← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

تفسير قوله تعالى: (لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠]. وقرئ في السبع وهي قراءة نافع: (لِتُنْذِرَ من كان حياً). الكلام هنا للنبي ﵊، فقد أنزل الله عليه القرآن ولم يعلمه الشعر؛ ليكون بالقرآن نذيراً ومبشراً، ليتوعد الذين لم يؤمنوا بالله بالنار والغضب والتدمير، وأنهم لا يستحقون كرامة ولا اعتباراً. ومعنى قوله: (لِيُنْذِرَ) أي: لينذر القرآن، وسواء أنذر القرآن أو أنذر نبي الله، فهو أنذر بالقرآن ودعا بالقرآن، فقد أنزل الله عليه القرآن لينذر به، وليدعو الناس إلى العمل بما فيه، فمن قبل فذاك وإلا فالسيف، وكما يقول عثمان بن عفان: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). وليس كل الناس يقبلون القرآن والسنة، خاصة منهم من كان فارغ القلب وتعلم على يد اليهود والنصارى، وعاش في البيئات والأوساط الفاسدة، فهذا يكون قد دخل الكفر قلبه وتمكن منه، فتقول له: قال الله، فيقول لك: لا تستدل علي بآية قرآنية، وتقول له: قال رسول الله، فيقول: انظر ماذا يقول الفلاسفة، ماذا يقول علماء اليوم ومعاصروه، فهذا كأن على أذنه الآنك (الرصاص)، فهو لا يسمع ولا يعقل ولا يبصر ولا يدرك، فهذا إذا لم يقومه القرآن قومه السيف. ولا بد من السيف، فالإسلام قلم وسيف، والإسلام دعوة وجهاد، فمن قال: هو دعوة فقط قال غير الحقائق، ومن قال: هو سيف فقط قال غير الحقائق، فالنبي ﵊ عاش في مكة ثلاثة عشر عاماً وهو يدعو إلى الله بلا سيف، وكان يمر على أصحابه وهم يعذبون وقتل منهم من قتل، فلا يقول لهم إلا: صبراً صبراً، ومر على أب وأم ووليدهما، مر على عمار ووالديه ياسر وأمه فقال لهم: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة) وطعنت أم عمار بن ياسر طعنها البغيض اللعين أبو جهل بحربة في قبلها إلى أن خرجت من ظهرها، وهو يدعوها إلى الكفر بالله والعودة عن الإيمان، وهي تأبى إلا الإيمان، فكانت أول شهيد في الإسلام، والنبي لا يزيد على أن يقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة). فقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠] أي: من كان حي القلب، حي الفهم متفتحاً ذاكراً واعياً، لم يكن بليد الطبع، ولا ميت القلب. فقد جاء الإسلام بحياة القلوب، فمن كان قلبه من الأصل ميتاً لا تؤثر فيه موعظة، ولا بشارة، ولا نذارة، ولا قول الله، ولا قول رسول الله، فهذا إلى الحيوان أقرب منه إلى الإنسان، بل الحيوان أشرف وأكرم منه، كما قال القرآن فيه: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]. وقوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠] أي: يحق الغضب والعذاب على الكافرين، فيعاقبهم الله تعالى بسبب كفرهم بكتابه وبرسوله ﷺ .

стр. 1647

تفسير سورة يس [٧١ - ٨١] يضرب الله الأمثال للناس حتى يتفكروا ويعتبروا، وينظروا فيما أنعم الله عليهم من أنعام جعل لهم منها مآكل ومشارب، وأن الأوثان التي يعبدونها لا تنفعهم بل هم عندها يحرسونها، والله تعالى هو القادر على الإحياء بعد الموت فهو الذي سيبعثهم يوم القيامة.

стр. 1648

تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون) قال الله ﷻ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧١ - ٧٣]. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [يس:٧١]: الاستفهام هنا استفهام إنكاري تقريعي توبيخي، أي: أولم ير هؤلاء المنكرون المكذبون بالبعث والنشور، واليوم الآخر، الكافرون بالله ورسله وكتبه، ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس:٧١]؟! أليس لهم أبصار تنظر؟! أليس لهم بصائر يعلمون بها أن هذه الأنعام التي يرونها في الأرض من إبل وبقر وغنم خلقناها لهم بأيدينا؟! فهل لشركائهم شرك في ذلك؟! وهل أعانوا الله على هذا؟! تعالى الله عن كل ذلك علواً كبيراً؛ فهو المتصف بالخلق، وهو القادر على كل شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. والأنعام جمع الجمع، فهو جمع نعم، والنعم يشمل الإبل والبقر والأغنام، والمفرد يختلف فهو في البقر بقرة وفي الإبل جمل أو بعير أو ناقة، وفي الغنم معز أو ضأن. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١]. أي: خلقنا ذلك بقدرتنا وإرادتنا من غير معين يعين، ولا شريك، ولن يكون ذلك أبداً، فخلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون، فهم لهذه الأنعام مالكون قاهرون، ويتصرفون فيها كما شاءوا، فإنك ترى الطفل الصغير يسوق الإبل في الحيطان وكذلك البقر، فلا تكاد تتحرك أمامه، ولو هاج واحد منها لداسه برجليه وكأنه لم يكن. فقوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] أي: قاهرون متصرفون فيها بيعاً وشراءً كما يريدون.

стр. 1649

تفسير قوله تعالى: (وذللناها لهم) يقول تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢]. قوله: (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ): أي: سخرناها لهم، يتصرفون فيها كما شاءوا، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] أي: فمن هذه الأنعام ركوبهم، والركوب: المركوب. ولم يكن من المركوب في الزمن الأول غير الإبل والخيل ونحوهما، وقد خلق الله لنا في هذا الزمن الركوب على الحديد براً وبحراً وجواً، وأشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]. فيخلق ما لا يُعلم من أنواع المركوبات، فقدر ﷻ أنه في عصر من العصور وزمن من الأزمنة -وهو الذي نعيش فيه- سيكون هناك أنواع من المركوبات من غير الدواب، وقد قال ابن عباس هذا، وكان الأمر كذلك، فنحن الآن نقول: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] كالخيل والبغال والحمير والسيارة والطيارة والقطار والصاروخ والبواخر، وما إلى ذلك. ولم يخبر النبي ﵊ الناس بذلك؛ لأنه كان يعلمنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم، فلو قال للناس: سيُركب الحديد وسيطار عليه في الأجواء، وسيقطع ما يقطع سنة في بضع ساعات، لقال الناس عن نبي الله: إنه مجنون، ولو أن أجدادنا الذين لم يدركوا هذا عاشوا ورأوا الحديد يطير لما صدقوا، وأما نحن فعشنا حتى رأينا ذلك وعرفنا حقيقته، فلم نعد نستغرب، وإلا فذلك يدعو إلى الغرابة، إن هذه الطائرة تحمل خلقاً وسلعاً وتخترق الآفاق في قليل من الزمن، فكيف حصل ذلك؟! لقد حصل ذلك بقدرة الله، كما أن الأرض والسماء محمولتان على غير عمد. فالطائرة تسبح في الفضاء كما تسبح جميع النجوم الكواكب، فالله ﷻ أعطى الإنسان من العقل ومن الوعي ومن الإدراك ما أخذ يصنع به ذلك. وهناك رجل من الأندلس اسمه عباس بن فرناس فهو الذي اخترع الطيران، فقد اخترع شيئاً لم يصل إليه أحد قبله، حيث اخترع لنفسه جناحين، فطار بهما في الأجواء، ولكنه حال طيرانه علم أنه قلد الطائر في جميع خصائصه سوى الذيل، فأخطأ ونسي، حيث كان يظن أن ذيل الطائر لا فائدة منه، ولا علاقة له بالطيران، وليس الأمر كذلك، فبقي يطير إلى أن تعب، وإذا به يسقط بغير تدريج فيصاب في مقاتله، وذكر هذا لمن حضر موته، ولذلك نرى الطائرات اليوم لها في مؤخرتها ما يشبه الذيل يساعدها على النزول، يساعدها جناحاها على الارتفاع، فتناطح السحاب علواً. يقول تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢]. أي: منها المركوب، فالركوب: المركوب، كما تقول: شاة حلوب، أي: محلوبة، وبقرة حلوب، أي: محلوبة، فالله تعالى جعل من هذه الأنعام ما يركب، وجعل منها ما يؤكل.

стр. 1650

تفسير قوله تعالى: (ولهم فيها منافع ومشارب) قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ [يس:٧٣]. فينتفعون بأوبارها وشعورها، ويصنعون بذلك الألبسة والفرش والخيام وما هم في حاجة إليه، فقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [يس:٧٣] جمع منفعة، (ومشارب) جمع مشرب، فنحن نشرب من ألبانها، وننتفع بشعورها وأوبارها، وننتفع بها ركوباً بين البراري والقفار. يقول تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧٣]. أي: أفلا يشكرون الله على هذه النعم المتواترة المستفيضة؟! فلولاها لما رحل الإنسان ولما استقر إلا بعذاب. وقد قال ﵊: (السفر قطعة من العذاب)، فالسفر هو العذاب نفسه، وقد يظن ظان اليوم أن السفر على الطائرات والبواخر وعلى السيارات غير عذاب، وذلك ظن في غير محله، فنحن نركب البواخر، وعندما تأخذ الباخرة في السير فتتلاعب بها الرياح وتتلاعب بها العواصف يشعر الإنسان بأنه ميت، ولا منقذ له إلا الله تعالى، فترى البحر كما وصفه عمرو بن العاص، حيث قال: داخله مفقود، والخارج منه مولود، والفلك في البحر دود على عود. بل السيارات كذلك، فنحن نرى ما يحصل فيها من حوادث، فهل هناك عذاب أكبر من الخوف ومن الغرق ومن السقوط والحوادث؟! وجواب قوله ربنا: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧٣] أن نقول: بلى -يا ربنا- نشكرك بكل حواسنا وخلايا جسومنا، فلك الحمد وحدك، فأنت المتفضل، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت نفسك.

стр. 1651

تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٧٤ - ٧٥]. فمع هذه النعم المتوالية، ومع هذا الذي تفضل به الله على عباده من هذه النعم العظيمة نجد الكافر بالله والكافر بنعم الله لا يشكر الله على نعمه، بل لا يزيده ذلك إلا جحوداً وكفراناً. يقول تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [يس:٧٤]. أي: يظنون أن هذه الآلهة التي لا تضر ولا تنفع ستنصرهم، سواء أكانت ملائكة أم جناً، أم بشراً، ومن باب أولى إن كانت جمادات، فكل أولئك لا ينفعون ولا يضرون، بل لا ينفعون أنفسهم ولا يضرونها، فالله هو الخالق والرازق لها، ولكن هؤلاء عميت بصائرهم، وضاعت عقولهم، فأصبحوا يعبدون ما لا يضر ولا ينفع، فعبدوا الأوثان ظانين أنها ستنصرهم في الدنيا، وستكون لهم شافعة يوم القيامة، وهيهات هيهات!

стр. 1652

تفسير قوله تعالى: (لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون) يقول ربنا: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٧٥]. فلا يستطيعون أن ينصروهم، فهم أعجز من ذلك وأقل من ذلك؛ إن كانوا لا ينفعون أنفسهم ولا يضرونها، فكيف ينفعون غيرهم أو يضرونه؟! والنافع هو الله، والله ﷻ بيده الأمر كله، فمن هداه فقد وفقه للخير، ومن علم فساده هداه للشر. فهؤلاء الشركاء لا يستطيعون نصر المشركين، ولا ينقذونهم من عذاب الله ومن أليم نقمته. قال تعالى: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٧٥]. فهؤلاء المشركون يكونون جنداً حاضرين في نصرة أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، وهم في ذلك واهمون كذبة، فقد توهموا أنهم سينصرونهم، وهم أعجز من ذلك. وفسر الحسن البصري قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٧٥] بأنه في يوم القيامة تحضر هذه الآلهة معهم، فيكون ذلك أبلغ في تعجيزهم، لأنهم ما عبدوا إلا الباطل، وما تعلقوا إلا بآلهة لا تضر ولا تنفع، فيتبرأ هؤلاء كلهم منهم ومن عبادتهم ويقولون: لم نأمرهم بأن يعبدونا، فيقول عيسى: إنما دعوتهم لعبادة الله الواحد كما أمر الله، والملائكة يقولون: كانوا يعبدون الجن، والجن تتبرأ منهم، ويقولون لهم: لم نأمركم بذلك، وإنما هو كلام سمعتموه فاتبعتموه فعبدتم بأهوائكم ونوازعكم ونزغات العقول منكم، والكل يومئذ يتبرأ منهم، فحضور تلك المعبودات للبراءة منهم زيادة في حجة الله البالغة عليهم. وأما الجمادات فإن حضورها لأجل أن يشعر هؤلاء إذ ذاك بضلالهم ويندمون، ولات حين مندم، فيعلمون أنه ليس بيدها شيء، وأنها لا تنطق ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع. ورجح هذا الرأي الثاني الإمام ابن جرير شيخ المفسرين والمؤرخين.

стр. 1653

تفسير قوله تعالى: (فلا يحزنك قولهم) قال تعالى يخاطب نبينا ﵊: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:٧٦]. أي: فلا يحزنك -يا رسول الله- قول هؤلاء عنك: إنك كاذب، وإنك مجنون. وإنما يحزن النبي ﵊ ذلك ويؤلمه من أجلهم، كما قال ربنا له: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]. فلعلك مهلكها وضارها لأنهم لم يؤمنوا، ولم يهتدوا ليدخلوا الجنة، فهو حريص على هدايتنا، وحريص على إيماننا، يؤذيه عدم إيماننا رحمة بنا وشفقة بنا؛ لأنه ﵊ هو الرحمة المهداة من الله للبشر، وهو الذي بعثه الله رحمة للعالمين، فكان حريصاً على هداية الناس، فإذا لم يؤمنوا أحزنه ذلك صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجزاه الله عنا أحسن الجزاء. يقول تعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس:٧٦]. أي: لا تحزن لذلك، ولا تتألم لأقاويلهم الكافرة الجاحدة. ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:٧٦]. أي: نعلم ما يسرون من تكذيبك، ونعلم ما يعلنون ويجاهرون به من عبادة الأصنام والآلهة التي اتخذوها من دون الله، ومعنى ذلك أنه تعالى يتوعدهم بأنه سيجازيهم على أعمالهم بالعذاب الدائم المقيم، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].

стр. 1654

تفسير قوله تعالى: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٨]. يقول ﷻ : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ﴾ [يس:٧٧] و (أل) هنا للجنس، أي: جنس الإنسان، وليس المراد إنساناً بعينه، بل المراد كل إنسان من بني آدم وحواء، المؤمن منهم والكافر. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس:٧٧]. فالله قد خلقنا من نطفة، وخلق أبانا آدم من تراب، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه، كما قال الله في كتابه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، ثم خلقنا بعد ذلك من نطفة تكونت من صلب الرجل ومن المرأة كذلك، فنحن أبناء نطفة تكونت من ذكر وأنثى، وهكذا كل من ولد وكل من خلق من آبائنا وأجدادنا بعد آدم وحواء، إلا عيسى ﵇، فقد خلقه الله من أم بلا أب، قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ﴾ [يس:٧٧]. هذا الإنسان الذي طغى وتكبر، وذهب يقهر البشر، وذهب يأكل أموال الناس بالباطل، وذهب يكفر بخالقه ورازقه، فلم يتذكر خلقه الأول، فقد خلق من تراب، ثم خلق من نطفة مهينة، والنطفة هي القطرة من الماء، وهي من الإنسان قطرة خاصة هي البذرة البشرية بعد ذلك، فتخرج من الصلب، ثم تكون في رحم المرأة في قرار مكين إلى أجل معلوم. ولذلك يقول الله ﷻ : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] فإذا بهذا المخلوق من نطفة ينسى أصله، فيخاصمنا ويجادلنا ويقول: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] يقول ذلك زوراً وباطلاً، ويقول ذلك كفراً وشركاً، ويخاطب به أنبياءه ويجادلهم بكلام باطل، ولو تذكر نفسه وكيف خرجت، ولو رأى غيره مثله لما قال هذا ولما خطر له على بال. يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] أي: شديد الخصومة، يتألى على الله ويقول: أنا ربكم الأعلى.

стр. 1655

تفسير قوله تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه) قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]. جاء هذا المخاصم المجادل في الله يضرب الأمثال ويقول: كيف نبعث وقد أصبحنا عظاماً نخرة فانية؟! فكيف يجمع الله خلقنا؟! ليس هذا بواقع هكذا يزعم الكفرة الجاحدون. يقول ربنا عن هذا: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] نسي كيف خلق، وذلك أعظم من إعادته، إذ الإعادة أهون من الابتداء، والكل هين على الله ﷻ ، فهو القادر على كل شيء، فهذا الإنسان نسي كيف خلق، وهو يعلم أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، ثم بعد ذلك تكون في رحم أمه، ثم بعد ذلك خرج وليداً ضعيفاً، لا يكاد يعي ولا يدرك ولا يعرف، ثم تدرج إلى يافع ثم إلى شاب ثم إلى كهل ثم إلى شيخ هرم، ثم يرد إلى أرذل العمر، ثم يعود إلى التراب كما جاء من تراب. والقادر على خلق الإنسان أولاً قادر على إعادته. وقد أخبرنا نبينا ﵊ بأن كل شيء من ابن آدم سيفنى وسيصبح تراباً إلا عجب الذنب، وعجب الذنب هو فقرة في آخر العمود الفقري، فهذه الفقرة لا تفنى، وهي بذرة بشرية، فعند النفخ في الصور النفخة الأخيرة يسقي الله الأرض مطراً، وإذا بهذا الإنسان يصبح بشراً سوياً كما كان، ويصبح ناظراً إلى آخرته، ويذهب إلى العرض على الله وإلى الحساب، فإما إلى جنة وإما إلى نار. يقول تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] أي: رميمة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] أي: ما كانت بغية. وسبب نزول هذه الآية هو أن العاص بن وائل -والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب- جاء إلى رسول الله ومعه عظم، فأخذ يفته ويذروه في الهواء، وقال للنبي ﷺ : أتزعم أن ربك يحيي هذا العظم وهو رميم؟! فقال له النبي ﷺ : (سيميتك ثم يبعثك ثم يدخلك النار)، ومات مشركاً، فمصيره إلى جهنم وبئس المصير. قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. قل -يا رسولنا- لهؤلاء الجاحدين: يحيي هذه العظام الذي أنشأها أول مرة. وهذا ضرب من القياس، حيث قاس الله خلقنا مرة ثانية على خلقنا أولاً، ففي البداية أنشأ خلقنا على غير مثال سابق قبل أن يكون، ولم يكن شيئاً مذكوراً. فهؤلاء الملاحدة قالوا: كيف نحيا بعد أن نكون رمماً، وهل سيعود آباؤنا؟ فكان الجواب لهم ما علمنا الله أن نقول، وهو جواب بمنطق العقل، ومنطق الوعي والإدراك: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] أي: بعد أن لم تكن، فإذا كان الله قد خلقنا على غير مثال سابق، فهو ﷻ أقدر على أن يحيينا مرة ثانية. قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] فهو العليم بجميع خلقه؛ لأنه خالقهم، والكل خلق الله، والكل سيفنى، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨].

стр. 1656

تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً) قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٨٠]. وهذه الحجة حجة أخرى قاطعة، فهذا المنظر يراه كل إنسان، فالأرض ييبس ورقها، وإذا بفصل الربيع يأتي، فتعود الحياة إلى الشجر، ومن هذه الأشجار نأخذ حطباً نطبخ عليه الأكل، فصارت هذه الأخشاب بعد الخضرة مادة للنار بعد أن كان فيها الماء، فالله تعالى هو الذي خلق من الماء والشجر، وخلق من الشجر ناراً، ولولا هذه النار لكنا في غاية ما تكون المشقة، فجعل الله لنا من هذا الشجر الأخضر ناراً ننضج بها اللحم، وننضج بها الخبز. فالله ﷻ يعلمنا كيف نتكلم وكيف ندعو إلى الله، فنخاطبهم بلغة العقل بما يعجزهم عن الجواب وعن الرد ويدحض شركهم، فضرب تعالى لنا الأمثال في خلق الإنسان من نطفة إلى جسد شريف، ومن الشجر الأخضر الذي يصير إلى نار موقدة.

стр. 1657

تفسير قوله تعالى: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]. بلى يا ربنا، فأنت القادر الذي خلق السموات، ونحن نراها مرفوعة، وخلق الأرض وما عليها من جبال وبحار وبشر. فهذا الذي خلق ذلك أليس بقادر على أن يخلق مثل هؤلاء المضلين؟! أليس خلْق السموات والأرض أعظم من خلق الناس؟! فأين نحن من عظمة السموات والأرضين وما فيهما وما عليهما؟! فالناس لا يخلقون ذبابة ولو اجتمعوا على خلقها، وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب. يقول تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس:٨١]. أي: أليس من خلق هذه السموات والأرضين قادراً على أن يخلق مثل هؤلاء البشر؟! بلى يا ربنا، فأنت القادر على كل شيء، ونؤمن بذلك بكل حواسنا وخلايا أجسامنا. فالله تعالى يعلمنا الجواب لهؤلاء الكافرين، فهو الذي خلق السموات العلى، وهو الذي خلق الأرض، وهو الذي خلق ما بينهما، ولم يخلق ذلك معه شريك ولا معين ولا وزير، فجل جلاله وعز مقامه. قال تعالى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس:٨١]. الخلاق: صيغة مبالغة، فهو الخالق لكل شيء، وهو العليم بكل شيء، لأنه خالقه ومدبره.

стр. 1658

تفسير سورة ص [١ - ٤] أنزل الله القرآن الكريم بحروف عربية هي من جنس كلام العرب، لكنهم لا يستطيعون الإتيان بمثله ولا بسورة منه، ولذا فهم مطالبون بالإيمان به والتصديق بما فيه وإلا هلكوا كما هلك من قبلهم من المكذبين.

стр. 1659

تفسير قوله تعالى: (ص والقرآن ذي الذكر) قال تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١]. قوله: (ص): هو حرف من الحروف المقطعة التي ابتدأ الله بها بعض السور، وقد قيل عن هذه الأحرف: هي أسماء للسور، فالحرف (ص) في سورة (ص) هو اسم علم، كمحمد وأحمد وعلي وخالد. وقال أقوام: هو اسم من أسماء الله. وقال أقوام: هو حرف لأسماء خاصة، (ص) أي: صمد وهو اسم من أسماء الله، أي: خالق واحد وهو الله ﷻ . وقال قوم: (ص) أي: صدق الله. وقال قوم: (ص) أي: صدق محمد، وغيرها من الأقوال. وهنا يمكن أن نفسر (ص) بمعنى أن محمداً قد صدق. والقرآن قد تحدى البشر والخلق، إذ نزل في مكة على نبينا سيد البشر ﷺ ، فتحداهم بأن يأتوا بآية مثله أو بسورة مثله، فعجز البشر، وهذا التعجيز لا يزال قائماً إلى اليوم، وحاول أناس كـ مسيلمة الكذاب، وكما ذكروا عن أبي العلاء المعري وغيرهما، فـ مسيلمة كان يدعي أنه رسول جاء لمشاركة النبي ﷺ في رسالته، فهرف بكلام وهذى تضحك منه الثكلى والمجنون الذي لا يعي ولا يفهم. وأبو العلاء أتى بكلام غث، إن كان يقصد ذلك فيما زعموه عنه. وهو معجز في لفظه لكل من يتكلم العربية ويفهمها، ومعجز في المعنى وفي جميع ما فيه من حقائق السماء والأرض، وخلق الإنسان، وخلق الكون فيما أكده الواقع، وأكدته العلوم الحديثة قبل عصرنا وفي عصرنا. وهناك رجل فرنسي زار المملكة فاجتمع بالعلماء وتذاكر معهم، وإذا به يؤلف كتاباً عمل فيه مقارنة بين القرآن والتوراة والإنجيل. فقال: كل ما ذكرته التوراة وذكره الإنجيل مخالف للعقل والمنطق وحقائق العلوم، ومن هنا أكد أن التوراة غيرت وبدلت وحرفت، وأن الإنجيل قد بدل وحرف وغير كما أخبر بذلك القرآن الكريم، وأنهم نقلوا الكتابين من كتابي توحيد إلى كتابي وثنية، وذهب يتكلم عن خلق السماوات وما يقوله العلم الحديث، فقال: إن القرآن قد قال هذا منذ ألف وأربعمائة عام عن النجوم وعددها ودورانها وأجسامها، وعن الليل والنهار، وعن البحار والجبال والوهاد والأشجار والإنسان، فقال: كل ما ذكره القرآن من علم الطبيعة كخلق السماء والأرض وخلق الإنسان، أكده العلم الحديث الذي يتباهى به الناس في هذا العصر، ويقولون: هو عصر العلم، وعصر النور، فقال بعد مقارنة كاملة: إن ما ذكره القرآن قبل ألف وأربعمائة عام سبق كل الموجودين في الأرض. وعندما كان هؤلاء أقرب إلى الدواب فهماً ودراسة وعلماً، وأبعد عن فهم أي شيء، وكان المسلمون مؤمنين بنبيهم وبرسالته، وبالكتاب المنزل إليه، فإنهم يعرفون ما لم نعرفه إلا في هذا العصر، عرفوا ذلك قبلنا بألف وأربعمائة عام، ونحن نقول هذا جواباً للمتشككين ولأمثال هذا، وإلا فنحن على يقين في كلام ربنا، وإعجازه وصدقه وجميع حقائقه. وما دام القرآن معجزاً لفظاً ومعنىً، ونزل بلغة العرب، فإن العرب مشهورين وهم أفصح الناس على الإطلاق وأبلغهم، ووهبوا بياناً وفصاحة وخطابة وشعراً ومحاضرةً وحديثاً، فكيف عجزوا؟ فسألوا: من أي شيء صنع القرآن؟ فقيل: من حروف الهجاء، وهي اللبنات التي عليها قامت هذه اللغة من أولها إلى آخرها. فرأى العربي في ألفاظه جمالاً وبهاء فعجز، فقال: أنا أستطيع أن أصنع مثل ذلك، فصنع من تراب والتراب موجود، وصنع من حجارة موجودة، وصنع من حديد والحديد موجود، فقيل له: اذهب فابن، فذهب فبنى برادة ثم بنى خيمة، فكان بينها وبين ذلك البناء ما بين السماء والأرض، وهكذا مم صنع القرآن؟ الجواب كان كلامه ونطقه من (أ، ب، ت، ث) حروف الهجاء العربية. (ألم) (كهيعص) (ألر) (ص) فمن هذه الحروف صنع القرآن، ومن هذه الحروف تكلم الله فهذه الحروف بين أيديهم، فهل استطاعوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن؟! لا زال التعجيز قائماً منذ نزول هذا الوحي الكريم بألف وأربعمائة عام، وإلى يوم النفخ في الصور، ولذلك فإن النبي ﵊ أخبر بأن معجزته الخالدة والتالدة التي رآها من عاصرها وقت الوحي من الأصحاب، والتي جاراها من يأتي بعده ﵊ وإلى عصرنا وإلى يوم القيامة هي القرآن الكريم. ونحن أدركنا هذا وآمنا به جميعاً، فهو المعجزة العظمى لنا بكوننا آمنا به عن دليل وبرهان ويقين، لا مجرد تقليد للآباء والأجداد، هذا كتاب من الله آمنا به وصدقنا، فإن قيل: والإنجيل من الله والتوراة من الله فلم بدلتا، ولم حرفتا، ولم غيرتا؟ الجواب لأن الله تعالى عهد بحفظ التوراة والإنجيل إلى علماء بني إسرائيل فعجزوا عن ذلك، فبدلت وغيرت، أما القرآن فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. فهو الذي تعهد بحفظه وبدوامه، وبعدم تغييره ولا تبديله، وها نحن قد جئنا بعد محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام بألف وأربعمائة عام، في عصر الضلال واليهود وعصر التبرج والفواحش والظلمات، وأعداء القرآن وأعداء رسول الله ﷺ والمسلمين أكثر أهل الأرض، بل ومن أعداء القرآن الكثير من المسلمين أنفسهم، ولقد حاولوا غير مرة وفي كثير من العصور أن يحرفوه أو يبدلوه وهيهات هيهات. فلا زال القرآن الذي نتلوه هو القرآن الذي كان يتلوه محمد سيد البشر ﵊ في مكة المكرمة، وفي المدينة المنورة، وهو الذي كان يتلوه الصحابة والتابعون كما نتلوه نحن، ليس فيه كلمة زائدة ولا كلمة ناقصة. فمعنى هذا: أن الله الذي تعهد بحفظه قد أنجز ذلك، الله وصف القرآن بالإعجاز، وتحدى به الخلق أن يأتوا بآية مثله أو بسورة، وهيهات هيهات، لا زال الإعجاز قائماً. فقد أدركنا أعظم كاتب في الأرض، وربما لم يكن منذ ألف عام من يشبهه، وهو مصطفى صادق الرافعي ﵀، فمع بلاغته وفصاحته وحسن بيانه هيهات أن يشبه كلام الله، أو يقارب شيئاً من القرآن، فسيبقى الفرق بين الخالق والمخلوق، وبين كلام الله وكلام المخلوق. وقد جمع مصطفى صادق الرافعي كتاباً سماه وحي القلم، وهو بحق وحي القلم، وسيد البشر ﵊ الذي أعطي جوامع الكلم، وكان سيد العرب فصاحة وبلاغة خطيباً ومتكلماً ومحاوراً، فهذا كلامه بين أيدينا في الصحاح الست وغيرها، بين كلامه وبين كلام الله ما بين محمد والله، ما بين الخالق والمخلوق، لأن هذا كلام الله، وذاك كلام البشر المخلوقين. فهذه المعجزة كانت البينة القاطعة لنا لإيماننا، والتسليم على أن القرآن كلام الله، دعك من فصاحته، ودعك من حلاوته وطلاوته، نقرأ الكتاب مرة فنقول: ما أفصحه، وما أفصحها، ما أبلغه وما أبلغها، فإذا قرأناه مرة ثانية فقد يضعف في النفس مع التكرار ومرة ثالثة ومرة رابعة ثم نمل، ونقول: دعنا من هذا الكلام المكرر المعاد. ونقرأ كتاب ربنا صباحاً ومساءً في هذه الجمعة، والجمعة الثانية مدة حياتنا، ومنذ كنا أطفالاً وإلى عصرنا قد تجاوزنا الستين، فنجده في كل مرة أحلى من الأول وأبلغ وأفصح فلا نمل ولا نكل. وفي كل مرة نفهم معنىً جديداً، وننتبه لشيء جديد، فلن نجد هذا في كلام أحد من الخلق قط، حتى في كلام سيد البشر خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. فقوله تعالى: ﴿ص﴾ [ص:١] أي: صدق محمد، ولهذا غيرنا العادة؛ لأن هذا قسم، فلم نجد المقسم عليه، إلا ما قاله بعض المفسرين: إن (ص) معناها: صدق محمد، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١] المقسم عليه، فكأننا نقول: حقاً والله سافروا، حقاً والله حضروا، فهذا كثير في كلام العرب، فإذا قلنا: صدق محمد، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١] يبقى معناه: والقرآن ذي الذكر إن محمداً لصادق؛ لأنه سبق أن كذبوه، فيكرر الله هذا بطريق أخرى وأسلوب آخر، وبمناسبة جديدة بأن محمداً صادق، ورسول حق، أرسله ربنا ينطق بالقرآن حقاً، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. قوله: (والقرآن) الواو: واو القسم، كأننا قلنا: بالله وتالله، والواو أداة قسم. قال: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف:٤٤]، (وإنه) أي: القرآن شرف لك يا محمد! وشرف للعرب والمسلمين، شرف للعرب لأنه نزل بلغتهم، وشرف للمسلمين لأنهم آمنوا به، واهتدوا بهدايته، وساروا على طريقته. وخص الذكر بالأحكام من الحلال والحرام، خصه من البيان والتعريف ونشر الحقائق، وكل ذلك في القرآن. ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١] أي: ذي الشرف الذي شرف به كل مؤمن بتلاوته وبالحلال والحرام وبالعلم وبالأخلاق وبالنور، كل هذه المعاني يشملها ذلك. والقرآن كتاب الله المبتدأ بالحمد لله رب العالمين فالله يقسم به، والقسم بالقرآن شرع، فالقسم يكون بالله أو بصفة من صفاته أو بكلامه أو بنعت من نعوته، كل ذلك يدخل في قول النبي ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت).

стр. 1660

تفسير قوله تعالى: (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) قال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص:٢]. بل: حرف إضراب، وهو صرف الكلام الماضي واعتماد كلام آت، أي: دعك من كفر الكافرين وشرك المشركين، وكوننا أقسمنا على صدق نبينا فهذا حق لا مرية فيه، ولكن مع هذا ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص:٢] فالكفار هؤلاء الذي أوحى لهم بهذا الوحي الشيطاني في تكذيب الرسالة المحمدية والكتاب المنزل عليه هو كفرهم وشركهم ووثنيتهم وما هم عليه من عزة، والعزة هنا: تكبرهم، واعتزازهم بأنفسهم، وتعاظمهم على الله ورسوله. (وشقاق) أي: شاقوا الرسول وعصوه وخالفوه، فكان النبي ﷺ والمسلمون في شق، إذ انشقوا عليه، وخرجوا عن طريق المؤمنين إلى طريق الكافرين، فخرجوا عن طريق المصدقين إلى طريق المكذبين، بل علة هؤلاء كفرهم وتكبرهم وعصيانهم ومخالفتهم، وشقاقهم على رسول الله ورسالته، فليس الأمر أمر دليل أو برهان، أو وحي أو كتاب، ولكنهم في أنفسهم لم يعجبهم إلا الكفر، ولم يؤمنوا إلا بسلطانه، فابتعدوا عن حزب الله، وكانوا من أحزاب الشيطان.

стр. 1661

تفسير قوله تعالى: (كم أهلكنا من قبلهم من قرن) وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣]. هؤلاء الذين تعاظموا واعتزوا بأنفسهم، وكذبوا كتاب الله، ورسول الله ﷺ ، ألم يفكروا كم مضت قبلهم من قرون وأجيال؟ و (كم) هنا للتكثير، أي: ما أكثر أولئك من القرون الماضية والأجيال السابقة ممن كانوا أعظم منهم حضارةً وقوة، وأعظم منهم إرادة وحكماً وسلطاناً أين هم؟ قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] عندما حل عليهم عذاب الله، وبلغت الروح الحلقوم، وأصبحوا تحت العذاب في الآخرة نادوا وتضرعوا ودعوا ربهم -وهيهات هيهات- قال تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] أي: وليس الزمن زمن فرار، بل زمن ابتعاد عن عذاب الله وعقابه، وليس الوقت وقت إيمان، فقد سبق وقت الإيمان، وطولبوا بالإيمان وهم أحياء؛ ولذلك كان ﵊ يحثنا على أن ننتهز حياتنا قبل موتنا، وشبابنا قبل شيخوختنا، وصحتنا قبل مرضنا، وفراغنا قبل شغلنا، ومن لم ينتهز ذلك ولم يستفد منه كان كمن حارب السيف فغلبه، فالوقت كالسيف من لم يقطعه قطعه، فعندما أصبحوا في النيران وفي غضب الله أخذوا ينادون ويضرعون: يا مالك! ادع لنا ربك، ولكن هيهات هيهات، ألم تأتكم رسل الله بحدود الله، ألم يأمروكم بأمر الله؟ قالوا: بلى، وما دعاء الظالمين إلا في ضلال، وهكذا دواليك، ضلوا وأضلوا، ولم ينفعهم ذلك، فليس الوقت وقت دعاء ولا وقت ضراعة، لقد فات الوقت، وانتهت الحياة، وبقي حساب الله وعقابه ﷻ . قال ابن عباس ﵁: منذ مدة وأنا أحاول تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] ما معنى: مناص؟ إلى أن تعلمتها من طفل بدوي من الذين لا يزالون يتكلمون على الفطرة بطبيعة لغتهم وهي العربية الفصحى، فوجد طفلاً يلعب عند جحر النمل، ويسور هذا الجحر، يرفع عليه سوراً من رمل، فتريد النملة أن تخرج فيرفع السور من الرمل أكثر، ويقول للنمل: لا مناص لا مناص، أي: لا مفر لا مفر، فقلت: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] أي: ولات حين مفر، فكان ابن عباس يذكر هذا ويقول: تعلمت هذا عن طفل بدوي أعرابي. والأمر كما قال ﵊: (الحكمة ضالة المؤمن فأنى وجدها فهو أحق بها)، وقيل: (تعلموا العلم ولو في الصين) كتبت كتاباً في حياة مالك، وصدر منذ سنوات، وقلت فيه: إن أبا حنيفة قد روى عن مالك، فإذا بكاتب في صحيفة ومجلة سعودية مشهورة كتب مقالاً وأقام الدنيا ولم يقعدها وقال: كيف يقول فلان بأن أبا حنيفة وهو أسن من مالك قد روى عن مالك، وظن أن هذه مصيبة وبلية أصابت المسلمين، وكادت تسقط السماء وتخسف الأرض. وقديماً قالوا: لا ينبل الرجل حتى يروي عمن هو فوقه ومن هو دونه ومن هو مثله، فكون أبي حنيفة روى عن مالك هذا لا ينقص مالكاً في شيء، ويبقى مكانه محفوظاً، وباب كبير في مصطلح الحديث عنوانه: باب رواية الأكابر عن الأصاغر، أي: الأكابر سناً وأحياناً الأكابر مقاماً، والنبي ﷺ روى عن تميم الداري وهو على المنبر، وأين رسول الله من تميم؟! وقف على المنبر وقال: حدثني تميم بقصة الجساسة وهي قصة طويلة، وقال تميم وقال تميم، ولذلك علماؤنا ومحدثونا يبتدئون الأمثلة برواية الأكابر عن الأصاغر، وبرواية رسول الله ﵊ عن تميم. عندما رأيت الأمر وصل لهذا قلت: سيكون هناك شغب ولا فائدة، سيكون الجواب لا جواب، فلم أجب عليه، ولكن لم أفرغ في مناسبة لتصفح الكتاب مرة أخرى، فقد طبع ثلاث مرات. فقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص:٣] أي: كم أهلك ربنا قبلهم، وكم للتكثير، فما أكثر من أهلك، وهم أعظم من قريش وأعظم من العرب قوة وملكاً وسلطاناً وغنىً وحضارة، ذهبوا وماتوا، ونتذكر أمثلة قد ملئ القرآن منها بالكثير الكثير، فهل ظن هؤلاء أنهم سيعجزوننا أن نؤدبهم أو أن ننتقم منهم ونعاقبهم. وكونهم دعوا إلى الله وغرغروا بالموت فهيهات هيهات أن ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت، إذ لا مناص ولا مفر من عذاب الله وعقوبته، وليس الوقت وقت إيمان، قد فات وقته.

стр. 1662

تفسير قوله تعالى: (وعجبوا أن جاءهم منذر منهم) قال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:٤]. وقالوا: هذا المنذر الذي أنذرهم وتوعدهم هو واحد منهم ومن بينهم، ليس بأكبرهم سناً، ولا بأغناهم مالاً، كما قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا﴾ [الزخرف:٣١] على أحد من العظماء كما يتصورونه ﴿مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: من الطائف أو مكة، جاء محمد ﷺ الوحي ولم يتجاوز أربعين سنة، وهم أبناء السبعين أو تجاوزوها، فاستكثروا على واحد منهم ليس بأسنهم ولا أغناهم.

стр. 1663

تفسير سورة ص [١٢ - ١٧] يذكر الله أخبار المكذبين من السابقين، وهم قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وقوم لوط، وأنه أهلكهم رغم ما كانوا فيه من قوة وجبروت، وما آتاهم الله من الجاه والسلطان، فكذلك المكذبون من هذه الأمة إذا لم يؤمنوا أهلكوا.

стр. 1664

تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد) قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص:١٢ - ١٤]. هؤلاء الذين كذبوا وكذّبوا، وكفروا ونشروا الكفر وجحدوا وأصروا على الجحود، وآبوا إلى من سبقهم من أئمة الكفر، فكفروا كفرهم، ونشروا ضلالهم، وكانوا عوناً على الأنبياء للكافرين، هؤلاء يقول الله عنهم منذراً ومهدداً: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص:١٢ - ١٤]. يقول ﷻ معلماً ومبلغاً رسوله ﷺ : لقد كفر وكذب الذين من قبلكم، وكانوا أقوى منكم سلطاناً، وأكثر جنداً، وأغنى مالاً، وأطول حياة، وأعظم حضارة، فكذب قبلهم قوم نوح الذين عاشوا ألف سنة أو ألفين، واستمر نوح يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومع ذلك أبى الله ﷻ بعدما أملى لهم وأمهلهم إلا نهايتهم وإغراقهم بالطوفان، فلم يبق منهم إلا من آمن، وما آمن مع نوح إلا قليل. فقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ [ص:١٢] أي: قبل هؤلاء الأحزاب من كفار الناس عرباً وعجماً الذين دعاهم رسول الله ﷺ إلى الله وإلى الإيمان به، ولكنهم أصروا على الكفر والجحود. قوله: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ص:١٢]. كلمة (قوم) مذكرة، وكذبت: مؤنثة، وروعي فيها المعنى، أي: عشيرة نوح أو قبيلة نوح أو طائفة نوح، وما كان كذلك يذكر ويؤنث فيقال: كذب قوم نوح وكذبت قوم نوح. قال تعالى: ﴿وَعَادٌ﴾ [ص:١٢]. ومعلوم حال عاد، فقبائل عاد كانوا أقوياء الأقدام طوال الأجسام وكانوا عمالقة، ولا يزال بعض ذلك يوجد في مأرب، ويوجد حفائر في بلاد العرب والجزيرة، بل ومثل ذلك في جميع بقاع الأرض تركه الله أثراً من آثار أولئك، ومنذراً لمن فعل فعلهم أن يعاقب عقوبتهم وأن يدمر دمارهم، وأن يهلك هلاكهم. قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ﴾ [ص:١٢]. فرعون الذي قال يوماً: أنا ربكم الأعلى، ومن غريب أمر الفراعنة أن فرعون يدعي الألوهية، وفرعون آخر يذل لليهود فيبيع دينه وكرامته وشرفه ووطنه وقومه، وشأن فرعون أن يدعي الألوهية لا أن يكون عبداً لليهود الذين صاروا قروناً عبيداً لآبائه وأجداده، وفرعونية هذا العصر فرعونية ذل وهوان، ليست دعوى ألوهية ولكن دعوى اليهودية والذل والهوان، والكل يلقى عقابه ويلقى جزاءه، ولجزاء الله أشد وأنكى. ففرعون موسى قال: أنا ربكم الأعلى، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، وكان له أوتاد ينصبها يعذب بها الناس، فيربط الأيدي والأرجل، ويعذب هذا الذي يريد أن يعذبه ولا يؤمن بألوهيته وتسلط عليه العقارب والحيات والهوام، وهو يتضاحك بعذابه، يربطه بالأوتاد إلى أن تنفصل أعضاؤه بعضها عن بعض، تقول العرب: فلان ذو أوتاد أي: ثابت وقوي وذو سلطان وذو بهاء، وذو طغيان وجبروت، وكل ذلك يمكن أن يطلق ويفسر به الآية الكريمة، فلقد كان فرعون -وحدث عن بني إسرائيل ولا حرج- من الظلم والأذى والطغيان والجبروت على الخلق حتى أذله الله وأهانه وأغرقه، وبقي جسده عبرة لمن يعتبر إلى عصرنا هذا. قال تعالى: ﴿وَثَمُودُ﴾ [ص:١٣]. أي: وثمود قوم صالح كانوا أصحاب طغيان وحضارة وغنىً، فازدادوا كفراً بذلك ولم يشكروا النعمة، ولم يحمدوا ربهم فعاقبهم الله بما عاقبهم. قال تعالى: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ [ص:١٣]. عندما نشروا الفاحشة التي لم يسبقوا لمثلها من الاستغناء بالذكران عن النساء، وحاولوا بكل فسوق أن يلوطوا بالملائكة عندما تشكلوا إنساً، فما كان من الملائكة إلا أن أشاروا إليهم فصرفت أبصارهم عنهم، وجاء عذاب الله من فوقهم ومن تحتهم، وقذفوا بحجارة من نار، ورفعوا إلى أن سمعت الملائكة في السماء صياح ديكتهم ونهيق حميرهم، ثم قلب جبريل أرضهم أرض سدوم عاليها سافلها، ولا تزال آثارها إلى اليوم وهو ما يسمى بالبحر الميت، وهذا تصديق لما نزل على نبينا عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ [ص:١٣]. الأيكة: الغابة الكثيفة، وهم قوم شعيب، وقيل: كانوا مستقيمين ثم كفروا وكذبوا نبيهم شعيباً فانتقم الله منهم. فهذه الأقوام كلها قال الله عنها: ((أولئك الأحزاب))، أي: أولئك هم الأحزاب في طغيانهم وقوتهم وشدة بأسهم، لا هؤلاء الذين ما حكمهم حاكم يوماً ولا اجتمعت لهم كلمة، ولا نصبت لهم أمة، ومع ذلك أبوا إلا الكفر بسيد الأنبياء وإمام الخلق ﷺ ، وما خافوا ولا هابوا عذاباً ولا عقوبة، فهؤلاء كانوا أفضل منهم جاهاً وسلطاناً وأعماراً وأبداناً، ومع ذلك لم يفلتوا من العذاب، وما عند الله أشد وأنكى. قال تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص:١٤]. (إن) معناها: ليس أو ما، فإن: نافية أي: ما كل هؤلاء، قوله: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص:١٤] أي: وجب عقابهم ودمارهم وهلاكهم، ولقد فعل ربنا ذلك فمضت الأزمنة والأعمار وقصصهم لا تزال تذكر في كتاب الله عبرة للمعتبرين. وكثيراً ما يتساءل بعض الجهلة الذين درسوا على أيدي اليهود والنصارى وفي جامعاتهم ويقولون: نحن نؤمن بإله واحد، ولكن لا نؤمن بالرسل، ولكن الله يخبر أنه عذب قوم نوح ومكر بهم وبقية من ذكر؛ لأنهم كذبوا رسلهم، كذبوا نوحاً وهوداً وصالحاً ولوطاً وشعيباً والأنبياء السابقين، فكانوا لتكذيبهم رسلهم استحقوا العذاب في الدنيا، وعذاب الله أشد يوم القيامة. وعلى ذلك فلابد من الإيمان بالله واحداً وبالرسول المبعوث مرسلاً، فنبينا قد بعث للعرب والعجم فهو نبي الخلق جميعاً، وهو الرسول الخاتم الذي لا نبي بعده ولا رسول، كذلك الإيمان بالإله الواحد ﷻ لا يكون إلا عن طريق الأنبياء؛ لأننا وجدنا من يدعي أنه يؤمن بالله فتراه يعبد حجراً أو يعبد ملكاً أو يعبد حيواناً. فنحن عندما نؤمن بمحمد سيد البشر ﷺ فعنه تعلمنا التوحيد؛ لأن ربنا ﷻ لا يشبه أحداً من خلقه ولا يشبهه أحد من خلقه، فكل ما يخطر على بالك فربنا مخالف له، فهو الواحد صفةً وأفعالاً وذاتاً ﷻ وعلا مقامه، وهكذا فإن الطرق مسدودة مغلقة إلى الإيمان بالله إلا عن طريق محمد خاتم الأنبياء ﷺ .

стр. 1665

تفسير قوله تعالى: (وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق) قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص:١٥]. يقول الله تعالى: ما ينتظر هؤلاء الكافرون من العرب وممن كان في عصر النبي ﷺ من العجم إلا الصيحة، إذ إن الجميع معنيين بدعوته ﷺ ، ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، فهو عندما دعاهم لزمتهم دعوته والإيمان به، فمن لم يفعل فهو كافر مخلد في النار، وكما قال نبينا ﵊: (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). وسينزل عيسى في آخر الزمان وهو على دين نبينا دين الإسلام، فيصلي صلاتنا، ويحج حجنا، ويشهد شهادتنا. والأنبياء من قبل إنما هم أنبياء قوميون، نبوءتهم ورسالتهم موقوتة في زمن معين لأقوام معينين، ويقول النبي ﵊: (كان الأنبياء السابقين يبعثون إلى أقوامهم خاصة وبعثت إلى الناس كافة)، فعيسى ﵇ عندما ينزل سينزل تابعاً لنبينا ﷺ . قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص:١٥]. والصيحة كما في الحديث الصحيح في الكتب الستة: أن إسرافيل فمه في البوق وجبهته منحنية ينتظر أمر الله ﷻ لينفخ في الصور. وهي نفخات ثلاث: نفخة الفزع التي يرعب فيها كل حي، ثم نفخة الموت فيموت الجميع ويبقى الله الواحد، فيقول: لمن الملك؟ فيجيب على نفسه: أنا الملك أين الملوك؟ وهانحن نرى من ادعى أنه ملك الملوك، كيف أذله الله وحقره حتى عجز عن أن يجد مكاناً ينام فيه، ورفضته أرض المسلمين وأرض النصارى وأرض اليهود، ويوشك أن يدخل باطن الأرض فيجد من عذاب الله ونكاله ما هو صالح لأمثاله؛ لأن النبي ﵊ قال: (إن أذل الأسماء وأخنعها ملك الملوك). ولذلك من تألى على الله ووصف نفسه بصفة هي من صفات الله كان حرياً أن يذل ويهان، ومن يتأله على الله يكذبه، ومن يجعل نفسه إلهاً يقصمه الله فيهينه ويذله ويحقره ويجعله عبرة للمعتبرين في حياته وبعد مماته. فقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [ص:١٥]. أي: لا ينتظرون بعنادهم وكفرهم إلا أن ينفخ إسرافيل في الصور، ويحشرون إلى الله للعرض عليه والحساب والعقاب، وإلى النار خالدين فيها مخلدين، فليكذبوا إن شاءوا، وهيهات هيهات أن ينكروا ما تشاهده عيونهم وتحسه أجسامهم، فهم في العذاب كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. قال تعالى: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص:١٥]. أي: ليس لها رجعة، فلا يمكن أن يعودوا مرة أخرى للدنيا فهذه النفخة لا تعاد مرة أخرى، فإذا كانت نفخة فزع أتت بعدها نفخة الموت، وإذا كانت نفخة موت أتى بعدها البعث والعرض على الله ليجازى المحسن والمسيء حسب عقيدته وصدقه. يقال: (فواق) أي: رجعة وتردد، أي: ما لهذه النفخة رجعة ولا تردد ولا عودة. ويقال (الفواق) بضم الفاء: وهي حلب الناقة مرة بعد مرة، إذ تحلب الناقة ثم تترك زمناً ليرضع منها فصيلها، وتترك حيناً ويعود إليها الحليب مرة أخرى، ثم تحلب مرة أخرى وهكذا.

стр. 1666

تفسير قوله تعالى: (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]. قال هؤلاء الكفرة المستهزئون: يقول لنا محمد إن لنا نصيباً من الجنة إن آمنا، وإن لنا نصيباً من عذاب الآخرة إن بقينا على الكفر. القط: الكتاب، والمقصود: الحظ، ومن المعلوم أن المؤمن يأخذ كتابه بيمينه والكافر يأخذه بيساره، فهم طلبوا أن يروا حظوظهم من الجنة إن آمنوا، وحظوظهم من النار إن كفروا فطلبوا تعجليها. فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦] أي: عجل لنا حظنا وما قدرته لنا في الآخرة نريده معجلاً عذاباً كان أو رحمة. قوله تعالى: ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]. أي: قبل الحساب الذي ذكره الله يوم القيامة، فيطلبون تعجيل كتابهم وهم لا يزالون أحياء، ويطلبون نصيبهم من الجنة إذا هم آمنوا، وأما الدنيا فمهما كانت فإن جنتها زائلة، ولكنهم قد يعيشون طيبين صالحين عابدين لو آمنوا، ولكنهم كفروا وأصروا على الكفر والجحود.

стр. 1667

تفسير قوله تعالى: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود) قال تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧]. يقول الله لنبيه ﷺ : لست وحدك المكذب من بين الأنبياء، فقد كذبوا قبلك نوحاً، وكذبوا قبلك لوطاً، وكذبوا هوداً، وكذبوا صالحاً، فـ ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص:١٧].

стр. 1668

تفسير سورة ص [١٧ - ٢٠] في القرآن الكريم يذكر الله قصص كثير من النبيين للاتعاظ والاعتبار، ومن ذلك ما ذكره الله تعالى من قصة سيدنا داود ﵇ في سورة (ص) وأنه كان أواباً حتى سخر الله معه الجبال والطير تسبح بالعشي والإشراق.

стр. 1669

تفسير قوله تعالى: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود) قال الله ﷻ : ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧]. لا نزال في سورة (ص) مع داود ﵇، ومع نبينا ﵊ وهو يدعو قومه والناس أجمعين إلى عبادة الله الواحد، وترك الأصنام والأوثان والشركاء من غير الله، فقال الله له: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص:١٧]. يسليه ﷻ ويعزيه بعد أن قص علينا قصص أولئك الكافرين الجاحدين من تكذيبهم له، ومن صدهم لرسالته، وحربهم لدينه، ومقاومتهم لأتباعه، وكفرهم بالله صباح مساء، ولكن الله أنكر عليهم وهددهم بما صنع بالأمم السابقين، ثم وعد نبيه وصبره فقال: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص:١٧] أي: اصبر يا محمد! فإن لك أجراً عندما تدعوهم إلى الله. ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص:١٧] أي: من تكذيبك، وعدم الإيمان بك. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧]. ثم أخذ يذكر له قصص الأنبياء من إخوانه السابقين وآبائه كقصة داود وسليمان وأبيه الأعلى إبراهيم وإسماعيل وبقية أنبياء بني إسرائيل، وما حصل لهم من المشركين الكافرين ممن لم يقبل رسالتهم ودعوتهم فقال له: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ [ص:١٧] أي: تذكر داود وما أُملي عليك فيه فيما سبق من سور وآي. قوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ [ص:١٧] ونسبة عبوديته إلى الله فيها تشريف لداود، وداود هو أبو سليمان، وهو أحد كبار الأنبياء من بني إسرائيل، وكبار قومه بما أعطاه الله من معجزات وكرامات، وهي مفصّلة في سورة الأنبياء، وهنا يذكر الله عنه قصة فيها عبرة. قوله: ﴿ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧]. أي: صاحب الأيد، والأيد: القوة. قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٧] أي: رجّاع لله، ورجّاع للحق. و (آب) أي رجع، والأواب: كثير الرجوع، أي: كثير الرجوع إلى الله في عبادته وطاعته وأعماله، وقد قال النبي ﵊ كما في الصحاح: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، فقد كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) أي: كان يوزّع أيامه يوماً للعبادة ويوماً للقضاء والفصل بين المتخاصمين، ويوماً لشئونه الخاصة ونسائه.

стр. 1670

تفسير قوله تعالى: (إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق) قال الله عنه: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨]: أي: من معجزات داود أن الله هيأ له الجبال تسبّح وتذكر الله معه، وتوحّده معه حيث سار من الأرض. ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨]. في العشي: في المساء إلى الغروب، وفي الصباح منذ الإشراق إلى المساء. وكون الجمادات توحّد وتسبّح هذا من المعلوم ضرورة في السرائر، وقد قال الله عن الأشياء كلها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] (وإن من شيء) أي: جماداً كان أو متحركاً، حيواناً كان أو إنساناً، ملكاً كان أو جناً، كل ذلك يسبّح الله ويعبده ويوحّده، ولكننا لا نفهم تسبيحهم ولا لغتهم ولكن الله يفهم لغتهم وتسبيحهم لداود وولده سليمان عليهما وعلى نبينا السلام، كما أفهم ذلك لنبينا ﵊، فقد كلّمه الجذع والضب والجمل والجماد. قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾ [ص:١٨] ومن المعلوم أن لداود صوتاً كان إذا سمعه الطير والشجر والحجر حنَّ وأنّ إليه، وسبّح بتسبيحه، وذكر الله بذكره، وقد مر رسول الله ﷺ ليلاً على أبي موسى الأشعري وهو يقرأ القرآن، فوقف برهة ينصت إليه معجباً بصوته وتلاوته وبتدبّره للتلاوة والقراءة، فلما أصبح الصباح قال له ﵊: (لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود) أوتي جمالاً وحلاوة في الصوت كأنه صوت ومزمار داود، وقد قال ربنا: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] وقُرئ ﴿يَزِيدُ فِي الْحَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] هكذا كان داود، فإذا أخذ يتلو الزبور ويذكر ربه ويوحده ويسبحه أو يبكي على ذنبه أو زلّته فهو يتلو ويتغنى بتلاوة ما أُنزل عليه من كتاب الله الزبور، ومن تسبيحه وتحميده، كان يسبّح معه -حال تسبيحه- الطير والجماد، والشجر والحجر، وكل من في الأرض ممن يسمع صوته ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨] في العشي مساء، وفي الإشراق صباحاً. قال عبد الله بن عباس: (ما كنت أدري ما صلاة إشراق حتى قالت لي أم هانئ: إن النبي ﷺ يوم الفتح دخل عندها فاغتسل وصلى ثمان ركعات ضحى وإشراقاً، وقال لها: يا أم هانئ! هذه صلاة الإشراق). وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي ﷺ ثلاث وصايا: قال: لا تنم إلا على وتر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام، وصل ركعتي الضحى). وصلاة الضحى: هي ثمان ركعات في الأكثر، وركعتان في الأقل، وهي سنة مستحبة عند جميع المذاهب، ووقتها عند شروق الشمس وصعودها في الأفق، وتعميمها على الأرض وهاداً وجبالاً، يقال لغة: شرقت الشمس أي: طلعت، وأشرقت الشمس: أي ابيضّت، وصعدت في الآفاق وأنارت الجبال والوهاد: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ﴾ [ص:١٨].

стр. 1671

تفسير قوله تعالى: (والطير محشورة) قال تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٩]. أي: كما سخّر الله له الجبال تُسبّح معه عشية وصباحاً سخّر له الطير، والألف واللام للجمع أي: جميع أنواع الطير، فكانت كذلك تحوم في الجو عندما تسمع داود يتغنى بذكر ربه، وبتوحيده وتسبيحه، وذاك معنى قوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ [ص:١٩] أي: محبوسة واقفة في الهواء تسبّح وتوحّد وتنزّه وتمجّد ربها مع داود نبي الله، وهو يسبّح، ويتلو الزبور بصوته الشجي، قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:١٩]. ((كُلٌّ)) التنوين هنا تنوين العوض أي: كل الجبال والطير والحيوانات تجدها أوّابة ومطيعة.

стр. 1672

تفسير قوله تعالى: (وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة) قال تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠]. جمع الله لداود بين الملك والنبوة، وشد ملكه وآزره وقوّاه، وجعل له من مظاهر العفّة والقوة والمال وكثرة الجند ما كان على بابه من الحرس والجند (٣٣٠٠٠) صباحاً و (٣٣٠٠٠) مساء، ولا يأتي الشخص الدور لحراسة داود إلا مرة في العام قالوا: لكثرة جيوشه وحرسه وجنده، وما أعد الله له وهيأ وذلّل من غنى ومال وسلطان وجاه في قيام ملكه، وقيام رسالته، فكان قوياً في ملكه ورسالته وعبادته، ذا أيد كما وصفه الله ﷻ . وقال بعض المفسّرين في تفسير ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص:٢٠]: جاءه خصمان يشتكي أحدهما الآخر، وقال المشتكي: إن فلاناً غصبني بقري، فأرجأه إلى اليوم الثاني، وإذا بهما يأتيانه، فيأمر داود بقتل المدّعي الذي أُخذت بقره، فقال المشتكي: يا نبي الله! أنا المظلوم، وأنا الذي غصبت بقري، فكيف تأمر بقتلي؟! قال: فلقد أمرني الله بقتلك، فانظر ماذا صنعت؟ قال: إن كان ولا بد فهو لم يأمر بقتلي لهذه الشكوى، ولكنني سبق لي أن قتلت أبا هذا الذي غصب بقري، ولم يعلم بذلك إلا هو، فقد آن أوان القصاص والعقاب على فعلي هذا. عند ذلك اشتد ملكه، وأصبح جميع رعيته وأتباعه يهابونه، ويخشون أن يكتموه ذنوبهم ومعاصيهم التي اكتشفها بوحي من الله، فأمر بقتل الجاني على جناية سبقت منه لا على الذي اشتكى منها وهو منها مظلوم. وإن صحت هذه القصة فهي لا تتنافى مع عموم معنى الكلمة ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص:٢٠] أي: شد ملكه بالجاه وبالجند وبالحكمة والسلطان، وبقوة المال والمعرفة للقضاء والأحكام. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠] أي: أكرمناه بمعرفة الحكمة والصواب والرسالة والنبوة، وقد قال الله تعالى لأمهات المؤمنين: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] وهي سنة النبي ﷺ . ولقد كان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب حديث النبي ﷺ ثم توقف؛ فقال له النبي ﵊: (ما بالك لا تكتب؟ فقال: يا رسول الله! لقد قالت لي قريش: أتكتب عن رسول الله كل ما يقول وهو بشر ينطق بالرضا والغضب؟! فقال له رسول الله ﵊: اكتب فوالله لا يخرج منه إلا الحق) وهو الحكيم ﷺ ، وقد أوتي جوامع الكلم. قوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠]. فصل الخطاب: الفصل في القضاء ومعرفة الحكم، وتمييز الظالم من المظلوم، ومعرفة الحقوق، وأين ذهبت؟ ومن غصبها؟ ومن غُصبت منه؟ وهي علم قائم بنفسه. وقد يكون الرجل عالماً كبيراً ويكون مغفلاً فلا ينتبه للظالم من المظلوم، وبالتالي لا يولى لأخذ الحقوق من الظلمة، وقد يكون الرجل قليل العلم ولكنه أُعطي معرفة الظالم من المظلوم حكمة وبداهة وفطرة، وهذا كثير في تاريخ القضاء والقضاة، وفي تاريخ المسلمين القديم والحديث، فكان داود قد أُعطي فصل الخطاب، وما هو فصل الخطاب؟ قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: هو الحكم بالبينة على المدّعي واليمين على من أنكر. وقيل: فصل الخطاب: إرجاء الدعوى زمناً لعله يهتدي ويميّز الظالم من المظلوم، خاصة وقد يكون الظلمة لسنين فُصحاء بباطلهم، ويكون المظلوم عيي اللسان في بيان حقه وإظهاره، وقد قال ﵊ كما في الصحيح: (لعل أحدكم يكون أبين بحجته من أحد، فأحكم له بنحو ما أسمع، فمن حكمت له وليس بحق فإنما أقطع له قطعة من نار) أي: الحكم يكون حسب القول، وحسب ظاهر الكلام، فإذا عجز صاحب الحق عن أن يظهر حقه فحُكم له بمقتضى ذلك فإنما هي قطعة من النار، وليس المراد أن يحكم الحاكم بعد تبيين ذلك الحق له وهو يعلم بطلانه، فالنبي ﵊ لم يصدر هذا عنه قط في حكم من الأحكام، ولا قضاء من الأقضية، ولكنه يقول ذلك مشرّعاً لأتباعه وأمته؛ حتى لا تغتر بالقول، وكما قال ﵊: (إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة). من بعض البيان والفصاحة والبلاغة سحر يسحر به المتكلم سامعيه، فيموه الحقائق، ويظهر الحق باطلاً، والباطل حقاً، فيسحر الأسماع كما يسحر غيره الأعين. ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠] معناه: أعطى الله داود الصواب في القول والحكم والشكوى، بحيث يكون خطابه وحكمه فصلاً يرجع سامعوه إلى الصواب؛ لأنهم يرون فيه حقوقهم، ويرون فيه عودة ما ظلموا فيه، وزوال الظلم عنهم.

стр. 1673

تفسير سورة ص [٢١ - ٢٩] لقد أمر الله عباده بالحق وإقامة العدل ورفع التظالم فيما بينهم وشرع لذلك إقامة المحاكم ودور القضاء، وفي قصة الخصمين اللذين اختصما إلى نبي الله داود في نعاجهما عظة وعبرة لكل حاكم وما ينبغي أن يكون عليه.

стр. 1674

تفسير قوله تعالى: (وهل أتاك نبأ الخصم) قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢١ - ٢٣]. يقص الله علينا ﷻ قضية حكم فيها داود، وكانت تعريضاً بفعله، يقول الله لنبيه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص:٢١]. ومن أين يأتي نبأ هذا الخصم إلا من الله ﷻ ، فهو أُمي لم يقرأ في كتاب، وإنما علّمه الله بحكمته ووحيه، فكان أعلم أهل الأرض متقدمهم ومتأخرهم إلى يوم القيامة، وكما قال الله له: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣] كفاك بالعلم في أمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم فأعظم المعجزات أن يضعوك بين أمة جاهلية لا تعلم القراءة، ولا تدري ما الكتابة، فهو يعلم علم الأولين، ويعلم بينهم علم الآخرين. قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص:٢١]. هذا استفهام تقريري يذكره الله تنبيهاً له ليسمع ما يوحى إليه، وما يذكر لأتباعه من المؤمنين، أي: هل وصلك يا محمد خبر الخصم؟ والخصم: كلمة تدل على المفرد والمثنى والجمع، وعلى المؤنث والمذكر، يُقال: هذا خصم، وهذان خصم، وهؤلاء خصم، ولذلك رجع الضمير إلى جماعة فقال: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ [ص:٢١] أي: الخصوم إذ صعدوا إليه وتسلقوه. وقد قسم داود عمله في حياته على ثلاثة أيام: يوم لعبادة الله، فيبقى في محراب بيته ومسجده للعبادة، وتدبر التوراة، وتلاوة الزبور، والتسبيح والتمجيد والتعظيم، ويوم للفصل والقضاء بين الناس، ويوم لمشاغله الخاصة ولنسائه أي: للدنيا. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ [ص:٢٢]. جاء رجلان إلى الحرس على أبواب داود وطلبا من الحرس أن يدخلا على داود ليفصل بينهما في قضية، فقال الحرس: ليس هذا يوم القضاء وإنما هذا يوم عبادة داود. وإذا بالرجلين يتسوران حائطاً ويصعدان فيه ويقفزان إلى داخل الدار فيدخلان على داود في محرابه، فعندما رآهما فزِع واستغرب: كيف دخل هذان عليّ في يوم عبادتي؟! وكيف لم يمنعهما الحرس؟ ﴿قَالُوا لا تَخَفْ﴾ [ص:٢٢] لأنا لم نأتك سُرّاقاً ولا قتلة، وإنما أتينا خصوماً ﴿قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٢] إنما نحن شخصان تخاصما واختلفا على حق من حقوق الدنيا. قوله: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٢] أي: ظلم بعضنا بعضاً وطغى عليه وغصبه حقه. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ [ص:٢٢] من الشطط وهو الابتعاد، أي: لا تبتعد بنا عن الحق، ولا تتجاوز الحق في الحكم بيننا، والمعنى: لا تكن ظالماً ولا تحكم لأحدنا على الآخر باطلاً، بل أد الحق لأهله، فنحن قد رضينا حكمك. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص:٢٢] أي: بيّن لنا وأنر لنا الصراط السوي والحق البيّن الذي لا شطط فيه ولا زيادة ولا نقصان اهدنا إليه وعلّمناه ووفقنا له فنحن راجعون إلى حكمك.

стр. 1675

تفسير قوله تعالى: (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة) ثم ذكر الخصوم قال أحدهما وهو المدّعي: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣]. أي: هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، وأنا لي نعجة واحدة، فطلب مني أن يأخذها وينفق عليها ويرعاها ويقوم بها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٣]. أي: تعالى وتعزز عليّ، فلم يقبل كلامي وترفع عليّ واحتقرني، وإذا بداود يحكم: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ [ص:٢٤] حكم بظلم هذا الذي طلبه كفالة تلك النعجة إلى نعاجه فقال: إنه ظالم. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] الخلطاء: الشركاء الذين يخلطون أرزاقهم وشركتهم بعضها ببعض. قوله ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٤] أي: ليظلم بعضهم بعضاً من البغي والظلم والاعتداء. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤] أي: إلا المؤمنين بالله، القائمين بالصالحات، وقد يكون هناك مؤمنون يبغي بعضهم على بعض، ويأكل بعضهم حق بعض ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص:٢٤] وهؤلاء المؤمنون العاملون الصالحون قلة بين الشركاء في شركاتهم وأموالهم ومعاملاتهم. وإذا بالشخصين والرجلين يتضاحكان ويقول أحدهما للآخر: لقد حكم الرجل على نفسه، وإذا به يفتقدهما وقد طارا، فلا يجد أحداً منهما، ما القصة؟ قال الله بعد ذلك: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] عندما قالا ذلك انتبه أن هذه خصومة ليست كالخصومة، هذان رجلان غريبان أتيا ليقرّعانه ويؤدبّانه على شيء قد صدر منه هو فقال بعضهم لبعض: لقد حكم الرجل على نفسه، واعترف بأنه هو الذي سرق، وهو الذي طمع وأراد ضم واحدة إلى تسع وتسعين. قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص:٢٤] الظن هنا بمعنى التحقق. قوله: ﴿فَتَنَّاهُ﴾ [ص:٢٤] أي اختبرناه وابتليناه. يقول الله ﷻ : ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] عندما قال أحدهما للآخر: لقد حكم الرجل على نفسه ثم طارا ولم يُريا بعد ذلك علم أنهما ملكان أتيا ليؤدباه بأمر الله على ما صدر منه ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص:٢٤] أي فأخذ يستغفر ربه من ذلك مسبّحاً وممجداً ومعظماً ومعه الجبال والطير والدواب. ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص:٢٤] أي: خر ساجداً لله، يُقال: سجد وركع والمعنى واحد، والبعض فهمها على ظاهرها فقال: يكون السجود ركوعاً بمعنى: سجدة التلاوة يكفي فيها الركوع كما هو هنا، وهذه السجدة ليست بلازمة، وإنما هي مستحبة، فعلها ﷺ وتركها، والسجود فيها إنما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، وأصحاب المذاهب الأخرى على خلاف ذلك، فكان هذا سجوداً وركوعاً لله، وتوبة واستغفاراً مما صدر عن داود، وما الذي صدر؟ فسّرت الآية كما تدل عليها مدلولاتها، ولكن جميع قصص أنبياء بني إسرائيل (٩٩) بالمائة منها إسرائيليات مروية من التوراة، ومن كتب بني إسرائيل، وما أكذبها وأكثر ضلالها وزيفها! وقد تسرّب بعض ذلك في دفاترنا عن يهود أسلموا أو تظاهروا بالإسلام كـ كعب الأحبار ووهب بن منبه وكان ابن عباس كثيراً ما يسمع عن كعب ويروي، فرويت أحاديث مرفوعة وموقوفة وأسانيدها ليست بالصحيحة؛ اعتلالاً في الطرق، وتجريحاً للرواة والرجال، ولكن داود قد صدر عنه شيء، فما هذا الشيء؟ على عادة بني إسرائيل فإنهم يجرّحون أنبياءهم، فيذمون سليمان ويتهمونه بالفواحش والمنكرات حتى بالمحارم، ومعاذ الله من ذلك، وإننا لنقدس ونجل أنبياءهم الذين ذكرهم الله في كتابه أكثر مما يجلّونهم هم، ونحن نقول بعصمة الأنبياء فلن يذنب نبي، ولا يصدر عن رسول ذنب يؤاخذ به إلا ما يمكن أن يكون ذنباً في شريعة وغير ذنب في شريعة أخرى، فذاك لا يُعد ذنباً. والقصة كما يزعمون في الإسرائيليات وفي التفاسير، أما ابن كثير فألغى ذلك ولم يذكره، والقرطبي ألغى ذلك ولم يذكره، وذكره البغوي قبلهم وقال: بأن داود أشرف مرة من سطح بيته أو نافذة بيته فرأى امرأة على سطح تغتسل عُريانة، فعندما رآها فُتن بها، وانتبهت له فسترت نفسها بشعرها، فسترها الشعر في جميع جسدها فازداد بها فتنة، وسأل من هي؟ فقيل: هي زوجة أوريا أحد ضباط جيشه، وزعموا أنه أرسله إلى القتال، فرجع حياً، فأرسله مرة ثانية فرجع حياً، ثم عاد فأرسله فقُتل، فتزوجها. وهذا لم يصدر عن نبي الله داود ولكن اليهود حسب إفسادهم ونفوسهم المريضة يتصورون أنبياءهم على شاكلتهم، وجعلوا من الفساد والإفساد ديناً، وهكذا التوراة مليئة بذلك: بقتل الأنبياء، وذكرهم بالفواحش والمنكرات، بل بالكلام في الله والكذب عليه ﷻ وعز مقامه. وقالت رواية: بل رآها وأرسل إلى أوريا وقال له: تنازل لي عن زوجتك، قال: يا نبي الله! لك تسع وتسعون زوجة ولي زوجة واحدة وتطمع فيها؟! قال: زوجنيها، فأجبره فتزوجها. وقالت رواية عندنا: رأى شيئاً وحدّث نفسه، وحديث النفس ليس ذنباً، أما أنه أرسل أوريا للقتل أو طلب من أوريا أن يتنازل له عن هذه الزوجة فلا! فلم يصدر هذا عن نبي، ولا عن مؤمن تقي فكيف بالنبي؟! وإنما حدّث نفسه وشغل نفسه بذلك، وقبل أن يصدر ذلك عنه امتحنه الله واختبره بأن أرسل إليه ملكين يطلبان حكمه وقضاءه في اليوم الذي لا يخرج فيه عن معبده ومحرابه. فعندما دخلا وقالا: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٢] والملائكة لا يبغي بعضها على بعض ولكنه ضرب مثال، وليس الأمر منهم واقعاً وإنما ضربوا مثالاً له؛ ليأخذ الحكمة من ذلك، ويتنبه ويتوب إلى الله، فعندما حكم قالوا: لقد حكم الرجل على نفسه؛ إذ هو الذي طلب، وهذا المعنى يؤكده سياق الآية: ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص:٢٢] إلى أن ذكر ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ [ص:٢٣] أخوه في الملائكية وفي الخلقة النورانية ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص:٢٣] وهو بذلك لم يذكر المرأة، ولكن أراد أن يضرب المثل. ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ [ص:٢٣] معناه: أن داود خطر بباله أن يفعل، ولكنه لم يفعل، ولا يفعل ذلك رجل صالح فكيف بنبي معصوم؟ ولكن اليهود المفسدين يتصورون ذلك. فعندما شعر داود بهذا ندم وتاب، وهي إنما كانت خواطر نفس، وتقول الحكمة عند أهل الآداب والرقائق: حسنات الأبرار سيئات المقربين، المقرب لله أكثر من المبعد، فلا يليق به حتى أن يحدث نفسه بهذا، فكيف يخطر له بالبال؟! والخواطر لا حكم فيها حتى في شريعتنا، والنبي ﵊ يقول: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل). فمن حدّث نفسه بالسيئة ولم يفعلها كتبت له حسنة، فإذا فعلها كتبت له سيئة، فإذا تركها خوفاً من الله كُتبت له عشر حسنات، وأن الخوف من الله في حد ذاته عبادة وحسنة. ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص:٢٤] أي: أخذ يجأر بالاستغفار ويطلب من الله أن يغفر له خواطر نفسه، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب، وقيل: بقي أربعين سنة ساجداً وهو يستغفر الله بمختلف أنواع وألفاظ الاستغفار ويبكي، حتى قيل: إنه نبت حوله حشيش من شدة بكائه، وطول سجوده، وبقي كذلك يبكي على خطيئته، ويستغفر ربه، ويخاف ألا يغفر له إلى أن مات. وقد قالوا أكثر من ذلك، فقالت اليهود وزعموا: أنه قتل أوريا لأجل زوجته حينما استغفر ربه، قال له: إذا غفر لك أوريا، قال: وكيف سيغفر لي أوريا؟ قال: اذهب إلى قبره واستغفره فسأعيد له روحه، فذهب داود ونادى: يا أوريا! فأجاب، قال: من أنت؟ قال: أنا داود، قال: ما تريد يا نبي الله؟ قال: أن تستغفر لي، قال: غفر الله لك، فرجع فقال ذلك لربه، فقال: هل ذكرت قصتك مع زوجته؟ قال: لا، قال: ينبغي أن تذكر قصتك مع زوجته، فرجع إليه فقال: يا أوريا! هل استغفرت لي؟ قال: قد فعلت، قال: إنني كنت قد أرسلتك للمعركة أولاً وثانياً وثالثاً إلى أن مت وأخذت زوجتك، وما كنت أريد إلا ذلك فاستغفر لي؟ فسكت، فكرر، فسكت، فرجع يبكي إلى ربه قال: سأوعده يوم القيامة، وقد قالوا بعد ذلك: إن الله عوضه الجنان وحوراً عيناً وغيرها. وهذه قصة إسرائيلية اختلط باطلها بكذبها ودسها، بما لا يعتبر إلا طعناً في الأنبياء ونقصاً لهم.

стр. 1676

تفسير قوله تعالى: (فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) ثم قال تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢٥]. يذكر الله أن داود استغفره فغفر له ذلك الخاطر، ولا أقول: العمل، ولا يدل القرآن على العمل، ولا يدل ما روي عن النبي ﷺ -فيما صح عنه- على العمل، وإنما هي خواطر لم يفصح بها القرآن ولم يصرح بها، ولكن كان هناك ميل، فحوسب عليها فاستغفر ربه. قال ربنا: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٢٥]. أي: وإن له عند ربه يوم القيامة ويوم العرض على الله لزلفى وقربى من الله، تقربه من رحمته ورضوانه وجنته، ولا يكون ذلك إلا لمن لم يفعل ما زعمه اليهود عن أنبيائهم، وإنما هي خواطر شيطانية، ولم يؤمن شيطان من شياطين الأنبياء إلا شيطان النبي ﷺ ، فإنه آمن فلم يبق له خواطر على نفسه ﵊، ولكنها كانت للأنبياء قبله، لأن شياطينهم لم تؤمن، ولذلك تكون هذه الوسوسة، ولكن لم يكن العمل؛ لأن الله يعصمهم ويحفظهم ويكلؤهم ويكلأ رسالته. ((وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى)) أي: لقربى. ((وَحُسْنَ مَآبٍ)) أي: وحسن عودة ورجعة إلى الله يوم القيامة عندما يفصل بين الخلق إما بجنة أو بنار، فداود يعتبر من المقربين إلى الله، الممتعين برضوانه وجنته ومغفرته.

стр. 1677

تفسير قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) قال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]. يخاطب ربنا داود بأنه جعله خليفته في الأرض، ولاشك أن الأنبياء جميعهم خلفاء الله في الأرض يأمرون بأمره، وينهون بنهيه، ولم يكن ذلك من أحد من البشر سواهم، وهذا أبو بكر كل من كان يناديه: يا خليفة الله يقول: لست خليفة الله، ذاك محمد، إنما أنا خليفة رسول الله، وأنا راض بذلك؛ لأن الخلافة عن الله لا تكون إلا في حق وبحق، ولم يكن ذلك إلا للأنبياء المعصومين ورسل الله المقربين، فهم يأمرون بأمر الله، وينهون كذلك، وكما قال ربنا عن نبينا ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤] فكلام نبينا ﵊ ككلام الأنبياء قبله، كله وحي من الله قولاً وفعلاً وإقراراً، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٦]. وقبل ذلك جعل الله آدم أبا البشر خليفته، قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠]. فكان آدم وكان الأنبياء من ذريته بعده: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦] أي: قم بالحق وبالعدل الذي به قامت السماوات والأرض، لا تظلم الناس حقوقهم، ولا تدع البغي بينهم، أحسن للمحسن منهم، وعاقب المسيء منهم، خذ الحق من الظالم، وأعد للمظلوم حقه حتى يرضاه وتقر عينه، أدب الظالم حتى يرتدع أمثاله من الظلمة، وليكن حكمك بينهم بالحق الذي أوحاه الله لك. ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾. لا يكن ذلك في زيادة حق أو نقصانه، ولا تتبع هواك وغرضك، ولا تتبع قرابة قريب أو صداقة صديق، أو تتأثر بعداوة عدو، بل اطلب الحق لذاته وخذه من أبوابه، وأعده للمظلوم، واحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. والهوى: رغبة النفس وشهواتها ورغباتها الغير راجعة للحق أو البرهان، والغير راجعة للعقل، وإنما ما يسر هوى الإنسان وشهوته يتبعها ولو كان فيها ظلم أو بغي، فلذلك الهوى دائماً معه الشيطان، والإيمان معه الله ﷻ . قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦] أي: لا تتبع هواك ونزواتك وشهواتك، وقراباتك أحسن الله إليك وعداواتك، فإن شغلك بذلك يكون سبباً للضلال والتيه عن الحق وعن أمر الله، فتنتقل من هاد إلى ضال. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] أي: عن الطريق الحق الموصل إلى رضا الله وطاعته، وإلى رحمته ورضاه في الدنيا والآخرة. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦]. أي: الذين يضلون بعيدون عن الحق، يتركون الطريق السوي، وينتقلون من الهدى إلى الضلالة. قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:٢٦]. أي: لهم العذاب الشديد لنسيانهم يوم الحساب، والباء: باء السببية اتصلت بـ (ما) المصدرية، وسبكت معها، والتقدير: بنسيانهم يوم الحساب. و (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ)؛ لأنهم عندما ضلوا وحكموا بالهوى نسوا يوم عرضهم على الله، نسوا يوم الحساب يوم فصل الله بين الخلق. وقال البعض: هنا مقدم ومؤخر، وتقدير الآية: (إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا). والمؤدى واحد أي: بما نسوا يوم الحساب يوم القيامة يوم العرض على الله؛ لنسيانهم الحق، والهداية والعدل، وترك أخذ الحقوق من أصحابها، وردع الظالمين والباغين.

стр. 1678

تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً) قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]. يقول ربنا: هؤلاء الكفرة الجاحدون الذين يقولون إنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكهم إلا الدهر، هؤلاء يظنون أن الحياة الدنيا كانت باطلة، فخلقت السماء باطلاً بلا معنى، ولا حكمة، وكذلك الأرض، وكذلك ما بين السماء والأرض من كواكب سيارات وثوابت، ومن خلق لله الله أعلم بحقيقته، الله لم يخلق الأرض باطلاً، ولم يخلقها بلا حكمة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] أي: إلا ليعبدوا الله، وليعرفوا الله، ولتكون الدنيا البرزخ والسبب والطريق الموصل إلى الله يوم القيامة، إما إلى جنة، وإما إلى نار، فلم تخلق الدنيا هباءً ولا باطلاً، ولم تكن الدنيا لضلال ضال، وفساد فاسد، وإنما كانت دار فتنة وبلاء واختبار، كانت مدرسة إما أن ينجح من ينجح، وسعادته بيده، وإما أن يرسب من يرسب، ولا سعادة، وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان. أما أن يكونوا قد خلقوا وأوجدوا عبثاً وباطلاً؛ ليظلم من يظلم، ويتجبر من يتجبر، ويظلم الضعيف ويؤخذ حقه، ويذهب ذلك هدراً هيهات هيهات! أعدل العادلين ﷻ الحكم العدل لا يقبل ذلك. قال تعالى: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً؛ فلا تظالموا) فالظلم قد حرمه الله ﷻ على نفسه، فكيف يقبله من غيره؟! فكانت الدنيا اختباراً وابتلاءً، وكانت مدرسة ليعلم المطيع من المخالف، والمؤمن من الكافر؟ فللكافر النار، وللمؤمن الجنة. قوله: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص:٢٧] أي: الذين لا يزدادون إلا فساداً وظلماً وبغياً وطغياناً، وهم يظنون أنهم سيفلتون من عدالة الله وحكمه، وأن الدنيا لم تخلق إلا باطلاً هيهات هيهات ذلك ظنهم الذي أرداهم! ذلك ظن الذين كفروا بالله واحداً وخالقاً. قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]. أي: فيا ويل هؤلاء الكافرين الجاحدين المشركين من النار وعذابها! فهؤلاء لهم يوم يحاسبون فيه ويدقق حسابهم، ويدخلون النار خالدين مخلدين أبد الآباد.

стр. 1679

تفسير قوله تعالى: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض) قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]. (أم) استفهام إنكاري، أي: هل يظن هؤلاء الكفرة أن الكفار والمؤمنين سواء؟! هيهات هيهات! لم يكن المؤمن العامل للصالحات مثل الفاجر المفسد الظالم، بل كانت الدنيا باطلاً، وليست هي باطل، فكيف وأن الله ما خلقها إلا لعبادته وتسبيحه وتمجيده ﷻ ؟! قوله: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [ص:٢٨]. أي: لم يكونوا سواءً يوماً، فليس المؤمنون في الأرض مع الكفرة المشركين الضالين المضلين سفاكي الدماء عبدة اليهود والنصارى سواء.

стр. 1680

تفسير قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك) قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. هذا الكتاب هو القرآن الكريم، فهو ليس من تأليف أحد، وإنما هو كتاب من الله أنزله إليك وحياً، فهو كلام الله وهدايته، وموضع الأوامر والنواهي، وهو الكتاب الذي ما استمسك به أحد إلا نجا، وهو الكتاب الذي جعله الله هداية للمهتدين، ولعنة للكافرين. وقد ورد: (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه)، فهو قد يكون من الكاذبين، والقرآن يقول: لعنة الله على الكاذبين، وقد يقرأ القرآن وهو كافر، والقرآن يقول: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩]، فهو يرتكب الموبقات كالشرك والعصيان ويلعن بذلك. (كتاب أنزلناه) أي: أنزله على قلب محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، بوساطة جبريل رسول الملائكة إلى البشر من الناس، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] على قلب محمد صلى الله عليه وعلى آله. قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص:٢٩] أي: فيه البركة، والبركة في الطاعة. والبركة: هي الزيادة والنماء، فالقرآن يزداد به المؤمن إيماناً، والمطيع طاعة، والمتقي تقوى، والصالح صلاحاً، وهو في ذات الوقت يزيد الكافر ظلمات فيعلو الران على قلبه ولا يستطيع أن يميز بين حق وباطل، وبين نور وظلمة. هذا الكتاب الذي جعله الله تعالى هداية للناس كافة، ودستوراً وقانوناً منذ أنزل على نبينا ﵊ في هذه الديار المقدسة -مكة والمدينة- ويوم قام في هذه البقاع المقدسة، يقول تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]. وهو مبارك النور، ومبارك الطاعة، ومبارك الحقائق، فيه النماء والزيادة لكل من آمن به، وعمل بمقتضاه، وما تركه قوم إلا ضلوا وذلوا، وقد كان المؤمنون سادة الأرض، وأئمة الكون، وهداة العوالم، وما ذلوا لليهود والنصارى إلا مع تركهم لكتاب الله وراءهم ظهرياً، فأحلوا حرامه، وحرموا حلاله، وأنكروا حقائقه، واتبعوا الشيطان حيث وجدوه في الأرض، وتركوا القيادة المحمدية، وقيادة الخلفاء الراشدين إلى قيادة الشياطين وكل أفاك وكذاب دعي، فهؤلاء عندما تركوا الهدى واتبعوا سبل الباطل، وضاعت أيامهم، وذلت حكامهم، وضعفت دولهم، وأصبحوا شذر مذر رموا أنفسهم بين القردة والخنازير من اليهود أعداء الله الكفرة المجرمين، وبين النصارى الصليبيين الضالين المضلين، ولو عادوا إلى الله لأعاد لهم عزهم ومقامهم، ولكنهم أبوا إلا الباطل، ولكن الله ﷻ يمهل ولا يهمل، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف:١٦٧]. فهذا الذي أزال الحواجز بين المؤمن واليهود يريد أن ينكر كتاب الله ويرتد، فهو قد ارتد فعلاً عندما قال: القرآن لا صلة له بالحكم، ولا سياسة في الإسلام، ولا إسلام في السياسة، أعلن ردته ويهوديته، وأعلن هوانه، وما هو بين الكافرين إلا ذباباً من المماسيخ.

стр. 1681

تفسير سورة ص [٢٩ - ٤٠] كان سيدنا داود ﵇ قد أُعطي الحكمة وفصل الخطاب، وقد وهبه الله تعالى ولداً مجتبى وهو سيدنا سليمان ﵇ الذي آتاه الله الملك والحكمة وعلمه منطق الوحش والطير وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص.

стр. 1682

تفسير قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) قال الله ﷻ : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. يصف ربنا ﷻ كتابه الذي أنزله على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وعلى آله بأنه كتاب مبارك، فيه خير الدنيا والآخرة، وفيه أحكام الناس حلالها وحرامها، وفيه ما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم، وأنه كتاب الله المنزل على رسوله وليس كما زعم أعداء الله من المشركين والكافرين. فقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]. البركة: هي النماء والزيادة، فالله تعالى يبارك للمؤمن في دراسة كتاب الله وفهمه وتعلمه وتعليمه. وأنزل الله كتابه ليتدبره الناس وليتفكروا فيه، وليتعلموا أحكامه وقصصه وتوحيده وعقائده، وما فيه من أخبار الأولين والآخرين، وأمور الدنيا والآخرة، وليعملوا بما فيه. يقول الحسن البصري: ليس تدبر القرآن حفظه وتعلم حروفه فقط، ولكن تدبره العمل به والقيام بما جاء فيه. إذاً: الحفظ وحده لا يكفي، والمدارسة بلا عمل لا تكفي، بل لا بد من حفظه ورعايته وتعلم أحكامه، وما يمكن أن يقوم الناس به في دنياهم وأخراهم، فقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] أي: ليعملوا ما فيه من آيات كريمات تحمل معاني الخير في الدنيا والآخرة، وما فيه مما ينفع البشر في دنياهم ويعود عليهم في الآخرة بالفلاح والسعادة ورضا الله، والعمل بما أمر به. وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، أي: ليتذكر أولوا العقول، والألباب جمع لب، فهم الذين أكرمهم الله بعقول نيرة يتدبرون بها هذا القرآن، ويفكرون في معانيه وأحكامه وإعجازه؛ ليكون لهم ذكرى، ولم يفعل هذا إلا ذو لب وذو عقل وذو فهم وإدراك، بخلاف الذين فقدوا عقولهم قبل أن يفقدوا أديانهم، ولذلك العاقل هو من كان متديناً بما أمر الله به خلقه، أي: بهذا الكتاب الكريم والإيمان والإسلام الذي نزل به، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].

стр. 1683

تفسير قوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان) لقد أعاد سبحانه ذكر قصص بعض أنبيائه ورسله تسلية للنبي ﵊ مما لقيه من عنت الكفار، وهو كذلك تسلية لخلفائه من أئمة العدل ومن العلماء والدعاة إلى الله، فقال ربنا: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]. أي: أن ربنا ﷻ ، وهب لداود ولده سليمان عطية وكرامة ومنحة، وهو لم يهب له سليمان وحده، بل له أولاد كثيرون، ولكن سليمان كان نبي الله وكان رسول الله، وكان الوارث لهذه النبوة والرسالة من داود، ولم يكن أولاده الآخرون كذلك، ولذلك خص سليمان بالذكر والإشادة ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠] أي: كان سليمان عبداً لله صالحاً، وكان عبداً لله نبياً، وكان عبداً لله منذراً وبشيراً وداعياً إليه بإذنه، وكان يعود إلى الله إذا أخطأ وإذا صدر عنه ما لا يليق، فهو كثير الأوبة، وأواب صيغة مبالغة فعال، فهو كثير الرجوع إلى الله، وكثير التوبة فيما يصدر عنه. وذكر الله لنا عن سليمان فيما استغفر فيه الله، أحدهما: كان ابتلاء واختباراً من الله، والثاني: ما ذكره ربنا سبحانه في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣١ - ٣٣]، أي: اذكر يا محمد سليمان هذا العبد الصالح، هذا العبد الذي حسنت أخلاقه وحسن عمله، وحسنت دعوته، وقام للناس بما أمر الله به، اذكر قصته ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص:٣١]، أي: إذ استعرض سليمان الجياد، والجياد جمع جواد وهي الخيل الأصيلة السريعة القوية. وقوله: (الصافنات) جمع صافنة، أي: الواقفة على ثلاث أرجل، والرابعة على جنب منها، أو القائمة مطلقاً. فاذكر حالة سليمان إذ استعرض في عشية من العشايا وفي أمسية من الأمسيات خيله وجنده، وكانوا عشرين ألف جواد، فخرج يستعرض خيله فنسي حال استعراضه لها صلاة العشي، وهي الصلاة التي نسميها في شريعتنا بصلاة العصر، فسليمان نسي ولم يذكرها حتى غابت الشمس واختفت تحت الحجاب، وخرج وقت تلك الصلاة، فآلمه ذلك، فعاقب نفسه وذلك بأن طفق يضرب هذه الخيل بالسيف أعناقاً وسيقاناً، فقطع رقابها وعرقب سيقانها فقتلها؛ لأنها شغلته عن ذكر الله وعن عبادة الله وصلاته. ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١ - ٣٢] أي: عندما وجد نفسه قد أغفل صلاة العشي حتى غابت الشمس وسترت عنه بالحجاب، قال: شغلت بحب الخيل، والخيل من الدنيا والمال، فآثرت حب الخيل وحب الملك وحب الجاه فشغلني ذلك عن ذكر ربي، وعن عبادة ربي في الصلاة. ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢]، حتى حجبت عنه، ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص:٣٣] أي: قال لجنده: أعيدوا علي الخيل، أعرضوها علي، فأخذ يمسحها ويضربها بالسيف بالسوق والأعناق، والسوق جمع ساق، والأعناق: جمع عنق، وأمر من معه بمثل فعله حتى أتى على تلك الخيل كلها بأعدادها العشرين ألفاً فقطع رقابها وعرقب سيقانها؛ لأنها كانت سبباً في تركه للصلاة في وقتها، فاتهم نفسه بأن الدنيا وخيرها شغله عن ذكر الله وعبادته، فعاقب نفسه بأن أخسرها هذا المال وهذا الخير الجزيل. وكان ذلك جائزاً في شريعته، وإلا ففي شريعة الإسلام ضياع المال وقتل الحيوان بغير مصلحة لا تجوز، وماذا صنعت الخيل لتعاقب بذلك؟! على أن ابن جرير وجمعاً من المفسرين قالوا: (طفق مسحاً) أي: مسح أعناقها ومسح سيقانها حباً لها، لأنه ﵇ لم يكن ليعذب حيواناً بالعرقبة ويهلك مالاً من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها، ولكن هذا يخالفه ما ورد في الصحاح: من أن سليمان ترك صلاة العشي حتى غابت الشمس، وكذلك بما ورد في سنن أبي داود عن أم المؤمنين عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ دخل عليها فوجدها تلعب يصور فيها خيل، فقال لها النبي ﵊: ما هذه الخيل؟ قالت: هي من صنع يدي ومن عملي، قال: ما ذاك بجانبيها؟ قالت: أجنحة، فقال: فرس بجناح؟ قالت: له: ألم تسمع أن نبي الله سليمان كانت خيله ذوات أجنحة، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه). ولذلك قالوا: بأن هذه الخيل كانت ذوات أجنحة، واستدلوا بهذا الحديث. وأما غروب الشمس فقد كانت مرت على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ورأس رسول الله على فخذه وقد جاءه الوحي أثناء ذلك فاضطر علي للوقوف حتى انتهى الوحي ورفع رأسه ﷺ وقد غربت الشمس وفاتته صلاة العصر فقال له النبي ﵊: (هل صليت العصير يا علي! قال: لا)، فروي في الكثير من السنن أن الله تعالى أمر بعودة الشمس حتى صلاها، صحح ذلك الإمام الطحاوي وأنكره ابن الجوزي ولكن الحافظ رد على ابن الجوزي وأكد بأن الشمس ردت لـ علي حتى صلى صلاة العصر في وقتها. وتحدث النبي ﵊ بأن هذا قد كان من سليمان، مما يؤكد معنى قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢]، حتى غطاها في حجاب الليل وغابت. ((رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا)) أي: ضرباً بالسيف، و (مسحاً) مفعول مطلق اكتفي به عن ذكر الفعل. فأخذ يضرب بالسيف على أعناقها وسوقها، وكان ذلك منه كفارة على عمله، ولكي لا يعود لذلك من بعد.

стр. 1684

تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤]. فقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص:٣٤] أي: اختبرناه وابتليناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص:٣٤] أي: جعلنا على كرسيه شيطاناً يجلس عليه ويحكم منه. (ثم أناب) أي: ثم تاب سليمان وعاد لربه ورجع، واستغفر ربه. قالوا: بأن سليمان حارب ملكاً من ملوك جزائر البحار وأسر ابنته وأخذها جارية، وقالوا: إنها أبت أن تسلم، فصنعت لنفسها صنماً في بيت سليمان وأخذت تسجد له وتعبده. وقال قوم: بل أسلمت -واسمها جرادة حسب زعمهم-، ولكن سليمان شغل بها زمناً وهو يراها حزينة ويريد منها أن تسر وتفرح، فتقول له: ذكرى أبي في نفسي تمنعني السرور والراحة، فأمر لي شياطين يصورون لي صورة أبي كما أعرفها ففعلوا، فألبست تلك الصورة الأردية والألبسة التي كانت تراها عليه، ومع الأيام أخذت تسجد له وتعبده، والمعنى واحد. وفي يوم من الأيام جاء أحد الجن من المؤمنين -وزعموا أن اسمه صخر- فقال: يا سليمان! إني أرى في دارك أن الأوثان تعبد من دون الله، قال: أيكون ذلك؟ قال: سل فستجد هذا صحيحاً. وقالوا: وكان لسليمان خاتم وبهذا الخاتم يأمر وينهى ويتصرف في الجن والإنس، وكان إذا دخل الخلاء أو مس نساءه ينزعه ويعطيه إحدى جواريه، فجاء صخر هذا وقد نزع خاتم سليمان وجاءها متلبساً بصورة سليمان، فقال: هاتي الخاتم فأعطته إياه وهي تعتقد أنه سليمان، فلبسه، وخرج سليمان، وجاء إلى الجارية فقال لها: أين الخاتم؟ قالت: أعطيته لسليمان، قال: أنا سليمان، قالت: أتكذب؟ وإذا بسليمان يهيم على وجهه، وأخذ يقول: أنا سليمان، وكل من قال له: أنا سليمان كان يضربه ويؤذيه ويقول له: أتكذب على نبي الله، وبقي على هذا أربعين يوماً، وإذا بهذا الشيطان الذي أخذ الخاتم جلس على كرسيه وأخذ يحكم ويأمر وينهى على أنه سليمان. قالوا: هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص:٣٤] أي: ذاتاً، وكان هذا الجسد هو هذا الشيطان، وإذا بهذا الشيطان يأمر وينهى بما لا يتفق مع التوحيد والإيمان، فأخذ بعض أتباعه من بني إسرائيل من تحت الكرسي كتابات تدل على سحر وكفر، فأخذوا يقولون: كفر سليمان، وكذبهم الله وقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] إلى أن قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وتلك إشارة لهذا المعنى في هذه الآية. وقالوا: ودعا يوماً ولم يجد طعاماً، وهو في هذه الحالة جاء فقراء المؤمنين من بني إسرائيل وفقراء المؤمنين من الجن، فقالوا: لقد أنكرنا على سليمان أشياء ما كان يفعلها قبل، فدخلوا على نسائه وسألوهن: أأنكرتن شيئاً من سليمان، والقصة من الكذب والافتراء، فقلن: نعم، أصبح لا يغتسل من جنابة ويأتينا ونحن حيض، ومعاذ الله وحاشا الله أن يكون هذا من نساء نبي صادق مصدق، ولكنها أكاذيب اليهود، ولولا أن هذا ذكر في كتب المسلمين نقلاً عن كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما، وعمن يروي عنهما من التابعين المسلمين، بل ومن بعض الصحابة كما صح أن يذكر هذا بما فيه من الطعن والتجريح لمقام النبوة والرسالة المعصومة التي لا يغفل عنها مثل هذا، ولا تهان عند الله بأن تمس نساء النبوة بمثل هذا قط. وقالوا بعد ذلك: عندما جاع سليمان عرض نفسه على صياد قد اصطاد حوتاً، فأعطاه سمكة منتنة، فأخذها سليمان وذهب يغسلها في الماء وشق بطنها وإذا به يجد الخاتم في بطن السمكة؛ لأن صخراً كان قد قذفه في البحر، فلما وجده سليمان لبسه، وبمجرد أن لبسه إذا بالطير تقف وتسجد له، وإذا القوم يقفون عند رأسه جناً وإنساً ويقولون له: يا نبي الله! يا رسول الله! فعاد لكرسيه، وعاد لملكه وعاد لنبوته، واستغفر الله وأناب ورجع إليه تائباً مما صدر عنه. وذاك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤] أي: ثم عاد إلى الله تائباً منيباً إليه. وفي وصف هذا الكرسي غرائب وعجائب فقد وصفه كعب الأحبار لـ معاوية وقال: هو كرسي من ذهب قوائمه من زمرد على غلال من أنواع الحرير، ومن أنواع اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، ويكون تارة على شكل الطواويس وتارة على شكل النسور وتارة على شكل الأسود. وحكوا من الغرائب أن الطيور والحيوانات كان إذا جاء سليمان وصعد على الكرسي أنابت ثم حركت أجوافها وقذفت من العنبر ومن أنواع الطيب ما تنشره على سليمان وكرسيه والحاضرين. وكل ذلك من مختلقات اليهود وأكاذيبهم، فاغتر بهم من حاول أن يفسر بعض الآي وخاصة قصص أنبيائهم، وسليمان وداود من أنبيائهم. ولذلك محققو المفسرين عندما أتوا إلى هذه الإسرائيليات طرحوها ولم يلتفتوا إليها ألبتة، ولم يكذبوها ولم يصدقوها، ولكن البعض كان يذكرها ثم يعود فيطعن فيها، ولكنه ينقل بعضها عن الصحابة من مثل عبد الله بن عباس وهو ممن كان يجتمع بـ كعب ويروي عنه، وعن مثل أبي هريرة فقد كان يجتمع بـ كعب، وكعب هذا كان بلاء للمؤمنين، ابتلوا به أيام عمر ﵁، وقد حسم الرأي فيه بأن الصحابة شككوا في صدق إيمانه وهو من أصل يهودي، عايش رسول الله وهو رجل كبير، وما جاء إلا بعد أن ولي عمر الخلافة فسأله مرة العباس عم النبي ﷺ : (يا كعب في مثل علمك وعقلك ودينك لم لم تأت رسول الله ﷺ حال حياته، فقال كلاماً غير مقبول). وقال عنه معاوية: (وإني لأبلو عنه الكذب) وكذبته عائشة. وقال عنه عمر في قصة: لقد ضاهيت اليهودية يا كعب. وقال عنه ابن مسعود: لقد أشبهت اليهود يا كعب. إذاً: الذي نعتقده ونوقنه أن سليمان لم يصدر عنه شيء، وحتى قصة الخاتم التي أصبح الناس يقولون: خاتم سليمان، وهذا الخاتم لا يوجد له ذكر في صحيح الحديث وفي القرآن من باب أولى وأحرى. ولكن الذي في الآية أن الله ابتلى سليمان واختبره فألقى على كرسيه شيطاناً، فأخذ هذا الشيطان يحكم بحكمه ويأمر بأمره، وفي هذه الحالة كان سليمان قد زالت هيبته وزال ما كان عليه من مظاهر النبوة والرسالة والملك، اختبر بذلك زمناً وصبر واعترف بذنبه وتاب إلى الله ودعاه واستجاب الله له، فقال الله عنه: (ثم أناب) أي: تاب وأناب وعاد إلى الله ﷻ ، بما فيه من طاعة ودين وتقوى.

стр. 1685

تفسير قوله تعالى: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]. أي: اغفر لي ما صدر عني مما ابتليتني به وعاقبتني عليه، ولم يكتف سليمان بطلب المغفرة بل طلب المزيد مما عنده سبحانه، ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، استغفر ربه مما صدر عنه وطلب منه أن يهبه ملكاً وسلطاناً لا ينبغي ولا يتم لأحد من الإنس والجن بعده. (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أي: كثير الهبات والعطايا الذي لا يعجزه شيء سبحانه، فأنا أطلب كريماً عنده كل شيء. وإذا بالله الكريم يستجيب له فيقول: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٩]. فاستجاب الله له وأعطاه ما لم يعط أحداً قبله ولا أحداً بعده، ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم (أن النبي ﷺ يوماً اختلطت عليه بعض آيات في الصلاة وأخذ يتقدم ويتأخر ويمد يده، فعندما سلم قالوا له: يا رسول الله! رأيناك تصنع شيئاً لم يسبق أن صنعته قبل، قال: نعم، جاءني شيطان وأنا أصلي بشهاب من نار، يريد قذفه على وجهي، وأنا ألعنه بلعنة الله وأقول له: أعوذ بالله منك، وهو يأبى إلا الإصرار، فقبضته وشددت عليه، حتى وجدت برد ريقة في يدي، وكدت أربطه في سواري المسجد ليصبح صبيان المدينة فيتلاعبون به، ولكنني تذكرت قول سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فتركته). على أن نبينا فعل ذلك أدباً وإلا فقد تمكن من الجني وقبضه وكاد يقتله خنقاً، ثم تذكر طلب سليمان فتركه؛ لأن النبي ﷺ خير بين أن يكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً، فاختار أن يكون نبياً عبداً، وهو أفضل وأنبل وأكرم، ولذلك كان ﵊ مع تسخير الجن له آمنت به وأسلمت، وفي القرآن سورة اسمها سورة الجن، وفي مكة المكرمة مسجد اسمه مسجد الجن، قالوا: هو في المكان الذي أوحي إليه فيه بسورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]. فآمن من آمن منهم كالبشر، وكفر من كفر منهم كالبشر، وأعان الله نبيه على أن أسلم شيطانه، وكان لا يأمره إلا بخير، هذا الشيطان المكلف بكل نفس بشرية يوسوس لها.
следующие страницы →