← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]. لو ترى -يا محمد- حال هؤلاء المنكرين للبعث الذين يستعجلون يوم القيامة ولا يحسبون لها حساباً ولا يهابون يوم العرض على الله وهم في النار خالدون، يقول الله عن هؤلاء الذين أصروا على الكفر: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)). لن هنا يقال عنها لن الزمخشرية، أي أنها للنفي المؤبد، يقولون للنبي ﵊: لن نؤمن بهذا القرآن الذي أُنزل عليك، لن نؤمن به كتاباً من الله، ولن نؤمن به وحياً، لن نؤمن به كلاماً من الله. ((وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)) أي: ولا بما سبقه قبل أن ينزل، فلا يؤمنون بالتوراة ولا بالإنجيل ولا بجميع الرسالات والكتب السماوية؛ فهم كفرة يتحدون بكفرهم، وهم مشركون مصرون على كفرهم يتجاهرون بذلك ويعلنونه. قال تعالى للنبي ﵊ عن هؤلاء: ((وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) أي: لو ترى هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك بالله محبوسين عند ربهم وموقوفين للعرض وللحساب ولمناقشة الكتاب؛ لو تراهم ((يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ)) أي: يتجادلون يقول بعضهم لبعض كلاماً يرجع له الآخر بالقول ويجادله ((يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)). هذا الذي كانوا يرجعون به في الجدال وفي الخصام وفي النزاع بعد أن جمعتهم النار، فهم يرجعون القول ويتجادلون ويتخاصمون ويتنازعون. ((يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا)) أي: يقول الأتباع الفقراء ((لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)) أي: لأوليائهم وسادتهم وزعمائهم وخبرائهم: ((لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)) أي: لولا ما نشرتم بيننا من الكفر وأمرتمونا به وسعيتم به بيننا وصددتمونا عن الله وكتاب الله ورسالة الأنبياء لولا ذلك لكنا مؤمنين.

стр. 1507

تفسير قوله تعالى: (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا) قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣٢]. عندما قال الأتباع للمتبوعين: ((لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ)) أجابهم هؤلاء القادة والزعماء ((الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)) أي: تعاظموا في الدنيا ورأوا لأنفسهم شأناً وعظمة وكبراً لأنهم سخروا من الأتباع وجروهم إلى اتباعهم وأضلوهم عن الله وعن دين الله وعن رسل الله؛ فأخذ هؤلاء الكبراء يجيبون: ((أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ)) استفهام إنكار تقريعي، أي: أنحن الذين منعناكم؟ هل ربطنا أيديكم بالأغلال، أم جعلنا على أرجلكم أكبالاً؟ هل أجبرناكم إلى أن كفرتم ودخلنا في عقولكم؟ ليس الأمر كذلك ((بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ)) أي: أنتم مجرمون في الأصل لأنا قلنا كلاماً نحن في أنفسنا لم نتحقق منه ولم نأت عليه بدليل ولا برهان، إنما استغفلناكم وأخذنا أموالكم وركبنا أكتفاكم وأصبحنا قادة وزعماء على حسابكم، وكنتم أنتم قد أطعتم النزوات والشهوات وكنتم مجرمين في قبولكم، إذ اتبعتم ما لا دليل عليه ولا منطق فيه ولا برهان يؤكده، ما ذلك إلا لطبيعتكم المجرمة التي قبلت هذا بلا دليل ولا برهان.

стр. 1508

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٣٣]. عاد الضعفاء وأجابوا الكبراء وقالوا لهم: ((بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا)): أي: هي أباطيلكم التي دأبتم في الليل والنهار تعلنونها وتجرونا إليها وتلبسون علينا الحقائق. والمكر: الحيل والأباطيل، أي: تحايلتم علينا بأن قلتم لنا اكفروا بالله واجعلوا له أنداداً، أي: أشباهاً مما تشركون به. قال تعالى: ((وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ)): أسر: من الأضداد، يكون معناها الجهر ويكون معناها السر، ((وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ)) أي: جهروا بالندامة، وهذا الكلام يدل على أنهم جهروا بها فأخذ بعضهم يوبخ بعضاً وكفر الأتباع بالزعامات والسيادات وتبرأ الكبراء من الصغراء، والنار قد جمعت الجميع، ولن يفيدهم ذلك هيهات! لقد أضاعوا فرصة الحياة وأضاعوا فرصة الشباب التي قال عنها في الحديث: (شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وعافيتك قبل مرضك) فهؤلاء قد تركوا الفرص كلها مدة حياتهم فما آمنوا يوماً ولا قالوا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، حتى إذا رأوا الحقائق أخذ بعضهم يشتم بعضاً وأخذ بعضهم يتبرأ من بعض؛ والكل جمعتهم النار. قوله تعالى: ((وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أُخذ كل كافر صغيراً وكبيراً وجُعل في أعناقهم أغلالاً من حديد سحبوا منها على وجوههم في النار وقيل لهم: امكثوا خالدين أبداً دائماً سرمداً. والأغلال: جمع غُل، وهو الحبل الذي في العنق يُسحب به إلى النار. والأعناق: جمع عنق. قوله: ((هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) أي: فلا يلومون إلا أنفسهم هم الذين أشركوا بالله وكفروا بالله في دار الدنيا، كذّبوا أنبياءهم، كذّبوا كتب ربهم، ووقعوا فيما كانوا به يكذّبون، فلعن بعضهم بعضاً وتبرأ بعضهم من بعض، وأحاطت الملائكة بالتابع والمتبوع فجعلوا الأغلال في أعناقهم وسحبوهم منها إلى النار، وهل جزاء الكافر المشرك الظالم لنفسه إلا أن يعذّب عذاباً أبداً سرمداً. جاء الأنبياء بهذا يعلمون ويبلغون وينذرون الكافرين ويبشّرون المؤمنين، ولكن هؤلاء أبوا في إصرار وتحدوا وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ:٣١] أي: لا يؤمنون بكتاب سماوي البتة، فكما كفروا بالتوراة والإنجيل من قبل كفروا بالقرآن بعد ولم يؤمنوا برسالة سماوية ولا بكتاب من عند الله، وإذا بالدنيا تذهب ثم تأتي ملائكة الموت فرأوا الحقائق التي كانوا ينكرونها، فيجرون بالسلاسل في الأعناق، وذلك جزاء الكافرين.

стр. 1509

تفسير سورة سبأ [٣٤ - ٣٨] ليست الكرامة بالمال ولا بالجمال ولا بالحسب والنسب، وليس مقام الخلق عند الله بالآباء والأجداد وما يملكه الناس، لكن بالتقوى، إلا أن سخافة عقول المشركين تجعلهم يقولون: (نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين).

стр. 1510

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها) قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ:٣٤]. ((وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ)) أي: من رسول ينذر بيوم العذاب ويخوّف ويتوعد بيوم العقاب؛ فهذا الرسول ما كاد يظهر إلا قال مترفو القرية: ((إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)) يبادرون بالجحود.

стр. 1511

تفسير قوله تعالى: (وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]: من عادة هؤلاء المشركين أن يكونوا سخفاء العقول ضائعي الفهم والإدراك؛ هكذا شأن من نرى من قادة دول الكفر وزعمائهم وفلاسفتهم ومفكّريهم وممن يزعمون العلم والزعامة، فتجدهم في غاية الغباء والبلادة، ويشاهد هذا في خطبهم وفي كلامهم، ولذلك أرادوا أن يستشهدوا على أنهم أهل الحق فقالوا وهم يترفّعون ويتعاظمون على الفقراء والمساكين: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]. أي: نحن أغنى منكم، فنحن أكثر أموالاً منكم، وأكثر أولاداً منكم، وأكثر زعامة وسيادة، وأكثر منصباً، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥]، فظنوا أنه ما أعطاهم الله هذه الأموال والأولاد في الدنيا إلا لحبه لهم، ولأنهم ذوي منزلة كبيرة، وتبعهم أهل الكتاب فقالوا مثل ذلك، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فزعموا أنهم أحباب الله والحبيب لا يعذّب حبيبه، وزعموا أنهم أبناء الله وأنهم من طينة غير طينة البشر، فقال الله لنبيه ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨]. وقال ﵊: (إن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب) وفي جانب آخر ورد عن النبي ﵊: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم). وقال: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)، والمال الصالح: هو الذي دخل مما أحل الله من العمل والتملك بالوجوه الشرعية التي أذن بها الإسلام. والرجل الصالح هو الرجل الذي صلحت أعماله وصلحت عقائده، فإذا وقع في يده مال لا يتعالى فيه على الفقراء والمساكين، بل يعطي السائل والمحروم حقوقهم، فينفق على أهل النفقة من زوجة وأولاد وأقارب محتاجين، ويعطي الفقراء حقوقهم من مال الله الذي جعله في يده. وكما قال ﵊: (هلك المكثرون بجمع المال إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا)، أي: هلك الأغنياء المكثرون إلا من تصدق بماله في جميع وجوه الخير عن يمين وشمال، ومن بين يديه ومن خلفه. وأما من كان جماعاً للحطام من الحسد والحرام واعتبر كل ذلك رزقاً فهيهات هيهات، فيوشك أن يهلك يوماً في حفرة فيأخذون ماله ويقتسمونه، ويتخذون زوجته زوجة لهم، ويعذب هو بما جمع من حرام، وهم إن علموا الحرام شاركوا بالمثل، وإن لم يعلموا فقد ورثوه عن حلال في ظنهم.

стр. 1512

تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ:٣٦]: أي: قل يا محمد ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ:٣٦]. فالله تعالى يبسط الرزق ويوسع للإنسان في الأموال والخدم والحشم والأولاد. ويقدر: أي: على البعض المال، فيقدر عليه ويقلل ماله ويكون هذا في صالح الفقير أفضل وأكرم، وإلا كان يمكن أن يغني هذا الفقير فإذا به ينسى الله فيكون الغنى عليه عذاباً. نعلم الكثير من زملائنا عندما كنا أطفالاً في المدارس كانوا على غاية من الفقر والحاجة، ثم كبرنا وكبروا وتولوا مناصب في السفارات والوزارات والزعامات، وتمولوا العقارات أرضاً ودياراً، وكثر حشمهم وكثرت أولادهم. فعندما كانوا فقراء صغاراً كانوا يعطون ويتصدقون ولو بقليل، وكانوا لا يتركون الصلوات الخمس، وكانوا يخافون الله ويهابونه، ولا يرتكبون الكبائر، وإذا بهم عندما استغنوا وأصبحوا قادة وزعماء نسوا الله، فتركوا الصلاة والصيام وكثرت فواحشهم. وهكذا بلي هؤلاء بالمال والجاه، وإذا بهم يضلون بها ويفسقون، ويمنعون الفقير والمسكين حقه، ويتخذونها عوناً على سوء أعمالهم، وعونا للكفر ونشر الفواحش. كانوا يقولون بالإسلام عقيدة ونظاماً ودولة، حتى إذا حكموا تنكروا لذلك، فحكموا بقوانين الشيطان، ونشروا الفواحش والخمور، ونشروا الفساد والعري والتبرج، وما عادوا يخافون الله من فوقهم ولا من يراهم، وكما قال نبينا ﵊: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). فالغنى ابتلاء واختبار، فقد ابتليتم واختبرتم فرسبتم ولم تنجحوا. قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ:٣٦]: أكثر الناس يجهلون الحق ولا يعلمون الدين، فلا يؤمنون بالرسل، ولا يؤمنون بالكتب، ولا يطيعون الله، فما قالوا يوماً: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ومع هذا لم يتركوا بلا نذارة ولا بشارة، بل أرسلت إليهم الرسل فسمعوا وما وعوا، وعلموا وما تعلموا، فرض عليهم فلم يفترضوا، وهكذا ما زادهم ذلك إلا ضلالاً وإيغالاً في الكفر والنفاق.

стр. 1513

تفسير قوله تعالى: (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧]: أي: يا هؤلاء أين ذهبت عنكم عقولكم، فهذه أجسام الحمير فيها عقول العصافير. هؤلاء كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم، استدلوا بأدلة الحيوانات والقردة والببغاوات فقالوا: نحن أعظم الناس لأننا أكثر أموالاً، فمعنى ذلك أن من لا مال له فهو حقير. مر النبي ﵊ بين أصحابه وهم أفضل الناس بعد الرسل، فرأى رجلاً ضعيف الشكل يلبس ثياباً رثة، عليه آثار الحاجة والمسكنة والفقر، فسألهم النبي ﵊: (ما تقولون في هذا؟ فقالوا: يا رسول الله، هذا حري إذا خطب لم يزوج، وإذا دعي الناس لا يدعى، وإذا سئل الناس لا يسأل، وإذا غاب لا يذكر ولا يفتقد. فسكت. ثم مر بعده رجل آخر ذو قامة شامخة ولباس ظاهر جميل، فقال لهم: ما تقولون في هذا؟ فقالوا له: هذا حري إذا خطب أن يزوج، وإذا غاب افتقد، وإذا دعا الناس الناس دعي معهم، وإذا قال سمع له، فقال لهم نبي الله ﵊: إن ذاك خير من ملء الأرض من مثل هذا). وهكذا هو، فليس التقى بالمال، ولا بالجمال، ولا بالحسب والنسب، وليس مقام الخلق عند الله بالآباء والأجداد وما يملكه الناس، ولكن ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. لأن الكل عبد الله، هو الذي اختار الأبيض واختار الأسود، وقد يكون الأسود أشرف بكثير من البيض، وهو الذي أغنى وأفقر، وهو الذي أعطى ومنع، وكل ذلك اختبار، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]. كان الإمام أحمد بن حنبل ﵀ وقد عذب سنتين من ملوك بني العباس من العذاب ما لا يحتمله أولو القوة، فصبر وتحمل وكان يعذب ويضرب حتى يغيب عن عقله وإحساسه. ثم بعد ذلك مات الخليفة المأمون وجاء بعده أخوه المعتصم ثم مات وجاء الواثق، وإذا به يفك قيده عن رجله بيده؛ لأنه سأله وقال له: يا أحمد قل ما يقولون وإن فعلت والله لأفكن الأغلال والقيود عن رجلك بيدي، قال: يا أمير المؤمنين سل هؤلاء -زعماء المعتزلة أهل البدعة- عن هذا الذي يطلبونني فيه أقاله الله في كتابه؟ فسألهم فقالوا له: لا. قال له: سلهم هل ذكر هذا رسول الله؟ قالوا: لا، قال: شيء لم يذكره الله في كتابه ولا رسوله في سنته، ألا يسعهم ما وسع رسول الله! وإذا بالخليفة ينتبه عندما سمع أن هؤلاء يقولون ما لم يذكره الله ولا رسوله، فقال: إذاً ففيم تعذبونه؟ وفيم تسألونه؟ فقام وحل القيود بيده، وأغدق عليه من النعم، وعرض عليه الكثير من المناصب، وقدم له المنح، ولكن أحمد عندما عرض الواثق عليه ذلك وقال له: اطلب ما شئت، قال: أسألك ألا تبحث عني، وألا تعطيني وألا تهدي إلي. ومع ذلك أخذ الواثق يرسل له، ولكنه يقول له: الشرط بيني وبينك ألا تفعل، فذهب الواثق وتقرب لأولاده فولاهم قضاة وأغدق عليهم بالنعم. وفي يوم من الأيام يجوع أحمد وكان البرد شديداً، فطلب الطعام فجاءوا بالخبز فسألهم أحمد: من أين هذا؟ قالوا: أخذنا الخميرة وجففنا الخبز من بيت ولدك صالح، وكان صالح قد نصبوه قاضياً، قال: والله لن آكل هذا الطعام قط. فذهبوا بهذا الخبز، وأرادوا أن يهدوه، قال لهم: إن تصدقتم به فقولوا: رفض أحمد أن يأكله، فخرجوا يتصدقون فكل من قالوا له: امتنع أحمد عن أكله وأخذه، قال: لا حاجة لنا بطعام لم يأكله أحمد! وإذا به يسألهم: ماذا صنعتم به؟ قالوا: رفضه الفقراء ورفض الأغنياء، قال: فما صنعتم؟ قالوا: رميناه في التراب، قال: عليه من اليوم ألا يأكل طعاماً فيه شبهة، جمعه الملوك من الشبهة والحرام. وصدق الله العظيم ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] يقول: صبرت على الشر وها أنا الآن يقبل علي الخير وهو ابتلاء أشد من ابتلاء الشر. وهذا مشاهد، فقد يصبر إنسان على ابتلاء الشر، ويكون رجلاً شجاعاً صبوراً، ولا يصبر عن المناصب الكبيرة، والمال الوافر، والجاه والسلطان إلا من حفظه ربه، وقليل ما هم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧]: أي: أموالكم وأولادكم لا تجعل لكم عندنا زلفى وقرباً، أي: لن تقربكم إلينا، ولن تنالوا الجنة بذلك، فذاك شيء والطاعة والتقوى شيء. قوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧]: أي: ليس المال بالمقرب عندنا ولا الأولاد. يعلمنا الله ويأمرنا أن لا تكون صلتنا ببعضنا لأجل المال والجاه والأولاد، ولكن لأجل الخير والصلاح والإحسان، ولأجل العلم، وأكرمنا على الله أتقانا، والتقوى الطاعة، ولكن إذا كان من بين هؤلاء الذين لهم أموال وأولاد وكانوا يحسنون إلى الفقراء فلهم عند الله جزاء الضعف. فقوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ:٣٧] أي: إلا من آمن بالله وعمل صالحاً فأطاع الله بصلواته، وبصيامه وبزكاته، وبحج بيت الله الحرام، وترك المحارم كلها، وفعل من الخيرات ما يطيقه كما قال: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوه). ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ [سبأ:٣٧] جزاؤهم في الدنيا ومكافأتهم، وفي الآخرة يضاعف الله لهم الحسنات، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله. وهكذا من آمن وعمل صالحاً وثبت على ذلك، إن كان يتمول فلا مانع بشرط أن لا يفسده المال، وإذا شاء أن يكون له أولاد بالعشرات فلا مانع على أن يعلم أولاده دين ربهم، والخلق الفاضل والطاعة لله ولرسوله، والبعد عن الشبهات والمنكرات بكل أنواعها، إن كان كذلك فسواء كان فقيراً أو غنياً فمنزلة الإنسان عند الله بحسب تقواه. قوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧]: الغرفات: جمع غرفة، وهذه الغرفات هي منازل الجنة، فعن علي بن أبي طالب ﵁ فيما رواه ابن أبي حاتم وأحمد وأصحاب السنن قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، ويرى باطنها من ظاهرها. قيل: يا رسول الله، ولمن هذه الغرفات؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام). وهكذا سمع الحاضرون أن الطريق لامتلاك هذه الغرفات أن يكون الإنسان طيب القول، لطيف العشرة والمعشر، لا يقول الخنا ولا يكون كذاباً ولا صخاباً بالأسواق، وتكون مائدته مفتوحة للغني والفقير، وللقريب والبعيد. وأدام صيام الفرض وزاد من النوافل الإثنين والخميس مثلاً، أو اليوم الثالث عشر واليوم الرابع واليوم الخامس عشر، وقام يصلي بالليل والناس نيام، فمن فعل ذلك فهو المستحق لهذه الغرفات، والسكنى فيها. ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ [سبأ:٣٧] أي: بسبب عملهم، فالباء سببية. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧]: أي: يأمنون غضب الله وعذاب الله، والدخول في النار، فهم في الجنة قد أمنوا الغضب والعذاب، وهم في لذة من العيش فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

стр. 1514

تفسير قوله تعالى: (والذين يسعون في آياتنا معاجزين) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ:٣٨]: ما سبق هو جزاء المؤمنين بالله وبرسله، القائمين بالأعمال الصالحة، وأما الآخرون فهم في العذاب محضرون، ودائماً ربنا يقابل بين عمل الصالحين وعمل الكافرين؛ لأن النبي أرسل مبشراً للمؤمن بهذه الغرفات، ومنذراً للكافر بالسعير والعذاب والغضب من الله. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ:٣٨]: أي: أما الذين يسعون ويبذلون الجهد ويتعبون أنفسهم ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويسعون في الصد عن الله ونشر الفواحش والصد عن البيت، والكفر بالله وبكتب الله وبرسل الله، ﴿أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ:٣٨] أي أنه يخلدهم في النار، فيغضب عليهم ويلعنهم.

стр. 1515

تفسير سورة سبأ [٣٩ - ٤١] يتوهم المشركون أن ما أعطاهم الله من مال وولد في الدنيا إنما هو لأنهم محبوبون عند الله، ونسوا يوم القيامة، وأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أما عبادتهم للملائكة وقولهم إنهم بنات الله إنما هي عبادة للجن والشياطين.

стр. 1516

تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. هذا المعنى مضى في آية سابقة، وهذا تأكيد له مع زيادة أن من أنفق نفقة في خير أخلفها الله عليه. قوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٣٩] هذا جواب على أولئك الذين عاشوا في رفاهية في الحياة الدنيا وكثرت أموالهم وتعدد أولادهم لكنهم بطروا في ذلك، وجعلوه كفراً بنعم الله وما رزقهم، وعندما جاءتهم الأنبياء كفروا بهم وبما أنزل عليهم، وقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين. فهؤلاء الذين توهموا أن ما أعطاهم الله من مال وولد في الدنيا إنما هو لخيرهم، وأنهم محبوبون عنده، فنسوا يوم القيامة، وقالوا كما قالت اليهود والنصارى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فقال الله لمحمد ﵊ ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨]، فالحبيب لا يعذب حبيبه، أي: ليسوا بأحباب الله، ولو كانوا كذلك ما دخلوا النار، وإنما يدخل النار كل مشرك وعاص، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، وحرم الله الجنة على الكافرين، وهؤلاء كذلك، فأكد الله هذا المعنى في آية أخرى، وقال لنبيه: قل يا رسول الله لهؤلاء: إن المال والغنى والرفاهية يعطيها الله لمن أحب ولمن لم يحب، وهو ابتلاء واختبار. فمن شكر النعمة بالأركان واللسان وبالأعمال والأفعال والأقوال كان من أهل الخير والصلاح، ومن كفر النعمة ولم يشكرها كان ذلك ابتلاء وبلاءً ومحنة يعذب عليها يوم القيامة. وأما الغنى في نفسه فليس خاصاً بالمؤمنين، كما أنه ليس خاصاً بالكافرين، فهو ابتلاء ومحنة يختبر الله بها من يرزقه ويعطيه حتى يقوم في ماله بما فرض الله عليه من زكوات ونفقات واجبة، ويوزع ماله يميناً وشمالاً لكل من احتاجه، ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، وعسى أن يكون هؤلاء كذلك، فإن كانوا كذلك فلهم الجنة، وإن لم يكونوا فقد رسبوا في الامتحان وكان ذلك عليهم بلاءً ومحنة. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ:٣٩] أي: إن الله هو الذي يغني ويفقر، وهو الذي يعطي ويمنع، ويبسط الرزق ويوسع، ويكثره على من يشاء ابتلاءً له، ويفقر ويقدر ذلك بقدر معلوم، وقد يكون ذلك لصالح هذا العبد لكي يقل حسابه فيما أعطي وفيما أنفق. وقد قال ﵊: (هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا) أي: هلك الأغنياء الذين أعطاهم الله المال وفرض أن يعطوه للفقراء والمساكين والسائلين والمحرومين، ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣]، فالمال الذي بين أيدينا هو مال الله، جعله في أيدينا أمانة، وأمرنا بصرفه في وجوه المصارف والعطايا، فأمرنا بالصرف وجوباً للفقير والمسكين والسائل والمحروم. وأمرنا بالنفقة على الزوجات والأولاد والخدم، وأمرنا أن نزكي من مالنا إذا بلغ النصاب على الفقير والمحتاج والمسكين، وأمرنا إن جاء سائل أن نعطيه، كما قال النبي ﵊: (للسائل حق ولو جاء على فرس)، فللسائل حق إذا صدق، وكذلك من جاءك محروماً فأعطه مما عندك من القليل أو الكثير حسب ما يلهمك الله، ومن لم يعط من القليل لا يعط من الكثير. فالله الذي يبسط الرزق ويوسعه على عباده ممن شاء، ويقدره ويقلله أيضاً على عباده من يشاء منهم، وليس الفقر والغنى علامة غضب أو علامة رحمة، قد يفقر الصالح رحمة به؛ لكي لا يثقل عواتقه وتكبر عليه المسئوليات، وقد يعطي الكافر فضلاً عن غيره ويكون ذلك محنة ونقمة وعذاباً له يوم القيامة، فإن الله يعطي المال للكافر وللمؤمن، ولا يعطي الإيمان إلا لمن يحب. ثم قال تعالى حاضاً على العطاء وعلى الكرم وعلى الإنفاق: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] يخاطب المؤمنين الأغنياء والفقراء، فالغني يعطي من الكثرة، والفقير يعطي من القلة. فالله يخبر المؤمنين أن من أنفق مما أعطاه الله أخلف الله عليه وعوضه، وقد يكون التعويض في دار الدنيا والآخرة، وقد يكون التعويض في الآخرة فقط كما يقدر الله ﷻ ، وهو العليم بالحكمة لعبده ما ينفعه وما يضره. وكما جاء في الحديث: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى ولو أفقرهم لأفسدهم، ونعم المال الصالح للرجل الصالح). وقال النبي ﵊ في هذا المعنى حاضاً على العطاء والإنفاق في سبيل الله كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁: (ينزل للأرض من السماء كل صباح ملكان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً). فيدعو هذان الملكان الله ﷻ بأن يخلف على المعطي كل ما أنفق، والحسنة بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء ربنا، ويدعوان على الممسك بالضياع والسحق في المال. وقال ﵊: (أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً). وكان ﵊ يحض على كثرة النفقات والعطايا، وكان هو في نفسه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كان لا يريد الغنى بحال من الأحوال، فقد خير بين أن يكون ملكاً نبياً كسليمان وداود أو يكون عبداً نبياً، فاختار العبودية لله، قال: (أجوع يوماً فأصبر، وأشبع يوماً فأشكر). ومع ذلك كان ﵊ ينفق كل ما يدخل يده من الغنائم في الحروب وفي الغزوات نفقة من لا يخشى الفقر، يعطي المائة ناقة، ويعطي من الشياه مئات، ويعطي من الأموال ﵊ عطاء من يملك الدنيا ولا يخشى الفقر. فقد عرضت عليه الدنيا فأباها وعرضت عليه الجبال ذهباً فأباها، وعرض عليه جبل أحد ذهباً فأباه، وعرض عليه أن يكون نبياً ملكاً فأبى ذلك، وأبى إلا أن يعيش عبداً نبياً، وأن يكون في أخلاق عبيده مسكنة وعبادة وتهجداً ولباساً وعطاءً. وكان ﵊ رئيس دولة، وملك أمة، وقائد جيش، فهو ﵊ قد أقام ديناً بوحي الله، وأسس دولة للإسلام بأمر الله، وفرض نظاماً في ذلك، من تجاوزه وابتعد عنه خرج عن الإسلام. فالنبي ﵊ برز في مكة المكرمة وبين العرب ولم يكن عليهم ملك ولا رئيس، فقد كان القوي يأكل الضعيف والغني يأكل الفقير؛ ولذلك عندما سادهم ﵊ وعندما كانوا صالحين أصبح هو المالك والحاكم والموجه والمسير، فقد كان يولي ويعزل، ويرسل الخبراء والسفراء والقادة، ويصدر الأحكام جلداً ورجماً وقطع أيدٍ وأرجل، وكان يفعل ما يفعله رؤساء الدول. ومع ذلك كان ملكاً في شكل مسكين، وكانت الأرض كلها له، وتتشرف الملوك والأباطرة أن تمسح على قدميه، وأن تقدم الحذاء لرجليه، فهو إمام الأنبياء وسيد البشر الماضين والحاضرين وإلى يوم القيامة. قوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩]: هذا وعد الله الحق وجرب ذلك فإننا ما رأينا فقيراً يعطي من حاجته إلا والله لم يتخل عنه، وما رأينا غنياً مؤمناً مسلماً يعطي الفقراء والمساكين والسائلين ويؤدي الحقوق إلا والدنيا تكثر عليه وكأنه يحفر الأرض ويخرج الذهب والفضة، ذاك وعد الله الحق، هذا في الدنيا. أما ما أعد له يوم القيامة في الجنان ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] وهو الرزاق الحق. ومع ذلك قد يكون الرزاق يرزق رزقاً نسبياً، فالوالد يرزقه زوجته وأولاده، والرئيس يرزقه شعبه وأمته، ولكن رزقه من رزق الله وعطاء الله، والله خير هؤلاء الرازقين، رزقه من شيء لا يملكونه، إنما أعطوا عطاء.

стр. 1517

تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً) قال ربنا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]. من المعلوم أنه كان ولا يزال بين البشر من يعبد الملائكة ويقولون عنهم بنات الله، تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً. فيوم القيامة يسأل الله هؤلاء المعبودين ذوي الروح والخلق والحياة والوجود، يسأل الأنبياء ويسأل الملائكة ممن عبدوا تبكيتاً لهؤلاء الذين كانوا يعبدونهم، وذلك حين يجمع العابدين والمعبودين يوم القيامة، فيقول ربنا للملائكة: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠]، أي: أهؤلاء كانوا في دار الدنيا يعبدونكم ويجعلونكم آلهة تحيون وتميتون وتخلقون وترزقون؟! كما سأل الله كذلك عيسى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة:١١٦] أي: أن هذا تكذيب وتبكيت للنصارى الذين اتخذوا عيسى إلهاً، والذين اتخذوه ابن إله، والذين عبدوه مع الله ومن دون الله. فيقول عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة:١١٧]. والأنبياء والرسل جميعاً دعوتهم واحدة ورسالتهم واحدة، فكلهم جاء يقول للجن والإنس: قولوا لا إله إلا الله، واعبدوا الله وحده، واكفروا بالأوثان، واكفروا بالأصنام، واكفروا بكل معبود سوى الله ﷻ . كذلك سأل الملائكة هاهنا: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] أي: أهؤلاء الذين اتخذوكم آلهة وعبدوكم من دون الله؟ فأجاب الملائكة كما أجاب عيسى فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [سبأ:٤١] أي: ننزه ونعظم ونبجل ونخصك بالعبادة وحدك، سبحانك أن يعبد معك أحد، فنحن وهم وكل من خلقت سيأتي لك عبداً، فأنت الموجد له من العدم، وأنت الرازق له، وأنت الذي أحييته ثم أمته ثم أحييته تارة أخرى، ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١]. ومن المعلوم أن طائفة تعبد الجن وطائفة تعبد الملائكة، أي: هؤلاء الذين عبدوا الملائكة عبدوهم لأمر الجن لهم، الجن يوسوسون للإنسان ليضلوه، وقد تعهدوا بذلك؛ ولذلك حذر الله بني آدم من أن يثقوا بالشيطان ووساوسه. وأضلهم الجن ووسوسوا إليهم بعبادة الملائكة، فهم عبدوا الجن أي أطاعوهم بعبادة الملائكة، قالوا: ((بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ)) أي: يطيعون الجن بعبادتنا، فنحن لم نأمرهم ولم نقبل ذلك منهم، ولم يخطر لنا هذا ببال، بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون. فأكثر هؤلاء الوثنيين المشركين كانوا مؤمنين بالجن، والإيمان بالجن طاعتهم وتحريض الناس على الكفر، تحريض الخلق على الشرك بالله، فتبرأ الملائكة منهم، كما تبرأ عيسى ممن كان يعبده من النصارى. وحكمة ذلك أن هؤلاء الذين زعموا ما زعموا قد حكم الله بينهم بالعدل وجمعهم جميعاً، فسأل هؤلاء وهؤلاء، فقال الملائكة وقال عيسى وقال المعبودون من البشر: معاذ الله يا ربنا، فإننا نعظمك وننزهك ونجلك عن أن يكون هذا، إنما عبدوا الجن وأطاعوا وساوسهم وإغراءاتهم وخضعوا لهم، ما كان لنا أن نفعل ذلك ولا أن نقوله، ولا أن ندعي لأنفسنا ما ليس لنا بحق.

стр. 1518

تفسير سورة سبأ [٤٢ - ٤٧] دين الإسلام دين يقوم على الحجة والبرهان، وقد ورد في سورة سبأ كثير من الحجج والبراهين الدالة على صدق رسول الله ﷺ وصحة ما جاء به، وفيها الأمر بالتفكر والنظر في هذه الحجج لتتبين السبيل، وتتضح الطريق.

стр. 1519

تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً) قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ:٤٢]. يقول ربنا يوم القيامة وهو يحذرنا ونحن في دار الدنيا؛ لكي لا نظلم أنفسنا؛ ولكي ننتهز فرصة حياتنا ووجودنا فنرجع عن ذنوبنا ومعاصينا، ويرجع الكفرة عن شركهم وكفرهم فيقولون وهم لا يزالون أحياء: ربنا أغفر لنا خطايانا يوم الدين، ويسجدون لله يدينون لله بالطاعة. فيقول الله للجن والإنس يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [سبأ:٤٢]. أي: ها أنتم أولاء قد حشرتم جميعاً، وتعرضون على الله جميعاً ليفصل القضاء بينكم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فاليوم لا ينفع بعضكم بعضاً ولا يضره. لن يجرؤ هؤلاء الآلهة سواء كانوا ملائكة أو أنبياء أن يشفعوا لكم عند ربكم، إذ لا شفاعة لكافر، وحتى شفاعة المؤمن لن تكون إلا بإذن الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]. ولن يستطيع هذا المعبود العبادة المزيفة أن يضر من كفر بألوهيته، فليس بيده نفع ولا ضر، لم يضر نفسه ولا ينفعها فضلاً عن أن يضر غيره أو أن ينفعه. وهذا يوم يعترف الكل ويعيش في واقع يوم القيامة الذي أنكروه وهم على حال الحياة في دار الدنيا. قوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ:٤٢] أي: الذين أشركوا وكفروا فظلموا أنفسهم بالكفر والشرك. ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ:٤٢]: أي: يا هؤلاء احترقوا في النار وتذوقوها وكأنكم تتذوقون فاكهة شهية وطعاماً شهياً، هذا من باب الهزل والسخرية بهم، أي: ذوقوا عذاب النار وادخلوا فيها واحترقوا بهذه النار التي أنكرتموها وأنتم في دار الدنيا أحياء، هذه النار التي جاء أنبياؤكم ينذرونكم لظاها وعذابها، وقد أخبركم الله بها في الكتب المنزلة في صحائف إبراهيم وتوراة موسى وزبور داود وإنجيل عيسى، وفي القرآن المنزل على محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

стр. 1520

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ:٤٣]. هؤلاء الكفار إذا تليت عليهم آياتنا، أي: تلاها رسول الله وتلاها الأصحاب وتلاها العلماء والدعاة إلى الله، وهي بينات واضحات في معجزات الله القادر على كل شيء كذبوها. هذه الآيات البينات صدقها فيها، ونحن نتلوها الآن بعد ألف وأربعمائة عام، كل الكتب السابقة تبدلت وتغيرت وحرفت عن مواضعها، وجعلت كتب كفر وشرك، لكن القرآن آخر كتب الله المنزلة تعهد الله بحفظه، قال ﷻ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فدليله فيه، وقد مضى عليه أربعة عشر قرناً على كثرة أعداء الله من كل ملة ومن كل جنس لم يجرؤ أحد على تغيير كلمة أو تحريف سورة أو رفع آية من مكان ووضعها في مكان آخر بعد هذه الحروب الطوال. ونأتي نحن ونسمع أن هناك معجزة هي المعجزة الخالدة الدائمة التي يراها ويحس بها كل مؤمن إلى يوم القيامة، وهي القرآن الكريم الذي تحدى الله الجن والإنس أن يأتوا بسورة من مثله، وكانوا أعجز من ذلك. هؤلاء يسمعون هذا القرآن المعجز، الواضح في آياته فماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبأ:٤٣] هذا يشيرون إلى محمد سيد البشر ﵊، أي: يريد أن يبعدكم ويدفعكم ويحول بينكم وبين دين آبائكم. وما هو دين آبائهم؟ عبادة الحجر، عبادة الوثن، عبادة الخلق من جن وملك، عبادة الهوى. وقالت طائفة أخرى: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ:٤٣] أي: ليس هذا إلا كذباً مختلقاً قاله وزعم أنه قول الله أوحي إليه. وزاد آخرون بالإلحاح على الكفر: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ:٤٣]: أي: قال طائفة أخرى من قادة الكفار وزعماء الكفار: ليس هذا القرآن إلا سحر مبين يسحرنا ببلاغته وفصاحته وجماله. وهكذا شيطانهم الذي يعبدونه ويطيعونه أوحى إليهم زخرف القول غروراً!

стр. 1521

تفسير قوله تعالى: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤]. هذه خاصة بالعرب، يقول الله لنبيه وللمسلمين: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ [سبأ:٤٤] هذا الدين من الذي أوحى إليهم به؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ [سبأ:٤٤] أي: لم ننزل كتباً من السماء على هؤلاء، فقد أنزلنا على بني إسرائيل التوراة والإنجيل، وأنزلنا على أمة إبراهيم صحفاً، وأنزلنا على قوم داود من بني إسرائيل الزبور، وأما العرب فلم ننزل عليهم كتاباً ولم تكن لهم رسالة من قبل، فمن أين جاءوا بهذه العبادة؟! ومن أين جاءوا بهذا الدين المزيف؟! وعمن تلقوه؟! وكيف تمسكوا به لدرجة أنهم اتهموا النبي ﵊ بأنه ليس إلا رجلاً جاء ليصرفهم ويبعدهم عن دينهم. أي دين هذا؟ هل عبادة الأوثان دين؟ وهل أكل أموال الناس بالباطل دين؟ وهل نشر المنكرات بكل أنواعها دين؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤]. أي: لم نرسل لهم رسولاً قبلك، فأنت المفرد برسالة إلى العرب أولاً، ثم أرسلناك بشيراً ونذيراً لكل العالمين، فقد كانت الرسالة الأولى ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]. ثم قال الله له بعد ذلك: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، ثم أنزل إليه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، فينذر الكفار المشركين الوثنيين بعذاب الله إن بقوا على ذلك، ويبشر من آمن منهم بالجنة والرضا والرحمة، فهو للعالمين. وقد كانت النبوءة في الأيام الأول وفي الشهور الأولى ليجد من يكون معه، ليجد من يتلقى رسالته؛ ولهذا بعد سنوات وعذاب وتحمل وصبر من رسول الله دخل عمر في الدين وكان المتمم للأربعين، وهو ﵊ يدعوهم ليلاً ونهاراً، يدعوهم في الأسواق العامة والمجامع الخاصة فلم يجيبوه. فقوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ [سبأ:٤٤] أي: فقد كانوا أمة أمية كما قال ﵊: (نحن العرب أمة أمية لا نحسب ولا نكتب)؛ ولذلك كان من أكبر المعجزات المحمدية ما قال البعض: كفاك بالعلم في الأمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فيكفي أن يكون هذا الأمي عالم العلماء العارف بالأولين وبالآخرين، هذا العلم ما تعلمه من قومه فقد كانوا أميين، ولا تعلمه من النصارى واليهود فلم يكن في مكة يهودي ولا نصراني.

стр. 1522

تفسير قوله تعالى: (وكذب الذين من قبلهم) قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ:٤٥]. قال الله لنبيه: قل لهؤلاء سخاف العقول الضائعين التائهين الضالين الذين لم نرسل إليهم قبلك نبياً ولم ننزل عليهم كتاباً: إنهم إنما اخترعوا أكاذيب وأضاليل من عبادة الأحجار والملائكة والجن، ولم يأت بذلك رسول ولم ينزل به كتاب. أي: لقد كذب قبلهم أمم لم يبلغوا هم معشار ما آتيناهم من قوة، ومن سلطان، ومن جمال، ومن حضارة. قالوا: والمعشار هو عشر العشر، أي: لم تكن حضارة العرب ولا جزيرة العرب ولا قوة العرب ولا غنى العرب في مثل قوة أولئك الأمم، حتى قيل: ولا عشر العشر من تلك القوة في الغنى والحضارة. ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ:٤٥] أي: ما بلغ كفار مكة والجزيرة العربية ومن جاء بعدهم نفس الشيء، وإنما جعل العرب مثالاً؛ لأن النبي أرسل فيهم ومنهم، ثم عمم الله رسالته على جميع البشر. ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ:٤٥] ما بلغ هؤلاء ولم يبلغوا إلى معشار ما آتينا الأمم السابقة من قوة الأبدان وقوة الشعوب والدول والحضارة كثمود وعاد، فقد ذكروا في التاريخ أنهم كانوا من القوة والسلطان والحضارة بمكان بليغ. وكما قص الله علينا في نفس السورة قصة سبأ وما بلغوا من حضارة وغنىً ورفاهية، فكذبوا الرسل إلا قليل منهم، وكذبوا كتب الله. قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ:٤٥] استفهام تقريعي توبيخي، أي: ذكرهم وقل لهم: هذه الأمم القوية الغنية عندما كذبوا رسلي كيف كان نكيري؟ و الجواب كان نكير الله -أي إنكاره عليهم وعقوبته لهم- غرقاً وزلزلة الأرض، وقلب عاليها سافلها، وكان لعنة مستمرة أبدية، وغير ذلك. تلك الأمم كانوا أكثر حضارة وأكثر غنىً وأكثر جمعاً وأكثر أفراداً وأكثر شعوباً، ولم يبلغ العرب معشار ما آتاهم الله من هذه المعاني، فكذبوا رسل الله، والكتب الموحى بها إليهم، فعندما كذبوهم عاقبهم الله، وقد قص الله هذا في كتابه في غير ما سورة من السور، فذكرهم بذلك يا محمد كيف كان؟ وهكذا ينذر الله هؤلاء بأنهم إذا لم يعودوا إلى الله ويؤمنوا بمحمد رسول الله سيقع عليهم ما وقع على الأمم من قبلهم، فلم يعجزنا أولئك على قوتهم وسلطانهم وكثرة عددهم، أفتعجزوننا أنتم، وأنتم شراذم مشتتة في هذه الصحاري القاحلة التي لا تكاد تنبت؟!

стр. 1523

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أعظكم بواحدة) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦]. أي: قل لهم يا محمد: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦]. رجع الله لعقولهم ولأذهانهم ولفهومهم، ولم يطلب منهم أن يرجعوا للقرآن أو لطاعة محمد بلا منطق ولا عقل ولا برهان. قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦]. أي: إنما آمركم وأنصحكم وأدعوكم إلى خصلة واحدة فقط، وهي (أَنْ تَقُومُوا) أي: تكلفوا أنفسكم بأن تفكروا وأن تنصفوا من أنفسكم. ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] أي اعقدوا اجتماعات ومؤتمرات وندوات، وتفكروا اثنين اثنين وواحداً واحداً، جماعة جماعة وأفراداً أفراداً، فكروا وقولوا لأنفسكم: هذا الذي أتى به محمد الذي عرفنا ولادته ونشأته وعشيرته وأجداده منذ عدنان إلى عبد مناف إلى عبد المطلب إلى عبد الله إليه، وعاش بيننا أربعين سنة ونحن نقول: إنه ما كذب كذبة قط! مر ﵊ عندما أمره الله بأن ينذر عشيرته الأقربين، فوقف على الصفا ونادى: يا صباحاه! يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد المطلب يا بني عبد مناف، فتجمعوا وحضر ممن حضر عمه أبو لهب فقال لهم: إذا قلت لكم إن خلف هذه الجبال أعداءً جاءوا ليقهروكم ويغزوكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما علمنا عليك كذباً من قبل، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد). فقال له عمه أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ شتم ابن أخيه فأنزل الله فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢] وهكذا أصبح شتم أبي لهب عبادة وتلاوة إلى أبد الآباد. ومن اللطائف أنه جاء في صحيح البخاري أن العباس عم النبي رأى أخاه أبا لهب في المنام وهو لم يسلم بعد وسأله: يا أبا لهب كيف أنت؟ قال: في محنة وفي عذاب إلا ما كان من يوم الإثنين فإني أسقى قطرة من ماء في هذه الحفيرة بين الإبهام والسبابة فأجد فيها راحة. ولم ذلك؟ أتدرون لم؟ يوم الإثنين يوم فيه ولد ابن أخيه محمد ﷺ ، وجاءت جاريته ثويبة وكانت قد حضرت ولادة النبي ﵊ فقالت لسيدها أبي لهب: أبشرك بأنه ولد لأخيك عبد الله ولد وسموه محمداً، فأعتقها لبشارتها له بذلك. فكان من رحمة الله له وهو كافر أن يسقى هذه القطرة من الماء جزاء ما أعتق ثويبة عندما بشرته بولادة سيد الخلق ﷺ . وهكذا ما خدم النبي ﷺ أحد بالكفر أو الإيمان إلا ويجد شيئاً، ومن ذلك عمه أبو طالب الذي نافح عنه ودافع عنه وكافح عنه، فسئل: أينفعه ذلك يوم القيامة؟ قال: (نعم. هو في ضحضاح من النار يغلي منه دماغه، ولولا أنا لكان في قعر جهنم). فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦] أي: إنما آمركم وأنصحكم بخصلة واحدة ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦]. أي: تفكروا في هذا الذي قلتم عنه شاعر، ساحر، كاهن، مجنون، طالب مال، طالب ملك، طالب زواج، ففكروا قليلاً متى تعلم هذا الرجل وقد جاءكم بعلم الأولين والآخرين، عاش بينكم أربعين سنة، وكان يكلمكم ويسائلكم، فتقولون له: ما علمنا عليك كذباً قط، وكنتم تلقبونه بالأمين؛ لصدقه وأمانته، أبعد أن بلغ الأربعين وتجاوز حد الشباب وحد الصبا تتهمونه بالكذب على الله؟! ثم هذا العلم الذي أتاكم به من أين تعلمه؟ وهذا الكلام البليغ الذي تحدث به عن الأمم الماضية والأمم الحاضرة والأمم الآتية وعن الخلق قبل أن يخلق وعن الآخرة بعد زوال الدنيا؛ هذه العلوم والمعاني من الذي آتاه بها؟ هل فيكم الآن أو قبل أو بعد من يعلم جزءاً من هذه المعاني؟ تفكروا هذه المعجزات التي ظهرت على يده من تكثير القليل ومكالمة الدواب له ﵊ بل حتى الجمادات، هل كان هذا لواحد منكم؟ هل رأيتم ساحراً يفعل ذلك؟ وقد تهدمت الكعبة نتيجة الفيضانات يوماً وكدتم تتقاتلون بعد بنائها من يضع الحجر الأسود في مكانه، فحكمتم أول داخل، فكان الداخل محمداً صلى الله عليه وعلى آله، وإذا به يفصل بينكم ولم يستأثر عليكم، ولكن أمر كل واحد من فخد أن يحمل في طرف الثوب الذي وضع فيه الحجر، ثم وضع الحجر بيده الشريفة مكانه؛ فهذا يدل على العقل أو الجنون؟ وكل سيرته وحياته دلت على العقل وعلى الفهم وعلى الإدراك، فمن أين هذه الاتهامات؟ فكروا مجتمعين وأفراداً وليستعن بعضكم ببعض، وليستعينوا بالخلوة كل على حدة. وفكروا أيمكن أن يكون محمد ساحراً؟ متى تعلم السحر؟ وما الذي رأيتم من السحر بين يديه؟ أهو مجنون يتكلم كلام العقلاء؟ بل كان عاقل العقلاء وكبير الفهماء وذكي الأذكياء، وليس بصاحبكم من جنة، أي ليس بالنبي الذي صاحبوه صحبة العداء وصحبة الكفر وصحبة الاتهام والشتم جنون. ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦] الله يخبر أن ما زعمتموه ليس كذلك، وهذا الذي قالوه كله يعيده اليوم الرهبان والحاخامات والمنافقون من الناس أولاد مدارسهم وأفراخ جامعاتهم. قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦]. أي: إنما جاءكم منذراً متوعداً إن بقيتم على كفركم وقد قامت الحجة عليكم، فقد كنتم تقولون من قبل: ما جاءنا من نذير، فقد جاءكم النذير وجاءكم من يرشدكم ويدعوكم إلى الله ويقودكم إلى الخير، فما اعتذاركم بعد هذا، فليس هو إلا رسولاً من الله ونذيراً بين يدي عذاب شديد، مما يكون يوم القيامة من العذاب الشديد الذي تعجز كواهل البشر عن تحمله لمن مات كافراً.

стр. 1524

تفسير قوله تعالى: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) قال تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ:٤٧]. أي: هل طلبت منكم أجرة في سبيل تحمل ما تحملته في سبيلكم؟ ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧]. قل لهم يا رسول الله: الذي سألته من المال والأجرة في مقابل دعوتكم للحق أنا أهبه لكم ولا حاجة لي فيه، وعلى ذلك فأنا لا أفعل هذا رغبة في مال ولا سلطان ولا عز ولا نساء ولا لشيء، وإنما أنا نذير وبشير من الله أبشر المؤمنين وأنذر الكافرين. قوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ:٤٧]: أي: أجري على الله، فلا أطلب ثوابي إلا من الله؛ لأنه هو الذي أمرني وكلفني وأرسلني إليكم؛ لأبشر الطائعين وأنذر العاصين، فأجري عليه. قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ:٤٧]. أي: حاضر ناظر شاهد بعلمه على عصيان العصاة وطاعة المطيعين، فهو شاهد على عملي وعملكم، وسيكون جزائي وجزاؤكم كل حسب عمله، فمن كفر بالله وبدين الله كان له عذاب السعير، ومن دعا إلى الله وبلغ رسالات الله، وقصر حياته على الله، كانت له الجنان والفوز.

стр. 1525

تفسير سورة سبأ [٤٨ - ٥٤] يشتهي الكفار حين يأتي الموت أن يعودوا إلى الدنيا لكي يؤمنوا ويتوبوا، لكن هيهات هيهات، فقد حيل بينهم وبين ذلك، ولن يقبل منهم إيمانهم ولا توبتهم، ولن يعودوا لشهواتهم التي عاشوا عليها ولها في الدنيا.

стр. 1526

تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يقذف بالحق) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ:٤٨]. أي: قل يا محمد: إن ربي ﷻ يقذف بالحق، بمعنى: يرمي بالحق، فيضرب كل داعية للباطل بخسار في الدنيا والآخرة. والحق هو القرآن الكريم، ومحمد ﷺ ، وما كان من الله فهو حق. والله ﷻ يأمر النبي ﵊ أن يقول لهؤلاء: إن الله يقذف ويرمي باطلكم بالحق وهو الدليل والبرهان واليقين الذي لا شائبة فيه ولا مرية ولا ريبة، فمن جاء بالحق فله الحق، ومن جاء بالباطل فعليه ما على الشيطان وأتباعه من عذابه وسعيره، ومن عذاب دائم في جهنم. ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ:٤٨] أي: أنا عندما أمرتكم بما أمرتكم به لا علم لي بالغيب ولا أحد يعلم الغيب إلا الله وحده المنفرد به، وهذا الغيب هو غيب الله، وهو الذي يعلم كل شيء ﷻ ، فأمرني بتبليغ رسالته وبتبليغ كتابه، وأمرني بأن أدعوكم إلى أن تدعوا الباطل والفواحش كلها، وتتمسكوا بالحق ومحاسن الأمور ومعاليها كلها. فالله ﷻ هو الذي أطلعني من غيبه على ما أطلعني فجعلني نبياً ورسولاً، وأوحى إلي بالحق وهو القرآن الكريم؛ لأدعوكم إليه ولما جاء فيه، وإلا فأنا لا أعلم الغيب من ذاتي، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].

стр. 1527

تفسير قوله تعالى: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) قال تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩]. هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١] أي: قل يا محمد لهؤلاء: ما كنتم عليه من ضلالة ووثنية وعبادة للأصنام، ذهب كل ذلك وبطل، وحصحص الحق وبان لكل عقل سليم أن ما كنتم تفعلونه من عبادة للأوثان وشرك بالله؛ كل ذلك باطل وزاهق. قد جاء الحق من الله يدعو إلى المحاسن كلها وإلى الطاعات كلها، ويذم عبادة الأوثان والأصنام، ويزيف الباطل ويبطله، وذلك بإرسال محمد هادي الخلق وداعيهم إلى الله، خاتم الرسل والأنبياء، فقد جاءكم بالحق المبين. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ [الإسراء:٨١] أي: جاء الإسلام وهو حق، وجاء كتاب الله القرآن الكريم وهو حق، جاء محمد ﵊ وهو حق، فقد جاء الحق بكل أشكاله وأنواعه، جاء كتاباً مقروءاً وجاء رسولاً ناطقاً، وجاء وحياً من الله ﷻ . قوله: ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩]: الباطل: هو الشيطان، والباطل كل ما أبطله الشرع ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة، والباطل كل ما أنكرته العقول من شرك ووثنية، ومن ظلم وسفك للدماء، ومن فواحش ومن جميع أنواع البلايا والمنكرات. فالباطل لا يبدئ ولا يعيد، فلا يستطيع أن يفعل شيئاً ولا أن يبتدئ شيئاً، وإذا ذهب هذا الباطل فليس بإمكانه أن يعيده، فلن يخلق ذبابة ولو اجتمع مع جميع الشياطين، بل إن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب. والنبي ﵊ عندما دخل مكة فاتحاً، دخل بيت الله الحرام مطهراً وناشراً للتوحيد، دخل للكعبة ووجدها محاطة بثلاثمائة وستين صنماً، وبيده القوس والعصا، فأخذ يشير إلى كل صنم فيهوي على وجهه، وهو يقول ﷺ : (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)؛ ولذلك كما قال مفسرو هذه الآية الكريمة: يستحب للداعية إلى الله إذا رأى باطلاً يزيفه، أو منكراً ينهى عنه أن يقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. أي لا يدوم الباطل بحال وهو هالك، ومتى ما ظهر يوماً فالنهاية زواله ودماره والقضاء عليه؛ لأنه لا دليل عليه من عقل سليم ولا من نفس مؤمنة، وإنما هي أوهام وضلالات من وحي الشيطان ومن وحي النزوات والشهوات وليس غير. قل يا محمد وقد جئت بما أمرتك به من رسالة هادية ودعوة شاملة لتزييف الأصنام وعبادتها والدعوة إلى عبادة الخالق الرازق خالق الكل ورازق الكل ﷻ وعز مقامه، فقل لهؤلاء: انتهت أيامكم وزهق باطلكم، والباطل الشيطان الذي تتلون منه أعمالكم لا يستطيع بداءة شيء، وإذا زهق ذلك فلن يستطيع إعادته بحال، والله الخالق المبدئ المعيد لا غيره ﷻ .

стр. 1528

تفسير قوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]. قل لهؤلاء: أتقولون عني قد ضللت، تقولون: عني صبأت، تقولون قد تركت ديانتكم، فإن كان ما تقولونه حقاً، فإنما أضل على نفسي، وهذا لا يتجاوزني ولا يمسكم بحال، ولكن: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] فالنفوس لا تدعو إلا إلى شر، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف:٥٣]. ولو كانت الهداية والرسالة من نفسي لكنت رسولاً من اليوم الذي ولدت فيه، وأنتم تعلمون أني عشت بينكم أربعين عاماً، فما ادعيت نبوءة ولا طلبت رسالة، ولم يخطر لي ذلك ببال، ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ﴾ [هود:٤٩]. فلم يكن النبي كاتباً وكان أمياً، ولم يكن يعلم ديناً ولم يكن يعلم عن الله شيئاً، ولكن الفطرة تنبذ تلك الأصنام فلم يسجد لها يوماً ولم يعبدها يوماً، ولكنه كان ينتظر، وإلى الأيام الأخيرة من السنة الأربعين أخذ يفكر ويخلو بنفسه في غار حراء، وتقول له نفسه التي فطرت على الخير من أول يوم: أهذا الكون كان بلا مكون؟ أو وجد بغير موجد؟ هذه الأصنام وهي كلها حجارة وجمادات لا تضر ولا تنفع أهي التي خلقتني وخلقت غيري؟ لا يمكن ذلك، ذلك باطل وهراء! وهكذا تهيأت نفسه لقبول الحق ودعوة الناس إليه، فجاءه جبريل فعلمه وقال له بعد أن ضمه إليه مرة ومرة ومرة: اقرأ، وهكذا ابتدأ الوحي وتتابع. فقوله: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠] إن كان هادياً مهدياً فذلك بسبب هداية ربه له، وبما أنزل عليه من كتاب كريم، وبما أوحى إليه من نبوءة ورسالة، فكانت الهداية من الله، وكانت النبوءة والرسالة من الله، فأنتم الضالون حقاً، وأنتم المبطلون حقاً، وأنتم الذين تعبدون أوثاناً ما أنزل الله بها من سلطان، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم. قوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]، أي: إن ربي يسمع تحاورنا ويسمع كلام كل خلقه، فيسمع كلام الملائكة والجن والإنس، ويسمع من هتف بلا إله إلا الله، ومن هتف بعبادة الأوثان، ويسمع الآن ويعلم تحاورنا، وهو ﷻ قريب من عباده ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]. فربنا سميع لكل شيء وهو أقرب إليكم من حبل الوريد، وقد جاء أن النبي ﷺ كان حاجاً وقائداً لقوافل الحجيج في حجة الوداع، فأخذ الحجيج يرفعون أصواتهم بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، فقال النبي ﵊: (أربعوا على أنفسكم إن الله سميع قريب) فهو سميع الدعاء قريب ممن دعاه، فلا حاجة إلى رفع الأصوات بما يتجاوز الحد، ولا حاجة لرفع الأصوات لدرجة أن تصل للأصوات المنكرة.

стр. 1529

تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت) قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ:٥١]. أي: لو ترى يا محمد ما سيحصل لهؤلاء الذين أنكروا النبوءة والرسالة، وأنكروا قدرة الله وما أنزله من كتب من السماء وأوحى بها إلى رسله. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ:٥١] لو ترى بعينك إذ رعبوا، ولو ترى إذ زلزلوا، ولو ترى ما سيلاقي هؤلاء من هول عظيم. ولو ترى هؤلاء في يوم مقداره كألف سنة مما تعدون، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] عيونهم زائغة، وأجسامهم هالكة، يرجون الموت وهيهات فلا موت! قوله: ﴿فَلا فَوْتَ﴾ [سبأ:٥١] أي: فلا مفر ولا منجاة، ولات حين مناص، وليس الوقت وقت الندم وليس الوقت وقت نجاة، فهؤلاء قد عاشوا عشرات السنين وأنبياؤهم تدعوهم إلى الله فلم يستجيبوا. ثم خاتم الأنبياء قد دعاهم ليلاً ونهاراً، لمدة ثلاثة وعشرين عاماً، كان يدعوهم لكتاب الله القرآن الكريم، ويدعوهم لبيانه البليغ وحكمته وسنته، ثم كان يدعوهم أصحابه، ويدعوهم من جاء بعدهم من العلماء ورثة الأنبياء، ومع ذلك أبوا إلا الإعراض والصد عن الله، وأبوا إلا الجحود والكفران، فهؤلاء عندما يموتون ثم يبعثون وقد أنكروا الله في حال الحياة لا يستطيعون الفرار من العذاب. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سبأ:٥١] أي: لا يفوتوننا ولا يفرون ولا يقدرون على ذلك، ولا منجى لهم من عذاب الله وعقاب الله وحساب الله. قوله: ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ:٥١]: أي: أخذوا أخذ عزيز مقتدر، قال الحسن البصري: يؤخذون بمجرد خروجهم من قبورهم يوم القيامة، يسحبون من أقدامهم سحباً إلى العرض على الله والحساب ثم العقاب، وهم في غاية الفزع الذي تتهاوى له الجبال الصم والكون كله، ولكن هيهات لا فناء بعد ذلك في الآخرة ولا موت. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ:٥١] فلن يكونوا بعداء عن يد الله وقدرته، ولو كانوا بعداء فذلك قريب إلى الله.

стр. 1530

تفسير قوله تعالى: (وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) عندما يحدث ذلك ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢]: أي: بعد أن بعثوا وخرجوا من قبورهم للعرض على الله، أخذوا يقولون ما أنكروه في دار الدنيا، ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ [سبأ:٥٢] أي: آمنا بالله، وآمنا برسل الله، وآمنا بكتب الله، وهيهات فقد فات الوقت الذي يقبل فيه الإيمان، وقد كان الإيمان إيمان غيب. فقد خرجوا من دار التكليف ودار الابتلاء إلى الدار التي ليس فيها إلا عذاب الكافرين ونعمة الله للمؤمنين، وما سوى ذلك فالآخرة ليست دار عبادة ولا دار تكليف، وكانوا قد طولبوا في دار الدنيا وهم أحياء بالإيمان بالله صباح مساء، وحيث ذهبوا في أرض الله يجدون من الدعاة إلى الله من يدعوهم للتوحيد، فيأبون إلا الكفران ويصرون على الجحود، وأما الآن فهيهات فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك. ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢] التناوش: التناول والأخذ، ومنه ناوش جيش جيشاً، وتناوش الخصوم، أي: نال بعضهم من بعض بالسيوف أو أنواع السلاح، أو بالنية، أو حتى باللسان. فقوله: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ:٥٢] أي: أنى لهم تناول الإيمان وتعاطيه، ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢] من الآخرة إلى الدنيا. وأين الدنيا؟ ذهبت الدنيا وأصبحت قاعاً صفصفاً، لا وجود لها، فقد فنيت مع ما فني، وكل ما وجد بعد ذلك فهو من خلق جديد. ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ [سبأ:٥٢] كيف لهم التناوش؟ وكيف لهم التناول؟ وكيف سيتناولون الإيمان وهم في مكان بعيد؟ بعيدين عن دار الدنيا، وبعيدين عن دار التكليف، وبعيدين عن دعوات الأنبياء والرسل، فبالموت انتهى كل شيء وطويت الصحف، فمن مات على الشرك بقي مشركاً وخلد في النار، ومن مات على الإيمان بقي موحداً وخلد في الجنة، وأما أن يؤمن بعد ذلك فهيهات هيهات. ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢] آمنوا بعد أن رأوا ما كانوا يكفرون به رأي العين، فأخذوا يقولون: آمنا بمحمد رسولاً، وآمنا بالقرآن إماماً، وآمنا بالله واحداً.

стр. 1531

تفسير قوله تعالى: (وقد كفروا به من قبل) قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٣]. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٣] حال كونهم جاءوا للآخرة وهم كافرون برسل ربهم، كافرون بكتاب ربهم، كافرون بكل النبوءات والرسالات، لأن من يكفر برسول واحد فقد كفر بكل الرسل؛ لأن الكفر بالرسول كفر بالوحي، ومن كفر بالوحي كفر بالكل. ولذلك فنحن ولله الحمد كما نؤمن بنبينا وهو خاتم الأنبياء نؤمن بمن سبقه من الأنبياء المذكورين في كتاب الله وعددهم أربعة وعشرون نبياً، فقد آمنا بهم تفصيلاً، فآمنا بآدم ونوح وإبراهيم وجميع سلالته من الأنبياء: إسماعيل وإسحاق، ومن بعده يعقوب، وبولده يوسف وبكل سلالته من الأنبياء الذين ذكر الله أسماءهم إلى عيسى وهو آخر أنبياء بني إسرائيل. ولكن غيرنا قد كفروا بنبينا، وكفر اليهود بعيسى، وكفر النصارى بمحمد، فكان الجميع كفرة جاحدين، وحرم الله الجنة على الكافرين، وكما قال نبينا ﵊: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). فأولئك الأنبياء لو أدركوا حياة رسول الله لكان واجباً عليهم أن يؤمنوا برسالته ويكونوا من أتباعه، ويكون لهم بذلك الشرف، وعيسى الذي هو خاتم الأنبياء من بني إسرائيل لا يزال حياً في السماء الدنيا، وسينزل إلى الأرض في آخر الزمان على دين محمد ﷺ ، يصلي صلاة المسلمين، ويحج حج المسلمين، ويصلي مؤتماً بإمام المسلمين، ويموت على ذلك؛ ولذلك اعتبر صاحباً من أصحاب رسول الله ﵊. ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٣] آمنوا بالآخرة بعد فوات الأوان حين جاءوا كفرة بالله وبكل مقدسات الرسل والأنبياء والكتب، فلم ينفعهم ذلك. قوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٣] أي: كانوا يقذفون بالغيب بمعنى: يرجمون بالظن، ويهرفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يعلمون، ويقولون ما خطر ببالهم من كل هفوة صلعاء لم ينزل الله بها سلطاناً، وهؤلاء قذفوا بالغيب وكفروا بشيء غائب عنهم. فقالوا عن القرآن الكريم وهو كلام الله إنه كلام محمد، وقالوا عن النبي ﵊ الذي جاء بالأدلة العقلية القاطعة على أنه رسول من عند الله؛ قالوا عنه كاذب، وقالوا ساحر، وقالوا كاهن ومجنون، وحاشاه من كل ذلك، فقذفوا بالغيب ورجموا بالظن، وقد أتاهم الله بأدلة واضحة وبراهين بينة فما زادهم ذلك إلا طغياناً وكفراً. ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٣] أي: من عقلية بعيدة عن الحق، ومن أنفس بعيدة عن الله، ومن عقائد زائغة لا دليل عليها من كتاب سماوي ولا من برهان عقلي، وإنما هي ترهات وأباطيل أوحى لهم بها الشيطان، فذكروا ذلك وكرروه وأعادوه إعادة الببغاوات والقردة. وهكذا كفار عصرنا ومنافقوه رجعوا للكفر القديم، وهم الرجعيون، وقد قال ﵊: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) فنفس التعبير أطلقه عليهم، وقال عن المسلمين إنهم المجددون؛ قال ﵊: (إن الله ليبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها)؛ ولذلك يعتبر العلماء المجتهدون مجددين، وقد جددوا في الإسلام. جددوا من الفهوم ومن العقائد ما عادوا فيه إلى كتاب الله البين وإلى الحكمة النبوية، وهي السنة الواضحة، وأزالوا ما علق في الأذهان من إسرائيليات ومن ضلالات ومن بواطل، ولا يتبعون في ذلك إلا الكتاب والسنة، فإذا سمعوا علماً أو قرءوا كتاباً إذا لم يكن عليه دليل من الله وبرهان من سنة وقبول من عقل سليم لا يقبلونه بحال، فالكتب كالناس فيها الغث والسمين. ولذلك فإن من يدعي العلم وهو ضال مضل، فلا صلاة ولا زكاة ولا حج، وهو مرتكب لأنواع الذنوب والمعاصي والكبائر والمنكرات فهو إلى الجهل أقرب، وعلمه علم جهالة وضلال، وقد كان إبليس يوم طرد من الجنة أعلم الناس، ومع ذلك لم يوصله علمه إلا إلى النار؛ لأنه لم يع ذلك ولم يتفهمه جيداً ولم يصل إلى قلبه وعقيدته، وهكذا كل من آمن بشيء عن غير دليل ولا برهان.

стр. 1532

تفسير قوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. أي: منعوا وجعلت هناك حيلولة وسد بينهم وبين ما يشتهون، وماذا كانوا يشتهون؟ اشتهوا أن يعودوا إلى الدنيا، وأن يؤمنوا، وأن يتوبوا، اشتهوا أن لم يكونوا ماتوا ليبقوا في ترفهم وقصورهم وكفرهم، ولكن هيهات هيهات! فإنما هي أمان تمنى بها النفس من وحي الشيطان. قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ:٥٤] فقد حصل لهم ما حصل للكافرين السابقين عندما كفروا ثم ماتوا وأخذوا بعد الموت، فهم يطلبون العودة لدار الدنيا ليقولوا: آمنا، فحيل بينهم وبين ذلك، ولن يقبل منهم إيمانهم ولا توبتهم، ولن يعودوا لشهواتهم التي عاشوا عليها في الدنيا. والأشياع جمع الجمع، والجمع شيعة، والمفرد شيعي. فمن كانوا أشباههم في الكفر في دار الدنيا ثم هلكوا وفزعوا ورعبوا بعد الموت، وقالوا: آمنا، وقد ماتوا على الكفر، اشتهوا أن يعودوا لدار الدنيا، واشتهوا أن تقبل التوبة منهم وأن يعودوا للطاعة والعبادة، فحيل بينهم وبين ذلك كما فُعل بالكافرين من قبل ممن كانوا على شكل الكافرين الحاضرين في الحياة الدنيوية ومن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة. وكل من لم يؤمن قبل أن تبلغ الروح الحلقوم لا ينفعه إيمانه، ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]. قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] أي: إنهم عاشوا على الشك، فلم يؤمنوا بالله عن يقين، ولم يؤمنوا بمحمد رسولاً وهادياً، ولم يؤمنوا بالقرآن كتاباً أوحاه الله لنبيه؛ فهم يشكون ويرتابون، والشك لا يرفع اليقين، ولكن اليقين يرفع الشك. والإيمان يجب أن يكون إيمان تحقيق صادر عن يقين، وهؤلاء عاشوا في شك مريب، فقد كانوا في ريبة وشك، وكانوا متهمين بذلك، وألسنتهم تدل عليه وأعمالهم تؤكده، ثم ماتوا على الشك. ومعنى ذلك أن المؤمن الشاك لا يعتبر مؤمناً وأن الكافر الشاك كافر؛ لأنه بنى إيمانه على الشك ولا يجبر إلا بيقين، ونحن عندما نقول: لا إله إلا الله، نقولها امتثالاً لأمر الله ونوقن بأدلة العقل، ونقول: من خلقني؟ من خلق هذا الكون بما فيه علواً وسفلاً؟ فبالقاطع من العقل السليم أنه لا بد من خالق، والخالق لا بد أن يكون قديماً أزلياً. ولذلك هؤلاء الذين أضلهم الله على علم قالوا عن عيسى إنه إله، وعن مريم إنها إله، ويقولون: مريم هي صاحبة الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ثم عادوا فقالوا: اليهود قتلوا عيسى، فكيف يقتل إله ويصلب، إذاً فالذي صلبه هو أعظم منه وأكثر منه في القدرة، فليس بإله. وقد جاء الإسلام فأعاد منا من كان ضائعاً تائهاً فثبته، وقال إن الخالق هو الله المتصف بكل كمال المنزه عن كل نقص؛ فمن عاش شاكاً عاش كافراً، ومن مات شاكاً مات كافراً، وهكذا حكم الله على هؤلاء، رغم ما كان فيهم من شاكين. ولذلك علمنا نبينا ﵊ أن نقول: آمنت: أي صدقت عن يقين وقطع، آمنت بالله رباً، وبالقران إماماً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوة، فمن آمن بغير الكعبة قبلة يكون ضالاً وصلاته باطلة، ومن آمن بأن إخوته المسلمين أعداء فهو ضال مضل، ومن اتخذ من اليهود والنصارى والمنافقين أحباباً فهو ضال مضل، فقد قال الله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] وليس المنافق وليس النصراني وليس اليهودي داخلاً فيها، وكونه أخاً بالآدمية فجميعنا أبناء آدم وحواء، وذاك شيء لا علاقة له بالدين والإسلام، وعندما نذكر الأنساب والأحفاد نقول: آدم أبو البشر، لكن المؤمنين غير الكافرين. وهكذا أضلوا المسلمين ونشروا في جامعاتهم وفي كتب دراستهم الكثير من الشعارات المشركة الوثنية الضالة المضلة، وإنما شعار الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠] ولا يوجد إله غير الله، ولا رسول إلا محمد ﵊، ومن سبق فليسوا رسلنا، وكانوا رسل أقوامهم، ومع ذلك انتهت رسالتهم. أما نبينا فكما خاطب الأولين خاطبنا نحن، ويخاطب الآتين إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعده ولا رسول، وكتاب الله الكريم المنزل عليه، سيبقى لكل المسلمين إلى يوم النفخ بالصور، فهو الإمام في الأحكام، والإمام في الحلال والحرام، والإمام في الحقائق، والإمام في قصص الأنبياء. وبهذا نكون قد ختمنا سورة سبأ، حامدين الله وشاكريه، وكما أكرمنا الله، ووصلنا من بداية كتابه إلى نهاية سورة سبأ، نرجو الله تعالى ونتضرع إليه أن يعيننا على إتمامه وختمه، فضلاً منه ﷻ ، ونحن نشرع الآن في السورة التالية سورة فاطر.

стр. 1533

تفسير سورة فاطر [١] الله هو فاطر كل شيء وخالقه على غير مثال سابق، فقد فطر السماوات بما فيها من عوالم ومخلوقات، كما فطر الأرض بما عليها من نبات وحيوان وكائنات، ومن خلق الله العظيم الملائكة الذين اختصهم الله بسكنى السماء في الحياة الدنيا، وكلفهم بأعمال ووظائف يعملونها دائبين لا يملون، وهم في أثناء ذلك يسبحون الليل والنهار لا يفترون.

стр. 1534

تفسير قوله تعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً) سورة فاطر هي سورة مكية بإجماعهم، وقد احتوت على خمس وأربعين آية، ويقال لها سورة الملائكة، وقد كان النبي ﷺ يختم بها في صلاة الصبح أحياناً بركعة واحدة، وللإنسان أن يفعل ذلك في الصبح، كما كان ﵊ يفعل ذلك، فهي سنة باقية إلى يوم القيامة. يقول ابن عباس ﵁: كنت لا أعلم ما معنى فاطر، إلى أن جاءني يوماً أعرابيان يشتكيان إلي في بئر تنازعاها، فقال أحد الأعرابيين: أنا فطرتها -أي: بدأت حفرها، واخترعت ذلك وسبقت خصمي- فقال ابن عباس: جاءا يأخذان مني الحكمة وفصل الخطاب، فأخذت منهما بيان كتاب الله. فمعنى الفاطر: المبدئ الخالق المخترع على غير مثال سابق. هذا بالنسبة لله، وبالنسبة للخلق: من ابتدأ الشيء ابتداء نسبياً. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]. فالحمد لله في البداية والحمد لله في النهاية، ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠]. فحمد الله هو الأول عند شروع الأعمال، وهو النهاية عند ختم الأعمال، ونحن أولاء نبدأ الآية بما بدأ به الله. فالحمد لله أي: الحمد الكامل لله لا لأحد سواه. فلو أحسن إلي إنسان بكلمة طيبة أو بخدمة قدمها أو بعطاء أعطاه فأنا أقول: الحمد لله؛ لأن الله هو الذي حرك قلبه لأن يقول هذه الكلمة، ولأن يخدم هذه الخدمة، ولأن يعطي هذا العطاء، وقد أدبنا رسول الله ﷺ بقوله: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله). والمحمود حمداً مطلقاً هو الله ﷻ ، فهل نحن عندما نقول: الحمد لله نعني بذلك الحمد الكامل بكل أنواع المحامد، وأشكالها المرئية والخفية؟ فنحن نحمده على أن خلقنا أسوياء في أجسامنا، أصحاء في خلقنا، ونحمده على كل خلايا أجسامنا، ونحمده أن جعلنا مسلمين، ومن آباء مسلمين، ثم نحمده ﷻ بعد الإسلام أن وفقنا لملازمة الصلاة، وملازمة الطاعة، ومدارسة كتابه، ومدارسة سنة نبيه، ومحامد الله لا تحصى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. على كل ذلك نقول: الحمد لله. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]. الحمد لله المنعوت بأنه فاطر السماوات والأرض، الخالق بغير مثال سابق، فلم يخلق ما نراه من خلقه على مثال سبقه، بل هو المبدئ وهو المعيد. والفطر: الشق، والفطر: الابتداء، كما فهم ابن عباس من الأعرابيين، فالله هو الذي ابتدأ الخلق، وأخرجهم من العدم إلى الوجود. ﴿السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] أي: الكون كله، فهناك السماوات بما عليها من خلق الله أعلم بحقيقتهم. ومن الملائكة الذين أطت السماء بحملهم، كما قال نبينا ﵊: (أطت السماء وحق لها أن تئط ما من موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع). وقد ورد في آثار أخرى أن عملهم بالليل والنهار هو تسبيح الله وتمجيده، فهذا ذكرهم لله لا يفترون عنه، بل نفسهم هو الذكر لو انقطع الذكر لماتوا، كما أن الإنسان لو انقطع نفسه لمات، فكلهم يذكر الله بما ألهمه الله إليه وفطره عليه. ومنهم الرسل إلى الأرض قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر:١]، أي: جعل الملائكة رسلاً إلى البشر، فهم رسل الله إلى الأنبياء والرسل من البشر، إذ الله لا يكلم أحداً من البشر وجهاً لوجه، فكان جبريل الروح الأمين هو رسول الله إلى رسله من البشر، فهو الذي نزل بالوحي على جميع الأنبياء والمرسلين الذين بلغ عددهم ٣١٠ نبياً رسولاً، وهؤلاء الرسل فقط. وهم الذين جاءوا إلى آدم بما جاءوا به من وحي ورسالة، وإلى نوح ومن قبله إدريس وشيث وإلى سلالة نوح، وإلى إبراهيم وولدي إبراهيم، وإلى عيسى وإلى محمد، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه. فكانوا رسلاً إلى الأنبياء من البشر، وهم رسل كذلك للبشر، فبعضهم يرسل لقبض الأرواح، وبعضهم بالرياح، وبعضهم بالبوق، وبعضهم بالقطر، وهكذا لكل ملك عمل ووظيفة، وجند ربك لا يحيط بها وبعددها ولا يحصيها إلا الله.

стр. 1535

تفسير سورة فاطر [٤ - ٨] إن الله كتب على إبليس اللعن والطرد من رحمته وجعله فتنة لعباده فأمهله إلى يوم يبعثون، وقد حذر عباده من فتنة إبليس والاغترار بتزيينه؛ لأنه إنما يدعو الخلق ليكونوا معه في نار جهنم، كما حذر الله عباده من الدنيا الفانية مبيناً أنها ليست بدار قرار وإنما هي دار ممر إلى الآخرة.

стр. 1536

تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) قال الله : ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [فاطر:٤]. يقول الله لنبيه مسلياً ومعزياً، وقد كفر به من كفر، وصد عن دينه من صد، وجابهه من جابهه من الكفار المعاندين، والمنافقين المفسدين: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر:٤]، أي: إن يكذبك هؤلاء من أهل مكة والمدينة، ومن أرض جزيرة العرب وغيرها من بلاد العرب والعجم فليس ذلك خاصاً بك فالصالحون قليل، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]. وقال سبحانه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤]. هكذا كان الأنبياء قبلك، آمنت بهم قلة وكفرت بهم كثرة، فعاقب الله هذه الكثرة في الدنيا والآخرة، فأغرق بعضهم وزلزل ببعضهم الأرض، وبعضهم أسقط عليه رجماً من السماء، وبعضهم جرده ومكر به، وهكذا كانت عاقبة كل كافر وجاحد وصاد عن الله ومكذب لرسله وكتبه ورسالاته. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر:٤]، فقد كذب نوح وكذب إبراهيم ومن جاء بعده إلى عيسى ﵈، وما آمن معهم إلا قليل. قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [فاطر:٤]. فأمور الخلق كافة عائدة إلى الله يوم القيامة، يوم البعث والنشور، فمن جاء مؤمناً بالله ورسله فله من الله الجنة والرضا، ومن جاء كافراً بالله ورسله فله من الله الغضب والنار خالداً فيها أبداً، فقوله: (وإلى الله ترجع الأمور)، هو تهديد ووعيد لهؤلاء الذين كذبوا نبينا ﵊، وكذبوا غيره من الأنبياء السابقين، وما عادوا إلى الله، أن الله هو يفصل بينهم يوم القضاء والحساب إما إلى نار وإما إلى جنة.

стр. 1537

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]. تقدم في تفسير كتاب الله أن الله ﷻ عندما يدعو الناس فإنه يخاطبهم جميعاً كفاراً ومؤمنين، وإذا قال: (يا أيها الذين آمنوا) فهو يخاطب المؤمنين في فروع الشريعة وتفاصيل الإسلام. فقوله: (يا أيها الناس) أي: يا أبناء آدم وحواء، من كافر ومسلم. قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر:٥]. وعد الله الذي وعده هو يوم القيامة، والمعنى: إن البعث حق، والعرض بعد الموت على الله حق، ومن أنكر ذلك كان كافراً خارجاً عن الإسلام. وقد يكون معنى الوعد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [فاطر:٥]، أي: الذي جاء به أنبياؤه، ونزلت به كتبه، وقرره للخلق كلهم، أن هذه الدنيا لم تخلق عبثاً، وإنما كانت دار بلاء كما كانت دار عبادة وطاعة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. حتى إذا عاشوا في الأرض ما شاء الله لهم عادوا إلى الله ليحاسب الصالح على صلاحه ويدخله الجنة، والطالح على فساده فيدخله النار. ولن يفلت أحد من الحساب والعقاب، قال ﷺ : (ومن نوقش الحساب عذب). فمن لقي الله مؤمناً صادقاً مطيعاً تائباً فله من الله الرحمة والرضا والخلود في الجنة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر:٥] إن القيامة حق ليست بخيال، ولا بكلام يقال، ولكنها حقيقة من الحقائق، سيمر بها الناس كلهم، منذ خلق آدم وحواء إلى آخر إنسان في الأرض، أمر الأنبياء والرسل أن يبلغوا أممهم وشعوبهم ليعتقدوا ذلك ويستمسكوا به. وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]، الغرور: أن يغتر الإنسان بالباطل من أوهام وخواطر لا حقيقة لها، ولا وجود لها في واقع الحال. وغرور الدنيا في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر:٥] خطاب من الله لبني البشر: أن الدنيا التي تعيشونها ما دمتم فيها فلا تغتروا بما فيها من شهوات ونزوات وأطماع ورفعة، فهي ليست دائمة بل هي فانية، فمهما عاش فيها من عاش فإن مآله إلى الموت، ثم إلى العرض على الله والحياة الأخرى. وقد عمر نوح عمراً طويلاً، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً فمرت كأنها لم تكن، بل كانت كأنها حلم من الأحلام أو خواطر مرت ولم تبق، إذ بعد هذا الدهر الطويل والقرون المديدة كان مآله إلى الموت، ثم إلى العرض على الله، وهكذا مهما عمر من عمر، ونقص عمر من نقص، فالمآل إلى الله، فالدنيا دار غرور، فالله ينبهنا، ويأمر نبيه فيما أنزل عليه أن يأمرنا بعدم الاغترار بهذه الحياة الفانية مهما كان فيها من شهوات ونزوات، ورفعة وسلطان ومكاسب في النساء، وفي القصور، وفي المناصب، وفي المآكل والمشارب؛ لأن ذلك كله ينتهي بالموت وكأنه لم يكن. فالله يدعو الناس -كل الناس- ألا تغتروا بالدنيا ولا بما فيها من أباطيل وأضاليل، وألا تغتروا بالغرور، وهو الشيطان، فمعنى الغرور في قوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]، الشيطان، وسمي بذلك لأنه كثير الغرور، فالغرور هو الذي التزم وألزم نفسه أن يلزم الإنسان ضالاً مضلاً موسوساً صاداً عن الإيمان بالله، وعن الإيمان برسوله، وعن الإيمان بكتابه، وعن الإيمان بالحقائق من ربه. ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر:٥]، الدنيا هي الحياة الدنيئة القريبة إلى الزوال فكأنها لم تكن، وقوله: (يغرنكم) هو فعل مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، أي: أن الله ﷻ يؤكد علينا بصيغ التأكيد ألا نغتر بالشيطان ولا نغتر بوساوسه، وألا نغتر بالحياة الزائلة الدنيئة التي تزول وكأنها لم تكن. ولنسأل أنفسنا: أين الآباء؟ أين الأجداد؟ أين الملوك؟ أين الطغاة والجبابرة؟ أين الأمم السابقة؟ أين من بنى وشيد؟ أين من قال: أنا ربكم الأعلى؟ أولئك أصبحوا تراباً، فكل من جاء من التراب إليه يعود، ثم يبعث للحساب، ولعرض الأعمال، ومن ثم يعرف المصير إما إلى جنة وإما إلى نار.

стр. 1538

تفسير قوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]. أمرنا الله في الآية السابقة بعدم الاغترار بالدنيا، وبحياتها، وبما فيها من شهوات ونزوات، كما حذرنا من أن نغتر بالشيطان ووساوسه، وقد جاء في الحديث: (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم)، ولذا كان التحذير: ألا تغتروا به، فهو يدعوكم إلى الضلال والفساد، ثم أكد ذلك ربنا فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]. وهذا شأن العقلاء من الناس، إذ من عاداك علمت أن لا سبيل إلى مؤاخاته، ولا إلى مصافاته، سواء عاداك في الدين، أو عاداك في رفيع الأخلاق، أو عاداك حسداً وبغضاً وحقداً، فإنك إن قابلت عداوته وصده عن الدين، أو استعماره لبلدك، أو خبثه معك ومع قومك ومع وطنك، إن قابلت ذلك بالاستسلام وبالمودة والمؤاخاة تكون زيادة على كونك غير مؤمن غير عاقل؛ لأنك لم تستفد من عقلك، ولم تطع ما تدعو إليه العقول، إذ العقل ينهى عن السوء، وعن الفحشاء، وعن البغضاء، وما إلى ذلك. أما عداوتنا للشيطان فهي منذ أن أخرج أبانا وأمنا من الجنة، وطلب أن ينظر إلى يوم القيامة، فأجابه ربه لذلك ابتلاء للناس، وليعلم المؤمن من الكافر. فعند ذلك أطلق عداوته صراحة: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، وهو عندما قال ذلك نفذه، فقد أضل الناس وأفسدهم، وصدهم عن الإيمان وعن كتاب الله، وصدهم عن طاعة رسول الله، كما صدهم عن الحقائق، فصدهم عما يصلح الإنسان في نفسه وأسرته وأمته. فهو في الدرجة الأولى: أفسده فيما بينه وبين ربه ونبيه ودينه، فهو العدو الأول، وبما أنه كذلك: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]. واتخاذ الشيطان عدواً معناه: ألا يطاع في وساوسه، ولا يطاع في دعوته إلى معصيتك لربك، ولا إلى معصيتك لنبيك، ولا إلى ترك الأخلاق الفاضلة، ولا إلى القيام بالأخلاق الفاسدة، فشأن المؤمن التحلي بما يجب أن يكون عليه المؤمن المطيع الصالح الملتزم، وبذلك يغيض الشيطان ويزعجه، وبذلك يكون له عدواً حقيقة. أما إذا كنت تعصي ربك، وتعصي نبيك، وتعصي كتاب الله وسنة نبيه ﷺ كنت عبداً للشيطان مستسلماً له، تفعل ما يأمرك به، فالعبادة الطاعة، ونحن إن أطعنا آباءنا وأطعنا حكامنا وأطعنا شيوخنا فنحن في الحقيقة نطيع ربنا ونبينا ﵊. فنحن نطيع الآباء لأن الله أمرنا ببرهم والإحسان إليهم، ولذلك يقول ربنا لمن كان أهله عصاة كأن يكون أبوه كافراً: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥]. فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ونحن نطيع شيوخنا لأنهم السبيل السوي إلى تعلمنا دين ربنا من كتاب وسنة، فنحن في الحقيقة لا نطيعهم لذاتهم ولكننا نطيع الله فيهم. أما من ارتكب الفواحش، وعصى الله ﷻ ، وعصى نبيه ﷺ ، فذلك يكون عبداً للشيطان ويكون مطيعاً له فيما صده عن الله وعن رسوله ﷺ ، فهو إنما يدعو من أطاعه ومن استسلم له، وهؤلاء هم حزبه، علماً أنه ليس في الأرض ثلاثة أحزاب، وإنما هما حزبان: حزب الله، وهم الأنبياء والمؤمنون وأتباعهم، وحزب الشيطان، وهم الكفرة والمنافقون. فالمطيع لله ولرسله من حزب الله، والمطيع للشيطان من حزب الشيطان، و (إنما) في قوله: ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ﴾ [فاطر:٦] أداة حصر، أي: حصر ربنا بأن الشيطان عندما يدعو أتباعه وأشياعه وأنصاره من الكافرين والمنافقين فهو إنما يدعوهم: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، فهو يدعوهم ليرافقوه في النار، فيدخلون معه جهنم، والعذاب السعير: المتسعر المحترق الملتهب الذي يأكل بعضه بعضاً. فمآل طاعة الشيطان دخول النار وغضب الله، ومآل الطاعة لله ولرسوله دخول الجنة ورضا الله، فالله يبين لنا بما أنزل على نبينا، ويأمر نبينا والعلماء والمؤمنين كل حسب قدرته وعلى حسب علمه أن يأمر أولاده وأنصاره وأصحابه وأقاربه وأسرهم أن يطيعوا الله ورسوله. ولذلك كان يكثر ﵊ من أن يقول: (نظر الله امرأ)، دعا له بالنظارة قبل أن يقول ما سيقول له، وذاك من لطف النبي ﷺ ، ومن حسن أدبه وهو الرفيق مع أتباعه والمؤمنين به صلوات الله وسلامه عليه: (نظر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها -أي: حفظها وفهمها وأدركها- فأداها كما سمعها) أي: بلغها لمن لم يسمعها من ولد أو صديق أو زوجة، أو أي إنسان كان، وفي قوله: (فأداها كما سمعها)، تنبيه ليبلغ ذلك كما سمع من غير زيادة ولا نقصان (فرب مبلغ أوعى من سامع)، أي: قد يكون المبلغ الراوي أو المحدث حدث بشيء ففهم منه معنىً أو معنيين، ويكون السامع فهم مما سمع من هذا المبلغ معاني كثيرة. وهكذا كان الأئمة الأربعة، وأئمة الاجتهاد، ومن قبلهم علماء الصحابة، فتجد المرء يسمع الحكمة، أو الآية، أو الحديث النبوي، وهو من الأميين أو من غير الأذكياء والنوابغ فيفهم معنىً أو معنيين، وإذا بالراسخين الأذكياء الواعين حين يسمعون ذات المقالة يفهمون من الكلمة الواحدة معان كثيرة، والفقه كله شرح وبيان لنصوص كتاب الله وحديث رسول الله، فتجد الكثيرين من علمائنا ومن سلفنا الصالح ومن كتبوا في الحديث الواحد والآية الواحدة المجلد والمجلدين والثلاثة بما فتح الله عليهم. وقد سئل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هل خصكم آل البيت نبي الله بشيء لم يخص به سواكم؟ فقال علي: لا وإنما هو الوعي والفهم؛ لأن علياً كان من أعلم الصحابة ومن أوسعهم إدراكاً ووعياً ومن أكثرهم فهماً. فالكثير من الصحابة ومن الأتباع بعدهم كان يسمعه يتكلم على الحديث أو على الآية، وإذا به يتدفق تدفق البحر، فيعجب السامع ويتساءل: من أين هذه المعاني؟ فيقول له علي: ليس ذاك إلا الفهم والوعي والإدراك لما قاله لنا ربنا، ولما سمعنا فيه عن نبينا عليه الصلاة السلام. قوله: ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، إخبار أن دعوة الشيطان للناس كل الناس بسبب عداوته لهم، وليكونوا في جهنم، ولكي لا يدخلوا الجنة، ولكي لا يرضى الله عنهم ولا يغفر الله لهم. وهذا لا يكون إلا مع الكافر بالإيمان وبالتوحيد؛ لأنه كفر بالله رباً، وبالنبي رسولاً وخاتماً للرسل صلى الله عليه وعلى آله. أما مجرد المخالفات والمعاصي من المؤمن الموحد، الذي آمن بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، فذاك يعيش بين مد وجزر، يعيش بين خرق ورقع، يعصي فيتمزق ثوبه، ثم يتوب إلى الله فيرقعه، يعصي الله ثم يندم ويئوب فيقول: رب! اغفر لي وهكذا، والله مع هذا يغفر للتواب الموحد المؤمن، ولا يغفر للكافر المشرك؛ لأن الله حرم الجنة على الكافرين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فمآل من مات على التوحيد الجنة، وقد يدخل النار عقاباً على ما قدم ولكن لا يخلد فيها، ولذلك أمرنا أن نكثر الاستغفار ونكثر التوبة لعل الله يغفر لنا ذنوبنا، كما ندعو ربنا ونلجأ إليه ونضرع.

стр. 1539

تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا لهم عذاب شديد) قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر:٧]. يقرن الله دائماً العقاب بالرحمة في كتابه، ويقرن الكفر بالإيمان، وذلك ليعلم الكافر كم من درجة بينه وبين المؤمن، وليعلم المؤمن كم من درجة بينه وبين الكافر، فينذر هذا ويبشر هذا. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر:٧]، أي: كفروا بالألوهية، وبالوحدانية، وبالقدرة الإلهية، وكفروا بالنبوءات، فهؤلاء لهم عذاب شديد أليم مخز دائم: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فاطر:٧]. وعندما يذكر الله الإيمان يذكر معه العمل الصالح؛ لأن الإيمان بلا عمل يكاد ألا يوصل صاحبه إلى الجنة، كما أن من كمال الإيمان وصدق الإيمان أن يصدق اللسان الجنان، ومعنى ذلك: أنه عندما ينطق الإنسان ويؤمن الجنان بكلمة: لا إله إلا الله، لا يكون مصداق ذلك إلا بعمل الجوارح والأركان، من صلاة وصيام وزكاة وحج وابتعاد عن المنكرات والفواحش كلها، وفعل الصالحات والقيام بالطيبات، وهكذا: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]. فالذي لا يصلي ليس له رادع من نفسه يردعه عن الشر والكفر، والكفر هنا: كفر المعصية؛ لأن من خصائص الصلاة للمصلي أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فبسببها يجد الإنسان من نفسه رادعاً ووازعاً وهادياً، وآمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؛ لأنه عندما يقف بين يدي الله ويقرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، ثم يهم بمعصية الله لعد أنه يكذب على الله، فتكون عبادته ليست خالصة وليست كاملة، واستعانته بالبشر لا بالله، فهو يعتمد عليهم ليرزقوه وليعطوه، والله أكثر رزقاً وإنما العبد سبب. قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فاطر:٧]. أي: قاموا بالأركان الخمسة من الشهادتين إلى الحج ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [فاطر:٧]، فإن الله يغفر ذنوبهم، ويغفر نسيانهم، ويغفر خطأهم، ويغفر ما استكرهوا عليه: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر:٧]، الأجر من الله دخول الجنان، والأجر من الله رحمته الواسعة.

стр. 1540

تفسير قوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً) قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨]. قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر:٨]. استفهام إنكاري توبيخي تقريعي، واختلف في المزين فقيل: زين له الشيطان، وقيل: زكاه له رفقاء السوء، وحسنه له الكفرة والمنافقون، فأخذ يعمل أعمالاً خارجة عن الإسلام، ومع ذلك يحسب أنه يأتي بخير، وأنه يعمل عملاً صالحاً. قوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر:٨]، أي: عمله الفاسد الضال: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، هذا الذي عمل المنكرات وعمل السيئات وعمل الباطل زين له الشيطان عمله فظن أنه يفعل حسناً، ويصنع خيراً وقربة، وهكذا الكثيرون من أتباع هذه الأحزاب الضالة؛ الشيوعية والاشتراكية والماسونية والبهائية والوجودية، وكل مذهب وكل حزب وكل دين غير دين الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥]. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فكل ذلك باطل فاسد ضلال، وقد تجد بعضهم يجود بحياته بماله بعرضه بشرفه بكرامته في سبيل الشيطان، ويظن أنه يصنع عملاً حسناً، أين الجواب؟ ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ﴾ [فاطر:٨]. قال مفسرو الآية: الجواب في الآية التي بعد هذه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، فهناك مقدم ومؤخر، والمعنى: يا محمد هؤلاء الذين يعملون السوء، ويتبعون المذاهب الضالة، ويفعلون المنكرات والفواحش، ويبتعدون عن دين الله الحق، ونبيه الحق، وكتابه الحق، ثم يزين لهم ذلك في أنفسهم فيرونه حسناً، ويرونه جميلاً، ويرونه صواباً، أهؤلاء تحزن عليهم؟ أو تذهب نفسك عليهم حسرات؟ وحسرات: جمع حسرة، وهي الحزن الأليم الشديد الذي قد يوصل إلى الموت. ولذا يقول الله لنبيه: لا تتعب نفسك مع هؤلاء، ولا تتحسر عليهم، ولا تحزن عليهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]، أي: لعلك مهلك نفسك ومميتها حزناً وألماً لعدم إيمان بعض قومك وأهلك وأقاربك بك، بل حتى كل من دعوتهم من العرب والعجم، إذ ليست هذه بوظيفة لك، إنما عليك البلاغ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٧٢]، ولذلك يواسي الله تعالى نبيه ﵊ ويدعوه لعدم الحزن ولعدم الأسف والألم، لكون أمثال هؤلاء ممن زينت لهم أعمالهم وارتكبوا فيها الكفر والفواحش والمنكرات، فلا تحزن عليهم، ولا تتحسر لعدم إيمانهم، فلم نكلفك بالهداية، وإنما كلفت بالبلاغ، فالهداية بيد الله وليست وظيفة الرسل. هذا أحد تفسيري قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]. وفسر آخرون: أن الجواب مقدم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]. قد أضاع الصواب، وابتعد عن الحق، وهذا يفهم من سياق القول، وسواء قدمنا أم أخرنا، وسواء قدرنا بعض المقدر، فالمعنى ظاهر واضح. فيكون المعنى: هل الذي زين له عمله فرآه صواباً حسناً وهو كافر بالله غير مؤمن، أو مبتدع ضال، أيستوي هو والمؤمن الذي هو على الجادة المستقيم على السنة النبوية؟ أيستوي هو ومن جعل أسوته رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين والصحابة السابقين الأولين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]. هؤلاء هم الذين رضي الله أعمالهم، ورضوا هم عن الله، فرضوا بجزاء الله لهم، وقبلوا قضاءه مهما كان، وإن كانت النهاية والخاتمة لخيرهم ولرحمتهم ولدخولهم الجنان. فهذا بينه رسول الله عليه الصلاة السلام عندما تحدث عن الفرق في الأمم السابقة وأن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقه، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وأن الأمة المحمدية ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، أي ممن يزعمون الإسلام ويدعونه، قال عليه الصلاة السلام (كل هذه الفرق في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي). ولذلك كانت دراسة السيرة النبوية والإلمام بالحياة النبوية والشمائل المحمدية فرضاً على كل إنسان، ولا يستفيد منها إلا المؤمن، لأنه يتعلم كيف يكون رسول الله عليه الصلاة السلام الأسوة له والقدوة له، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ثم بعد رسول الله ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]. أي: ممن جاء بعد الصحابة من التابعين، ثم تابعي التابعين ومن تبعهم إلى عصرنا، إلى آبائنا وشيوخنا، إلى من وجدناه على هدى من الله في كتابه، وعلى هدى من رسول الله في سنته وكلامه، فهو على الحق، وهو الذي بمنجاة، وهو الفرقة الناجية، وهو الفئة الناجية من عذاب الله وغضب الله، وبذلك حذرنا أسلافنا من البدع والمبتدعين، ومن كل من حاول أن يحرف كلام الله وكلام رسوله، وأن يبعدنا عن حبه وعن التعلق بأذياله وعن طاعته. فكل من دعانا إلى ذلك وهو مبتدع ضال أمرنا بالإعراض عنه. فيكون تقدير معنى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]. أمن كان كذلك يستوي هو ومن كان على محجة بيضاء، دليلها كتاب الله وسنة النبي عليه الصلاة السلام وهديه وسيرته، هل أولئك سواء؟ الجواب ظاهر ومعناه: لا سواء، هيهات هيهات، أن بينهما كما بين السماء والأرض، ما بين الضب والنون، وما بين العالم والجاهل، وما بين المؤمن والكافر. ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، سبق في علم الله وفي الأزل، وفي اللوح المحفوظ أن الله حين خلق الكون -كما ورد عن النبي عليه والصلاة والسلام- خلقه في ظلمة، ثم أشرقت عليه أنوار الله، ثم خلق النور، فمن أصابه من نور الله اهتدى وسجل ودون في اللوح المحفوظ من الهادين المهديين، ومن لم يصبه من ذلك النور فلا نور له، ولا هادي له، خلق في ظلام وبقي في ظلام: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠]. (إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن)، (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله). فإذا أنطوى ضمير الإنسان وقلبه على حب الله وطاعته، وحب رسوله وطاعته، وحب المؤمنين ومؤاخاتهم والإحسان إليهم، فليعلم أن ذلك نور من الله، وأنه مهما صدر عنه من ذنوب فإنه يجدد توبته سالكاً الطريق المستقيم. ومن كان فاسد القلب فلا يكاد يتأثر قلبه بالمقدسات من كتاب الله، وسنة رسوله، مهما فعل ومهما تحركت جوارحه فمآله إلى سوء؛ لأنه لم يكن ذا نور من إشراق الله ونور الهداية في شيء، فقد عاش في ظلام وسيبقى في ظلام إلى أن يدخل نار جهنم في ظلام. قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، إخبار بأن الأمر بيد الله ومشيئته، فمن لم يصبه من نور الله شيء فلا نور له وهو من الضالين. قوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]، معناه: أن من أصابه من نور الله وإشراقه، أشرقت عليه تلك الأنوار، فاستنار قلبه وضميره وعقله، وأصبح مهيأً للطاعة، وللامتثال وللعمل بما في كتاب الله، وبما في سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. قوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، أي: فلا تذهب يا محمد نفسك عليهم ضياعاً ولا تهلكها؛ لأن هؤلاء لا يستحقون ذلك، ولكن الذين هم أهل لأن تكون رءوفاً بهم حريصاً عليهم هم المؤمنون المطيعون السابقون في إيمانهم وإسلامهم: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨]. إن الله عليم من هؤلاء الذي عصوا ربهم وخرجوا عن طاعته وعصوا نبيهم وخرجوا عن طاعته، وأبوا إلا الكفر والجحود والعصيان، هؤلاء الله عليم بهم وبصنعهم.

стр. 1541

تفسير سورة فاطر [٩ - ١١] إن نعم الله تعالى على عباده عظيمة ومنائحه لهم جزيلة وجسيمة، ومن هذه النعم التي تفضل بها على عباده نعمة المطر الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها، فتخرج نباتها وزرعها وتصير مخضرة بعد أن كانت قاحلة مغبرة، والله يمتن على عباده بذلك ويذكرهم بحال الخلائق يوم النشور، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

стр. 1542

تفسير قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت) قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. هذا مثل ضربه الله، وكثيراً ما ترد الأمثال في القرآن الكريم. يتساءل الإنسان: كيف يحيي الله الموتى؟ فقد سأل إبراهيم عليه الصلاة السلام ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. فبماذا أمره؟ ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة:٢٦٠]. فقام إبراهيم إلى مجموعة من الطير فذبحها، وقطع لحومها قطعة قطعة، ثم خلطها ببعضها، ثم أخذ هذه اللحوم المختلطة فوضع جزءاً منها على رأس جبل، وجزءاً على رأس جبل، وجزءاً على رأس جبل، ثم دعاها: تعال يا غراب تعال يا حمام تعال يا إوز، وإذا بالريش والأجزاء تتطاير إلى أن رجع كل جزء إلى أصله، وأصبحت هذه الطيور تطير بين يديه وتهدر. وفي الحديث: (جاء أعرابي فقال: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى بعد أن نكون رمماً؟ فقال له ﷺ : ألم تر وادي أرضك ممحلاً جدباً -أي: النبات فيه قليل- ورقه قد تحات ويبس، والمياه جفت قال: نعم، قال له: ألم تر إلى المطر ينزل عليها وإذا بها تهتز وتخضر؟ قال: بلى، قال: هكذا يحيي الله الموتى). فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر:٩]، وقرئ: (الريح). هذه الرياح التي تتحرك كما نرى تثير وتهيج السحاب حتى يتجمع السحاب، فإذا به ينزل مطراً بأمر الله وإرادته. وقوله: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر:٩]، تكلم أولاً عن الغائب الحاضر ﷻ ، ثم قال: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر:٩]، ونسب ذلك إلى المتكلم، وكل ذلك في حق الله سواء. ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر:٩]، أي: إلى أرض جدباء قاحلة قد يبست أشجارها، وتحات ورقها. وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر:٩]، أي: أحيا الله بهذه السحب التي ملئت أمطاراً، ثم ساق هذه الأمطار والسحب إلى أرض ميتة قاحلة جدباء لا نبت فيها ولا ورق ولا اخضرار. إذاً: فنحن عندما نأتي إلى أرض جدباء نرى هذه الشجرة في فصل الخريف تحات ورقها، ثم يأتي فصل الشتاء، ثم تأتي السحب بالأمطار فتنزل على هذه الأرض المجدبة، وإذا بالله تعالى يحيي هذه الأرض بعد موتها، وإذا بها تهتز فتخرج الشجرة من تحت الأرض أول مرة برعمة صغيرة، وهكذا تزداد وتزداد وتزداد إلى أن تراها شجرة كبيرة طويلة، فلا ترى رأسها حتى تطأطئ لها الرأس. وقوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. ورد عن النبي عليه الصلاة السلام أنه قال: (إن الإنسان إذا مات فني جميع جسده إلا عجب الذنب). وعجب الذنب هو: قطعة في آخر سلسلة فقرات الظهر، وحجمه كحجم حبة العدس، وقد ورد عن نبي الله عليه الصلاة السلام أن عجب الذنب بمثابة البذرة التي يحيي الله الإنسان به، فيوم القيامة سينزل سبحانه أمطاراً وإذا بعجب الذنب ينبت كما ينبت النبت، وإذا بنا قيام بين يدي ربنا عراة حفاة غرلاً، لما سمعت عائشة ﵂ هذا من النبي عليه الصلاة السلام قالت: (عراة يا رسول الله يرى بعضنا بعضاً؟ قال لها: يا عائشة الناس في شغل عن ذلك، كل الناس تقول: نفسي نفسي)، يعني: الناس في ذلك اليوم كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]. لا أحد يفكر في أحد، كل واحد يفكر في نفسه، فلا يرى هذا عورة هذا، ولا يلتذ ولا يتمتع الإنسان في ذلك اليوم بالنظر إلى العورات، إلا المتقون الذين يدخلون الجنان عندما يكرمهم الله بالحور العين. إذاً: يضرب الله مثلاً بالأرض الميتة عندما يحييها بالغيث، فهكذا الإنسان يكون موته كما تموت الأرض، وكما يتحات ورق الشجر، ثم يأتي الله بسحب مليئة بالأمطار فيصبها في الأرض الميتة، وإذا بها تربو وتهتز وتخضر، وتعطي من كل فاكهة زوجين. وهذا نراه بالعين ونشعر به بالحاسة البشرية، فلم تنكر البعث بعد الموت وأنت ترى هذا؟ هل يستطيع أحد من الخلق أن يفعل هذا؟ هل يستطيع أن ينبت إنسان شيئاً لم يأذن الله نباته؟ إذا ذهب الماء وغار في الأرض فهل يستطيع إنسان أن يأتي به مرة ثانية؟ إذا ذهبت الحياة من الإنسان فهل يستطيع بشر ما أن يعطيه الحياة؟ ليس هذا إلا من عمل الله، وليس هذا إلا من خلق الله. وهكذا هنا يقول: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] أي: كما أنه يحيي الأرض القاحلة بالغيث والأمطار، كذلك يحيي الإنسان وينشره بعد أن يكون قد مات.

стр. 1543

تفسير قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً) قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]. ما أوقع هذه الآية على عصرنا الآن، فقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ [فاطر:١٠]، كثير من الشعوب الإسلامية والأمم الإسلامية ظنوا أن عزتهم تكون في متابعة اليهود والنصارى والاستسلام لهم، وفي متابعة المنافقين والاستسلام لهم وفعل فعلهم، والمشي على منوالهم، يقول الله لهؤلاء وأمثالهم: من كان يريد العزة فليبحث عن العزة عند صاحبها سبحانه، ليكون عزيزاً مستقلاً وذا حضارة وذا شأن ومقام، إياك أن تظن أن العزة لأحد غير الله، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، يعني: قليلها وكثيرها، هذا كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، إذاً: لا عزة ليهودي ولا لنصراني ولا لمنافق، ومن شاء أن يعتز بغير الله ذل وكان له الهوان، وكانت له الحقارة في الدنيا، وعذاب الله يوم القيامة أشد. ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، فمن يريد العزة فهي في طاعة الله، وهي في الإيمان بالله، وهي في الإيمان برسول الله، وهي في العمل بكتاب الله. لقد اعتز آباؤنا وأجدادنا والمسلمون بدينهم فكانوا سادة الأرض، وما كان يخطر ببال أحد منهم أن الكفار سيرفعون رءوسهم في يوم من الأيام أمام الدولة الإسلامية، بل كانوا أذلاء حقراء أمامها، وعندما بدل المسلمون وغيروا غير الله عليهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. اللهم أعدنا إليك عوداً صالحاً دائماً بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين. وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: إلى الله يصعد الكلم الطيب، والكلم الطيب: لا إله إلا الله، وهو الذكر بكل أنواعه؛ الله أكبر كبيراً، وسبحان الله، والحمد لله، والعزة لله، والمجد لله، والثناء على الله بجميع أسمائه الحسنى. والكلم الطيب هو الإيمان، وهو الكلمة الصالحة التي يقولها المسلم لأخيه المسلم، وهو تلاوة القرآن ومدارسته، وهو دراسة حديث رسول الله، ومدارسة العلم بأشكاله، وهو العلم الموصل للآخرة، سواء كان علم دنيا أو علم آخرة. فقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: الكلام الطيب بكل أنواعه، كل كلمة طيبة فيها ذكر لله وفيها تلاوة ومدارسة للقرآن يقبلها الله وتصعد إليه. وقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: أن الكلم الطيب بغير عمل صالح لا يرفع، وهو أشبه بالنفاق، كأن يقول الإنسان بلسانه: لا إله إلا الله، وهو كافر بمعناها ومقتضاها، فلا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج، وقد يكون مسلماً باللسان لكن يعتز بأنه شيوعي، أو أنه ماسوني، أو أنه اشتراكي، وإذا أمرته بالإسلام يقول لك: الإسلام مظاهر، ويقول: ليس هذا وقت قطع الأيدي ولا الرجم ولا الصلب ولا الجلد، نحن متحضرون، يعني: حضره الشيطان والكفر والذل والهوان، أما العزة والحضارة والسيادة الحقيقية فهي في طاعة الله وفي طاعة رسول الله، وهي في أن يكون الإنسان مسلماً. (والعمل الصالح يرفعه)، عن رسول الله عليه الصلاة السلام أنه قال: (لا نية بلا عمل)، أي: لا قول بلا عمل، ولا عمل ولا قول بلا نية، ولا نية ولا قول ولا عمل إلا بإخلاص، فلا بد للكلام مما يصدقه، وتصديق الكلام عمل الجوارح، وتصديق الجوارح الإخلاص لله، فلا يفعل ذلك لكي يقال: فلان شجاع أو كريم أو دين أو مسلم أو أو بل يكون فعله عبادة خالصة لله، وما لم يكن كذلك لا يقبله الله: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً). فقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، العمل الصالح من طاعات بجميع الأركان، يعني: يرفع الكلم الطيب المقترن بالعمل الصالح إلى الله، هذا تفسير، وفسر أقوام فقالوا: لا إله إلا الله تفيد قائلها على كل حال، سواء بعمل أو بغير عمل، إذا قالها بلسانه وصدقها قلبه، وأما إن عمل فهو قد كمل إيمانه، وإذا لم يعمل فهو ناقص الإيمان وأمره إلى الله. فالكلم الطيب يصعد إلى الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، أي يقبله إذا كان خالصاً، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] أي: يرفعه الله، هكذا فسر هؤلاء الضمير هنا، والله على كل حال هو الرافع وهو الواضع، وهو الذي يقبل وهو الذي يرد ﷻ . ما كان خالصاً لله قبله وما كان لغيره رمى به وجه المرائي والمنافق الكذاب. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر:١٠]، المكر هو: الحيلة والتظاهر بالطاعة والإيمان، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر:١٠]، أي: يفعلون السيئات ويتظاهرون بالطاعات، ويتحايلون على الناس استغلالاً لهم، بأن يظهروا لهم أنهم ناس طيبون صالحون وهم في حقيقة الأمر منافقون، لا دين لهم صحيح ولا خالص. فهؤلاء يمكرون بالناس ويتحايلون عليهم ويظنون أن حيلهم ستجوز على الله، ولكن هيهات هيهات، فهؤلاء لهم عذاب شديد أليم، ولهم خزي من الله، وإن كانوا كافرين فلهم الخلود في النار، وإن كانوا من عصاة المؤمنين فإن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم. وقوله: ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: مكر أولئك الجاحدين وتحايلهم وأكاذيبهم وأضاليلهم يضمحل ويهلك ولا يقبل. ويقال: بارت السلعة، أي: بقيت مهملة لم يقبلها أحد، ولم تعجب أحداً، كذلك أعمال هذا قد بارت ومكره بار واضمحل وعاد عليه بالسوء وبالعذاب الشديد.

стр. 1544

تفسير قوله تعالى: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً) قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]. يخاطب الله تعالى الذين كفروا به أو عصوه: ألم تتذكروا كيف كنتم؟ ومن أين جئتم؟ كنتم عدماً ونحن الذين أوجدناكم من تراب، كان الأب الأول آدم من تراب، فهذا الذي يريد أن يظلم الخلق ويتعالى على الناس ويقول: أنا ربكم الأعلى، يجب أن يتذكر أنه خلق من تراب يدوسه الناس بنعالهم. وهذا الذي من تراب يجب أن يكون دائماً متواضعاً لله، ولعباد الله المؤمنين، وألا يتعالى ويتعاظم على الله ولا على خلق الله، ولا يظلم الناس، وليعرف أن أصله من تراب. وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [فاطر:١١]، أي: من ماء مهين، من نطفة تخرج من مخرج البول، ودخلت مدخل البول، وبقيت في قرار مكين بين البول وما يتعلق بالبول، هكذا خلقة الإنسان، فلم التعاظم؟ ولم التكبر على الله وعلى عباد الله؟ ولم تقول: أنا ربكم الأعلى؟! وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر:١١]، أي: بعد النطفة جعل الله ذكراً وأنثى، وزاوج بين الذكر والأنثى، فكان الخلق بعد التراب، وبعد خلق حواء من ضلع آدم، جعل من آدم نطفة، ومن رحم حواء قراراً مكيناً، وهكذا وقع التزاوج ذكراً وأنثى إلى يوم القيامة، ولم يفرد بغير ذلك إلا آدم وعيسى فقد خلق آدم من تراب، وعيسى من أم بلا أب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].

стр. 1545

تفسير سورة فاطر [١١ - ١٢] خلق الله الخلق بعلمه وصرف أمورهم وأحوالهم بحكمته فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا في أنفس الخلق، وهو سبحانه إذ يمتن على عباده بذلك يأمرهم بأن يتفكروا في خلقهم وأصل نشأتهم ومآلهم، ثم يلفت أنظارهم إلى خلق البحار المالحة المائجة والبحار العذبة الوادعة وما فيهما من أرزاق سخرها الله لعباده وطالبهم في مقابلة ذلك بحسن استغلالها وشكره عليها.
следующие страницы →