Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
تفسير سورة فاطر [٩ - ١١]
إن نعم الله تعالى على عباده عظيمة ومنائحه لهم جزيلة وجسيمة، ومن هذه النعم التي تفضل بها على عباده نعمة المطر الذي يحيي الله به الأرض بعد موتها، فتخرج نباتها وزرعها وتصير مخضرة بعد أن كانت قاحلة مغبرة، والله يمتن على عباده بذلك ويذكرهم بحال الخلائق يوم النشور، يوم يقوم الناس لرب العالمين.
стр. 1542
تفسير قوله تعالى: (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت)
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩].
هذا مثل ضربه الله، وكثيراً ما ترد الأمثال في القرآن الكريم.
يتساءل الإنسان: كيف يحيي الله الموتى؟ فقد سأل إبراهيم عليه الصلاة السلام ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠].
قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠].
فبماذا أمره؟ ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة:٢٦٠].
فقام إبراهيم إلى مجموعة من الطير فذبحها، وقطع لحومها قطعة قطعة، ثم خلطها ببعضها، ثم أخذ هذه اللحوم المختلطة فوضع جزءاً منها على رأس جبل، وجزءاً على رأس جبل، وجزءاً على رأس جبل، ثم دعاها: تعال يا غراب تعال يا حمام تعال يا إوز، وإذا بالريش والأجزاء تتطاير إلى أن رجع كل جزء إلى أصله، وأصبحت هذه الطيور تطير بين يديه وتهدر.
وفي الحديث: (جاء أعرابي فقال: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى بعد أن نكون رمماً؟ فقال له ﷺ : ألم تر وادي أرضك ممحلاً جدباً -أي: النبات فيه قليل- ورقه قد تحات ويبس، والمياه جفت قال: نعم، قال له: ألم تر إلى المطر ينزل عليها وإذا بها تهتز وتخضر؟ قال: بلى، قال: هكذا يحيي الله الموتى).
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر:٩]، وقرئ: (الريح).
هذه الرياح التي تتحرك كما نرى تثير وتهيج السحاب حتى يتجمع السحاب، فإذا به ينزل مطراً بأمر الله وإرادته.
وقوله: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر:٩]، تكلم أولاً عن الغائب الحاضر ﷻ ، ثم قال: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر:٩]، ونسب ذلك إلى المتكلم، وكل ذلك في حق الله سواء.
﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر:٩]، أي: إلى أرض جدباء قاحلة قد يبست أشجارها، وتحات ورقها.
وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر:٩]، أي: أحيا الله بهذه السحب التي ملئت أمطاراً، ثم ساق هذه الأمطار والسحب إلى أرض ميتة قاحلة جدباء لا نبت فيها ولا ورق ولا اخضرار.
إذاً: فنحن عندما نأتي إلى أرض جدباء نرى هذه الشجرة في فصل الخريف تحات ورقها، ثم يأتي فصل الشتاء، ثم تأتي السحب بالأمطار فتنزل على هذه الأرض المجدبة، وإذا بالله تعالى يحيي هذه الأرض بعد موتها، وإذا بها تهتز فتخرج الشجرة من تحت الأرض أول مرة برعمة صغيرة، وهكذا تزداد وتزداد وتزداد إلى أن تراها شجرة كبيرة طويلة، فلا ترى رأسها حتى تطأطئ لها الرأس.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩].
ورد عن النبي عليه الصلاة السلام أنه قال: (إن الإنسان إذا مات فني جميع جسده إلا عجب الذنب).
وعجب الذنب هو: قطعة في آخر سلسلة فقرات الظهر، وحجمه كحجم حبة العدس، وقد ورد عن نبي الله عليه الصلاة السلام أن عجب الذنب بمثابة البذرة التي يحيي الله الإنسان به، فيوم القيامة سينزل سبحانه أمطاراً وإذا بعجب الذنب ينبت كما ينبت النبت، وإذا بنا قيام بين يدي ربنا عراة حفاة غرلاً، لما سمعت عائشة ﵂ هذا من النبي عليه الصلاة السلام قالت: (عراة يا رسول الله يرى بعضنا بعضاً؟ قال لها: يا عائشة الناس في شغل عن ذلك، كل الناس تقول: نفسي نفسي)، يعني: الناس في ذلك اليوم كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦].
لا أحد يفكر في أحد، كل واحد يفكر في نفسه، فلا يرى هذا عورة هذا، ولا يلتذ ولا يتمتع الإنسان في ذلك اليوم بالنظر إلى العورات، إلا المتقون الذين يدخلون الجنان عندما يكرمهم الله بالحور العين.
إذاً: يضرب الله مثلاً بالأرض الميتة عندما يحييها بالغيث، فهكذا الإنسان يكون موته كما تموت الأرض، وكما يتحات ورق الشجر، ثم يأتي الله بسحب مليئة بالأمطار فيصبها في الأرض الميتة، وإذا بها تربو وتهتز وتخضر، وتعطي من كل فاكهة زوجين.
وهذا نراه بالعين ونشعر به بالحاسة البشرية، فلم تنكر البعث بعد الموت وأنت ترى هذا؟ هل يستطيع أحد من الخلق أن يفعل هذا؟ هل يستطيع أن ينبت إنسان شيئاً لم يأذن الله نباته؟ إذا ذهب الماء وغار في الأرض فهل يستطيع إنسان أن يأتي به مرة ثانية؟ إذا ذهبت الحياة من الإنسان فهل يستطيع بشر ما أن يعطيه الحياة؟ ليس هذا إلا من عمل الله، وليس هذا إلا من خلق الله.
وهكذا هنا يقول: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] أي: كما أنه يحيي الأرض القاحلة بالغيث والأمطار، كذلك يحيي الإنسان وينشره بعد أن يكون قد مات.
стр. 1543
تفسير قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً)
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠].
ما أوقع هذه الآية على عصرنا الآن، فقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ [فاطر:١٠]، كثير من الشعوب الإسلامية والأمم الإسلامية ظنوا أن عزتهم تكون في متابعة اليهود والنصارى والاستسلام لهم، وفي متابعة المنافقين والاستسلام لهم وفعل فعلهم، والمشي على منوالهم، يقول الله لهؤلاء وأمثالهم: من كان يريد العزة فليبحث عن العزة عند صاحبها سبحانه، ليكون عزيزاً مستقلاً وذا حضارة وذا شأن ومقام، إياك أن تظن أن العزة لأحد غير الله، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، يعني: قليلها وكثيرها، هذا كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨]، إذاً: لا عزة ليهودي ولا لنصراني ولا لمنافق، ومن شاء أن يعتز بغير الله ذل وكان له الهوان، وكانت له الحقارة في الدنيا، وعذاب الله يوم القيامة أشد.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠]، فمن يريد العزة فهي في طاعة الله، وهي في الإيمان بالله، وهي في الإيمان برسول الله، وهي في العمل بكتاب الله.
لقد اعتز آباؤنا وأجدادنا والمسلمون بدينهم فكانوا سادة الأرض، وما كان يخطر ببال أحد منهم أن الكفار سيرفعون رءوسهم في يوم من الأيام أمام الدولة الإسلامية، بل كانوا أذلاء حقراء أمامها، وعندما بدل المسلمون وغيروا غير الله عليهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
اللهم أعدنا إليك عوداً صالحاً دائماً بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: إلى الله يصعد الكلم الطيب، والكلم الطيب: لا إله إلا الله، وهو الذكر بكل أنواعه؛ الله أكبر كبيراً، وسبحان الله، والحمد لله، والعزة لله، والمجد لله، والثناء على الله بجميع أسمائه الحسنى.
والكلم الطيب هو الإيمان، وهو الكلمة الصالحة التي يقولها المسلم لأخيه المسلم، وهو تلاوة القرآن ومدارسته، وهو دراسة حديث رسول الله، ومدارسة العلم بأشكاله، وهو العلم الموصل للآخرة، سواء كان علم دنيا أو علم آخرة.
فقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: الكلام الطيب بكل أنواعه، كل كلمة طيبة فيها ذكر لله وفيها تلاوة ومدارسة للقرآن يقبلها الله وتصعد إليه.
وقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: أن الكلم الطيب بغير عمل صالح لا يرفع، وهو أشبه بالنفاق، كأن يقول الإنسان بلسانه: لا إله إلا الله، وهو كافر بمعناها ومقتضاها، فلا يصلي ولا يصوم ولا يزكي ولا يحج، وقد يكون مسلماً باللسان لكن يعتز بأنه شيوعي، أو أنه ماسوني، أو أنه اشتراكي، وإذا أمرته بالإسلام يقول لك: الإسلام مظاهر، ويقول: ليس هذا وقت قطع الأيدي ولا الرجم ولا الصلب ولا الجلد، نحن متحضرون، يعني: حضره الشيطان والكفر والذل والهوان، أما العزة والحضارة والسيادة الحقيقية فهي في طاعة الله وفي طاعة رسول الله، وهي في أن يكون الإنسان مسلماً.
(والعمل الصالح يرفعه)، عن رسول الله عليه الصلاة السلام أنه قال: (لا نية بلا عمل)، أي: لا قول بلا عمل، ولا عمل ولا قول بلا نية، ولا نية ولا قول ولا عمل إلا بإخلاص، فلا بد للكلام مما يصدقه، وتصديق الكلام عمل الجوارح، وتصديق الجوارح الإخلاص لله، فلا يفعل ذلك لكي يقال: فلان شجاع أو كريم أو دين أو مسلم أو أو بل يكون فعله عبادة خالصة لله، وما لم يكن كذلك لا يقبله الله: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
فقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠]، العمل الصالح من طاعات بجميع الأركان، يعني: يرفع الكلم الطيب المقترن بالعمل الصالح إلى الله، هذا تفسير، وفسر أقوام فقالوا: لا إله إلا الله تفيد قائلها على كل حال، سواء بعمل أو بغير عمل، إذا قالها بلسانه وصدقها قلبه، وأما إن عمل فهو قد كمل إيمانه، وإذا لم يعمل فهو ناقص الإيمان وأمره إلى الله.
فالكلم الطيب يصعد إلى الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١٠]، أي يقبله إذا كان خالصاً، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:١٠] أي: يرفعه الله، هكذا فسر هؤلاء الضمير هنا، والله على كل حال هو الرافع وهو الواضع، وهو الذي يقبل وهو الذي يرد ﷻ .
ما كان خالصاً لله قبله وما كان لغيره رمى به وجه المرائي والمنافق الكذاب.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر:١٠]، المكر هو: الحيلة والتظاهر بالطاعة والإيمان، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر:١٠]، أي: يفعلون السيئات ويتظاهرون بالطاعات، ويتحايلون على الناس استغلالاً لهم، بأن يظهروا لهم أنهم ناس طيبون صالحون وهم في حقيقة الأمر منافقون، لا دين لهم صحيح ولا خالص.
فهؤلاء يمكرون بالناس ويتحايلون عليهم ويظنون أن حيلهم ستجوز على الله، ولكن هيهات هيهات، فهؤلاء لهم عذاب شديد أليم، ولهم خزي من الله، وإن كانوا كافرين فلهم الخلود في النار، وإن كانوا من عصاة المؤمنين فإن شاء الله غفر لهم وإن شاء عذبهم.
وقوله: ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر:١٠]، أي: مكر أولئك الجاحدين وتحايلهم وأكاذيبهم وأضاليلهم يضمحل ويهلك ولا يقبل.
ويقال: بارت السلعة، أي: بقيت مهملة لم يقبلها أحد، ولم تعجب أحداً، كذلك أعمال هذا قد بارت ومكره بار واضمحل وعاد عليه بالسوء وبالعذاب الشديد.
стр. 1544
تفسير قوله تعالى: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً)
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١].
يخاطب الله تعالى الذين كفروا به أو عصوه: ألم تتذكروا كيف كنتم؟ ومن أين جئتم؟ كنتم عدماً ونحن الذين أوجدناكم من تراب، كان الأب الأول آدم من تراب، فهذا الذي يريد أن يظلم الخلق ويتعالى على الناس ويقول: أنا ربكم الأعلى، يجب أن يتذكر أنه خلق من تراب يدوسه الناس بنعالهم.
وهذا الذي من تراب يجب أن يكون دائماً متواضعاً لله، ولعباد الله المؤمنين، وألا يتعالى ويتعاظم على الله ولا على خلق الله، ولا يظلم الناس، وليعرف أن أصله من تراب.
وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [فاطر:١١]، أي: من ماء مهين، من نطفة تخرج من مخرج البول، ودخلت مدخل البول، وبقيت في قرار مكين بين البول وما يتعلق بالبول، هكذا خلقة الإنسان، فلم التعاظم؟ ولم التكبر على الله وعلى عباد الله؟ ولم تقول: أنا ربكم الأعلى؟! وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [فاطر:١١]، أي: بعد النطفة جعل الله ذكراً وأنثى، وزاوج بين الذكر والأنثى، فكان الخلق بعد التراب، وبعد خلق حواء من ضلع آدم، جعل من آدم نطفة، ومن رحم حواء قراراً مكيناً، وهكذا وقع التزاوج ذكراً وأنثى إلى يوم القيامة، ولم يفرد بغير ذلك إلا آدم وعيسى فقد خلق آدم من تراب، وعيسى من أم بلا أب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].
стр. 1545
تفسير سورة فاطر [١١ - ١٢]
خلق الله الخلق بعلمه وصرف أمورهم وأحوالهم بحكمته فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا في أنفس الخلق، وهو سبحانه إذ يمتن على عباده بذلك يأمرهم بأن يتفكروا في خلقهم وأصل نشأتهم ومآلهم، ثم يلفت أنظارهم إلى خلق البحار المالحة المائجة والبحار العذبة الوادعة وما فيهما من أرزاق سخرها الله لعباده وطالبهم في مقابلة ذلك بحسن استغلالها وشكره عليها.
стр. 1546
تفسير قوله تعالى: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً)
قال الله ﷻ : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]، يلفت الله ﷻ أنظارنا إلى أن نفكر ونتدبر كيف خلقنا، ونسأل أنفسنا: من أين جئنا؟ ما أصلنا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ لنجد الجواب في قوله ﷻ : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر:١١]، فالله قد خلق أصل البشرية وهو آدم ﵇ من تراب، ثم خلق البشر بعد ذلك من نطفة، ثم جعلنا بعد ذلك أزواجاً ذكراً وأنثى، فزوج الذكر بالأنثى، ثم تتابع النسل؛ ليبقى أصل الجنس إلى أن يأتي أمر الله بفناء الكون فينتهي الإنسان والخلق بانتهاء الكون.
وقد مضى تفصيل خلق الله الإنسان من تراب في آيات ماضيات، وعلمنا كيف أن الله خلق الإنسان بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم خلق زوجه من ضلع منه، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، ثم حدث الزاوج بين آدم وحواء، فكانت الخلقة الثانية بعد التراب من نطفة من صلب الرجل إلى مكان مكين في رحم المرأة.
وهكذا تتابع الخلق إلى أن ينفخ الله في الصور، فالذي صنع ذلك ليس إلا الله ﷻ ، فلا الأصنام ولا المعبودون من غير الله من جمادات ومن ملائكة ومن جن ومن إنس قادرون على ذلك.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، أي: ما من أنثى في الكون من بنات حواء تحمل حين تسقط في رحمها نطفة الرجل من صلبه إلا وذلك بعلم الله، وبخلق الله، وبقدرة الله، وما تضع هذه النطفة جنيناً وليداً ذكراً كان أو أنثى ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر:١١]، أي: إلا بخلقه وبإرادته ﷻ .
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر:١١]، أي: ولا يحيا وليد من بني الإنسان ذكراً كان أو أنثى، و (يعمر) أي: يطول به العمر وتمتد به الحياة، إلا وكان ذلك بعلم الله ﷻ وبقدرته وإرادته، فمن هذه النطفة ما تسقط قبل تكوينها، ومنها ما تجهض وقد أصبحت جنيناً تجري فيها الروح، ومنها ما يذهب طفلاً، ومنها ما يذهب يافعاً وهكذا إلى أن يبلغوا أرذل العمر لمن كان بالغاً ذلك.
فمعنى قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر:١١]، أي: ما يمتد به العمر، وتمتد به الشهور والأعوام والسنوات إلا وبعلم الله كان ذلك، وبقدرة الله كان ذلك، ولا ينقص من عمره إلا في كتاب.
نحن الآن نتدارس كتاب الله في هذه البنية المقدسة عند بيت الله الحرام قد عمرنا سنوات مضت، وتلك السنوات الماضية نقصت من أعمارنا، فالملائكة المكلفون كتبوا يوم زرعت الروح فينا ونحن أجنة في أرحام أمهاتنا، فقد كتب الملك بأمر الله تكويننا؛ ذكراً أو أنثى وشقياً أم سعيداً طويل عمر أم قصيره مؤمناً أم كافراً، ومن قدر له عمر مهما كان ذلك العمر فبمجرد خروجه للدنيا ومضي الأيام والأسابيع والشهور والسنين كان ذلك نقصاً من عمره.
قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر:١١]، أي: ما يعيش عمراً، ويمتد العمر بإنسان من الناس إلا كان ذلك بعلم الله وقدرته، ثم يأخذ بالعودة والرجوع وينتقص عمره، فكل يوم يكتب الملك المكلف بذلك: مضى من عمر فلان يوم، مضت جمعة، مضى عام، مضت شبيبة، مضت كهولة، مضت شيخوخة إلى أن يأتي ملك الموت، فما من معمر يعمر -يطول عمره- وما من سنوات تنقص من عمره إلا كان ذلك (في كتاب) أي: كان ذلك في اللوح المحفوظ يوم قدر الله الخلائق، فقدر أعمارهم وحياتهم، وقدر ما يرتبط بهم قبل خلقهم بألفي عام، كل ذلك كان مكتوباً في اللوح المحفوظ وفي الكتاب الخاص بذلك الإنسان: كم يعمر، ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد.
وهكذا كل ذلك بقدر سابق، وبترتيب سابق، وبخلق سابق، وإنما هي أمور يبديها ولا يبتديها يظهرها ولا يخلقها إذ ذاك، فقد قدر خلقها يوم قدرت في اللوح المحفوظ قبل خلق الأكوان.
وفسر قوم الآية: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر:١١]، أي: جنس الإنسان، ما من عمر كان طويلاً، وما من عمر كان قصيراً إلا وذلك في كتاب في علم الله، فعلم أن هذا سيعيش سنوات، والآخر سيصل للشبيبة، والآخر إلى الكهولة، والآخر إلى أن يكون شيخاً، والآخر إلى أن يكون شيخاً هرماً فانياً -يصل إلى أرذل العمر-، كل ذلك مكتوب في كتاب في اللوح المحفوظ.
وفي كتاب الإنسان ما قدر له يوم خلق، بل يوم زرعت الروح فيه وهو في بطن أمه في رحمها، والمؤدى واحد، فإذا ذكرت الأعمار فهي في كتاب، فتذكر أن كانت طويلة أو قصيرة، وإن نقص منها بأن انتهت منها سنوات وأوقات وأزمان هي كذلك بعلم الله وقدرته، فالمؤدى واحد، ومعنى ذلك أن كل ما في الكون من خلق الله ومن إرادته ومن عمله ﷻ ، لا الأصنام المعبودة تقدر على شيء من ذلك، سواء كانت الأصنام جمادات أو كانت أناسياً، أو كانت ملائكة، أو كانت جناً، فكل ما عبد من دون الله فهو صنم بالنسبة لعابده، وكل أولئك لا يقدرون على شيء، ولا يخلقون شيئاً، بل الله الخالق لهم، والخالق لعابديهم الكفرة الجاحدين.
قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١]، أي: في اللوح المحفوظ، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١]، أي: أن تقدير الأعمار الطويلة والقصيرة، وتقدير الأعمال خيراً كانت أم شراً كل ذلك يسير على الله لا يصعب عليه شيء، ولا يعز عليه شيء، ولا يحتاج لذلك أكثر من أن يقول: كن فيكون، ولا يحتاج إلا أن ترتبط إرادته بالشيء فيكون، انفرد بذلك وحده الخالق الرازق المحيي المميت ﷻ .
стр. 1547
تفسير قوله تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر:١٢].
الله يلفت أنظارنا إلى أن نتدبر وإلى أن نفكر وإلى أن نتساءل في أنفسنا كما تساءلنا عن أصلنا؛ كيف خلقنا لما جئنا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ كذلك لفت أنظارنا وعقولنا لهذه البحار المالحة والحلوة، هذه البحار التي نستخرج منها لحماً طرياً، ونستخرج منها حلية نلبسها مفاخرين بها، ونسافر عبر البحار من قارة إلى قارة نختصر بذلك الطرائق الطويلة، نبتغي من فضل الله من التجارة ومن الربح ومن الضرب في الأرض للاسترزاق، وللخدمة للأولاد، ولرزق العيال ولما يقي به الإنسان وجهه عن السؤال والحاجة إلى الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ [فاطر:١٢] أي: ليس البحران سواء، ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [فاطر:١٢]، عذب: طيب حلو كمياه الأنهار ومياه الآبار ومياه الثلوج، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر:١٢]، وذاك مالح، بل هو الملح نفسه، وأجاج: أي: شديد الملوحة، مر شديد المرارة، وهذه صفة لكل البحار، وما يتعلق بالفرات وبالنيل وأشباهها فهي ليست بحوراً ولكنها أنهار كبيرة واسعة، فهي أكبر من غيرها، وأما البحار فكالبحر الأبيض، والبحر الأحمر، والبحر المحيط، والبحر الهادي وتكون رقعتها ثلثي الأرض أو زيادة.
فيبين الله آيته في هذه المياه؛ الفرات الطيب الحلو عذب يستعذبه اللسان ويستسيغه الحلقوم ويستطيع الشارب شربه بلذة ورغبة، وهو يقول: هل من مزيد، وليس كذلك مياه البحر، فلو شرب منه شربة لوجد أثره في حلقه، ولما استساغه إلا بالرغم عنه وإلا بالإجبار وذاك يضره، وما خلقت مياه البحر للشرب، ولكن خلقت لشيء آخر، وإن كان إذا اضطر إليها ساكنو الصحاري وساكنو الفلوات فهم يزيلون منها ملوحتها ومرارتها فيشربونها، ومع ذلك فرق كبير بينها وبين الماء العذب بخلقته وفطرته التي فطره الله عليها، والأجسام التي لا تشرب إلا هذه المياه المصفاة لا تكتفي بها وتترك في الجسم أثراً، ولا تغني عن المياه العذبة رغم ما يزاد فيها من مواد لتحلو وتطيب، ولذا لا تكون مياه البحر العذب الطيب الزلال كمياه الآبار والعيون والأنهار سواء مع المياه المالحة المرة، ومن كلا البحرين -الماء العذب الفرات الطيب والماء المالح الأجاج المر الشديد المرارة والشديد الملوحية- نستخرج لحماً طرياً فنصطاد الحيتان أشكالاً وألواناً، وكل صيد البحر حوت مهما كان شكل هذا الحوت، حتى ولو كان في شكل الإنسان كما زعم الزاعمون ولم يصح ذلك.
سئل الإمام مالك: أحيتان البحر حلال؟ قال: نعم، قال السائل: كل صيد البحر؟ قال: نعم، قال: وخنزير البحر؟ قال: حرام، قال: أنت أحللت لي الآن كل صيد البحر! قال: نعم، قال: أنت الآن حرمت الخنزير؟ قال: أنت سميته خنزيراً، فأنا حرمت الاسم وليس في البحر خنزير ولا كلب.
وكل ما سمي بذلك هي أسماء جعلها الناس بما وجدوا من شبه بين بعض الحيتان وهذه المخلوقات المحرمة كالكلب والخنزير في البراري، وإلا فصيد البحر كله حلال، حيه وميته ما لم يطف على وجه الماء، نستخرج منه لحماً طرياً على غاية ما يكون من اللذة، وتختلف لذاذته ويختلف طعمه كما تختلف لحوم البر، قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ [فاطر:١٢] يسمى التنوين في قوله: (كل) تنوين العوض، أي: يعوض به عن كلمة، والمعنى: من كل البحر العذب الفرات والبحر الملح الأجاج تستخرجون وتصطادون وتأكلون ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر:١٢] حوتاً طرياً لا يزال على طراوته، فأنتم تأكلون كل ذلك وقد أحله الله لجميع البشر، وذكاته استخراجه من البحر، ثم قال سبحانه: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر:١٢]، أي: تستخرجون من البحر الحلية كاللؤلؤ والمرجان، (تلبسونها) ولباس كل شيء بحسبه فنحن نضع الخاتم في الأصبع وهو لباس لها، ونجلس على الفراش وهو لباس له، نلبسه على أجسامنا وهو لباس، فكل ما ينتفع به الإنسان سواء وضعه على يده أو على بدنه أو اتخذه للجلوس فهو لباس.
قال أنس ﵁: لقد أخذت حصيراً أسود من كثرة ما لبسناه، ويعني بلبسه: الصلاة عليه، وسئل أحد السلف: الحرير الذي حرم الله على الرجال، هل لبسه فقط؟ قال: لبسه وفرشه، ففرشه لباس وجعله على البدن لباس، وكل ذلك لباس، ولباس كل شيء بحسبه، فنحن نضع الخاتم في اليد فهو لباس، وحين تضع المرأة العقد في عنقها والأخراص في آذانها والخلاخل في أقدامها يعتبر كل ذلك لباساً، وكذلك هنا نستخرج من البحر الحلية التي تتحلى بها المرأة من جواهر ولآلئ ومن مرجان، ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢].
(تستخرجونها) قال بعض مفسري الآية الكريمة: في البحر مياه عذبة، وعيون نابعة، فنحن نستخرج الحلية من هذه المياه العذبة والبحار، وهذا تكلف لا حاجة إليه ففي اللغة العربية الفصحى وفي كلام العرب البليغ -والقرآن نزل بلغة العرب وهو أبلغ كلام وأفصح كلام، بل هو الكلام المعجز أن يؤتى بمثله أبداً- تقول العرب: دخلت على الحسن والحجاج فدخلت على الخير والشر؛ الخير بالنسبة للحسن البصري والشر بالنسبة للحجاج، وتقول: تعرفت على الكسائي وسيبويه فتعرفت على اللغة والنحو، اللغة للكسائي والنحو لـ سيبويه.
وقد ذكر الله هنا البحرين فكان اللحم الطري لكلا البحرين: العذب الفرات والملح الأجاج، وكان اللؤلؤ والمرجان للبحر المالح المر، وهذه لغة فصيحة بليغة وإلا فليس من المعروف أن اللآلئ والجواهر والمرجان تستخرج من الأنهار وإنما تستخرج من البحار ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر:١٢]، قوله: (وترى الفلك فيه) أي: في البحر المالح، تراه مارجاً ماشياً مسرعاً، (وترى الفلك فيه مواخر) مخر البحر، أي: شقه، والمعنى: تجد هذه البواخر، وهذه السفن تشق البحر بجؤجئها الذي هو كصدر الطائر العائم أو الطائرة وما إلى ذلك، وخص الماء المالح في قوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ﴾ [فاطر:١٢]، لأنها بحار كبار واسعة، والفلك: جمع السفن من البواخر والبوارج وكل ما يجري على مياه البحر وعلى سطحها وعلى أديمها ﴿مَوَاخِرَ﴾ [فاطر:١٢]، جمع ماخرة أي: تشقها بصدرها وتسافر عليها وتقطع المراحل لتطوي المشارق والمغارب، ولتصل من قطر إلى قطر، ومن قارة إلى قارة، وهذه المياه التي تحمل الإنسان وما يركب عليه من أخشاب وحديد وما إليها كل ذلك بقدرة الله، ومن ركب البحر يدرك ذلك خاصة البحر المحيط الذي يسمى: بحر الظلمات، وهذه البحار عندما تتحرك -وأيامها جميعاً متحركة وخاصة في أيام الشتاء- ترى الأمواج كأنها الجبال تتلاطم، حينها تجد نفسك وأنت على الفلك من باخرة أو سفينة وكأنها مدينة على سطح الماء، وعندما تأتي الأمواج تصبح السفينة بين جبلين فإذا تلاطمت تجد الباخرة كما وصفها عمرو بن العاص: كدود على عود، فتراها تتأرجح وتتلاطم بها الأمواج يميناً وشمالاً أماماً وخلفاً، حتى تعتقد أن هذه الموجة ستغرق الباخرة بمن فيها من ركاب، وإذا بكل ذلك لا يقع فهي تصنع يوم تصنع على غاية ما يكون من التوازن بما تستطيع به شق البحار الهائجة المائجة وهي تمخر البحار المحيطة، وتمخر البحار الصغيرة، ونعني بالصغيرة: كالبحر الأحمر، والبحر الأبيض فهي صغيرة بالنسبة للمحيطات.
ويعنون بالمحيط: أنه محيط للكرة الأرضية، ويسميه العرب بحر الظلمات أما الأجانب فيقولون له: البحر الأطلنطي، ومعناه: الظلمات، وكانوا يظنون قبل اكتشاف قارة أمريكا أنه ليس وراء هذه البحار إلا الظلام، وأنه ليس وراءها عمار إلى أن اكتشف أسلافنا في الأندلس أن وراء المحيط دنيا عريضة واسعة فذهب مجموعة من الشباب الجغرافيين وهم يظنون أول مرة ظناً قوياً أن وراء المحيط قارة وساعدهم بعض الأمراء على ذلك فأرسلوهم بمائتي سفينة ليكتشفوا ما وراء البحر المحيط، فلم يبق من المائتين إلا واحدة ودمرت تلك السفن كلها بعد أن ابتلعتها الأمواج، ووصلوا بعد ذلك إلى أرض وهم بين الحياة والموت فوجدوا فيها الأغنام وكأنها القطط، ووجدوا المياه العذبة ووجدوا الأشجار الباسقة بأنواع من الفواكه، وحينها استراحوا فشربوا من الماء ثم أخذوا يذبحون الشياه وإذا بهم يجدونها مرة، فذبحوا الثالثة والرابعة والخمسين مره فذهبوا يشبعون جوعتهم من الفواكه إلى أن اكتفوا وإذا بهم يخرج عليهم ناس من البلدة وهم هؤلاء الذين سموا الهنود الحمر، إذ هم سكان أمريكا الأصليون، وأما من جاء بعد ذلك فإنما هم مستعمرون تجمعوا من مختلف أقطار الأرض وخاصة من قارة أوربا، وبعد أن قبضوا أخذوا إلى أميرهم أو كبيرهم فسألهم: ماذا تريدون؟ فلم يتفاهموا وإذا بهم يجدون من يترجم لهم العربية، فقالوا: جئنا لنكتشف هذه الأرض وقد كنا ظننا ظناً قوياً أن بعد المحيط قارة، فقال لهم: أنتم شباب مغرورون فأركبوهم في سفينتين وغمضوا عيونهم وشدوا رباطهم وأبحروا بهم مسافة شهرين كما قدروا ورموهم إلى شاطئ، فلما فتحوا أعينهم أخذوا يسألون بعد أن وجدوا الناس: أين نحن؟ قالوا: أنتم على شاطئ أرض مسماة بالمغرب الأقصى، فصاحوا وقالوا: وا أسفي فهي مدينة لا تزال إلى اليوم كثيرة الخلجان كثيرة المصاب كثيرة المصانع للحوت المعلب تسمى آسفي.
ومن ذلك الوقت سميت بهذا الاسم ولم يكتشفها كولومبوس كما قالوا، وإنما كولومبوس سمع هذا تبعاً، وقبل سنوات كتب شاب ياباني أطروحة لنوال الدكتور
стр. 1548
تفسير سورة فاطر [١٣ - ١٨]
إن من وسائل القرآن التي يتبعها في مناقشة الكافرين المعرضين عن الله وعن دينه وسيلة المناقشة العقلية، فيلفت الله انتباههم إلى حال معبوديهم من دونه، فهم ضعفاء محتاجون إلى من يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم في ذوات أنفسهم، ثم إذا قدر الله عليهم الفناء كما قدره على سائر خلقه فإنهم لا يستطيعون دفعه ولا الفرار منه؛ لذا فهم أضعف وأهون من أن يعبدوا مع الله .
стр. 1549
تفسير قوله تعالى: (يولج الليل في النهار)
قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣].
يقول الله ﷻ وقد دعانا للتفكير في أنفسنا كيف خلقنا؟ وما أصلنا؟ وكيف انتقل التراب إلى نطفة والنطفة إلى زوجين ذكر وأنثى؟ ثم عمر من عمر ومات من مات وقصر عمره، ثم هذه المياه العذبة الفرات، ثم هذه المياه المالحة الأجاج وما نستخرج منها مما نغذي به أبداننا من لحم طري، ومن حلية وزينة يتحلى بها نساؤنا في السواعد والأقدام والآذان والأعناق وما إلى ذلك، وهذه البحار التي نجوبها للتجارة نجوبها للسياحة نجوبها طلباً للعلم ومعرفة لخلق الله في كونه وفي أرضه ﷻ وعلا مقامه، وهنا يلفت أنظارنا للزمن.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر:١٣]، يولج: يدخل، ويولج الليل: يدخله في النهار، ويدخل النهار في الليل، يختلفان زمناً فيطول هذا ويقصر هذا، وقد يستويان زمناً فيكون لليل ١٢ ساعة والنهار كذلك، ثم يقصر أحدهما ويصبح من ثمان ساعات إلى عشر ساعات وقد يصل إلى ١١ ساعة، ولا يتجاوز الليل والنهار ٢٤ ساعة، وإنما يزيد الليل على حساب النهار ويزيد النهار على حساب الليل، نرى النهار مشرقاً فإذا أقبل الليل مال النهار إلى الاصفرار، ثم يميل إلى العتمة وإذا بالظلام يأتي من الغرب مسرعاً حتى يدخل في النهار فيغطيه ويغمره، وعندما يلج الليل في النهار يذهب النهار، وعندما ينتهي الليل يلج النهار في الليل وإذا بالضياء منتشراً مع الفجر، فيراه الرائي يعلو قليلاً قليلاً إلى الفجر الصادق ثم أذان الصبح ثم الاصفرار إلى شروق الشمس، وللمرء أن يتساءل أين الليل إذا ذهب النهار؟ وأين النهار إذا ذهب الليل؟ من صنع ذلك؟ لو جعل الله الدنيا نهاراً دائماً لما وجدت سكينة ولا راحة، ولو كان النهار ليلاً دائماً لما استطاع المرء أن يضرب في الأرض، ولما استطعنا أن ندبر أمورنا، أو نقيم شعوبنا، أو نعمر دولنا.
وهكذا تتجلى رحمة الله بالعباد حين جعل الليل والنهار، فجعل الليل لنسكن فيه والنهار لنعمل فيه، وكل يجري إلى أجل مسمى.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر:١٣]، وهذه الشمس التي لا يستغني عنها كائن حي على وجه الأرض، لما لها من علاقة بالأجسام وصحتها، وبالشجر والنبات وبالمد والجزر في البحار كل ذلك من صنع الله وبديع خلقه، وهذا القمر الذي لا يستغني كذلك عنه الناس ولا النبات، وأثره على المد والجزر في البحر، وهكذا سخر الله لنا ذلك كله، جعله لصالحنا ولحياتنا كرماً منه وفضلاً ﷻ وعز مقامه.
أفلا نتساءل: من خلق الشمس؟ من خلق القمر؟ من أولج الليل في النهار والنهار في الليل؟ من خلق الإنسان؟ من خلق هذه المياه وأنبعها من الأرض؟ وهي التي لم تنته منذ خلق الله الكون؛ لأنها إذا انتهت انتهى الإنسان وفني ومات، فقد يصبر أحدنا عن الطعام أياماً ولربما أسابيع ولا يستطيع الصبر على الماء ساعات في أيام شدة الحرارة، وهكذا لن يستغني حي عن الماء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ﴾ [الأنبياء:٣٠].
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:١٣]، فالليل يتابع النهار، والنهار يتابع الليل، والشمس تتبع القمر، والقمر يتبع الشمس وكل ذلك يجري لأجل مسمى، وهذا الأجل المسمى عند الله هو يوم القيامة يوم ينتهي النهار وينتهي الليل، وتنتهي الشمس وينتهي القمر ويعم الفناء الأرض، ويعود الكون كما كان، فكما كان في عدم سيعود إلى عدم، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]، يبقى الله كما كان لا شيء قبله ولا شيء بعده، ثم يحيي الله الناس، فيعيد الخلق إلى الحياة للحساب، ومن ثم إما إلى جنة وإما إلى نار، فهو قد خلق ذلك إلى أجل وزمن محدد مسمى عنده، أي: مسمى في أي سنة من التاريخ الهجري مثلاً: في ليل أو نهار، وقد أخبر النبي ﵊ أن القيامة تقوم يوم الجمعة، فنحن قد علمنا يومها على الأرض ولكن متى تكون في صيف أو شتاء؟ في خريف أو ربيع؟ بعد سنة أو أكثر؟ كل ذلك لا يعلمه إلا الله، وفي الحديث عندما سأل جبريل نبينا ﵊: (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
فأمر الساعة مما استأثر الله بعلمه، وقد كرر الله هذا المعنى في القرآن في غير ما آية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، فالله استأثر بعلمها فيما استأثر به، ولكن قد بين بعض العلامات كما في حديث جبريل الذي سأل فيه النبي ﵊: (وما علامتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان)، وهذه العلامات الصغرى قد رأيناها ورآها جميع الناس، وتبقى العلامات الكبرى مثل: خروج المهدي المنتظر، وخروج الدجال، ونزول عيسى من السماء، وخروج الريح الحمراء التي تخرج في عدن، وشروق الشمس من مغربها، وظهور الدابة، وهي عشر علامات قد ورد ذكرها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولن تنتهي الدنيا حتى تظهر هذه العلامات العشر الكبيرة، ولعلنا على أبوابها أو قريبون منها.
التنوين في قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ [فاطر:١٣]، هو تنوين العوض أي: كل الليل والنهار، والشمس والقمر تجري إلى أجل، فهي باقية ومتسلسلة ويجري بعضها خلف بعض إلى أجل مسمى عنده، وهذا الأجل هو يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ﴾ [فاطر:١٣]، تقدم غير ما مرة في أكثر من مناسبة أن الإشارة تكون مفردة، ولكن إذا أشير إلى المخاطبين تتغير الإشارة بتغير المخاطبين، فإذا خاطبت واحداً قلت: ذلك الله، وإن خاطبت اثنين قلت: ذلكما الله، أي: أشير للمخاطبين، وإن خاطبت رجالاً جمعاً أقول: ذلكم الله، وإن خاطبت جمع نساء أقول: ذلكن الله، والخطاب الآن للرجال والنساء ولكل الخلق، ومعلوم أنه إذا كان الجمع مشتملاً على ذكور وإناث يغلب جمع الذكور ﴿ذَلِكُمُ﴾ [فاطر:١٣] أي: ذاك الذي يقدر على هذا، فهو الذي خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم جعله بشراً سوياً من ذكر وأنثى، وهو الذي خلق لنا المياه العذبة الزلال من الأنهار أو الآبار والعيون، وخلق لنا مياه البحار المالحة المرة، وهيأهما جميعاً حتى استخرجنا منهما لحماً طرياً من أنواع الحيتان والأسماك، واستخرجنا منهما الحلية التي يلبسها نساؤنا من أنواع الجواهر وأنواع اللآلئ وأنواع المرجان، والذي جعل الليل والنهار وجعل الشمس والقمر، وكل يجري لأجل مسمى، من الذي خلق ذلك؟ ومن الذي صنع ذلك؟ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر:١٣]، خالقكم ورازقكم ومحييكم ومميتكم، لا الأصنام التي يعبدها المشركون، ولا ماركس ولا لينين أو غيرهما مما يعبد المرتدون، ولا الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان من أنواع الجمادات وأنواع الأحياء، كل ذلك لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولن يخلق ذبابة ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
وما ذاك إلا لأن الملك لله وحده، قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر:١٣]، فله ملك السماوات السبع والأرضين السبع، له ملك الكون كله فلا يملك أحد معه شيئاً، ولذلك قال بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣]، قوله: تدعون، أي: تعبدون، والدعاء مخ العبادة، والقطمير هو: القشرة الرقيقة التي تكون بين التمرة وبين النواة، والحفرة اسمها النقير، والعرب تضرب الأمثال في لغتها فيقولون: فلان لا يملك نقيراً ولا قطميراً، ونطق الله بهذه الفصاحة والبلاغة في كتابه، فبين أن هؤلاء لا يملكون حتى تلك الجلدة الرقيقة التي على ظاهر نواة التمرة في جوف التمرة، إذ هم أحقر من ذلك وأقل وأعجز.
فهؤلاء الذين نسبوا لهم الألوهية والربوبية، ويجعلهم العابدون المشركون الوثنيون آلهة مع الله فنسبوا لهم الخلق والرزق، ونسبوا لهم الحياة ونسبوا لهم الموت، كل ذلك كذب وهراء وضلال مبين، إذ هم أعجز من أن يخلقوا حتى هذه القشرة التي بين النواة والتمرة.
فالله هو المالك لكل شيء، وهو الخالق لكل شيء، وهو الرازق لكل شيء.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ [فاطر:١٤]، أي: بل أكثر من ذلك، هؤلاء الذين تدعون وتعبدون من دون الله، وهم لا يملكون نقيراً ولا يملكون قطميراً، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، أي: إن ناديتموهم مستغيثين مستجيرين لا يسمعوكم إن كانوا جمادات صماً.
﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، أي: ولو سمعوا كما تسمع الملائكة بالنسبة لمن يعبدها وللجن بالنسبة لمن يعبدهم، وللعبد النبي عيسى وللصديقة مريم بالنسبة لمن يعبدهما لم يستجيبوا لهم، ولم يلتفتوا إليهم، ولم يحققوا طلبهم لأنهم عاجزون عن ذلك، وليس ذلك فحسب بل سيتبرءون منهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، ففي يوم القيامة تتبرأ هذه المعبودات الحية من شرك المشركين، وقد قص الله علينا قصة عيسى وهو يسأله ليقرع النصارى ويبكتهم ويكذبهم في زعمهم: ﴿يَا عِ
стр. 1550
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله)
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، خطاب لكل الناس: يا أيها الملوك والجبابرة والطغاة، يا أيها الأغنياء والفقراء، يا أيها الكافرون والمؤمنون، يا أيها الرجال والنساء، ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥]، كلنا فقراء إلى الله لأن يحيينا فقراء لأن يكسونا فقراء لأن يرزقنا فقراء لأن يصح أبداننا فقراء لأن يكرمنا بالإيمان فقراء له في كل شيء، وما يملك فينا من يملك ولو ملك الدنيا فإنما هو تملك عارية فحسب، قد ملك اسكندر المقدوني الدنيا يوماً، وقد ملك سليمان ما استطاع به أن يطير في الأجواء على السجاد، ويستخدم الجن والحيوانات والطيور ومع ذلك ذهب بمفرده وبقي الجن لله والإنس لله والفضاء لله، وكل خلق الله لله.
كل الناس فقراء إليه ذوو حاجة لفضله ولرزقه ولعطائه ولرحمته، ومن يدعي منهم سوى ذلك فهو كاذب، أين من بنى وشيد؟ أين من قال يوماً: أنا ربكم الأعلى؟ ها هي جثته مومياء بين موميات آثار مصر، بقيت لمن خلفه آية، لا يملك حتى جسد، أين من ادعى أنه رب شريك لله يخلق ويرزق ويعطي ويمنع؟ كذب على نفسه والله، بل الكل فقير إلى الله، وهذا مشاهد لا ينكره حتى الكافر ولو أنكره فإن العقل والسمع والبصر يرد عليه، والكفار حالهم كما قال الله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فهم أضل من الحيوانات بكل أشكالها، إذ كيف يمكن إنكار الله ﷻ ؟! أينكر قدرته وحكمته؟ وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ولذلك كان هؤلاء للحيوانية أقرب، بل الحيوانات أعقل منهم، فالحيوانات تدرك وتعقل وتملك الشعور بوجود الخالق الإله وهي فقيرة إليه، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، ثم نعت نفسه أمام فقر عباده فقال: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، الله هو الغني غنىً مطلقاً، لم يحتج ولن يحتاج إلى أحد من خلقه والكل محتاج إليه، قد كان سبحانه ولا كون ولا زمن، فهو مكون الزمان وهو مكون الإنسان وهو مكون الأكوان، وهو خالق كل شيء، كان ولا شيء معه، وسيبقى ولا شيء معه، وهو على ما كان عليه ﷻ ، هو الغني عن عباده بل عن جميع خلقه، الحميد المحمود يحمده كل خلقه، هو رازقهم وهو محييهم، وهو معطيهم ومعافيهم، له كل أنواع المحامد، ونسبة الحمد للإنسان إنما هو استعارة وحمد نسبي.
стр. 1551
تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد)
قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٦ - ١٧]، نداء إلى هؤلاء الطغاة، المتألون على الله من يهود ونصارى ومشركين ووثنيين وكفاراً: اعلموا أن لو يشاء الله أن يذهبكم ويأتي بخلق جديد لفعل ولا راد لإرادته سبحانه، فلو شاء الله لأذهبهم وقضى عليهم وأفناهم وأتى بخلق جديد، والله يفعل هذا باستمرار، وإلا فأين آباؤنا وإن وجد من هم في أسنانهم؟ وأين أجدادنا؟ أين الدول السابقة؟ أين الملوك السابقون؟ أجيال انتهت وأتى الله بأجيال جديدة، وهذا يحدث باستمرار إلى يوم النفخ في الصور، قد كنا يوماً أجنة في بطون أمهاتنا، ثم أصبحنا أطفالاً، ثم شباباً وسيأتي يوم لا أحد منا موجود، أين من كان يحضر بيت الله الحرام منذ ١٤٠٠ عام؟ أين رسول الله نفسه ﵊؟ أين أصحابه وتابعوه؟ أين الأئمة المجتهدون من السلف الصالحين؟ وأين غير الصالحين؟ أين كل أولئك؟ ذهب الكل وفني! الكل مات وأتى الله بخلق جديد لم يكونوا موجودين، ذهب الأوائل بمؤمنيهم وكفارهم، فهم بين يدي ربهم ينتظرون الحساب، ثم إما إلى جنة وإما إلى نار.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر:١٦]، الجواب محذوف تقديره: فعل، والمعنى: إن يشأ الله أن يذهبنا فعل وأتى بخلق جديد، وقد يكون المعنى أعم من ذلك: إن يشأ الله أن ينهي هذا النوع البشري بالمرة فهو قادر على أن يأتي بخلق من نوع جديد، الله أعلم بشكله ونوعه، ولا شك أنه قد كان قبلنا خلق آخر، ولا شك أن الأفلاك فيها سكان من غيرنا قد أشار الله إليهم في كتابه فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ [الشورى:٢٩]، الأفلاك العلوية والأفلاك السفلية، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]، ولا يقال عن الملائكة: دابة؛ لأن الملائكة ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وإنما الدابة: من يدب على وجه الأرض، ففي الأفلاك العلوية خلق من خلق الله تدب كما ندب، وهل تدب على رجلين أم على أربع أم على واحدة؟ الله وحده العليم بذلك، (وهو على جمعهم)، وأعاد الضمير بجمع العقلاء: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]، أي: إذا شاء الجمع بين دواب السماء وبين دواب الأرض فعل، ولغة العرب تقول: إن (إذا) إذا دخلت على الماضي حولته مضارعاً، وإذا دخلت على المضارع حولته ماضياً، فقوله: (وهو على جمعهم إذا يشاء) أي: إذا شاء، ومعناه: قد شاء وسبق هذا في علمه وسيكون يوماً، وهي الإشارة لمن يبحثون عنه في هذه الأيام، وهناك آثار ضعيفة ولكن المحدثين أجمعوا على أن الأحاديث الضعيفة بل الموضوعة إذا جاء زمن وحقت وصحت كان ذلك دليل على أن النبي قد قالها ﵊؛ لأن الكذبة والفجرة مهما كذبوا فلن يستطيعوا يوماً أن يقولوا ما سيكون بالفعل، بل ذلك لا يكون إلا للموحى إليه نبينا ﵊.
والمحدثون عندما يقولون: فلان كاذب فلان خاطئ فلان واه، فإنما يعنون أنه كثر وهمه وكذبه، وعلى ذلك تركوا روايته، ولاحتمال أن يكون الصدق كذباً تركوا الرواية كلها، على أن الصدوق قد يكذب والكذوب قد يصدق يوماً، وقد قال النبي ﵊ لـ أبي هريرة عن الشيطان في قصته المشهورة معه: (صدقك وهو كذوب)، وقد أخبر بأن إبليس صدق في ظنه من أن الكفرة سيتركون يوماً دينهم فيتركون ربهم ويلهيهم الشيطان ويفسدهم، فكان ظنه وتوهمه في هؤلاء صدقاً.
ولذلك وردت أحاديث أن في الأرضين وفي الأفلاك نبي كنبيكم وشريعة كشريعتكم والأحاديث في ذلك لم تصح ولكن الآية تشير إلى أن هناك دواباً في الأفلاك العلوية كما في الأفلاك السفلية.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٧]، وما ذلك بصعب على الله، إذ لا يصعب عليه شيء الكل عليه هين، وإنما يقول للشيء كن فيكون.
стр. 1552
تفسير قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)
قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر:١٨].
قوله: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:١٨]، هذه الكلمة أصبحت دستوراً في كتاب الله، ومعنى: لا تزر، أي: لا تتحمل وزراً، والوازر: هو المذنب المسيء، والمعنى: لا تتحمل نفس وزراً ولا إثماً ارتكبه غيرها، أو لا تتحمل نفس مذنبة مسيئة ذنب غيرها من الأنفس وإنما تحمل كل نفس ما أذنبت وما أساءت، فلا يؤاخذ ولد بوالده، ولا والد بولده وإنما كل نفس مسئولة عن نفسها، على خلاف ما كان يفعل في الجاهلية، بل وإلى الآن ما انتهت الجاهلية وإنما ازدادت، يحاسبون الولد بالوالد ويحاسبون الوالد بالولد، والأمة والشعب بأمة مضت عليها قرون، وهكذا الظلم أنواع وفنون، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨]، قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر:١٨]، أي: إن تدع نفس أثقلت بالذنوب وبالأوزار وبالإساءات غيرها ليعينها في حمل أوزارها وآثامها لا يفعل ذلك، والحمل هو: ما يحمل على الظهر، وبالفتح: هو ما يكون حملاً للمرأة في بطنها، ويقال للشجر المثمر كذلك، فيقال: هذا حمل، أي: حمل على ظهره أو يده، والمعنى: لن تقبل نفس يوم القيامة أن تحمل أوزار غيرها بحال من الأحوال، ولو كان المطلوب والمرجو ذا قرابة، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، تأتي الأم يوم القيامة فتقول لولدها: يا بني! لقد أرضعتك من ثديي، ولقد حملتك في بطني وجعلته لك فراشاً ووطاء، فأعطني اليوم من حسناتك لعلها تخفف علي بعض أثقالي فيقول لها الولد: نعم كما قلت يا أماه لقد كنت لي نعم الأم براً وحناناً، ولكنني الآن في حاجة إلى حسنة مهما قصرت، نفسي نفسي يا أماه إليك عني، وكذلك يطلب هذا الأب، ويطلبه الولد، ويطلبه الزوج، وتطلبه الزوجة، ويطلبه الصغير، ويطلبه الكبير ولكن هيهات، لن يحمل أحد وزر أحد، وما يزعمه النصارى من أن عيسى سلم نفسه لليهود ليقتلوه وليصلبوه، وأنه إنما فعل ذلك عن رضا وطواعية من نفسه ليحمل أوزار أمته من النصارى، إنما هي أكاذيب وأضاليل أصلاً وفرعاً، فالرب لم يقتل، ولو كان عيسى كذلك لن يتغلب عليه اليهود، وإنما تلك أكذوبة وذلك ضلال مبين، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، فهو لن يحمل أوزارهم، ولن يحمل أحد وزر أحد، ولكن هناك الشفاعة ولا شفاعة إلا بعد إذن الله، ولا شفاعة إلا في مؤمن أما الكافر فلا شفاعة عليه ولا شفاعة له، والمؤمنون يشفعون إن أذن الله لهم بالشفاعة، أما الشفاعة العظمى فهي خاصة بسيد البشر نبينا ﵊ أكرمنا الله بشفاعته بفضله وكرمه.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر:١٨]، يا محمد! إن نذارتك ووعيدك ورسالتك إنما تفيد وتخوف الذين خافوا ربهم، وخافوا عذابه، وآمنوا بوحدانيته، وآمنوا بألوهيته، الذين أسلموا لساناً وآمنوا جناناً وحققوا القول بالعمل، وأقاموا الصلاة فلزموا عبادة الله في الصلوات الخمس صباحاً وظهيرة وعشية وغروباً وعند الشفق، مع مزيد من النوافل، (ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ﴾ [فاطر:١٨] أي: يخافونه وهو غائب عنهم ولم يروا لا قيامة ولا جنة ولا ناراً، وإنما آمنوا بالغيب كما بلغهم بحقيقته رسول الله ﷺ ، وهو إنما بلغهم ذلك عن قول الله وكتاب الله فآمنوا وصدقوا وأصبحوا في خشية من الله، وأصبحوا في عبادة لله تؤمن بها قلوبهم، وتنطق بها ألسنتهم، وتقيم شعائرها جوارحهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:١٨]، أي: من فعل خيراً وأحسن فإنما يحسن لنفسه، ومن فعل ما يزكى عليه ويثنى عليه به بأن يكون عابداً مؤمناً صالحاً إنما يصنعه لنفسه، ومن أحسن فإنما إحسانه وصلاحه لنفسه، ولن يعطى ذلك لأحد غيره، فهو لن يعطي الحسنات كما لا يأخذ السيئات أحد منه وإلى الله المصير ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر:١٨] وعيد ونذارة وتهديد، والمعنى: يا هؤلاء المسيئون المسرفون على أنفسهم إلى متى وأنتم عن الله غافلون؟ وعن رسول الله معرضون؟ أما تعلمون أن مصيركم إلى الله، ألا فاعلموا أن الصيرورة والنهاية والعاقبة إلى الله، وسيحاسب كل نفس على أعمالها إن أحسنت فلنفسها وإن أساءت فعليها، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وكعادة الآيات بعد أن يبين الله ويوضح ويكلف رسوله ﵊ بزيادة الشرح والبيان والتفسير يجمل ذلك بكلمات تنتهي بها الآية، تكون هي الجامعة والعبرة والمغزى من الآية.
فقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر:١٨]، إعلام أن مصيرنا جميعاً أبرارنا وفجارنا مؤمنينا وكفارنا إلى الله، ومن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها.
стр. 1553
تفسير سورة فاطر [١٩ - ٢٦]
يضرب الله الأمثال للناس في كتابه العزيز ليبين لهم الفرق بين حال المؤمن بربه، القائم بأوامره، المنتهي عن نواهيه، وبين حال الكافر المعرض المتخبط في ظلمات الشرك، المنغمس في مستنقعات الشهوات والملذات، فبين الله أن فرق ما بينهما كالفرق بين البصير في مقابلة الأعمى، أو كمثل الحي في مقابلة الميت، أو كمثل النور في مقابلة الظلام، أو كمثل الظل والفيء في مقابلة وهج الشمس وحرها.
стр. 1554
تفسير قوله تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير)
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله ﷻ : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٣].
يضرب الله الأمثال للناس ليستبين لهم الفرق، ومن ذلك مثل الكافر والمؤمن، ومثل الجاهل والعالم، ومثل الضال والمهتدي، فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر:١٩]، أي: لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر، وذو العينين الذي يبصر، ذاك لا يرى الدنيا إلا ظلاماً في ظلام، وذاك يرى الضياء كما يرى الظلام، يرى المتحدث القريب منه كما يرى المتحدث البعيد عنه، وهذا مثل ضرب للكافر مع المؤمن، فالكافر أعمى القلب، والمؤمن مفتح البصيرة، ذاك قد عمي عن رؤية الحقائق من الإلهيات والنبوات، وعن أسرار هذا الكون، وكيف خلق؟ ومن خلقه؟ ولم خلق؟ فالكافر أعمى عن كل هذا، فهو أعمى البصيرة أعمى القلب لا يرى إلا الدنيا، وكأنها خلقت بلا موحد، وأنه وجد عبثاً في هذه الأرض.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٠].
كذلك ضرب هذا مثلاً في الكفر والإيمان، فالكفر كله ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمات في العقل، وظلمات في القلب، وظلمات في النفس، وظلمات في العقيدة والدين والحياة والسلوك، أما المؤمن فله نور في بصره، ونور في بصيرته وعقله، ونور في سلوكه، فهو يرى نور الله ﷻ وقد أشرقت به السماوات والأرض، فهو يرى الله في كل أثر من آثاره، وفي كل خلق من خلقه.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد قوله: ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:٢١].
الظل: الجنة، والحرور: جهنم، وللتقريب فإن المستظل تحت شجرة أو سقيفة ليس كمن هو تحت الشمس تحرقه.
وظل يوم القيامة ظل دائم: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد:٣٥]، لا حرارة ولا برد، لا شقاء ولا تعب.
فالظلال التي تظل الإنسان من حر الشمس، والحرور: الحر الشديد الذي يحرق الإنسان، ولم تستو الجنة ولا النار، فالجنة للمؤمنين، والنار للكافرين، فالظل للمسلم، والحرور للكافر.
стр. 1555
تفسير قوله تعالى: (وما يستوي الأحياء ولا الأموات)
﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:٢٢].
دليل الحياة في الحي أنه يسمعك وتسمعه، ويراك وتراه، ويحاورك وتحاوره، أما الميت فهو جماد لا يستطيع ذلك كله، أصبح جماداً من الجمادات، كان تراباً ثم عاد إلى التراب، وهو مثل ضرب فيه المؤمن والكافر، فالمؤمن حي ولو كان ميتاً، والكافر ميت ولو كان حياً، المؤمن حي بنفسه بفكره بقلبه.
يدرك ما في هذا الوجود يعبد الله كما أمر يعمل لدنياه كما يعمل لآخرته يحرص على أن يمتثل لأوامر ربه، كما يمتثل لأوامر نبيه، حتى إذا مات كانت حياته حياة الشهداء والأبرار ممن يمتعون ويرزقون، ويحسبون أمواتاً وهم أحياء يرزقون عند ربهم، ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران:١٧٠].
أما الكافر فهو ميت ولو مشى على قدميه، والمؤمن حي ولو كان ميتاً، قد عاش بدينه وطاعته لربه، عاش بإحسانه وبالخير الذي قدمه، ولذا سيبقى حياً ذكره إلى يوم القيامة وإلى أن يحيا مرة ثانية ويدخل الجنة، وبالمقابل ضرب الله الأمثال لهؤلاء الكفرة بأنهم عمي يتخبطون في الظلمات أموات غير أحياء، وبأنهم في العذاب الدائم في نار جهنم، ثم قال الله عن نفسه مخبراً لنبيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٢٢]، أي: إن الله يهدي من يشاء وليست الهداية بيدك، وليست من وظيفتك، ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣].
فهؤلاء لو شاء الله لأسمعهم، ولو أسمعهم لاهتدوا، ولكن الله لم يسمعهم؛ لأنه علم ما في قلوبهم من فساد، (وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢]، ففي الآية خطاب للنبي ﷺ : يا محمد! لست أنت بمسمع الموتى الذين هم في قبورهم، بمعنى: أن هؤلاء الكفرة الذين سبق في علم الله بقاؤهم على الكفر كالأموات الذين في القبور، وهؤلاء الذين في القبور لا يسمعون؛ لأنهم موتى، ولا يكلفون لأن الدنيا من حياتهم انتهت، فمن قدم خيراً وجده، ومن قدم شراً وجده.
стр. 1556
تفسير قوله تعالى: (إن أنت إلا نذير)
﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣].
أي: ليست الهداية لك، فأنت لم تكلف بمخاطبة الموتى، ولا ببلاغهم، وإنما كلفت بالبلاغ للأحياء، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣] (إن) هنا نافية، والمعنى: أنت لست إلا منذراً ورسولاً جئت مبشراً أقواماً اهتدوا فصاروا إلى الجنة، وجئت منذراً أقواماً خرجوا عن الطاعات وظلوا في الكفر فأنت تنذرهم بعذاب الله وعقابه وخلودهم في النيران.
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
الخطاب للنبي ﷺ : إنا أرسلناك يا محمد (بالحق) أي: بالقرآن، فالقرآن حق، وهو وحي الله وكلامه، وبالسنة، فالسنة حق وهي بيان للقرآن وشرح وتفسير له.
وكما قال الإمام الشافعي ﵀: كل هدي للنبي ﵊ ما كان منها من عمل، وما كان منها من قول، وما كان منها من إقرار فهو بيان وتفسير لكلام الله، إطلاقاً أو تقييداً، تخصيصاً أو تعميماً، أو بياناً للناسخ والمنسوخ والمحكم.
ويفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر:٢٤]، أي: لتدعو الناس للحق، ولترشد الناس إلى الحق، والله هو الحق ﷻ ، وأنزل الكتاب المنزل وهو القرآن الكريم بالحق، وأرسل نبينا ﵊ بالحق مبيناً وشارحاً ومفسراً، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر:٢٤]، مبشراً المؤمن بالجنة، ومنذراً الكافر بالنار، فتبشر المؤمن لأنه آمن واستسلم لله ولرسول الله ﷺ برضا الله ورحمته وجنانه، وتنذر من كفر بالله، فخرج عن أمر الله بالنار والعذاب والغضب إن هو دام على ذلك، ومات عليه.
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤].
(من أمة) من: حرف جر دخل على نكرة، فدل على العموم أي: ما من أمة خرجت في هذه الدنيا، وما نحن بين الأمم كما قال ﵊: (إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود).
أي: ما مضى من الأمم هي في عددها وفي كثرتها كعدد شعر الثور الأسود، وما الأمة المحمدية وأمة الإسلام إلا كالشعرة البيضاء بين هذه الكتل المتكتلة من الشعر الأسود في هذا الثور، ومع ذلك ما من أمة من هذه الأمم إلا أرسل الله لها نذيراً، يبشرها بالجنة إن هي أطاعت، وينذرها بالنار إن هي عصت وتمردت، ولذلك كانت حجج الله على الأمم كلها قائمة، فلا يوجد أمة من الأمم إلا وأرسل الله لها بشيراً ونذيراً، يبشرها وينذرها ويعلمها بالخالق الواحد، المتصف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، الذي لا أول له ولا آخر له، كان ولا شيء معه، وسيبقى كما كان ولا شيء معه، خالق الكل ورازق الكل، ومدبر الكل، له الأمر وله النهي ﷻ وعلا مقامه، ويجدر التنبيه إلى أن الأنبياء جميعاً كانوا رسلاً قوميين، أي: أرسلوا إلى أقوامهم، فنحن نقول على أنبياء بني إسرائيل منذ إسحاق إلى عيسى خاتمهم أنبياء بني إسرائيل، أي: أنبياء قوميون لم يرسلوا إلا إلى بني إسرائيل، ولكن محمداً سيد البشر، وخاتم الأنبياء العربي المكي المدني الهاشمي مرسل وحده إلى جميع الخلائق، فلا نبي بعده ولا رسول، فقد أرسل إلى الأبيض والأسود والأحمر، وأرسل إلى العرب والعجم، وإن مات ﵊ فرسالته قائمة، مأمور بتنفيذها، وبالإيمان بها، وبالعمل وفقها، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١].
فهو منذر ومبشر ورسول لكل العوالم من الإنس والجن، في الشرق والغرب، من العرب والعجم، منذ العوالم الذين عاصروه إلى من سيأتون بعده إلى يوم القيامة، كل أولئك أمة محمدية، من استجاب وأطاع فهو من أمة الإجابة، ومن تمرد وعصى فهو من الأمة المحمدية التي تمردت على محمد ودين محمد ﵊، ولذلك لم يبق للنصرانية ذكر، ولا لليهودية ذكر، ولا للأديان السابقة ذكر، فقد كانت أدياناً كلف بها من أرسلوا إليهم حال حياتهم، فعندما رفع عيسى بقيت نبوءته إلى وقت إرسال نبينا، ولكن رسولنا ﵊ ما كاد يخرج لهذا الوجود ساعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً حتى كانت الأديان السابقة قد نسخت برسالته، وإن كانت قد نسخت بالتبديل والتغيير والتحريف قبل بعثته، فكان قول الله لرسوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ:٢٨]، ناسخاً لكل ديانة قبله.
لم يكن أحد يقول: الله إلا هو، وعندما نزل من غار حراء إلى السيدة الطاهرة أم المؤمنين الأولى رضوان الله عليها، وحدثها بما حدثها، فقال لها: (دثروني دثروني، وقص عليها قصته فقالت: لا تخف إنك تحمل الكل وتعين على الزمان، وتقري الضيف، وتصدق الحديث)، وذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان شيخاً هرماً كبيراً مسناً وكان من العرب الموحدين، فقالت له: (اسمع يا ابن عم إلى ابن أخيك.
فقص عليه النبي قصته ﷺ فقال له ورقة: ذاك والله الناموس الذي أرسل إلى موسى وعيسى، ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك -أي: ليتني أكون شاباً عندما تدعو قومك إلى عبادة الله فيحاربوك ويقاتلوك ويرموك عن قوس واحدة، فليتني أكون شاباً كالمهر قوة وشبوبية لقاتلت عنك ونافحت عن دينك- قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم.
ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا وقاتلوه وأخرجوه)، وهذا قد كان.
ومن هنا ترجم علماؤنا ممن كتب في تراجم الصحابة لـ ورقة على أنه مسلم وصاحبي جليل؛ لأنه تمنى أن لو كان شاباً عندما يطرده قومه ليحارب معه ويدافع عن دينه، فهو إذاً قد آمن به.
стр. 1557
تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم)
قال تعالى يسلي نبيه ويصبره ويعزيه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر:٢٥].
أي: لا تبتئس يا محمد ولا تحزن، تلك سنة وطريقة الأنبياء قبلك، فقد أرسلوا إلى أقوامهم وكذبوا كما كذبك قومك، فكما كذبك الناس من المشارق والمغارب ممن لم يؤمن بك، كذلك الذين من قبل أمتك كذبوا أنبياءهم، ولم يطيعوا أنبياءهم إلا قليل منهم، مع ما جاءتهم به أنبياؤهم من بينات ومعجزات واضحات، ومع ذلك لم يؤمنوا بهم لا بمعجزة ولا بغير معجزة ولم يصدقوهم، بل أبوا إلا البقاء على الكفر ودين الآباء من عبادة الأوثان والأحجار والأصنام والشرك بالله، ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [فاطر:٢٥] بالدلائل الواضحات، والمعجزات الدالة على صدقهم، والدالة على صدق ما يقولون، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ [فاطر:٢٥]، الزبر: جمع زبور وهو الكتاب، ومنه: زبور داود، أي: الكتاب الذي أرسل به داود، وعلى كل فقد كفروا بالأنبياء وبمعجزاتهم وكفروا بالكتب المرسلة عليهم، كفروا بصحائف إبراهيم، وبزبور داود وبتوراة موسى وبإنجيل عيسى.
ثم أردف الكتاب المنير بعد ذكر الآيات والزبر فقال: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر:٢٥].
وذكره الكتاب بعد الزبر تأكيد، فالكتاب هو: الزبر، ووصف بأنه منير، والمنير هو: النير الواضح البين بالدلائل القاطعة على أنه وحي من الله، وأنه أرسل على من قالوا: قد أرسلنا بذلك، فقد قال موسى: أرسلت بالتوراة فصدقت، وقال عيسى: أرسلت بالإنجيل وصدقت، وقال داود: أرسلت بالزبور وصدقت، وقال إبراهيم خليل الرحمن: أرسلت بصحائف وصدقت، ولكن أولئك كذبوهم كما كذبك هؤلاء، فلا تبتئس ولا تحزن، فلست مكلفاً بهدايتهم وإنما أمرت بتبليغهم ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل:٣٥].
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢].
стр. 1558
تفسير قوله تعالى: (ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر:٢٦].
ثم إن هؤلاء الذين كذبوا أنبياءهم من الأمم السابقة؛ من قوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم صالح، وقوم موسى، وقوم لوط، وقوم إبراهيم أخذتهم وانتقمت منهم، فهو إنذار من الله وتذكير بالأمم المكذبة وأنه قضى عليهم وعاقبهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
والاستفهام في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر:٢٦]، استفهام تقريري، أي: كان عقابي نكراً من النكر، فضيعاً من الفضائع، أليماً شديداً ساحقاً، وهكذا جزاء كل كافر بالله وبأنبيائه وكتبه ورسله؛ أغرق من أغرق، ورمى بالحجارة من السماء من رمى، وزلزل الأرض بمن زلزل وجعل عليهم عاليها سافلها، ومسخ من مسخ قردة وخنازير، وهكذا عاقب الله أولئك في دار الدنيا، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]، أي: من عذاب الدنيا، وهذا معناه: تهديد ووعيد للأمة المحمدية لمن يكفر منهم، ولمن لم يصدق رسول الله منهم، ولمن أبى إلا أن يعيش كافراً عاصياً، والمعنى: كما فعلنا بالسابقين سنفعل باللاحقين.
ومن هنا: كان الذل الذي أصاب من أصاب من اليهود، والضلال الذي أصاب من أصاب من النصارى، وما أصاب المسلمين من استعباد واستعمار من الذين كانوا مسلمين يوماً، فعصوا وارتكبوا الكبائر، وارتد منهم من ارتد، وغير دين الله بدين ماركس من دين اليهود، وألحد فأصبح يقول: هو شيوعي هو اشتراكي هو بهائي هو ماسوني هو وجودي، وهكذا كل فرقة ضالة من نحل اليهود على وجه الأرض، فهؤلاء مكر الله بهم، واستعبدهم وملكهم لمن لا يرحمهم ممن أذلهم، وكتب عليهم الذل والهوان إلى يوم القيامة، وقطعهم في الأرض أمماً، وما من عصر وما من وقت وزمان إلا ويرسل الله عليهم من يهلكهم ومن يقضي عليهم، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧].
والذي نراه ليس إلا سحابة صيف، وهو استدراك للقضاء عليهم قضاءً مبرماً كاملاً ساحقاً، فهم لم يعطوا من فرص الفساد إلا فسادين: فساد قد مضى، وفساد نعيش نحن اليوم فيه، أما الفساد الماضي فقتلوا فيه الأنبياء، وسفكوا الدماء، وخربوا العمار ونشروا الفساد في الأرض.
والفساد الثاني الجديد الذي نعيش فيه: نشروا كذلك الفساد بكل أشكاله، فنشروا الفواحش بكل أنواعها، ونشروا الإلحاد والكفر بين الكبار والصغار في المشارق والمغارب، ودان لهم من لم يؤمن بالله، وهي الأكثرية الساحقة من المشارق والمغارب، والمسلمون عندما قلدوا غيرهم من الشرق والغرب وخرج من خرج منهم عن دين الله، وارتكب من ارتكب منهم الكبائر ولم يند لهم جبين، سلط الله عليهم ما سلط عسى أن يعودوا إلى دينه.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر:٢٦]، أي: فكيف رأيت يا محمد عقوبتي ونكيري على هؤلاء ممن أغرقوا، وممن رجموا، وممن مسخوا، وكما عاقبنا الأولين سنعاقب الآخرين إذا ارتكبوا ما ارتكب أسلافهم، وكفروا كفرهم وعصوا عصيانهم.
стр. 1559
تفسير سورة فاطر [٢٧ - ٣٠]
إن الله امتن على عباده بالنعم العظيمة والعطاء الجزيل، ومن نعمه التي تفضل بها على عباده نعمة إنزال المطر الذي تحيا به الأرض فتنبت عشبها وثمرها وتخرج خيراتها المتنوعة والتي لا يحصي أنواعها إلا خالقها ، وما هذه الخيرات المتنوعة إلا دليل على وحدانيته سبحانه وجميل صنعه وإبداعه .
стр. 1560
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر:٢٧].
ألم تر يا محمد ويرى معك قومك، والرؤية هنا: رؤيا العلم والبصيرة، ورؤيا الإدراك والوعي والفهم والاطلاع.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [فاطر:٢٧]، أي: أنزل من السماء كتلاً يدمج بعضها لبعض وإذا بالغيث ينزل على الأرض التي يريد الله غوثها، وإكرام أهلها، وإذا بهذا الماء الواحد الذي ينزل من سماء واحدة ويسقي تربة واحدة إذ بآثاره مختلفة، تختلف في الثمار، وتختلف في الأرض، وتختلف في الإنسان والدواب.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر:٢٧]، أنبت الله بهذا الماء في الأرض ثمرات مختلفة ألوانها: بين أبيض وأحمر وأصفر وأسود، بين ثمار مرة وثمار حلوة وأخرى حامضة، وبين ثمار حمراء ودكناء وبيضاء وسوداء ومن كل شكل، والماء الذي سقيت به واحد، والسحب التي صبت غيثها واحدة، فمن الذي غيرها فجعل ألوانها مختلفة! وطعومها مختلفة! ولذائذها مختلفة! وأشكالها مختلفة بين مشمشة تكاد لا تصل في حجمها إلى أنملتين إلى بطيخة تزن الأرطال كل ذلك والماء الذي سقيت به واحد، والساقي واحد، ومع ذلك اختلفت الألوان واختلفت الطعوم، واختلفت اللذائذ، واختلفت الأشكال، أليس هذا وحده كافياً في الدلالة على قدرة الله؟ أليس هذا وحده كافياً في الدلالة على إرادة الله الواحدة الذي لا شريك له؟ من الذي صنع ذلك؟ هل بوسع أحد في الأرض أن يدعي أنه صنع ذلك؟ وهؤلاء الذين أشركوا دون الله مع الله هل ادعوا ذلك؟ هل قالوا: الصنم الفلاني هو الذي أحيا هو الذي أمطر هو الذي رزق هو الذي أمات؟! ما ادعوا ذلك ولم يدعوه، ولا وجود لهذا.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر:٢٧].
جدد: جمع جدة، والجدة: الطريق، أي: خلق من الجبال طرقاً، وهذه الطرق تارة بيضاء، وتارة حمراء، ونحن أولاء نرى الجبال ونرى الرمال ونرى التربة فنرى بعضها حمراء، وبعضها سوداء، وبعضها بلقاء بين البياض وبين السواد، وبعضها بيضاء خالصة، نرى هذا في الرمال، ونراه في التراب، ونراه في الطرائق بين الجبال، ولعل (جدة) التي أسيلت في تفسيرها كتب ومؤلفات وحبر ومداد ليست إلا اسم طريق كانت من الطرق بين مكة والمدينة، فخيم فيها من خيم في سابق الزمان، فقالوا عنها جدة أي: الطريق، أما أنها جدة حواء كما يقول البعض زاعمين أن قبر حواء في تلك الطريق فهذا غير صحيح، لا خلاف أن جدة: من التجديد، ولكن القريب والمعنى اللغوي، والأرض أرض العرب والجزيرة جزيرة العرب، وهم يتكلمون بلغتهم التي نشأ عليها ﷺ ، فكان أفصح العرب وأبلغ العرب، وبلسانه ولسان العرب نزل القرآن الكريم، يدل على أن الجدة: الطريق.
فقوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر:٢٧]، أي: وجعل من الجبال طرقاً يقطع بها شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، وقرى ومدائن، وبراري وقفاراً، ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ [فاطر:٢٧]، بيض: جمع بيضاء، وحمر: جمع حمراء، ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر:٢٧]، فهذه الطرق مختلف ألوانها فبعضها ذات لون أبيض، والبعض الآخر ذات لون أحمر، والأخرى ذات لون أسود ولون بين بين، كما جعل من الطعوم ومن الثمرات ألواناً وأشكالاً وطعوم ولذائذ، كذلك خلق في الجبال وفي الترب.
﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر:٢٧]، غرابيب: جمع غربيب، وفي قوله: (غرابيب سود) مقدم ومؤخر والتقدير: سود غرابيب، يقال: هذا أسود غربيب، أي: أسود شديد السواد، والغربيب: اسم من أسماء الغراب، والمعنى: أنه بلغ من شدة سواده أن أصبح كلون الغراب، فمن الجبال جبال سود شديدة السواد، ومن الطرق إليها، ومن الطرق منها، ومن الطرائق التي تربط بين القارات والأقاليم والمدائن والقرى منها بيضاء، ومنها سوداء شديدة السواد حتى كأنها الغراب.
والتقديم والتأخير في اللغة العربية كثيراً ما يكون، وهو يفهم من السياق ممن يفهم اللغة العربية كما يجب، ولذا ينبغي على كل مسلم أن يجيدها، فلا يفهم كتاب الله، ولا تفهم سنة رسول الله، ولا تفهم الشريعة إلا بلغة العرب، والترجمات لا تغني أبداً عن لغة العرب، ولذلك من يعتمد الترجمة كان علمه ناقصاً ضائعاً، ولذا نجد من يعتمد على الترجمة يؤمن بأشياء لا حقيقة لها في نفس الأمر.
ومن هنا: من لم يعلم من المسلمين العربية إذا كتب عن الإسلام كتاباً في الفقه أو غيره من علوم الشريعة تجده يكثر من الأخطاء، ويكثر منه تفسير الآية والحديث وتفسير كلام العرب بما يقلب المعنى رأساً على عقب، وهذا ما وقع فيه جماعة المستشرقين من اليهود والنصارى الذين يتعلمون لغة العرب على كبر، ويعتمدون الترجمة، فيكثر ضلالهم ويكثر جهلهم، ويكثر تغييرهم وتبديلهم وتحريفهم لآيات كتاب الله، ولأحاديث رسول الله، ولم تؤخذ العربية إلا من العرب، ولم يفهم الإسلام إلا ممن يعرف العربية معرفة أهلها.
ومن هنا قال النبي ﵊: (الخلافة في قريش)، وفيه إشارة إلى أنه لم يؤتمن على كتاب الله وبيانه ومعانيه، ولن يؤتمن على شريعة الله كتاباً وسنة وفقهاً إلا عربي أو رجل عالم بلغة العرب منذ الطفولة، حتى أصبح كأهلها العلماء المبرزين فيها، المطلعين على ظواهرها وخفاياها، وعلى جميع ما يتعلق بها من استعارة وبياناً وبلاغة، عبارات ومفردات، وإلا كثر خطؤه، فإذا كثر خطؤه كثر افتراؤه في الأحكام التي ما أنزل الله بها من سلطان نتيجة فهمه الخاطئ.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر:٢٨].
فليست الألوان في الثمار مختلفة فقط، ولا في الطعوم فقط، ولا في الطرائق والجبال والتربة فقط، ولكنها في الإنسان والدواب والأنعام، فمن الناس الأبيض، ومن الناس الأسود، ومن الناس الأحمر، ومن الناس بين بين.
فالبيض البهم يقول العرب عنهم: مقشرون، وهي ألوان الروم، والعرب فيهم حمرة وسمرة، والهنود ألوانهم تزيد على الحمرة بقليل، وهكذا الألوان تجدها بيضاء صافية، وسوداء غربيبة، وبين الأبيض والأحمر والأسود ذلك خلق الله، فالله لم يجعل الخلق بألوانهم، ولا بأنسابهم، ولا بأحسابهم، ولا بآبائهم وأجدادهم، ولكن ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
(كلكم أبناء آدم وآدم من تراب)، فالفضل الذي يتفاضل به الناس بطاعة الله وطاعة رسوله، ولسنا نحن المسلمين كأولئك في أمريكا الذين يفاضلون بين الناس بألوانهم، فنحن نؤمن أن تلك جاهلية من الجاهليات، وضلال من الضلالات، وعجيب لأمر الناس عندما يسمعون لهؤلاء في حضارتهم المزيفة، ودينهم الباطل، ولغتهم الفاسدة وعقولهم المرتدة المريضة.
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر:٢٨]، فمن الإنسان كذلك، ومن الدواب كذلك، ومن الحمير والبغال والجمال كذلك تجد الأحمر، وتجد الأبيض، وتجد الأسود، وتجد الأدهم، وتجد الأبلق وهو ما بين بين، كل ذلك خلق الله، والأنعام من الشاة والبعير والغنم وما إلى ذلك تجدها كذلك بيضاء، أو سوداء، أو حمراء، أو بلقاء بين بين، كل ذلك خلق الله، فهل استطاع أحد من الخلق أو من الشركاء المزيفين الذين عبدهم المشركون دون الله أو مع الله أن يخلقوا مثل ذلك؟! هيهات هيهات، وأنى لهم ذلك وهم أعجز من أن يخلقوا ذباباً، بل إن يسلبهم الذباب شيئاً ما استنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ [فاطر:٢٨].
أي: كما من الثمار، وكما من الطرائق، وكما من الجبال والتربة والرمال، أشكال وألوان من بين جميع الألوان، إما الصافية كالسواد الكامل، أو البياض الكامل، أو الأحمر، وما بينها من الأبلق والأدهم؛ كذلك الناس، وكذلك الدواب، وكذلك الأنعام، كالجبال والثمار، (كذلك) أي: وكذلك عباد الله من العلماء الراسخين في العلم ومن المتعلمين.
﴿كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
أي: وكذلك العلماء، وكذلك أهل العلم، فمنهم العالم الراسخ في العلم، ومنهم العالم الذي هو إلى الابتداء من البداية والوسط أقرب، ومنهم المتعلم طالب العلم ومنهم الذي يدعي الطلب والعلم وهو بعيد عن ذلك بعد السماء عن الأرض، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
وأعلا مراتب العلماء وأعلا منازلهم: من يخشى الله، أي: العالم الراسخ في العلم، أي: العالم الكامل في العلم هو الذي يخشى الله.
وقرئ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر:٢٨] أي: (كذلك) كما الثمار وكما الجدد والطرائق والجبال والتربة والرمال اختلفت ألوانها من بيضاء وسوداء وحمراء وبين بين.
كذلك طالب العلم منه الطالب المبتدئ ومنه الواصل إلى مراتب العلماء، قالوا هذا ليربطوا بين ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] وبين الآية.
أما إذا وقفنا على (كذلك) ينصرف المعنى إلى ما تقدم ذكره.
فالعلماء منهم العالم الكامل العلم، ومنهم العالم الوسط، ومنهم العالم المبتدئ، ومنهم طالب العلم، وطلب العلم كذلك مراحل ودرجات فمنهم من لا يزال في الدراسة الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية أو الجامعية أو أخذ بأعلى الشهادات، ومع ذلك حتى لو تخرج بأعلاها فإنه يعتبر قد ابتدأ في مراتب العلماء، فيبقى المران وتبقى الدربة ويبقى الرسوخ في العلم، وأعلا ذلك
стр. 1561
تفسير قوله تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٠].
يذكر الله ﷻ هنا صفات العلماء الذين يخشون الله والذين علموا ما علمهم الله وعلَّموا وعملوا بعلمهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ أي: يلازمون تلاوة كتاب الله تدبراً وترنماً وتغنياً بحيث لا يخرجون عن آداب التجويد مداً وقلقلة، ونطقاً بالأحرف كما نطق بها العرب الأوائل، بالتجويد الذي جعله علماؤنا لنتعلم به كيف ننطق وكيف نتلو وكيف ندرس كتاب الله؛ لكي لا نلحن ولا نغير في كتاب الله، فللمد قواعد ورتب، وللضاد وللظاء وللذال أحكام، وللتفخيم وللترقيق أحكام، فمتى نقل: باسم الله نرقق، ومتى نفخم نقل: قال الله، لكل ذلك قواعده في علم التجويد وعلم اللغة.
يذكر أن نصرانياً كان له شأن في الشام وحكومتها، فارتقى إلى أن أصبح رئيس وزراء على كفره، وكان يتعلم على القراء علم التجويد، فقال له مرة أحد زملائه النصارى من أساتذة جامعة دمشق: وما حاجتك للتجويد؟ قال: إن التجويد عجيب في علوم المسلمين، فاللغات اللاتينية واللغات الصينية وما سواها من بقية لغات الأرض ينطق بها الناس اليوم، ولكن ليس كما كان ينطق بها الأوائل؛ لأنه لم يدون ولم يكتب إلا النطق بالحرف، أما كيفية هذا النطق، هل هو ذال أو دال، هل هو تاء أو ثاء، هل هو ضاد أو ظاء، هل هو مرقق أو مفخم، هل هو مدة طبيعة أو مدة زائدة، لم يفصل فيه إلا المسلمون بتلاوة كتاب ربهم، وهكذا نرى من لم يتعلم التجويد إذا قرأ القرآن ورتله يكون إلى اللحن أقرب، إذ لا يعطيه حقه من المدات والتفخيم والترقيق، وبعض الشعوب العربية تنطق الثاء ساء، وتنطق الذال دالاً، وتنطق الظاء ضاداً، وتنطق الجيم قافاً، وهذا كله تغيير وتبديل.
سألني ذات مرة مصري فقال: لا أستطيع النطق بالجيم إلا قاف، فإذا تلوت القرآن ماذا أعمل؟ وهل هذه لغة عربية؟ فقلت له: عربية نعم، ولكنها ليست تلاوة القرآن، وتلاوة القرآن إما جيم خالصة، أو قاف خالصة، والمغاربة خاصة في مدينة مراج، لا ينطقون إلا بها، ولكن لا ينطقونها جيماً خالصة ولا قافاً خالصة، بل يجعلونها بين الكاف والقاف، وتميزها بكاف عليها ثلاث نقط أو قاف عليها ثلاث نقط، والمعنى: أنها قاف، وهكذا علم التجويد، فتلاوة كتاب الله لا ينبغي للمسلم أن ينقطع عنها ألبتة، والأكمل أن يتلوها بتدبر وتمعن وتفكر في معانيها، وهو بذلك مأجور، وكما أخبر ﵊ أن له بكل حرف عشر حسنات، قال: (لا أقول: الم حرف، لكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) أي: أجر التالي لكتاب الله ويقول: (الم) ثلاثون حسنة.
والتلاوة في القرآن الكريم تحفظ البصر وتقويه، وتعين الحفاظ على قوة الإصرار، وهذه من خصائص التلاوة في المصحف، ويشهد المصحف يوم القيامة لتاليه أن فلان ابن فلان ابن فلانة كان يتلوني صباح مساء، وكان يقرؤني في كل الأوقات.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر:٢٩] وتمام التلاوة النطق مع العمل، أي: يتلو القرآن ناطقاً، ويعمل بما فيه، فإذا قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فليقم الصلاة في أول أوقاتها الخمسة كلها، وليأت من النوافل ما استطاع، وليحرص على ذلك، وإذا لعن القرآن الكاذبين والكافرين والمنافقين فليحرص على أن يبتعد عن ساحة هؤلاء الكافرين والكاذبين والمنافقين، إلى غير ذلك مما تخلل كتاب الله من حكمة وشريعة وقصص وعقيدة وأحكام، ومن حلال وحرام وآداب ورقائق.
وأعظم التلاوة هو العمل؛ ولذلك عندما يرد ذكر التلاوة في القرآن يقصد به ذكر اللسان وذكر القلب، والعمل بذلك بالأركان والجوارح، فكلمة تلاوة تشمل كل ذلك، ومن قام بكل ذلك قام بالمعنى الكامل التام.
فقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ)) أي: تلوه باللسان ولم يكتفوا بالقول، بل زكوا القول بالعمل، فيأتي بعد الشهادتين إقامة الصلاة، وإقامة الصلاة: الحفاظ عليها في أوقاتها بأركانها وواجباتها وسننها ومستحباتها، وليتم للمؤمن إيمانه لا بد أن يتم مع القول العمل.
فهؤلاء التالون لكتاب الله عبدوا الله وأطاعوه بالصلاة كما أمرهم وكما بينها رسول الله ﷺ من قيام وقعود وركوع وسجود وتلاوة وذكر، وفي الأوقات المعهودة المعلومة لكل مسلم.
قوله: (وأنفقوا) هذه طاعة الله في خدمة عباده، وفي الإنفاق على الفقراء والمساكين والمحتاجين، وفي الإنفاق على السائل والمحروم، ومن تمام صفات المؤمن أنه يعطي السائل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، وكما قال نبينا ﵊: (للسائل حق ولو جاء على فرس) وقال ﵊: (ما أفلح المسئول إن صدق السائل) وكل يعطي بحسب ما عنده، ومن لم يعط من القليل لم يعط من الكثير.
قال تعالى: ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ أي: سراً بحيث لا تدري اليسرى بما تصنعه اليمنى، (وعلانية) ليكون قدوة لأولاده وتلاميذه وأنصاره، حتى يعلم الناس أنه لا يفعل ذلك إلا ليقتدي به الناس، فلا يكون عمله كله إعلاناً، ولا يكون كله سراً، ولا يستوي عنده السر والعلن، ففي العلن لا يرى في عمله إلا الله والدار الآخرة، وفي السر لا يعمل العمل إلا لله وللدار الآخرة.
والإعلان يفعله لكي يكون قدوة، ولكي لا يتهم؛ لأن الزكوات واجبة، وقديماً قالوا: لا شكر على واجب، فيجب أن تكون الزكوات علناً حتى لا يتهم بأنه لا يؤدي الزكاة، وزكاة الفطر كذلك يجب أن تعلن، وإلا وقف موقف المتهم، والنبي ﵊ قال: (من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم) فمن لا ينفق إلا سراً ولا يعلم به من يعلم يوشك أن يقال عنه: يمنع حق الله والواجب من ماله، ويمنع الزكاة عن الفقراء والمساكين، وتلك كبيرة من الكبائر وعظيمة من العظائم.
أما عن السر فقد قال ﵊ أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) مبالغة في أنه يفعل ما يفعل ولا يقصد به إلا الله والدار الآخرة، بحيث لا حاجة له إلى أن يعلم ذلك قريب ولا بعيد، وإن كانت اليسرى لا تعلم ما أنفقت اليمنى فمن باب أولى الزوجة والولد، هذا إن كان لذلك معنى من المعاني، أما إذا كان موضع الأسوة -وكل أب موضع الأسوة لأهله وأولاده ولأصدقائه المحبين- فلا بد أن يكون موضع الأسوة لغيره فيعلن ذلك.
فقوله: ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [فاطر:٢٩] سراً بحيث يخفى على الناس، وعلانية أي: جهراً بحيث يرى الناس ذلك.
قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩] أي: يفعلون ذلك لا لكي يقال، وإلا أصبحوا منافقين مرائين، إذاً: لا يفعلون ذلك إلا رجاء في رحمة الله، وفي التجارة الإلهية وفي الثواب والأجر من الله.
قوله: ((لَنْ تَبُورَ)) أي: لن تهلك ولن تفسد ولن تكسد، وهذه التجارة هي التجارة مع الله، فالله هو الذي يأجرك ويحسن إليك ويعطيك من الأجر ومن الثواب ومن الحسنات جزاء أعمالك، فالمؤمن لا يفعل الخير إلا لله رجاء رحمته ورجاء رضوانه وثوابه، فيأخذ أجره من الله، فتجارة هذا المؤمن لن تضيع ولن تكسد، بل صاحبها يبقى دائماً رابحاً.
قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٠] أي: يفعلون ذلك فيتجرون مع الله رجاء ثوابه ومغفرته ورضوانه، ليعطيهم الله أجورهم بالوفاء، إذ إن الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، فقد يضاعف ذلك إلى سبعمائة فأزيد، كما قال عن الصيام: (وأنا أجزي به) أي: جزاء لا يقدر من الأجر والثواب، وما ذاك إلا الجنة والخلود فيها، جعلنا الله من أهلها وسكانها.
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٠] أي: ليعطيهم أجورهم وافية كاملة تامة مضاعفة، (ويزيدهم) أي: عند الله الحسنى وزيادة، فيزيدهم من فضله زيادة لم يعملوا لها، وكسباً لم يسعوا إليه، ولكن من فضل الله وكرمه وجوده.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠] أي: إنه هو الذي يغفر الذنوب، ويشكر العبد على عمله.
стр. 1562
تفسير سورة فاطر [٣١ - ٣٧]
إن الله أنعم على هذه الأمة بأن خصها بأكمل رسالاته وهي رسالة الإسلام، وبعث إليها خاتم رسله ﷺ ، وأنزل عليها أفضل كتبه القرآن وجعله مهيمناً على كل الكتب السابقة وناسخاً لما فيها مما يخالفه، كما تعهد الله بحفظه من أن تطاله يد التحريف والتبديل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 1563
تفسير قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه)
قال الله ﷻ : ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر:٣١].
يقول جل وعلا مخاطباً نبينا: (والذي أوحينا إليك من الكتاب)، والخطاب له خطاب لكل المسلمين، (من الكتاب) (من): بيانية تفسيرية، والمعنى: ما أوحيناه إليك هو الكتاب، و (الكتاب) إذا أطلق فهو القرآن الكريم لا سواه.
وعند النحاة إذا أطلق (الكتاب) فهو كتاب سيبويه في علم النحو فهو مرجعهم.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر:٣١]، ما أوحيناه إليك يا محمد من هذا القرآن الكريم هو الحق لا سواه، وكل ما سواه متغير باطل محرف مبدل، فما أنزل الله من قبل من كتب سماوية من زبور وتوراة وإنجيل، وإن كانت هي في الأصل حقاً، ولكنها بدلت وغيرت، وانتقلت من كتب توحيد إلى كتب وثنية، وطعن في أنبياء الله المعصومين المطهرين.
فأصحاب التوراة عبدوا العجل والعزير وذكروا ذلك في توراتهم، وأصحاب الإنجيل عبدوا عيسى ومريم، وذكروا ذلك في إنجيلهم، وكلهم قد قال: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨].
كذبوا وافتروا وحرفوا وبدلوا فالحق بين الكتب السماوية انفرد به الكتاب وانحصر في القرآن الكريم، فهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو الذي تعهد الله بحفظه إلى يوم القيامة، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر:٣١]، أي: حال كونه جاء مصدقاً لما سبقه من الكتب السابقة، وقد دعت إلى توحيد الله وعبادته، وإلى طاعة الأنبياء، وأخبرت أنهم رسل الله المكرمون المعصومون عن الخطايا والذنوب، ومن أجل ذلك كان لزاماً على المؤمن أن يؤمن برسوله محمد ﷺ ، ويؤمن بمن سبقه من الأنبياء الأربعة والعشرين كما ذكرهم القرآن، ونؤمن بسوى ذلك مجملاً غير معين، فنحن نؤمن بعيسى عبداً ورسولاً، ونؤمن بموسى عبداً ورسولاً كذلك، فقد جاء القرآن يصدق ويؤيد ما أنزل من الكتب قبله، وما أرسل من رسول قبل الرسول الخاتم ﷺ ، فالله يقول لنبيه: إن هذا القرآن المنزل عليك هو الحق من بين الكتب فلم يغير ولم يبدل، ولن يغير ولن يبدل، وقد جاء مصدقاً لما سبقه من الكتب، فما لم يكن في القرآن ووجد في الكتب الأخرى فهو باطل مفترى مزور، وما صدقه القرآن فهو الحق المبين الذي لا مين فيه ولا ريب، فالقرآن جاء مصدقاً ومهيمناً ومؤيداً لما دعت إليه الرسل من قبله من دعوة للتوحيد، ولعبادة الله الواحد.
(مصدقاً) بالكتب السابقة وأنها كتب الله حقاً مالم تبدل ومالم تغير.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر:٣١].
فالله ﷻ خبير بعباده، يعلم ما فعلوا وما صنعوا، ويعلم ما أضمروا وما أصروا وما أعلنوا، يعلم الصادق منهم من الكاذب، ويعلم المخلص من المنافق، فمن آمن بالله علم الله إيمانه، ومن نافق علم الله نفاقه، وذاك تهديد من الله لكل كافر ولكل آثم.
(بصير) أي: بعباده، يبصر ما عملوه، وينظر ما عملوه، فيحاسبهم عليه يوم القيامة، ويقضي من يصير إلى جنة ومن يصير إلى نار.
стр. 1564
تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢].
تكلم الله ﷻ في هذه الآية على فئات المسلمين، وأنهم ثلاث فئات فقال: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢].
(أورثنا): أعطينا، أي: جعلناهم الورثة المالكين، وجعلناهم أهل الحق بين الناس أجمعين، واصطفاهم لعبادته، وللإيمان به، واصطفاهم من الكبيرات ومن الشرك، ومن الظلم ومن النفاق، والكتاب هو القرآن الكريم.
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢].
أورث الله الكتاب من اصطفاه واختاره من عباده من بين خلقه من بين الناس أجمعين، فكان هؤلاء المصطفين هم المؤمنون وهم أهل ذكر الله، وهم فئات ثلاثة فئة ظالمة لنفسها، وفئة مقتصدة في الظلم والآثام، وفئة سابقة بالخيرات بإذن الله ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢].
ولأن هؤلاء الفئات الثلاث بظالميهم وبمقتصديهم وبسابقيهم بالخيرات من الفئات المؤمنة فقد تفضل الله عليهم بفضل كبير: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر:٣٣].
فكلهم من أهل الجنة، وكلهم يدخلون الجنة، وفي الخبر أن عمر ﵁ خطب على المنبر النبوي يوم الجمعة فقال: إن العباد عباد الله المصطفين، منهم سابق بالخيرات، ومنهم مقتصد في الذنوب، ومنهم ظالم لنفسه، فالسابق سابق، والمقتصد ناج، والظالم مغفور له، وهذا الذي قاله عمر ورواه عن رسول الله ﷺ ، وهو أن الظالم لنفسه في هذه الآية هو من المؤمنين المسلمين.
وروي ذلك كذلك عن أمير المؤمنين عثمان وعن عبد الله بن عباس وعن أبي الدرداء وعن جمهور من التابعين كذلك والأئمة، فالعامة من العلماء إلا قلة ذكروا أن الظالمين في هذه الآية هم فئة من فئات المسلمين مآلها الجنة بعد ذلك.
وقد روي أنه ﵊ تلا هذه الآية ثم قال: (الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، كلهم في الجنة).
فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب، والمقتصد يدخل الجنة بعد حساب يسير، والظالم لنفسه يحاسب حساباً يكون فيه من الغم والهم، ثم بعد ذلك يدخل الجنة.
وجاء في الأثر: (أن رجلاً رحل إلى دمشق فدخل المسجد فوجد أبا الدرداء فجلس حذاءه فقال: اللهم آنس وحشتي، وهيئ لي جليساً صالحاً، وإذا بـ أبي الدرداء يلتفت إليه سائلاً: من أنت؟ ومن أين جئت؟ قال: من المدينة، قال: ما الذي جاء بك؟ قال: سمعتك تروي حديثاً عن رسول الله ﷺ ، قال: لم تأت لتجارة ولا جاءت بك حاجة؟ قال: لا، قال: لم يأت بك إلا الدعوة والسعي في العلم؟ قال: نعم.
قال: أبشر فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع).
والحديث الذي سأله عنه هو هذا: (تلا رسول الله ﵊: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] قال: كلهم مسلمون، وكلهم إلى الجنة، السابق سابق، والمقتصد ناج، والظالم بعد حساب وبعد هم وحزن يدخل الجنة ويقول الجميع: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤]).
والظالم هنا: المرتكب للكبائر الموحد لله المؤمن برسول الله، وقد قال النبي ﵊ كما في الصحاح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).
والمقتصد: من عمل عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عسى الله أن يغفر له، و (عسى) في القرآن للتحقيق، فمعناه: وأن المقتصد الخالط بين عمله الصالح والسيئ مغفور له بإذن الله، فهو الذي يقوم بالفرائض وقد يخل في السنن، يترك الكبائر وقد يرتكب الصغائر، فهو قد اقتصد في فعل السيئات وارتكابها، أي: لم يسرف على نفسه بارتكاب الكبائر، ومن لم يرتكب الكبائر يغفر الله له الصغائر بتركه الكبائر.
وهذا هو الذي قاله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وأبو الدرداء وابن عباس، وروته كذلك أم المؤمنين والصديقة بنت الصديق عائشة ﵂، فقد جاء عنها: أن رجلاً سألها وهو أبو عثمان النهدي فقال: يا أم المؤمنين! ما معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:٣٢] إلى آخر الآية؟ فقالت: يا بني! السابق بالخيرات: هم أصحاب رسول الله الأولون الذين ذهبوا أماماً وسبقوا إلى الآخرة ولم يبدلوا بعده ولم يغيروا.
والمقتصد: من جاء بعدهم فعمل عملهم ثم خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
أما الظالم لنفسه: فمثلي ومثلك.
وإنما جعلت نفسها من الظالمين لنفسها من تواضعها وهضهما لنفسها ﵂، وإلا فمرتبتها بين أمهات المؤمنين ومكانها بين الأصحاب في الذروة العلياء صحبة وعلماً وإخلاصاً وعبادة وطاعة، وأما ما حدث في موقعة الجمل فهي إنما صنعت شيئاً لم تكن تقصده، بل خرجت للإصلاح وإذا بهذا الإصلاح يتحول إلى معركة وحرب دامية، فكانت تستغفر الله من ذلك مدى حياتها، ومن أجل ذلك هضمت نفسها، ولم تجعل نفسها مع السابقين بالخيرات، ولا مع المقتصدين.
وهكذا هذه الآية تدع المؤمن ليرجو رحمة ربه، ويرجو مغفرة ذنبه، ويرجو من الله أن يكون مهما ارتكب من الذنوب وعاد إلى التوبة والإنابة وندم عما أسلفه أن يغفر له، وأن يتشفع له رسول الله ﷺ في من يشفع لهم من أهل الكبائر.
أما السابقون: فهم ثلث الأمة المحمدية، وهم الفئة الثالثة، ونعتوا في الآية بأنهم الذين سبقوا بالخيرات، وجعلوا في الذكر أخيراً، وهم في الرتبة والدرجة الأولون السابقون، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠].
كانوا هم السابقين للإيمان، والسابقين للطاعة، والسابقين لعبادة الله والقيام بما أمر، وترك ما نهى عنه، وهؤلاء هم من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من المؤمنين ومن الأتباع إلى يوم القيامة، وهم من قال عنهم رسول الله ﵊: (ما أنا عليه وأصحابي).
فمن كان كذلك كان من السابقين، ومن اقتصد فخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً فهو كذلك من الناجين بفضل الله بعد حساب يسير، وأما الظالم لنفسه المرتكب للكبائر الذي مات على التوحيد فقد صح عن رسول الله ﷺ : (أن الله يوم القيامة يأتيه خلق من خلقه، وعبيد من عبيده تثقل ذنوبهم ومساوئهم الميزان، وترفع كفة الحسنات فيؤمر بهم إلى النار، فيقول الملائكة: يا ربنا إنهم أتوا إليك وهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، لم يشركوا بك قط منذ عاشوا وإلى أن أتوك، فيقول الله: إذاً: أنا أغفر لهم).
وورد: (أن رجلاً كثرت ذنوبه حتى ملأت سجلاته وليس له حسنات فيؤمر به إلى النار، فعندما يذهب به الملائكة وإذا ببطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله، فوضعت في كفة والسجلات في كفة، فطاشت السجلات وأمر به إلى الجنة).
وكما قال عبد الله بن مسعود ﵁: هنيئاً لأهل لا إله إلا الله حال حياتهم، هنيئاً لأهل لا إله إلا الله حال مجيئهم عند ربهم، وعرضهم عليه، فهم على كل حال مغفور لهم مهما طال عذابهم وحسابهم؛ ولأجل ذلك قال الله عنهم: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢].
وقد اختار الله الأمة المحمدية التي هي بين الأمم السابقة كما قال ﵊: (كالشعرة البيضاء في الثور الأسود) لكثرة الأمم السابقة ولقلة الأمة المحمدية ومع ذلك هم أكثر أهلها، فهم أكثر أبناء آدم وحواء دخولاً للجنة.
وكون الله اصطفاهم سواء منهم الظالم وغير الظالم المذنب وغير المذنب ما داموا جميعاً يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله فهم بخير، حتى إن عذب منهم من عذب، ودخل النار من دخل لن يخلدوا في النار وسيخرجون بعد ذلك مهما طال الزمان أو قصر، وقد يغفر الله لهم فلا يدخلونها.
стр. 1565
تفسير قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها)
قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٣].
يدخلون الجنة من كل أصنافهم الثلاثة، ثم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٣]، فيلبسون من أنواع الحرير ما كان حراماً عليهم في دار الدنيا، ويلبسون من أنواع الذهب ومن أنواع اللؤلؤ والجواهر والياقوت ما لو أن ياقوتة منها برزت في دار الدنيا لكانت أكثر ضياءً من الشمس، بل أكثر ضياء من البرق، تكاد تخطف أبصار الناس عند إضاءتها ورؤية نورها.
والتحلية: لباس الحلي في الجنة، (من أساور من ذهب) الأساور: جمع سوار.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٣].
ولذلك ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من لبس الحرير من رجال أمتي في الدنيا لا يلبسه في الآخرة).
وقد قال أصحاب رسول الله ﷺ في تفسير الحرير: من لبس الحرير في الدنيا مصراً على لبسه لم يتب إلى أن مات لم يدخل الجنة.
قال عبد الله بن الزبير وهو قول أبي سعيد الخدري: يدخلون الجنة ولكن لا يلبسون حريرها؛ لأن الجنة هي مأوى كل موحد مات على الإيمان بالله، والإيمان برسول الله فلم يكن لبسه للحرير في الدنيا مانعاً له من دخول الجنة ولكنه مانع من لبس الحرير في الجنة.
وقد يكون ذلك وعيداً من الله وتهديداً من رسول الله ﷺ ليترك الرجال هذا التأنث والتشبه بالنساء، فقد قصر الله الحرير والذهب لباساً على النساء دون الرجال.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٣].
قال تعالى: (وقالوا) أي: هؤلاء الثلاثة الأصناف: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات عند دخول الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤].
وإنما قالت هذه الفئات الثلاث ذلك لأنهم دخلوا الجنة بعد هموم وأحزان، في الدنيا حال حياتهم، وفي العرض حال الحساب، وفي الموت، فهم بذلك يستريحون من هموم الدنيا وأحزانها؛ من هم المعيشة أو المرض، أو السعي، أو السن، ومن هموم الأولاد والنساء، وكذلك هموم يوم القيامة من هموم الحساب بالنسبة لمن سيحاسب، حيث يحاسب الظالم لنفسه حساباً عسيراً ويحاسب المقتصد حساباً يسيراً.
أما الذي سبق بالخيرات فلا حساب عليه، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد العرض على الله، وبعد القيام من القبور، أما حين تنتفض رءوسهم وهم يقفون بين يدي الله فهم لا يعلمون هل هم إلى جنة أو إلى نار، وهل قبل الله أعمالهم في الحياة الدنيا، أم لم يقبلها، فهم عندما يدخلون الجنة يجدون الراحة والطمأنينة فيذكرون الله ويحمدونه، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤].
والحزن والهم والغم بمعنى واحد، فالمعنى: أزال الهموم والغموم وجعلنا على غاية ما نكون من الاطمئنان ومن اليقين والسعادة، ومن نضارة النعمة والسعادة والرحمة.
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤].
إن خالقنا وربنا المتفضل علينا غفور للزلات والخطيئات، عفو عن المخالفات، (شكور) وشكره لعباده المؤمنين أن يغفر ذنوبهم، وأن يكفر سيئاتهم، وأن يدخلهم الجنان مغفورة ذنوبهم، مرحومين من أي عذاب وأي بلاء وأي سوء.
(وقالوا): أي: كل هذه الفئات الثلاث: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥].
حمدوا الله وشكروه واستغفروه، وحمدته كل حواسهم وخلايا أبدانهم على أن أحلهم دار المقامة، أي: دار الإقامة الدائمة التي لا موت فيها ولا رحيل ولا انتقال، وأحلنا الدار التي لا حزن فيها ولا هم ولا غم، بل أحلنا الدار التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، بلا غم ولا هم ولا تكليف من عبادة أو غيرها.
وهذه النعم الحالة علينا ما هي إلا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٥] لا بعمل قدمناه، فهو الذي هيأنا للعمل الصالح، وألهمنا إياه، فالله إذا أراد أن يظهر فضله عليك خلق ونسب إليه، فهو الذي وفقنا لعبادته، ووفقنا لطاعته، وأدامنا على ذلك، ولذلك يشكره المؤمنون وقد دخلوا الجنان وذنوبهم مغفورة، لا حزن ولا هم ولا غم، يدخلون القصور مع الحور العين في كل ما اشتهته أنفسهم.
قوله: ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ [فاطر:٣٥].
النصب: الشقاء والتعب والمشقة، واللغوب: الجزع والإعياء البسيط.
أما النصب: فهو التعب والمشقة الشديدة، فلا تعب في دار الجنة فهي دار النعيم المقيم الدائم، فليس فيها لا نصب، ولا تعب مشق متعب، ولا لغوب، ولا إعياء حتى ولو كان بسيطاً، فقد جعل الله الجنة دار النعيم الدائم والأفراح الدائمة لا نصب فيها ولا لغوب، ولا هم ولا أحزان، فهذه مراتب المؤمنين من المقتصدين في ذنوبهم والظالمين لأنفسهم والسابقين بالخيرات، ومآل الكل بعد كل هذا دخول الجنان، بلا غم ولا أحزان، ولا نصب ولا لغوب.
стр. 1566
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا)
ثم عقب الله بعد ذلك بذكر حال الكافرين الذين ماتوا على الشرك بالله، والكفر بالأنبياء، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦].
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فاطر:٣٦]، أي: كفروا بالله رباً، وبمحمد نبياً وخاتماً للرسل، وبالقرآن إماماً، وماتوا على ذلك لهم نار جهنم.
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
قوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر:٣٦]، أي: لا يسبق في قضاء الله عليهم يوم القيامة موت؛ لأن الموت يموت هو أيضاً في الآخرة، فأهل النعيم خالدون لا موت، وأهل الجحيم خالدون لا موت، والقضاء يكون بالموت كما قال تعالى عن موسى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥].
وكما قال في قصة سليمان: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ:١٤].
فلا يكون الموت قضاءً من الله عليهم عقوبة لهم، بل تكون الحياة مع التقلب بالعذاب دائماً سرمداً؛ لأن في الموت راحة لهم، ولذا يطلبون الموت ويفرحون به، ولكن هيهات لا موت، بل يجدد لهم العذاب وتجدد جلودهم وأجسامهم، فكلما احترقت وانتهت أعيد خلقها خلقاً جديداً ليبقى العذاب دائماً مستمراً جزاءً وفاقاً؛ لكفرهم بالله الخالق وبنعمه الظاهرة والباطنة.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦]، أي: كذلك الجزاء نجزي الكافرين، وقول الله لذلك وهو يقص علينا قصص الكافرين السابقين ليكون موعظة وذكرى للمؤمنين، وتحذيراً للناس أن يتبعوا حال حياتهم الكافرين في كفرهم فيعاقبون عقابهم، ويجازون جزاءهم، وليس الجزاء خاصاً بالكافرين الأولين؛ ولكنه عام للأولين والحاضرين واللاحقين من المعاصرين في عصرنا ومن الآتين بعدنا إلى آخر إنسان في هذه الدنيا.
فمن مات كافراً له نار جهنم لن يموت ولن يخفف عنه من عذابها، وكل من مات موحداً له النعيم الدائم في الجنان خالداً فيها حتى يقول بعد دخولها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٤ - ٣٥].
وأما الكافرون فليسوا كذلك، فهم في جهنم خالدون لا يموتون، ولا يخفف عنهم عذابها، قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا﴾ [فاطر:٣٧] يدخلون النار حال كونهم يصطرخون، ﴿أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، فيقول الله لهم موبخاً ومقرعاً: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧].
اصطرخ: افتعل؛ من الصراخ والصياح، أي: يرفعون أصواتهم، وشأن المعذب شأن الذي لا يملك جزأً من جسده ولا خلية من ذاته إلا وتعذب أشد أنواع العذاب، فيصرخ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ [فاطر:٣٧] يقولون: يا ربنا، ولم يكونوا يعترفون بذلك في دار الدنيا، بل ما قالوا يوماً: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وخطايانا يوم الدين، ولكنهم أخذوا يقولون ذلك بعد أن رأوا ما أنكروه في حال الدنيا من البعث والحياة بعد الموت، والعذاب الذي هددوا به من قبل أنبيائهم في الدنيا، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا﴾ [فاطر:٣٧] أي: يقولون في صراخهم، فالدعاء بيان صراخهم وإجابة ل
السؤال
بماذا يصيحون وبماذا يصرخون؟ يصطرخون يقولون: ربنا أخرجنا، أي: من النار ومن العذاب.
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] أخرجنا من النار، وأعدنا إلى دار الدنيا نعمل أعمالاً صالحة غير الأعمال الطالحة التي فعلناها في حياتنا الأولى، وهيهات هيهات! لن ترجع عقارب الساعة إلى الوراء، فالدنيا فنيت ولن تعود، سواء كان وقتها يوماً، أو كان زمنها ساعة، وإذا بها ذهبت فمن سعد ففيها كانت السعادة، ومن شقي فمنها مقام الشقاوة.
أما الآخرة فهي دائمة، ولا عودة منها قط إلى دنيا؛ لأنها حينها قد أصبحت عهناً منفوشاً لا جبال ولا أراضي، ولا سماوات، الكل قد فني وأصبح ذراً بين الذر، وهباءً بين الهباء، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] فتجيبهم ملائكة الله عن أمر الله أو يجيبهم الله بنفسه فيقول الله لهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧].
ألم نحيكم في الدنيا، ونعمركم عمراً يمكنكم أن تتفكروا فيها لو شئتم، لقد طال هذا العمر بما يكفي أن يتذكر فيه الإنسان فهو سنوات، فما بالكم لم تتذكروا وقد جاءكم النذير ينذركم ويتهددكم ويتوعدكم.
وقد قال قوم في هذا العمر: هو سن البلوغ من الإنسان، وقال قوم وهم كثر: هي أربعون سنة، من بلغ في سنه أربعين سنة ولم يقل يوماً ربي الله، ولم يعد إلى الله مع هذه العشرات من السنين وبقي على حاله يوشك أن يبقى كذلك إلى الموت، وكما قال ﵊: (من شب على شيء شاب عليه).
الإيمان والثبات على الدينية يكون في الشبوبية على الغالب، وقد يكون أحياناً في الكبر إذا سبقت عناية الله بالإنسان، ولكن جرت العادة على أن من نشأ على الكفر عاش على الكفر، ومن نشأ على الفسوق عاش على الفسوق، وأكد هذا رسول الله ﵊ بقوله: (من شب على شيء شاب عليه).
وقال أقوام: التعمير المراد بالآية هو: دون سنة، ورووا في ذلك أحاديث لم يصححها الحفاظ تصحيحاً كاملاً، وأن يقول النبي ﵊: (من عاش ستين سنة فقد أعذر الله إليه) أي: فقد جعل الله له العذر الكامل فيما إذا قصر خلال هذه الستين فيتوب ويئوب ويرجع إلى الله قبل الموت، واستشهدوا على ذلك بالحديث الثابت الصحيح الذي يقول فيه ﵊: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل منهم من يتجاوز ذلك).
وهذا نشاهده ونراه، ولم تكن الأمم السابقة تعيش هذا، بل كانت تعيش المئات، وقد قص الله علينا في كتابه بأن نوحاً لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو نبي، وقد عاش قبل ذلك قالوا: أربعين سنة، وقالوا: مائتين وقالوا: ثلاثمائة.
وفي التوراة والإنجيل عن أنبياء بني إسرائيل ومن سبقوهم ممن عاش ثلاثمائة سنة وأربعمائة سنة ما يؤكد ذلك، أما حياة نوح فهي كما ذكرها الله في كتابه، وأنه عاش ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولكن الشأن من الأمة الآخرة -أمة آخر الأنبياء- إذ لا أمة بعد أمة محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم فقد قال: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وقليل من يتجاوز ذلك).
وفي لفظ آخر: (معترك المنايا بين أمتي ما بين الستين والسبعين)، معترك أي: الموت يتعارك عندما يبلغ الإنسان بين الستين والسبعين فيحاول الموت أن يأخذ روح الإنسان وهو في هذه السن في الغالب، وإلا فالكثير من يموت قبل ذلك.
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٧]، عمراً يكفي لأن يتذكر الإنسان فيه يوماً الرسالة التي أرسل الله بها نبي عصره، والكتاب المنزل على نبي عصره، والبشارة على لسان نبي عصره، والنذارة على لسان نبي عصره، وفي عصرنا منذ بدء الرسالة المحمدية -أي: منذ ألف وأربعمائة عام- وإلى آخر لحظة من الدنيا، فليس بعد محمد نبي آخر، فرسالته لمن في عصره، ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة.
قوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] قالوا: النذير: النبي، فهو النذير المنذر، وقالوا: القرآن، وهنا كذلك يتكلم الله عن الأعمار: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] فجمهور المفسرين قالوا: النذير: الشيب.
وفي الآثار قالت شعرة وقد ابيضت لجارتها: استعدي للموت فقد جاءك النذير.
وقالوا: النذير الحمى فهي الطريق إلى الموت، وليس دائماً، وقالوا: النذير موت الأحباب والأقارب، ومن ذلك موت الأقران والزملاء، فيرى الإنسان أخاه قد مات، وزميله في الدراسة وفي العمل وفي الجوار قد مات، وهو يقول: يأتي الدور علي غداً أو بعد غد، فعلى كل حال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
فالموت حق، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ولكن النذير في الأعمار: أن يكون الرجل شاباً فينتقل إلى الشيخوخة ثم إلى ضعف البنية وإلى بياض الشعر ذلك نذير، ونحن لا نموت فجأة دفعة واحدة في الغالب، ولكن يموت الإنسان يوماً بعد يوم، ففي خلايا جسم كل إنسان ملايين الخلايا، والخلايا هذه تموت خلية بعد خلية، والعصب يضعف، والشرايين تضعف، شريان بعد شريان وهو موت بطيء، ولذلك من كان قوياً كأن يكون رياضياً في الشبوبية يحمل الأرطال ويحمل القنطار إذا شاب لن يستطيع حمل ما كان يحمله وهو ابن خمس سنوات، ومن كان إذا سابق سباقاً لنظرائه وقد يسبق بعض الدواب والحيوانات فإذا شاب فإنه حتى المشي العادي لا يستطيعه إذا لم يتكئ على آخر أو يعتمد على عكاز، وهكذا دواليك، فكما جئنا ضعافاً سنعود ضعافاً ونعود كما جئنا، جئنا من تراب وسنرجع إلى تراب، إلى أن يعيدنا الله ﷻ إلى الآخرة، ونرجوه ﷻ أن يجعلنا من أهل الجنة ومن أصحاب النعيم الدائم، وتبقى الدنيا برزخاً، وكما قال الحسن البصري: خلقنا للأبد وإنما هي نقلة من دار إلى دار كما ينتقل الحي من حي إلى حي، ومن دار إلى دار، ومن حالة إلى حالة كذلك الآخرة ليست إلا نقلة.
ولذلك الأرواح تبقى معلقة إلى أن تعود لأجسامه
стр. 1567
تفسير سورة فاطر [٣٨ - ٤٠]
إن الله وحده عالم غيب السماوات والأرض، وهو محيط بدقائق الأمور ، فيعلم ما يعتمل في نفوس عباده وما تحيك صدورهم وضمائرهم، وما من أحد من خلقه يعلم شيئاً من غيبه تعالى إلا بإذنه فيطلع خلقاً من خلقه على بعض غيبه بقدر، ويحجبه عن آخرين حكمة منه وفضلاً.
стр. 1568
تفسير قوله تعالى: (إن الله عالم غيب السموات والأرض)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر:٣٨].
إن الله وحده عالم غيب السماوات السبع وما فيها، وغيب الأرض وما فيها، إذ الغيب لا يعلمه أحد؛ لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن باب أولى لا كافر ولا ساحر ولا كاذب مفتر على الله دجال، ولكن من يرد الله أن يعلمه بعض غيبه يعلمه كما أعلم أنبياءه وكما أعلم رسله، وكما أعلم ملائكته، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧].
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال:٣٨]، فحتى صدورنا وضمائرنا وما بين جوانحنا وما لا تسمعه منا أذن، ولا يكتبه قلم ولا نتحدث به، وما هو في صدورنا من آراء وخواطر يعلمها الله، فهو يعلم بما لا يعلمه الأب من ولده، ولا الولد من أبيه، ولا الزوج من زوجته، ولا الزوجة من زوجها، ولا أحد من أحد مطلقاً، فالله كما يعلم غيب السماوات والأرض يعلم ما في صدر كل إنسان مما هو غيب على كل الخلق من الخواطر والخطرات وحديث النفس.
стр. 1569
تفسير قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض)
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر:٣٩].
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر:٣٩] خلائف: جمع خليفة، خلفنا من سبقنا من الآباء والأجداد والأجيال السابقة، وهكذا يذهب الجيل ويأتي الآخر، ومع ذلك فالجيل المتأخر لا يأخذ العبرة ولا الدرس ولا الحكمة من الجيل السابق، وكان عليه أن يتخذ العبرة ويتأمل ما هو الذي كسبه وربحه من كفره غير الخزي والذل والهوان، فإنه إن أدرك ذلك فلن يفعل فعله، ومن كان أبوه أو من يعلمه صالحاً فيجب أن يتخذه أسوة وقدوة، وهكذا.
فهذا توجيه رباني للاستفادة من تجارب من مضى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر:٣٩] ومعناه: خلفنا من سبقنا من الأفراد والجماعات، فأطفالنا خلفاؤنا، ونحن خلفاء آبائنا، وآباؤنا خلفاء آبائهم، فكل من جاء بعدك يعتبر خلفاً لك، وخليفة لك، ورثك في هذه الدنيا بالحياة، وقد يكون قريباً فيرث بيتك ويرث مالك، ويرث اسمك، ولربما شاركك في هذا الاسم في الحياة حيث يقال لك: آل فلان، فيقال عنهم كذلك: آل فلان، ومن ما يفيد الاستخلاف أيضاً: أنه جعلكم خلفاء الماضين، تمرون عليهم بالليل وبالنهار فترون آثارهم وتتساءلون: أين من بنى وشيد؟ أين من حكم الدنيا؟ أين من قال: أنا ربكم الأعلى؟ تلك بيوتهم خاوية تعوي فيها الذئاب وكأنهم لم يكونوا، لم يصحبهم إلا العمل الصالح، ومن لم يكن له عمل صالح صحبته اللعنة وصحبه الخزي، ولعذاب الله يوم العرض عليه أشد مما هو فيه، فنحن عندما نخلف من سبقنا من الأجيال السابقة والأمم السالفة يجب أن نعتبر بحالهم.
وهنا نلمس فائدة التاريخ وفي ذلك الإشارة إلى العناية بالتاريخ، ولذا قص الله علينا الكثير من تاريخ الأمم السابقة، والأنبياء السابقين، وما جرى لهم من خير أو شر، فتعلم ذلك يفيد الإنسان الخبرة والعبرة والموعظة، فإن كان خيراً اتبعه، وإن كان شراً تعوذ بالله منه وابتعد عنه، ولذلك عندما يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ﴾ [فاطر:٣٩].
أي: هناك من سبقكم ممن قبلكم فلستم بدعاً ولم تنفردوا في الوجود، بل سبقتم في الحياة، فآمن من آمن وسعد في الدنيا وسعادته، في الآخرة أتم وأكمل وأشمل.
قوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [فاطر:٣٩]، أي: فالذي كفر فنتيجة كفره عليه، وعذاب الكفر عائد عليه لا على غيره، فكل محاسب بما صنع، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤].
﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [فاطر:٣٩]، عليه عقابه ومهانته وذله وهوانه، لن يعذب معه سواه، إلا إذا كان شريكاً لذلك السوى في عمل هذا الكفر والدعوة له.
﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر:٣٩]، أي: كفر الكافر مهما طال، ومهما صمد عليه صاحبه وأصر عليه فلن يزيده ذلك عند ربه إلا الغضب والمقت والخزي واللعنة الدائمة.
فالكفر مهما طال، ومهما استطال، ومهما عاش عليه من عاش، فرداً كان أو أمة، لن يزيده كفره عند ربه إلا مقتاً، والمقت: أشد الخزي، وأكثره وأبلغه، ولن يلحق الخزي إلا به، فكفره لن يزيده إلا مقتاً ولعنة وغضباً.
﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر:٣٩].
فمهما طال كفرهم زاد في خسرانهم، خسرانهم للجنات والنعيم والرحمة والشفاعة، وهكذا دواليك، ولذلك كما أن الجنة درجات، فإن النار دركات، فمنهم من هو على ضحضاح يغلي منه دماغه، ومنهم من هو في قعر جهنم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، أي: في آخر دركة، وهي دركات سحيقة، جاء عن النبي ﵊ في بعد قعرها أنه قال: (إن أحدكم ليقول الكلمة لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في قعر جهنم سبعين خريفاً)، أي: سبعين عاماً، وليس في العام إلا خريف واحد.
إن أحد المستهترين يقول وهو لا يدري ما يقول، وقد يقول كلمة يريد بها المزاح والدعابة وإذا به ارتد وكفر وخرج عن أمر الله ودين الله، فيهوي بها ويسقط، ويظل ساقطاً مدة سبعين عاماً إلى أن يصل إلى قعر النار، ولا يصل إلا عند تمام مرور سبعين عاماً، وهكذا هؤلاء لن يزيدهم كفرهم إلا خساراً، وقد يكون كفرهم لأول مرة، فيكونون به في ضحضاح من النار، ثم يزيد إلى أن يكونوا في قعر جهنم.
стр. 1570
تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله)
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر:٤٠].
يقول الله لهؤلاء المشركين سكان النار الخالدين فيها أبداً، الذين يصيحون ويصطرخون يرجون الخروج وهيهات لات حين خروج، ولات حين مندم، يقول الله: قل يا محمد لهؤلاء: أروني الذين تدعون من دون الله، قل لهم يعلمونك، ذلك علم رؤية قلبية، أو رؤية عينية، قل لهؤلاء: أرأيتم هؤلاء الشركاء أطلعوني عليهم، أروني إياهم وأعلموني بمقامهم، يخاطب الذين جعلوا لله شركاء وزعموا أنهم خلقوا كخلقه وأنهم شاركوه في ملكه أو في رزقه، أو في خلقه: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٠]، اطلب منهم متحدياً أن يروك الجزء الموجود في الأرض وهم خلقوه؟ فإن قالوا: بنينا قصراً -وقد يقولون: خلقنا- فيقال لهم: هل أنتم الذين كونتم حجارته أو الماء والطين اللازم لبنائه؟ فيكون
الجواب
لا، وكذا إن قيل: نحن صنعنا الصواريخ، وصنعنا الطائرات وصنعنا وصنعنا فيسألون: هل هم الذي خلقوا ذلك الحديد الذي صنعوا منه الطائرة والصاروخ؟ بل غاية ما صنعتموه أنكم حولتم المادة التي خلقها الله من صورة إلى أخرى، فمثلاً: الله خلق القمح وبإمكاننا أن نجعله خبزاً، أو نجعله حلوى، أو نجعله طعاماً، فلا يقال أنا خلقناه؛ لأن الأصل هو تلك الحبة التي لم نخلقها، ولم يخلقها أحد، حتى العقول التي خبزت والأيدي التي زرعت وسقت وطحنت من الذي خلقها؟ الكل خلق الله، ومن ضاع عقله لا يستطيع عمل شيء، لا ذوقاً بلسانه، ولا عملاً بيديه إن هو إلا إنسان فقد العقل، والعقل لا يعطيه إلا الله، ومن فقده لن يشتريه بملء الأرض ذهباً.
ثم استرسل في سؤالهم فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠]، وإذا لم يخلقوا شيئاً في الأرض فهل هم شركاء الله في سماواته؟ كأن خلق الله ستاً وخلقوا واحدة أو خلق الله الملائكة وخلقوا الجن! هيهات هيهات، ما خلقوا شيئاً، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]، بل ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣].
قوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ [فاطر:٤٠].
أم أنزلنا عليهم كتاباً من السماء أمرناهم فيه بالكفر وبالشرك، وبأن يتخذوا لنا شركاء معاذ الله، إن الله لا يأمر بالفحشاء، والاستفهام هنا استفهام توبيخي تقريعي، أي: هذا لا يوجد، بل ما ادعوه، فلم يدعو رسالة ولا نبوة، ولا اتباع كتاب، وإن هم إلا حيوانات شاردة في الأرض، يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع ولا يهلكهم إلا الدهر، هكذا يزعمون، وهم ما ذكروا في القرآن وفي الشريعة وفي لسان التاريخ الماضي، ومثل هذا القول قال الدهريون، وهم الذين يعبدون الدهر، وما الدهر؟ يقول النبي ﵊ عن الله في الحديث القدسي: (تسبون الدهر وأنا الدهر)، أي: الدهر هو: الزمان، والله خالق الدهر، وخالق الزمان، وخالق الليل والنهار، فمن سب ذلك كأنه يسب الصانع والخالق، فيكون بذلك قد خرج عن الإيمان وهو لا يشعر، وهو من الكلمات التي قال عنها نبي الله ﵊: (إن أحدكم لينطق بالكلمة لا يلقي لها بالاً -يقولها دون أن يقصد معناها، ولا يفكر فيها- فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً).
ولذلك ينبغي على الإنسان أن يكون عقله وراء لسانه لا لسانه وراء عقله، وإلا لنطق بالكفر وهو لا يعلم ولا يفهم، ونحن لا نحاسب الناس إلا بما ظهر لنا منهم، فمن جاء وقد أعلن الكفر اعتبرناه مرتداً، فإذا جاء وقال بين يدي الحاكم والقاضي: لم أقصد، لا يقبل هذا منه، ولا يصدق به؛ لأن العبرة بما دل عليه الكلام، وكذلك من جاء وقال: أنا آمنت، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، اعتبر مسلماً، فإن عاد وخرج عنها، وقال: إنما هي كلمة قلتها اعتبر مرتداً، وألزم بالعودة إلى الإسلام، وإلا قتل بسيف الإسلام.
والمعنى: سل هؤلاء: الشركاء الذين دعوتموهم من دون الله وعبدتموهم من دون الله، ما الدليل على أنهم شركاء؟ أخلقوا شيئاً من الأرض؟ أطلعوني عليه وأعلموني علمه وخبره إن كان موجوداً، فإن لم يكن في الأرض فهل شاركوا الله في خلقه في السماوات؟ أم لهم سماء هم خلقوها وهم دبروها؟ وإذا لم يكن ذلك وهو غير كائن، فهل أنزل عليهم كتاب أمروا فيه بالشرك وبالكفر وبالجحود والعصيان؟ هيهات هيهات، لم يكن ذلك، فذلك استنكار توبيخي تقريعي يعود عليهم بالمذمة والهوان، ولذلك القرآن خاطب العقول -فمن لا عقل له لا فهم له ولا إدراك- وبعد ذلك جاءت الأدلة، فلم يقل الله في كتابه من بدايته إلى نهايته: تعالوا اسمعوا وأطيعوا بناءً على أمرهم، وإنما أمروا بذلك بعد أن أمروا: أن تفكروا أن تذكروا انظروا بأعينكم -الأعين الباصرة- تأملوا ببصائركم -البصائر المدركة.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦]، أي: لم أطالبكم إلا بخصلة واحدة: أن تقوموا مفكرين متذكرين دارسين مثنى مثنى، جماعات جماعات، فرادى كل واحد في نفسه، هل محمد مجنون؟ هل الكتاب الذي أنزل عليه صنعه بنفسه؟ وقطعاً لم يكن شيء من ذلك، بل كل ذلك خواطر أوحى بها الشيطان، فلما لم يستعملوا عقولهم ضلوا، ولذلك عندما تفكر أمثالهم أصبحوا السادة بعد الأنبياء عليهم رضوان الله، وعلى الأنبياء سلام الله.
стр. 1571
تفسير سورة فاطر [٤٠ - ٤٥]
كان العرب قبل بعثة النبي محمد ﷺ يعيشون حياة وثنية، وإذا بهم يرون من حولهم من الشعوب ينتحلون أدياناً سماوية سواء كانت يهودية أو نصرانية، فأقسموا بالله أن لو بعث الله إليهم نبياً من أنفسهم ليكونن أهدى ممن سبقهم من الأمم، فلما جاءهم نبي منهم يعرفون نسبه وخلقه كفر به بعضهم وأبوا أن يتابعوه.
стр. 1572
تابع تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله)
قال الله جلت قدرته: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤٠ - ٤١].
هذه الآية تحدثنا عنها شارحين ومبينين ومفسرين بما جاء عن الله من آية شبيهة، وبما صح عن رسول الله ﷺ ونحن نتممها.
﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر:٤٠].
يقول الله لنبيه وعبده صلى الله عليه وعلى آله: قل لهؤلاء الذين دعوا وعبدوا شركاء من دون الله زاعمين أنهم شركاء لله: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٠]، كيف ادعوا لهم هذه الألوهية وما دليلهم عليها؟ هل رأوا شيئاً قد خلقوه في الأرض أو صنعوه فيها؟ هل فعلوا فعلاً كفعل الله أو خلقوا كخلق الله؟ أم أنهم قد شاركوه في الخلق والتدبير؟ أم نزل عليهم منا كتاب يبين لهم عبادة الأوثان وعبادة الشركاء؟ كل هذا زعم خسيس لا واقع له، وإنما هي أضاليل وأكاذيب، والاستفهامات في الآية للتعجيز وللتقريع وللإذلال والهوان، وفضحهم بأنهم يقولون ما لا دليل عليه؟ بل غاية ما يفعلون أنهم يأتون للحقائق فيزيفونها بالأباطيل والأضاليل.
(بل) إضراب عن كل ما مضى من كون الله له شركاء، ومن كون هؤلاء الشركاء المزيفين خلقوا من الأرض جزءاً أو أشركوا الله فيما عنده في سماواته، ومن كونهم قد أتوا كتاباً يبين لهم ضلالهم ويأمرهم به، والله لا يأمر بالفحشاء، بل كل ذلك لا أصل له.
﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر:٤٠]، أي: ليس لهؤلاء الظالمين لأنفسهم، المشركين بربهم، المؤمنين بما لم ينزل به سلطاناً، ليس لهؤلاء دليل ولا برهان، إن هم إلا يضل بعضهم بعضاً، ويتبعون ما غرهم من أوهامهم وأكاذيبهم وجهالاتهم، فليس شيء من ذلك قائماً ولا موجوداً.
стр. 1573
تفسير قوله تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١].
يذكر الله ﷻ عباده بالآيات البينات الدالة على عظمته، فهذه السماوات التي تظلنا، وهذه الأرض التي تقلنا، أمسكهما الله وحده وهو الذي أوقفهما، وإلا فقد كادا يقعان.
وعدد الله أوجه عظمته وقدرته في السماء لاستنكار ما زعموه من نسبة الشركاء لله، ومن نسبة الولد له.
كادت أن تسقط السماوات على الأرض، ولكن الله تعالى هو الذي منع سقوطها، ومنع اضطرابها، ومنع أن تنطبق السماء على الأرض عقوبة لهؤلاء، واستفظاعاً لما قالوه عن رب العزة ﷻ ، وهو الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا معين ولا مساعد.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١].
فهو الذي أمسك السماوات والأرض بقدرته بقوله: (كن) هو الذي أمسكها بتقديره عن أن تقع على الأرض.
﴿أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] أن تهتد أو تضطرب حتى تلتقي بالأرض وتطبق على هؤلاء المشركين.
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١].
وإن زالت السماوات وزالت الأرض فوقع بعضها على بعض استفظاعاً لما يشركون، لما وجدت غير الله يعيدها ويمسكها عن أن تسقط وعن أن تقع على الأرض، رحمة منه وحلماً بعباده ورجاء توبتهم وعودتهم إليه، فالله يغفر ذنوب من تاب وأناب، كما أنه يحلم بهم لعلهم يعودون إلى الدين يوماً، ويرجعون إلى الإيمان تاركين للشرك لما فيه من ضلالات وأباطيل، والله عندما يقول هذا يخبر عن الماضين ويظهر حالهم، ويضرب بهم الأمثال للحاضرين في العصر النبوي، ولمن جاء بعدهم وإلى عصرنا، ينذرنا يتوعدنا ويهدد الكافرين منا وممن جاء بعد ذلك وإلى يوم البعث والنشور بأن هذا الكفر وبأن هذا الشرك تكاد السماوات أن ينطبق بعضها على بعض غيظاً منه، وتكاد أن تقع على الأرض استفظاعاً واستعظاماً لما يقول هؤلاء الظالمون لأنفسهم المشركون بالله، ولكن الله لم يفعل ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١].
والحلم هنا بالنسبة للكافرين: أنه أرجأهم وأمهلهم ولم يهملهم لعل العمر يطول بهم يوماً فيعودون للتوحيد، ويعودون للإيمان، وما ذاك إلا من حلم الله ورحمته حتى بالكافر، والكافر إن آمن والمشرك إن عاد للإيمان والإسلام فالله يغفر الذنوب، فالإسلام يجب ما قبله، فهو الحليم بعباده، وهو الغفور لذنوب من آمن منهم وتاب وأناب.
стр. 1574
تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم)
قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر:٤٢].
يقول ربنا ﷻ : لقد كان هؤلاء قبل أن يرسل الله لهم عبده ونبيه وسيد الخلق محمداً ﷺ يقسمون فيما بينهم الأيمان المحرجة المغلظة بكل جهدهم وكل طاقتهم على أنواع الأيمان، فيقسمون بالله وبجميع صفاته وبجميع أسمائه الحسنى على أنه إذا أرسل الله لهم رسولاً منذراً كما سبق أن أرسل لغيرهم من أهل الكتاب -كموسى وعيسى اللذين أرسلا إلى اليهود والنصارى- أنهم سيهتدون ويؤمنون، وقد أكدوا ذلك أشد تأكيد، ولذا حكى الله عنهم هذا التأكيد فقال: ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ [فاطر:٤٢] فهم يقسمون ويؤكدون القسم بالله بالنون المؤكدة لهذه اليمين -النون المشددة- إن أرسل الله لهم رسولاً ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ﴾ [فاطر:٤٢] أي: فسيكونون أكثر هداية وإيماناً وصلاحاً من إحدى الأمم، ويعنون بالأمم اليهود والنصارى.
وهذا الإقسام بأنهم سيكونون إذا أرسل لهم رسول ينذرهم وأكثر هداية منهم قد ظهر منهم خلافه، إلا بعض من استجاب لله، وكان منهم موحدون كـ ورقة بن نوفل مثلاً الذي عندما جاء الوحي نبينا ﵊ ذهبت به زوجته أم المؤمنين الأولى خديجة رضوان الله عليها إلى ورقة وقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقد كان ورقة موحداً، وكان من ضمن من يرجو أن يأتي الله بنبيه، ولكن ورقة عندما جاءه الرسول المبشر المنذر صلوات الله وسلامه عليه بادر وتمنى أن ينصره، وذلك قبل أن يدعو محمد عليه صلوات الله وسلامه عليه صاحبه وزوجته وابن عمه، وقبل أن يدعو عشيرته الأقربين، قال ورقة: ليتني كنت فيها جذعاً -شاباً صغيراً- عندما تدعوهم إلى عبادة الله وترك عبادة الأوثان فيخرجونك لكنت حينها معك أنافح عنك، وأقاتل في سبيلك وفي سبيل تحقيق هذا الدين.
ومن أجل ذلك ترجم لـ ورقة أنه من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان ورقة نادرة من النوادر، ونبذة من النبذ بين قومه المشركين، إذ الباقون عندما جاءهم النذير منهم كما كانوا يتمنون، وكان من أنفسهم يعرفون حسبه ونسبه، فلقد عاش بينهم وعلموا نشأته وتربيته، وعلموا أمه وأباه وجده، وكان الحفيد لسيد العرب وكبيرهم عبد المطلب، ومع ذلك لما جاءهم ما زادهم النذير إلا نفوراً، فكفروا به، وخانوا العهد وحنثوا في الأيمان المجهدة المغلظة التي أقسموها.
فهؤلاء عندما أقسموا ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [فاطر:٤٢] فبذلوا الجهد من أنفسهم مقسمين وحالفين بالأيمان بأسماء الله الحسنى وبأيمانهم إن أكرمهم الله بنبيه -ولم يسبق أن أرسل إليهم نذيراً من قبل في تاريخهم الطويل العريض- ﴿لَيَكُونُنَّ﴾ [فاطر:٤٢]، يؤكدون أنهم سيكونون أهدى من إحدى الأمم التي أنزلت عليها كتب كاليهود والنصارى وممن سمعوا بهم في رحلتهم، وكان لهم رحلتان في الصيف والشتاء، فكانوا يرونهم في الشام وهي أرض النصارى إذ ذاك، ويرونهم في العراق ويسمعونهم وهم يقولون: أنزل علينا كتاب اسمه التوراة وكتاب اسمه الإنجيل، على أنبيائنا موسى وعيسى، فتمنوا وأقسموا لأنفسهم ومع بعضهم إن جاء العرب رسول مبشر ومنذر ليكونن أهدى منهم، أي: أكثر هداية وأكثر طاعة وأكثر إيماناً، فلما جاءهم النذير إذا بهم يكفرون به، ويتحدونه ويصدون عن سبيله، وبذلك كأنه ما زادهم إلا نفوراً عن الحق وعن النذير.
стр. 1575
تفسير قوله تعالى: (استكباراً في الأرض ومكر السيئ)
قال تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر:٤٣]، قوله: (استكباراً) بدل عن النفور، أي: أنهم فعلوا ذلك عندما جاءهم النذير فاستكبروا على رسول الله أن يؤمنوا به، واستكبروا على الله أن يكونوا عباداً له، فكانوا عبدة للشيطان ومع ذلك لم يخرجوا عن عبادة الله مكرهين أو راضين، ولكن المكره وهو عبد رغم أنفه له النار، وله العذاب وله الخزي من الله.
والعبد الراضي بعبوديته تكون عبوديته شرفاً له، وحرية له واستوجبت له الرحمة والرضا من الله ودخول الجنان.
قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر:٤٣].
المكر: التحايل في الباطل، والتحايل في الضلال وظهوره، أو التحايل في الفساد والإفساد والصد عن الله ودينه ورسله، قال ربنا: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣].
يحيق: يحيط، أي: لا يحيط مكر الماكر، ولا غدرة من يحاول أن يغدر وأن ينفر إلا بمن حاكه ودبره، فهم قد نكثوا العهد، وحنثوا في الأيمان، وتحايلوا بأن يشتموا النبي ﵊ مكذبين جاحدين برسالته وبالكتاب المنزل إليه، فالله هددهم وأنذرهم وأخبر بحقيقة من الحقائق فأصبحت مثلاً بعد ذلك بين الناس.
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، فمن حفر حفرة وقع فيها، ومن نصب لأخيه شبكة سقط فيها، وهكذا هؤلاء حين أرادوا أن يمكروا بالنبي ﵊، واجتمعوا في دار ندوتهم يتواطئون ويتآمرون أيخرجونه من مكة؟ أيقتلونه؟ أيسجنونه؟ وهم يمكرون، فكانت النتيجة أنهم مكروا بأنفسهم فمكر الله بهم.
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
فأوقعهم الله في يد من أرادوا أن يمكروا به، وسقطوا في اليد العادلة يد المصطفى ﷺ ، فانتصر عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً ودخل مكة فاتحاً، فأخذهم إليه وجمعهم بين يديه كما يجمع الصائد صيده في شبكة، وأخذ يتهددهم ويقول: ماذا ترون يا معاشر قريش أني فاعل بكم؟ وذهب ﷺ إلى الحرم ودخل الكعبة فوجد فيها ثلاثمائة وستين صنماً، وكان بيده قوس فأخذ يشير إلى كل صنم ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]، وهكذا بددت تلك الأصنام واختفت تحت الكعبة، ولعلهم في هذه الحفريات قد وجدوا بعض ذلك، وتمنى ضال من ضلال مصر المنسوبين للعلم وللأدب وللكتابة أن يحفر عن هذه الأصنام ليحتفظ بها على أنها من الآثار الضخمة.
فهي آثار بالنسبة للذين يحنون إلى ذكر الوثنية وذكر الأصنام وذكر عبادة الشركاء وهكذا أماني المشركين، وأماني الضالين، يحنون إلى الكفر القديم والشرك القديم ليحولوا الناس إليه ويحيطوا به، فكان عاقبة مكر هؤلاء أن أحاط بهم، وكانت الحفرة التي أرادوا حفرها لنبي الله ﵊ هي الحفرة التي سقطوا فيها فأصبحت مكة دار الإسلام من ذلك اليوم، وصدر أمر الله ﷻ الذي لا يرد بأن لا يدخلها كافر بعد ذلك اليوم.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨].
فأخبر الله عن المشركين أنهم عين النجاسة، وكما أن النجاسة لا يليق بالمسلم المصلي أن تكون مكان سجوده، أو أن تكون على ثيابه، أو أن تكون على بدنه، فإن مكة حرم وهي أم القرى ومحل البيت الحرام، ومسقط رأس الرسول ﷺ ومنزل الوحي الأول، فيها مناسك الحج الواجبة، فوجب على كل إنسان أن يحج إليها مرة في العمر، يأتي إليها منسلخاً عن المحيط والمخيط، لا فرق بين صعلوك ولا ملك، ولا غني ولا فقير بإحرام أشبه بالأكفان، حاسر الرأس في نعال كأنه حاف، وهو يدعو ويقول: لبيك اللهم لبيك، ومنذ ذلك اليوم ومكة معقل الإسلام، وإن أخذوا يحاولون أن يحاربوا رسول الله ﵊ إلى أن هاجموه في عقر داره بعد أن هاجر للمدينة المنورة فكانت معارك أحد، وكانت معارك الأحزاب، وقد خرج منها جميعها ﷺ المظفر العزيز المنتصر.
ثم كانت القاضية وكانت الفاصلة غزوة بدر، كتب الله فيها لنبيه النصر العزيز المؤزر فقتل من زعمائهم ثلاثة وسبعين وأسر ثلاثة وسبعين، وما رفعوا رأساً بعد ذلك، وكما قال ربنا: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣].
وقد حاق بهم، وأحاط بهم، فأصبحوا بين شريد وطريد وميت هالك، ومنهم من جر إلى الجنة بالسلاسل، فآمن وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه فكان كمن جر إلى الجنة بالسلاسل، جر أسيراً ثم بعد ذلك اهتدى وحسن إسلامه وقال: لا إله إلا الله وكانت سبب توبته، والإسلام يجب ما قبله.
ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
يقول الله عنهم في استفهام إنكاري توبيخي تقريعي: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين) أي: هل يصبرون على كفرهم وشركهم إلى أن يأخذهم الله إليه أخذ عزيز مقتدر.
فالأمم السابقة الذين أبوا إلا الكفر والشرك قد أحاطت بهم سيئاتهم، وحاق بهم مكرهم فذهبوا بين غريق، وبين ممسوخ، وبين مقتول، وبين من خسفت به الأرض، وبين من رجم من السماء بأنواع من الرجم ومن حجارة السماء، فهل هؤلاء ينتظرون مثل ذلك، فإن كان الأمر كذلك فلينتظروا فيما هم منتظرون، ولكل وقت ولكل عمل مدة وأجل مسمى.
قوله: ﴿إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ [فاطر:٤٣]، أي: طريقة الأولين ممن سبقهم من الأمم والشعوب التي أبت إلا الكفر والجحود، وأبت إلى التمرد على أنبيائها، ثم أخبر سبحانه أن سنته لا تتبدل فقال: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر:٤٣].
فسنة الله في المحسن والمسيء أن للمحسن الإحسان، وللمؤمن الجنة، وللمسيء النار وغضب الله، والخزي الدائم، فلن تجد لسنة الله تبديلاً، فسنة الله في خلقه -في المؤمنين والكافرين- لن تبدل ولن تغير، فلن يدخل كافر الجنة رحمة به، وقد حرم الله الجنة على الكافرين، ولن يخلد في النار مؤمن موحد، فسنة الله في الإحسان إلى المحسنين وعقوبة الكافرين كما فعل بالأولين من الشعوب والأمم السابقة كذلك، فهو الله الأول بلا بداية، الآخر بلا نهاية، فمن تبع سنة أولئك ومن فعل فعلهم ستكون سنة الله فيه البطش، والغضب واللعن، والتدمير كأولئك الكافرين السابقين، وقد أكد الله ثبات هذه السنن فقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]، فلا يحول الله سنته بأن يحسن للكافرين ويسيء للمؤمنين، فالله ﷻ خلق الدنيا دار عبور ومجاز للآخرة، وخلق في الآخرة جنة وناراً، فجعل الجنة للموحدين وجعل النار للكافرين المشركين.
стр. 1576
تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤].
يوجه الله هؤلاء الجاحدين المعاندين إلى الضرب في الأرض والسير فيها بالتنقل بين البراري والجبال، بين الأقاليم والقارات لينظروا إلى آثار الله في الأرض، من الإحسان للمحسنين، ومن العقوبة للمسيئين الكافرين، ولهذا فإن هذه الحفريات التي تكون بحثاً عن الآثار القديمة تزيد المؤمن إيماناً ويقيناً وتعلقاً بكتاب ربه وبطاعة نبيه؛ لأن كل ما قال ربنا في كتابه وبينه نبينا ﷺ في حكمته وسنته موجود ظاهر يراه من ضرب في الأرض رأي العين، منذ قريب جاء أحد من بعض أقطار أوروبا ممن يمت إلي بصلة القربى فأخبر أنه وجد هناك ما أخبر الله به من حجارة، كانوا أناسي فمسخوا، حين جاءتهم الصرعة فظلوا على حالهم فبعضهم كان منحنياً، وبعضهم كان ممتداً، وبعضهم كان يستقي، وبعضهم كان يخدم، وبعضهم يحاول الركوب، وبعضهم كان يجري، فجاءتهم الصعقة فبقي كل واحد منهم على تلك الحالة، ومع الأيام ارتطمت عليهم جبال بزلزال من الأرض فجمدوا وأصبحوا حجارة، فلما نبشت الآثار عنهم وجدوا أنهم قد تجمدوا فأصبحوا حجارة فنقلوهم إلى متاحفهم، وقد أخبرنا الله تعالى عن قوم ثمود وقوم صالح وما حل بهم، ولذلك كان النبي ﵊ يسرع المشي عندما يمر في هذه الأرض، كما حدث في غزوة تبوك وقد مر جيشه على أرض أولئك وسقوا من هذه المياه فبلغ ذلك النبي ﵊ فوجدهم قد خبزوا به، فأمرهم أن يرموا ذلك الخبز أو يطرحوه للدواب وقال: (من مر منكم على مثل هذه الأرض -أرض الهالكين أرض المشركين أرض المغضوب عليهم- فليتباكى، وليفر حتى لا يصيبه ما أصابهم).
وكان من الله التنبيه على الاعتبار بحال أولئك فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر:٤٤]، أي: أولم يرحلوا، أولم يسيحوا، والاستفهام هنا استفهام تحريض، أي: فليسيحوا وليضربوا في الأرض لينظروا رأي العين آثار من مضى قبلهم، وآثار من هلك قبلهم، مع أن أولئك كانوا أشد قوة من العرب، ومن عجم اليوم من سكان الأرض على كثرة دعواهم في أنهم أكثر سلطاناً، وأكثر حضارة وأكثر قوة، إلا أن ما يقولونه ما هو إلا كذب وإضلال واغترار بأنفسهم، ومن مر منا فرأى أهرامات مصر وموميات مصر، ورأى خرائب أرض بابل في العراق، لا شك أن الإنسان يقف مذهولاً أمام هذه الحجارة العملاقة التي بنيت بها الأهرامات، إذ يصل حجم الواحدة منها ما يمكن به أن يملأ غرفتين أو ثلاث، وكيف أنها قطعت من جبال الطور، فتحدث عنده التساؤلات: كيف اقتطعت على شكل واحد؟ ثم كيف جرت؟ وكيف حملت إلى موضع البناء؟ ما هي هذه القوة التي صنعت ذلك؟ لابد من وجود آلات لفعل ذلك، ولابد من أدوات لكنها إلى الآن ليست عند أحد.
ومن رأى موميات فرعون والفراعنة الذين معه، والأموات قبله وبعده وقد مضى عليهم آلاف السنين وهم بين العواصف والأمطار والشموس، وبين كر الليل والنهار، ولا تزال كما هي جلدة على عظم، لم تصبح رماداً، ولم تؤثر فيها عواصف ولا أمطار ولا شموس، من يرى هذه الحال لا شك أنه سيتساءل: ما هي المواد التي كانوا يصنعونها لتساعد في بقائهم هذه المدة من قرون، وكان زعماء الكفر في الفاتيكان يحتفظون بباواتهم في نواويس وصناديق من زجاج، وقد رأيت ذلك كما رأيت الأهرام وأبنية بابل، رأيت هذه النواويس في الفاتيكان تجد هذا البابا الضال ممدداً بلباسه وبشكله وبشعراته في لحيته، يقفل عليه في قطعة واحدة من الزجاج ويبقى على حاله قرنان أو ثلاثة أو أكثر، ولكن أحياناً ينكسر هذا الزجاج وإذا بهذه الجثة تصبح رماداً بمجرد ما يدخلها الهواء، فهم عاجزون عن أن يفعلوا ما فعله الأقدمون في مصر وأرض بابل.
حكم بابل هارون الرشيد فساح مرة في ضواحي بغداد فوقف على هذه الخرائب فقال للبرامكة من وزرائه: أريد قصراً على هذه الخرائب، فقال له جعفر ويحيى: يا أمير المؤمنين! لو حاولنا هدم المتبقي من هذه الخرائب لما استطعنا ذلك في سنين، فضحك منه هارون وقال: خربها وسوها بالأرض وابن قصراً فيها، فامتثل، وبقي سنتين أو ثلاث وهو يضرب في هذه الخرائب ما استطاع أن يزيل منها ويخرب أكثر من ذراع أو ذراعين، فيا ترى ما هي هذه المواد التي أدخلوها في هذه الرمال وهذه الأتربة وهذه الحجارة حتى أصبح القصر قطعة واحدة، فلو كان حجارة لانفجر، بعد ذلك يئس هارون واعترف بأنه لا يستطيع، وحاولوا بكل قريب وبعيد وبكل أنواع المواد أن يصنعوا مثل ذلك فعجزوا وعجز من جاء بعدهم إلى عصرنا، فذلك قول الله: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر:٤٤]، فإنهم ليسوا أكثر قوة من العرب فقط، بل ومن العجم ومن أوربا وأمريكا وغيرها من البلاد أيضاً.
فالله حين أمرنا بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر:٤٤]، ذهبنا ونظرنا ونظر معاصرونا، ومن قبلنا فرجع الكل ذاهلاً متعجباً عاجزاً عن أن يصنع مثل ذلك، يقول الله لهؤلاء الكفرة المعاصرين للنبي ﵊ ولمن سيأتي بعدهم: انظروا إلى أولئك الأقوياء الذين نحتوا الجبال قصوراً، وكان قد منح الله الإنسان منهم طولاً وعرضاً، فآدم كما وصفه النبي ﵊ (في طول أطول نخلة سحول)، عرضه أمتار وطوله أمتار، وكانوا يعيشون الألف عام أو أكثر أو أقل، وتأكيد ذلك من كتاب الله عن نوح إذ لبث في قومه كما أخبر الله عنه: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤]، ذلك مع القوة في الأيدي والصحة، وكانوا يتزوجون المئات، وقصة سليمان التي في الصحاح: أنه طاف ليلة على مائة جارية وقال: لآتين منهن بمائة فارس، ولم يقل إن شاء الله، فلم تأته المائة كلها، ولم تأت بأكثر من مثل وليد، فكان ذلك من الله تأديباً لسليمان حيث عامله بنقيض القصد، وقال لنبينا ولنا ضمناً: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
فالإنسان في كل شيء يريد أن يفعله بعد الزمن الذي هو فيه لا بد أن يقول: إن شاء الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
فالمشيئة بيده والخلق بيده، والأمر بيده، ولسنا إلا آلة بيده في الرقعة الإلهية يرفعنا كما شاء ويضعنا كما شاء.
والله حين يحدثنا بأخبار من مضى أو حين يوجهنا إلى النظر في سيرهم كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر:٤٤].
يبين كيف صنع بهم مع ما كانوا عليه، وأنه أهلكهم وأغرقهم وزلزل بهم الأرض ورجمهم بحجارة من السماء فذهبوا كأمس الدابر وكأن لم يكونوا، أيعجزه هؤلاء الضعاف الذين لا يكادون يستطيعون دفع ضر عن أنفسهم، ولا جلب خير لهم إلا إذا أراد الله ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤].
فلا يعجز الله شيء، كيف وهو القادر على كل شيء، الذي قدر وخلق هذه السماوات العلى، وقدر فخلق هذه الأراضين السفلى، وخلق هذا الإنسان العجيب الغريب الذي ينظر بعينين، ويسمع بأذنين، ويبطش بيدين ويمشي على رجلين، ويفكر بذهن وقلب، من خلقه؟ من نفخ فيه من روحه؟ من قدر له قوته؟ من أحياه ومن ثم يميته؟ لا جواب عن كل ذلك إلا الله، فالله وحده القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء سبحانه، قال عن نفسه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [فاطر:٤٤].
إذا دخلت (من) على النكرة دلت على العموم، أي: ليس شيء من خلق الله في السماوات السبع وما فوقها وما تحتها، وفي الأرضين السبع وما عليها وما تحتها يعجز الله، فهو القادر على كل شيء، وكما أوجد هذا الكون بما فيه فإنه قادر على إفنائه والقضاء عليه، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤].
كان عليماً بخلقه وما يصلحهم، وما يضرهم وما ينفعهم، فهو يعلم ما هو صلاحهم في مستقبل أيامهم، وما هو ضررهم في الحال وفي الاستقبال، غفور لمن استغفره وآمن به، وقال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢].
стр. 1577
تفسير قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
يقول ربنا ﷻ : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، الإنسان في هذا الكون مصدر السوء والذنب والعصيان والمخالفة، فلو عجل الله عقابه ومؤاخذته وعجل حسابه، ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل:٦١] الكناية على شيء غير مذكور وإنما سياق الكلام يدل عليه، أي: على الأرض، فالإنسان هو الذي على الأرض، فلو أن الله ﷻ شاء أن يؤاخذ الناس بذنوبهم ومعاصيهم ومخالفاتهم، من شرك المشرك ومعصية المؤمن لما ترك على ظهرها دابة، أي: بسبب كسب الناس من ذنوب ومعاص وآثام لم يترك على ظهر الأرض دابة.
والدابة: ما يدب على وجه الأرض، فهي تشمل الإنسان وغير الإنسان، والكلام على الإنسان، وإذا أردنا أن نفهم العموم فالأمر واحد، ولو أراد الله هلاك الناس لأفاض عليهم البحار والمياه كما أفاضها على قوم نوح أو كما أفاضها على فرعون وهامان وقومهما، ولو أراد الله هلاك الناس لأمسك القطر فما نزل مطر ولا غيث، فماتت الدواب والأنعام والمواشي، ومات كل حي على وجه الأرض، ولكن الله تعالى رحمة منه ترك لذلك أجلاً مسمى، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:٤٥]، الأجل المسمى إما إلى يوم القيامة أو إلى أجل مسمى في الدنيا، فقد تكون العقوبة في الدنيا إلا أنها تكون خاصة، وقد تكون عامة في شعب أو أمة، كأن يذلهم بعد عز، أو يسلط أذل خلقه عليهم فيستعمرهم بعد استقلال وسيادة، أو يصيبهم بالجوع والقحط وشح المطر، أو يصيبهم بأنواع من الأمراض والأوبئة وعذاب الله منوع أعاذنا الله وحمانا من كل ذلك بفضله وكرمه، فلو شاء الله ذلك لما وقفت قوة في السماء ولا في الأرض دون ما يريده ودون مشيئته ﷻ ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فما من قوة في السماوات ولا في الأرض تحول بينه وبين ما يريد، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، ولكن لم يفعل ذلك فأخرهم حلماً منه ورحمة منه (إلى أجل مسمى)، أي: إلى زمن ووقت مسمى عنده، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وآخر الآجال المسماة عنده يوم القيامة.
قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
لم يقل ربنا إذا جاء الأجل كان بعباده معذباً أو منتقماً، مع أنه لو شاء لعاقب المؤمن والكافر، فالمؤمن يعذب لبعض ذنوبه والكافر لشركه، ولكن كل ذلك أوقفه إلى أجل مسمى، فإذا جاء الأجل، ولم يقل إذا جاء الأجل أهلكهم وقضى عليهم؛ لأنه يعلم ويبصر أن بين هؤلاء موحد، وبينهم المشرك غير الموحد، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
فهو الذي يبصر أعمال عباده، فيغفر للمؤمن المستغفر، ويغفر للموحد وقد يغفر له الذنوب كاملة دون عذاب، وقد تقدم ذكر فئات الأمة المحمدية الثلاث: الظالم لنفسه وهو المرتكب للكبائر، والمقتصد المرتكب للصغائر، والسابق بالخيرات الذي لم يرتكب كبيرة، وإذا ارتكب صغيرة بادر إلى الاستغفار، وكلهم كما قال ربنا عنهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد:٢٣].
ولذلك يقول ربنا هنا بعد أن أنذر وتوعد وهدد بأنه لولا حلمه وكرمه ورحمته بالمؤمن والكافر ما ترك على ظهر الدنيا من دابة.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
فهو ينظر إلى عمل عباده، فمن كان مؤمناً ومات على الإيمان غفر له، ولربما يكون من السابقين ولم يدخل النار قط، وإن كان من المسرفين فقد يغفر الله له دون حساب ولا عقاب رحمة منه، وقد يحاسبه، ومع ذلك يعذب من شاء الله له أن يعذب، ومآله إلى الجنة، ولن يخلد مؤمن في جهنم أبداً، فجهنم هي في الأصل دار المشركين الكافرين، والجنة محرمة عليهم، والجنة هي في الأصل دار الموحدين، فمن دخلها من أول يوم فهي داره التي تنتظره، ومن تأخر عنها من عصاة المسلمين فمآله إليها لا محيد عنها، فالله قد جعلها الدار الثانية الدائمة ذات النعيم المقيم لكل من مات على التوحيد.
стр. 1578
تفسير سورة يس [١ - ٥]
لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس، ومن قرأها فكأنما قرأ القرآن كله، وهي لما قرئت له كماء زمزم، وفي مستهلها يقسم الله تعالى أن محمداً ﷺ من المرسلين، وأن القرآن العظيم منزل عليه من قبل العزيز الرحيم.
стр. 1579
فضل سورة يس
سورة يس سورة مكية، وقد اشتملت على ثلاث وثمانين آية، ونزلت كلها في المدينة إلا جزءاً من آية قيل نزلت في المدينة، وستأتي ونبينها بإذن الله، ولكن الإجماع على أن كل آياتها نزلت في مكة.
وقد ورد في فضلها وخصائصها ومزاياها أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، وعن الجماهير من الصحابة.
فعن أبي بكر وأنس وأبي هريرة وأم الدرداء وأبي قتادة الأنصاري ﵃ جميعاً كما عند أصحاب السنن والحاكم في المستدرك وقال: صحيح ولم يخرجاه، قال ﵊: (اقرءوا يس على موتاكم).
وقال ﷺ : (من قرأ يس ليلة غفر له ما تقدم من ذنوبه، ومن قرأ يس مساء بات في مسرة وفرح إلى أن يصبح، ومن قرأ يس صباحاً ظل نهاره في مسرة وفرح إلى أن يمسي).
قال ابن عطية الأندلسي وغيره من المفسرين: جربنا هذا فصحّ، وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اقرءوا يس على موتاكم؛ فإنها تخفف من عذابهم، تخفف من سكراتهم).
وعن أبي بكر ﵁ قال: من ذهب يوم الجمعة إلى زيارة أبويه أو أحدهما فقرأ عليه أو عليهما يس كان ذلك مغفرة لهما أو له.
وقراءة يس تعدل بقراءة جميع كتاب الله، جاء ذلك عن رسول الله ﷺ : (يس لما قرئت له كزمزم)، فمن قرأ يس بنية الفرج فرج الله عنه، ومن قرأها بنية الشفاء شفاه الله، ومن قرأها بنية الغنى أغناه الله، ومن قرأها على امرأته إذا عسرت ولادتها يسر الله عليها ذلك، ومن قرأها بنية التوبة تاب الله عليه.
وقال ﵊: (لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس).
وما كانت يس قلب القرآن إلا لأنها مشتملة على التوحيد، والأوامر والنواهي، وقصص المؤمنين وقصص الكافرين، ومع قصر آياتها وقلة صفحات كتابتها فقد شملت كل معاني القرآن من قصص، ومن عقائد، ومن أحكام، ومن آداب ورقائق، ومن كلام على الدنيا والآخرة، ومن حديث عن سكان جهنم وسكان الجنة، وما سيلقى الكافر من عذاب يوم القيامة، وما سيلقى المؤمن من رضاً ورحمة يوم القيامة.
стр. 1580
تفسير قوله تعالى: (يس)
يس هما حرفان ياء وسين، وكثير من المفسرين يحلو لهم أن يأتوا إلى بعض المفردات فيقولون: هي حبشية أو رومية، وذلك كلام لا معنى له ولا وجود له، فالقرآن بكل مفرداته عربي مبين، قال ذلك ربنا في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢].
وورد ذلك في العشرات من الآيات والسور، وقد تحمس لهذا المعنى الإمام الشافعي إمام المجتهدين واللغويين، فقد كان الشافعي إماماً في اللغة وفي الأدب وفي النحو وفي البلاغة والبيان والبديع، وأعلم بذلك من غيره من الأئمة، فذكر في كتابه الرسالة وهي مطبوعة أكثر من مرة -وأكملها وأصحها مع تخريج الأحاديث الطبعة التي طبعها آخر محدثي مصر: أحمد شاكر ﵀: أنه ليس في القرآن كلمة ليست بعربية، وقد قال: كل ما ذكر الناس من العلماء أو المفسرين فإنما هو كلام من كلامهم، وقولاً من أقاويلهم، وليس على ذلك دليل لا من لغة ولا من حق ولا من تاريخ.
ويس قالوا عنها كذلك، وليس قولهم بصحيح، فياء إحدى حروف الهجاء العربية، وسين حرف من حروف الهجاء العربية كذلك، فأين الحبشية والرومية؟ وقد اختلفوا في يس ما معناها؟ فقالوا: من الحروف المقطعة كالمر والم وكهيعص.
واختلفوا في معناها إن لم تكن كذلك، فقال قوم: إن يس اسم من أسماء الله، قال ذلك مالك وأكده، فحرم على الإنسان أن يسمى بيس، قال: لأننا لا نعلم ما معناها، وقد تكون من بعض المعاني التي اختص الله بها، كما أن اسم الجلالة (الله) لا يجوز لمخلوق أن يسمى به، كذلك يس لا نعلم معناها، فإن سمينا بها يوشك أن يكون معناها مختصاً بالله، فلا يجوز لأحد أن يسمى بها، وإن كان الإنسان قد يسمى ببعض أسماء الله كمالك ومريد وقادر، وهي أسماء نسبية، والله هو القادر المطلق، فهو مالك الملك وملك الملوك، وهو الذي يفعل ما يريد، ولكن إن سمي بذلك أحد الناس فهي أشياء نسبية كما أقول: رزقت أهلي وأولادي، ورزقت المساكين، فهو اسم نسبي، وإلا فالله هو الرازق الذي رزقني ورزقهم، وليس ما أعطيتهم إلا من مال الله، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣].
وقال بعضهم: (يس) معناها: يا إنسان! وقال بعضهم: معناها: أيها السيد! وقال بعضهم: معناها: يا سيد البشر! وفي هذه الحالة تكون اسماً من أسماء رسول الله ﵊، وقال بعضهم: معناها: هي اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورووا في ذلك حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (أنا عند الله وفي كتابه اسمي محمد وأحمد وطه ويس).
وهكذا اختلف في معناها بين أن تكون اسماً لله أو اسماً لرسوله ﷺ ، أو يا إنسان! أو يا رجل! أو يا سيد! أو يا سيد البشر! أو يا محمد! وليس في هذا شيء يمكن أن يصار إليه؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل، والحديث الذي رووه ليس صحيحاً حتى يعتمد دليلاً، ولو صح لأجمعوا عليه، ولما ذكروا لـ (يس) معنىً آخر.
وقال الجمهور: هي كلمتان من كلمات الحروف الهجائية العربية كالم وطه، وهذه المعاني التي لا نستطيع أن نجزم بمعناها.
وعلى كل فهي آية من آيات الله، وإن كانت اسماً لرسول الله ﷺ كما يقول كثيرون فهي منقبة كبيرة لرسول الله ﷺ ، وإذا كان معناها: يا سيد البشر! فتكون أعظم وأكمل وأكرم، وليس سيد البشر إلا النبي ﵊، فهو الذي قال الله عنه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].
قال المفسرون: الذي رفع درجات عن بقية الأنبياء هو محمد العربي سيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي أكرمه الله باليوم الموعود وباليوم العظيم، يوم الشفاعة العظمى، وهو الذي قال عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم) ﵊، وهو الذي صلى بالأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى ليلة الإسراء أعاده الله للإسلام، وسحق اليهود وطردهم بفضله وكرمه فقد صلى بهم إماماً؛ دلالة على أنه إمامهم وكبيرهم وسيدهم، وهذا موضع إجماع المسلمين لا يختلفون فيه.
وقد حاول الزمخشري في تفسيره أن يفضل جبريل على نبينا ﵊، فرد عليه المفسرون عن قوس واحدة ووبخوه ولاموه، وقالوا: قد أتى بما لا دليل عليه، فلم يرد في جبريل لا في كتاب الله ولا على لسان رسول الله ﷺ في سنته ما يشير إلى أفضليته لا من قريب ولا من بعيد، ولكنها زلة من زلات العلماء.
следующие страницы →