← Тафсир

Тафсир · id 7705

تفسير المنتصر الكتاني

محمدالمنتصر الكتاني

Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

تفسير سورة ص [٢٩ - ٤٠] كان سيدنا داود ﵇ قد أُعطي الحكمة وفصل الخطاب، وقد وهبه الله تعالى ولداً مجتبى وهو سيدنا سليمان ﵇ الذي آتاه الله الملك والحكمة وعلمه منطق الوحش والطير وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص.

стр. 1682

تفسير قوله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) قال الله ﷻ : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. يصف ربنا ﷻ كتابه الذي أنزله على خاتم أنبيائه صلى الله عليه وعلى آله بأنه كتاب مبارك، فيه خير الدنيا والآخرة، وفيه أحكام الناس حلالها وحرامها، وفيه ما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم، وأنه كتاب الله المنزل على رسوله وليس كما زعم أعداء الله من المشركين والكافرين. فقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩]. البركة: هي النماء والزيادة، فالله تعالى يبارك للمؤمن في دراسة كتاب الله وفهمه وتعلمه وتعليمه. وأنزل الله كتابه ليتدبره الناس وليتفكروا فيه، وليتعلموا أحكامه وقصصه وتوحيده وعقائده، وما فيه من أخبار الأولين والآخرين، وأمور الدنيا والآخرة، وليعملوا بما فيه. يقول الحسن البصري: ليس تدبر القرآن حفظه وتعلم حروفه فقط، ولكن تدبره العمل به والقيام بما جاء فيه. إذاً: الحفظ وحده لا يكفي، والمدارسة بلا عمل لا تكفي، بل لا بد من حفظه ورعايته وتعلم أحكامه، وما يمكن أن يقوم الناس به في دنياهم وأخراهم، فقوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] أي: ليعملوا ما فيه من آيات كريمات تحمل معاني الخير في الدنيا والآخرة، وما فيه مما ينفع البشر في دنياهم ويعود عليهم في الآخرة بالفلاح والسعادة ورضا الله، والعمل بما أمر به. وقوله: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، أي: ليتذكر أولوا العقول، والألباب جمع لب، فهم الذين أكرمهم الله بعقول نيرة يتدبرون بها هذا القرآن، ويفكرون في معانيه وأحكامه وإعجازه؛ ليكون لهم ذكرى، ولم يفعل هذا إلا ذو لب وذو عقل وذو فهم وإدراك، بخلاف الذين فقدوا عقولهم قبل أن يفقدوا أديانهم، ولذلك العاقل هو من كان متديناً بما أمر الله به خلقه، أي: بهذا الكتاب الكريم والإيمان والإسلام الذي نزل به، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].

стр. 1683

تفسير قوله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان) لقد أعاد سبحانه ذكر قصص بعض أنبيائه ورسله تسلية للنبي ﵊ مما لقيه من عنت الكفار، وهو كذلك تسلية لخلفائه من أئمة العدل ومن العلماء والدعاة إلى الله، فقال ربنا: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]. أي: أن ربنا ﷻ ، وهب لداود ولده سليمان عطية وكرامة ومنحة، وهو لم يهب له سليمان وحده، بل له أولاد كثيرون، ولكن سليمان كان نبي الله وكان رسول الله، وكان الوارث لهذه النبوة والرسالة من داود، ولم يكن أولاده الآخرون كذلك، ولذلك خص سليمان بالذكر والإشادة ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠] أي: كان سليمان عبداً لله صالحاً، وكان عبداً لله نبياً، وكان عبداً لله منذراً وبشيراً وداعياً إليه بإذنه، وكان يعود إلى الله إذا أخطأ وإذا صدر عنه ما لا يليق، فهو كثير الأوبة، وأواب صيغة مبالغة فعال، فهو كثير الرجوع إلى الله، وكثير التوبة فيما يصدر عنه. وذكر الله لنا عن سليمان فيما استغفر فيه الله، أحدهما: كان ابتلاء واختباراً من الله، والثاني: ما ذكره ربنا سبحانه في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣١ - ٣٣]، أي: اذكر يا محمد سليمان هذا العبد الصالح، هذا العبد الذي حسنت أخلاقه وحسن عمله، وحسنت دعوته، وقام للناس بما أمر الله به، اذكر قصته ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص:٣١]، أي: إذ استعرض سليمان الجياد، والجياد جمع جواد وهي الخيل الأصيلة السريعة القوية. وقوله: (الصافنات) جمع صافنة، أي: الواقفة على ثلاث أرجل، والرابعة على جنب منها، أو القائمة مطلقاً. فاذكر حالة سليمان إذ استعرض في عشية من العشايا وفي أمسية من الأمسيات خيله وجنده، وكانوا عشرين ألف جواد، فخرج يستعرض خيله فنسي حال استعراضه لها صلاة العشي، وهي الصلاة التي نسميها في شريعتنا بصلاة العصر، فسليمان نسي ولم يذكرها حتى غابت الشمس واختفت تحت الحجاب، وخرج وقت تلك الصلاة، فآلمه ذلك، فعاقب نفسه وذلك بأن طفق يضرب هذه الخيل بالسيف أعناقاً وسيقاناً، فقطع رقابها وعرقب سيقانها فقتلها؛ لأنها شغلته عن ذكر الله وعن عبادة الله وصلاته. ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣١ - ٣٢] أي: عندما وجد نفسه قد أغفل صلاة العشي حتى غابت الشمس وسترت عنه بالحجاب، قال: شغلت بحب الخيل، والخيل من الدنيا والمال، فآثرت حب الخيل وحب الملك وحب الجاه فشغلني ذلك عن ذكر ربي، وعن عبادة ربي في الصلاة. ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢]، حتى حجبت عنه، ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص:٣٣] أي: قال لجنده: أعيدوا علي الخيل، أعرضوها علي، فأخذ يمسحها ويضربها بالسيف بالسوق والأعناق، والسوق جمع ساق، والأعناق: جمع عنق، وأمر من معه بمثل فعله حتى أتى على تلك الخيل كلها بأعدادها العشرين ألفاً فقطع رقابها وعرقب سيقانها؛ لأنها كانت سبباً في تركه للصلاة في وقتها، فاتهم نفسه بأن الدنيا وخيرها شغله عن ذكر الله وعبادته، فعاقب نفسه بأن أخسرها هذا المال وهذا الخير الجزيل. وكان ذلك جائزاً في شريعته، وإلا ففي شريعة الإسلام ضياع المال وقتل الحيوان بغير مصلحة لا تجوز، وماذا صنعت الخيل لتعاقب بذلك؟! على أن ابن جرير وجمعاً من المفسرين قالوا: (طفق مسحاً) أي: مسح أعناقها ومسح سيقانها حباً لها، لأنه ﵇ لم يكن ليعذب حيواناً بالعرقبة ويهلك مالاً من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها، ولكن هذا يخالفه ما ورد في الصحاح: من أن سليمان ترك صلاة العشي حتى غابت الشمس، وكذلك بما ورد في سنن أبي داود عن أم المؤمنين عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ دخل عليها فوجدها تلعب يصور فيها خيل، فقال لها النبي ﵊: ما هذه الخيل؟ قالت: هي من صنع يدي ومن عملي، قال: ما ذاك بجانبيها؟ قالت: أجنحة، فقال: فرس بجناح؟ قالت: له: ألم تسمع أن نبي الله سليمان كانت خيله ذوات أجنحة، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه). ولذلك قالوا: بأن هذه الخيل كانت ذوات أجنحة، واستدلوا بهذا الحديث. وأما غروب الشمس فقد كانت مرت على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ورأس رسول الله على فخذه وقد جاءه الوحي أثناء ذلك فاضطر علي للوقوف حتى انتهى الوحي ورفع رأسه ﷺ وقد غربت الشمس وفاتته صلاة العصر فقال له النبي ﵊: (هل صليت العصير يا علي! قال: لا)، فروي في الكثير من السنن أن الله تعالى أمر بعودة الشمس حتى صلاها، صحح ذلك الإمام الطحاوي وأنكره ابن الجوزي ولكن الحافظ رد على ابن الجوزي وأكد بأن الشمس ردت لـ علي حتى صلى صلاة العصر في وقتها. وتحدث النبي ﵊ بأن هذا قد كان من سليمان، مما يؤكد معنى قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:٣٢]، حتى غطاها في حجاب الليل وغابت. ((رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا)) أي: ضرباً بالسيف، و (مسحاً) مفعول مطلق اكتفي به عن ذكر الفعل. فأخذ يضرب بالسيف على أعناقها وسوقها، وكان ذلك منه كفارة على عمله، ولكي لا يعود لذلك من بعد.

стр. 1684

تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤]. فقوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص:٣٤] أي: اختبرناه وابتليناه، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص:٣٤] أي: جعلنا على كرسيه شيطاناً يجلس عليه ويحكم منه. (ثم أناب) أي: ثم تاب سليمان وعاد لربه ورجع، واستغفر ربه. قالوا: بأن سليمان حارب ملكاً من ملوك جزائر البحار وأسر ابنته وأخذها جارية، وقالوا: إنها أبت أن تسلم، فصنعت لنفسها صنماً في بيت سليمان وأخذت تسجد له وتعبده. وقال قوم: بل أسلمت -واسمها جرادة حسب زعمهم-، ولكن سليمان شغل بها زمناً وهو يراها حزينة ويريد منها أن تسر وتفرح، فتقول له: ذكرى أبي في نفسي تمنعني السرور والراحة، فأمر لي شياطين يصورون لي صورة أبي كما أعرفها ففعلوا، فألبست تلك الصورة الأردية والألبسة التي كانت تراها عليه، ومع الأيام أخذت تسجد له وتعبده، والمعنى واحد. وفي يوم من الأيام جاء أحد الجن من المؤمنين -وزعموا أن اسمه صخر- فقال: يا سليمان! إني أرى في دارك أن الأوثان تعبد من دون الله، قال: أيكون ذلك؟ قال: سل فستجد هذا صحيحاً. وقالوا: وكان لسليمان خاتم وبهذا الخاتم يأمر وينهى ويتصرف في الجن والإنس، وكان إذا دخل الخلاء أو مس نساءه ينزعه ويعطيه إحدى جواريه، فجاء صخر هذا وقد نزع خاتم سليمان وجاءها متلبساً بصورة سليمان، فقال: هاتي الخاتم فأعطته إياه وهي تعتقد أنه سليمان، فلبسه، وخرج سليمان، وجاء إلى الجارية فقال لها: أين الخاتم؟ قالت: أعطيته لسليمان، قال: أنا سليمان، قالت: أتكذب؟ وإذا بسليمان يهيم على وجهه، وأخذ يقول: أنا سليمان، وكل من قال له: أنا سليمان كان يضربه ويؤذيه ويقول له: أتكذب على نبي الله، وبقي على هذا أربعين يوماً، وإذا بهذا الشيطان الذي أخذ الخاتم جلس على كرسيه وأخذ يحكم ويأمر وينهى على أنه سليمان. قالوا: هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص:٣٤] أي: ذاتاً، وكان هذا الجسد هو هذا الشيطان، وإذا بهذا الشيطان يأمر وينهى بما لا يتفق مع التوحيد والإيمان، فأخذ بعض أتباعه من بني إسرائيل من تحت الكرسي كتابات تدل على سحر وكفر، فأخذوا يقولون: كفر سليمان، وكذبهم الله وقال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] إلى أن قال: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، وتلك إشارة لهذا المعنى في هذه الآية. وقالوا: ودعا يوماً ولم يجد طعاماً، وهو في هذه الحالة جاء فقراء المؤمنين من بني إسرائيل وفقراء المؤمنين من الجن، فقالوا: لقد أنكرنا على سليمان أشياء ما كان يفعلها قبل، فدخلوا على نسائه وسألوهن: أأنكرتن شيئاً من سليمان، والقصة من الكذب والافتراء، فقلن: نعم، أصبح لا يغتسل من جنابة ويأتينا ونحن حيض، ومعاذ الله وحاشا الله أن يكون هذا من نساء نبي صادق مصدق، ولكنها أكاذيب اليهود، ولولا أن هذا ذكر في كتب المسلمين نقلاً عن كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما، وعمن يروي عنهما من التابعين المسلمين، بل ومن بعض الصحابة كما صح أن يذكر هذا بما فيه من الطعن والتجريح لمقام النبوة والرسالة المعصومة التي لا يغفل عنها مثل هذا، ولا تهان عند الله بأن تمس نساء النبوة بمثل هذا قط. وقالوا بعد ذلك: عندما جاع سليمان عرض نفسه على صياد قد اصطاد حوتاً، فأعطاه سمكة منتنة، فأخذها سليمان وذهب يغسلها في الماء وشق بطنها وإذا به يجد الخاتم في بطن السمكة؛ لأن صخراً كان قد قذفه في البحر، فلما وجده سليمان لبسه، وبمجرد أن لبسه إذا بالطير تقف وتسجد له، وإذا القوم يقفون عند رأسه جناً وإنساً ويقولون له: يا نبي الله! يا رسول الله! فعاد لكرسيه، وعاد لملكه وعاد لنبوته، واستغفر الله وأناب ورجع إليه تائباً مما صدر عنه. وذاك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤] أي: ثم عاد إلى الله تائباً منيباً إليه. وفي وصف هذا الكرسي غرائب وعجائب فقد وصفه كعب الأحبار لـ معاوية وقال: هو كرسي من ذهب قوائمه من زمرد على غلال من أنواع الحرير، ومن أنواع اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، ويكون تارة على شكل الطواويس وتارة على شكل النسور وتارة على شكل الأسود. وحكوا من الغرائب أن الطيور والحيوانات كان إذا جاء سليمان وصعد على الكرسي أنابت ثم حركت أجوافها وقذفت من العنبر ومن أنواع الطيب ما تنشره على سليمان وكرسيه والحاضرين. وكل ذلك من مختلقات اليهود وأكاذيبهم، فاغتر بهم من حاول أن يفسر بعض الآي وخاصة قصص أنبيائهم، وسليمان وداود من أنبيائهم. ولذلك محققو المفسرين عندما أتوا إلى هذه الإسرائيليات طرحوها ولم يلتفتوا إليها ألبتة، ولم يكذبوها ولم يصدقوها، ولكن البعض كان يذكرها ثم يعود فيطعن فيها، ولكنه ينقل بعضها عن الصحابة من مثل عبد الله بن عباس وهو ممن كان يجتمع بـ كعب ويروي عنه، وعن مثل أبي هريرة فقد كان يجتمع بـ كعب، وكعب هذا كان بلاء للمؤمنين، ابتلوا به أيام عمر ﵁، وقد حسم الرأي فيه بأن الصحابة شككوا في صدق إيمانه وهو من أصل يهودي، عايش رسول الله وهو رجل كبير، وما جاء إلا بعد أن ولي عمر الخلافة فسأله مرة العباس عم النبي ﷺ : (يا كعب في مثل علمك وعقلك ودينك لم لم تأت رسول الله ﷺ حال حياته، فقال كلاماً غير مقبول). وقال عنه معاوية: (وإني لأبلو عنه الكذب) وكذبته عائشة. وقال عنه عمر في قصة: لقد ضاهيت اليهودية يا كعب. وقال عنه ابن مسعود: لقد أشبهت اليهود يا كعب. إذاً: الذي نعتقده ونوقنه أن سليمان لم يصدر عنه شيء، وحتى قصة الخاتم التي أصبح الناس يقولون: خاتم سليمان، وهذا الخاتم لا يوجد له ذكر في صحيح الحديث وفي القرآن من باب أولى وأحرى. ولكن الذي في الآية أن الله ابتلى سليمان واختبره فألقى على كرسيه شيطاناً، فأخذ هذا الشيطان يحكم بحكمه ويأمر بأمره، وفي هذه الحالة كان سليمان قد زالت هيبته وزال ما كان عليه من مظاهر النبوة والرسالة والملك، اختبر بذلك زمناً وصبر واعترف بذنبه وتاب إلى الله ودعاه واستجاب الله له، فقال الله عنه: (ثم أناب) أي: تاب وأناب وعاد إلى الله ﷻ ، بما فيه من طاعة ودين وتقوى.

стр. 1685

تفسير قوله تعالى: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]. أي: اغفر لي ما صدر عني مما ابتليتني به وعاقبتني عليه، ولم يكتف سليمان بطلب المغفرة بل طلب المزيد مما عنده سبحانه، ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]، استغفر ربه مما صدر عنه وطلب منه أن يهبه ملكاً وسلطاناً لا ينبغي ولا يتم لأحد من الإنس والجن بعده. (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أي: كثير الهبات والعطايا الذي لا يعجزه شيء سبحانه، فأنا أطلب كريماً عنده كل شيء. وإذا بالله الكريم يستجيب له فيقول: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٩]. فاستجاب الله له وأعطاه ما لم يعط أحداً قبله ولا أحداً بعده، ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥]. وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم (أن النبي ﷺ يوماً اختلطت عليه بعض آيات في الصلاة وأخذ يتقدم ويتأخر ويمد يده، فعندما سلم قالوا له: يا رسول الله! رأيناك تصنع شيئاً لم يسبق أن صنعته قبل، قال: نعم، جاءني شيطان وأنا أصلي بشهاب من نار، يريد قذفه على وجهي، وأنا ألعنه بلعنة الله وأقول له: أعوذ بالله منك، وهو يأبى إلا الإصرار، فقبضته وشددت عليه، حتى وجدت برد ريقة في يدي، وكدت أربطه في سواري المسجد ليصبح صبيان المدينة فيتلاعبون به، ولكنني تذكرت قول سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فتركته). على أن نبينا فعل ذلك أدباً وإلا فقد تمكن من الجني وقبضه وكاد يقتله خنقاً، ثم تذكر طلب سليمان فتركه؛ لأن النبي ﷺ خير بين أن يكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً، فاختار أن يكون نبياً عبداً، وهو أفضل وأنبل وأكرم، ولذلك كان ﵊ مع تسخير الجن له آمنت به وأسلمت، وفي القرآن سورة اسمها سورة الجن، وفي مكة المكرمة مسجد اسمه مسجد الجن، قالوا: هو في المكان الذي أوحي إليه فيه بسورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:١]. فآمن من آمن منهم كالبشر، وكفر من كفر منهم كالبشر، وأعان الله نبيه على أن أسلم شيطانه، وكان لا يأمره إلا بخير، هذا الشيطان المكلف بكل نفس بشرية يوسوس لها.

стр. 1686

تفسير قوله تعالى: (فسخرنا له الريح تجري بأمره) قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦]. في الحديث النبوي: (أن بدوياً جاء إلى مكة فسمع النبي ﵊ يقول: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) فسليمان جاء إلى هذه الخيل الصافنات فذبحها وعاقبها بأن قدم خير الدنيا على الصلاة في وقتها، فعندما فعل ذلك لله عوضه الله بما هو خير من الخيل، عوضه بالريح تجري بأمره رخاء لينة بغير واسطة، (حيث أصاب) أي: حيث أراد. كان يضع البساط ويحمل على هذا البساط جنداً وبشراً وخلقاً فتذهب به الريح مسافة سنة، وشهر، وهذه الريح في الصباح والمساء كالطيران اليوم. فقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص:٣٦] أي: أصبحت الريح هي مركبه وجواده وعليها يتنقل ويرحل. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ [ص:٣٦] أي: بغير عواصف، وإلا لو كانت عاصفة لقلبته وقلبت جنده، وإنما كانت رخاء لينة بغير عواصف، فتذهب به حيث أراد وقصد من أرض الله. يقول أحد كبار العارفين من أئمة المسلمين: لن تقوم الساعة حتى يصبح جميع ما ذكر في القرآن معجزة، يصبح شيئاً عادياً؛ لأنه لا حاجة للمعجزات بعد نبينا ﵊، وتبقى الكرامات، وهي لا يتحدى بها، كما يتحدى بالمعجزات. وكان من صدق ما قال هذا العارف بالله لم يكن في عصره؛ لأنه كان في القرن السادس، ونحن الآن في أواخر القرن الرابع عشر، أي: منذ ثمانمائة عام، ولم يكن للطيران ذكر، فها نحن الآن نرى أن الريح الرخاء التي سخرت لسليمان أصبح يستعملها جميع خلق الله في الأرض، سخرت لهم الريح فحملوا عليها الطائرات بأنواعها وأشكالها، وهؤلاء الذين صنعوا ذلك ليسوا بمؤمنين ولا بموحدين، فلم يكن ذلك معجزة ولا كرامة، ولكنه سر من أسرار الطبيعة التي خلقها الله، اكتشفوها واطلعوا عليها، فسخروها لخدمة الإنسان، والمخترع الأول لذلك هو عربي أندلسي اسمه عباس بن فرناس، صنع لنفسه جناحين وطار بهما محلقاً زمناً، ولكنه نسي أن الطائر عند النزول يستعين بذيله، فلم يصنع لنفسه شيئاً يقوم مقام الذيل، فعندما أراد النزول عجز، فبقي يدور ويدور إلى أن كل ومل فسقط. واليوم يبحثون ويسعون في أن يصنعوا الأجنحة للإنسان كما صنعوها للجماد، وليس نجاح ذلك ببعيد؛ فبساط سليمان الذي كان معجزة لسليمان الآن يصنعه الناس، ولو وقفت الريح سقطت الطائرة، فهي الريح قد سخرت لسليمان والآن حمل على الطائرات من الأثقال ما كان في عصر سليمان وزيادة، فنحن نرى اليوم وخاصة آخر طائرة صنعت حديثاً التي تسمى (الكونكورد) عبارة عن مدينة محلقة في الأجواء، فيها طبقات، وتحمل ما يزيد على ألف راكب، وتقطع ما بين المشرق والمغرب في أقل من ثلاث ساعات، والأمر لا يزال يزداد، كما قال ربنا ﷻ : ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]. تلك من معجزات كتاب الله، ومن أنباء وحي الله، ومما دل على صدق نبي الله وخاتم رسله سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله. قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٧]. أي: سخر له الشياطين، والشيطان الجني الكافر، وقد يكون الشيطان مؤمناً، كما قد يكون الجني كافراً، وهم مردة الجن وأكثرها عتواً وأكثرها قوة، وأكثرها طغياناً، فسخرها الله لسليمان، فقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص:٣٦] (والشياطين) عطفت على الريح، ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ﴾ [ص:٣٧]، (بناء) صيغة مبالغة، فهم كانوا يبنون له من كل قصور وقدور راسيات ومن كل ما يريده سليمان من المعسكرات والمدن والقصور. (وغواص) أي: كل شيطان شديد الغوص في البحر، فيأتيه من البحر بأنواع اللآلئ والزمرد وكنوز البحر، وفي البحر من الكنوز ما لا يكاد يخطر على بال إنسان. والكثير من مواطن البحر من قعره لا يتم الوصول إليه إلا بعد مئات الكيلو مترات، والإنسان كلما غاص أكثر يحس بثقل الماء على ظهره وكأنه الحديد والفولاذ. ولذلك الغواص الذي يغوص لالتقاط اللؤلؤ يكون دائماً عند مظهر الماء، لا يستطيع الغوص في أعماق البحار فيهلك. قال تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٨] أي: آخرين غير بنائين وغير غواصين من المردة العصاة لسليمان. (مقرنين) أي: مسلسلين بالسلاسل والأكبال نتيجة خلافهم وعصيانهم لأوامر سليمان. ﴿فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٨] جمع صفد، وهي السلاسل والأكبال والحديد، فيربطون بالأعناق والأيدي والأرجل. إذاً: فربنا عندما طلب منه سليمان أن يهب له ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده استجاب له، فوهب له من الشياطين البنائين والغواصين والمردة، وسخر له الريح تجري به حيث يشاء. وقال الله لعبده سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٩] أي: هذا عطاء الله لسليمان أن يمنن ويتكرم وينعم على من يشاء من الخلق إنساً أو جناً، أو ليمسك، فله أن يعطي ما شاء لمن شاء، ويمنع من شاء مما شاء؛ لأن ذلك مما خصه الله به، وذاك مما استجاب لدعوته بأن يهبه ملكاً لا ينبغي ولا يليق لأحد من بعده. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٤٠] أي: مهما أعطاه الله في الدنيا من الملك والنبوة والسلطان، ومن التصرف في الخلق جناً وإنساً، فهو مع ذلك له عند الله يوم القيامة زلفى وقربى منه سبحانه، ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٤٠]، المآب الحسن: هو العودة الحسنة الطيبة لرحمة الله ودخول الجنان، وأنه سيعطيه في الجنة أكثر مما أعطاه في الدنيا. ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا﴾ [ص:٤٠] أي: في الآخرة، (لزلفى) أي: لقربى، ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٤٠] أي: عودة حسنة وطيبة.

стр. 1687

تفسير سورة ص [٤١ - ٤٥] كان سيدنا أيوب ﵇ من أعظم الناس جاهاً وأوسعهم ثروة وأكثرهم حشماً، ثم ابتلاه الله فسلبه ذلك، وزاده فأصابه في بدنه حتى نفر منه الناس إلا زوجة له، لكنه ضرب أعظم الأمثلة في الصبر، حتى عاد الله عليه بعافيته في بدنه وماله وولده، وكذلك إسماعيل وإسحاق وذو الكفل كل من الصابرين.

стр. 1688

تفسير قوله تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١]. أيوب نبي من أنبياء بني إسرائيل، وزعم بعضهم أنه رومي وليس كذلك، ولم يؤمن به إلا ثلاثة أفراد، زوجته وصاحباه، وهو ما أخبر به النبي ﵊ من أن الأمم تعرض عليه يوم القيامة، فيرى النبي ومعه الفئة الكثيرة، والنبي ومعه الجماعة، والنبي ومعه الرجل والرجلان، ومنهم أيوب. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١]، قصة أيوب قصة مؤلمة حزينة مبكية، نعوذ بالله من العذاب، ونسأله ألا يختبرنا ﷻ . لقد كان أيوب في ملك وغنىً وجاه عظيم، وكان عنده نساء بالعشرات، وأولاد كذلك، وحشم وخدم، ودور وقصور، ومزارع وجياد وخيول ودواب، وإذا بالله يبتليه ويختبره بشيء من المرض والنصب والمشقة والمحنة، والعذاب بأشد أنواعه، فماتت نساؤه، وفقد أولاده، وذهبت قصوره، ومرض في جسده، ولم يسلم من المرض إلا عيناه ولسانه وقلبه، ولم يبقَ في الجسم موضع ثقب إبرة إلا وفيه مرض لو كان في غيره لمات فجأة، وهو في كل ذلك صابر، إلى أن مضت عليه ثماني عشرة سنة، فكان لسانه مع كل هذه الحالة رطباً بذكر الله، وكان قلبه عامراً بذكر الله ﷻ ، وإذا عجز عن الركوع والسجود والقيام فلسانه لم يعجز عن ذكر الله، وإذا عجز عن العمل لله لا يعجز قلبه أن يعمره ويملأه بذكر الله. وبقيت له امرأة واحدة من نسائه، فمله الناس ورموه خارج القرية ينتظرون موته صباحاً أو مساءً، وكانت هذه المرأة توضئه بأشنان، وكانت تخدمه مع خدمتها للناس، فتخدمه صباحاً ثم تذهب لتخدم الناس، وتأتي لتخدمه مساءً، فتطعمه وتغسله وتكسوه، إلى أن جاءت يوماً وكانت ذات ضفائر، وإذا بها قد قصت ضفائرها لأحد الخبازين أبى أن يطعم زوجها نبي الله خبزاً إلا إذا قطعت ضفيرتيها؛ لتستعملهما زوجته أو ابنته ففعلت، فآلم أيوب أن يصل حاله إلى أن يعيش ويأكل الخبز الحار بضفيرتي زوجته، فأقسم أن يضربها مائة ضربة، وهي كذلك صابرة محتسبة راضية بقضاء الله، وكانت شديدة الشفقة والحنو على أيوب طوال هذه السنوات الثماني عشرة. وهناك رجلان ممن آمنا بأيوب قال أحدهما للآخر: يا فلان تعلم أن أيوب لابد وأنه أذنب ذنباً ما أذنبه أحد في الأرض، فابتلاه الله بما ابتلى، وأمرضه بما أمرضه، وسلط عليه أنواع البلاء ظاهرها وباطنها، ولم يغفر له. وأيوب كل هذه السنوات الطوال ما دعا الله أن يرفع عنه البلاء، ولو دعا الله لاستجاب له، فهو صابر محتسب، فأحد هذين الرجلين جاء إلى أيوب وقال: يا نبي الله: إن فلاناً أخي قال عنك إنك أذنبت ذنباً لم يغفره الله لك خلال هذه السنوات الطوال، وإنك استغفرت فلم يغفر لك، ولم يرفع عنك البلاء، فحين وصل الحال بأيوب إلى هذا رفع صوته لله ضارعاً مستغيثاً: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص:٤١]. ومن أدب المؤمن أن ينسب لله كل خير، وأن ينسب للشيطان كل شر؛ لأنه إن كان ذلك ذنباً قد صنعه فهو من وسوسة الشيطان إليه، وكأن الشيطان هو الذي صنع به ذلك. ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ [ص:٤١] أي: بمحنة وعذاب وبألم ومشقة، وقد ذهب المال والولد، وإذا بالله يستجيب له بمجرد دعائه، فقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢] أي: ادفع الأرض برجلك، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] فركل أيوب برجله الأرض وإذا بالعين تنبع، فيغتسل فيها، وكان ماء بارداً شافياً، فذهب هذا الماء الذي غسل به جسده بكل أمراضه وبكل قروحه، وبكل أوجاعه الظاهرة، وبعد ذلك أمر بأن يركض الأرض برجله مرة أخرى، فنبعت عين ثانية فأمره الله أن يشرب منها، فشرب وإذا بهذا الماء أخرج جميع ما في باطنه من أدواء وأمراض، فشفاه الله شفاء كاملاً في ظاهره وباطنه. فقوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص:٤٢] أي: هذه للاغتسال وهذه للشراب، فالعين الأولى ذهبت بالقاذورات وأمراضه الظاهرة التي في بدنه، والعين الثانية ذهبت بما كان في باطنه من الأدواء والأمراض. فجاءت زوجته لتخدمه في مكانه، وإذا بأيوب يلقى زوجته في الطريق، فسألت: يا عبد الله ألم ترَ هذا النبي المبتلى؟ والله إنك لأشبه الناس به وقت صحته! قال: أنا أيوب، وإذا بزوجته تفاجأ فرحاً وبهجة وقرة عين. إذاً: المؤمن يزداد يقيناً وإيماناً بأن الله يبتلي أهل طاعته، وأن من وقف على باب الله وطرق الباب يوشك أن يجاب، قال : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].

стр. 1689

تفسير قوله تعالى: (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا) قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٣]. أي: بعد أن أكرم أيوب بالعافية وبالصحة، أحيا الله جميع نسائه اللاتي متن، فعدن شابات أحسن مما كن. وقوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص:٤٣] أي: زاده الله فوق أهله مثلهم، وكانوا بنو إسرائيل يتزوجون العشرات بل والمئات، ووهب له مثل ما كان معه من الخدم والحشم والجياد، والأرزاق، والله عنده الكثير ﷻ . وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ [ص:٤٣] أي: ﵀ بعد أن استجار واستغاث بربه. وقوله: ﴿وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [ص:٤٣] أي: ليتذكر هذا أولو العقول، ممن يبتليهم الله بالدنيا، حتى إذا ابتلاهم لا ييئسوا من رحمة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]. فإذا ابتلي إنسان في جسده أو ماله أو نفسه أو غير ذلك فليقف في باب الله ولا يكل ولا يمل، ولا يقل: دعوت فلم يستجب لي، فوقت الإجابة كائن لا محالة، وقد يدخر الله له ذلك في الآخرة، فذكر الله لنا هذه القصة، وهي تسلية لنبينا ﵊، وهي تسلية وعزاء لكل مؤمن، وهي رحمة لأيوب قصها علينا، وهي ذكرى لمن جاء بعده ولمن عاصره من ذوي العقول والألباب.

стр. 1690

تفسير قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث) قال الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤]. إن أيوب أقسم ليضربن زوجته مائة ضربة؛ لأنها قصت ضفائرها ولم تقصها إلا لأجله، ولكنه في حالة غضبه أقسم، فأراد الله ﷻ أن يجمع بين عدم حنث عبده أيوب، وعدم الإضرار بزوجته، فقال: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص:٤٤] أي: حفنة من الحشيش أو الشمراخ من شماريخ النخيل فيه مائة عود، ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص:٤٤] فأخذ بيده شمراخاً فيه مائة قضيب، فضربها به ضربة، وتلك العيدان رقيقة تشبه الغزل، فضربها مائة ضربة بضربة واحدة، وذلك مخرج من الله؛ لكي لا يحنث، والحنث عظيم في الأيمان بالله. فقوله: (ولا تحنث) أي: بضربك هذا تكون غير حانث قد حققت يمينك. قال علماؤنا: هل يكون في شريعتنا أو لا يكون؟ فقال الشافعي وأبو حنيفة: يكون، وهو من باب التحايل الشرعي لتنفيذ حكم أو حد من حدود الله، وليس من التلاعب في دين الله، ولا في أرزاق عباد الله، فأباح ذلك أبو حنيفة والشافعي، ونهى عنه مالك وقال: هذا كان شرعاً لأيوب ولم يكن شرعاً لنا، وقد قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]. نقول: مثل هذا وقع في شريعتنا، فقد جاء في الأحاديث: (أن رجلاً مقعداً في البيت، فزارته جارية، وإذا به يراودها فمكنته من نفسها، فحملت منه، فرفع شأنه إلى رسول الله ﵊ وقصوا عليه قصته، وقالوا: يا رسول الله! هو جلد على عظم ليس فيه لحم، ولو حملناه لتفتت ولتقطعت أركانه، فأمر أن يضرب بشمراخ فيه مائة عود)، كما أرشد الله تعالى أيوب نبيه، فضرب هذا المقعد بالشمراخ ضربة واحدة. ومن هنا كان قول أبي حنيفة والشافعي مبنياً على دليل نبوي، لا على مجرد تقليد فعل أيوب ﵇، وإلا فالأمر كما قال مالك: شرع من قبلنا ليس بشرع لنا، ما لم يفعله رسول الله ﵊ أو يأمر به، فإن فعله صار شرعاً لنا؛ لأن النبي ﷺ فعله، فنحن لم نؤمر بأن نتبع شريعة أحد غير شريعة رسول الله ﷺ . ولذلك يقول الله هذا ويؤكده: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] والدين هو دين بجميع أحكامه حلالها وحرامها، فمن حاول أن يأتي بشرائع غير شرائع نبينا على أنه من فعل أولئك يكون قد أتى بما لم يوافق عليه ولا يقبل منه، فأما قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠] فنحن نهتدي بهدي الأنبياء في التوحيد والدعوة إلى الله، فكلهم جميعاً كانت دعوتهم واحدة، جاءوا إلى العباد وقالوا لهم: قولوا: لا إله إلا الله، فنحن نقتدي بهم؛ لأن رسالة الأنبياء في ذلك واحدة ولم تختلف، وإنما اختلفت الشرائع في الأحكام. ومن هنا قال ﵊: (نحن معاشر الأنبياء ديننا واحد، أبونا واحد وأمهاتنا شتى) (ديننا واحد) أي: جميعاً ندعو إلى لا إله إلا الله، وندعو للتوحيد، و (أمهاتنا شتى) أي: شرائعنا مختلفة. وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] أي: نعم الصابر في هذا الابتلاء، وفي هذا المرض، وفي هذه المحنة، يضرب به المثل في الصبر، منذ كان إلى عصرنا، فيقال: صبر صبرِ أيوب، وهيهات أن يصبر أحد صبر أيوب، نسأل الله السلامة والعافية. فابتلاه الله فصبر، ثم جازاه حسب صبره، ولذلك من يصبر ويعتمد على الله يجعل له فرجاً ومخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن توكل على الله كفاه، ولذلك المؤمن مهما ابتلي ومهما عوقب فليعد إلى الله، وليطلب من الله المغفرة والرضا، وسيجعل الله له فرجاً ومخرجاً كما جعله لأيوب. وقوله: (نعم العبد) كلمة تقال في الثناء والإشادة بعبد الله. فالله يشيد بعبده أيوب ويقول: (نعم العبد) أي: ما أنعم أعماله وما أكمل ديانته وما أصلح حاله، ثم أكد فقال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص:٤٤] فهو نعم العبد لصبره ولتحمله ولثباته على ذكر الله بلسانه وقلبه، ولأنه ما غير ولا بدل طوال هذه السنين، طوال ثمانية عشر عام. وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] أي: كثير الرجوع إلى الله خلال سنوات الابتلاء الثماني عشرة.

стр. 1691

تفسير قوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥]. أي: اذكر يا محمد حال هؤلاء الأنبياء: إبراهيم وابنه إسحاق وابن إسحاق يعقوب، وما ابتلي به كل واحد منهم فصبروا وأنابوا، اذكر ما ابتلي به إبراهيم من قذفه في النار ثم أنجاه الله، وما ابتلي به إسحاق مما كان امتحاناً لأمثاله، وما ابتلي به يعقوب من فقده لولده يوسف حتى عميت عيناه، أربعون سنة وهو على حال من الشدة لفراقه لولده يوسف الذي رماه إخوته وقطعوا رحمه وقذفوه في البئر، وبعد كل ذلك الصبر كانت العاقبة له. ونحن قد استوفينا ذلك في سورة الأنبياء فلا حاجة لتكراره، وإنما نأخذ العبرة من هذه القصص، حيث أعادها الله تبشيراً لنبينا وعزاء له وسلوى له على ما ابتلي به من تكذيب وشتم وهجران وحرب وقتال، فالله سبحانه ذكره بالفعل والابتلاء للأنبياء قبله وكيف صبروا. ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص:٤٥] يعقوب: هو إسرائيل، ومنه أنبياء بني إسرائيل، وإبراهيم أبو الكل: أبو إسماعيل وإسحاق، وإسماعيل الجد العالي لنبينا ﵊، وإسحاق أخوه جد بني إسرائيل. وقوله: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي﴾ [ص:٤٥] أي: أولي القوة في العبادة والطاعة والدعوة إلى الله. وقال ابن النحاس اللغوي: الأيدي ليس معناها القوة، ولكن أيدي جمع اليد، واليد: النعمة فقوله: (أولي الأيدي) أي: أولي النعم التي أنعم الله بها عليهم، وأعلاها وأكملها وأسماها النبوة والرسالة. ومن النعم ما أنعموا به على الناس من دعوتهم إلى الله، ومن هدايتهم للبشر، ومن تحذيرهم للناس من الشرك بالله، وأمرهم لهم بترك الأوثان والأصنام، وكل هذا صحيح. والمفسرون فسروا الأيدي بالقوة، واللغويون فسروا الأيدي بالإنعام، فكان هؤلاء الأنبياء الثلاثة الكرام ذوي الإنعام والنعم، وقوتهم في العمل والعبادة. وقوله: (والأبصار) أي ذوي البصيرة، فقد كانوا ذا بصر في دين الله، ومعرفة بالله، ومعرفة بالدعوة إلى دين الله وطاعته وعبادته.

стр. 1692

تفسير سورة ص [٤٥ - ٦١] أعد الله تعالى الجنة للمؤمنين، وهيأها لهم بأنواع النعيم، من المطاعم والمشارب والحور العين، كما أعد جهنم للكافرين، فهم فيها يلعن بعضهم بعضاً، ويصلون النار وما فيها من أنواع العذاب المتضاد، فشرابهم الحميم وطعامهم من سموم.

стр. 1693

تفسير قوله تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب) قال ربنا ﷻ : ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٥ - ٤٧]. يذكر الله تعالى نبينا ﷺ بأنبيائه ليكونوا له سلوى وعزاء مما لقيه من قومه من تكذيب وصد وكفران، ممن دعاهم إلى الله والإسلام، يقول ربنا: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص:٤٥] أي: يا محمد! اجعل ذكرى عندك لهؤلاء الأنبياء العظام الكبار، فإبراهيم خليل الله، وقد جاء الأنبياء من بعده، فإسحاق ولده، ويعقوب حفيده، وقد لاقوا من قومهم صداً وكفراناً وبلاء وفتناً واختباراً، ومع ذلك صبروا صبر الجبال الرواسي. وقوله: ﴿أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ﴾ [ص:٤٥] أي: أصحاب القوة في العمل والعبادة، وأصحاب البصائر في فهم كتاب الله ودينه ورسالته إليهم. وقوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص:٤٦]. أي: اصطفيناهم، واخترناهم وأزلنا الشوائب عنهم، فكانوا لا يذكرون إلا الدار الآخرة، وما أعد الله فيها من نعيم لمن آمن به واتقى، وابتعد عن الكفر والوثنية والشرك والمشركين. وقوله: (بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ)، وقراءة أخرى من القراءات السبع: (بخالصةِ ذكرى الدار) بالمضاف والمضاف إليه والمؤدى واحد، فالله خلصهم واصطفاهم بذكر الدار الآخرة، فلا يذكرون إلا هي، ولا يعملون إلا لها، ولم يشغلوا أنفسهم بالدنيا وزخرفها ونعيمها يوماً، ولم يلقوا لها بالاً؛ لأنها دار فانية غير باقية، وإنما شغلوا أنفسهم في اصطفائهم ودعوتهم إلى الدار الآخرة الخالدة الباقية، ودعوا إليها عباد الله ممن أرسلهم إليهم ربنا ﷻ . ثم قال ربنا عنهم: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٧]، أي: وهم في الدنيا قد اختيروا وصفوا بعبادة الله وذكر الآخرة وترك الدنيا، وهم كذلك عند الله يوم القيامة من المختارين لجنته، ومن المصطفين لتقواه ورضاه. والأخيار: جمع خير، بمعنى: المختار، أو بمعنى: الخير الصالح في نفسه، وكلا المعنيين قائمان في هؤلاء الأنبياء الكرام، فهم قد اختيروا عن الخلق أجمعين، واصطفوا لله أنبياء ومرسلين، وأزيل عنهم الشوائب من ذكر الدنيا وزخرفها ونعيمها.

стр. 1694

تفسير قوله تعالى: (واذكر إسماعيل واليسع) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٨]. أي: يا محمد! اجعل في ذاكرتك وعملك وتأسيك بالأنبياء الآخرين: إسماعيل، وهو ابن إبراهيم، وقد كان نبياً رسولاً، ولم يكن إسحاق إلا نبياً ولم يكن رسولاً، والرسول أفضل من النبي؛ لأن كل رسول نبي وليس العكس، فكان إسماعيل وهو جد النبي صادق الوعد، وقائماً بما أمره الله به، وقد مضت تراجم بعض الأنبياء والمرسلين في سورة الأنبياء، وإنما نأخذ العبرة منها في هذه السورة بما ذكر الله عن فتنتهم وابتلائهم حيث اختبرهم فصبروا على ما اختبروا به، فكانوا مثالاً كاملاً للخلق أجمعين. واليسع وذو الكفل هما من أنبياء بني إسرائيل، وقد أرسلا إلى قوميهما كما أرسل المرسلون قبل نبينا ﵊ إلى أقوامهم خاصة، إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه فقد أرسل إلى الخلق عامة. وقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ مِنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٨]. أي: كل هؤلاء ممن ذكرهم ربنا كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وذي الكفل، قد اختارهم الله واصطفاهم لرسالته، ولدعوة عباده، وكانوا أخياراً مصطفين مقربين ذوي الزلفى عنده يوم القيامة.

стр. 1695

تفسير قوله تعالى: (هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب) قال تعالى: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص:٤٩]. أي: سير الأنبياء واختبارهم، وما حدث لهم مما ذكر هو ذكر وشرف لهم في الدنيا وفي الآخرة، فقد شرفوا في الدنيا وخلدت أسماؤهم وحياتهم، وخلدوا في الآخرة في الجنان، ورضي الله عنهم يوم القيامة. وهذا الكتاب ذكر للمؤمنين، أي: تفسير لهم ليعملوا بما جاء فيه، وليكونوا على سنن الأنبياء، وبهداهم يقتدون، وعلى سيرهم يسلكون ويخلصون. فذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين شرف في الدنيا والآخرة، وتذكير للناس بسيرتهم الصالحة، وبالتقوى والطاعة والعبادة وفعل الخيرات، ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص:٤٩ - ٥٠]. فمن عمل مثل عمل هؤلاء وجرى على طريقتهم، واهتدى بهديهم، واقتدى بسيرهم من المتقين والمؤمنين فلهم حسن المآب، فرجعتهم للآخرة ومآبهم حسن طيب، برضى الله، وبمغفرته، وبدخول الجنان. وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص:٥٠] بدل من حسن المآب، أي: حسن المآب أن يدخلوا الجنان، وتفتح لهم أبوابها، والألف واللام في قوله: ﴿الأَبْوَابُ﴾ [ص:٥٠] بمعنى الإضافة أي: أبوابها، فالملائكة تستقبلهم وقد فتحت أبواب الجنة الثمانية، وتقول لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر:٧٣] أي: طابت أيامهم، ويسلمون عليهم، ويبشرونهم بالرضا والرحمة من الله، ولهذا فالمتقون مبتهجون فيها.

стр. 1696

تفسير قوله تعالى: (متكئين فيها) قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص:٥١]. أي: هم في راحة، وفي سلامة عيش، فليس لديهم هم وغم، ولا يعطشون، ولا يجوعون، ولا حر ولا قر، وتجدهم جالسين متربعين على أرائك الجنة وفرشها مع الحور العين، وعندهم مطاعم ومشارب مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. متكئين في جنات عدن، والعدن: الإقامة، أي: الجنات القائمة الدائمة التي لا موت فيها ولا فناء، فهم خالدون فيها خلود الدهور وأبد الآباد. وقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ [ص:٥١]، أي: يطلبون وينادون الغلمان والولدان المبعثرين لخدمتهم كأنهم اللؤلؤ المكنون، ويطلبون منهم ما يشتهون من فاكهة كثيرة، ففيها من كل شكل زوجان، وفيها لحم طير مما يشتهون، ويطلبون من الشراب ما يريدون من خمر لا غول فيها ولا ينزفون، وعسل مصفى وماء الكوثر.

стр. 1697

تفسير قوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب) قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾ [ص:٥٢]. أي: عندهم زوجات لا ينظرن لغير أزواجهن ولا يخرجن من قصورهن. والطرف بمعنى العين، قال تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، أي: لا يرفعن أبصارهن ونظرهن لغير أزواجهن. وأتراب: جمع ترب، أي: في سن واحدة، وهو ثلاثة وثلاثون عاماً، وهن في مكتمل الشباب والقوة والجمال والأنوثة، وهن أخوات لا يغضب بعضهن من بعض، ولا ينازع بعضهن بعضاً، قال تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] أي: مع أزواجهم وضرائرهن. وقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [ص:٥٢] وقاصرات الطرف، جمع: قاصرة، وهي التي تقصر طرفها وبصرها ونظرها على زوجها فقط. وقوله: (أتراب) أي: ليس فيهن عجوز ولا مريضة ولا من تشتكي دهرها أو صحتها، فهن جميعاً في قوة واحدة، وسن واحدة.

стр. 1698

تفسير قوله تعالى: (هذا ما توعدون ليوم الحساب) قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:٥٣]. قل لهم يا محمد! هذه الجنان، وهذه الحور المقصورات في الخيام، وهذه اللذائذ من مطاعم ومشارب، كل ذلك يوعدون به يوم القيامة عندما يأتون ربهم مؤمنين موحدين متقين صالحين، فالله وعدهم وبشرهم، وهيأ لهم، وأعد لهم ذلك، والآخرة تنتظرهم بما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

стр. 1699

تفسير قوله تعالى: (إن هذا لرزقنا ما له من نفاد) قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص:٥٤]. وكذلك قل لهم يا محمد: هذا ما وعدناهم به يوم القيامة من جميع ما تلذ أعينهم وتشهيه أنفسهم، فتقول لهم الملائكة يوم القيامة: إن هذا لرزق ربنا ما له من نفاذ، فلا ينتهي ولا ينقطع ولا يندثر ولا ينقضي، عطاء غير مجذوذ، قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦]، فيتنعمون بالحور العين، وبالقصور، وبالفواكه والأطعمة والأشربة، وما يتمناه كل من دخل هذه الجنان، جعلنا الله وإياكم من أهلها.

стр. 1700

تفسير قوله تعالى: (هذا وإن للطاغين لشر مآب) قال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ [ص:٥٥]. ربنا ﷻ يذكرنا مبشراً ومنذراً، يبشر المؤمنين بما سبق ذكره من الجنان والحور العين، وينذر الكافرين، ليغريهم بالإيمان، وبالتوبة وبالعودة إلى الله، وينذر المؤمنين إذا هم بدلوا أو غيروا، فإن الله يبدل عليهم خيره ورزقه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. فقال ربنا: ﴿هَذَا﴾ [ص:٥٥] أي: هذا الذي ذكر للمؤمنين، وما سيذكر للكافرين والطاغين: جمع طاغية، وهو المتجبر العاصي الكافر، وقد يكون فقيراً، أو حقيراً، أو صعلوكاً، فكل من لم يؤمن بربه فيكون قد طغى وبغى وتمرد على الله، فأصبح طاغية في كفره وردته وظلمه لنفسه. فالمؤمنون المتقون لهم حسن مآب، وهو الجنة، والكفرة الطغاة لهم شر مآب، وهو النار والعقاب فيها. قال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [ص:٥٥ - ٥٦]. شر المآب: هو المآب والمرجع الشر، والعودة التي لهم فيها لعنة الله وطردهم من الرحمة، وشر مآب: جنهم، فجهنم بدل من (شر مآب). وقوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [ص:٥٦] أي: يدخلون إليها، ويحترقون فيها. ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [ص:٥٦]. أي: فما أبأس وأقبح وأذل هذا الميراث والفراش والمنزل والمقام!

стр. 1701

تفسير قوله تعالى: (فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج) قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٧ - ٥٨]. تقول لهم ملائكة النار: ذوقوا ما فيها من الحميم وهو الماء الحار، الذي بلغ شدة حرارته منتهاها، فإذا عطشوا شربوا هذا الحميم، وإذا أرادوا أن يتنظفوا غرقوا في هذا الحميم. والغساق: هو سيلان القيح من هؤلاء المعذبين المحترقين، ويكون بارداً برودة الزمهرير، فهم بين زمهرير قاتل ولا موت، وبين حميم قاتل ولا موت، يتنقلون في العذاب بين الحرارة الشديدة والبرودة الشديدة، وهم ينتقلون في ذلك من عذاب إلى عذاب. ويزيدهم الله فيقول: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٨]، أي: أنواع أُخر من عذاب الله من مثل وشبه الحميم والبارد، و (أزواج) أنواع وأشكال. فقوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص:٥٨] وآخر من عذاب الله من أشكال ذاك الأضداد التي هي حميم وبارد.

стр. 1702

تفسير قوله تعالى: (هذا فوج مقتحم) قال تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [ص:٥٩ - ٦٠]. تدخل أئمة الكفر النار فيؤتى بعدهم بفوج وجماعة وفئة وطائفة، فتقول لهم الملائكة: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ [ص:٥٩] أي: هذه طائفة أخرى مقتحمة، واقتحمت أي: دفعت وطرحت، وقذفت وجرت على وجهها إلى النار، فأقحمت إقحاماً على غير رضاً ولا موافقة منهم، ويدخلون معهم النار، فيقول السابقون: ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [ص:٥٩]، فلا يرحبون بهم، ولا يحسنون استقبالهم، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] إذ جمعهم الكفر، والاستعلاء في الدنيا على أنبيائهم، وتكذيبهم، والكفر بربهم وبكتبه، ففي يوم القيامة ينالون الجزاء الأوفى الكامل، فيقتحم فوج خلف فوج فيسبق الأئمة والقادة لذلك، ثم يتبعون فوجاً فوجاً. يقول الفوج الأول: لا مرحباً بهم، تقول العرب: مرحباً وأهلاً وسهلاً، فمعنى مرحباً أي: أتيت أرضاً ومنزلاً ومكاناً رحباً، أي: ذا سعة، يسعك علويه وسفليه، ومعنى أهلاً أي: أتيت أهلاً، ومعنى سهلاً: أي: أتيت مكاناً يسهل عليك عشرة أهله واستضافتهم لك. فأصحاب الفوج الأول لا يرحبون بالفوج الثاني ولا يضيفونهم ولا يوسعون لهم؛ لأنهم يذكرونهم بجرائمهم، وبكفرهم، فيستقبلونهم باللعنة والسباب والشتائم. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ﴾ [ص:٥٩]. أي: دخلوا النار، واحترقوا واصطلوا بها. فيقول لهم الفوج الداخل: ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [ص:٦٠]. يقول فوج الأتباع لأئمتهم الذين سبقوهم إلى النار: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ [ص:٦٠]، أي: أنتم لا سعة عندكم ولا تكريم لكم: ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ [ص:٦٠]، أي: أنتم الذين تسببتم في أن دخلنا النار، واصطلينا بها، وتعذبنا فيها؛ بأنهم الذين أضلوهم في الحياة الدنيا، فدعوهم للكفر والشرك، وزينوهما لهم، ودعوهم لتكذيب أنبيائهم وكتب ربهم، وزينوا لهم ذلك. فالفوج الأول، والفئة الأولى من الأئمة والدعاة إلى النار كانوا هم المتسببين لهؤلاء الأتباع بدخول النار. وقوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [ص:٦٠] أي: فبئس جهنم قراراً ومنزلاً وموطناً ومستقراً لجميع الأفواج التي جمعتهم النار.

стр. 1703

تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً) ثم يعود الأتباع ويقولون لربهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص:٦١]. سيدعو الأتباع ربهم على الأئمة والأشياخ، ويقولون: بما أن هؤلاء الذين دعوا للكفر بك، وبأنبيائك وبكتبك، وكانوا متسببين في تقديم هذه النار إلينا، زدهم عذاباً في النار مضاعفاً عليهم، يقول الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، أي: للأئمة المأمومين وللأتباع والتابعين عذاب مضاعف؛ لأن هؤلاء الأتباع عندما دعوا للكفر أين كانت عقولهم؟ فقد تركوا رسل الله الذين دعوهم لإيمانهم، فلم يستجيبوا لهم، وتركوا الرسول ﷺ الذي دعاهم للإيمان بالله وبه، فلم يستجيبوا له، واستجابوا لأهوائهم ونزواتهم، وهكذا يدعى على كل طاغية بالذل والهوان، وعندما لا نحمل الشعوب جرائم حكامهم، نكون قد خالفنا طريقة كتاب الله، فالله عامل الأتباع والأئمة معاملة واحدة؛ لأن أئمة النار كانوا أئمة على شعوبهم، فصاروا رؤساء وحكاماً ومسئولين. وأتباعهم لو لم يرأسوهم ويتعصبوا لهم ويحموهم لما كانوا أذلاء حقراء بعيدين عن الله دنيا وآخرة، وقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨] أي: لا عقل عندهم، ولا علم معهم، ولا فهم لمداركهم، فالإمام والمأموم أو التابع والمتبوع كلاهما مؤاخذان ومعاقبان؛ لأن الله خلق لنا عقولاً لنفهم بها ولنعي بها فليس العاقل يتبع كل ناعق وكل نافر، فالإنسان يفكر ويتدبر هل هذا كلام عقلي وكلام صواب يتبع؟ ولكنهم لهوانهم وذلتهم سعوا إليهم في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص:٦١]، أي: زده من العذاب أضعافاً وأنواعاً وأشكالاً.

стр. 1704

تفسير سورة ص [٦٢ - ٨٨] يختصم الكفار في النار يوم القيامة، ويتساءلون عن المؤمنين الذين كانوا محل استهزائهم في الدنيا مالهم لا يرونهم في النار، حينئذ يعلمون أن القرآن الكريم هو النبأ العظيم وأنهم عائدون إلى الله ليحاسبهم جزاء اتباعهم للشياطين.

стр. 1705

تفسير قوله تعالى: (وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ * أَاتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ * إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٢ - ٦٤]. دخل الأتباع والمتبعون النار فالتفتوا يميناً وشمالاً لعلهم يرون رجالاً كانوا يهزءون بهم في الدنيا فسألوا عنهم: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ * أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ [ص:٦٢ - ٦٣]، فقد كان الكفار يستهزئون بالمؤمنين الصالحين في دار الدنيا، ويسخرون منهم، ويحقرونهم فيقولون عنهم: رجعيون، متخلفون، فيقولون: أين هؤلاء؟ لِمَ لم نرهم؟ فقد كنا نهزأ بهم وبأحوالهم؟ ألم يوجدوا معنا أو وجدوا ولكن زاغت عنهم الأبصار؟ أي: مالت عنهم. ولكن هؤلاء هم بدورهم في الجنة، يبحثون عنهم، ويقولون لهم: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف:٤٤] وهكذا قيل لـ أبي جهل عندما دخل النار: أين بلال وصهيب؟ وأين من كان يهزأ بهم من مساكين الصحابة وفقرائهم؟ فإنهم في أعلى عليين مع محمد وصحبه ﷺ ، ورضي الله على أصحابه أجمعين، فكل كافر في النار كان في دنياه يهزأ بالصالحين، وعندما يدخل النار سيبحث عن أولئك الذين كان يهزأ بهم في دار الدنيا ولم يرهم في جهنم، فيقول لنفسه: هل زاغ بصري ومال عنهم. وقوله تعالى: ﴿كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ﴾ [ص:٦٢]، أي: كنا نعدهم شريرين ضالين مغرورين. وقوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ﴾ [ص:٦٣]، هل عندما كنا هزأنا بهم كنا ظالمين ضالين لا نعلم الحق من الباطل؟ أم زاغت أبصارنا ومالت عنهم فلم ترهم. ويقول ربنا: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص:٦٤]. يخبرنا ﷻ بأن خصومة أهل النار هي حق، فيلعن الإمام المؤتم، والصغير الكبير، والمتبوع التابع، والتابع المتبوع، فهم يتخاصمون ويتنازعون وهم مع ذلك في عذاب خالد دائم.

стр. 1706

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا منذر) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص:٦٥ - ٦٦]. يقول الله لنبيه: قل لهؤلاء الكفرة بك، وبإلهك، وبالكتاب المنزل عليك، إنما أنا منذر، لست إلهاً ولا معبوداً فأنا بشر مثلكم، أرسلني الله إليكم لأنذركم، ولأخوفكم، ولأهددكم عقوبة يوم القيامة، ولست ساحراً أو كاهناً أو مجنوناً، ولكنكم قوم لا تعقلون، فأنا أبشر المؤمنين بالجنة، وأنذر الكافرين بالنار. وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص:٦٥]، أي: ليست هناك آلهة متعددة، وقد جئتكم بإله واحد، وجعلت الآلهة إلهاً واحداً، وأخذتم تتعجبون، وتقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، واعجباً في ذلك! والعجب في كفركم وفي قولكم، وفي بعدكم عن الله. فما من إله إلا الله الواحد القهار، ولا إله معبود بحق إلا الله الخالق الرزاق الواحد القهار، الذي خلق الخلق، وقهرهم بالموت، وبالعرض عليه يوم القيامة لينالكم الجزاء: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. وهو القاهر فوق عباده، وما كل من ادع الألوهية والربوبية إلا خلق من خلق الله، لا يضر ولا ينفع، ملكاً كان أو إنساً، أو جناً ومن باب أولى إن كان جماداً. وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص:٦٦]. أي: ربها وخالقها ورازقها، فهو مدبر السماوات وما علاها، ومدبر الأرض وما فيها، وما قد خفي فيها، وما بين السماوات والأرض من نجوم وكواكب متنقلات مما لا يعلمه إلا الله، فكله خلق الله، وكله تحت قهره وتدبيره، يحيي من يشاء ويميت من يشاء، لا شبيه له لا في صفة ولا في ذات، لا في أفعال. وقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [ص:٦٦]. العزيز هو الذي لا ينال، ولا يوصل إليه لعزته وقهره ﷻ ، وهو مع ذلك يغفر لمن أساء ثم أناب، فيغفر للمستغفرين وللتوابين ولمن رجع إليه، فالله يتوب على من تاب إليه إلا من أبى إلا البقاء على الشرك والاستمرار فيه ومات عليه، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ومن مات على الشرك والكفر يستحق العذاب الدائم الذي لا مغفرة فيه ولا سماح.

стр. 1707

تفسير قوله تعالى: (قل هو نبأ عظيم) قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص:٦٧ - ٦٨]. أي: قل لهؤلاء: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص:٦٧]، وهو كقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ:١ - ٢]. والنبأ العظيم: الآخرة والقرآن الكريم، ومحمد ﷺ نبي الله ورسوله الخاتم، ورسالات الله كلها نبأ عظيم، ومع ذلك على عظمته، وعلى قوته، وعلى سعادة من علم وعمل به، وعلى شقاوة من أنكره ولم يعمل به، هو عظيم، لا يضعفه كفر الكافر ولا جحود الكافر، وهو عظيم على كل اعتبار. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص:٦٧] أي: القرآن نبأ عظيم، فقد أوحى به إلى نبيه وخاتم الأنبياء، فمن آمن به سعد، ومن كفر به شقي. وقوله: ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص:٦٨] أي: هم قد أعرضوا عنه، وأدبروا عن الإيمان به، وأشركوا بما جاء فيه من حقائق، وقد تجد إنساناً وهو لا يزال حياً يرزق، وهو لا ينتهز فرصة حياته وقوته وشبابه للتوبة والإنابة والعبادة، والبعد عن الكفر والفجور، فستجدهم مع ذلك يتساءلون عن هذا النبأ العظيم: ﴿أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣]. يقول لأتباعه وللعرب وللعجم ولكل الناس: خذوا المعجزة والصدق، إن كانت لكم عقول.

стр. 1708

تفسير قوله تعالى: (ما كان لي من علم) قل: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص:٦٩]. أي: ليس لي علم بالملأ الأعلى، وهم الملائكة في السماوات العلا، فلست أدري بذلك لا أنا ولا غيري من سكان الأرض. ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص:٦٩] أي: اختصام الملائكة، والملأ الأعلى هم الملائكة الأشراف والسادة. وليس لأحد من الخلق علم بالملأ الأعلى، إذ إن ما بين السماء الدنيا والأرض خمسمائة عام، وبين كل سماء مع السماء التي فوقها ما بين السماء والأرض، ومع ذلك فقد أخبر نبينا بخبر الملائكة وبمحاورتهم، وبمذاكرتهم، فيما قصه الله علينا، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، فعندما أخبرهم الله بأنه سيخلق خليفة في الأرض وهو آدم ليعبده، وتعبده ذريته وأبناؤه، قال بعض الملائكة: كيف يكون ذلك يا ربنا! وهم يسفكون الدماء، ويظلمون ويفسدون في الأرض؟! فهذا معنى الاختصام. وقد قال المفسرون هو خصام من حيث الأخذ والعطاء، وإلا فمن الذي يخاصم ربه ولكنها محاورة ذكرت بلفظ الخصام، فحاوروا ربهم وذاكروا ربهم عندما أخبرهم بأنه جاعل في الأرض خليفة، فقالوا له: (أتجعل فيها) وهذا استفهام ولم يكن إنكاراً، معاذ الله! فملائكة الله معصومون. إنما هي خصومة من حيث القول، ومحاورة من حيث الواقع، فيقول نبينا ما علمه الله أن يقول: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [ص:٦٩]، فلم يكن له علم بما حصل بين الله وملائكته، وبين الله وإبليس من مخالفة ومن خروج عن الحق واستعلاء وتكبر. فالنبي ﷺ لم يتكلم بما لا يفهم، فقد نزل عليه الكتاب الواضح البين وبينه ووضحه، وما سنته إلا بيان وشرح وتفسير لكتاب ربنا المنزل عليه، قال تعالى: ﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [ص:٧٠]، فالنبي ﵊ عبد الله كواحد منكم، ولكن الله اختاره للنذارة وللرسالة وللنبوءة.

стр. 1709

تفسير قوله تعالى: (إذ قال ربك للملائكة) قال بعد ذلك: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧١ - ٧٢]. وهذا كان بين الله وملائكته في السماوات العلا عند خلق آدم في السماء، وبقي فيها إلى أن صدر منه تلك الهفوة فأنزله الله إلى الأرض؛ ليتم أمر الله في عباده وخلقه. فقوله: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [ص:٧١] أي: ملائكة الملأ الأعلى، والآية الماضية مقدمة لهذا والذي بعده. وقوله: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧١] أي: أصنعه وأخلقه وأجعله من طين؛ فخلق ربنا أبانا الأول آدم من صلصال من حمإ مسنون، ثم خلق أمنا حواء من ضلع آدم، وخلقنا من نفس واحدة وجعل منها زوجها، والنفس الواحدة هي آدم، وجعل من النفس الواحدة زوجها، وهو ما بينه المصطفى ﷺ كما في الصحاح من أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أنت أقمتها كسرتها، وإن تركتها تمتعت بها وبها عوج. والنساء ناقصات عقل ودين، فإذا جئت بالأعوج وحاولت أن تقيمه كسرته، وإذا حاولت أن تتمتع به تمتعت به وبه عوج، لتكون أماً، ومعينة لك في عبادة ربك، ولتكون الأسرة بواسطتها، ولا بد من بذر ولا بد من أرض، فكان البذر مني الرجل، وكانت الأرض رحم المرأة. وهكذا بعد أن خلق الله أبانا من تراب من طين، وخلق أمنا منه بعد ذلك، خلقنا من ماء مهين من نطفة، وجعل من النطفة ذكراً وأنثى، وهكذا دواليك، ولم تتغير هذه القاعدة إلا في عيسى، فقد خلقه الله من أم بلا أب. وقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ [ص:٧٢] أي: صنعت صورته على الشكل المعروف، وانتقل من كونه جماداً تراباً إلى صورة لا حراك بها. وقوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص:٧٢] أي: أصبح الإنسان متحركاً ذا روح، ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص:٧٢] فامتثل الملائكة الذين حاوروا ربهم: كيف تخلق خلقاً يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض، ولا شك أنهم ما قالوا ذلك إلا أنه كان خلق قبلنا قد سفكوا الدماء، وأفسدوا في الأرض، ثم اندثروا وانتهوا، فخاف الملائكة أن يعاد ذلك؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد أخذ علماؤنا والعارفون بالله هذا المعنى من هذه الآية. وهذه القصة ذكرت في سورة البقرة وبيناها مفصلة، وفي سورة الأنعام، وسورة الكهف، وعديد من السور، وفي كل سورة تذكر لحكمة ولمعنى مع السياق ومع نظم الآي. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص:٧٢ - ٧٤]. أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم الذي صنعه بيده ونفخ فيه من روحه، فامتثلوا أمر الله، فسجد الملائكة كلهم إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين. وإبليس لم يكن ملكاً، فقد قال الله عنه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف:٥٠] ولكنه كان معهم وفي ملئهم، ويجتمع باجتماعهم، ويدين الله بدينهم طاعة وتقى، ولكن النفس الخبيثة تأبى إلا أن تعود لفطرتها وأصلها. فقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص:٧٤] أي: تعاظم، وهو حد الكفر والشرك والتكبر. وسمي إبليس من أبلس، أي: طرد من رحمة الله، فهو عندما عصى وخرج عن الطاعة والأمر، طرد من الرحمة ونزع منها كما نزع الثوب من الإنسان.

стр. 1710

تفسير قوله تعالى: (قال يا إبليس ما منعك) قال تعالى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص:٧٥]. أي: يا إبليس لِمَ لم تسجد لهذا الذي خلقته بيدي، وقد أمرتك مع الملائكة بالسجود له، هل استكبرت وتعاليت في نفسك، وظننت لنفسك ميزة واعتباراً، أم وجدت نفسك أعلى مقاماً، وأرفع نسباً، وأفضل خلقاً؟ فيجيب إبليس بكل سفه مبيناً سبب استكباره واستعلائه: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]. فأخطأ وزل مرتين، مرة في كبريائه وتعاظمه، ومرة في ظنه: أن النار خير من الطين، وهيهات هيهات! ولولا الطين ما زرع حب ولا نبت شجر ولما عاش مخلوق، أما النار فلا تقبل نباتاً ولا زرعاً ولا خيراً، وإن كانت لها مصالحها؛ ولكن مع ذلك فإن التراب والأرض والطين أكثر وأعم نفعاً. قال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص:٧٧]. طرده الله من رحمته، وأخرجه من جنته وأبعده عن ملائكته، وقال له: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص:٧٧] أي: مرجوم وملعون، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٨]، فهو ملعون مطرود عن رحمة الله إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص:٧٩]. عندما لعنه الله لعنة دائمة مستمرة إلى يوم الدين، طمع أن يبقى حياً إلى ذلك اليوم فقال: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص:٧٩]. أي: أرجعني وأخرني في موتي إلى يوم البعث والنشور. ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص:٨٠ - ٨١]. فأنظره الله وأجله وأخره ليبتلي به من يبتليه، ويختبر به من يختبر، ليكون إيمان المؤمن عن ثبات ويقين بعد الابتلاء والفتنة قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، والفتنة تكون بالشيطان بإغوائه ووساوسه، وكذلك في البرزخ لامتحان إيمان المؤمن. ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [ص:٧٩ - ٨٠] أي: المؤجلين، المؤخرين، ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص:٨١] أي: يوم القيامة يوم البعث يوم النشور يوم الحياة الثانية، فطمع الشيطان فقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]. فإذا الشيطان زاد طغياناً وإغواء لبني آدم لأن آدم كان سبب شقائه وبلائه ولعنته وطرده من الجنة ومن رحمة الله، ورأى أن هذه المدة إلى يوم القيامة طويلة يستطيع فيها الإغواء والإفساد. ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ [ص:٨٢] طلب الله بعزته وجلاله وبمقامه، أي: أسألك وأتوسل إليك بعزتك ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] أي: لأدعو جميع البشر إلى الغواية والضلال والعصيان والمخالفة والشرك والكفر وفساد الطاعة وغير ذلك. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٣] إلا من أخلصوا لعبادتك، ممن أخلصتهم برحمتك وتوفيقك، وأبعدتهم عن وساوسي وإغوائي.

стр. 1711

تفسير قوله تعالى: (قال فالحق والحق أقول) فيجيبه الله ﷻ فيقول: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٤ - ٨٥]. يقول الله ﷻ : ﴿قَالَ فَالْحَقُّ﴾ [ص:٨٤] أي: أنا الحق، فالحق أنا، وقرئ: (فالحق) وهو منصوب على حذف الفعل وتقديره: أقول الحق، فقد أقسم الله بجلاله وباسمه الحق أنه سيملأ جنهم من الشيطان وذريته وممن أغواهم. والله يأمر الناس بواسطة رسله وكتبه أن يتركوا الشيطان وأن يتخذوه عدواً كما اتخذ الإنسان عدواً، وأخرج أباهم وأمهم من الجنة، بسبب إغوائه لآدم طرد من الجنة من أجله. هذه القصة بتفاصيلها قد مضت من قبل، فالله تعالى يذكر نبينا الذي فضله على النوع البشري الذي اختصه الله بالخلق بيده، وبالنفخ فيه من روحه، وأكرمه بسجود الملائكة له، ومن كان كذلك فيجب أن يعنى بنفسه وبذاته، فلا يغويه الشيطان ولا يتبع وساوسه وإنما يطيع الله الذي شرفه وكرم أصله حيث صنعه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته.

стр. 1712

تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر) قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. أي: يا محمد يا رسول الله! قل لهؤلاء الذين غووا وضلوا، وكذبوك وكفروا: لم آتكم بالرسالة أطلب مالاً أو جاهاً أو أجراً أو سلطاناً أو نساءً أو تاجاً، وقد أرادوا ذلك بواسطة أبي طالب والنبي ﷺ يقول: (والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أدع هذا الأمر ما تركته حتى أهلك أو يقضي الله بيننا)، فقد عرض عليه كل ذلك وأبى، حتى أظهر الله دينه وكان سيد السادة وإمام المرسلين. وكانت الجنود والأباطرة يتشرفون بقدومه وباتباع رسالته ابتداء من النجاشي عندما أسلم وآمن به، واتبع دينه، وقال: ما منعني من مجيئي إليك وأن أغسل عن قدمك إلا سؤدد هؤلاء، ولم يأمره النبي ﵊ بأن يترك الحبشة ليحمي المهاجرين الذين هاجروا من مكة إليه بعد أن آذتهم قريش. وقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، الذين يتكلفون ما لا يعلمون، ويقولون ما لا يعلمون، أي: لولا أن الله أرسلني وأمرني لم أتكلف رسالة ولا علماً ولا أقحمت نفسي فيما لا أعلم. قال عبد الله بن مسعود: من علم شيئاً فليعلم غيره، ومن لا يعلم فليقل: الله أعلم، فهذا نبيكم ﷺ كان يقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]، أي: لا أكلف نفسي أن أقول ما لا علم لي، وإنما أقول ما علمني ربي، فأمرني أن أقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦].

стр. 1713

تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا ذكر للعالمين) قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [ص:٨٧]. أي: إن القرآن والرسالة تذكير لعالم الإنس والجن، والعوالم كلها، منذ خرج وظهر في هذه البطاح المقدسة، وقال: (يا أيها الناس! إني رسول الله إليكم جميعاً)، وكلهم وجد علماً من علوم رسول الله، وكما قال نبي الله ﷺ : (والله لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي). فكتاب الله تعالى ذكر لهم فهو يذكرهم ويعلمهم، ويبين لهم الحقائق والعقائد والحلال والحرام، ويبين لهم كيف يعيشون مع أنفسهم ومع أسرهم، ومع أعدائهم، ومع أحزابهم، وفي داخل البلاد وفي خارجها.

стр. 1714

تفسير قوله تعالى: (ولتعلمن نبأه بعد حين) قال الله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨]. اللام هنا هي اللام الموطئة للقسم، فالنبي ﵊ يقسم بما علمه الله وأكد ذلك بنون التوكيد الثقيلة، أي: لتعلمن نبأ هذا الذكر وهذا القرآن وهذه الرسالة وهذا النبأ العظيم، ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨] أي: حين يعلمكم الله ذلك، وتظهر لكم الحقائق من المعجزات التي أتى بها القرآن، والتي نطق بها رسول الله ﵊، والتي ستظهر في الكون في آخر الزمان مما أخبر به الله، ونبأ عنه رسول الله الصادق المصدوق ﷺ . وكذلك عند موتكم، فالإنسان إذا مات أتاه اليقين، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]، أي: اعبد الله ما دمت حياً حتى ينتقل ما آمنت به غيباً فيكون إيمانك به يقيناً ومشاهدة، ويكون ذلك بالموت. وفي يوم القيامة سيفصل الله بين العباد: بين اليهود والنصارى، وبين المسلمين مع اليهود والنصارى، وبين طوائف المسلمين الذين افترقوا إلى ثلاث وسبعين فرقة كما أخبر الصادق المصدوق. هذه الفرق تزعم كل منها أنها وحدها على الحق وسواها على الباطل، ومن هداه الله ابتلاه في دنياه، ومن ضل فإنه يبقى ضالاً إلى يوم القيامة إلا أن يدركه الله برحمته وبنعمته، ونرجو من الله أن يجعلنا من هذا القبيل ممن يعلمهم الله ويرشدهم ويلهمهم ما يعود عليهم بخير في الدنيا والآخرة، وهذه الآية الكريمة على قلة ألفاظها هي من جوامع كلم القرآن، وقد كتب كاتب فرنسي نصراني كتاباً يتكلم فيه عن القرآن الكريم موازناً له بالتوراة والإنجيل، وأن كل العلوم والحقائق الكونية سماء وأرضاً مما ذكر القرآن يؤكدها العلم الحديث، وتؤكدها الحقائق، وليس فيها تغيير ولا تبديل، ولا قلب للحقائق، وهذا بخلاف التوراة والإنجيل، فالتوراة قد بدلت، والإنجيل قد غيرت، ودخلها الكذب والتحريف والتبديل، فظهر فيها فساد المفسدين، وهذا من معجزات القرآن، وقد قال الله عن القرآن الكريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقد مضى عليه أربعة عشر قرناً ولم يستطع أحد أن يغير ما فيه أو يبدله أو يحرفه زيادة أو نقصا ًفي حرف أو حركة أو سكون على كثرة أعداء الإسلام، وأعداء القرآن، وأعداء محمد النبي الكريم ﵊. فالقرآن الذي نزل على محمد ﵊ في مكة المكرمة والمدينة المنورة هو هذا القرآن الذي نقرؤه اليوم بلا تبديل ولا تغيير، بالوقفات والحركات والسكنات، والتقديم والتأخير والنظم، أليس هذا الوحي هو معجزة المعجزات؟ وقد أخبر النبي ﵊ أن كل معجزات الأنبياء السابقين قد أدت مهمتها وانتهت، وأما القرآن فهو المعجزة التالدة الخالدة التي يدرك إعجازها لفظاً ومعنى كل إنسان يأتي بعد نبينا ﵊. فالأصحاب آمنوا بهذه المعجزة علماً وتصديقاً، وأما نحن فآمنا بها وقوعاً ومشاهدة، وبهذا نكون حققنا ما أخبر به النبي عن كتاب الله.

стр. 1715

تفسير سورة الصافات [١ - ٦] سورة الصافات مستهلة بالأيمان الإلهية، حيث يقسم تعالى بملائكته الصافات الزاجرات التاليات على أنه الإله الواحد المستحق للعبادة، رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق.

стр. 1716

تفسير قوله تعالى: (والصافات صفاً) يقول تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:١ - ٥]. سورة الصافات سورة مكية، أي: نزل بها الروح الأمين على قلب نبينا الشافع الأمين ﷺ في مكة المكرمة، وآياتها اثنتان وثمانون آية، وسميت الصافات لأول السورة. والصافات: هي الملائكة التي اصطفت بأجنحتها في الهواء تنتظر أمر الله، وقد كان ﷺ أحياناً يصلي بها في صلاة الصبح يقرؤها في ركعة واحدة. يقول تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١] هذا قسم من الله، والصافات: جمع صافة، أي: الملائكة مرصوصة مصطفة بأجنحتها في الهواء لتنتظر أمر الله، وهي المصطفة لعبادة الله، وقد جاءت الأحاديث بهذا المعنى. قال ﵊: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً كلها، وبأن جعل لنا ترابها طاهراً إذا لم نجد الماء). وقال ﵊ -والحديث في مسلم وفي السنن- (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، فقال قائل: يا رسول الله! فكيف تصف الملائكة؟ قال: يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصفوف)، أي: لا يصفون في الصفوف الخلفية إلا بعد أن تتم الصفوف المتقدمة، وتكون الصفوف متراصة الكتف إلى الكتف والكعب إلى الكعب. ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات:٢]. الزجر: هو المنع والردع، والزاجرات هي الملائكة التي تزجر الإنسان في أعماله، وعلى كل واحد منا ملك عن يمينه وشماله، وهي تزجر الكافر عن الشرك والمؤمن عن المعاصي. وقيل: (والزاجرات) أي تزجر السحب لأنها لو بقيت في السماء لحالت بين الأرض وضوء الشمس، والأرض بحاجة إلى ضوء الشمس والحياة محتاجة للشمس، فهي تزجر السحاب وتصرفه، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ [الصافات:٢] الرادعات المانعات من الشرك ومن المعصية. ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات:٣]. أي: التي تتلو ذكر ربها، والتي توحد ربها، والتي لا تنقطع عن عبادة ربها. فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا هي الملائكة كذلك، والواو واو القسم، فقد أقسم الله بالملائكة تنوينها بفضلها وعظيم خلقها؛ لأن الله لا يقسم إلا بعظيم، وقد قال لنا نبي الله ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما من موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد). وذكر الملائكة هو كالنفس في البشر، وكما أن الإنسان إذا انقطع نفسه انقطعت حياته، فالملك إذا انقطعت عبادته وذكره مات، وهو سيموت يوماً، وسيبلى كل شيء، ويفنى كل شيء، ولن يبقى إلا وجه ربنا ذي الجلال والإكرام. قال تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات:٣ - ٤]. يقسم الله بملائكته أن إلهنا واحد، وكان هذا جواباً منه ﷻ لنبينا ﵊ للكفار عندما قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]؛ لأن النبي دعاهم إلى توحيد الله ﷻ ، وأن الآلهة التي ادعوها ما هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، أي: من دليل ولا برهان، بل هي أكاذيب وأضاليل وأباطيل لا واقع لها في الحياة. وقال قوم: لله أن يقسم بما شاء من خلقه، فقد أقسم بالنبي ﵊، وأقسم ﷻ بالليالي العشر، والشفع والوتر، أقسم بالتين والزيتون، أقسم بالملائكة، ولكن قال قائلون: هو قسم بالله لا بهؤلاء؛ لأنه رب الزاجرات زجراً، ورب التاليات ذكراً، وهذا قالوه انطلاقاً من أن الحلف لا يكون إلا بالله، كما قال نبينا ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، ولكن ذلك أمر لنا. والجمهور: على أن الله قد أقسم بالكثير من مخلوقاته وذلك للفت النظر إلى مقامها، ولذلك لفت الأنظار إلى مقام الملائكة، وإلى عظيم عبادتهم وإلى طاعة ربهم فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ثم قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥]. ربنا ﷻ وإلهنا وخالقنا هو رب السماوات والأرض، رب السموات السبع، مدبرها وخالقها ورازقها والقائم عليها ﷻ ، وهو المدبر للأرضين وخالقها، والرازق لها، والقائم بشأنها ﷻ ، لا ثاني له، ولا ند له، وكل ما سوى الله إنما هو من ضلال الضالين، وإبطال المبطلين: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فلو فكر الإنسان في نفسه: كيف أتحرك؟ كيف أتذوق؟ كيف أسبح؟ كيف أمشي؟ كيف أجلس؟ من الذي أعطاني هذا؟ وعندما نموت فأين سنذهب؟ والروح التي بين جنبي ما حقيقتها وما كنهها؟ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، قالوا: الروح هي الذهاب والحركة، قلنا: هذا أثرها وليست هي، الروح قدرة الله، الروح أمر الله، الروح روح الله ﷻ ، بها تحركنا، وبها عقلنا وأدركنا، فقد استأثر الله بمعرفة حقيقة الروح وماهيتها، وطالما تساءل الناس في الجاهلية وما قبلها عن مآلهم فلا يستطيعون فهماً ولا يستطيعون إدراكاً. إن السماء والأرض خلق من خلق الله، هذه الكواكب التي زين بها الأرض، هذه النجوم التي لا يحصي عددها إلا الله، هؤلاء الخلق المخلوقون من السماء والأرض من ملائكة الله، من خلق الله، ومما لا يعلمه إلا الله بين السماوات والأرض، فإن بينهما خلقاً لا ندري حقيقته، ولكنه خلق عاقل، خلق مدرك، وقد قال ربنا ﷻ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]. يقول تعالى من آيات قدرته، من آيات قوته: خلقه السماوات والأرض، وما خلق فيهما من دابة، والدابة: ما يدب على وجه الأرض، وليست الدابة ملكاً؛ لأن الملك له أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فلا يدب على الأرض، ولا يمشي على الأرض، بل إن الملائكة تطير في الأجواء تسبح وتعبد الله. ولقد رأى النبي ﵊ جبريل في الأجواء وله ستمائة جناح قد سد الأفق، رآه مرتين على خلقته التي خلقه الله عليها، وأكثر ما كان يرى على صورة البشر؛ لأن من خصائص الملائكة: أنها تتكيف وتتشكل كما تريد. وعندما نزل على نبينا في غراء حراء نزل في صورة إنسان فقال: (اقرأ) فكرر ذلك ثلاثاً، وكان يراه أكثر ما يراه في صورة دحية الكلبي الصحابي الأنصاري الجميل، فرآه مرة في صورة بدوي نظيف معطر، دخل المسجد وأصحاب النبي حوله. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]. وقد قلنا: إن (إذا) إذا دخلت على الماضي حولته مضارعاً، وإذا دخلت على المضارع حولته ماضياً، وهو على جمعهم إذا يشاء: يدل على الحال والاستقبال، فلما دخلت (إذا) حولته للماضي: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥]، ولا يكون مشرق إلا ومعه مغرب أي: رب المشارق والمغارب، وقد ذكرت الآية على التثنية: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، وعلى الجمع: ﴿ِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج:٤٠]، وعلى الإفراد: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء:٢٨]. قالوا: إن للشمس ثلاثمائة وستين كوة -أي: تشرق وتغرب كل يوم من كوة فكل كوة تشرق منها فهي مشرق، وكل كوة تغرب فيها فهي مغرب، ومجموع الكوى ثلاثمائة وستون مشارق عند الشروق، ومغارب عند الغروب. ﴿ِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠]، لا يكون شروق إلا وبعده غروب.

стр. 1717

تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦]. يقول تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦]، وقال في سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥]، فيذكر ربنا أنه زين السماء الدنيا القريبة منا، أي: هذه الأجواء التي تعلونا، أي: السماء الأولى زينها بزينة الكواكب والنجوم. وقد قال ﷺ : (ما بين كل سماء وسماء كما بين السماء والأرض) وقال: (إن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام)، ولا نعلم هل هي من أعوام الأرض أم لا؟ وقد قال الله في اليوم الواحد عنده: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، وقد ذكر في القرآن معراج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك:٥]، زينها بمصابيح كما قال في سورة الملك، وجعلها كالمواقيت للناس يعرفون بها مواقيت الصيام والحج والزكاة، وكان العرب قبل الإسلام من أبرع الناس ولا يزالون من أعرف الناس بالطرق عن طريق النجوم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك:٥] أي: السماء الدانية القريبة بزينة الكواكب والنجوم.

стр. 1718

تفسير سورة الصافات [٦ - ٢١] الله تعالى هو الخالق الرازق الموجد لكل شيء بقول (كن)، لكن الإنسان مخلوق عجيب يتعالى على الله ويتعجب من عظمة الله تعالى ويتشكك في البعث بعد الموت، والله تعالى لا يزال يبين له الآيات ويثبت له بالحجج القاطعات أنه مبعوث محاسب.

стр. 1719

تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب) قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:٦ - ٩]. نحن الآن في سورة الصافات، أي: سورة الملائكة. يقول الله ﷻ : (إنا زينا السماء الدنيا بزينةِ الكواكب)، وقرئ (بزينةٍ الكواكب) بالتنوين، والمعنى متقارب، فالله ﷻ يذكر هؤلاء الكفرة الجاحدين ليعودوا للإيمان بالله، والإيمان برسل الله، وكتبه، ويلفت أنظارهم إلى هذا الكون وما فيه من نظام دقيق في السماوات والأرض، وخلْق الإنسان، وتسيير الشمس والقمر، وما مضى وما لا يزال يذكر بذلك. ومن ذلك: أن الله ﷻ زين السماء الدنيا وجملها، وأحسنها، والسماء الدنيا الأولى القريبة من الأرض التي نراها على شدة ارتفاعها وعلوها، زينها بالكواكب، فكانت زينتها ضياء الكواكب، فهذه الأنجم التي نراها والتي لا يحصي عددها إلا الله هي تزين السماء، كما قال في سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، فهي جعلت لإضائتها ونورها كهذه المصابيح التي نراها في السقوف وفي أعالي الدور والبناء، فكانت هذه الكواكب -جمع كوكب- وهذه النجوم التي لا يحصي عددها إلا الله زينة للسماء، وكانت ضياءً لها في الليل البهيم. من خلق ذلك؟ من زين ذلك؟ من رفعه؟ من أعلى سمك تلك السماء؟ ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٦ - ٧] أي: وحفظ بها حفظاً. فـ (حفظاً): مفعول مطلق، أي: حفظ السماء وحفظ الكواكب من كل شيطان مارد من نسل إبليس من الشياطين، والألف واللام للجنس، بل حفظ الله سماواته من أن تتصنت إليها الشياطين، فالمردة على الله، والكافرون بالله، والجاحدون له ولأنبيائه ورسله حفظت منهم. قال تعالى: (وحفظاً من كل شيطان مارد) أي: من كل متمرد على الله، ومن كل من جاء يريد الإنصات إلى ما يقوله الملائكة، وما يتلقونه من وحي، وما يخرج به أمر الله من أمر أو نهي. قال تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا﴾ [الصافات:٨ - ٩]. (لا يسمعون) حذفت التاء تخفيفاً وأدغمت السين أي: لا يستمعون، وهذا للشيطان وجنسه؛ ولذلك عاد الضمير على الجماعة، (لا يسمعون) لا يتسمع هؤلاء الشياطين، وقرئ: (لا يستمعون) وقرئ: (لا يسمعون)، وهي كلها قراءات تبعية. (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) والملأ الأعلى: الجماعة العليا، وهم سكان السماوات من ملائكة الله وجنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقد حفظ الله السماوات بهذه الشهب الثاقبة (وحفظاً من كل شيطان مارد * لا يسمعون) أي: كي لا يسمعوا. (ويقذفون من كل جانب)، يقذفون من كل جهات السماوات ومن كل أقطارها ومن كل جوانبها، وهذا إذا حاولوا التصنت على الملائكة وما يقولون وما يوحى إليهم. (ويقذفون) أي: يطردون ويقذفون من كل جانب (دحوراً) أي: ويدحرون دحوراً، أي: يطردون عن السماء، ويبعدون عن السمع وعن الإنصات. قال: (دحوراً ولهم عذاب واصب)، يطردون من الإنصات طرداً ويبعدون إبعاداً كي لا يسمعون ما يقوله الملائكة، كي لا ينصتوا لما تتحدث به الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، ومن أوامر الله ونواهيه جل وعلا. (ولهم عذاب واصب) عذاب دائم، ويكون لهؤلاء الشياطين العذاب في الدنيا بهذا القذف، وعذاب الله يوم القيامة لكفرهم ولشركهم ولإنصاتهم على ما يحاولون. ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:٨ - ١٠]. هم يبعدون عند الإنصات، فإن تجرأ أحدهم ولربما يفعلون ذلك أحياناً يقذفون، وهذه الشهب التي نراها أحياناً يتطاير ضياؤها، وتتساقط بعض أجزائها تكون رجماً للشياطين في شهاب ثاقب يثقب الجني ويحرقه، ينفذ فيه من جانب إلى جانب ومع ذلك يحاولون أن يفعلوا، ويركب بعضهم بعضاً ليصل لذلك. وهذا استثناء من قول الله تعالى (ويقذفون) لأن هذه النجوم وهذه الشهب حفظت بها السماء: (وحفظاً من كل شيطان مارد)، حفظ الله السماء وحفظ وحيه وحفظ الملائكة جنده ورسله إلى الناس في الأوامر والنواهي وتلقي الوحي في الخلق والأمر، حفظها من أن ينصت إليها هؤلاء الشياطين.

стр. 1720

تفسير قوله تعالى: (إلا من خطف الخطفة) ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:٧ - ١٠]. إلا من حاول أن يخطف خطفة وينصت إلى كلمة. ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠]. فيتبعه الله ويلحقه بهذا الشهاب الذي يسقط عليه فيحرقه وينفذ في بدنه من جانب إلى جانب فيهلك. و (شهاب): قطعة من نار جزء من هذا الذي يقذف به من الأنجم، وهو نار محرقة تدخل في بدنه وتثقبه فتحرقه. وبين ذلك ﵊ وشرحه وفسره فقال -كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين وأصحاب السنن- قال: (إن الشياطين)، أي: كفرة الجن يحاولون أن ينصتوا إلى الوحي الذي يوحى به إلى جند الله وملائكته، وكانوا قبل النبوة المحمدية، وقبل إرسال خاتم الأنبياء، يفعلون ذلك كثيراً. ولكن عندما جاء الله بنبيه وجاء بدين الإسلام، حفظ سماءه منهم، فرماهم بهذه الشهب، فأحرقتهم وأبعدتهم، وقد كانت الكهانة منتشرة في بلاد العرب وبلاد العجم والدنيا، والكهانة: من التكهن، فهم يحاولون أن يستنبئوا الغيب ويحسبون أنهم يسمعون ما عند الملائكة من وحي، وما عندهم من أوامر الله، فيذهبون ينصتون. وكانوا أحياناً يسقط أحدهم وهو يحترق فيلقي بكلمة، فيسمعها معه شياطين، فيزيد على الكلمة الواحدة التي يلقيها تسعة وتسعين كلمة أخرى، كلها كذب ودجل وشعوذة، فيذهب هذا الكاهن الذي يتلقى عن الشيطان وساوسه، ويتلقى عنه كفره، ويتلقى عنه زعمه الاطلاع على الغيب، فيذهب ويلقي مع هذه الكلمة تسعاً وتسعين، كلها كذب وبهتان لا حقيقة لها، يخترعها اختراعاً ليضل الخلق، وليكفر الخلق؛ لأنه عدو لله وعدو للإنسان. ولقد حذر الله بني آدم من عداوته: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧] كما خاطب آدم ﵇، وهو عدو للمؤمنين، وعدو لكل الخلق، فيتكهنون ويفسدون، إلى أن تعبدهم بعض من أضلوه، وعبادتهم: طاعتهم، وعبادتهم بأن يبعدوهم عن التوحيد وعن الإيمان. فيذهبون فيزيدون على الكلمة الواحدة تسعاً وتسعين كلمة، ولكن الله ﷻ حفظ دينه عن هذا وحفظ وحي كتابه عن هذا، والكهنة من صدقهم بما يقولون لا تكاد تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما ورد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله، إن هي إلا كهانات وتنبؤات في الباطل لا حقيقة لها في واقع الأمر، ولا يصدق منها شيء؛ لأنها كذب وزعم للاطلاع على الغيب وهم لا يطلعون.
следующие страницы →