ إلا وكان من الأولين الذين حضروها فأبلوا فيها البلاء الحسن، وأتى الله بالنصر المبين على يده، فرجع للنبي ﷺ يقول له ذلك، وكأنه يستقيله من إمارة المدينة، فقال له ﵊: (أما ترضى أن تكون مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).
أي: ألا ترضى أن تكون وزيري ومساعدي وخليفة بعدي مقيماً لهذا الإسلام بسيفك وقلمك كما كان هارون مع موسى، إلا أن هارون قد كان نبياً مع موسى وأنا لا نبي بعدي.
قوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٣١].
أي: اشدد به ظهري وقوني به، وانصرني بإخلاصه وفصاحته ووجاهته وإيمانه ورسالته، والشد: التقوية والتأزير، والأصل: فقرات الظهر، ويطلق على القوة، أي: قوني به واشدد به ظهري حتى أكون مطمئناً من ورائي عن أن أغدر أو يهجم علي سواء الهجوم الحسي، أو المعنوي، أي: أن يؤتمر علي، وأن يسعى خلفي بالسوء وأنا لا أعلم.
فقوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣٢].
أي: ليست مجرد الوزارة، ولا المساعدة، ولا المؤازرة، ولكن أشركه معي واجعله نبياً كما أني نبي، واجعله رسولاً كما أني رسول، فاجعله شريكاً لي في الرسالة، ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٤].
стр. 211
تفسير قوله تعالى: (كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً)
قال تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٤].
نسبحك أي: كي نصلي لك، ونعظمك ونمجدك وننزهك، ونعلي اسمك ونفخر به، ونبقى ذاكرين حامدين شاكرين عابدين، فأستعين به على عبادتك وذكرك وشكرك.
قوله: ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٣٤].
أي: في أوقات الصلاة وفي غير أوقات الصلاة، وفي غير أوقات العبادات الراتبة، فنذكرك على كل أحوالنا: نذكرك عند النوم، وعند الصحو، وفي الحضر وفي السفر، وبين الملأ وعلى خلوة، أي: كما كان نبينا ﵊ يذكر الله في جميع أحواله، وقد أشاد ربنا في كتابه بالذاكرين الذين يذكرونه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وعلى كل الحالات، فلا يستغنون عن ذكر ربهم في حالة من الأحوال.
وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٥].
أي: إنك يا ربنا كنت بنا البصير العالم المدرك، فأنت عندما اخترتنا لنبوءتك أعلم بنا وبما يمكن أن نعمله، فأعنا وألهمنا الثناء عليك، وألهمنا دوام عبادتك، وأعنا على أن ننصر في الدعوة إليه.
стр. 212
تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى)
قال الله ﷻ : ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦].
أي: أجاب دعاءه فأزال العقدة التي على لسانه ليبين ويفصح، وأكرمه بنبوءة أخيه وألهمهما الشكر والذكر، وشد أزره وظهره بأخيه.
فقوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ﴾ [طه:٣٦] أي: قد أعطاك ربك وأكرمك ووهب لك ما سألته، فاذهب أنت وهارون نبيين رسولين حبيبين قريبين إلى فرعون؛ لكن ذلك لم يفد فيه شيئاً وبقي على طغيانه.
стр. 213
تفسير سورة طه [٣٧ - ٤٧]
يذكر الله تعالى مننه على عبده موسى ﵇ إذ حفظه سبحانه منذ ولادته وقذفه في اليم إلى أن نجاه من فرعون بعد قتل القبطي، ثم بعودته رسولاً إلى فرعون وقومه.
стр. 214
تفسير قوله تعالى: (ولقد مننا عليك مرة أخرى)
قال الله جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه:٣٧ - ٣٩].
يذكر الله ﷻ مننه على نبيه ورسوله موسى ﵇، فكما أنه كلمه وشرفه واستجاب دعوته وحقق رغبته في جعل أخيه هارون نبياً معه ووزيراً، يقول الله له: ولقد فعلنا بك ذلك قبل أن تخرج لهذا الوجود، وقبل أن تلدك أمك، وبعدما ولدتك أمك وكنت رضيعاً، وعندما صرت غلاماً يافعاً، وعندما تركت مصر خائفاً، وعندما ذهبت إلى أرض مدين، فابتدأ الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ [طه:٣٧].
وهذه المرأة الأخرى كانت قبل سنين، وكانت هي الأصل من حيث العدد لا من حيث الترتيب الزمني.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه:٣٧ - ٣٨].
كان المن والإكرام، وكان الحفاظ والرعاية والعناية وهو لا يزال في بطن أمه، ثم عند ولادته، وكيف كان ذلك؟ قيل لفرعون الطاغية: إن بني إسرائيل يعتقدون أن منقذاً سيولد لهم، وقد كانوا يظنونه يوسف، وإذا بهم ينتظرونه هذه الأيام ويقولون: سيكون هلاك ملكك وإزالة سلطانك على يده.
فإذا بفرعون يقرر أن يقتل كل وليد يولد لبني إسرائيل منذ اليوم الأول، وإذا بقوم فرعون لا يقبلون ذلك منه، وردوه عليه وقالوا: إذاً يهلك بنو إسرائيل وهم عبيدنا وخدمنا، فمن يتولى خدمتنا بعد فنائهم؟ فاتفق معهم على أن يقتلهم عاماً ويتركهم عاماً، فولد قبل موسى هارون في العام الذي لا يقتل فيه الأطفال من بني إسرائيل، وإذا بموسى يولد في العام الذي يقتل فيه أطفال بني إسرائيل، فمنذ حملت أمه به واسمها مريم، وكانت من فضليات المؤمنات العابدات من بيت النبوءة من بني إسرائيل، فعندما حملته وتوقعته ولداً ركبها من الغم والهم ما الله به عليم.
وإذا بالخوف الذي كانت تخافه أم موسى قد تحقق، فولدت ولداً، وكان الذباحون يتنقلون بين الأزقة والدروب لقتل كل من يبلغهم أنه ولد لبني إسرائيل.
قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾ [طه:٣٨].
قال جمع من المفسرين: المعنى: إذ ألهمنا أم موسى ما ألهمناها، ووفقناها لما وفقناها.
ولا حاجة لهذا التكلف، فنقول: أوحى الله لها وهي نبية وليست برسول، والعمل الذي عملته لا يكفي فيه الإلهام، فلو جاءنا إنسان وقال: سألقي هذا الولد في البحر، فلو مات الطفل لقتلناه به ولو ادعى أنه ألهم.
إذاً الإلهام لا يصل إلى أن يهلك بسببه ويمات بسببه ويدمر بسببه، والذي منع الله منه أن تكون المرأة رسولاً، فإن الله ﷻ لم يوح لامرأة أن تكون رسولاً إلى الناس، وأما النبوءة والوحي الذي لا رسالة فيه ولا تكليف معه فلا مانع يمنعه، وقال بذلك جمهور من علماء العقائد وعلماء الكلام وعلماء التفسير في شريعة الإسلام.
стр. 215
تفسير قوله تعالى: (أن اقذفيه في التابوت)
قال تعالى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي﴾ [طه:٣٩].
أوحي إليها أن تأخذ طفلها ووليدها وأن تجعله في تابوت، وأن تغلق سداده وشقوقه بإحكام حتى لا يتسرب له الماء، وهو لا يطول بقاؤه في الماء.
فأخذت الوليد وصنعت له تابوتاً وقذفته في بحر النيل، وما كادت تفعل حتى لم يبق لها فؤاد، وأصبح فؤادها فارغاً، حتى لقد كادت تبدي به وتظهر سرها من ولهها على وليدها، وأن تعلن أنها قتلت الوليد وقذفته في البحر، فألهمها الله الصبر، وأوحى إليها بأن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في اليم.
قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه:٣٩].
هذا إخبار من الله أنه عندما أوحى إلى أم موسى أن تقذفه في التابوت وأن تقذف التابوت في البحر أنه سيقذفه بعد ذلك اليم في ساحل البحر، وكان قصر فرعون على ساحل بحر النيل، وإذا به على الشاطئ ومعه زوجه آسية بنت مزاحم وجوار من القصر، وإذا به يرى الماء آتياً بتابوت متجهاً إلى شاطئ قصره فأمر بفتحه، وإذا به يجد طفلاً جميلاً أحبه من أول نظرة إليه، وقد قال الله له: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩].
قوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه:٣٩].
وكان العدو الذي أخذه هو فرعون، فهو عدو لله بكفره، وعدو لموسى بظلمه واعتدائه على قومه، قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي.
﴾ [طه:٣٩].
لولا هذه المحبة لقتله فرعون عندما وصل إليه، لأنه يجد أنه من أطفال بني إسرائيل قذفوه لعله يقع في يد من يعتني به ويصونه عن القتل فيقتله، ولكن الحب الذي ألقي على موسى وهو لا يزال طفلاً كان سبباً في كف يد فرعون عن قتله وذبحه وإيذائه وظلمه وهو لا يزال طفلاً لا يستطيع الكفاح ولا الدفاع عن نفسه.
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩].
أي: ولتنشأ ولتكبر ولتربى ولتعيش طفلاً ورضيعاً وحابياً ويافعاً وشاباً وكهلاً وشيخاً على علم الله وعنايته ورعايته وحفظه، فكان من تمام رعاية الله أن ربي هذا الوليد وغذي في بيت عدوه الذي يخاف من قدومه، والذي أمر بذبح الأطفال بسببه، ولكن الله ساقه حيث سيحفظه عدوه بنفسه.
следующие страницы →