Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
تفسير سورة يس [٣٩ - ٤٦]
يتابع الله ذكر الآيات والدلائل على قدرته ووحدانيته، ومنها تقدير منازل القمر طوال الشهر حتى يعود كالعرجون، ومنها أنه حملنا في أصلاب آبائنا المؤمنين في سفينة نوح ﵇، ولذلك يجب على المرء أن يؤمن وألا يعرض كما أعرض من قبله فدمرهم الله.
стр. 1612
تفسير قوله تعالى: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)
قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩].
وقرئ: ((وَالْقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ)) بالرفع.
منازل أي: مراحل ودرجات وأزمان، فالقمر يتنقل في منازل تعد ثمانية وعشرين منزلاً، هذا القمر يبتدئ هلالاً ثم يكبر إلى أن يُصبح قمراً في الليالي الأضحيانية في اليوم الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، ثم يتراجع بعد ذلك حتى يصبح كما كان، فقال الله تعالى: وكذلك جعلنا لهم القمر من المعجزات والبينات على قدرة الله وإرادته، وأنه القادر على كل شيء، والمقدر لكل شيء والعليم به.
فقوله تعالى: ((وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ)) أي: جعل له قدراً ووقتاً وزمناً لا يتخطاه ولا ينقص ولا يزداد، إلى أن ينتهي وينتهي معه العالم كله.
قوله: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.
أي: كما كان يعود، كان هلالاً فسيعود هلالاً، ثم يختفي، ثم يعود، وهكذا.
والعرجون: عنقود التمر الذي فيه الشماريخ، ذلك العود الأصفر الذي يحمل العذق والعنقود من التمر إذا بلي وأصبح قديماً تجده قد انتهى، وأصبح على شكل الهلال، والله شبّه به القمر، والقرآن نزل بلغة العرب، فتشابيهه واستعاراته حسب قواعد لغة العرب.
وذلك العود الذي هو أصل العذق والعنقود من التمر الذي يكون فيه تلك الشماريخ عندما يُقطع من نخلته ويُترك حولاً تجده قد التوى واستدار، وأصبح كهيئة الهلال.
فقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩] أي: فمن صنع ذلك؟ من خلقه؟ أليس ذلك علامة ودلالة على قدرة الله المنفرد بها، القادر على كل شيء ﷻ وعز مقامه؟
стр. 1613
تفسير قوله تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر)
قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠].
الشمس أي: النهار، لن يدرك القمر ولن يدخل فيه، ولن تكون شمس وليل، ولا ليل وشمس، فإذا حصل ذلك فمعناه أن الدنيا قد آلت إلى البوار والفناء، وأنهى الله طبيعتها ونظمها فستصبح كالعهن المنفوش، فلا جبال ولا سماء، ولا أرض ولا وهاد، ولا شيء يتحرك، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
قوله: ((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا)).
أي: لا ينبغي لها ولا يليق، وليس ذلك من قدرتها وإرادتها، وما أُمرت به وسخّرت له: أن تكون الشمس للنهار، وأن تكون الظلمة لليل، فلا هذا يسبق هذا، ولا هذا يسبق هذا، فإذا كانت الشمس فلا يكون الليل، وإذا كان الليل فلا تكون الشمس، فلا يسبق هذا هذا حتى يتداخلان ويصبح الليل نهاراً، لن يكون ذلك أبداً ولن يختلط.
ولذلك فإن كل ما في الكون خلقه الله على نظام دقيق بالثواني لا تزيد ثانية ولا تنقص، إلى أن يقدّر الله فناء العالم، وقد مضت دهور وعصور قبل أن يكون الدهر والعصر، وكان الله ولا شيء معه، وسيبقى ولا شيء معه، ثم خلق العرش، ثم خلق الماء، وكان العرش على الماء، وخلق الأرض والسماوات في ستة أيام، فما خلقه فهو على نظام كبير دقيق، وسيبقى كذلك إلى أن يشاء الله ﷻ فناء العالم والكون.
((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ)) أي: لن يدخل أحد في حساب أحد، ولن يكون ليل ونهار في آن وزمن واحد، فالليل بنظام، والنهار بنظام، وهما يجريان متتابعين أبداً وسرمداً، ويتسابقان ويبقى أحدهما سابقاً للآخر، ينتهي الليل فتشرق الشمس، وتغرب الشمس فيكون الليل.
فالمعنى: وآية أيضاً وعلامة ودلالة على قدرة الله هذه الشمس وهذا الليل اللذان لا يتداخلان، واللذان لا يخرب نظامهما، ولا يدخل أحدهما في الآخر، بحيث يصبح الليل نهاراً والعكس، ولن يكون ذلك أبداً، فإن كان فهي نهاية العالم عندما تُشرق الشمس من مغربها.
قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠].
(وكل) أي: الشمس والقمر كلاهما، فالتنوين تنوين عوض.
(فلك): قال عبد الله بن عباس: فلك كفلك الرحى، أو كفلك المغزل وهو المحور.
فهذه الشمس وهذا القمر يجريان خلف بعض ما دامت الدنيا لم تفن، ولم يدمرها الله، ولم يقض بنهايتها، فهي هكذا باستمرار، القمر على حدة، والشمس على حدة، والقمر وما فيه يدور ويسبح في الفضاء، كما أن الشمس تسبح في الفضاء، لا يتداخلان ولا يخرب نظامهما ما لم يرد الله فناء العالم، وهكذا دواليك أبداً إلى أن يُنهي الله الكون ويفنيه: ((لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ)) أي: الشمس والقمر ((فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) أي: في محور وفي مغزل، هذا خلف هذا، وهذا خلف هذا.
стр. 1614
تفسير قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون)
قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
يقول ﷻ : ومن آيات الله وقدرته: ((أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ)) وقرئ: ((ذُرِّيَّاتِهِمْ)) وهي قراءة نافع وورش.
قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
الفلك: جمع سفينة، ولا مفرد له من لفظه، فإذا أردنا المفرد نقول: سفينة، وإذا أردنا الجمع نقول: فلك وسفن.
والذرية تُطلق على الآباء والأجداد وتُطلق على الأبناء والأحفاد، وكل منا هو ذرية لأبيه، فأنا ذرية لأبي كما أن ولدي ذرية لي، وهكذا دواليك، والذرية من الذرأ أي: ذرأ الله الآباء والأجداد من آبائهم، وذرأ أولادهم وأحفادهم وأسباطهم منهم، ومعنى الآية: وآية لهم أنا حملنا آباءهم وأجدادهم الذين ذرأهم الله منهم في الفلك المشحون، وأل للعهد، أي: المعهود، وهو الفلك الذي حمل فيه نوح من آمن به وحمل نفسه، فالله ﷻ يخبر أنه عندما عاقب قوم نوح بأن أغرقهم وأفاض عليهم الدنيا حتى غرقوا، وأنقذ نوحاً ومن آمن معه، وكما قال ربنا: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] فكان من آمن به قلة، قيل: اثنا عشر، وأكثر ما قيل: سبعون.
فنحن قد حُملنا في أصلاب آبائنا وأجدادنا عندما ركبوا مع نوح في السفينة، وعندما أغرق الله قومه الذين طغوا.
ومع طول المدة التي دعا فيها نوح قومه لم يستجيبوا، حيث لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، إلى أن ضجر فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] فاستجاب الله دعاءه، وصعد السفينة، ولم يصعدها أحد أولاده ممن لم يؤمن به، وغرق فيمن غرق، وهلك فيمن هلك، فنحن أبناء نوح ومن حُمل معه في هذه السفينة، فمن آيات الله أننا لم نفن قبل أن نوجد، ولو فني آباؤنا وغرقوا، ولم يحمل نوح من حُمل معه لما وجدنا نحن، لكن الله حملنا في سفينة نوح، وكنا نسماً وذراً في أصلاب الآباء والأجداد إلى أن تناقل ذلك وتسلسل إلى أبينا المباشر وأمنا.
وهكذا الله يلفت أنظارنا بهذا المعنى الدقيق، ويقول: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١].
(في الفلك) أي: في السفينة.
(المشحون) أي: المليئة العامرة بمن عمرها نوح، حيث عمرها بمن آمن معه، ومن كل خلق زوجين من الدواب والمواشي، ومن الطير والهوام، فكانت مشحونة مليئة عامرة، فنحن من ذرية وسلالة أولئك.
стр. 1615
تفسير قوله تعالى: (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون)
قال تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢].
كانت سفينة نوح أول سفينة صُنعت في الأرض، حيث ألهم الله نوحاً لينجو عليها هو ومن معه من المؤمنين، وحمل من كل شيء زوجين؛ ليجدد الله الحياة على الأرض كما خلق آدم وجعل منه الأصلاب والذرية، فغرق من غرق، وجدد الله الحياة في هذه الأرض بما حملته سفينة نوح.
ومن هنا عندما نتكلم ونقول بأن النبي ﵊ جعل لنا الحج وما فيه من المناسك إنما هي ذكرى لوجود إسماعيل وذكرى لولادته وخروجه، فإسماعيل جاء به أبوه مع أمه وتركه رضيعاً إلى أن كاد يموت عطشاً، فلم يجد ماء ليشربه، فذهبت أمه وهي تسعى بين الصفا والمروة لتبحث عن ماء، إلى أن رأت طيراً يُحلّق فوق الوليد فقالت: لا يكون الطير إلا حيث الماء، فجاءت تجري فوجدت ماء، فلو مات إسماعيل لما كان محمد، فإسماعيل هو الجد العالي بعد إبراهيم لنبينا ﵊، فكان السعي بين الصفا والمروة سبعاً نُسكاً من مناسك الحج وذكرى لذلك؛ لأن الله تعالى لو أمات إسماعيل لما كان محمد.
ورأى إبراهيم أنه يذبح ولده، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] فلو ذُبح إسماعيل لما كان محمد، وكان هذا في منى فأصبح رمي الجمرات في منى ذكريات، كلما رمينا وسعينا نذكر أنه لو ذهبت حياة إسماعيل لما وجد محمد، ولو مات إسماعيل في المرتين لما كان رسول الله ﵊.
وهذا من ذاك، فلولا أن الله أبقى آباءنا الذين آمنوا وأسلموا مع نوح وحُملوا في السفينة لما وجدنا نحن، فنحن حُملنا مع آبائنا ذراً في أصلابهم، إلى أن جاء هذا الوقت فخُلقنا وخرجنا إلى هذا الوجود.
ومن هذا قول الله لنبيه ﵊: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء:٢١٩] فلا يزال الله تعالى يقلبه -كما قال النبي ﵊ من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة حتى خرج مصفى ﷺ ، وهذا كذلك من ذاك، حيث بقيت ذرية نبينا من أبيه إلى عدنان إلى إسماعيل إلى إبراهيم إلى نوح؛ وهذه الأصلاب تتناقل نسمته، إلى أن خرج ﷺ إلى هذا الوجود، سيد الأنبياء والرسل وخاتمهم ﵊.
وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢].
أي: وخلق لنا بعد ذلك السفن على مثال سفينة نوح، فأصبحنا نقطع بها البحار والقارات ضرباً في الأرض للتجارة وطلب الرزق وطلب العلم، ولمعرفة آلاء الله في الأرض، ولمعرفة ما تبقى من الأولين وما قطع ممن خرّبهم الله وعاقبهم ودمّرهم؛ مما يزيد المؤمن توحيداً وإيقاناً؛ وهكذا السفن أداة لذلك.
وفُسِّرت كذلك ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] أي: خلق الإبل، والعرب تقول للإبل قديماً: سفن الصحراء، أي: ما تفعله السفن في البحار كانت تفعله الإبل في البراري.
ولكن الله قد قال لنا بعد ذلك -وهذا من المعجزات القرآنية التي أدركناها نحن ولم يدركها آباؤنا، وما أكثرها- حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٤] والعشار: الإبل الحوامل، وكان مفسرونا السابقون يفسرون هذه الفقرة من الآية الكريمة أنها ستنتهي الإبل، وبانتهائها ينتهي كل حي؛ إذ معنى ذلك أنه لا تبقى رحلة، ولا يبقى سفر، ولا يبقى من يضرب في الأرض! وليس الأمر كما ظنوا، فنحن نعيش اليوم والعشار قد عُطّلت، والدنيا لم تنته، نحن نعيش في بلد النوق والإبل والجمال؛ لكن من منا ركبها؟ من منا تنقّل عليها؟ آباؤنا كانوا يقطعون ما بين مكة والمدينة في عشرة أيام أو تزيد، ونحن نقطع المسافة الآن في نصف ساعة، ونحن طائرون في الجو، والعشار عُطّلت؛ فلم تجد إلا ما كان من بعض الجبال التي لم تصلها السيارات بعد، ولم تُصلح طرقها في أرض الإبل والنوق من مثل المغرب.
وقد أشار الله إلى ذلك في آية أخرى، عندما تعطل الإبل وينتهي عملها، فذكر لنا أنواع المركوبات فقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] فقد قال حبر القرآن ابن عباس ﵁: ما عطف الله ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ على أنواع المركوبات حتى كان من جنسها.
قال هذا فهماً ووعياً، وقد صح هذا بعد ألف وأربعمائة عام أو قريب من ذلك، فنحن الآن نركب الخيل والحمير والطائرة والصاروخ والباخرة وجميع أنواع المركوبات مما كان بعضه لا يعلم عند أجدادنا، ومع ذلك نبقى نقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
ومن أنواع المركوبات ما نعرفه اليوم مما لم يكن يخطر ببال أحد من آبائنا قبل، وإن كان النبي أيضاً قد أشار إلى ذلك ﵊، وأن عيسى عندما ينزل إلى الأرض في آخر الزمان سينزل على دين محمد صلى الله عليه وعلى آله، فيأتم بإمام المسلمين، ويحج حج المسلمين، وأخبر أنه سيأتي مكة على غير الغلف، والغلف جمع غلوف وهي: الإبل الرواحل، وكونه لا يحج على الغلف معناه أنه يحج على الطائرات، وقد تكون الطائرات في وقته نوعاً آخر أسرع من هذه الموجودة الآن.
стр. 1616
تفسير قوله تعالى: (وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون)
قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣].
يخبر تعالى أنه عندما تكون هذه السفن في البحار إن يشأ يغرقها بهم، ويجعلها مواجهة لبلاء إلى أن تغرق بين أمواج البحار.
((فَلا صَرِيخَ لَهُمْ)).
أي: لا من يصرخ لهم ولا من ينقذهم وينجيهم من قدرتنا وإرادتنا.
﴿وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣].
إذا لم يُنقذهم الله ولم يخرجهم من البحر فلن يخرجهم أحد، وكما أجاب عمرو بن العاص عمر بن الخطاب ﵄ عندما سأله عن البحر؟ قال: يا أمير المؤمنين! هو دود على عود (على السفن) من دخله مفقود، ومن خرج منه مولود، قال: والله لن أُركب جندي ولا جيوشي البحار ما دمت حياً.
فخاف أن ينكبهم البحر، فيكونوا دوداً على عود، وأكثر ما فتح من العالم في أيام عمر، فهو الذي فتح الشام والعراق، وهو الذي فتح فارس، وهو الذي فتح المغرب ومصر، حيث كان البر متصلاً فلم يحتج إلى البحر، ولم يكن البحر وركوبه إلا بعد ذلك.
ولو تذكر عمر ﵁ قول النبي ﷺ كما في الصحاح: (ستخاض البحار بذكر الله وبلا إله إلا الله) لما منع ركوبه، فقد أخبر النبي ﵊ أن الإسلام سينتشر براري وبحاراً، جبالاً وتلالاً، وهاداً وسهولاً، صحاري وغيرها، عن طريق البحر، وقد كان ذلك كما قال ﵊، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
стр. 1617
تفسير قوله تعالى: (إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين)
قال تعالى: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس:٤٤].
أي: إلا إذا رحمناهم وأنقذناهم ولم نغرقهم.
قوله: ((وَمَتَاعًا)) أي: نفعل ذلك متاعاً نمتعهم به ((إِلَى حِينٍ)) أي: إلى اليوم الموعود وهو الموت.
فيمتعهم الله بالحياة وبما في الأرض من شهوات، وبما يكرم الله عباده من عبادة وصلة، ولكن كل ذلك لم يكن أبداً في دار الدنيا، ولن يكون إلا إلى أجل مسمى عنده لا يعلمه إلا هو؛ فهو ﷻ يظهر امتنانه على عبده؛ ليشكر وليحمد، ويزداد إيماناً بالله أن هذه البحار سخرها الله لنا لنركبها على هذه الأخشاب وهذه الحدائد على أي شكل كان نوعها.
فنحن قد ركبنا البحار منذ ثلاثين عاماً إلى أن كثر الطيران بأنواعه فاستغنينا عن ذلك، فكنا نركب -وخاصة المحيط- وإذا بالموجة تكون كأنها الجبل، وترى السفينة تمر بين جبلين، ثم تتلاطم الأمواج وإذا بالسفينة كريشة في مهب الرياح، وقد مضت علينا أيام نرى أنفسنا فيها في حكم الموتى.
على أن هذا يكون كذلك في الطائرات، فكم تلاعبت بنا الرياح في الطائرات! وكم قضت بنا بين السحب والغمام! ولكن الله تعالى هو المنجي (ونعم الحادث الأجل) كما يقول المثل؛ فما دام الأجل لم ينته بعد، وساعة الموت لم تحن، فالمرء محروس بحراسة الله سواء ركب الأجواء أو ركب البحار أو ركب الصحاري أو أي شيء كان.
أما إذا جاء الأجل فقد يموت بغير سبب، وقد يموت بسكتة، وقد يموت بسقوط من أعلى.
стр. 1618
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس:٤٥].
أين جواب (إذا)؟
الجواب
أعرضوا عنه، وهو مفهوم من الآية الثانية.
((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ)).
أي: قيل لهؤلاء الكافرين الجاحدين، والمعنى: إذا قالت الملائكة، أو قالت أنبياؤهم، أو علماؤهم، أو قال الدعاة إلى الله لهم: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس:٤٥] أي: اجعلوا وقاية من طاعة الله فيما بين أيديكم، وفيما سبق من معصية العصاة وطغيان الطغاة وكفر الكافرين، وقد أخذتم من تواريخهم وقصصهم عبرة، فأطيعوا الله واعبدوه، ولا تفعلوا المعاصي، ولا تخالفوا الله في كتابه، ولا النبي ﷺ في سنته: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس:٤٥] أي: إن أنتم فعلتم ذلك.
والجواب المفهوم من الآية أنهم عصوا وأعرضوا كما سيأتي في الآية التالية.
стр. 1619
تفسير قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم)
قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس:٤٦].
أي: كما أعرضوا عندما أمروا من أنبيائهم ومن كتب ربهم، ومن دعوة علمائهم أن يتقو الله ويبتعدوا عما مضى في حياتهم من السوء، فأعرضوا عندما أتتهم آيات ربهم.
وفسّرت الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس:٤٥] أي: ما يستقبل من أيامكم.
(وما خلفكم) أي: ما سبق في الأيام الماضية أيام الكفر أو أيام المعصية، وعلى كل اعتبار فالمؤدى واحد، وهو أن الله أمر هؤلاء بأن يتوبوا لله عما مضى من ذنوب وفيما سيأتي منها، وأن يوحدوا الله كل حياتهم، وأن يكفروا بالأوثان والأصنام، وأن يخصوا الله وحده بالعبادة، فإن فعلوا ذلك حببهم الله إلى ذلك وحثهم عليه إن فعلوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس:٤٥].
و (لعل) في القرآن للتحقيق، على خلاف المعهود في لغة العرب: أنها للترجي، ولكن الله أكرم من أن يرّجي أحداً ولا يفعل، ولكن الآية في القرآن معلقة ومقيدة فيما إذا اتقى الإنسان الذنوب والمعاصي، وجعل بينه وبينها وقاية، ففعل الواجبات وترك المنكرات جميعها؛ لعل الله تعالى فيما مضى وفيما هو باق من حياته يرحمه إن فعل ذلك.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس:٤٦] أي: على كثرة ما أتاهم ويأتيهم من آيات ومعجزات، ودلائل قاطعة على صدق أنبيائه وعلى قدرة الله وإرادته في كل شيء، فهو القادر على الخلق والإماتة، وقد رأينا ذلك في النبات والمطر، ورأينا ذلك في أنفسنا: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
стр. 1620
تفسير سورة يس [٤٧ - ٥٤]
المال مال الله والخلق خلقه والرزق من إفضاله، وهو يمتحن الناس بالمال ثم يأمرهم بالإنفاق، لكن الكافرين يرفضون ويقولون: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه، وهم بذلك يكونون كفاراً جاحدين، وستأتيهم الصعقة فتأخذهم حتى يحشرون إلى ربهم فيعذبون.
стр. 1621
تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٤٧].
أي: وإذا قيل للأغنياء من هؤلاء كافرين أو منافقين أو بخلاء من المسلمين ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس:٤٧] أي: أنفقوا من مال الله الذي آتاكم، فالمال مال الله، والخلق خلق الله، وإنما نُعطي مما أعطانا الله، فلقد خرجنا إلى الدنيا عراة لا نملك ثوباً ولا مالاً، ولا نملك عقلاً ولا إرادة، ولكن بعد ذلك رزقنا الله العقل والقوة والمال والعلم، فلِمَ نبخل على خلق الله وعباد الله بما أعطانا الله؟! قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [يس:٤٧].
أي: قال المشركون الذين جحدوا نعمة الله من البخلاء والعصاة، ﴿أَنُطْعِمُ﴾ [يس:٤٧] أي: أنرزق ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] أي: من لو يشاء الله رزقه، فنحن رزقنا الله، ولو شاء لهؤلاء الفقراء لرزقهم، فهل سنكون أكثر حناناً ورحمة عليهم من ربهم؟! وهذا كلام جاهل لم يعلم حقاً لنفسه ولا حقاً لربه، فالله قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس:٤٧] فالرزق رزق الله، وقد جعل الله في المال الذي أعطاني حقوقاً أنا أمين عليها وكفيل بها، فهناك حقوق واجبة وفرض كنفقتي على زوجتي وأولادي، وكنفقتي على أبويّ إن كانا محتاجين إلي، وكالنفقة على الأقارب من الأخ والأخت، والخالة والعمة، والعم والخال، وهكذا الأقرب فالأقرب، فهذا المال جعل الله فيه حقاً واجباً هو رزق لأولئك، قال ربنا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة:٦٠] قال العلماء والمفسرون: هذه اللام لام التمليك، أي: جعل الله في مالي سهماً وجزءاً هو حق لأولئك، فعلي أن أُعطيها، فإن لم أفعل فللحاكم أن يأخذها بالقوة، وأكثر من ذلك إذا منع الفقراء عن أخذ حقوقهم وأموالهم التي مُنحوها.
قال فقهاؤنا الأربعة أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والجماهير من علماء الصحابة فمن بعدهم: إذا تواطأ قوم على منع إعطاء حقوق الفقراء والمساكين، فللفقراء الحق أن يحاربوا الأغنياء ويأخذوا المال بالقوة، فمن مات من الممتنع فقد قتله سيف الإسلام فإلى سقر، وإن مات أحد من المطالبين بالحق فيُقتل قاتله.
وأول حرب أهلية في الإسلام كانت حرب أبي بكر ﵁ مع مانعي الزكاة، وكان هذا بعد خلاف لم يتفهموه ولم يعوه كما وعاه أبو بكر، وقد قال عمر لـ أبي بكر: كيف نقاتل قوماً يقولون لا إله إلا الله والنبي ﵊ يقول: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟) فقال له أبو بكر: يا ابن الخطاب! أخوار في الإسلام جبار في الجاهلية؟! أليس من حق لا إله إلا الله أداء الزكاة؟ والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله ﷺ لقاتلهم عليها ما استمسك السيف في يدي.
إن الله قرن بين الصلاة والزكاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فالصلاة حق الله، والزكاة حق الفقراء والمساكين، فلا تصح صلاة بلا زكاة، ولا تصح زكاة بلا صلاة، فكل ذلك حق واجب، وكما أن الصلاة من تركها يُقتل فإن الزكاة من لا يؤديها تؤخذ منه جبراً، فإن تكتلوا وامتنعوا جميعاً يُقاتلون قتال البغاة.
قولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٤٧]: (إن) نافية، والمعنى: لستم إلا في خطأ بيّن ظاهر! هكذا يزعمون! وكما قيل: رمتني بدائها وانسلت، على أن المال الذي رُزقوه هو رزق الله ومال الله؛ ولذلك يقول الله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:٣٣].
عن علي ﵁ قال: إن الله فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء حقوق الفقراء في أموالهم، فحق على الله أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه.
والإسلام صارم في هذا، وليس هناك تردد، فإما الفعل وإما القتل أو القتال، وما الشيوعية في هذا العصر ومصادرة الأملاك إلا عقوبة إلهية لهؤلاء الأغنياء الذين اكتنزوا الأموال، ومنعوا الفقراء حقوقهم؛ فسلّط الله عليهم كافراً لا يرحمهم، وفاسقاً يأخذ أموالهم ويتهمهم بأنهم يسرقون ويزنون، وهكذا يصير حالهم إلى فقر وكأنهم ما ملكوا، ومع ذلك يهانون ويُذلون.
وليست الشيوعية ببعيدة عن أحد ما دام الأغنياء يمنعون الفقراء حقوقهم، ويمسكون عليهم أرزاقهم، ويقولون ما قال هؤلاء الكفار: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه)، فالله قد شاء ذلك في مالك، وأمرك بذلك، وجعل حقوقهم عندك، ولو أدى الأغنياء الحقوق من أموالهم للفقراء لما وجد في المجتمع المسلم فقير ولا محتاج، هذا إذا أعطوا الحقوق الواجبة فقط، فكيف والنبي ﵊ يقول: (إن في المال لحقاً سوى الزكاة)، فيجب أن يعطى الفقراء والمساكين من أموال الأغنياء دولة ومجتمعاً وشعباً، بما يسترهم من سكن عن أعين الناس وعن المارة وعن الشمس وعن القر والقيض، وبما يشبع جوعتهم، ويستر عورتهم، ويعالجون به مريضهم، ويعلمون به أولادهم، وهكذا إلى أن يهيئ الله للأصحاء منهم والقادرين عملاً، فإن لم يجدوا لهم عملاً فعليهم أن ينفقوا عليهم إلى أن يجدوا العمل أو يموتوا، ذاك حق من حقوق الله جعله للفقراء والمساكين ولبقية الناس.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٤٧] زعموا زعمهم وكان هذا الزعم من الشيطان ومن فهمه، فقد ضلّوا ضلالاً واضحاً بيناً.
стр. 1622
تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس:٤٨].
أي: مع جدالهم في حق الله وحقوق الفقراء والمساكين تراهم قد عادوا إلى إنكار البعث، وإلى إنكار النشر والعرض على الله والحياة الثانية، ويقولون هازئين متضاحكين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يس:٤٨].
أي: الوعد بالقيامة وبالحياة الثانية، فمن أتى خيراً فله الخير، ومن أتى بالشر فله الشر.
стр. 1623
تفسير قوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون)
قال تعالى: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩].
فهم لا ينتظرون أن يؤمنوا وأن يستجيبوا ((إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً)) وهذه الصيحة ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩].
والصيحات ثلاث، وإسرافيل هو الملك المكلف بهذه الصيحات الثلاث، فصيحة اسمها صيحة الفزع، والصيحة الثانية: صيحة الصعق، والصيحة الثالثة: صيحة الحياة بعد الموت.
وقد أخبر النبي ﵊ أن إسرافيل قد حنى رأسه على القرن والبوق الذي سينفخ فيه ينتظر أمر الله بذلك.
ونبينا هو أول علامة من علامات الساعة، قال ﷺ : (بعثت والساعة كهاتين: وأشار بالسبابة والوسطى)، فينفخ إسرافيل النفخة الأولى وتسمى نفخة الفزع، أي: أنه يفزع لها كل حي في الأرض، فتجدهم فزعين ذاهلين، وإذ ذاك لا تقوم الساعة إلا على أناس لا يقولون: ربنا الله، ولا تقوم إلا على لكع بن لكع.
فهم يفزعون وتأخذهم أوهام وظنون: لعل هذا الذي بلغنا عن الآباء القدامى أن هناك نفخة وهناك وهناك! فقوله: ((مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً)) تكون من إسرافيل بواسطة القرن، وهو قرن الله أعلم بقدره، أما صوته فيزلزل الأرض حتى يكاد يقتلعها من مكانها.
﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩] وقرئ: ((يَخَصَّمُونَ)) وهي قراءة ورش، ومعناها: يختصمون، أي: يتجادلون ويكونون في بيع وشراء، وأخذ وعطاء، وما يفعله الحي في مكتبه أو في سوقه أو في زراعته أو في داره أو في أي مكان، تأتي الصيحة وهو على هذا الحال؛ فتدعه مذهولاً واجماً لا يدري ماذا بعدها؟! ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩] تأتيهم فجأة، والساعة لا تأتي إلا بغتة.
стр. 1624
تفسير قوله تعالى: (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون)
قال تعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٥٠].
وهنا تكون الصيحة الثانية صيحة الموت، وقد أخبر ﵊ أن الرجل تأتيه الصعقة وهو يحمل اللقمة إلى فيه فلا يكاد يضعها في فيه إلا ويموت، وتأتي الرجل وهو يبيع ويشتري وينشر الثوب وإذا به تبقى يده على الثوب واليد الأخرى على المال.
وهكذا يأتي الموت أحدهم في البيت قائماً، والثاني قاعداً، والثالث يمد يده، والآخر يذرع؛ وهكذا تفجؤهم الساعة وهم في شئون الحياة وإذا بهم قد صعقوا، قال الله عنهم: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٥٠].
فلا يستطيعون أن يوصوا بحقوق ومعاملات كما يوصي الميت عندما يموت، لم يبق هناك وقت ولا زمن، قد أُعجلوا عن ذلك.
﴿وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٥٠].
أي: ولا أن يرجعوا إلى عيالهم وأولادهم ليوصوا أو يموتوا بينهم، تأتي الوفاة هكذا ويأتي الموت.
تكون نفخة الصعق (الموت) فلا وقت للتوصية، ولا وقت للعودة إلى البيت والرجوع ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٥٠].
стр. 1625
تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون)
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١] وهذه النفخة الثالثة، وهي نفخة الحياة، ونفخة البعث بعد الموت، فينفخ إسرافيل وإذا الكل قيام ينظرون.
فقوله: (ينسلون) أي: يجرون، وجاء في الحديث أن ضعيفاً شكا لرسول الله ﵊ ضعفه وما يصنع؟ قال: (عليك بالنسل) ومعنى النسل: الجري، أي: المشي بسرعة والهرولة، ويظهر أنه كان ضعيفاً لعدم التريض وعدم الحركة، فأمره بأن يتحرك ويمشي مسرعاً لعل أعضاءه تتحرك فيشفى ويعود إلى صحته.
((يَنسِلُونَ)) أي: يجرون بسرعة، ومنه النسل، فالأبناء للآباء يعتبرون نسلاً، وإذا بالولد تراه صغيراً فيغيب زمناً فتأتي إليه وتجده قد أصبح رجلاً وأباً، وهو قد جرى من الطفولة إلى الأبوة، ثم تغيب عنه قليلاً وإذا به تجده قد أصبح شيخاً ذا أسباط وأحفاد؛ وهكذا الحياة تجري وتسرع.
قوله: ((فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ)).
الأجداث: جمع جدث وهو القبر، أي: وإذا بهم يقومون من قبورهم يُتبعون إلى حيث العرض، وقد وردت أحاديث أن المحشر والمنشر سيكون في أرض الشام، فمن كان قريباً منها سيكون وصوله بقرب، ومن كان بعيداً منها سيتعب، ومع ذلك لا بد من الوصول طال الزمن أو قصر، وهناك يوم طويل كألف سنة مما تعدون، لو مشى من الألف سنتين مسرعاً على قدميه فسيصل لا محالة، وكم أتى من أناس للحج على أرجلهم من مشرق الأرض ومن مغربها وقد وصلوا ولا شيء عليهم.
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس:٥١].
أي: إذا هم يجرون إلى ربهم وإلى العرض عليه والقضاء إلى أخذ الظالم بظلمه، وإلى مكافأة المحسن برحمته وجنته إلى أن يقفوا بين يدي الله، واليوم شديد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] يشتد عرق الواقفين المعروضين على الله يعرقون عرقاً حتى يغرق بعضهم في غرقه إلى ركبته، والبعض إلى سرته، والبعض إلى جميع ترقوته ويبقى غارقاً ولن يموت؛ لأنه انتهى الموت، ولكن يبقى يعذّب، وتكون هناك منقبة وفضيلة في هذا اليوم، يقول النبي ﵊: (المؤذنون يوم القيامة أطول الناس أعناقاً)، فمن لم يفهم الحديث يقول: وما فضيلة طول العنق؟ أهو شيء جميل؟ وفضل هذا هو عندما يعرق الناس يوم العرض على الله تجد هذا مهما غرق في عرقه تبقى عيناه ومنافذ وجهه بعيدة عن الغرق، وذلك ببركة ما كان يدعو به بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح، ذاك يوم المؤذنين، ومن قبل الله منهم طاعتهم وعبادتهم.
стр. 1626
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا)
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
أي: يقوم هؤلاء الكافرون الذين كانوا ينكرون البعث وهم يرون أنهم قد عاشوا بعد الموت ما كانوا ينكرونه، ثم عادوا وعاشوا في واقعه، فينادون إذ ذاك بالويل والثبور: يا ويلهم! يا ويلهم! أي: ما ينتظرهم من عذاب، والويل: هو مناداة، وهو نهر من القيح والصديد في النار؛ فكأنهم يستعجلون ذلك بغير قصد، فتجد الإنسان إذا تعجب أو خاف من عذاب أو ويل وهو في مستقبل أيامه تجده ينادي: يا ويلاه يا ويلاه يا مصيبتاه! قوله: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢].
أي: من أقامنا؟ من أحيانا؟ من بعثنا وأعادنا للحياة ونحن رقود في هذه الدهور والأزمان المتطاولة.
قوله: ((مِنْ مَرْقَدِنَا)).
المرقد معناه: أنه كان ممداً امتداد الراقد والنائم؛ وهذا ينافي ما هو معلوم من الدين بالضرورة عند من يفهم هكذا، فإن الكافر والعاصي يبقى في قبره يعذّب في روحه إلى أن يُبعث مرة أخرى، ويعذّب جسداً وروحاً، فكيف يهرب من الرقود؟ معناه كان مرتاحاً.
وقد فسّروا الآية بتفسيرين: فـ ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري والجمهور قالوا: المعنى أن هذا الرقود كان يعتبر عذاباً بالنسبة إلى حالهم في الدنيا، أما العذاب المقبل -عذاب النار- الذي وصفه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] فهذا الرقود وهذا العذاب في القبر يعتبر راحة بالنسبة لذلك العذاب.
وقال البعض: وردت آثار في أن ما بين كل نفخة ونفخة أربعون عاماً، فالنفخة الأولى للصعق إلى البعث تبقى أربعين سنة، وفي هذه الحالة يرتفع عنهم العذاب، فيرقدون في راحة لم يروها منذ ماتوا، وإذا بهم عندما يبعثون ويعود النفخ مرة ثانية يتمنون أن لو بقوا رقوداً، وهم قد رأوا البعث والحياة الثانية وكانوا ينكرونها، وقد علموا ما ينتظرهم من عذاب وغضب: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] أي: من موتنا.
وإذا بهم بعضهم يجيب بعض: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
اعترفوا بعد فوات الأوان، وندموا ولات حين مندم، فلا ينفعهم بعد ذلك إيمان، ولا ينفع الإنسان إيمانه إلا إذا كان حياً وقبل أن تصل الروح إلى الحلقوم؛ أما في يوم القيامة فلا ينفع الإيمان بالآخرة وهو يراها، ويعيش بحضورها، هيهات هيهات أن يكون ذلك.
وقوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
أي: هذا وعد الله قد ظهر وتم من الحياة الثانية، ومن البعث والنشور بعد الموت، فها نحن قد بُعثنا وقمنا من قبورنا.
قوله: ((وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)) أي: صدق الأنبياء الذين أرسلهم الله بهذا، وأن هناك حياة ثانية دائمة لا موت فيها، فمن كان في النار فإلى أبد الآباد، ومن كان في الجنة فإلى أبد الآباد، هذا الذي وعد الرحمن ووعد الله ﷻ .
فقوله: ((وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)) أي: الذين جاءونا بهذا وبلغونا إياه.
стр. 1627
تفسير قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة)
قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣].
هذه هي الصيحة الثالثة، ((إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً)) أي: ليست إلا صيحة واحدة في بوق أو في قرن إسرافيل المكلف بذلك، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣].
(فإذا) فيها معنى المفاجأة وهي بمعنى: الاستمرار، ومضى معناها غير مرة في الكثير من الآيات.
قوله: ((فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ)).
أي: فإذا جميع الخلق من آدم وحواء إلى آخرهم في الأرض.
قوله: ((مُحْضَرُونَ)) أي: كلهم يحضرون بين يدي الله ويعرضون على الله للحساب إما إلى جنة وإما إلى نار، إما أن الملائكة قد ساقوهم أو ألهموا ذلك؛ فكان الله هو الذي أخبرهم وأبلغهم ﷻ بما ألهمهم في ذلك، وإن كان المعنى الأظهر بأن الملائكة قد أخذوا يسوقونهم من العرض على الله إلى الحساب والقضاء والحكم بين العباد.
стр. 1628
تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)
قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤].
هذا هو الفصل والقضاء، ((فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)) أي: لا ظلم اليوم، والله قد حرّم الظلم على نفسه وحرمه على عباده، ففي الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، ويقول ﷻ مع هذا الوعيد والتهديد يوم البعث كما وعد أنه لن يظلم أحداً: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
ويبقى فضل الله بالنسبة لمن مات على التوحيد، والموحد الذي مات على التوحيد لن يخاف طال زمانه أو قصر، وقد يغفر الله له ذنوبه، وقد يدخل النار زمناً ثم يعود فيدخل الجنة؛ أما الكافر فقد حرّم الله عليه الجنة، ولا توبة له، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨].
((فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)) والشيء: كلمة تطلق على كل موجود حتى الذرة، كما قال الله في آية أخرى: ((فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) فمن أتى بالخير فله الخير، وله الرضا والجنة، ومن جاء كافراً وقد أصر على الكفر إلى أن هلك فله النار والجحيم، فمن في النار مخلد فيها أبد الآباد، ومن في الجنة مخلد فيها أبد الآباد، والموت يذبح فلا موت بعد ذلك.
стр. 1629
تفسير قوله تعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٥ - ٥٦].
نحن الآن نتكلم وندخل في الكلام على من أنعم الله عليهم، وعلى من مات على الدين والتوحيد، والكفر بالأوثان والأصنام، وهذا صنيع الله دوماً وسنته التي ما تغيرت في كتابه، حيث يكون الكلام على الكافرين مع الكلام على المؤمنين؛ لكي يعيش المؤمن ولا يغتر، ولا يأمن مكر الله؛ ولكي يعيش الكافر ولا ييئس فيرجو رحمة الله، وكما يقول النبي ﵊: (لو علم الكافر ما عند الله من رحمة لطمع في رحمته وجنته، ولو يعلم المؤمن ما عند الله من نقمة وعذاب لشاب وخاف ألا يدخل الجنة)، ولذلك يعيش الإنسان دائماً بين خوف ورجاء، وبين طمع وخوف.
قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥].
يقول ربنا: أما أهل الجنة فهم اليوم في نعيم، والذي يعذب هم أولئك الذين يدخلون النار أبداً وسرمداً، وأهل الجنة هم أصحابها الذين ماتوا على الإيمان مطيعين له في حياته مؤمنين بأنبيائه مطيعين لهم.
стр. 1630
تفسير سورة يس [٥٥ - ٦٧]
بعد أن ذكر الله حال الجاحدين الكافرين يوم القيامة أتبع بذكر أهل الجنة وأنهم في شغل فاكهون، وأن من خالف فاتبع الشيطان وعبده، فإنه يكون من أهل جهنم، والله تعالى قد رفع عن هذه الأمة الخسف والعذاب العام، ولكن الجزاء يوم القيامة للجميع.
стр. 1631
تفسير قوله تعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس:٥٥ - ٥٧].
الله ﷻ كما يقرن المؤمن بالكافر، يقرن الكافر بالمؤمن في الكلام، فيبشر المؤمنين بما أعد لهم في الجنات، وينذر الكافرين بما أعد لهم في النيران والجحيم.
ومضى الكلام على أولئك الجاهلين الكافرين، والآن نتكلم في بيان حال أهل الجنة، فقال ربنا ﷻ : ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥].
أي: إن سكانها وأهلها المقيمين فيها هم في شُغُل.
وقرئ: (شُغْل فاكهون)، أي: مسرورون ومشغولون بالنعيم المقيم الدائم مما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم تشته نفس، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وفيها من كل فاكهة زوجان، وهم فيها أبد الآباد ودهر الداهرين لا يملون.
وأما الكفار الجاحدون الذين كانوا في دار الدنيا يستهزئون بالمؤمنين، وكانوا يشركون بربهم، فها هم اليوم في العذاب المقيم.
وقوله: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ).
أي: هؤلاء المؤمنون يسكنون الجنة هم وأزواجهم ممن كن على طريقتهم ديناً وإسلاماً وطاعة وإيماناً.
وقوله: (فِي ظِلالٍ).
الظلال: جمع ظلة، ويوم القيامة لا شمس ولا حر ولا قر، والظلال هناك أشبه بالصباح قبل أن تشرق الشمس، وأشبه بالعشي حينما تصير الشمس على رءوس الجبال والتلال، هكذا وصف الجنة، لا حر ولا قر، ليس فيها شمس، وإنما هم في الظلال الدائم المستمر.
وقوله: (عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ).
الأرائك: جمع أريكة، والأريكة السرير إذا كان عليه ظلته وحجلته، تلك التي ترى في السرير من فوق، فهم على الأرائك والسرر في غاية ما يكونون من النعيم، وفي غاية ما يكونون من اللذة والتمتع مع الحور العين، وهناك ولدان يخدمونهم كأنهم اللؤلؤ المكنون، وهم دائمون في هذا النعيم.
وقوله: (لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ) أي: لهم فيها من أنواع الفواكه مما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان، فيها من جميع ما تشتهيه النفس، وتلذ العين مما أكرمهم الله به.
والأمر كما قال عبد الله بن عباس: كل ما ذكر في الآخرة من النعيم ليس منه في الدنيا إلا الأسماء، وما عدا ذلك الله أعلم بحقيقته، ولكنه مع ذلك فيه لذة تتمتع بها جميع حواس الإنسان جسداً وروحاً، ولكن تلك اللذائذ وتلك المتع وذلك النعيم المقيم ليس مما في الدنيا شيء يشبهه.
وأتم النعم وأتم اللذائذ رؤية وجه الله الكريم ﷻ ، فهم على السرر متكئون، لهم مساند يستندون عليها من الحرير والديباج الذي يكون في الجنة لمن لم يلبس الحرير في الدنيا، هم متكئون على سرر، وهم في نعيم دائم، وهم في ظلال لا حر فيها ولا قر، ولم يتفرغوا لمكالمة أهل النار ولجوابهم لما هم فيه.
وقوله: (وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) أي: لهم فيها ما يدعونه وما يطلبونه مما يخطر ببالهم، فهو يحضر في الحين، ولا يرد لهم طلب، حتى إن الشجرة المثمرة المثقلة بأنواع الفواكه، إذا اشتهاها ساكن الجنة إذا بها تتدلى إليه، يأخذ منها بغيته وغايته ورغبته، وإذا اشتهى أكل الطير تجده يقع بين يديه مطبوخاً مشوياً على الطريقة التي يريد، وهكذا بقية اللحوم، وكذلك الفواكه وبقية اللذائذ مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
стр. 1632
تفسير قوله تعالى: (سلام قولاً من رب رحيم)
قال الله تعالى: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨].
أي: يسلم عليهم الله ﷻ ، وفي الحديث النبوي الثابت في مسلم: (أن الله يتجلى على سكان الجنة بنور يكاد يخطف الأبصار، فيقول لهم: هل تريدون شيئاً؟ هل تطلبون شيئاً؟ هل أزيدكم؟ فيقولون: يا رب قد رضيت علينا وأعطيتنا من كل ما نتمناه، ومن كل ما يخطر في بالنا، فماذا عسى أن نزداد؟ قال: أريكم وجهي، وإذا بالله الكريم يتجلى لهم فيرونه، فيكون ألذ شيء لهم في الآخرة).
فرؤية الله ألذ من الطعام والشراب واللباس والحور العين وكل ما في الجنة، وتلك هي اللذة الروحية التي إذا حصلت لهم داموا في لذتها وداموا في نعيمها، وعندما أخبر ﵊ أصحابه أنهم سيرون ربهم، قالوا له: (يا رسول الله! كيف نرى ربنا وهو واحد ونحن كثير؟ قال: كما ترون القمر لا تضاهون فيه)، القمر نراه واحداً، ونحن نعد بملايين، بل نعد بالمليارات مع كونه واحداً ونراه جميعاً ولله المثل الأعلى.
وقد قال ﵊: (إنكم ترون ربكم كما ترون القمر لا تضارون في ذلك) وقد قال ربنا ﷻ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، وجوه ترى عليها نضرة النعيم والعافية والنعمة والسرور والبهجة، وفي هذه الحال هي إلى ربها ناظرة، تنظره بأبصارها، وكيفية هذا النظر لا يعلمه إلا الله، وكل ما يخطر ببال فربنا مخالف لذلك، لا يشبهه أحد من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، وما قال ربنا كائن لا محالة، وما أخبر به نبينا كائن لا محالة؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وقد قال قوم من شراح الآية: تقول الملائكة وهي تستقبل أهل الجنة عند الدخول: سلام عليكم من ربكم، وليس هناك تعارض ولا تناقض، فالله ﷻ يسلم عليهم إكراماً لهم ورضاً عنهم، ومع ذلك فالملائكة يسلمون عليهم من ربهم، ويبشرونهم بأنه طابت حياتهم.
فقوله: (سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ) أي: ربنا الخالق الرازق الرحيم بعباده، من استرحمه رحمه، ومن استغفره غفر له، وهكذا أهل الجنة يكونون في رحمات من الله متتالية متتابعة، وفي رضاً من الله دائماً أبدياً.
هذه صفة أهل الجنة.
стр. 1633
تفسير قوله تعالى: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون)
قال الله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩].
خاطب أهل الجنة بالرحمة والرضا من الله وملائكته، وهنا أهل النار خوطبوا باللعنة والغضب والسخط الدائم.
فقوله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]، أي: ليمتز شريركم من خيركم وليبتعد عنه، أي: تميزوا أيها المجرمون عن المسلمين وابتعدوا عنهم، وافترقوا عن أهل الجنة؛ لأنه لا صلة لكم بهم ولا صلة لهم بكم.
ويوم القيامة يتفرقون ويتصدعون، وتصبح الخلائق فرقتين: فرقة أهل الجنة، وفرقة أهل النار، لا يليق إذ ذاك بالكافر الجاحد المجرم أن يقف مع المسلمين أهل الرضا وأهل الجنة؛ لأن أهل الجنة أشرف من ذلك، وأهل النار أقل وأحقر من ذلك، فيأمرهم الله أن يتميزوا عن المسلمين، أن يتميزوا عن أهل الجنة، ويبتعدوا حتى يساقوا من قبل ملائكة النار، ويسبحون على وجوههم إلى النار خالدين أذلاء ملعونين، ولا يكون ذلك إلا إذا تميزوا عن المحسنين، وأصبح المسلمون في جانب والكافرون في جانب.
وقوله: (أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) أي: الذين أجرموا في حياتهم بخلافهم لأنبيائهم، وبعصيانهم لربهم، وبخروجهم عن طاعة الله ورسله.
فقد آن الأوان بأن يعاقبوا.
стр. 1634
تفسير قوله تعالى: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان)
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠].
أي: ألم آمركم وأنزل كتباً عليكم بواسطة أنبيائكم، فقد كانوا يأمرونكم بعبادة الله وتقواه، ويأمرونكم باتخاذ الشيطان عدواً، فهو لكم عدو، ويأمرونكم بأن تعبدوا الله وحده، وكانوا ينهونكم عن عبادة الشيطان وطاعته واتباعه في الكفر، والخروج عن أمر الله وأمر الأنبياء وطاعتهم.
فقوله: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ) استفهام توبيخي تقريعي، أي: قد كان ذلك، فقد آن الأوان لأن يقرعوا ويوبخوا ويعاقبوا، وذلك بأن يسحبوا إلى النار.
فالله ﷻ يعيد عليهم ما أنزله على أنبيائهم، وما أمرهم به أنبياؤهم.
وقوله: (يَا بَنِي آدَمَ) كلنا بنو آدم منذ آدم وإلى آخر إنسان في الوجود.
وقوله: (أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) وعبادة الشيطان طاعته، وكل كافر وعاص وخارج عن أمر الله وعن دين الله الحق وعن أوامر نبيه هو عبد للشيطان؛ لأنه أطاعه فتعبده، وأصبح من حزبه ومن أنصاره.
وقوله: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي: إنه لعدو لبني آدم، وعداوته بينة ظاهرة، من يوم أن أخرج أبويهم من الجنة، ومن يوم أبى أن يسجد لآدم، وقد خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم استكبر وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، تعاظم بأصله، وتوهم أن النار أفضل وأعظم من النور.
وهكذا يتعالى الناقصون المجرمون بأحسابهم وأنسابهم، وقد تكون تلك الأنساب وتلك الأحساب آباء مجرمين، وأجداداً مجرمين من الكفار أو من الجاحدين، أو من أنصاف المسلمين في أقل تقدير.
стр. 1635
تفسير قوله تعالى: (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم)
قال تعالى: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦١].
قوله: (وَأَنِ اعْبُدُونِي).
أي: أن اعبدوا الله وخصوه بالعبادة، وأطيعوه كما أمركم، والأمر الإلهي بالنسبة للمؤمن المسلم من شيعة النبي وأتباعه ﵊، أن نصلي لله خمس صلوات في اليوم والليلة، وأن نصوم شهراً من العام، وأن نزكي عن أموالنا، وأن نحج مرة في العمر، وأن نقصد بيت الله الحرام حاجين طائفين ساعين، واقفين في عرفات، رامين للجمرات، ونحن نقول: لبيك اللهم لبيك!، وأن نترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن نأتي من الأوامر ما نستطيع أن نطيقه، كما قال نبينا ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا).
وقوله: (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ).
أي: هذا الدين الذي أمر به نبيه، وأرسله به إلى الناس كافة هو الطريق المستقيم، وهو الطريق السوي الذي لا عوج فيه، وليس فيه بنيات للطريق، وجاء في الحديث: (أن النبي ﵊ خط خطاً، ثم جعل في جوانبه خطوطاً منعرجة، وقال: هذا الخط المستقيم هو الإسلام، وتلك الخطوط هي بنيات الطرق التي يدعو الشيطان فيها أولياءه وأنصاره وعابديه).
وقد قال ﵊ أيضاً: (لقد تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك).
فالطريق المستقيم هو الإسلام، وهو ما نداوم عليه في كل ركعة من الفرائض والنوافل في الصلاة، فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧].
والذين أنعم الله عليهم هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم على ذلك من المؤمنين والمسلمين.
وقوله: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) أي: ليس طريق اليهود ولا صراطهم.
وقوله: (وَلا الضَّالِّينَ) أي: ولا صراط النصارى الذين ضلوا الطريق كذلك.
стр. 1636
تفسير قوله تعالى: (ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢].
أي: قد أضل الشيطان الذي عبدتموه منكم خلقاً كثيراً.
وقرئ: (جِبِلًّا) و (جُبُلًّا) في القراءات السبع.
وقرئ: (جُبْلا).
وفيها روايات.
والجبل: الخلق الكثير، كيف وقد أكد ذلك بالكثير، والمقصود أنه أضل خلقاً كثيراً.
فأضلهم الشيطان عن الصراط السوي، وعن الإسلام البين الواضح، وعن طاعة الله وأوامره في كتابه، وعن طاعة رسوله في سنته وحكمته، وأضل الكثير على مدى الدهر، منذ آدم إلى نبينا وإلى عصرنا وسيبقى كذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، أي: أكثر الأمم وأكثر الناس قد ضلوا الطريق، وعبدوا الشيطان، وتركوا عبادة الله.
وقوله: (أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ).
هذا استفهام توبيخي تقريعي، أي: ألم تكن لكم عقول؟ كيف تطيعون من عاداكم، ومن أخرج أبويكم من الجنة، ومن ألزم نفسه أن يفرغ حياته ووجوده وسلالته لإضلالكم وإفسادكم؟! هو يريد أن يخرجكم من الجنة إلى النار، إلى أن تصبحوا معه في النار خالدين أبداً، أليس لكم عقول؟ لقد أنذركم الله وأنبياؤه من الشيطان، وأنه عدوكم، فلا تحققوا ظنه فيكم عندما قال: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء:١١٩]، وقد ألزم نفسه بما ألزم، وطلب من ربه أن ينظره وأن يؤجل موته إلى يوم الدين، وقد استجاب الله له؛ ليكون ذلك فتنة للناس، وليعلم الله المؤمن من الكافر، والصادق من الكاذب، وهو ابتلاء واختبار.
والمعنى: أليس لكم عقول تميزون بها بين الصديق والعدو، بين المحب والكاره؟ فهذا نبيكم دعاكم إلى الله، وهو الحريص على إيمانكم، وهو الذي قال الله له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨].
فالنبي ﵊ تألم لنا، وتوجع من أجل أتباعه ممن لم يؤمن منهم، أو عصى ممن آمن، وما هذا إلا لأنه رحمة ومحب، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
لقد تركتم الحبيب ﷺ ، واتبعتم الشيطان الذي أضلكم وأركسكم وأوقعكم فيما أوقعكم فيه.
стр. 1637
تفسير قوله تعالى: (هذه جهنم التي كنتم توعدون)
قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس:٦٣].
أي: هذه جهنم التي طالما أنكرتموها، وطالما سخرتم عندما أنذركم بها أنبياؤكم، فأنتم الآن فيها نتيجة كفركم وعصيانكم لأنبياكم، ونتيجة طاعتكم لعدوكم.
قال تعالى: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس:٦٤]، أي: هذه جهنم قد احتوتكم وسحبتم إليها سحباً، فقد أصبحوا فيها في العذاب الخالد الدائم السرمدي، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.
والذي صنع بكم هذا هو عدوكم الذي عبدتموه وأطعتموه وعصيتم خالقكم وأنبياءكم، فادخلوها واصلوا نارها، واحترقوا بلهيبها، وتعذبوا بما فيها من أنواع العذاب الدائم السرمدي.
وقوله: (بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ).
أي: بسبب كفركم، وبسبب جحودكم، وبسبب خروجكم عن ربكم وعن أنبيائكم، هذا جزاء الذي ترك السبيل واتبع العدو، وجزاء من ترك أمر الله الخالق الرازق، وأبى إلا أن يعبد الشيطان العدو المضل، فالشيطان قد أضلكم الضلال الذي أوصلكم إلى ما أوصلكم إليه.
стр. 1638
تفسير قوله تعالى: (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم)
قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
فقوله: (الْيَوْمَ) أي: يوم القيامة، يوم العرض على الله.
جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه، فقال لأصحابه: أتدرون لم ضحكت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: من أناس يجادلون ربهم، فقد حل عليهم القول) هؤلاء جادلوا ربهم عندما حوسبوا، وعندما عرضوا عليه، وقيل لهم: كفرتم وأشركتم وآذيتم وأفسدتم وصنعتم وصنعتم؛ فأخذوا يقسمون: عشنا مطيعين، عشنا مؤمنين، لم نشرك قط، وأخذوا يقولون: إنك يا ربنا حرمت الظلم، فقال لهم: من تريدون أن يشهد عليكم؟ فأشهد عليهم أنفسهم، فقد ختم على أفواههم، واستشهد الأيدي والأرجل والجلود والأفخاذ، وقال لها: ما صنع صاحبكن؟ فيقلن: كذب وافترى، وأشرك وكفر وعصى وزنى وسرق وفعل وفعل، وهو لا يجيب، ثم يطلق الله لسانه، فيقول ليديه ولرجليه: بئست شهادتكن أشهدتن علي، وما كنت أنافح إلا عنكن؟ فقلن: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.
وهكذا يقول ربنا هنا: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ).
أي: يختم على أفواههم فتغلق، فلا يستطيعون الكلام بعد أن شهدوا زوراً على أنفسهم، وكذبوا الملائكة الذين كتبوا عنهم ما كتبوا، وكفى بالكرام الكاتبين عليكم شهوداً، وكفى بأنفسكم عليكم اليوم شهيداً، وإذا بالأيدي والأرجل تتكلم، وإذا بالجلود تتكلم، والله يعيد لهذا المجرم كلامه ولسانه، فيذهب يخاصم نفسه بنفسه، كالمجنون عندما يضرب خده وجسده وأعضاءه بيديه ورجليه، لم شهدتن علي وعنكن كنت أناضل؟! وقوله: (أَفْوَاهِهِمْ) مفرد فم، والكلمة لا تكون إلا بالإضافة.
أي: إلا باتصالها بالهاء مثل: فوه، وفاه.
وقوله: (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ) أي: بالشهادة عليهم وتكذيبهم.
وقوله: (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ) أول ما يشهد من ذلك الفخذ اليسرى كما في صحيح مسلم، لأن هذه الأفخاذ تكتب للسوء وتكبت للفاحشة، فتكون أول شاهد على صاحبها.
وقوله: (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) أي: بما كسبوا حال حياتهم، وبما ارتكبوا من موبقات وإجرام، وبما استحقوا أن يقال عنهم: إنهم المجرمون كما خاطبهم الله أو خاطبتهم ملائكة الرحمن بذلك.
стр. 1639
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا)
سألني فاضل من الحضور عن معنى قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
فقوله: (قَالُوا) أي: قال هؤلاء الكافرون عندما بعثوا وكانوا ينكرون البعث: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) أي: من أيقظنا ومن أعادنا؟ ومن أوجدنا وأحيانا؟ وهم كانوا ينكرون أن تكون هناك عودة ورجعة وحياة بعد الدنيا، وبعد موتهم.
وقوله: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ): قال الجمهور: أي: أخذ بعضهم يجيب بعضاً وهم يتساءلون ويقول بعضهم لبعض: يا ولينا من بعثنا وأحيانا بعد هذا الرقود الطويل والموت الطويل، فيجيب بعضهم بعضاً: هذا ما وعد الرحمن! فهم تذكروا أن أنبياءهم نزلت بكتب من الله ﷻ ، وأن الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالبعث عقيدة من العقائد، فمن أنكرها أنكر الإسلام وأنكر الدين وأنكر الأنبياء والكتب.
وقوله: (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) اعترفوا حينئذٍ ولن يفيدهم اعترافهم، كما قال ربنا: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، فهم اعترفوا بعد فوات الأوان.
وقال بعض المفسرين: الذي قال ذلك هم المؤمنون، قالوا لهم مقرعين موبخين: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ) أي: هذا الذي كان يتلى عليكم حال الحياة في الكتب المنزلة على أنبيائكم، وكنتم تنكرون ذلك.
وقيل: قالت ذلك الملائكة زيادة في الحسرة والألم والإيجاع؛ قالوا لهم: هذا ما أنكرتموه ووعدكم الرحمن به، وصدق المرسلون الذين نطقوا بهذا عن الله.
ولكن الجمهور من مفسري الآية قالوا: هم قالوا ذلك؛ لأنهم عندما بعثوا، رجعت لهم ذكراهم وعقولهم، وأن هذا الذي كانوا ينكرونه سبق أن وعدوا به في حال الحياة، وقال لهم الأنبياء منذ آدم إلى نبينا: إن الإيمان بالبعث والنشور حق، وإن من لم يؤمن بذلك كان كافراً لا محالة، فهم كانوا يتساءون: كيف نعيش بعد أن نصير رمماً وتراباً وبعد أن نفنى؟ كيف نعود للحياة ثانية، وتعود إلينا أجسادنا وعقولنا؟ فهم ماتوا على الإنكار ثم بعثوا، فعندما بعثوا تذكروا أن هذا هو الذي كانوا ينكرونه، فأخذ يقول بعضهم لبعض زيادة في الحسرة والألم والندم: (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ).
إذ ذاك تحققوا من وعد الرحمن، وأنه كائن لا محالة، وتأكدوا من صدق المرسلين، ولكن هذا الاعتراف لن يفيد، بل الروح ما دامت في الجسد قبل أن تصل الغرغرة تفيدها التوبة إلى الله، أما إذا وصلت الروح إلى الحلقوم، ورأى ملائكة الموت، لم ينفعه ذلك.
стр. 1640
تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٦٦].
أي: لو شاء ربنا وهو القادر على كل شيء، الفعال لما يريد، والخالق لما يريد ﷻ ، لو شاء لطمس أعين هؤلاء وهم لا يزالون في دار الدنيا، ولو شاء لجعلها مطموسة فلا يعميها فقط، بل يجعل مكان العين كالجبهة، فيطمس مكانها ألبتة بحيث لا يبقى لها وجود فتصبح هناك جبهة وأنف وفم، وأما العيون فلا أثر لها.
قوله: (فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ) أي: أخذوا يتسابقون في الطريق، ولكن كيف يبصرونه ولا بصر لهم؟ ولا يفيدهم هنا علاج ولا طبيب، إذ لا عين يعالجها، فالطبيب لا يخلق العضو، ولكن الطبيب كالكهربائي إذا انقطعت الأسلاك ربطها بعضها ببعض، وإذا احترقت تلك الأسلاك جددها، وأما أن يأتي بالعضو الذي انتهى فيجعل له عضواً آخر فهيهات هيهات، ليس ذلك في قدرة أحد، إنما ذلك في قدرة الواحد وحده ﷻ .
وقوله: (فَأَنَّى يُبْصِرُونَ) أي: كيف يبصرون؟ وبم يبصرون؟ وأما البصائر فقد كانت عمياء من قبل، وحتى الأبصار لو شاء الله لأذهبها، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
стр. 1641
تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٦٧].
قوله: (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ) أي: غيروا خلقاً غير الخلق، وشوهوا من صورة بشرية إنسانية سليمة كبقية الناس إلى جمادات أو إلى قردة وخنازير، كل هذا فعله الله وعاقب به بعض الأمم السابقة، ولكن أرسل بعد ذلك نبينا محمداً خاتم الأنبياء وجعله رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧].
وكما قال النبي ﷺ عن نفسه: (إنما أنا رحمة مهداة)، فلم يعد هذا الذي كان يصنعه الله بالأمم السابقة يصنعه بالأمة المحمدية؛ تكرمة لمحمد صلى الله عليه وعلى آله، وإرجاءً لهذا الكافر الجاحد عسى أن يعود يوماً فيقول: ربي الله، ونبيي محمد رسول الله، فإذا مات ولم يفعل، فإنه يعاقب، لا فرق بين أمة سابقة ولا بين أمة لاحقة.
ولو شاء الله لمسخهم قردة وخنازير، ولو شاء الله لجعلهم مشوهين أو جعلهم جمادات لا تتحرك ولا تمشي، ولا تتقدم ولا تتأخر.
وقوله: (عَلَى مَكَانَتِهِمْ) أي: على حالهم من قيام أو قعود أو نوم أو يقظة.
وقوله: (فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ): أي: لا يستطيعون أن يمضوا متقدمين في المشي ولا رجوعاً، ولو فعلوا ذلك إن كانوا جمادات فلا يستطيعون، وإن كانوا قردة وخنازير فماذا عسى أن يفعلوه.
وقوله: (لو) هو حرف امتناع لامتناع، وهو لم يفعل ﷻ ليزيدهم حجة، فلو كانوا عمياً لا يبصرون، أو كانوا حجارة أو قردة أو حيوانات لم يكلفوا، ومع ذلك لو كانوا حيوانات لكانوا يذكرون الله على أي حال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤].
فالإنسان الكافر أقبح من الحيوان ومن الجماد، فالجماد يذكر الله، والحيوان يذكر الله بلغته التي لا يفهمها إلا خالقه، وقد أفهمها لسليمان ولمن يشاء، وأفهمها لنبينا ﵊ عندما كلمه الجمل واشتكى إليه، وعندما صوت الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ ، فصوّت وحنّ حنين الشوق والأسف على أن كان الرسول ﷺ يعلوه ويصعد ويخطب عليه، فحرم منه عندما صنع له منبر جديد.
стр. 1642
تفسير سورة يس [٦٨ - ٧٠]
الكافر إذا عمر في الدنيا لم يزدد إلا شقاء بخلاف المؤمن التقي، والرسول ﷺ كان أفصح الخلق وأبلغهم وأخطبهم، لكنه ما كان يقول الشعر ولا يحسنه وما كان الذي أنزل عليه إلا قرآن كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
стр. 1643
تفسير قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون)
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨].
بعض الناس يعمر وينكس في الخلقة الذاتية الشخصية، والبعض يمسخ في عقله ويمسخ في دينه، فأولئك الكافرون ما زادهم التعمير وطول السنين والأيام إلا كفراً وإصراراً على الكفر، وكما قال ﵊: (من شب على شيء شاب عليه).
قوله: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ): أي: نطل عمره، أي: فإنه طال عمره وعاش في الدنيا كثيراً، وهذا شيء مشاهد يلفت الله أنظارنا إليه، وقد قال ﵊: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من يتجاوز ذلك)، وكان من قبلنا يعمرون المئات من السنين، وكانوا أطول قامات وأعرض أكتافاً، فكان أبونا آدم في طول النخلة الشاهقة الطول، وكان عرضه أمتاراً، وعاش نوح في الدعوة إلى الله في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وفي الإنجيل والتوراة الكلام كثير على أنبياء بني إسرائيل، فهم من عمر ثلاثمائة سنة، ومنهم أربعمائة، ومنهم خمسمائة وأقل، ولكن أعمار الأمة المحمدية بين الستين والسبعين، كما قال ﵊، والقليل من يتجاوز السبعين والثمانين والتسعين، وتجد أقرانه قد ذهبوا وسبقوه، وبقي هو في أناس هم في رتبة الأولاد والأحفاد والأسباط وغير ذلك.
وقوله: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس:٦٨]، أي: في الخلقة التي عاش عليها، كما قال ربنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤].
فخلقنا ضعاف الأبدان عند ولادتنا، فلو جاءت قطة لافترستنا ولا نستطيع حراكاً، ولو ضربت المدافع لما أدركنا ماذا يعني ذلك، ثم نكبر بالأجسام والأذهان، كما نكبر في الفهم، فمن الرضاع، إلى الطفولة، إلى اليفوعة، إلى الشبيبة، إلى الكهولة، إلى الشيخوخة، إلى السنين الفانية، إلى أرذل العمر، وأرذل العمر يختلف باختلاف الناس، فقد يكون أرذل العمر بين الخمسين والستين، وقد يتجاوز من أكرمه الله بحواسه التسعين والمائة، ويبقى على غاية ما يكون فهماً وإدراكاً ووعياً، ولكن الجسم يبلى وقد يشتد ضعفه.
فقوله: (نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ) أي: كما خلق من ضعف فسيعود للضعف، وقد ينكس ليس في ضعف البدن وحده، بل وفي ضعف البصر والحواس جميعها، والعقل كذلك والإدراك، ولذلك كان النبي ﷺ يتعوذ بالله من أرذل العمر، ومن أن يعيش الإنسان حتى يحتاج إلى آخر؛ لأنه سيصبح ثقيلاً على أهله، وربما يصبح ثقيلاً على نفسه.
نسأل الله السلامة والعافية، ونسأله أن يمتعنا بحواسنا ما أحيانا، وأن يحيينا ما كانت الحياة خيراً لنا، لا نسأله موتاً ولا طول عمر، ولكن نسأله العافية مدى العمر، فإذا سألتم الله فاسألوه العافية.
وقوله: (أَفَلا يَعْقِلُونَ) هؤلاء على كثرة ما طالت أعمارهم، وامتدت سنوات حياتهم نكسوا، وازدادوا كفراً وشركاً، ولذلك تجد المسنين من الكفار على غاية ما يكونون من الشرك، وتصبح تلك العقائد ثابتة في أنفسهم لا يحيدون عنها ولا يقبلون قولاً غيرها مع فسادها، إلا من هدى الله وقليل ما هم.
وأما الشيبة المسلم فإنه كلما ازداد عمراً فببركة الطاعة وببركة التلاوة، وببركة الوقوف بين يدي ربه تهجداً في الليل والناس نيام، فالله ﷻ يبارك له في صحته، ويبارك له في حواسه، إلى أن يلقى الله تعالى راضياً مرضياً.
стр. 1644
تفسير قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩].
لقد ذهل كفار قريش من فصاحة القرآن وبلاغته، وما أتى به من معان، والعرب كانوا أفصح الناس وأبلغ الناس شعراً ونثراً وفهماً وإدراكاً، فكان كفار قريش يأتون ليلاً يدورون ويحيطون ببيت النبي ﵊ وهو يتهجد ليلاً بالقرآن، فينصتون ويسمعون وهو لا يدري.
وفي يوم من الأيام فكر في هذا أبو جهل، وفكر في هذا عتبة بن ربيعة، وفكر فيه أبي بن خلف وغيرهم من صناديد قريش، وإذا بهم يجتمعون اتفاقاً كل جاء لينصت، فعندما كشف بعضهم البعض قالوا: لنقل الحق، قد سمعنا جميعاً ما يقول هذا، فاجتمعوا عند الكعبة، وذلك كان مكان اجتماعهم، فقالوا: ماذا رأيتم فيما يقول محمد ويكرره ويعيده؟ فقال بعضهم: هذا شعر، وقال آخر: لا والله ما هو بشعر، لقد قرأت الشعر وقلته ورويته بجميع أنواعه، فما هو به.
وقال آخر: هو النثر المقفى.
وقال آخر: لا والله ما هو به، لقد نثرت وقفيت وحفظت الخطب وسمعت الخطباء والبلغاء، فما هو بذلك.
فقال آخر: هو كهانة.
فقال غيره: الكهانة تكون قولاً في أغلبه لا معنى له، وهذا ليس مقفىً دائماً، وليس مطلقاً دائماً، وليس شعراً، وما أراه بالكهانة.
وقال آخر: هو سحر، وبعد ذلك أوحى لهم الشيطان أن يتفقوا على أنه كهانة، وكان قد قال منهم من قال: والله إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وبقي الكثيرون يقولون: هذا شاعر، فقال الله لهم مكذباً: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ) أي: لم نعلم محمداً الشعر، وإنما علمناه البلاغة والفصاحة والفهم والإدراك، وقصصنا عليه خبر من سبقه من الأمم السابقة، من أطاع ومن عصى، من آمن ومن كفر، وبماذا قابلهم الله، وقصصنا عليه علم الأنبياء السابقين، أما الشعر فلم نعلمه إياه.
وقد علم الله نبيه ﷺ جميع العلوم والمعارف وحياً وإلهاماً، ولكن الشعر لم يعلمه، ولذلك كان ﵊ يريد أحياناً أن يستشهد ببيت من الشعر فيقوله مكسراً، لا يقوله كما هو، فيكون أبو بكر بجانبه أو عمر أو أحد الأصحاب، فيقول له: يا رسول الله! ما هكذا قال الشاعر، فيقول ﵊: المعنى واحد، كما يقول الشاعر: كفى بالشيب والإسلام، والنبي ﷺ كان يقول: كفى بالإسلام والشيب، فيقوله له أبو بكر: بل قل: كفى بالشيب، أي: كفى به نذيراً، فيقول ﵊: المعنى واحد، لست بشاعر.
ومع ذلك كان يخرج منه أحياناً قول ليس شعراً، ولم يقصد به أن يكون شعراً، ولكن تجده على قياس البحور وموازينها، وقد يوجد هذا أحياناً في القرآن وليس هو بشعر، ففي القرآن: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٤].
وعندما كان النبي ﷺ في غزوة حنين، وظن الناس أنه قتل، وأشاع أعداؤه أنه قتل، ولكنه كان في اللأمة لا تظهر منه إلا عيناه، فرفع صوته ﷺ يدعو الذين فروا: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) فانتسب إلى عبد المطلب، وهي نسبة صحيحة؛ لأنه كان أشهر من أبيه الذي مات شاباً صغيراً.
وقال مرة وقد جرحت إصبعه ﵊: (هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت).
ولم يكن ذلك شعراً ولم يقصده، وكان إذا تمثل ببيت أو بشطر بيت من الشعر، كان يقوله وكأنه نثر، ويقول: ما أنا بشاعر.
فقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ): أي: لا يليق به؛ لأن الشعر قد أذله الشعراء؛ لأنهم صاروا يشحذون ويتسولون به، وصاروا يهجون به، ويتغزلون به في الأعراض، ويكشفون فيه عن المخدرات ذوات الحجاب، فكان الشاعر يأتي إلى القبيلة فينذر كبيرها، فإما أن يعطيه ويهب له وإما أن يهجوه، وهكذا أصبح الشعر كالصحافة اليوم، فالصحفي إن لم تساعده وترضه هاجمك وتنقصك، وقال عنك ما ليس فيك، فصحافيو اليوم هم شعراء الأمس، وهذا لا يليق بسيد الخلق ﵊، ولو لم يمدح مع المداحين، ولو لم يتغزل مع المتغزلين، وحاشاه من كل ذلك ﵊.
والشعر كذلك لا يليق بالعلماء، فقد كان الإمام الشافعي أعلم الأئمة الأربعة لغة وأبلغهم لساناً، وأفصحهم، وانفرد من بينهم؛ لأنه كتب كتبه ومؤلفاته، بينما غيره لهم رسائل لا تكاد تذكر، أما الإمام الشافعي فقد كتب كتابه المسمى (الأم) في سبع مجلدات، وطبع أكثر من مرة، وهو قطعة من الأدب الرفيع، زيادة على ما فيه من حلال وحرام وآداب ورقائق، وأدلة تؤكد ذلك من قول الله وقول رسوله ﷺ ، ومع ذلك كان يقول أحياناً بيتاً وبيتين، وكان يقول: ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيد إذاً: الشعر يزري بالعلماء وينقص من مقامهم ورتبتهم، خاصة إذا بادروا إلى مديح من لا يستحق المدح، وأما ما سوى ذلك كمدح الإسلام والإشادة به ومدح الأخلاق والدعوة إلى الجهاد، وهجو الكفار وأعداء الإسلام، فقد كان له ﵊ شعراء مختصون به، كان له كعب بن مالك وحسان بن ثابت وغيرهما من الشعراء جماعات بين مقل ومكثر، وكان منهم كعب بن زهير الذي مدح الرسول ﷺ في قصيدته المشهورة.
وكان ﵊ إذا أثني عليه ومدح يعجبه ذلك، ويشجع عليه، ويجازي عليه بالهدايا الكبيرة التي يعطيها عطاء من لا يخشى الفقر، وكان ينصب لـ حسان بن ثابت منبراً في المسجد النبوي، ويحرضه على الكفار، ويقول له: (اهجهم فداك أبي وأمي، فإن روح القدس معك).
وكان يقول ﵊: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة).
وقال: (كاد الشعر أن يكون سحراً).
لكن النبي ﵊ لا يليق به أن يقول الشعر ولا ينبغي له، فهو أعلى مقاماً وأسمى رتبة، وكذلك لا يليق بخلفائه من العلماء والدعاة إلى الله، إلا أن يكون من هؤلاء دعوة إلى الله وهجواً وتمثيلاً بأعداء الله.
ولذلك الشعر الذي كان مذموماً والذي قال عنه النبي ﵊: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً، خير له من أن يمتلئ شعراً) هو شعر الغزل وهتك الأعراض ومدح الكذابين والضالين والفاجرين، الشعر الذي لا يتفق مع الحقائق.
أما الشعر في وحدانية الله ﷻ ، والذي في الدعوة إلى الله وعبادته، وفي التحمس للجهاد وبذل الأرواح رخيصة في سبيل الله، فذاك من الكلام الذي حض عليه ﵊، كما فعل ذلك كعب بن زهير عندما قال في قصيدته الشهيرة: بانت سعاد: إن الرسول لسيف يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول فقام ﵊ من مجلسه وأهداه رداءه، واشتراه معاوية بعد ذلك من أولاد كعب بن زهير في زمن خلافته فجعله رداء خلافة، فكان يلبسه للزينة أيام الأعياد، وأيام استقبال الوفود وكبار القوم، وتوارثه بعده ملوك بني أمية، وخلفاء بني عباس، وملوك بني عثمان، ولا يزال ذلك محفوظاً في متاحف آثار إسطنبول في أرض تركيا، والثوب قد أخذ في أن ينتهي، لكن كانوا كل مرة يلبسونه بثوب ثم يهترئ، ثم يلبسونه ثوباً، إلى أن أصبح هكذا وكأنه فراش، ولكن أصله محفوظ ضمن ذلك، وقد أكد صحة ذلك ابن حزم في القرن الخامس، وأكده في عصرنا أحمد زكي الذي كتب في الآثار النبوية كتاباً على صغره يعتبر من أوثق الكتب ومن أسماها، ومن أكثرها حقائق مستقصاة فيه.
стр. 1645
مكانة القرآن ووجوب التحاكم إليه
قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩].
أي: أن الذي ينطق به محمد صلى الله عليه وعلى آله ذكر وتذكير للناس، ليذكروا الله، ويذكروا المقصود من وجودهم، وإلى أين هم ذاهبون؟ وماذا بعد الموت؟ ليعودوا إلى الله مؤمنين موحدين، ويعلموا بأن الله قد قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وأن الدنيا قنطرة الآخرة، فمن نجح هنا هناك ينجح، ومن رسب هنا سيكون رسوبه هناك، فمن آمن وبقي على إيمانه إلى لقاء الله، كانت الدنيا له دار سعادة، ومن عاش كافراً إلى أن يلقى الله كانت الدنيا له دار شقاء.
وقوله: (وقرآن مبين): أي: أن الذي دعا إليه الناس هو القرآن، وهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد جاء ﷺ منذراً ومبشراً وداعياً بهذا القرآن، وهو دستور المسلمين ودستور الكون، فمن آمن به فنفسه خدم، وإياها أحسن، ومن خرج عنه فنفسه أضر، وعلى نفسها تكون قد جنت براقش.
وقوله: (مُبِينٌ) أي: بينٌ ظاهرٌ مفهوم معلوم، فيه الحلال والحرام، وفيه قصص الأولين والآخرين، وفيه أنباء الأنبياء والأمم قبلنا، وفيه خلقة الإنسان وخلق الدنيا وأين المآل، وصفة الجنة والنار، والآداب والرقائق، والحدود والأحكام.
هو كتاب الإسلام، هو عقيدة، هو نظام، هو دولة، دعا للتثبت في العقائد والرسوخ عليها، دعا لقيام نظم الإسلام في الدولة، وفي المعارك، وفي المعاملات، وفي المحاكم، بينك وبين الخصم، بينك وبين أحبابك، بينك وبين أعدائك وقت السلام ووقت الحرب.
هو دولة يدعو إلى قيام الدولة؛ ليكون الإسلام ديناً ودنيا، فالأحكام والحدود التي وردت فيه، والأوامر والنواهي من سيقوم بها؟ فإذا ذهب من يقوم بها سيقوم من الضالين المضلين ممن يتحكمون بمصير رقابنا، فيقول كما يقول أهل الكفر: الدين لله والوطن للجميع، وما لقيصر لقيصر وما لله لله، ويكون بذلك قد خرج عن الإسلام، فإذا قال: لا نقبل قرآناً في الدولة، والإسلام يجب أن يبقى في المسجد، وما عدا ذلك لا وجود له، فمن قال ذلك ودعا إليه يكون كافراً حلال الدم، مرتداً خارجاً عن الإسلام، مهما كان ذكره، ومهما كان اسمه، ومهما كان مكانه.
стр. 1646
تفسير قوله تعالى: (لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين)
قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠].
وقرئ في السبع وهي قراءة نافع: (لِتُنْذِرَ من كان حياً).
الكلام هنا للنبي ﵊، فقد أنزل الله عليه القرآن ولم يعلمه الشعر؛ ليكون بالقرآن نذيراً ومبشراً، ليتوعد الذين لم يؤمنوا بالله بالنار والغضب والتدمير، وأنهم لا يستحقون كرامة ولا اعتباراً.
ومعنى قوله: (لِيُنْذِرَ) أي: لينذر القرآن، وسواء أنذر القرآن أو أنذر نبي الله، فهو أنذر بالقرآن ودعا بالقرآن، فقد أنزل الله عليه القرآن لينذر به، وليدعو الناس إلى العمل بما فيه، فمن قبل فذاك وإلا فالسيف، وكما يقول عثمان بن عفان: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
وليس كل الناس يقبلون القرآن والسنة، خاصة منهم من كان فارغ القلب وتعلم على يد اليهود والنصارى، وعاش في البيئات والأوساط الفاسدة، فهذا يكون قد دخل الكفر قلبه وتمكن منه، فتقول له: قال الله، فيقول لك: لا تستدل علي بآية قرآنية، وتقول له: قال رسول الله، فيقول: انظر ماذا يقول الفلاسفة، ماذا يقول علماء اليوم ومعاصروه، فهذا كأن على أذنه الآنك (الرصاص)، فهو لا يسمع ولا يعقل ولا يبصر ولا يدرك، فهذا إذا لم يقومه القرآن قومه السيف.
ولا بد من السيف، فالإسلام قلم وسيف، والإسلام دعوة وجهاد، فمن قال: هو دعوة فقط قال غير الحقائق، ومن قال: هو سيف فقط قال غير الحقائق، فالنبي ﵊ عاش في مكة ثلاثة عشر عاماً وهو يدعو إلى الله بلا سيف، وكان يمر على أصحابه وهم يعذبون وقتل منهم من قتل، فلا يقول لهم إلا: صبراً صبراً، ومر على أب وأم ووليدهما، مر على عمار ووالديه ياسر وأمه فقال لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) وطعنت أم عمار بن ياسر طعنها البغيض اللعين أبو جهل بحربة في قبلها إلى أن خرجت من ظهرها، وهو يدعوها إلى الكفر بالله والعودة عن الإيمان، وهي تأبى إلا الإيمان، فكانت أول شهيد في الإسلام، والنبي لا يزيد على أن يقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
فقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠] أي: من كان حي القلب، حي الفهم متفتحاً ذاكراً واعياً، لم يكن بليد الطبع، ولا ميت القلب.
فقد جاء الإسلام بحياة القلوب، فمن كان قلبه من الأصل ميتاً لا تؤثر فيه موعظة، ولا بشارة، ولا نذارة، ولا قول الله، ولا قول رسول الله، فهذا إلى الحيوان أقرب منه إلى الإنسان، بل الحيوان أشرف وأكرم منه، كما قال القرآن فيه: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠] أي: يحق الغضب والعذاب على الكافرين، فيعاقبهم الله تعالى بسبب كفرهم بكتابه وبرسوله ﷺ .
стр. 1647
تفسير سورة يس [٧١ - ٨١]
يضرب الله الأمثال للناس حتى يتفكروا ويعتبروا، وينظروا فيما أنعم الله عليهم من أنعام جعل لهم منها مآكل ومشارب، وأن الأوثان التي يعبدونها لا تنفعهم بل هم عندها يحرسونها، والله تعالى هو القادر على الإحياء بعد الموت فهو الذي سيبعثهم يوم القيامة.
стр. 1648
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون)
قال الله ﷻ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧١ - ٧٣].
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [يس:٧١]: الاستفهام هنا استفهام إنكاري تقريعي توبيخي، أي: أولم ير هؤلاء المنكرون المكذبون بالبعث والنشور، واليوم الآخر، الكافرون بالله ورسله وكتبه، ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١]؟! أليس لهم أبصار تنظر؟! أليس لهم بصائر يعلمون بها أن هذه الأنعام التي يرونها في الأرض من إبل وبقر وغنم خلقناها لهم بأيدينا؟! فهل لشركائهم شرك في ذلك؟! وهل أعانوا الله على هذا؟! تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً؛ فهو المتصف بالخلق، وهو القادر على كل شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
والأنعام جمع الجمع، فهو جمع نعم، والنعم يشمل الإبل والبقر والأغنام، والمفرد يختلف فهو في البقر بقرة وفي الإبل جمل أو بعير أو ناقة، وفي الغنم معز أو ضأن.
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١].
أي: خلقنا ذلك بقدرتنا وإرادتنا من غير معين يعين، ولا شريك، ولن يكون ذلك أبداً، فخلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون، فهم لهذه الأنعام مالكون قاهرون، ويتصرفون فيها كما شاءوا، فإنك ترى الطفل الصغير يسوق الإبل في الحيطان وكذلك البقر، فلا تكاد تتحرك أمامه، ولو هاج واحد منها لداسه برجليه وكأنه لم يكن.
فقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] أي: قاهرون متصرفون فيها بيعاً وشراءً كما يريدون.
стр. 1649
تفسير قوله تعالى: (وذللناها لهم)
يقول تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢].
قوله: (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ): أي: سخرناها لهم، يتصرفون فيها كما شاءوا، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] أي: فمن هذه الأنعام ركوبهم، والركوب: المركوب.
ولم يكن من المركوب في الزمن الأول غير الإبل والخيل ونحوهما، وقد خلق الله لنا في هذا الزمن الركوب على الحديد براً وبحراً وجواً، وأشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
فيخلق ما لا يُعلم من أنواع المركوبات، فقدر ﷻ أنه في عصر من العصور وزمن من الأزمنة -وهو الذي نعيش فيه- سيكون هناك أنواع من المركوبات من غير الدواب، وقد قال ابن عباس هذا، وكان الأمر كذلك، فنحن الآن نقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] كالخيل والبغال والحمير والسيارة والطيارة والقطار والصاروخ والبواخر، وما إلى ذلك.
ولم يخبر النبي ﵊ الناس بذلك؛ لأنه كان يعلمنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، فلو قال للناس: سيُركب الحديد وسيطار عليه في الأجواء، وسيقطع ما يقطع سنة في بضع ساعات، لقال الناس عن نبي الله: إنه مجنون، ولو أن أجدادنا الذين لم يدركوا هذا عاشوا ورأوا الحديد يطير لما صدقوا، وأما نحن فعشنا حتى رأينا ذلك وعرفنا حقيقته، فلم نعد نستغرب، وإلا فذلك يدعو إلى الغرابة، إن هذه الطائرة تحمل خلقاً وسلعاً وتخترق الآفاق في قليل من الزمن، فكيف حصل ذلك؟! لقد حصل ذلك بقدرة الله، كما أن الأرض والسماء محمولتان على غير عمد.
فالطائرة تسبح في الفضاء كما تسبح جميع النجوم الكواكب، فالله ﷻ أعطى الإنسان من العقل ومن الوعي ومن الإدراك ما أخذ يصنع به ذلك.
وهناك رجل من الأندلس اسمه عباس بن فرناس فهو الذي اخترع الطيران، فقد اخترع شيئاً لم يصل إليه أحد قبله، حيث اخترع لنفسه جناحين، فطار بهما في الأجواء، ولكنه حال طيرانه علم أنه قلد الطائر في جميع خصائصه سوى الذيل، فأخطأ ونسي، حيث كان يظن أن ذيل الطائر لا فائدة منه، ولا علاقة له بالطيران، وليس الأمر كذلك، فبقي يطير إلى أن تعب، وإذا به يسقط بغير تدريج فيصاب في مقاتله، وذكر هذا لمن حضر موته، ولذلك نرى الطائرات اليوم لها في مؤخرتها ما يشبه الذيل يساعدها على النزول، يساعدها جناحاها على الارتفاع، فتناطح السحاب علواً.
يقول تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢].
أي: منها المركوب، فالركوب: المركوب، كما تقول: شاة حلوب، أي: محلوبة، وبقرة حلوب، أي: محلوبة، فالله تعالى جعل من هذه الأنعام ما يركب، وجعل منها ما يؤكل.
стр. 1650
تفسير قوله تعالى: (ولهم فيها منافع ومشارب)
قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ [يس:٧٣].
فينتفعون بأوبارها وشعورها، ويصنعون بذلك الألبسة والفرش والخيام وما هم في حاجة إليه، فقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [يس:٧٣] جمع منفعة، (ومشارب) جمع مشرب، فنحن نشرب من ألبانها، وننتفع بشعورها وأوبارها، وننتفع بها ركوباً بين البراري والقفار.
يقول تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧٣].
أي: أفلا يشكرون الله على هذه النعم المتواترة المستفيضة؟! فلولاها لما رحل الإنسان ولما استقر إلا بعذاب.
وقد قال ﵊: (السفر قطعة من العذاب)، فالسفر هو العذاب نفسه، وقد يظن ظان اليوم أن السفر على الطائرات والبواخر وعلى السيارات غير عذاب، وذلك ظن في غير محله، فنحن نركب البواخر، وعندما تأخذ الباخرة في السير فتتلاعب بها الرياح وتتلاعب بها العواصف يشعر الإنسان بأنه ميت، ولا منقذ له إلا الله تعالى، فترى البحر كما وصفه عمرو بن العاص، حيث قال: داخله مفقود، والخارج منه مولود، والفلك في البحر دود على عود.
بل السيارات كذلك، فنحن نرى ما يحصل فيها من حوادث، فهل هناك عذاب أكبر من الخوف ومن الغرق ومن السقوط والحوادث؟! وجواب قوله ربنا: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧٣] أن نقول: بلى -يا ربنا- نشكرك بكل حواسنا وخلايا جسومنا، فلك الحمد وحدك، فأنت المتفضل، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت نفسك.
следующие страницы →