Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤].
يوجه الله هؤلاء الجاحدين المعاندين إلى الضرب في الأرض والسير فيها بالتنقل بين البراري والجبال، بين الأقاليم والقارات لينظروا إلى آثار الله في الأرض، من الإحسان للمحسنين، ومن العقوبة للمسيئين الكافرين، ولهذا فإن هذه الحفريات التي تكون بحثاً عن الآثار القديمة تزيد المؤمن إيماناً ويقيناً وتعلقاً بكتاب ربه وبطاعة نبيه؛ لأن كل ما قال ربنا في كتابه وبينه نبينا ﷺ في حكمته وسنته موجود ظاهر يراه من ضرب في الأرض رأي العين، منذ قريب جاء أحد من بعض أقطار أوروبا ممن يمت إلي بصلة القربى فأخبر أنه وجد هناك ما أخبر الله به من حجارة، كانوا أناسي فمسخوا، حين جاءتهم الصرعة فظلوا على حالهم فبعضهم كان منحنياً، وبعضهم كان ممتداً، وبعضهم كان يستقي، وبعضهم كان يخدم، وبعضهم يحاول الركوب، وبعضهم كان يجري، فجاءتهم الصعقة فبقي كل واحد منهم على تلك الحالة، ومع الأيام ارتطمت عليهم جبال بزلزال من الأرض فجمدوا وأصبحوا حجارة، فلما نبشت الآثار عنهم وجدوا أنهم قد تجمدوا فأصبحوا حجارة فنقلوهم إلى متاحفهم، وقد أخبرنا الله تعالى عن قوم ثمود وقوم صالح وما حل بهم، ولذلك كان النبي ﵊ يسرع المشي عندما يمر في هذه الأرض، كما حدث في غزوة تبوك وقد مر جيشه على أرض أولئك وسقوا من هذه المياه فبلغ ذلك النبي ﵊ فوجدهم قد خبزوا به، فأمرهم أن يرموا ذلك الخبز أو يطرحوه للدواب وقال: (من مر منكم على مثل هذه الأرض -أرض الهالكين أرض المشركين أرض المغضوب عليهم- فليتباكى، وليفر حتى لا يصيبه ما أصابهم).
وكان من الله التنبيه على الاعتبار بحال أولئك فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر:٤٤]، أي: أولم يرحلوا، أولم يسيحوا، والاستفهام هنا استفهام تحريض، أي: فليسيحوا وليضربوا في الأرض لينظروا رأي العين آثار من مضى قبلهم، وآثار من هلك قبلهم، مع أن أولئك كانوا أشد قوة من العرب، ومن عجم اليوم من سكان الأرض على كثرة دعواهم في أنهم أكثر سلطاناً، وأكثر حضارة وأكثر قوة، إلا أن ما يقولونه ما هو إلا كذب وإضلال واغترار بأنفسهم، ومن مر منا فرأى أهرامات مصر وموميات مصر، ورأى خرائب أرض بابل في العراق، لا شك أن الإنسان يقف مذهولاً أمام هذه الحجارة العملاقة التي بنيت بها الأهرامات، إذ يصل حجم الواحدة منها ما يمكن به أن يملأ غرفتين أو ثلاث، وكيف أنها قطعت من جبال الطور، فتحدث عنده التساؤلات: كيف اقتطعت على شكل واحد؟ ثم كيف جرت؟ وكيف حملت إلى موضع البناء؟ ما هي هذه القوة التي صنعت ذلك؟ لابد من وجود آلات لفعل ذلك، ولابد من أدوات لكنها إلى الآن ليست عند أحد.
ومن رأى موميات فرعون والفراعنة الذين معه، والأموات قبله وبعده وقد مضى عليهم آلاف السنين وهم بين العواصف والأمطار والشموس، وبين كر الليل والنهار، ولا تزال كما هي جلدة على عظم، لم تصبح رماداً، ولم تؤثر فيها عواصف ولا أمطار ولا شموس، من يرى هذه الحال لا شك أنه سيتساءل: ما هي المواد التي كانوا يصنعونها لتساعد في بقائهم هذه المدة من قرون، وكان زعماء الكفر في الفاتيكان يحتفظون بباواتهم في نواويس وصناديق من زجاج، وقد رأيت ذلك كما رأيت الأهرام وأبنية بابل، رأيت هذه النواويس في الفاتيكان تجد هذا البابا الضال ممدداً بلباسه وبشكله وبشعراته في لحيته، يقفل عليه في قطعة واحدة من الزجاج ويبقى على حاله قرنان أو ثلاثة أو أكثر، ولكن أحياناً ينكسر هذا الزجاج وإذا بهذه الجثة تصبح رماداً بمجرد ما يدخلها الهواء، فهم عاجزون عن أن يفعلوا ما فعله الأقدمون في مصر وأرض بابل.
حكم بابل هارون الرشيد فساح مرة في ضواحي بغداد فوقف على هذه الخرائب فقال للبرامكة من وزرائه: أريد قصراً على هذه الخرائب، فقال له جعفر ويحيى: يا أمير المؤمنين! لو حاولنا هدم المتبقي من هذه الخرائب لما استطعنا ذلك في سنين، فضحك منه هارون وقال: خربها وسوها بالأرض وابن قصراً فيها، فامتثل، وبقي سنتين أو ثلاث وهو يضرب في هذه الخرائب ما استطاع أن يزيل منها ويخرب أكثر من ذراع أو ذراعين، فيا ترى ما هي هذه المواد التي أدخلوها في هذه الرمال وهذه الأتربة وهذه الحجارة حتى أصبح القصر قطعة واحدة، فلو كان حجارة لانفجر، بعد ذلك يئس هارون واعترف بأنه لا يستطيع، وحاولوا بكل قريب وبعيد وبكل أنواع المواد أن يصنعوا مثل ذلك فعجزوا وعجز من جاء بعدهم إلى عصرنا، فذلك قول الله: ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر:٤٤]، فإنهم ليسوا أكثر قوة من العرب فقط، بل ومن العجم ومن أوربا وأمريكا وغيرها من البلاد أيضاً.
فالله حين أمرنا بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر:٤٤]، ذهبنا ونظرنا ونظر معاصرونا، ومن قبلنا فرجع الكل ذاهلاً متعجباً عاجزاً عن أن يصنع مثل ذلك، يقول الله لهؤلاء الكفرة المعاصرين للنبي ﵊ ولمن سيأتي بعدهم: انظروا إلى أولئك الأقوياء الذين نحتوا الجبال قصوراً، وكان قد منح الله الإنسان منهم طولاً وعرضاً، فآدم كما وصفه النبي ﵊ (في طول أطول نخلة سحول)، عرضه أمتار وطوله أمتار، وكانوا يعيشون الألف عام أو أكثر أو أقل، وتأكيد ذلك من كتاب الله عن نوح إذ لبث في قومه كما أخبر الله عنه: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت:١٤]، ذلك مع القوة في الأيدي والصحة، وكانوا يتزوجون المئات، وقصة سليمان التي في الصحاح: أنه طاف ليلة على مائة جارية وقال: لآتين منهن بمائة فارس، ولم يقل إن شاء الله، فلم تأته المائة كلها، ولم تأت بأكثر من مثل وليد، فكان ذلك من الله تأديباً لسليمان حيث عامله بنقيض القصد، وقال لنبينا ولنا ضمناً: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤].
فالإنسان في كل شيء يريد أن يفعله بعد الزمن الذي هو فيه لا بد أن يقول: إن شاء الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠].
فالمشيئة بيده والخلق بيده، والأمر بيده، ولسنا إلا آلة بيده في الرقعة الإلهية يرفعنا كما شاء ويضعنا كما شاء.
والله حين يحدثنا بأخبار من مضى أو حين يوجهنا إلى النظر في سيرهم كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر:٤٤].
يبين كيف صنع بهم مع ما كانوا عليه، وأنه أهلكهم وأغرقهم وزلزل بهم الأرض ورجمهم بحجارة من السماء فذهبوا كأمس الدابر وكأن لم يكونوا، أيعجزه هؤلاء الضعاف الذين لا يكادون يستطيعون دفع ضر عن أنفسهم، ولا جلب خير لهم إلا إذا أراد الله ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤].
فلا يعجز الله شيء، كيف وهو القادر على كل شيء، الذي قدر وخلق هذه السماوات العلى، وقدر فخلق هذه الأراضين السفلى، وخلق هذا الإنسان العجيب الغريب الذي ينظر بعينين، ويسمع بأذنين، ويبطش بيدين ويمشي على رجلين، ويفكر بذهن وقلب، من خلقه؟ من نفخ فيه من روحه؟ من قدر له قوته؟ من أحياه ومن ثم يميته؟ لا جواب عن كل ذلك إلا الله، فالله وحده القادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء سبحانه، قال عن نفسه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [فاطر:٤٤].
إذا دخلت (من) على النكرة دلت على العموم، أي: ليس شيء من خلق الله في السماوات السبع وما فوقها وما تحتها، وفي الأرضين السبع وما عليها وما تحتها يعجز الله، فهو القادر على كل شيء، وكما أوجد هذا الكون بما فيه فإنه قادر على إفنائه والقضاء عليه، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤].
كان عليماً بخلقه وما يصلحهم، وما يضرهم وما ينفعهم، فهو يعلم ما هو صلاحهم في مستقبل أيامهم، وما هو ضررهم في الحال وفي الاستقبال، غفور لمن استغفره وآمن به، وقال: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢].
стр. 1577
تفسير قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
يقول ربنا ﷻ : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، الإنسان في هذا الكون مصدر السوء والذنب والعصيان والمخالفة، فلو عجل الله عقابه ومؤاخذته وعجل حسابه، ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل:٦١] الكناية على شيء غير مذكور وإنما سياق الكلام يدل عليه، أي: على الأرض، فالإنسان هو الذي على الأرض، فلو أن الله ﷻ شاء أن يؤاخذ الناس بذنوبهم ومعاصيهم ومخالفاتهم، من شرك المشرك ومعصية المؤمن لما ترك على ظهرها دابة، أي: بسبب كسب الناس من ذنوب ومعاص وآثام لم يترك على ظهر الأرض دابة.
والدابة: ما يدب على وجه الأرض، فهي تشمل الإنسان وغير الإنسان، والكلام على الإنسان، وإذا أردنا أن نفهم العموم فالأمر واحد، ولو أراد الله هلاك الناس لأفاض عليهم البحار والمياه كما أفاضها على قوم نوح أو كما أفاضها على فرعون وهامان وقومهما، ولو أراد الله هلاك الناس لأمسك القطر فما نزل مطر ولا غيث، فماتت الدواب والأنعام والمواشي، ومات كل حي على وجه الأرض، ولكن الله تعالى رحمة منه ترك لذلك أجلاً مسمى، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:٤٥]، الأجل المسمى إما إلى يوم القيامة أو إلى أجل مسمى في الدنيا، فقد تكون العقوبة في الدنيا إلا أنها تكون خاصة، وقد تكون عامة في شعب أو أمة، كأن يذلهم بعد عز، أو يسلط أذل خلقه عليهم فيستعمرهم بعد استقلال وسيادة، أو يصيبهم بالجوع والقحط وشح المطر، أو يصيبهم بأنواع من الأمراض والأوبئة وعذاب الله منوع أعاذنا الله وحمانا من كل ذلك بفضله وكرمه، فلو شاء الله ذلك لما وقفت قوة في السماء ولا في الأرض دون ما يريده ودون مشيئته ﷻ ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فما من قوة في السماوات ولا في الأرض تحول بينه وبين ما يريد، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، ولكن لم يفعل ذلك فأخرهم حلماً منه ورحمة منه (إلى أجل مسمى)، أي: إلى زمن ووقت مسمى عنده، سواء في الدنيا أو في الآخرة، وآخر الآجال المسماة عنده يوم القيامة.
قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
لم يقل ربنا إذا جاء الأجل كان بعباده معذباً أو منتقماً، مع أنه لو شاء لعاقب المؤمن والكافر، فالمؤمن يعذب لبعض ذنوبه والكافر لشركه، ولكن كل ذلك أوقفه إلى أجل مسمى، فإذا جاء الأجل، ولم يقل إذا جاء الأجل أهلكهم وقضى عليهم؛ لأنه يعلم ويبصر أن بين هؤلاء موحد، وبينهم المشرك غير الموحد، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
فهو الذي يبصر أعمال عباده، فيغفر للمؤمن المستغفر، ويغفر للموحد وقد يغفر له الذنوب كاملة دون عذاب، وقد تقدم ذكر فئات الأمة المحمدية الثلاث: الظالم لنفسه وهو المرتكب للكبائر، والمقتصد المرتكب للصغائر، والسابق بالخيرات الذي لم يرتكب كبيرة، وإذا ارتكب صغيرة بادر إلى الاستغفار، وكلهم كما قال ربنا عنهم: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد:٢٣].
ولذلك يقول ربنا هنا بعد أن أنذر وتوعد وهدد بأنه لولا حلمه وكرمه ورحمته بالمؤمن والكافر ما ترك على ظهر الدنيا من دابة.
قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥].
فهو ينظر إلى عمل عباده، فمن كان مؤمناً ومات على الإيمان غفر له، ولربما يكون من السابقين ولم يدخل النار قط، وإن كان من المسرفين فقد يغفر الله له دون حساب ولا عقاب رحمة منه، وقد يحاسبه، ومع ذلك يعذب من شاء الله له أن يعذب، ومآله إلى الجنة، ولن يخلد مؤمن في جهنم أبداً، فجهنم هي في الأصل دار المشركين الكافرين، والجنة محرمة عليهم، والجنة هي في الأصل دار الموحدين، فمن دخلها من أول يوم فهي داره التي تنتظره، ومن تأخر عنها من عصاة المسلمين فمآله إليها لا محيد عنها، فالله قد جعلها الدار الثانية الدائمة ذات النعيم المقيم لكل من مات على التوحيد.
стр. 1578
تفسير سورة يس [١ - ٥]
لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس، ومن قرأها فكأنما قرأ القرآن كله، وهي لما قرئت له كماء زمزم، وفي مستهلها يقسم الله تعالى أن محمداً ﷺ من المرسلين، وأن القرآن العظيم منزل عليه من قبل العزيز الرحيم.
стр. 1579
فضل سورة يس
سورة يس سورة مكية، وقد اشتملت على ثلاث وثمانين آية، ونزلت كلها في المدينة إلا جزءاً من آية قيل نزلت في المدينة، وستأتي ونبينها بإذن الله، ولكن الإجماع على أن كل آياتها نزلت في مكة.
وقد ورد في فضلها وخصائصها ومزاياها أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، وعن الجماهير من الصحابة.
فعن أبي بكر وأنس وأبي هريرة وأم الدرداء وأبي قتادة الأنصاري ﵃ جميعاً كما عند أصحاب السنن والحاكم في المستدرك وقال: صحيح ولم يخرجاه، قال ﵊: (اقرءوا يس على موتاكم).
وقال ﷺ : (من قرأ يس ليلة غفر له ما تقدم من ذنوبه، ومن قرأ يس مساء بات في مسرة وفرح إلى أن يصبح، ومن قرأ يس صباحاً ظل نهاره في مسرة وفرح إلى أن يمسي).
قال ابن عطية الأندلسي وغيره من المفسرين: جربنا هذا فصحّ، وصدق الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (اقرءوا يس على موتاكم؛ فإنها تخفف من عذابهم، تخفف من سكراتهم).
وعن أبي بكر ﵁ قال: من ذهب يوم الجمعة إلى زيارة أبويه أو أحدهما فقرأ عليه أو عليهما يس كان ذلك مغفرة لهما أو له.
وقراءة يس تعدل بقراءة جميع كتاب الله، جاء ذلك عن رسول الله ﷺ : (يس لما قرئت له كزمزم)، فمن قرأ يس بنية الفرج فرج الله عنه، ومن قرأها بنية الشفاء شفاه الله، ومن قرأها بنية الغنى أغناه الله، ومن قرأها على امرأته إذا عسرت ولادتها يسر الله عليها ذلك، ومن قرأها بنية التوبة تاب الله عليه.
وقال ﵊: (لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس).
وما كانت يس قلب القرآن إلا لأنها مشتملة على التوحيد، والأوامر والنواهي، وقصص المؤمنين وقصص الكافرين، ومع قصر آياتها وقلة صفحات كتابتها فقد شملت كل معاني القرآن من قصص، ومن عقائد، ومن أحكام، ومن آداب ورقائق، ومن كلام على الدنيا والآخرة، ومن حديث عن سكان جهنم وسكان الجنة، وما سيلقى الكافر من عذاب يوم القيامة، وما سيلقى المؤمن من رضاً ورحمة يوم القيامة.
стр. 1580
تفسير قوله تعالى: (يس)
يس هما حرفان ياء وسين، وكثير من المفسرين يحلو لهم أن يأتوا إلى بعض المفردات فيقولون: هي حبشية أو رومية، وذلك كلام لا معنى له ولا وجود له، فالقرآن بكل مفرداته عربي مبين، قال ذلك ربنا في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢].
وورد ذلك في العشرات من الآيات والسور، وقد تحمس لهذا المعنى الإمام الشافعي إمام المجتهدين واللغويين، فقد كان الشافعي إماماً في اللغة وفي الأدب وفي النحو وفي البلاغة والبيان والبديع، وأعلم بذلك من غيره من الأئمة، فذكر في كتابه الرسالة وهي مطبوعة أكثر من مرة -وأكملها وأصحها مع تخريج الأحاديث الطبعة التي طبعها آخر محدثي مصر: أحمد شاكر ﵀: أنه ليس في القرآن كلمة ليست بعربية، وقد قال: كل ما ذكر الناس من العلماء أو المفسرين فإنما هو كلام من كلامهم، وقولاً من أقاويلهم، وليس على ذلك دليل لا من لغة ولا من حق ولا من تاريخ.
ويس قالوا عنها كذلك، وليس قولهم بصحيح، فياء إحدى حروف الهجاء العربية، وسين حرف من حروف الهجاء العربية كذلك، فأين الحبشية والرومية؟ وقد اختلفوا في يس ما معناها؟ فقالوا: من الحروف المقطعة كالمر والم وكهيعص.
واختلفوا في معناها إن لم تكن كذلك، فقال قوم: إن يس اسم من أسماء الله، قال ذلك مالك وأكده، فحرم على الإنسان أن يسمى بيس، قال: لأننا لا نعلم ما معناها، وقد تكون من بعض المعاني التي اختص الله بها، كما أن اسم الجلالة (الله) لا يجوز لمخلوق أن يسمى به، كذلك يس لا نعلم معناها، فإن سمينا بها يوشك أن يكون معناها مختصاً بالله، فلا يجوز لأحد أن يسمى بها، وإن كان الإنسان قد يسمى ببعض أسماء الله كمالك ومريد وقادر، وهي أسماء نسبية، والله هو القادر المطلق، فهو مالك الملك وملك الملوك، وهو الذي يفعل ما يريد، ولكن إن سمي بذلك أحد الناس فهي أشياء نسبية كما أقول: رزقت أهلي وأولادي، ورزقت المساكين، فهو اسم نسبي، وإلا فالله هو الرازق الذي رزقني ورزقهم، وليس ما أعطيتهم إلا من مال الله، قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣].
وقال بعضهم: (يس) معناها: يا إنسان! وقال بعضهم: معناها: أيها السيد! وقال بعضهم: معناها: يا سيد البشر! وفي هذه الحالة تكون اسماً من أسماء رسول الله ﵊، وقال بعضهم: معناها: هي اسم من أسماء محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ورووا في ذلك حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (أنا عند الله وفي كتابه اسمي محمد وأحمد وطه ويس).
وهكذا اختلف في معناها بين أن تكون اسماً لله أو اسماً لرسوله ﷺ ، أو يا إنسان! أو يا رجل! أو يا سيد! أو يا سيد البشر! أو يا محمد! وليس في هذا شيء يمكن أن يصار إليه؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل، والحديث الذي رووه ليس صحيحاً حتى يعتمد دليلاً، ولو صح لأجمعوا عليه، ولما ذكروا لـ (يس) معنىً آخر.
وقال الجمهور: هي كلمتان من كلمات الحروف الهجائية العربية كالم وطه، وهذه المعاني التي لا نستطيع أن نجزم بمعناها.
وعلى كل فهي آية من آيات الله، وإن كانت اسماً لرسول الله ﷺ كما يقول كثيرون فهي منقبة كبيرة لرسول الله ﷺ ، وإذا كان معناها: يا سيد البشر! فتكون أعظم وأكمل وأكرم، وليس سيد البشر إلا النبي ﵊، فهو الذي قال الله عنه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣].
قال المفسرون: الذي رفع درجات عن بقية الأنبياء هو محمد العربي سيد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي أكرمه الله باليوم الموعود وباليوم العظيم، يوم الشفاعة العظمى، وهو الذي قال عن نفسه: (أنا سيد ولد آدم) ﵊، وهو الذي صلى بالأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى ليلة الإسراء أعاده الله للإسلام، وسحق اليهود وطردهم بفضله وكرمه فقد صلى بهم إماماً؛ دلالة على أنه إمامهم وكبيرهم وسيدهم، وهذا موضع إجماع المسلمين لا يختلفون فيه.
وقد حاول الزمخشري في تفسيره أن يفضل جبريل على نبينا ﵊، فرد عليه المفسرون عن قوس واحدة ووبخوه ولاموه، وقالوا: قد أتى بما لا دليل عليه، فلم يرد في جبريل لا في كتاب الله ولا على لسان رسول الله ﷺ في سنته ما يشير إلى أفضليته لا من قريب ولا من بعيد، ولكنها زلة من زلات العلماء.
стр. 1581
تفسير قوله تعالى: (والقرآن الحكيم)
قال تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢].
يقسم الله ﷻ بالقرآن المنزل على نبيه ﷺ ويصفه بالحكيم، والحكيم مشتق من الحكمة، والحكمة هي الصواب، والحكيم هو: من يضع الأمور مواضعها قولاً أو فعلاً، ولا يتجاوز الصواب قط لا متكلماً ولا فاعلاً.
والقرآن الكريم كله حق وصواب، وكله من عند الله الحق، وهو الحق.
قال تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:١ - ٣].
ما أقسم الله على نبي من أنبيائه بأنه نبي إلا على نبيه محمد ﷺ ، فهو يقول للناس ممن عصوا النبي ﷺ في وقته ومن جاء بعده ويقسم لهم ﷻ وهو الصادق المصدق بلا يمين، ولكن شاء الله ذلك؛ لنزداد إيماناً ويقيناً، فيقسم لنا بكتابه الحق وبوحيه القديم الحكيم: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣].
وهذا يؤكد بأن (يس) خطاب للنبي ﵊؛ لأن الخطاب له، والكلام لا يزال جارياً فيه، فقوله: ﴿يس﴾ [يس:٢]، أي: يا سيد البشر! وهي أعظم، ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢ - ٣].
فقد أقسم الله بذاته العلية وبجلاله وبكتابه المعظم، وكتابه هو الصواب الحق الحكيم، فهو يخاطب النبي ﵊، وهو خطاب لنا تبعاً له: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣]، أي: إنك يا محمد! لمن المرسلين الذين أرسلناهم للناس، فقد أرسله برسالة وبكتاب مذكراً ومبشراً ونذيراً إلى خلقه بسيرته العطرة؛ ليكون للناس قدوة وأسوة وإماماً، فهو المثل الأعلى، والإنسان الكامل بين جميع خلق الله، فهو أسوة في أقواله وأفعاله وتقريراته.
وهذا هو تعريف السنة النبوية، فقول النبي ﵊ وشرعه سنة، فشرعه من شرع الله.
فالسنة ما كان قولاً أو فعلاً أو إقراراً من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:١ - ٣]، أكد الله القسم بإن المشددة.
ولام الابتداء الموطئة للقسم، وهي أيمان بعضها تابع لبعض في سلك واحد، وكل ذلك لاطمئنان قلب المؤمن والمسلم ودعوة للكافر لأن يرجع عن ضلاله وشركه وتكذيبه، فيؤمن بالله رباً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، ولا نبي بعده ولا رسول.
وهذا تأكيد كما طلب إبراهيم ﵇ من ربه وهو النبي الصادق المعصوم أن يريه كيف يحيي الموتى، ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ونحن مؤمنون، ونشكر الله على أن هدانا للإيمان، ونرجو أن يثبتنا على ذلك إلى أن يحشرنا مع نبينا سيد الخلق والبشر ﷺ في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله.
وهذه الأيمان نزداد بها إيماناً ويقيناً، وندعو لها الخلق بدورنا، مؤمنهم وكافرهم أن يفهموا ذلك، وأن يعوه، وأن يستمسكوا به، وأن محمداً هو الرسول وحده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلا فيلسوف ولا زعيم ولا داعية ولا هاد يمكن أن يرشد البشر ويعلمهم ويدعوهم إلى الله وإلى الطريق المستقيم، ولن يوجد أحد بعد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا هو، أو من كان خليفة له من خلفائه الراشدين، ومن كانوا على سننهم الطيب من العلماء ورثة الأنبياء، وهم في الحقيقة مؤكدون للرسالة المحمدية ودعاة لها ومبينون لحقائقها، ومزيلون لما علق بها، ويحيونها للخلق وللبشر، ولذلك استحقوا أن يكونوا خلفاء وورثة الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:١ - ٣].
فأكد ربنا بأنه من الرسل الذين أرسلهم ربنا لكل الخلق، ولجميع العوالم عرباً وعجماً، مشارق ومغارب، من عاصروه ومن جاء بعده إلى يوم القيامة، وسبحان الذي نزل على عبده الفرقان ليكون للعالمين نذيراً، من عوالم العصر، والعوالم التي أتت بعد، وعوالم الإنس والجن، بل قالوا: وعوالم الملائكة، وإن كانوا معصومين فهو نبي لهم تشريفاً وتكريماً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 1582
تفسير قوله تعالى: (على صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:٤].
أي: إنك يا محمد! من المرسلين الذين أرسلهم ربنا، فأنت الرسول والنبي والصادق فيما بلغت قومك ونقلت إليهم من كتاب الله المنزل عليك.
وقد أقسم ربه به على أنه من المرسلين، ثم هو على صراط مستقيم، فهي رسالة صادقة، وطريق ومنهاج وسنن مستقيم لا اعوجاج فيه ولا تشعب طرق، فهو منهج قائم بالحق، وهو منهج رسول الله وصراطه، ومنهج الإسلام وطريقه.
وقد قال ﵊: (لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يضل عنها إلا هالك).
وخط رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، ثم خط خطوطاً متعرجة، فقال: هذا الخط هو خط الإسلام، وهذه المتعرجات هي طرق الدعاة المبتدعين الضالين الصادين عن طريق الحق، فهم يقفون في الجنبات وفي مفترق الطرق يدعون الناس إلى الشهوات والنزوات، ويغرونهم بالنساء وبالمال وبالجاه، وهو غرور لا يدوم ولا يبقى، فلا يبقى إلا نعيم الله الخالق، الذي فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
ثم قال تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس:٥]، وهذا تأكيد أيضاً للصراط المستقيم، وهو القرآن والسنة والوحي، وهو كل التقارير والأقوال والأعمال.
قال تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس:٥].
(تنزيل) منصوب على المفعولية المطلقة، أي: نزله الله تنزيلاً، فهو تنزيل الله العزيز الذي لا يغالب، فمن تمسك بهذا الكتاب عز، ومن عز بغيره ذل، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].
وهو الرحيم بعباده، ومن رحمته ﷻ أن أرسل محمداً ﷺ إلى الخلق؛ ليهديهم إلى الله، ويدعوهم ويرشدهم إلى دين الله الحق، ويدعوهم إلى عبادة الله الواحد وترك الأصنام والأوثان، وترك غير الله من كل ضال مضل، وترك كل الأديان والمذاهب الضالة القديمة والمحدثة، فليس إلا صراط واحد هو صراط محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو القرآن الكريم والرسالة المحمدية والسنة النبوية المطهرة.
فقوله: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس:٥] أنزله الله رحمة لعباده وخلقه المؤمن منهم والكافر، ليزداد المؤمن إيماناً، على أنه عندما أنزل لم يكن هناك مؤمن، فقد كان النبي ﵊ أول المؤمنين بمكة برسالته، وهو رسول من رب العالمين، وكان بعده خديجة السيدة الأولى من المسلمين، ثم خليفته الأول أبو بكر ﵁، ثم علي ﵁، ثم تتابع الناس فكان ذلك رحمة من الله بعباده؛ ليؤمنوا، ورحمة بهم ليعبدوه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
стр. 1583
تفسير سورة يس [١ - ١٢]
أرسل الله سيدنا محمداً ﷺ لينذر قومه الذين ما أرسل إليهم رسول قبله، ولكن بعض الجاحدين قد حق عليهم العذاب من الله، وهو يحصى ما قدم الناس من عمل وما تركوا من أثر في كتاب محفوظ عنده.
стр. 1584
تفسير قوله تعالى: (يس)
قال الله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس:١ - ٦].
قوله تعالى: (يس)، قال مالك: هو اسم من أسماء الله تعالى.
وقال غيره: معناه: يا إنسان! وقال غيره: معناه: يا رجل! وقال غيره: معناه: يا سيد البشر! وقال غيره: معناه: يا محمد! وقالوا: هو من الأحرف المقطعة: ياء وسين، كألف لام ميم، ولا يمكن البت بمعنى من هذه المعاني؛ لأنها ليس لها مرجع من كتاب ولا سنة، وعلى أي اعتبار فهي آية كريمة لكل حرف منها عشر حسنات.
قال تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢ - ٣].
يقسم الله ﷻ بكتابه القرآن الحكيم، والحكيم: الصواب، أي: الموضوع والمنزل في مكانه قولاً وعملاً، فليس فيه إلا صواب وحق، وقد نزل منازله.
يقسم الله في كتابه على أن نبيه محمداً ﷺ ممن أرسله سبحانه ليبلغ عنه، فقد أنزل عليه كتابه، وجعله النبي الرسول الخاتم، وجعل شريعته للأبد، وأرسله للمشارق والمغارب والعوالم كلها.
قوله تعالى: ((إِنَّكَ)) الكاف كاف الخطاب، وفيه دليل يستأنس به على أن (يس) معناها: يا محمد! يا سيد البشر! لأنها ذكرت في هذه الآية الكريمة ثم أعقبت بكاف الخطاب، فكأنه يقول: يا محمد! ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢ - ٣]، لا كما يقول الكافرون الجاحدون المنكرون لرسالتك، والمنكرون لنبوءتك، فالله يؤكد نبوءته مقسماً عليها.
ثم قال: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:٤]، أي: وإنك على الصراط الصواب، وعلى الصراط الحق، وأنك على طريق لا اعوجاج فيها، وأن ما جئت به هو الحق المبين من الحق ﷻ .
قال تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ أي: نزلنا هذا الكتاب تنزيلاً، فتنزيل: مفعول مطلق، أي: تنزيل الله الجليل العظيم، العزيز الذي لا يغالب، بل من اعتز به عز، وإنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون.
стр. 1585
تفسير قوله تعالى: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم)
قال تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس:٦].
أي: أنزلنا إليك هذا القرآن الكريم، وهذه الرسالة الخاتمة لتكون منذراً، ولتكون رسولاً داعياً إلى الله قوماً لم يسبق أن أتاهم نذير قبلك، فلأول مرة يرسل إليهم، فأنت الرسول الخاتم إلى هؤلاء، والإشارة إلى العرب، فالعرب لم يرسل لهم أحد قبل رسول الله ﵊، ونبينا ليس رسولاً للعرب فقط، ولكن الرسالة في بداية الدعوة كانت للعرب ثم عمت، فقد قال الله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤].
أمر بأن ينذر عشيرته، ولذلك عندما أرسل إليهم وقف ﷺ على الصفا والمروة، وقال: (يا بني عبد مناف! يا بني عبد المطلب! يا آل فلان! يا آل فلان! يا فاطمة بنت محمد!)، فتجمع عليه العرب من كل جانب، وتجمع عليه أكابر قريش: أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط وأمثالهم فقال لهم: (لو حدثتكم أن عدواً وراء هذه الجبال يقصدكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً، قال: إني نذير من الله إليكم بين يدي عذاب شديد، فالتفت إليه عمه أبو لهب وقال: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:١] السورة).
فأخزى الله أبا لهب، فلقد كان مخزياً لكفره ومات على كفره، وأصبحت هذه الآيات في هذه السورة الكريمة وحياً يتلى، فمن تلاها فله بكل حرف من حروفها عشر حسنات، فقوله: ((تَبَّتْ)) مثلاً له فيها أربعون حسنة، في التاء عشر حسنات وفي الباء المشددة عشرون حسنة.
وفي التاء عشر حسنات فمن تلاها على أنه يتلو كتاب الله من هذه السورة، فله في تلاوتها أربعون حسنة، وهكذا أرسل ﷺ إلى عشيرته أولاً، ثم قال الله له: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فقد أرسل ﵊ بعد ذلك إلى جميع الخلق مشارق الأرض ومغاربها، إلى العجم والعرب، إلى من عاصره ومن سيأتي بعده، فكان الرسول الخاتم، إذ لا نبي بعده ولا رسول، ولكنه بالنسبة للعرب كان أول رسول وآخر رسول.
قال تعالى: ((لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)) أرسلناك بهذا الكتاب الحكيم، وبهذا الصراط المستقيم، وبهذه الرسالة الخالدة، إلى قوم لم يسبق أن أرسل إليهم رسول قبلك، وآباؤهم لم يرسل إليهم من قبل، فكانوا على فترة من الرسل؛ ولذلك تمنوا أن يكون لهم رسول كما أن لغيرهم رسولاً، وأقسموا بالله إن جاءهم ليكونن أهدى من إحدى الأمم، ولكنه جاءهم فكفر بعضهم، وأصر بعضهم على الجحود، فكان ما كان من غلبته والقضاء عليهم إلى أن أصبحت جزيرة العرب كلها مسلمة، وحرم الله على غير المسلمين أن يدخلوها، وكان يوصي ﵊ في آخر أيامه وهو على فراش الموت فيقول: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب)، إذ لا يصلح دينان في أرض واحدة، ولا قبلتان على أرض واحدة.
وقال ﵊: (لقد يئس الشيطان أن يعبد في هذه الأرض بعد اليوم، ولكنه رضي بالتحريش)، أي: يحرش بين الناس وينشر بدعاً وفتناً وأقاويل ما أنزل الله بها من سلطان، أما أن يرتد العرب ويكفروا فهذا لن يكون بعد إسلامهم.
وما كان بعد موت رسول الله ﷺ وفي خلافة أبي بكر لا يزال امتداداً للفكر القديم في الجاهلية الأولى، فلما ردعهم أبو بكر فمات من مات وشرد من شرد، وعاد للإسلام من عاد، منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا وجزيرة العرب كلها موحدة ومسلمة، وكلها تشهد لله بالوحدانية ولمحمد ﷺ بالرسالة الخاتمة، وقد قال الله عن هؤلاء: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وبهذه الآية نعلم أن كل ما ورد منسوباً لرسول الله ﵊ إما أن تكون أحاديث لا أصل لها ولا سند، أو أحاديث وَهِمَ أحد رواتها، فروى وهماً لم ينزل الله به من سلطان، كالحديث الذي يروونه، وهو في مسند أحمد بأن امرأ القيس يأتي يوم القيامة يقدم الشعراء إلى النار ويجر قصبه، أي: يجر أمعاءه، فهذا الحديث في مسند أحمد لم يصح سنداً ولا متناً، فالسند منقطع وفيه مجاهيل، وما كان على ذلك فإنه لا يمكن أن يعارض به كتاب الله.
فالله يقول: ((وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا))، والعرب لم يرسل إليهم رسول قبل محمد ﵊، وهذا ما تؤكده هذه الآية الكريمة من سورة يس: ((لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ)) أي: كانوا غافلين عن الحق بعداء عنه، كانوا كما وصفهم النبي ﵊: (إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا).
فلم يكن لهم كتاب، ولم يكونوا يعرفون الحساب، وإنما كانت عندهم العقلية السديدة، واللسان البليغ شعراً وخطابةً ومحاورة، فكانوا ذوي رأي سديد، وكانوا في منتهى الشجاعة والغيرة، وهذا هو السر في أن العرب لم تجمعهم دولة ولا حاكم موحد، وإنما اجتمعوا على النبي ﵊، فكان عظيمهم وزعيمهم ونبيهم ورسولهم، وكان قائد دولتهم وكبير جيشهم وقاضي قضاتهم، والمولي والعازل للحاكم وغير الحاكم من رجال الدولة ورجال الأمة.
ولهذا فإن الإسلام عقيدةً ونظاماً ودولةً جاء بالإيمان بالله وكتبه ورسله وبيوم البعث والنشور، فهو عقيدة من خرج عنها ليس بمؤمن، ومن قال: إن الإسلام ليس دولة وإنما هو في القلب كدين النصارى؛ أو قال: الدين لله والوطن للجميع، ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، تلك شعارات كافرة يهودية ضالة، فالكل لله سواء الوطن والمواطن والدين، قيصر ورعاياه، الدول وشعوبها.
ومن هنا كان الدين هو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
فالعرب كانوا غافلين عن الديانة والمعرفة، ومن هنا وصفوا بالجهالة، فقيل عنهم: أهل الجاهلية، ووصفوا بالضلالة، ولكن جاء الإسلام فزالت الجهالة بتعلم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وزالت الضلالة بهداية الهادي البشير النذير محمد سيد البشر ﷺ ، فأصبح العرب بعد ذلك سادة الناس وأئمتهم لمدة ألف عام وهم مستمسكون بالإسلام، فعندما بدا لهم أن يتراجعوا عنه، وارتد منهم من ارتد، وعيروا الإسلام ونبيه وخلفاءه الراشدين بأسماء قذرة ومذاهب باطلة، عاقب الله المسلمين وسلط عليهم أنواعاً من الاستعمار من قبل النصارى واليهود إخوان القردة والخنازير لعنهم الله، ولن يعود الله عليهم بعزه ما لم يعودوا لدينه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١].
قوله تعالى: ((لِتُنذِرَ قَوْمًا)) أي: ليكون نذيراً إلى قوم لم ينذروا قبله، وكانت هذه البداية لنبينا ﷺ ، وكما قال الله له: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، وقال: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] أي: وجدك لا تعرف الطريق ولا تعرف الكتاب، ولكن ستره الله سبحانه.
فقد رأى ﷺ في قومه عبادة الأوثان والأصنام ولم تطمئن نفسه لذلك، ولم يستمع لذلك، ففي أخريات أيامه ألهم بأن يذهب إلى غار حراء ويعتزل الناس ويتحنث، فأخذ يفكر: من خلقني؟ من أوجدني؟ من أوجد هذه الجبال؟ أهذه الأصنام حق؟ وهكذا هيأ نفسه لقبول الرسالة، ولقبول الحمل الثقيل، لقبول نزول جبريل، ففجأه جبريل وهو في الغار: (وقال له: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١]، فكررها وقال: ما أنا بقارئ، فضمه إليه ضمة كادت تدخل ضلوعه بعضها في بعض، وهكذا ثلاثاً).
ومن هنا يقول ابن تيمية وما أروع هذه الكلمة وما أوقعها على الحقيقة والصدق: كانت العرب أرضاً خصبة تفتقد الزرع والزارع، فجاء الزرع وكان الإسلام، وجاء الزارع وكان محمداً ﵊، وإذا بهذه الأرض الخصبة أعطتهم خيراتها ومعاركها وسياستها، وأدَّبت من كفر بالإسلام خلال خمسين سنة من الصين شرقاً إلى جبال برنيه في عمق أوروبا وما بينهما.
ودعك من محمد ﷺ ، فإنك ستقول: هو مؤيد بالوحي وبالرسالة، ولكن أبا بكر وعمر والخلفاء الراشدين وأصحاب رسول الله ﵊ عندما أنار الله بصائرهم بالإسلام أعطوا الكون والعالم ما لم يعطه أحد قبلهم، فقد كان أصحاب رسول الله ﵊ أفضل الخلق بعد النبي ﵊ والأنبياء، وصدق قول ابن تيمية: كانت العرب أرضاً خصبة، فقدت الزارع فكان محمداً ﵊، وفقدت الزرع فكان الإسلام، وهكذا عندما جاء الزرع والزارع أعطت هذه الأرض من خيراتها وثمراتها وعلومها وقياداتها، فأصبح المسلمون هم القادة الموجهون والحاكمون، ماداموا مستمسكين بهذا الدين الكريم لمدة ألف عام، حتى إذا غيروا وبدلوا غير الله عليهم خيره وعزه.
стр. 1586
تفسير قوله تعالى: (لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون)
قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧].
يقول ربنا ﷻ : ((لقد حَقَّ الْقَوْلُ)) والقول هنا: العذاب.
فهؤلاء عندما أنذرهم رسول الله وخوفهم العاقبة، وكان وعيده بأن من لم يؤمن بالله فليس له مصير إلا النار وغضب الله، كفروا ولم يؤمنوا، وهكذا فإن هؤلاء القدامى في السنوات الأولى من الحياة النبوية أصروا على الكفر فمات من مات على الكفر، وشرد من شرد على الكفر وأسر من أسر على الكفر، ثم جاء الأجيال بعدهم مؤمنين موحدين وانقرض عصر أولئك، ولكن كما قال ﵊: (كما دخل الناس في دين الله أفواجاً سيخرجون أفواجاً).
وهذا ما نراه اليوم، إذ تركوا كتاب الله وسنته ﵊، واتبعوا كل مارد شيطان، اتبعوا هذه المذاهب الوافدة بفسوقها وفجورها وانحلالها وقوانينها الكافرة، فكان ذلك ردة وكفراً ولعنة من الله عليهم.
فحق عليهم العذاب؛ لأن الله علم فساد قلوبهم، قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠]، فأصروا على الكفر والعصيان والخروج عن أمر الله، فلم يؤمن أكثرهم؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
فالهداة الصالحون قلة في كل عصر، وأكثر ما يقولون عنا إننا بلغنا من العدد ملياراً -أي: ألف مليون- ولكن غيرنا من النصارى والمجوس وعباد الحشرات وعباد البشر والفروج والخارجين عن أمر الله يعدونهم ثلاثة مليار.
ولو كان من هذا المليار من المسلمين مليون رجل مستمسك بدين الله حقاً، لما رأيت المسلمين على ما هم عليه اليوم في الأرض، فقد كان المسلمون الأول عندما فتحوا العالم ونشروا دين الله ورسالة محمد ﷺ أقل من هذا بكثير، كانوا بضعة آلاف من المسلمين، انتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، وما هي إلا خمسون سنة حتى كان المسلمون حكام الأرض من أقصى الشرق في الصين إلى أقصى الغرب إلى جبال البرنيه في عمق أوروبا وما بينهما، واستمروا ألف عام على ذلك لم تهزم لهم راية.
صحيح أنهم هزموا في معارك، ولكن مع ذلك بقيت لا إله إلا الله وبقي الحكم بيد المسلمين إلى أن قصروا وابتعدوا عن دين الله، فسلط الله عليهم أبناء القردة والخنازير وعبدة الطاغوت من اليهود.
فقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧]، أي: حقت كلمة الله وأمر الله السابق وإرادته، فالكثير من هؤلاء قد خرج عن دين الله، وقابل الحق بقلب مريض وفاسد، والقلب المريض الفاسد لا يقبل هداية ولا رسالة ولا نبوءة، فكان أكثرهم لم يؤمن، ومن لم يؤمن فهو في النار مع الكفرة من اليهود والنصارى والمنافقين.
стр. 1587
تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً)
قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨].
هؤلاء عندما أصروا على الكفر خالطت الظلمات شرايين أجسامهم وخلايا ذواتهم، فكانوا بذلك كالمغلولة يده إلى عنقه، لا يستطيع تحريكها ولا رفعها، فلا يستطيعون إيماناً، ولا إسلاماً ولا طاعة.
والأغلال: جمع غل، وهو الحديد الذي يكون في العنق.
وقوله: ((إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ))، أي: إلى مكان اللحية أو الذقن، فكانت أيديهم مربوطة إلى هناك ورءوسهم مرتفعة، لأن المقمح رافع الرأس، لكونه لا يستطيع أن يحني رأسه؛ لأنه قد ربطت يداه في غله مع عنقه، فأصبح لا يستطيع تحريكاً، فلا يضع رأسه وينظر إلى الأرض، ولا تنزل يده فيتحرك، فأصبح مغلول اليد والعنق، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء:٢٩].
فالإشارة في جعل الأغلال إلى العنق، أي أن اليد ربطت بالأغلال إلى العنق والذقن فأصبح رأسه مرتفعاً لا يستطيع حراكاً ولا يستطيع أن ينظر إلى الأرض؛ لأن اليدين ربطتا إلى العنق بسلاسل، فهو لا يستطيع حراكاً، فحال هذا كمن غلت إرادته، وغل قلبه عن أن يهتدي ويؤمن بالله أو أن يقول كلمة التوحيد، كما يغل الأسير بيديه إلى عنقه فلا يستطيع حراكاً.
стр. 1588
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سداً)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩].
وجعل بينهم سداً بكفرهم ومرض قلوبهم وفساد ضمائرهم، كمن جعل بينه وبين الهداية ورؤية النور سد أمامه وسد خلفه.
والسد: الحاجز يمنعه عن الحراك أماماً أو الحراك خلفاً، فهو كيفما تحرك يجد نفسه بين سدين، وقرئ: (سُداً)، وهي قراءة نافع؛ فإنه قرأها: (وجعلنا من بين أيديهم سُداً ومن خلفهم سُداً).
وقوله: (فأغشيناهم) أي: جعل عليهم غشاوة، فهم لا يبصرون ولا ينظرون ولا يستطيعون تصرفاً، فعميت منهم الأبصار وغلت منهم الأيدي إلى الأعناق، وجعل بينهم وبين الحقائق، وبينهم وبين التوحيد والإيمان سدوداً، سُداً من أمام وسُداً من خلف، ثم غشيتهم الظلمة لفساد قلوبهم وعظم جرمهم.
قوله: ((فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)) كقوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨]، فإذا لم تعم الأبصار فقد عميت البصائر، وكما قال ربنا كذلك: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فأخذتهم غشاوة، ونشرت الظلمة فلم يعيشوا إلا في ظلام الشرك والكفر والمخالفة للنبي ﷺ ، والمخالفة لله فأقروا على ذلك، فكانوا في كفرهم وضلالتهم، كذاك الذي غلت يداه إلى عنقه، فلا يستطيع لرأسه تحريكاً، كذلك الذي جعل بينه وبين الأنام سدود فلا يستطيع أن يتقدم، ولا يستطيع أن يتأخر، ثم غشي عليه بالظلام وأخذه ظلام ظلله وغطاه وغشاه، فهو إذاً: في ظلام وسدود وأغلال من فوق ومن تحت ومن أمام ومن خلف.
قال تعالى: ((فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)) أي: لا يبصرون النور ولا يبصرون الحق، ولا يؤمنون بالله واحداً ولا بمحمد نبياً خاتماً ﷺ ، ولا بالقرآن إماماً، ولا بالنور نوراً، فهم يرون النور ظلاماً، ويرون الظلام نوراً، انقلبت في أعينهم الحقائق وأصبحوا لا يبصرون.
стр. 1589
تفسير قوله تعالى: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم)
قال تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١٠].
فهؤلاء قد أصبحوا في كفر وضلال وظلمات، فلم يعد ينفعهم إنذار، إن أنذرتهم بالنار استهزءوا وتضاحكوا، وإن أخبرتهم بالجنة استهزءوا وضحكوا، وإن قلت لهم: الله أكرمكم بنبي جمع فيه من الخلال ما لم يجمعه في أحد قبله تضاحكوا كذلك واستهزءوا، وسواء هددتهم بالعذاب أو لم تهددهم، دعوتهم للحق أو لم تدعهم؛ لا يؤمنون، فالضلال والهداية والنار والجنة والنبوءة والشعوذة في أعينهم سواء، أي: لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بدينه.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١].
يقول تعالى: إنما نذارتك ووعيدك يفيد الذين آمنوا، تفتحت قلوبهم للسمع والوحي والإدراك، فإذا قلت لهم: قال ربنا، أرعوا سمعهم وأخذوا ينصتون إليك متمعنين مفكرين، وإذا شرحت لهم آية أو زدتهم بياناً فيها، تجدهم كلهم آذاناً مصغية، وتجدهم كلهم على غاية ما يكونون من الاهتمام بها؛ لأن قلوبهم ليست بمريضة؛ لأنهم لا يقارعون الحق ولا يحاربونه، بل كانوا ينتظرون هذا منذ زمن، ينتظرون هادياً من الله ونذيراً، ينتظرون رسولاً يأتيهم فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويرفع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
فهؤلاء تفتحوا للحق وتفتحت آذانهم لسماعه ونفوسهم لقبوله، فهؤلاء وحدهم هم الذين يقبلون ويدركون والذين تفيد فيهم النذارة.
فقوله تعالى: ((وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)) أي: فهم على حالهم من الكفر ودوامه.
قوله تعالى: ((إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ))، أي: من اتبع القرآن واتبع محمداً ﵊، فالذكر: القرآن، والذكر: محمد ﵊، والذكر: السنة المطهرة.
قوله: ((وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)) أي: خاف الله وهو في عتمة وغيب لا يراه أحد ولا يرى أحداً، فتراه يخشى الله ولا يرتكب كبيرة ولا يعصي ربه؛ لأنه يعلم أن الله يعلم ما في السر والعلن، والسر والعلن عنده سواء، فمن كانت علانيته كسره لا يعصي الله في خلوة، فتراه يؤمن بالغيب، ويؤمن بالله وهو لم يره، ويؤمن بالجنة والنار وهو لم يرهما، وآمن بأن النبي ﷺ صادق، وأنه ما قال إلا الحق، وأنه أتى على ذلك بالدلائل والبراهين القاطعة من المعجزات البينة التي لا ينكرها إلا أعمى البصيرة.
قوله: (وخشي) أي: خاف الله في الغيب كما خافه في العلن، وخاف الله ولم يره، وهو حاضر معه ناظر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فتراه في آثاره: سمائه وأرضه، وكل ذلك أثر من آثار الله وخلق من خلق الله، فإن لم نر ذاته ﷻ فقد رأينا آثاره في خلقه للسماوات وخلقه للأرضين وخلقه لأنفسنا.
قال تعالى: ((فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)) هذا الذي خشي الرحمن واتبع الذكر، وقبل نذارتك ونبوءتك وهدايتك انتقل معه من النذارة والتهديد والوعيد إلى البشارة، قال تعالى: ((فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ)) أي: بشره بأن الله غفر له ما قبل الإسلام من وثنية وكفر، وبشره بما فعل في حال الإسلام عندما تاب إلى الله وأناب بأن الله يتوب على من تاب، فبشره بمغفرة ذنوبه وبأجر كريم.
والأجر الكريم: هو رضا الله ودخول الجنة ودوامها إلى الأبد.
стр. 1590
تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم)
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢].
يقول ربنا: ((إِنَّا نَحْنُ نُحْييِ الْمَوْتَى)) الموتى قد يكون المراد بها الموت الحسي، أي: الموت بعد الحياة، ولكن سياق الآية يدل على أن الموت هنا هو موت الكفر.
((إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى)) بمعنى: نهدي الضالين إلى الصلاح، ونهدي الموتى عن الحق إلى الحياة للحق، كما يحيي ﷻ الموتى حقاً، فإحياء الموتى بذواتهم وأجسامهم لا يستطيعه أحد إلا الله، ولا يستطيع ذلك من ادعيت له الألوهية، ولا من كان نبياً أو ملكاً أو رسولاً، فكل خلق الله أعجز من أن يخلقوا ذبابة، ولكن الله وحده انفرد بالخلق والتدبير والأمر ﷻ ، وما الرسل إلا مبلغون عنه، وما الملائكة إلا جنده ورسله.
قال تعالى: ((وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا)) أي: هؤلاء الذين ماتوا نكتب ما قدموا ونسجل عليهم، أي: يكتب الملكان المكلفان بهم ما قدموا في حياتهم من كفر أو إيمان، ومن صلاح أو فساد، ومن تقى أو مخالفة، ومن طاعة أو معصية، كل ذلك محصىً في كتاب يجده العبد يوم القيامة عند البعث والنشور، فهذا كتابه بيمينه فهو من أهل اليمين وأهل الجنة، وهذا كتابه بشماله فهو من أهل النار وغضب الله.
كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فلن تخفى على الله خافية، بل يحصي كل شيء سبحانه.
قال تعالى: ((وَآثَارَهُمْ)) أي: نكتب آثارهم.
والآثار: جمع أثر.
وفسروا الآثار هنا بمعنيين: المعنى الأول: أن يموت الميت ويترك أثره فيكتب له، يقول ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
فالولد الصالح إن ربيته صالحاً يكون صالحاً، فتجده يدعو لأبيه ويقول: دعاني إلى التوحيد فاستجبت، وذلك أثر من آثار الميت، كذلك نشر العلم، فهذا العلم الذي ننشره ونشره أسلافنا من قبل ورويناه عنهم إلى النبي ﵊ إلى جبريل إلى رب العزة، توارثته البشرية أباً عن جد، فكل علم تعلمه إنسان يرجع أثره لشيخه، ومن شيخ إلى شيخ إلى المعلم الأول ﷺ ، وقد قال ﵊ لـ علي ﵁: (يا علي! لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
فالإنسان من علّمه؟ ومن هداه؟ لقد هداه الله وعلمه بأثر من آثار من قبله، فتكون حسناته في صحائفه، ويكون ذلك أثراً من أثره، إذ يسجله الله -كما يقول هنا- لهذا الميت، فكما يكتب ما قدم من عمل يكتب ما ترك من أثر في الولد والعلم والمال الجاري في الوقف مثلاً يوقفه على العلماء والفقراء والمحتاجين والأقارب، فما من نفع يحصل من هذا المال إلا ويكتب ذلك في أثر هذا الميت حسنة من حسناته، يقول ﵊: (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئاً)، فهو كذلك سنة من سنته، ومن هنا يقول الله لنبينا ﵊: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ [الضحى:٤].
فكل ثانية تمضي من الزمن يكتب في آثار رسول الله ﵊ فيها إيمان المؤمنين من أتباعه، ودعوة الدعاة من خلفائه ووراثه، فمن يقول: لا إله إلا الله ويدعو إليها الخلق هو أثر من آثار النبي ﵊، لأنه هو الداعي الأول، وهو البشير النذير، وقد تلقى عنه الخلفاء والصحابة رضوان الله عليهم، وعن الصحابة تلقى التابعون ﵏ وتابعو التابعين إلى عصرنا، وإلى يوم البعث والنشور.
المعنى الثاني: أن الأثر هو الخطى إلى المساجد: وقالوا: هذه الآية من هذه السورة مدنية، قالوا: وسبب نزولها أن عشيرة بني سلمة كانوا يسكنون في ضاحية المدينة بعيدين عن المسجد النبوي فقالوا: (يا رسول الله! نريد أن نسكن بجوارك لنكون أقرب إلى مسجدك، قال: لا تفعلوا ولا تعروا المدينة -أي: لا تتركوا ضواحيها- فكثرة الخطى إلى المسجد تكتب في آثار المصلي).
ونقول: هذا صحيح، ولكن ليس هذا هو التفسير فقط، فهذا يشمل من سن سنة حسنة، ومن ترك ولداً صالحاً وعلماً نافعاً، ومن ترك مؤلفات ينتفع بها، وترك طلاباً ينشرون العلم، ويهتدون به في أنفسهم، ومن ترك مؤمنين سمعوا قولته، واهتدوا بهديه، وساروا على ما دعاهم إليه، ومن ترك مالاً للفقراء والمحتاجين وقفاً، كل ذلك أثر من آثاره يكتبه الله في صحيفته.
فقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [يس:١٢] أي: ما قدموا من أعمال، إن خيراً فخير وإن شراً فشر مدة حياتهم.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، أي: في اللوح المحفوظ، كل شيء من الخلق جناً وإنساً، وجميع ما في الكون من أحياء قد كتبه الله وسجله ودونه قبل خلق الخلق بألفي عام، فقد سبق أن قلت بياناً لكلام الله: إن اللوح لوحان: لوح لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولوح يمحو الله ما يشاء فيه ويثبت.
أما اللوح الذي من قبل الله، ولا يراه إلا هو ﷻ ؛ فهذا لا يبدل القول فيه كما قال ربنا.
وأما الذي من قبل الملائكة ينظرون إلى الأوامر والنواهي فينفذونها، فذاك يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت، كأن تكون دعوة صالحة من أب في ظهر الغيب، أو دعوة صالحة من أخ مسلم في ظهر الغيب، أو صدقة يقبلها الله، أو دعاء استجيب، فهذا يغير ما قدر في الأزل، ولكن اللوح الذي من قبل الملائكة يمحو الله فيه الشقاء ويثبت بدلاً عنه السعادة، ويمحو الفقر ويثبت بدلاً عنه الغنى، ويمحو العز ويثبت بدلاً عنه الذل أو العكس، فذاك في اللوح الذي يمحو الله فيه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
فكل شيء أحصاه الله إحصاءً كاملاً، لا يشذ عنه شيء، لا شاذة ولا فاذة، ولا دقيقة من الأشياء ولا جليلة إلا وحصلت وكتبت في هذا الكتاب، فالإمام: الكتاب المحفوظ من قبل الله، ويسمى أم الكتاب.
стр. 1591
تفسير سورة يس [١٣ - ١٩]
لا يزال الله ينذر الأمم ويرسل إليها الرسل تباعاً لعلهم يذكرون، ومن ذلك أنه أرسل إلى قرية أنطاكية ثلاثة من الرسل يدعونهم إلى الله، فكذبوهم واطيروا بهم وهددوهم بالرجم والقتل.
стр. 1592
تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية)
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣ - ١٦].
يقول الله لنبيه ﵊: اضرب لقومك مثلاً، واذكر لهم قصة ما أشبه وقائعها بهم، وما أشبه كفرها بكفرهم، وما أشبه تحديها لأنبيائها بتحدي عشيرتك لك.
قوله: ((أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ))، بدل من (مَثَلاً)، أي: اضرب لهم مثلاً أصحاب القرية ((إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ))، وهي قرية من القرى، أرسل الله لها من الرسل اثنين أولاً فكذبوهما، فقواهما الله بنبي ثالث، فأصبحوا ثلاثة أنبياء إلى قرية واحدة، ولم تفد رسالتهم الثلاثية شيئاً.
قال تعالى: ((فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ))، أي: قال المرسلون الثلاثة لأهل هذه القرية: ((إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ))، أي: أرسلنا الله لننذركم وندعوكم إلى عبادته وترك عبادة الأصنام.
قال أهل القرية: ((مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)) وهذه دندنة عرفت من الشعوب الماضية كلها ولا تزال.
فهم يتصورون أن النبي لا يكون إلا ملكاً، أو يكون خلقاً غير خلق البشر، كأن يكون إنساناً له رأسان، وله أربع أعين وعشرة أرجل، على شكل غير الشكل، ونحن نعرف بدواً أعراباً يسمعون بالملك، ولم يقدر أن رأوه إلا على كبر، فعندما رأوه صاحوا: أهذا الملك؟ لنا يد كيده، وعينان كعينيه، ويضحك كما نضحك، ويبتسم كما نبتسم، فقالوا: ليس هذا بملك؛ إذ إن تصورهم للملك أن يكون جثة بين السماء والأرض، إن كان للإنسان عينان فله عشر وهكذا، فهكذا قال هؤلاء: ((مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا)) أي: لستم إلا بشراً مثلنا، لستم أنبياء ولا مرسلين.
وقالوا: ((وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ))، أي: ربنا لم ينزل شيئاً: ((إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ)).
فأجابهم الرسل: ((قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ))، يؤكدون بـ (إن) المشددة واللام الموطئة للقسم، أي: أرسلنا لكم خاصة لا لغيركم، والمعنى: بلى نحن مرسلون إليكم، أرسلنا الله لبشارتكم إن آمنتم، وبنذارتكم إن بقيتم على الكفر.
يكاد يجمع المفسرون أن القرية هي أنطاكية الموجودة الآن في أرض سوريا، ثم اختلفوا بعد ذلك، هل هؤلاء المرسلون رسل من قبل الله مباشرة أم هم رسل من قبل عيسى؟ وإنما قالوا ذلك بناءً على أن عيسى ما أرسل رسله وحوارييه إلا بأمر من الله، فمن قال: أنطاكية، وقال: هم رسل ثلاثة، قالوا: اسم الأول صادق، والثاني صدوق والثالث المعزز به اسمه شلوم، ومن قال هم رسل من عيسى قالوا: هم شمعون، ويوحنا، وأتوا بأسماء أخرى.
فهؤلاء الرسل جاءوا للقرية، جاء الرسولان الأولان وتخللا الشوارع والأزقة واختلطا بالناس وكان لها حاكم وثني وكلهم يعبدون الأوثان والأصنام، فذهب هذان النبيان الرسولان يدعوان إلى عبادة الله، والإيمان به، فأخذوهما ورموهما في السجن بعد ضربهما وإيذائهما فعززوا بثالث، فقبضوا على الثالث وفعلوا به مثلما فعلوا بصاحبيه؛ ضربوه ورموه في السجن.
ولكن ابن كثير يرجح أن القرية ليست أنطاكية المعروفة، فقد قال نقلاً عن كتب تاريخية: إن أنطاكية أسلمت أيام عيسى جميعاً، ولم يتخلف منهم أحد، وهذه القرية التي يذكرها الله كانت وثنية كافرة، ويخبر الله عنها: أنه دمرها في صيحة واحدة وأنهاها؛ لأنها قتلت هؤلاء الرسل الثلاثة، وقتلت من جاء يؤمن بهم.
والذين قالوا إنهم رسل ثلاثة من قبل الله مباشرة أو من قبل عيسى مراجعهم في الأخبار مراجع إسرائيلية، منقولة عن كعب الأحبار، وعن وهب بن منبه وابن عباس، فـ ابن عباس عرف بالسماع لـ كعب، وبالرواية عنه، والمحدثون يقولون: إذا عرف عن أحد من الصحابة أنه يسمع لهؤلاء وينقل من قولهم لا يعتبر قوله مما يقول عنه المحدثون: هذا القول لا مجال فيه للرأي، فيكون مرفوعاً، فاستثنوا من هذا من يروي عن الإسرائيليين، وكعب كان يهودياً وقالوا: إنه أسلم، وكذلك وهب بن منبه، والرواية في مراجعها جميعاً ترجع لهذين، وكعب كذبه العباس بن عبد المطلب ﵁، وكذبته عائشة ﵂، وكذبه عبد الله بن مسعود ﵁، وكذبه معاوية بن أبي سفيان، وكذبه عمر، وقال عمر عنه: إنك ضاهيت اليهودية، وقال عنه ابن مسعود: إنه عاد لليهودية، وكذبه.
وما أسلم كعب إلا وهو ابن أربعين سنة بعد موت النبي ﵊ في سنته، وجاء أيام عمر فقال له العباس: أنت قد كمل عقلك وأنت رجل كهل ولست شاباً، وتسكن في اليمن قريباً منا، وقد جاءت وفود كثيرة إلى النبي ﵊، فلماذا لم تأت والنبي حي يسمع منك وتروي عنه؟ وهكذا شكك فيه.
فعلى هذا فإن مرجع جميع هذه الروايات إسرائيلية، إذ لا حديث يثبتها ولا آية تؤكدها، وعلى ذلك فإن هذا القول نعتبره قولاً لا دليل عليه، فالآية تدل على أنهم مرسلون من الله لا بواسطة عيسى ولا بغيره، أما أسماؤهم فقد قال هؤلاء أيضاً: لم يصح عندنا في ذلك شيء عن الصادق المصدوق ﷺ .
والله عندما يذكر قصة في القرآن لا يذكرها للحكاية والرواية، ولكن يذكرها لأخذ العبرة والحكمة منها، ولذلك فإن الأسماء لا شأن لها في القصة، وإنما يكفي أن يعلم أنه كان قبل نبي الله ﵊، وعلى ذلك فالقصة نرويها كما قصها القرآن، وأنها قرية قد تكون أنطاكية وغير أنطاكية، وقال ابن كثير: إن أنطاكية جاءها عيسى وأسلمت كلها، والآية لم تخبر أن هذا كان قبل عيسى أو بعده، بل إن عيسى لم يأت بعده نبي، إلا نبينا ﵊، بعد رفعه للسماء منذ ٦٦٩ عاماً، فهؤلاء الرسل كانوا قبل عيسى، فلم يرسل عيسى شيئاً، فهم مرسلون من عند الله، والكلام كله عن الله، وهكذا نؤكد أنها قرية ولا نعلم اسمها، إذ لم يسمها رسول الله، ولم يسمها من أثبت ذلك عن الصحابة، والجمهور لم يرووا الإسرائيليات ولم يعتدوا بها.
стр. 1593
تفسير قوله تعالى: (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما)
قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ [يس:١٣ - ١٤].
أي: جاءهم المرسلون الثلاثة، وابتدأ الله الإرسال برسولين: ((فَكَذَّبُوهُمَا))، قالوا: أنتما لستما نبيين، بل أنتما تكذبان، فعزز الاثنين بثالث مؤازرة لهما، وقال الثلاثة: ((إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ))، أي: أرسلنا الله إليكم، ومن هنا تعلم أنهم مرسلون من الله، ولا شك أنهم كانوا قبل عيسى، فبعد عيسى لم يرسل نبي ولا رسول إلا نبينا ﵊.
فقوله: ((فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ))، أي: فقواهما وأيدهما وساندهما ربنا بثالث من الأنبياء، ولم يخبر النبي ﵊ عن أسمائهم، ولذلك فمن العقيدة أن نؤمن بالأنبياء الذين سماهم الله في القرآن بأعيانهم، وأن نؤمن بسوى ذلك إجمالاً، فنقول: لله أنبياء وهم فلان وفلان، ولله أنبياء لم يذكروا، فنحن نؤمن بهم إجمالاً كما ذكرهم القرآن، ولا نتزيد عن ربنا، ولا نتزيد عن رسولنا ﷺ .
قال الرسل الثلاثة: ((إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ))، أي: قالوا لأهل القرية: أرسلنا إليكم لندعوكم إلى الله؛ لتتركوا الأوثان وعبادتها ولتتقوا الله وتتوبوا إليه، فأجاب هؤلاء وقالوا: ((مَا أَنْتُمْ))، أي: لستم أنتم: ((إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا))، أي: ليس لكم أي ميزة علينا ((وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ))، وهكذا كذبوا الثلاثة دفعة واحدة، ولم يؤمن بهم أحد إلا واحد، سيأتي الكلام عليه في نص الآية.
قال تعالى: ﴿قَالُوا﴾ [يس:١٦] أي: قال الرسل، ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٦] أي: هو الذي أرسلنا، وأكدوا ذلك مقسمين، ولذلك فإن اللام يقال عنها: موطئة للقسم، فكأنهم قالوا: نقسم بالله إننا لرسل الله إليكم، وهو الذي أرسلنا لا سواه.
وقالوا أيضاً: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٧]، أي: ليس علينا هدايتكم، والهداية ليست وظيفة للأنبياء، إنما وظيفة الأنبياء التبليغ، فقد بلغناكم، وهكذا أمروهم بعبادة الله وبترك عبادة الأوثان، فإذا بهم يسجنونهم، ويعذبونهم، ويمكرون بهم، وطال هذا سنوات ولم يؤمن أحد منهم.
فقوله: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٧].
أي: الواضح البين، وقد بينوه ووضحوه.
стр. 1594
تفسير قوله تعالى: (قالوا إنا تطيرنا بكم)
فعندما عجزوا عن الحجة، وعن الدليل على تكذيبهم: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨].
أي: قالوا: تشاءمنا بكم، كنتم شؤماً وكنتم سوءاً، وكان ذلك زيادة في الابتلاء والاختبار، فقد أصيبوا بالقحط منذ أن جاءوهم، وحبست السماء خيرها، وحبست الأرض خيرها، وأصابتهم سنوات شداد، فقالوا لهؤلاء: جئتمونا مشئومين.
فقوله: ((إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ))، أي: تشاءمنا بكم، فلم تأتونا بخير، ولم نر خيراً في وجوهكم وسبيلكم.
قوله: ((لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا)) أيضاً اللام موطئة للقسم، فهم يقسمون: إن لم تنتهوا عن دعوتكم لنا، وحرصكم على إيماننا، وحرصكم على ترك الأوثان التي نعبدها: ((لَنَرْجُمَنَّكُمْ))، أي: يضربونهم بالحجارة حتى الموت، ويقتلونهم بأشد العذاب.
قوله: ((وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ)) يقسمون أيضاً باللام الموطئة للقسم، (ليمسنكم)، أي: سيصيبونهم بأنواع من العذاب الأليم؛ رجماً وضرباً وإيذاء وجراً، وكل هذا قد ذكر، فأجابهم الرسل الثلاثة: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩].
أي: شؤمكم معكم، فكفركم وعبادتكم للأصنام هو الشؤم، فبلاؤكم جاء منكم وليس منا، فنحن جئناكم بالإيمان والسعادة ورضا الله والجنة، والذي تعيشون فيه من عبادة الأوثان والكفر بالله والإشراك به؛ هو الذي كان شؤماً عليكم، فهو أعظم الشؤم الذي حبس عنكم المطر من السماء، وحبس الإنبات من الأرض.
((أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ)) أي: أتهددوننا بالرجم والقتل والعذاب الأليم بسبب أننا وعظناكم، فذكرناكم بالله، ودعوناكم إلى عبادته، فكل هذا اعتبرتموه مصيبة وجريمة، حتى الدعوة إلى الله لم تقبلوا سماعها، ولم تستجيبوا لها، فهذه عادتكم، أما أن تعاقبونا بالرجم والعذاب الأليم فهذا شيء عظيم.
فقوله: ((أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ)) أي: أتفعلون هذا لمجرد أنكم ذكرتم بالله، ووعظتم بدين الله، ودعيتم إلى عبادة الله الواحد، وترك الأصنام والأوثان؟! قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩].
بل: إضراب عن القول الماضي، أي: لا تطير ولا طيرة، ولكنكم مسرفون؛ مسرفون في الشرك والظلم والجرائم والإيذاء لرسل الله وعباده المكرمين.
стр. 1595
تفسير سورة يس [٢٠ - ٣٠]
ولما كذب أهل أنطاكية رسل الله الثلاثة وسجنوهم، جاءهم من أقصى المدينة رجل يحثهم على الإيمان برسل الله ويحذرهم من تكذيبهم، فقتلوه وهو لهم ناصح، فعاقبهم الله، فأخذتهم الصحية جزاءً وفاقاً.
стр. 1596
تفسير قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى)
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١].
أرسل الله إلى أصحاب القرية رسولين فكذبوهما، فعززهم بثالث فكذبوا الكل وقالوا: لستم مرسلين، إن أنتم إلا بشر مثلنا.
وقد اختلف المفسرون: هل كانوا رسل الله أصالة، أو كانوا رسل عيسى إلى أصحاب هذه القرية، وهي قرية أنطاكية، فجاءوهم وقالوا لهم: آمنوا بالله، وأخلصوا له العبادة، واتركوا عبادة الأوثان، فبلغ ملك أنطاكية خبرهم فدعاهم وقال لهم: ما دليل نبوءتكم؟ وما معجزاتكم؟ وما الذي ستفعلونه لنا لنقبل ذلك؟ فقالوا: نحيي الموتى ونشفي المرضى.
فكان له ولد قد مات منذ أيام، فأحيوه بإذن الله، وكان له مريض فيه مرض مزمن قد طال عليه سنوات، وإذا بهم يشفونه بإذن الله وأمره، ومع ذلك ما زادت هذه المعجزات والدلائل هذه القرية وأهلها إلا جحوداً وكفراناً، وأخذوا يضربونهم ويؤذونهم، ويهددونهم بالرجم وبالقتل إن لم يتركوا دعوتهم لهم إلى الله وإلى ترك الأصنام.
وفي أثناء هذه المحاورة والأخذ والعطاء إذا برجل يأتي من أقصى المدينة وضواحيها، وكان رجلاً يعبد الله في الغار على طريقته، ولم يرسل له رسول، ولا يعرف كيف بعبد الله، وكان مريضاً بالجذام، وقد أهلكه، فجاء إلى هؤلاء الرسل فسألهم: من الذي أرسلكم؟ قالوا: الله ﷻ ، قال: وما علامة رسالتكم ونبوءتكم، قالوا: نحن نشفي المرضى، فقال: أنا مريض فادعوا الله لي بالشفاء، فدعوا الله له فعاد كيوم ولدته أمه، وزال كل مرضه، وأثره، وعاد كما لم يكن مريضاً قط، والتفت إلى هؤلاء وهم يؤذونهم ويضربونهم ويهددونهم وينذرونهم بأنهم إن لم يتركوا هذا فسيرجمونهم وينالون منهم بالعذاب الأليم.
قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠].
أي: فجاء مهرولاً مجهداً نفسه حتى وقف عليهم وحاورهم وأعلن إيمانه وإسلامه بهم.
قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠].
أي: التفت إليهم وقال لهم: يا قومي! ويا عشيرتي! اقبلوا ما دعوكم إليه من عبادة الله وحده وترك الأوثان والشركاء من دون الله.
﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢١].
أي: هؤلاء الأنبياء الثلاثة جاءوكم وما طلبوا منكم أجراًَ ولا ثمناً على دعوتهم لكم وعلى رسالتهم إليكم، وقد جاءوا وهم مهتدون، أي: حال كونهم قد هداهم الله إلى الطريق السوي الحق، وإلى عبادة الله الواحد، وبيان أن ما عداه كله أضاليل وأباطيل، لا تضر نفسها ولا تنفعها، فكيف تضر وتنفع غيرها؟ فسألوه: أأنت مؤمن بهم؟ وهل تركت عبادة قومك وآلهة عشيرتك وآمنت بهم؟ فكان جوابه: نعم قد آمنت، ثم قال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ [يس:٢٢] وهذا استفهام إنكاري تقريعي توبيخي، ومعناه: أنه يوبخهم ويقرعهم بأنه عبد الله الخالق الرازق الواحد، وترك الأوثان والشركاء، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس:٢٢]، أي: خلقني على غير مثال سابق، والمعنى فما لي لا أعبد الخالق الذي خلقني وإياكم على غير مثال سابق، ونحن جميعاً إليه راجعون؟ فسنموت ثم نحيا ثم سنبعث يوم القيامة إلى الحشر والنشر والعرض على الله، فيحاسبنا على أعمالنا إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فمن يعمل خيراً يلقه، ومن يعمل سوءاً يلقه.
стр. 1597
تفسير قوله تعالى: (أأتخذ من دونه آلهة)
قال تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣].
أي: أتريدون مني أن أتخذ مع الله آلهة لا تضر ولا تنفع، وهي آلهة مخلوقة جماد لا تحس ولا تشعر ولا تسمع شيئاً.
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ [يس:٢٣].
أي: فإن عذبني الله وعاقبني فلا تستطيع آلهتكم هذه أن تنقذني من ذلك، ولا أن تكون نصيراً وولياً لي، فهي آلهة مزيفة باطلة لا تضر ولا تنفع، فأنا قد تركتها، واستجبت لدعوة هؤلاء المرسلين.
قال تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]، فلا تنقذني ولا تناصرني، ولا تدافع عني ولا أثر لها.
فالله ﷻ يرحم المؤمنين الموحدين ويدخلهم الجنة، ويعذب الكافرين المشركين ويدخلهم النار، فإن أصابني ضر من الله على اتباعي للآلهة إن بقيت على عبادتها وإشراكها مع الله فهي لا تنقذني من عذاب الله، والله يعذب المشرك والجاحد كما يعذب كل كافر، وقد حرم الله جسده على الجنة.
قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]، أي: لا يستطيعون الشفاعة ولا يدركون ذلك؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، وسواء كان المعبود جماداً وهو من الأصل لا يضر ولا ينفع، أو كان ملكاً كما كانت طوائف من الناس تعبد الملائكة، أو كان نبياً كما يعبد النصارى عيسى ومريم، أو كان جنياً كما يعبده الكثيرون، وحتى هؤلاء الملائكة أو الجن أو الأنبياء أو البشر كلهم لن يستطيعوا الشفاعة لكافر، بل ولن يستطيعوا الشفاعة حتى لمؤمن إلا إذا أذن الله، والله لا يأذن بالشفاعة للكافر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:١١٦].
فهذا العابد الصابر اسمه حبيب النجار، وعرف في التاريخ وفي السير بأنه حبيب صاحب آل ياسين، أي: صاحب سورة ياسين، لأنه كان المؤمن الوحيد الذي آمن بهؤلاء الرسل، وقال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]، أي: لن يستطيعوا نفعي بشيء، ولن يستطيعوا إنقاذي من عذاب الله ومن ناره ومن غضبه.
قال تعالى: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٢٤]، أي: إن أنا فعلت ذلك وأشركت واتبعت دينكم، وتركت الإيمان بالله وبما جاء به هؤلاء الرسل ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٢٤] أي: في خطأ وفي عماية وفي جهالة بينة ظاهرة لا تحتاج إلى دليل.
فأنا لا أعبد إلا الخالق الرزاق، وأترك عبادة الأشياء التي لا تضر ولا تنفع ولا تدفع من أحد، سواء كانت من الأحياء أو من الأموات والجمادات، فالأمر كله بيد الله، ولا يعبد إلا الله.
وهذا الذي قاله هؤلاء الأنبياء الثلاثة أنا معهم عليه، فأنا قد آمنت وتركت الشرك والأوثان ورجوت من الله المغفرة، وإن عدت إلى دينكم فأنا في خطأ وضلال ظاهر بين، ثم زاد وصرح وأعلن كما هو شأن المؤمن الثابت.
стр. 1598
تفسير قوله تعالى: (إني آمنت بربكم فاسمعون)
قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٥]، فهو ليس ربي فقط، وإنما هو ربي وربكم، وقد آمنت به إلهاً واحداً وخالقاً رازقاً، بيده الخير كله، والشر كله، خلق الجنة والنار، خلقنا في الدنيا التي هي برزخ للآخرة، وخلق الآخرة للدوام، إما إلى جنة وإما إلى نار، فالنار للمشركين وعصاة المسلمين، من شاء الله أن يعذبه وشاء أن لا يغفر له، والنار للكافرين أبداً دواماً، فهؤلاء للأبد وهؤلاء للأبد فلا موت.
قوله: ﴿فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٥].
أي: فاسمعوا هذا الكلام وافهموه، فأنا قد آمنت.
وقال هذا لما قالوا له: أأنت مؤمن بهؤلاء ومقر برسالتهم؟ وهل تركت دين قومك؟ فقال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢] إلى أن قال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٥].
وفي هذه الساعة نفذ صبرهم، وانتصروا لشركهم وآلهتهم المزيفة الباطلة، فقاموا إليه ورجموه بالحجارة حتى الموت.
وقال الحسن البصري: ربطوه في حنجرته بعد أن أدخلوا فيها حديداً ورموه بالحجارة وعلقوه مصلوباً، كما قتلوا الأنبياء الثلاثة على ما ظهر منهم من بينات ومعجزات وعلامات على صدق رسالتهم ونبوتهم من إحياء الموتى وشفاء المرضى، ولم يخطر على بال أحد منهم أن يقول: إن هؤلاء ليسوا سحرة، فالساحر لا يحيي الموتى، ولا يشفي المرضى، وخاصة المريض المزمن، والذي يصاب بالجنون أو بالجذام، نسأل الله اللطف والسلامة.
فعندما مات قال له ربه: ادخل الجنة، وقال له الملائكة: ادخل الجنة، منعماً بلا حساب ولا عقاب؛ لأنه مات شهيداً في الدعوة إلى الله، وقد كان واقفاً بين هؤلاء غير عابئ بعصيانهم ولا بوعيدهم ولا بتهديدهم، وهذا مما أقرته شريعتنا ودعت إليه، قال رسول الله ﵊: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره فنهاه فقتله)، أي: الشهيد الثاني بعد حمزة من قام إلى سلطان أو حاكم جائر فدعاه إلى الله فأخذته العزة بالإثم فقام فقتله.
стр. 1599
تفسير قوله تعالى: (قيل ادخل الجنة)
قال تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
فقد كان هذا الشهيد داعياً إلى الله في حياته وبعد موته، وقد كان يقول وهم يعذبونه ويمكرون به: (اللهم اهد قومي، اللهم أصلح قومي)، فعندما أفضى إلى ما قدم قيل له: ادخل الجنة، قيل: إنه انفصلت روحه عن جسده، فأصبح في الجنة مع ﴿الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فعندما دخل الجنة وتمنى أن يعلموا حقيقة ما ظنوا فيه السوء، فقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]، أي: من الذنوب السابقة، والرسول ﷺ يقول: (الإسلام يجب ما قبله).
فقوله: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ [يس:٢٦ - ٢٧] أي: بالذي غفر لي ربي معه لتوحيده، وللإيمان بأنبيائه، فلا أشك بما أتوا به.
قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٧].
أي: أكرمني بالمغفرة، وأكرمني بدخول الجنة بلا حساب ولا عقاب، ولكن قومه لم يعلموا ذلك، ولو علموا لكان سبباً لهم في مسيرة خلودهم، وفي دخلوهم إلى الجنات.
وقال ابن عباس: لقد كان حبيب النجار يسكن خارج القرية، فلما سمع بالأنبياء جاء إلى أهل القرية ودعاهم إلى توحيد الله وعبادته.
فقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣]، ضربه الله مثلاً للذين يدعون قومهم وعشيرتهم، وعلى رأسهم رسول الله ﵊، فهو مثال لكل داعية، فقد كان ﷺ ، يدعو الناس إلى الإيمان بالله، والإيمان بكتبه، والإيمان برسله، والإيمان باليوم الآخر، والله ضرب هذا مثلاً للدعاة إلى الله.
стр. 1600
تفسير قوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٨ - ٢٩].
قال ابن جرير في تفسيره لهذه الآية: وما أنزلنا على قوم هذا المؤمن الذي قتله قومه لدعائه إياهم إلى الله ونصيحته لهم (من بعده) يعني: من بعده مهلكه، ﴿مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ [يس:٢٨].
أي: من بعد دخوله الجنة ما أنزلنا على قومه جنداً من السماء ولا ملائكة من السماء، (وما كنا منزلين) أي: وما كنا لننزلهم ونأمرهم بضربهم والقضاء عليهم، فقد كانوا أقل من ذلك.
(إن كانت إلا صحية واحدة) فقد أمر جبريل الروح الأمين أن يصيح بهم، فتزلزل بهم الأرض وماتوا.
فقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٢٩]، أي: لم تكن هناك إلا صحية واحدة، فقد أمر الله جبريل أن يصيح أهل القرية، (فإذا هم خامدون)، أي: ماتوا جميعاً البتة ومضوا، وهدأت أنفاسهم وحركاتهم، فلم يبق منهم شخص قائماً.
وقد ضرب الله هذه القصة مثلاً لكل عشيرة وقبيلة وفرد إذا أصروا وفعلوا مثل هؤلاء المشركين، فإن الله سيفعل بهم مثل ذلك، ومثل ما فعل بالسابقين الأولين.
стр. 1601
تفسير قوله تعالى: (يا حسرة على العباد)
قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٣٠ - ٣١].
هؤلاء ضربت لهم الأمثال والأشباه لعلهم يتعظون ويعون ويرجعون يوماً إلى أنفسهم ما دامت الحياة تجري في عروقهم، فيؤمنون بالله، ويقولون: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
فهؤلاء ألم يسمعوا ويبلغهم ما جرى على الأمم السابقة الذين مزقهم الله ودمرهم في الدنيا قبل الآخرة، وذهبوا بين غريق ومرجوم من السماء ومصاب بالصرعة وبالصيحة ومن خسفت به الأرض، وسويت به.
وكل أولئك قد قص الله علينا قصصهم من قوم نوح إلى عاد إلى ثمود إلى مدين إلى فرعون وهامان إلى قوم لوط، فقد قص الله علينا كل ذلك، لنتخذ منهم عبرة، لا لنسمع قصة ونسمر عليها، ولذلك القصص لا تذكر الأسماء ولا التواريخ؛ لأن العبرة ليست بذلك، وإنما ذكرت لأخذ العبرة منها، ولذلك لم يذكر هنا أسماء الأنبياء الثلاثة، وكون المفسرين ذكروا لهم أسماء مثل: صادق وصدوق، وشمعون ويوحنا، إلى أسماء أخرى، فهذا لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، وإنما نقلوا هذه الأسماء عن كعب الأحبار ووهب بن منبه، وهم في الأصل كانوا أهل كتاب، فذكروا ذلك من كتب بني إسرائيل التي جمعت الغث والباطل والشرك وعبادة عزير، وعبادة العجل، وأنهم جميعاً أبناء الله، كما ذكروا ذلك في الإنجيل وفي التوراة، وجعلوا من التوراة والإنجيل كتابي شرك، وذكروا أنهم أبناء الله، وأن عيسى ابن الله، وأن مريم صاحبة الله، وأن العزير ابن الله، وأن العجل إلههم، وذلك من ضلالاتهم، فضلت أجيالهم من قبل؛ بما زادوا وأدخلوا عليها.
وأما حين جاء الإسلام فلا دين إلا الإسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، ولم يقبل الله سواه، وهكذا بالنسبة لكل العالم من الذين عاصروا رسول الله ﷺ ومن جاء بعده وإلى يوم النفخ في الصور، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:١]، فهو النذير البشير، وهو الرسول المرسل من الله ﷻ ، لينذر ويبشر كل هذه العوالم منذ ظهر فيها في الأرض المقدسة، وقال له الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
فهذه القصص ذكرت لأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن عاصره ومن أتى بعده وإلى يوم القيامة حتى لا يصنعوا مثل الأمم السابقة من تكذيب الأنبياء، وتكذيب كتب الله المنزلة عليهم، وتكذيب ما جاء به رسل الله الكرام.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ [يس:٢٨].
فلم نحتج لذلك، ولم نحتج في القضاء عليهم لإنزال جيش من الملائكة، وإنما أمرنا جبريل فصاح فيهم صحية فإذا هم خامدون هالكون ميتون، فلا حياة ولا حركة.
ثم قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [يس:٣٠]، في قواعد لغة العرب ونظمها أن (يا حسرتي) كلمة تعجب، من الندم والحسرة، وهي نكرة، أي: يا ما أشد حسرتهم، وما أشد ندمهم، وما أشد عقوبتهم وأنكاها عليهم عندما يبعثون ويجدون أنفسهم قد تأكدوا أنهم كانوا في الدنيا ظالمين، فلم ينتهزوا حياتهم قبل موتهم، ولا شبابهم قبل شيخوختهم، ولا فراغهم قبل شغلهم، ولا صحتهم قبل سقمهم، حتى هلكوا وماتوا على الشرك وعلى الظلم.
قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠] أي: الذين أشركوا وماتوا مشركين في جميع الأمم، من أمة آدم وذريته، إلى أمة إدريس، إلى نوح فمن بعده.
والحسرة أشد الندم، فهم يندمون ويتفجعون على ما فات ولا يعود.
стр. 1602
ميزان الحق الاتباع وليس الأكثرية
قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ [يس:٣٠]، أي: لا يأتيهم رسول ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الحجر:١١]، أي: يسخرون ويكفرون ويجحدون ولا يهزأ بنبي إلا كافر، فيستهزئون معناها: أنهم أشركوا بالله وكفروا برسل الله، وهذا كفر بالله.
أو ما جاءهم رسول من الله إلا استهزءوا به، وهكذا كل الأنبياء.
ولذلك يقول ربنا لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
فأكثر أهل الأرض مشركون كافرون، ومن هنا علمنا أن نظام الأكثرية والأقلية في البرلمانات نظام يهودي، فهم يأتون إلى الأكثرية الجاهلية الظالمة الحمقى التي لا عقل لها، ويشترونها تارة بالمال وتارة بالنفود والسلطان وشهوات الدنيا ونزواتها؛ ليكونوا في صفهم وعلى رأيهم، والحق واحد لا يتعدد، ولو كان القائم به واحداً، ولقد كان النبي ﵊ له أحكامه بين الخليقة كلها، وكان هو الجماعة، وهو الحق، ثم آمن به امرأة ورجل، وإلى بعد تسع سنوات لم يؤمن به أكثر من أربعين شخصاً، وكانت هذه القلة المؤمنة هي الحق، وهي الجماعة المأمورون نحن باتباعها.
فليس الحق بكثرة العدد ولا بكثرة الأصوات، ولكن الحق بالدليل والبرهان من الله، وأما هذه الندوات المزيفة والبرلمانات الكاذبة فهي نظم يهودية في أكثرها، يجتمع فيها الغث والجاهل والمأجور، ويقال لهم: ماذا ترون أنعود لشريعة الله فنحكم القرآن والسنة النبوية؟ فتقول الأكثرية: لا.
فيلغون الحكم بهما، وهذا شرع، فالمجلس التشريعي شرع أن القرآن والسنة لم يعودا صالحين للحكم، والله قد قال عن الهادين الصالحين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤].
فليس الحق إلا مع من معه نص من قول الله أو من حديث رسول الله ﷺ ، وأما الكثرة فهي على الضلال.
وقد قال نبينا ﵊: (إن أمتي بين الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود).
فهي قلة قليلة، ومع ذلك فأكثر سكان الجنة من أمة محمد ﷺ ؛ لأن الأمم السابقة كانت أديانهم قومية، ورسالات أنبيائهم قومية، فكان الأتباع قلة.
أما نبينا ﵊ فكان رسول الكل، ونبي الخلائق من مشارق الأرض ومغاربها، أبيضها وأسودها، من عاصره ومن أتى بعده وإلى يوم القيامة، فلا نبي بعده ﷺ ، فكانت أمته أكثر الأمم، وكان المؤمنون به أكثر من المؤمنين بغيره من الأنبياء من آدم فمن بعده إلى آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ﵇.
وهكذا أمرنا ﷺ أن ندور مع الحق حيث دار، لا مع الكثرة، فالكثرة في أغلب الأحيان تكون على الباطل والضلال، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
стр. 1603
تفسير سورة يس [٣١ - ٣٨]
يخاطب الله الكافرين الجاحدين لينظروا في عواقب أمرهم، وأن الله قد أهلك قبلهم من القرون كثيراً فلم يعودوا إلى الدنيا، ولكنهم سيبعثون يوم القيامة ويعرضون على الله للجزاء، ومن كان مكذبا بالبعث فلينظر في آيات الله وأنه يحيي الأرض بعد موتها، فكذلك يحييهم بعد موتهم.
стр. 1604
تفسير قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٣١].
أي: ألم تر قريش والعرب والناس في مشارق الأرض ومغاربها أنهم ليسوا بخالدين ولا دائمين، وأنهم لا محالة ميتون؟ فلم يتساءلوا يوماً لم خرجنا إلى هذا الوجود؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين النهاية؟ وماذا بعد النهاية؟ وقد أجاب الله عن ذلك في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
فما خلقنا هذه الدنيا التي هي مزرعة للآخرة وقنطرة إلى الآخرة، وبرزخ لها إلا لعبادة الله، وكما كنا أطفالاً في المدارس ننجح ونفشل، فهكذا الدنيا مدرسة، فمن نجح يوم القيامة أخذ كتابه بيمينه، وكان من الناجحين، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان، ومن لم ينجح وكان راسباً أخذ كتابه بشماله، فكان أهل اليمين في الجنة، وكان أهل اليسار في النار.
ومن غريب ما يتلفظ به اليوم أن هل الضلال والباطل والإلحاد والكفر يقولون عن أنفسهم: إنهم يساريون، ويقولون عن المؤمنين الذين يؤمنون بالله وبرسل الله وبدعوة الله: إنهم يمينيون.
ونرجو أن نكون من أهل اليمين، وأن يكرمنا الله يوم القيامة بالجنة مع أهل اليمين، وأن نأخذ كتابنا باليمين، وأن يجنبنا أهل اليسار في الدنيا والآخرة، فكان قول هؤلاء إرهاصاً لما يستقبل من أعمالهم، إلا من تاب وأناب.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس:٣١].
أي: من الأمم، ويطلق القرن على الزمن وعلى أهل الزمن، والقرن قيل: مائة سنة، وقيل: أربعون سنة، وأصبح الاصطلاح الجاري أنه مائة سنة، فنقول مثلاً: مضى على الهجرة النبوية ١٤ قرناً، فالقرن مائة سنة.
ومعنى الآية: ألم تروا كم أهلكنا من القرون، فأين الأمم والشعوب الماضية؟ لقد هلكوا مع من هلك، وماتوا وانتهوا وذهب بكفارهم إلى النار، وكان المؤمنون منهم قلة، وهم أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤].
فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ [يس:٣١] أي: ألم ير هؤلاء الكفار، ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [يس:٣١]، أي: أهلكنا كثيراً ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ [يس:٣١]، أي: من العصور ومن الأجيال ومن الأمم.
﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٣١].
وهذا ينفي ما ادعاه أهل التناسخ من أنه في الدنيا تنتقل الروح من جسد إلى جسد، وأنهم يخرجون من الدنيا، فإن كانوا صلاحاً عادوا لجسد صالح، وإن كانوا فساقاً عادوا لجسد فاسق، أو بعثوا في شكل قرد أو كلب، وتلك عقائد الوثنيين وعقائد المجوس ممن يقولون بتناسخ الأرواح، والحق أنه لن يرجع إلى الدنيا أحد ممن مات فيها إلى أن يرجع الكل يوم القيامة، يوم العرض على الله، يوم البعث والنشور.
стр. 1605
تفسير قوله تعالى: (وإن كل لما جميع لدينا محضرون)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٣٢].
يقول ربنا: ﴿وَإِنْ كُلٌّ﴾ [يس:٣٢].
أي: كل الخلق من البشر والجن والملائكة والمخلوقات.
﴿لَمَّا جَمِيعٌ﴾ [يس:٣٢].
(لما) بمعنى إلا، أي: ليس كل الناس إلا يوم القيامة محضرون بين يدينا، وعائدون إلى قضاء الله والفصل بين الخلق، فللظالم جزاؤه، وللعادل جزاؤه، فهذا إلى الجنة وهذا إلى النار.
وذكر الله عن هؤلاء الذين هلكوا في القرون الغابرة أنهم ستتبعهم قرون، ثم الكل ممن مضى قبل ومن لا يزال في عصرنا ومن سيأتي بعدنا كلهم محضرون، وكلهم ستحضرهم الملائكة بين يدي الله يوم القيامة للحساب والقضاء والفصل بينهم في أنفسهم بالنسبة لمن مات مؤمناً ومن مات كافراً، وبينهم وبين غيرهم بالنسبة لمن ظلم ولمن جار وسفك الدماء وهتك الأعراض وأكل الأموال بالباطل.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٣٢] أي: وليس كل هؤلاء إلا محضرون جميعاً بين يدينا، وسيبعثون ويعيشون بعد الموت، ويأتون يوم القيامة راضين أو كارهين للحساب، ليوم كان مقدراه ألف سنة مما تعدون.
стр. 1606
تفسير قوله تعالى: (وآية لهم الأرض الميتة)
قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣].
يقول ربنا: هؤلاء الذين أنكروا البعث والحياة بعد الموت، أفلم تكن لهم آية وعلامة ودليل وبرهان قاطع ما يرونه بأعينهم ويحسونه بأجسامهم من إحياء الأرض الميتة.
قال تعالى: ((وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ))، وقرئ الميّتة، وهما بمعنى واحد، أي: أفلم تكن لهم آية في الأرض؛ فأيام الشتاء تيبس أشجارها ويتحات ورقها وتصبح الأرض وكأنها لم تنبت يوماً، فإذا جاء فصل الربيع أخذت الأشجار في التلقيح، والأرض في الإنبات، ويرسل الله المطر والغيث، وإذا بها حية بعد الموت تهتز وتنبت وتربو وتصعد، فتنبت شجرها الذي يبس، وتنبت ما كان فيها من حب، ثم يصبح سنابل، ثم ثمر، ثم يصبح حباً وفواكه من كل نوع زوجان.
قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا﴾ [يس:٣٣] بالماء والمطر والغيث، ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣]، بعد أن أحياها بالمطر أخرج منها حباً من القمح والشعير وما إلى ذلك، فنأكل منه نحن ودوابنا ومواشينا، فنحيا بذلك ونعيش عليه، وهذا الحب والقمح أنبته وخلقه الله ﷻ ، ولا تستطيع قوة في الأرض أن تخلقه أو تخلق مثله، بل لو اجتمعوا على أن يخلقوا ذباباً لما استطاعوا، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب.
قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣] أي: منه يأكل الجاحدون والمؤمنون، ومنه تأكل دوابهم ومواشيهم وجميع الأحياء.
стр. 1607
تفسير قوله تعالى: وجعلنا فيها جنات من نخيل)
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٣٤ - ٣٥].
يذكر ربنا أنه جعل لنا من الأرض جنات وبساتين، فيها من الأشجار من كل نوع من الحب والفواكه والخضروات والثمار وكل ما يرجوه الإنسان ويشتهيه في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس:٣٤].
وذكر النخيل والأعناب لأنها ثمارها سيدة الفواكه، فالتمر طعام وفاكهة لنا ولدوابنا، وقد أثنى عليه رسول الله ﵊ عندما سأل يوماً في المجلس: (أي الشجر هو كالإنسان لا فُضل فيه؟)، أو كما ﵊، وكان في المجلس عبد الله بن عمر وهو أصغرهم، فأخذ الحاضرون يقعون في شجر البوادي وكانوا من كبار القوم، كـ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من الرعيل الأول يذكرون أنواع الشجر إلا النخلة لم يذكروها، إلى أن قال لهم ﵊: (هي عمتكم النخلة)، فقال عبد الله لأبيه عمر: والله يا أبي! لقد خطرت ببالي، ولكنني استحييت أن أقولها، قال: لو قلتها لكان أحب إلي من حمر النعم.
فقد أراد عمر أن يقول ولده هذه الكلمة؛ لتدل على ذكائه ونبوغه.
وقوله: (عمتكم النخلة) قالوا: لأن أبانا آدم خلق من تراب، وما بقي من صنعه وخلقه خلقت منه النخلة، فكانت أختاً لأبينا آدم.
والنخلة كلها: شجرها وجمارها وسعفها ينتفع منه، فالتمر يؤكل فاكهة لذيذة وحلوى، وما سوى ذلك يتخذ حطباً، والنوى تعلف به الإبل فتسمن منه وتقوى، وليس في التمرة ولا النخلة فضول أو زائد.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس:٣٤]، فذكر النخلة لرفعتها والأعناب تأتي بعدها، ((وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ))، أي: ومن باقي الثمرات والفواكه كلها.
قال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس:٣٤].
فجر الله الأرض عيوناً؛ لتسقي هذه الثمرات، وليعيش بها الإنسان، ويتقوى عليها إلى أن يموت كما يموت كل حي.
قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس:٣٥].
خلق الله هذه البساتين والجنات والحبوب؛ ليأكل الناس من ثمرها -والثمر جمع ثمرة- ومن فواكهها ومن نتائجها ومما تنبت وتعطي، كما قال تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:٣٥].
فهم لم يصنعوا ذلك بأيديهم وإنما الله هو الذي خلق التمر والثمر وكل نوع، والماء الذي نسقي به هو الذي خلقه، والتراب الذي ينبت هو الذي خلقه، واليد التي تحرثه وتستنبته هو الذي خلقها، والعقل الذي يفكر ويدبر ويخطط هو الذي خلقه، فالكل إذاً خلق الله، وليس لنا من ذلك شيء.
وإذا أراد الله أن يظهر فضله عليك خلق ونسبه إليك، كما قال تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٣٥].
أي: قل لهؤلاء: إن هذه الثمار والجمال والسماء والأرض وما في أنفسكم وما رزقتم به؛ كل هذا من خلقه وصنعه، وإذا كان كذلك ولا يستطيعون جحوداً لذلك ولا إنكاراً أفلا يشكرون؟ وهو استفهام تقريري، أي: ينبغي أن يشكروه، والشكر يكون بالعمل وبالقول، ومن القول: لا إله إلا الله، وهي أعظم الشكر، والحمد لله، والشكر لله، ويكون بالعمل، مثل: الصلاة والصيام والزكاة والحج، وجميع الأعمال الصالحة التي هي عبادة لله، وكذلك ما كان خدمة لعباد الله وسعياً لمصالحهم.
стр. 1608
تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها)
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٣٦].
يقول تعالى: (سبحان) يسبح نفسه وينزهها عن قول الكافرين والجاحدين، أو يتعجب، والعربي إذا أراد العجب قال: يا سبحان الله! أو سبحان الله! فإذا كانت بمعنى العجب فهي صحيحة، وإذا كانت للتسبيح والتمجيد فهي صحيحة.
فينزه الله نفسه ويتعجب: أمع كل هذا الذي تراه العين وتسمعه الأذن ويحسه البدن لا يزال هؤلاء على الكفر والجحود والفرار عن دين الله ودين رسوله ﷺ وكتاب الله المنزل ورسوله المرسل صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! يا عجباً لهؤلاء! أو أن الله يعظم نفسه، ويعلمنا أن نسبحه ﷻ ، ونصفه بكل كمال وننزهه عن كل نقص، وهو ربنا ﷻ لا يشبه أحداً من خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه، فليس كمثله شيء، ولم يكن له كفواً أحد.
والأزواج هنا: الأصناف والأنواع.
فالله خلق من كل صنف من مخلوقاته زوجين، مثل صنف البشر، وصنف الجن، وصنف الدواب، وصنف الحيوانات، وصنف الطير، وصنف الحشرات، وصنف الجمادات جبالاً ووهاداً وبراراً وبحاراً وسماءً وأرضاً، وخلق أول ما خلق الماء، وكان عرشه على الماء، ثم خلق بعد ذلك الأرض، وخلق من الأرض الكل، فأنبت من الأرض الإنسان والحيوان والنبات والثمر، وخلق أبانا آدم من تراب، وأمنا حواء من ضلع من أضلاعه، ثم بعد ذلك خلقنا نحن من نطفة، وخلقنا ذكراً وأنثى، وهكذا خلق كل الخلق، كما قال ربنا: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾ [يس:٣٦].
وخلق السماء وكانت جزءاً من الأرض.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، وهؤلاء الضالون من أوروبا وأمريكا صعدوا إلى القمر، وأنزلوا بعض ترابه وحللوه فوجدوا أن التراب هي مادة القمر.
وقد أخبرنا الله منذ ألف وأربعمائة سنة وعلمنا أن السماء والأرض كانتا رتقاً، أي: قطعة واحدة وجزءاً واحداً، ففتقهما، أي: خلق منها السماء، وخلق السماء الثانية من الأولى، والثالثة من الثانية، وهكذا، والكل من الأرض من التراب.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [يس:٣٦].
وكذلك الله تعالى خلق منا نحن أزواجاً، فخلق من أبينا آدم زوجته حواء، ثم خلق منهما بواسطة النطفة ذرياتهما وأولادهما، وتزاوج الذكور والإناث، وهكذا دواليك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
قوله: ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٣٦].
أي: خلق الله في الأرض خلقاً بعضه في قعر البحار، وبعضها في السموات مما لا نعلمه، ولم يره الآباء والأجداد ولم يحدثونا عنه البتة؛ إذ الدخول إلى قعر البحار إن تيسر في جهة لم يتيسر في الباقي، وإذا تيسر في الجهة التي ليست شديدة العمق فإنه يكون في لحظات لا تتجاوز وقتاً قصيراً، فما في البحار من خلق لا يعلمه إلا الله.
وقد قال ربنا: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى:٢٩]، أي: ما أودع في السموات وفي الأرض من دابة، والدابة ما يدب على وجه الأرض، ومعناه: أن في الأفلاك والسموات العلا خلقاً من خلق الله تدب على الأرض، وليست هذه صفة الملائكة، إذ الملائكة ذوو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وما شاء الله بعد، ولا تطلق الدابة إلا على من دب على وجه الأرض، على اثنتين أو على أربع أو على أكثر من ذلك.
قال تعالى: ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٣٦] فقد خلق من الخلق ما لا نعلمه نحن ولا آباؤنا ولا أجدادنا، وإن عرف ذلك البعض فلا يعلمه البعض الآخر، ولا شك أن الكثير من خلق الله لا يعلمه جميع الخلق، والله يلفت أنظارنا لنعلم ذلك، ونزداد لله تسبيحاً وعبادة وإيماناًً بقدرته، وأنه القادر على كل شيء، فهذه الأزواج والأصناف من أنواع المخلوقات الذي خلقها ورزقها ودبرها الله ﷻ ، ولم يخلقها رئيس ولا شريف.
стр. 1609
تفسير قوله تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار)
قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧].
أي: ومن آيات الله على قدرته وعلى إرادته وعلى وحدانيته، الليل وسلخ النهار منه.
وقوله: ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس:٣٧].
أي: نكشف وننزع ونأخذ ونزيل، فالآية لهؤلاء الكافرين الجاحدين أننا نأتي إلى الليل والظلام الدامس فننزع عنه نوره وضياءه، فإذا الناس مظلمون، أي: في ظلام.
يقال: أظلم إذا دخل في الظلام، وأظهر إذا دخل في وقت الظهر، وأمسى إذا دخل في وقت المساء، وأصبح إذا دخل في وقت الصباح، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، أي: إذا هم يعيشون في ظلام، إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها، ومع ذلك أولج الله الليل في النهار والنهار في الليل، وذكر الليل، وأن الله نزع منه ضياءه ونوره.
فقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس:٣٧].
أي: ننتزع ونستخرج ونأخذ، فهو يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، فيأخذ النهار والضياء والنور وينزعه عن الليل فيصبح ظلاماً، ويصبح الناس في ظلام، وهذا لا يفعله إلا الله، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يفعله.
стр. 1610
تفسير قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها)
قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨].
وهذه الشمس التي تجري ليلاً ونهاراً إذا غربت عن المشرق أشرقت في المغرب، وإذا غربت عن المغرب أشرقت في المشرق، وهكذا دواليك.
وقد كان النبي ﵊ في مسجده النبوي وقد غربت الشمس، فدخل عليه أبو ذر الغفاري فقال النبي ﵊ لـ أبي ذر: (أين ذهبت الشمس؟ فقال أبو ذر: الله ورسوله أعلم؟ قال: ذهبت الشمس حيث قرارها، إلى تحت العرش تسجد، ثم تلا ﵊ هذه الآية: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]).
فالشمس تجري إلى أن تغرب، فتذهب إلى تحت العرش، فيكون مستقرها، ثم تعود فتشرق، وهكذا يدور الليل والنهار، وقرارها تحت العرش.
وهكذا فسروا هذه الآية، وقال قوم: ما قاله النبي ﷺ حق، فهو لا يقول إلا الحق، ولكن الشمس مع ذلك هي دائماً تدور وتجري، ولا تكاد تشرق في أرض إلا وتغرب في أرض، فهي تجري دائماً، ومستقرها تحت العرش -كما قال ﵊ يوم القيامة عند نهايتها، عند فناء الأرض بأقمارها وبشموسها وبسمائها، وبكل من عليها.
وفي قراءة شاذة لـ ابن مسعود ولـ ابن عباس: (والشمس تجري لا قرار لها)، أي: تجري باستمرار وعلى الدوام ليس لها مستقر، واستقرارها يوم تفنى الدنيا في نهايتها، وهذا هو الذي فسروا به حديث النبي ﷺ لما قال: (تحت العرش تسجد) أي: عندما تنتهي الدنيا وتفنى، وفي الحديث الآخر في صحيح مسلم: (إن الشمس تجري لمستقرها تحت العرش فتسجد، فتستأذن الله في الطلوع فيأذن لها، إلى أن يأتيها يوم فتسجد، فتصلي وتغرب، فتستأذن في الشروق فلا يأذن لها، وإذا بها تشرق من مغربها، ثم تلا ﵊ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]) أي: عندما تشرق من مغربها.
وهي علامة من علامات الساعة الكبرى، وعندما تشرق من مغربها تتغير طبيعة الأرض، ويكون ذلك سبباً لانتهاء الدنيا وفنائها والقضاء عليها، وتصبح كلها كالعهن المنفوش، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]: وآية لهم أن الشمس تجري إلى قرارها وإلى نهايتها، وهي تجري أبداً وباستمرار منذ خلقها الله وإلى يوم القيامة، وتلك آية من آيات ربنا، وعلامة من علامات توحيد الله وقدرته وألوهيته، فأين هؤلاء الجحدة الكفار؟ وأين عقولهم وفهمهم ومداركهم؟ وكيف غاب عنهم ذلك؟ ولذلك فالله تعالى في كتابه يلفت أنظارنا ويأمرنا بأن نعمل عقولنا وفكرنا ووعينا لنفهم عن الله، وقد خاطب الله في كتابه العقل قبل أن يخاطب أي شيء، ونحن نستطيع بما تلاه الله علينا وأنزله على نبينا ﷺ أن نأتي بالأدلة القاطعة التي لا ينكرها عقل على قدرة الله ووحدانيته.
وهنا خاطب الله نبينا ﷺ ، والخطاب له خطاب لنا، فمن أنكر ذلك فقبل أن نصفه بكفر أو شرك نصفه كما وصفه الله بقوله: ﴿هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤].
وقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩].
قوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] أي: جريانها إلى قرارها ومستقرها تقدير من الله ﷻ ، حيث جعل لها وقتاً وزمناً وقدراً لا تتقدم عنه ولا تتأخر، فإن حدث فذلك يوم القيامة، فهي تشرق وتغرب في زمن لا يتقدم ثانية ولا يتأخر، إلا ما كان من إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل، فيطول هذا ويأخذ من هذا، فيطول النهار ويأخذ من الليل، ويطول الليل ويأخذ من النهار، ويستويان بعد ذلك في زمن معروف معدود، وذلك علامة وآية على قدرة الله ووحدانيته.
فهذه مسلسل من الآي الكريمات، فالله ﷻ يعلم بني آدم؛ ليروا أن الله ﷻ خالق الكون ومدبره، وهو خالق الإنسان بما فيه من عجائب، وخالق السماء بما فيها من كواكب، وخالق الأرض بما فيها من جبال راسيات وبحار، وما عليها وعلى السماوات من خلق، تلك آيات من آيات الله، وتلك علامات على قدرة الله، لم يستطع ذلك أحد غير الله تعالى، فهذه المعبودات لا تضر نفسها ولا تنفعها فضلاً عن غيرها.
قال تعالى: ((ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)) والعزيز الذي من اعتز به عز، ومن اعتز بغيره ذل، وهو القادر على كل شيء بعزته وقدرته، والعليم هو العالم بكل شيء ظهر أو خفي، وما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
стр. 1611
تفسير سورة يس [٣٩ - ٤٦]
يتابع الله ذكر الآيات والدلائل على قدرته ووحدانيته، ومنها تقدير منازل القمر طوال الشهر حتى يعود كالعرجون، ومنها أنه حملنا في أصلاب آبائنا المؤمنين في سفينة نوح ﵇، ولذلك يجب على المرء أن يؤمن وألا يعرض كما أعرض من قبله فدمرهم الله.
стр. 1612
تفسير قوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)
قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩].
وقرئ: ((وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ)) بالرفع.
منازل أي: مراحل ودرجات وأزمان، فالقمر يتنقل في منازل تعد ثمانية وعشرين منزلاً، هذا القمر يبتدئ هلالاً ثم يكبر إلى أن يُصبح قمراً في الليالي الأضحيانية في اليوم الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، ثم يتراجع بعد ذلك حتى يصبح كما كان، فقال الله تعالى: وكذلك جعلنا لهم القمر من المعجزات والبينات على قدرة الله وإرادته، وأنه القادر على كل شيء، والمقدر لكل شيء والعليم به.
فقوله تعالى: ((وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ)) أي: جعل له قدراً ووقتاً وزمناً لا يتخطاه ولا ينقص ولا يزداد، إلى أن ينتهي وينتهي معه العالم كله.
قوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.
أي: كما كان يعود، كان هلالاً فسيعود هلالاً، ثم يختفي، ثم يعود، وهكذا.
والعرجون: عنقود التمر الذي فيه الشماريخ، ذلك العود الأصفر الذي يحمل العذق والعنقود من التمر إذا بلي وأصبح قديماً تجده قد انتهى، وأصبح على شكل الهلال، والله شبّه به القمر، والقرآن نزل بلغة العرب، فتشابيهه واستعاراته حسب قواعد لغة العرب.
وذلك العود الذي هو أصل العذق والعنقود من التمر الذي يكون فيه تلك الشماريخ عندما يُقطع من نخلته ويُترك حولاً تجده قد التوى واستدار، وأصبح كهيئة الهلال.
فقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] أي: فمن صنع ذلك؟ من خلقه؟ أليس ذلك علامة ودلالة على قدرة الله المنفرد بها، القادر على كل شيء ﷻ وعز مقامه؟
стр. 1613
تفسير قوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر)
قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠].
الشمس أي: النهار، لن يدرك القمر ولن يدخل فيه، ولن تكون شمس وليل، ولا ليل وشمس، فإذا حصل ذلك فمعناه أن الدنيا قد آلت إلى البوار والفناء، وأنهى الله طبيعتها ونظمها فستصبح كالعهن المنفوش، فلا جبال ولا سماء، ولا أرض ولا وهاد، ولا شيء يتحرك، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
قوله: ((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا)).
أي: لا ينبغي لها ولا يليق، وليس ذلك من قدرتها وإرادتها، وما أُمرت به وسخّرت له: أن تكون الشمس للنهار، وأن تكون الظلمة لليل، فلا هذا يسبق هذا، ولا هذا يسبق هذا، فإذا كانت الشمس فلا يكون الليل، وإذا كان الليل فلا تكون الشمس، فلا يسبق هذا هذا حتى يتداخلان ويصبح الليل نهاراً، لن يكون ذلك أبداً ولن يختلط.
ولذلك فإن كل ما في الكون خلقه الله على نظام دقيق بالثواني لا تزيد ثانية ولا تنقص، إلى أن يقدّر الله فناء العالم، وقد مضت دهور وعصور قبل أن يكون الدهر والعصر، وكان الله ولا شيء معه، وسيبقى ولا شيء معه، ثم خلق العرش، ثم خلق الماء، وكان العرش على الماء، وخلق الأرض والسماوات في ستة أيام، فما خلقه فهو على نظام كبير دقيق، وسيبقى كذلك إلى أن يشاء الله ﷻ فناء العالم والكون.
((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ)) أي: لن يدخل أحد في حساب أحد، ولن يكون ليل ونهار في آن وزمن واحد، فالليل بنظام، والنهار بنظام، وهما يجريان متتابعين أبداً وسرمداً، ويتسابقان ويبقى أحدهما سابقاً للآخر، ينتهي الليل فتشرق الشمس، وتغرب الشمس فيكون الليل.
فالمعنى: وآية أيضاً وعلامة ودلالة على قدرة الله هذه الشمس وهذا الليل اللذان لا يتداخلان، واللذان لا يخرب نظامهما، ولا يدخل أحدهما في الآخر، بحيث يصبح الليل نهاراً والعكس، ولن يكون ذلك أبداً، فإن كان فهي نهاية العالم عندما تُشرق الشمس من مغربها.
قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠].
(وكل) أي: الشمس والقمر كلاهما، فالتنوين تنوين عوض.
(فلك): قال عبد الله بن عباس: فلك كفلك الرحى، أو كفلك المغزل وهو المحور.
فهذه الشمس وهذا القمر يجريان خلف بعض ما دامت الدنيا لم تفن، ولم يدمرها الله، ولم يقض بنهايتها، فهي هكذا باستمرار، القمر على حدة، والشمس على حدة، والقمر وما فيه يدور ويسبح في الفضاء، كما أن الشمس تسبح في الفضاء، لا يتداخلان ولا يخرب نظامهما ما لم يرد الله فناء العالم، وهكذا دواليك أبداً إلى أن يُنهي الله الكون ويفنيه: ((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ)) أي: الشمس والقمر ((فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) أي: في محور وفي مغزل، هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا.
стр. 1614
تفسير قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون)
قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
يقول ﷻ : ومن آيات الله وقدرته: ((أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ)) وقرئ: ((ذُرِّيَّاتِهِمْ)) وهي قراءة نافع وورش.
قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
الفلك: جمع سفينة، ولا مفرد له من لفظه، فإذا أردنا المفرد نقول: سفينة، وإذا أردنا الجمع نقول: فلك وسفن.
والذرية تُطلق على الآباء والأجداد وتُطلق على الأبناء والأحفاد، وكل منا هو ذرية لأبيه، فأنا ذرية لأبي كما أن ولدي ذرية لي، وهكذا دواليك، والذرية من الذرأ أي: ذرأ الله الآباء والأجداد من آبائهم، وذرأ أولادهم وأحفادهم وأسباطهم منهم، ومعنى الآية: وآية لهم أنا حملنا آباءهم وأجدادهم الذين ذرأهم الله منهم في الفلك المشحون، وأل للعهد، أي: المعهود، وهو الفلك الذي حمل فيه نوح من آمن به وحمل نفسه، فالله ﷻ يخبر أنه عندما عاقب قوم نوح بأن أغرقهم وأفاض عليهم الدنيا حتى غرقوا، وأنقذ نوحاً ومن آمن معه، وكما قال ربنا: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] فكان من آمن به قلة، قيل: اثنا عشر، وأكثر ما قيل: سبعون.
فنحن قد حُملنا في أصلاب آبائنا وأجدادنا عندما ركبوا مع نوح في السفينة، وعندما أغرق الله قومه الذين طغوا.
ومع طول المدة التي دعا فيها نوح قومه لم يستجيبوا، حيث لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، إلى أن ضجر فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] فاستجاب الله دعاءه، وصعد السفينة، ولم يصعدها أحد أولاده ممن لم يؤمن به، وغرق فيمن غرق، وهلك فيمن هلك، فنحن أبناء نوح ومن حُمل معه في هذه السفينة، فمن آيات الله أننا لم نفن قبل أن نوجد، ولو فني آباؤنا وغرقوا، ولم يحمل نوح من حُمل معه لما وجدنا نحن، لكن الله حملنا في سفينة نوح، وكنا نسماً وذراً في أصلاب الآباء والأجداد إلى أن تناقل ذلك وتسلسل إلى أبينا المباشر وأمنا.
وهكذا الله يلفت أنظارنا بهذا المعنى الدقيق، ويقول: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
(في الفلك) أي: في السفينة.
(المشحون) أي: المليئة العامرة بمن عمرها نوح، حيث عمرها بمن آمن معه، ومن كل خلق زوجين من الدواب والمواشي، ومن الطير والهوام، فكانت مشحونة مليئة عامرة، فنحن من ذرية وسلالة أولئك.
стр. 1615
تفسير قوله تعالى: (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون)
قال تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢].
كانت سفينة نوح أول سفينة صُنعت في الأرض، حيث ألهم الله نوحاً لينجو عليها هو ومن معه من المؤمنين، وحمل من كل شيء زوجين؛ ليجدد الله الحياة على الأرض كما خلق آدم وجعل منه الأصلاب والذرية، فغرق من غرق، وجدد الله الحياة في هذه الأرض بما حملته سفينة نوح.
ومن هنا عندما نتكلم ونقول بأن النبي ﵊ جعل لنا الحج وما فيه من المناسك إنما هي ذكرى لوجود إسماعيل وذكرى لولادته وخروجه، فإسماعيل جاء به أبوه مع أمه وتركه رضيعاً إلى أن كاد يموت عطشاً، فلم يجد ماء ليشربه، فذهبت أمه وهي تسعى بين الصفا والمروة لتبحث عن ماء، إلى أن رأت طيراً يُحلّق فوق الوليد فقالت: لا يكون الطير إلا حيث الماء، فجاءت تجري فوجدت ماء، فلو مات إسماعيل لما كان محمد، فإسماعيل هو الجد العالي بعد إبراهيم لنبينا ﵊، فكان السعي بين الصفا والمروة سبعاً نُسكاً من مناسك الحج وذكرى لذلك؛ لأن الله تعالى لو أمات إسماعيل لما كان محمد.
ورأى إبراهيم أنه يذبح ولده، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] فلو ذُبح إسماعيل لما كان محمد، وكان هذا في منى فأصبح رمي الجمرات في منى ذكريات، كلما رمينا وسعينا نذكر أنه لو ذهبت حياة إسماعيل لما وجد محمد، ولو مات إسماعيل في المرتين لما كان رسول الله ﵊.
وهذا من ذاك، فلولا أن الله أبقى آباءنا الذين آمنوا وأسلموا مع نوح وحُملوا في السفينة لما وجدنا نحن، فنحن حُملنا مع آبائنا ذراً في أصلابهم، إلى أن جاء هذا الوقت فخُلقنا وخرجنا إلى هذا الوجود.
ومن هذا قول الله لنبيه ﵊: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] فلا يزال الله تعالى يقلبه -كما قال النبي ﵊ من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة حتى خرج مصفى ﷺ ، وهذا كذلك من ذاك، حيث بقيت ذرية نبينا من أبيه إلى عدنان إلى إسماعيل إلى إبراهيم إلى نوح؛ وهذه الأصلاب تتناقل نسمته، إلى أن خرج ﷺ إلى هذا الوجود، سيد الأنبياء والرسل وخاتمهم ﵊.
وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢].
أي: وخلق لنا بعد ذلك السفن على مثال سفينة نوح، فأصبحنا نقطع بها البحار والقارات ضرباً في الأرض للتجارة وطلب الرزق وطلب العلم، ولمعرفة آلاء الله في الأرض، ولمعرفة ما تبقى من الأولين وما قطع ممن خرّبهم الله وعاقبهم ودمّرهم؛ مما يزيد المؤمن توحيداً وإيقاناً؛ وهكذا السفن أداة لذلك.
وفُسِّرت كذلك ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] أي: خلق الإبل، والعرب تقول للإبل قديماً: سفن الصحراء، أي: ما تفعله السفن في البحار كانت تفعله الإبل في البراري.
ولكن الله قد قال لنا بعد ذلك -وهذا من المعجزات القرآنية التي أدركناها نحن ولم يدركها آباؤنا، وما أكثرها- حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] والعشار: الإبل الحوامل، وكان مفسرونا السابقون يفسرون هذه الفقرة من الآية الكريمة أنها ستنتهي الإبل، وبانتهائها ينتهي كل حي؛ إذ معنى ذلك أنه لا تبقى رحلة، ولا يبقى سفر، ولا يبقى من يضرب في الأرض! وليس الأمر كما ظنوا، فنحن نعيش اليوم والعشار قد عُطّلت، والدنيا لم تنته، نحن نعيش في بلد النوق والإبل والجمال؛ لكن من منا ركبها؟ من منا تنقّل عليها؟ آباؤنا كانوا يقطعون ما بين مكة والمدينة في عشرة أيام أو تزيد، ونحن نقطع المسافة الآن في نصف ساعة، ونحن طائرون في الجو، والعشار عُطّلت؛ فلم تجد إلا ما كان من بعض الجبال التي لم تصلها السيارات بعد، ولم تُصلح طرقها في أرض الإبل والنوق من مثل المغرب.
وقد أشار الله إلى ذلك في آية أخرى، عندما تعطل الإبل وينتهي عملها، فذكر لنا أنواع المركوبات فقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] فقد قال حبر القرآن ابن عباس ﵁: ما عطف الله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ على أنواع المركوبات حتى كان من جنسها.
قال هذا فهماً ووعياً، وقد صح هذا بعد ألف وأربعمائة عام أو قريب من ذلك، فنحن الآن نركب الخيل والحمير والطائرة والصاروخ والباخرة وجميع أنواع المركوبات مما كان بعضه لا يعلم عند أجدادنا، ومع ذلك نبقى نقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
ومن أنواع المركوبات ما نعرفه اليوم مما لم يكن يخطر ببال أحد من آبائنا قبل، وإن كان النبي أيضاً قد أشار إلى ذلك ﵊، وأن عيسى عندما ينزل إلى الأرض في آخر الزمان سينزل على دين محمد صلى الله عليه وعلى آله، فيأتم بإمام المسلمين، ويحج حج المسلمين، وأخبر أنه سيأتي مكة على غير الغلف، والغلف جمع غلوف وهي: الإبل الرواحل، وكونه لا يحج على الغلف معناه أنه يحج على الطائرات، وقد تكون الطائرات في وقته نوعاً آخر أسرع من هذه الموجودة الآن.
следующие страницы →