Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
تفسير قوله تعالى: (والصافات صفاً)
يقول تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:١ - ٥].
سورة الصافات سورة مكية، أي: نزل بها الروح الأمين على قلب نبينا الشافع الأمين ﷺ في مكة المكرمة، وآياتها اثنتان وثمانون آية، وسميت الصافات لأول السورة.
والصافات: هي الملائكة التي اصطفت بأجنحتها في الهواء تنتظر أمر الله، وقد كان ﷺ أحياناً يصلي بها في صلاة الصبح يقرؤها في ركعة واحدة.
يقول تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١] هذا قسم من الله، والصافات: جمع صافة، أي: الملائكة مرصوصة مصطفة بأجنحتها في الهواء لتنتظر أمر الله، وهي المصطفة لعبادة الله، وقد جاءت الأحاديث بهذا المعنى.
قال ﵊: (فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجداً كلها، وبأن جعل لنا ترابها طاهراً إذا لم نجد الماء).
وقال ﵊ -والحديث في مسلم وفي السنن- (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، فقال قائل: يا رسول الله! فكيف تصف الملائكة؟ قال: يتمون الصفوف المتقدمة، ويتراصون في الصفوف)، أي: لا يصفون في الصفوف الخلفية إلا بعد أن تتم الصفوف المتقدمة، وتكون الصفوف متراصة الكتف إلى الكتف والكعب إلى الكعب.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات:٢].
الزجر: هو المنع والردع، والزاجرات هي الملائكة التي تزجر الإنسان في أعماله، وعلى كل واحد منا ملك عن يمينه وشماله، وهي تزجر الكافر عن الشرك والمؤمن عن المعاصي.
وقيل: (والزاجرات) أي تزجر السحب لأنها لو بقيت في السماء لحالت بين الأرض وضوء الشمس، والأرض بحاجة إلى ضوء الشمس والحياة محتاجة للشمس، فهي تزجر السحاب وتصرفه، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ﴾ [الصافات:٢] الرادعات المانعات من الشرك ومن المعصية.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات:٣].
أي: التي تتلو ذكر ربها، والتي توحد ربها، والتي لا تنقطع عن عبادة ربها.
فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا هي الملائكة كذلك، والواو واو القسم، فقد أقسم الله بالملائكة تنوينها بفضلها وعظيم خلقها؛ لأن الله لا يقسم إلا بعظيم، وقد قال لنا نبي الله ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط؛ ما من موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد).
وذكر الملائكة هو كالنفس في البشر، وكما أن الإنسان إذا انقطع نفسه انقطعت حياته، فالملك إذا انقطعت عبادته وذكره مات، وهو سيموت يوماً، وسيبلى كل شيء، ويفنى كل شيء، ولن يبقى إلا وجه ربنا ذي الجلال والإكرام.
قال تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات:٣ - ٤].
يقسم الله بملائكته أن إلهنا واحد، وكان هذا جواباً منه ﷻ لنبينا ﵊ للكفار عندما قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]؛ لأن النبي دعاهم إلى توحيد الله ﷻ ، وأن الآلهة التي ادعوها ما هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، أي: من دليل ولا برهان، بل هي أكاذيب وأضاليل وأباطيل لا واقع لها في الحياة.
وقال قوم: لله أن يقسم بما شاء من خلقه، فقد أقسم بالنبي ﵊، وأقسم ﷻ بالليالي العشر، والشفع والوتر، أقسم بالتين والزيتون، أقسم بالملائكة، ولكن قال قائلون: هو قسم بالله لا بهؤلاء؛ لأنه رب الزاجرات زجراً، ورب التاليات ذكراً، وهذا قالوه انطلاقاً من أن الحلف لا يكون إلا بالله، كما قال نبينا ﵊: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، ولكن ذلك أمر لنا.
والجمهور: على أن الله قد أقسم بالكثير من مخلوقاته وذلك للفت النظر إلى مقامها، ولذلك لفت الأنظار إلى مقام الملائكة، وإلى عظيم عبادتهم وإلى طاعة ربهم فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
ثم قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥].
ربنا ﷻ وإلهنا وخالقنا هو رب السماوات والأرض، رب السموات السبع، مدبرها وخالقها ورازقها والقائم عليها ﷻ ، وهو المدبر للأرضين وخالقها، والرازق لها، والقائم بشأنها ﷻ ، لا ثاني له، ولا ند له، وكل ما سوى الله إنما هو من ضلال الضالين، وإبطال المبطلين: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد قال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١]، فلو فكر الإنسان في نفسه: كيف أتحرك؟ كيف أتذوق؟ كيف أسبح؟ كيف أمشي؟ كيف أجلس؟ من الذي أعطاني هذا؟ وعندما نموت فأين سنذهب؟ والروح التي بين جنبي ما حقيقتها وما كنهها؟ قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥]، قالوا: الروح هي الذهاب والحركة، قلنا: هذا أثرها وليست هي، الروح قدرة الله، الروح أمر الله، الروح روح الله ﷻ ، بها تحركنا، وبها عقلنا وأدركنا، فقد استأثر الله بمعرفة حقيقة الروح وماهيتها، وطالما تساءل الناس في الجاهلية وما قبلها عن مآلهم فلا يستطيعون فهماً ولا يستطيعون إدراكاً.
إن السماء والأرض خلق من خلق الله، هذه الكواكب التي زين بها الأرض، هذه النجوم التي لا يحصي عددها إلا الله، هؤلاء الخلق المخلوقون من السماء والأرض من ملائكة الله، من خلق الله، ومما لا يعلمه إلا الله بين السماوات والأرض، فإن بينهما خلقاً لا ندري حقيقته، ولكنه خلق عاقل، خلق مدرك، وقد قال ربنا ﷻ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩].
يقول تعالى من آيات قدرته، من آيات قوته: خلقه السماوات والأرض، وما خلق فيهما من دابة، والدابة: ما يدب على وجه الأرض، وليست الدابة ملكاً؛ لأن الملك له أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فلا يدب على الأرض، ولا يمشي على الأرض، بل إن الملائكة تطير في الأجواء تسبح وتعبد الله.
ولقد رأى النبي ﵊ جبريل في الأجواء وله ستمائة جناح قد سد الأفق، رآه مرتين على خلقته التي خلقه الله عليها، وأكثر ما كان يرى على صورة البشر؛ لأن من خصائص الملائكة: أنها تتكيف وتتشكل كما تريد.
وعندما نزل على نبينا في غراء حراء نزل في صورة إنسان فقال: (اقرأ) فكرر ذلك ثلاثاً، وكان يراه أكثر ما يراه في صورة دحية الكلبي الصحابي الأنصاري الجميل، فرآه مرة في صورة بدوي نظيف معطر، دخل المسجد وأصحاب النبي حوله.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩].
وقد قلنا: إن (إذا) إذا دخلت على الماضي حولته مضارعاً، وإذا دخلت على المضارع حولته ماضياً، وهو على جمعهم إذا يشاء: يدل على الحال والاستقبال، فلما دخلت (إذا) حولته للماضي: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥]، ولا يكون مشرق إلا ومعه مغرب أي: رب المشارق والمغارب، وقد ذكرت الآية على التثنية: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، وعلى الجمع: ﴿ِرَبِّ الْمَشَارِقِ﴾ [المعارج:٤٠]، وعلى الإفراد: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء:٢٨].
قالوا: إن للشمس ثلاثمائة وستين كوة -أي: تشرق وتغرب كل يوم من كوة فكل كوة تشرق منها فهي مشرق، وكل كوة تغرب فيها فهي مغرب، ومجموع الكوى ثلاثمائة وستون مشارق عند الشروق، ومغارب عند الغروب.
﴿ِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠]، لا يكون شروق إلا وبعده غروب.
стр. 1717
تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)
قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦].
يقول تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦]، وقال في سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥]، فيذكر ربنا أنه زين السماء الدنيا القريبة منا، أي: هذه الأجواء التي تعلونا، أي: السماء الأولى زينها بزينة الكواكب والنجوم.
وقد قال ﷺ : (ما بين كل سماء وسماء كما بين السماء والأرض) وقال: (إن بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام)، ولا نعلم هل هي من أعوام الأرض أم لا؟ وقد قال الله في اليوم الواحد عنده: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، وقد ذكر في القرآن معراج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
قال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك:٥]، زينها بمصابيح كما قال في سورة الملك، وجعلها كالمواقيت للناس يعرفون بها مواقيت الصيام والحج والزكاة، وكان العرب قبل الإسلام من أبرع الناس ولا يزالون من أعرف الناس بالطرق عن طريق النجوم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك:٥] أي: السماء الدانية القريبة بزينة الكواكب والنجوم.
стр. 1718
تفسير سورة الصافات [٦ - ٢١]
الله تعالى هو الخالق الرازق الموجد لكل شيء بقول (كن)، لكن الإنسان مخلوق عجيب يتعالى على الله ويتعجب من عظمة الله تعالى ويتشكك في البعث بعد الموت، والله تعالى لا يزال يبين له الآيات ويثبت له بالحجج القاطعات أنه مبعوث محاسب.
стр. 1719
تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)
قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:٦ - ٩].
نحن الآن في سورة الصافات، أي: سورة الملائكة.
يقول الله ﷻ : (إنا زينا السماء الدنيا بزينةِ الكواكب)، وقرئ (بزينةٍ الكواكب) بالتنوين، والمعنى متقارب، فالله ﷻ يذكر هؤلاء الكفرة الجاحدين ليعودوا للإيمان بالله، والإيمان برسل الله، وكتبه، ويلفت أنظارهم إلى هذا الكون وما فيه من نظام دقيق في السماوات والأرض، وخلْق الإنسان، وتسيير الشمس والقمر، وما مضى وما لا يزال يذكر بذلك.
ومن ذلك: أن الله ﷻ زين السماء الدنيا وجملها، وأحسنها، والسماء الدنيا الأولى القريبة من الأرض التي نراها على شدة ارتفاعها وعلوها، زينها بالكواكب، فكانت زينتها ضياء الكواكب، فهذه الأنجم التي نراها والتي لا يحصي عددها إلا الله هي تزين السماء، كما قال في سورة الملك: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥]، فهي جعلت لإضائتها ونورها كهذه المصابيح التي نراها في السقوف وفي أعالي الدور والبناء، فكانت هذه الكواكب -جمع كوكب- وهذه النجوم التي لا يحصي عددها إلا الله زينة للسماء، وكانت ضياءً لها في الليل البهيم.
من خلق ذلك؟ من زين ذلك؟ من رفعه؟ من أعلى سمك تلك السماء؟ ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٦ - ٧] أي: وحفظ بها حفظاً.
فـ (حفظاً): مفعول مطلق، أي: حفظ السماء وحفظ الكواكب من كل شيطان مارد من نسل إبليس من الشياطين، والألف واللام للجنس، بل حفظ الله سماواته من أن تتصنت إليها الشياطين، فالمردة على الله، والكافرون بالله، والجاحدون له ولأنبيائه ورسله حفظت منهم.
قال تعالى: (وحفظاً من كل شيطان مارد) أي: من كل متمرد على الله، ومن كل من جاء يريد الإنصات إلى ما يقوله الملائكة، وما يتلقونه من وحي، وما يخرج به أمر الله من أمر أو نهي.
قال تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا﴾ [الصافات:٨ - ٩].
(لا يسمعون) حذفت التاء تخفيفاً وأدغمت السين أي: لا يستمعون، وهذا للشيطان وجنسه؛ ولذلك عاد الضمير على الجماعة، (لا يسمعون) لا يتسمع هؤلاء الشياطين، وقرئ: (لا يستمعون) وقرئ: (لا يسمعون)، وهي كلها قراءات تبعية.
(لا يسمعون إلى الملأ الأعلى) والملأ الأعلى: الجماعة العليا، وهم سكان السماوات من ملائكة الله وجنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
وقد حفظ الله السماوات بهذه الشهب الثاقبة (وحفظاً من كل شيطان مارد * لا يسمعون) أي: كي لا يسمعوا.
(ويقذفون من كل جانب)، يقذفون من كل جهات السماوات ومن كل أقطارها ومن كل جوانبها، وهذا إذا حاولوا التصنت على الملائكة وما يقولون وما يوحى إليهم.
(ويقذفون) أي: يطردون ويقذفون من كل جانب (دحوراً) أي: ويدحرون دحوراً، أي: يطردون عن السماء، ويبعدون عن السمع وعن الإنصات.
قال: (دحوراً ولهم عذاب واصب)، يطردون من الإنصات طرداً ويبعدون إبعاداً كي لا يسمعون ما يقوله الملائكة، كي لا ينصتوا لما تتحدث به الملائكة، وما يوحى إليهم من علم الغيب، ومن أوامر الله ونواهيه جل وعلا.
(ولهم عذاب واصب) عذاب دائم، ويكون لهؤلاء الشياطين العذاب في الدنيا بهذا القذف، وعذاب الله يوم القيامة لكفرهم ولشركهم ولإنصاتهم على ما يحاولون.
﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:٨ - ١٠].
هم يبعدون عند الإنصات، فإن تجرأ أحدهم ولربما يفعلون ذلك أحياناً يقذفون، وهذه الشهب التي نراها أحياناً يتطاير ضياؤها، وتتساقط بعض أجزائها تكون رجماً للشياطين في شهاب ثاقب يثقب الجني ويحرقه، ينفذ فيه من جانب إلى جانب ومع ذلك يحاولون أن يفعلوا، ويركب بعضهم بعضاً ليصل لذلك.
وهذا استثناء من قول الله تعالى (ويقذفون) لأن هذه النجوم وهذه الشهب حفظت بها السماء: (وحفظاً من كل شيطان مارد)، حفظ الله السماء وحفظ وحيه وحفظ الملائكة جنده ورسله إلى الناس في الأوامر والنواهي وتلقي الوحي في الخلق والأمر، حفظها من أن ينصت إليها هؤلاء الشياطين.
стр. 1720
تفسير قوله تعالى: (إلا من خطف الخطفة)
﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:٧ - ١٠].
إلا من حاول أن يخطف خطفة وينصت إلى كلمة.
﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠].
فيتبعه الله ويلحقه بهذا الشهاب الذي يسقط عليه فيحرقه وينفذ في بدنه من جانب إلى جانب فيهلك.
و (شهاب): قطعة من نار جزء من هذا الذي يقذف به من الأنجم، وهو نار محرقة تدخل في بدنه وتثقبه فتحرقه.
وبين ذلك ﵊ وشرحه وفسره فقال -كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين وأصحاب السنن- قال: (إن الشياطين)، أي: كفرة الجن يحاولون أن ينصتوا إلى الوحي الذي يوحى به إلى جند الله وملائكته، وكانوا قبل النبوة المحمدية، وقبل إرسال خاتم الأنبياء، يفعلون ذلك كثيراً.
ولكن عندما جاء الله بنبيه وجاء بدين الإسلام، حفظ سماءه منهم، فرماهم بهذه الشهب، فأحرقتهم وأبعدتهم، وقد كانت الكهانة منتشرة في بلاد العرب وبلاد العجم والدنيا، والكهانة: من التكهن، فهم يحاولون أن يستنبئوا الغيب ويحسبون أنهم يسمعون ما عند الملائكة من وحي، وما عندهم من أوامر الله، فيذهبون ينصتون.
وكانوا أحياناً يسقط أحدهم وهو يحترق فيلقي بكلمة، فيسمعها معه شياطين، فيزيد على الكلمة الواحدة التي يلقيها تسعة وتسعين كلمة أخرى، كلها كذب ودجل وشعوذة، فيذهب هذا الكاهن الذي يتلقى عن الشيطان وساوسه، ويتلقى عنه كفره، ويتلقى عنه زعمه الاطلاع على الغيب، فيذهب ويلقي مع هذه الكلمة تسعاً وتسعين، كلها كذب وبهتان لا حقيقة لها، يخترعها اختراعاً ليضل الخلق، وليكفر الخلق؛ لأنه عدو لله وعدو للإنسان.
ولقد حذر الله بني آدم من عداوته: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه:١١٧] كما خاطب آدم ﵇، وهو عدو للمؤمنين، وعدو لكل الخلق، فيتكهنون ويفسدون، إلى أن تعبدهم بعض من أضلوه، وعبادتهم: طاعتهم، وعبادتهم بأن يبعدوهم عن التوحيد وعن الإيمان.
فيذهبون فيزيدون على الكلمة الواحدة تسعاً وتسعين كلمة، ولكن الله ﷻ حفظ دينه عن هذا وحفظ وحي كتابه عن هذا، والكهنة من صدقهم بما يقولون لا تكاد تقبل له صلاة أربعين يوماً، كما ورد عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وعلى آله، إن هي إلا كهانات وتنبؤات في الباطل لا حقيقة لها في واقع الأمر، ولا يصدق منها شيء؛ لأنها كذب وزعم للاطلاع على الغيب وهم لا يطلعون.
стр. 1721
تفسير قوله تعالى: (فاستفتهم أهم أشد خلقاً)
يقول تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١] يقول ربنا: (استفتهم) أي: يا محمد! استفت هؤلاء الكافرين من أدركوا حياة النبي ﵊، ومن جاءوا بعده إلى يوم الدين، فالقرآن يخاطبهم دوماً، والسنة تبين ذلك وتخاطبهم دوماً كذلك، اسألهم: (أهم أشد خلقاً أم من خلقنا) أي: أهم أشد خلقاً من الأمم السابقة، من الأمم التي كان لها من السلطان ومن القوة ومن الحضارة ومن شديد البأس، ومن شديد السلطان.
ومع ذلك عندما كفروا بالله عاقبهم أشد عقاب، بين غريق ومصعوق ومرجوم من السماء، وبين ممسوخ قرداً أو خنزيراً، وبين ممسوخ حجارة أو جماداً، وهكذا شرد أقواماً وعذبهم ونكل بهم، يقول لهؤلاء الكافرين: أنتم أتظنون أنفسكم أعظم خلقاً وأقوى سلطاناً وأشد بأساً ممن مضى.
فالله ينذرهم ويتوعدهم إن لم يعودوا إلى الإيمان، فالإيمان بالله وبرسوله خاتم الأنبياء أنه يصنع بهم ما صنعه بالأمم السابقة وقد فعل، من آمن فالإسلام يجب ما قبله، ومن لم يؤمن ذهب بين قتيل وشريد ومأسور وهكذا وإلى أبد الآباد ما دامت الدنيا وإلى يوم النفخ في الصور.
كل هؤلاء الذين كفروا بربهم أين هم؟ أين فارس؟ أين الروم؟ وقل كذلك عن أمم سابقة فستلحقها الأمم اللاحقة أمريكا وروسيا وأمثالهما من دول الكفر ودول الشرك على كفرهم بالله ووثنيتهم بعبادة من دون الله، من عبد مريم، ومن عبد العزير، ومن عبد السماء والطبيعة، ومن عبد الإنسان وشخصه.
فكلهم كانوا مردة خارجين عن أمر الله وعن طاعة رسول الله، كلهم كفروا بكتاب الله، فالقرآن ينذر الأولين وينذر الحاضرين، وينذر اللاحقين: أن من فعل ما فعله الكفار الذين كفروا من قبل فسيعاقبون بمثل عقابهم، وهذا معنى هذه الآية الكريمة.
فاستفتهم يا محمد! خذ فتواهم، خذ رأيهم، سلهم: أأمنوا مكر الله؟ أأمنوا عذاب الله؟ فالله يمهل ولا يهمل.
وفسرت الآية: (فاستفتهم أهم أشد خلقنا) أي: أم من خلقنا من السماوات والأرض)، فإن السماوات أعظم كياناً، أعظم جرماً، أعظم بما فيها من أنجم وكواكب لا يحصيها إلا الله، من سماوات وما فوق السماء، بين كل سماء وسماء كما بين الأرض والسماء، والأرض كذلك، فهل هم أعظم جرماً من تلك أو أقوى طبيعة منها؟ ومع ذلك فسيأتي اليوم الذي لا تبقى فيه سماء ولا أرض، ولا يبقى حي على وجه الأرض: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١] أي: لاصق يعلق باليد إذا أمسكته، قيل: هذه طينة لا تكاد تمسها يد إلا وعلقت بها، أو علقت بثوبه، فالله خلق هذا الإنسان المتعالي بنفسه، المتكبر على الله، الذي يأبى الإسلام ويأبى الخضوع.
стр. 1722
تفسير قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون)
يقول تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١٢ - ١٥].
قوله: (بل عجبت ويسخرون) قرئ (عجبتَ) وقرئ (عجبتُ) بالضم.
يقول الله لنبيه ﷺ : بل أنت قد عجبت من هؤلاء كيف أدخل عليهم الوحي، وأرسل إليهم نبياً من بينهم يعلمون أباه وأهله وعشيرته، ونشأ بينهم أربعين عاماً، ومن لم يدركه ومن لم يعاصره قرأ من سيرته العطرة وعلم من معجزاته الواضحات البينات، ثم بعد ذلك يكذبونك يا محمد؟! فكان يعجب النبي ﵊ كيف لم يؤمنوا مع هذه الأدلة الباهرة والمعجزات الكاشفة؟! فقيل له: (بل عجبت ويسخرون) أي: فأنت تعجب وهم يسخرون من تعجبك؛ كيف تعجب من هذا وأنت تريدهم أن يتركوا آلهتهم إلى إلهك، وأن يتركوا دينهم إلى دينك؟! ومعنى كونها بالضم، (بل عجبتُ) أن الله ﷻ يعجب، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد:٥] فالله تعالى تعجب من قولهم، ومعنى ذلك: أن عجب الله ﷻ يكون مرة من خير ويكون مرة من شر، وعجبه: إنكاره، وعجبه: غضبه، فهو قد شارك النبي ﷺ كما يقول الإمام الجنيد إمام أهل الآداب والرقائق، يقول: إن الله لا يعجب من شيء، ولكنه ﷻ تابع نبيه فعجب لعجبه، أي: أنكر ما أنكره النبي ﵊ من هؤلاء المشركين ومن كفرهم.
ويكون العجب بمعنى: الرحمة والرضا، كقول النبي ﵊: (عجب ربنا من شاب لا صبوة له)، فالعجب هنا من الله أي: الرضا عنه والرحمة له، وذلك لكونه مع شبيبته ومع قوته ومع قدرته على أنواع الفواحش والذنوب والمعاصي، ومع ذلك حفظ شبابه عن المعصية وعن السوء، ومن هنا كانت رتبة هذا مع السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)، فكبت نفسه، وعظم عليه أن يعصي ربه خوفاً منه.
قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات:١٣] فقد غطى على قلوبهم الران، وأشربت بالكفر والشرك فهم (إذا ذكروا لا يذكرون) وشأن المؤمن أن يتذكر إذا ذكر ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
فإذا تلوت القرآن على المنافق الكافر الذي أبى إلا الجحود والعصيان، إذا أنت ذكرته بالله، تلوت عليه كلام الله، حدثته بكلام رسول الله، رققت قلبه بالآداب والرقائق وقصص الأولين، وأن من عصى كان له النار وأن من أطاع له الرحمة والرضا، فهو لا يذكر ولا يخشع ولا يقبل ولا يعظم ربه، لا يذكر سيئته فيتركها ويعود إلى ربه، فهؤلاء هم المصرون المعاندون.
قال: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات:١٣ - ١٤] إذا اطلعوا على آية من آياته، معجزة من معجزاته يسخرون، و (يستخسرون) أي: يطلبون من غيرهم السخرية معهم، كما يفعل الكافرون في كل وقت، هم الآن كذلك، وهم قبل كذلك، وسيبقون كذلك؛ لأن الران واللعنة قد غطت على قلوبهم، فلا يمكن أن يذكر الله ويعود إليه، قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:١٩٨]، إذا رأوا آية عميت عنها بصائرهم قبل أن تعمى الأبصار، وإذا رأوا قدرة من قدرات الله، معجزةً من معجزات رسول الله، لا يستطيع مثلها أحد، إذا بهم (يستسخرون) يبدءون بالسخرية والهزء، بل يقولون: هذا سحر مبين.
стр. 1723
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين)
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١٥].
أي: ظاهر بين، هكذا يدعي الكافر ليجد مع نفسه ومع هواه ومع نزواته جواباً على كفره وتبريراً لكفره، وما هي إلا اللعنة واستيلاء الشيطان على قلبه وعلى عقله، وعلى مكان الموعظة من قلبه، فهو لا يزداد في الله إلا كفراً.
ومن هنا قال عثمان بن عفان ﵁: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
لقد أرسل نبيه ﷺ إلى الخلق ليؤمنوا بالدليل العقلي، وبالبرهان الفطري، وبالفهم والتفهم الذي يعود على الإنسان بالخير ويعقل عقله، ولكن ترى أقواماً لا تفيد فيهم موعظة، تقول: قال الله، فيهزءوا، تقول: قال رسول الله فيعرضوا، هؤلاء لا ينفع فيهم إلا السلطان والسيف.
ومن هنا نزلت الحدود، ونزل الجهاد، فللسارق قطع يده، وللزاني الجلد أو الرجم، وللكافرين السيف إذا رفضوا الإسلام ودفع الجزية وهكذا.
فلذلك جاء الإسلام بالقلم، جاء بالعلم والوحي والمعرفة كما أنه جاء بالسيف، وكان أول ما نزل على نبينا ﵊: العلم بالقلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١ - ٤].
وقد أقسم الله بالقلم فقال: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:١]، ولكن أقواماً لا تفيد فيهم موعظة، صعد الران على قلوبهم، فهؤلاء لهم السيف؛ لأنهم إذا لم يؤدبوا، إذا لم يعاقبوا، إذا لم يجاهدوا فسينشروا الفساد والفواحش في الأرض، فلا يردع هؤلاء إلا القوة؛ ولذلك الإسلام جاء بالعلم وبالمعرفة لأهل القلوب التي تقبل الموعظة، كما جاء بالسيف الغليظة للقلوب المغلقة التي صعد عليها الران، التي لا تقبل موعظة من قوله تعالى، ولا من قول رسوله ﷺ .
وفي الحديث الصحيح الوارد عن جماعة من الصحابة في الصحاح والسنن: (والذي نفس محمد بيده! لا تقوم الساعة حتى يبلغ هذا الدين مبلغ النجم)، وفي رواية: (حتى يبلغ هذا الدين مبلغ الليل والنهار حتى لا يبقى بيت مدر ولا حجر إلا دخله؛ بعز عزيز، أو بذل ذليل)، إما أن يسلموا فيعزوا، أو يذلهم فيؤدون الجزية له عن يد وهم صاغرون، أو كما قال ﷺ .
والنجم موجود في الأرض كلها، وحيث يبلغ الليل، والليل يظلم على الأرض كلها، والإسلام لن تقوم الساعة حتى يعم الأرض مشارقها ومغاربها، وجميع قاراتها، وهذا آت لا محالة؛ لأن ربنا قد قال ذلك، وكرره في آية كررت ثلاث مرات في سورة التوبة، وسورة الفجر، وسورة ص، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:٣٣]، ليكون غالباً، ليكون قاهراً، ليرتفع بهداية الله وحده دون جميع الأديان السابقة، فيظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً ولو كره المشركون.
стр. 1724
تفسير قوله تعالى: (أئذا متنا وكنا تراباً)
قال تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٥ - ١٩].
من خصائص الكافر: أنه لا يؤمن بيوم البعث، ولا بالحياة الثانية، فهم يستفهمون على سبيل الإنكار: كيف سيبعثنا الله وقد صرنا عظاماً ورفاتاً وعادت عظامنا رمماً؟! وعندما قالوا كما في سورة (يس): ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] قال الله لهم: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩].
أي: فمن الذي أنشأها على غير مثال سابق؟ ولقد خرجنا إلى الوجود من العدم، فالذي خلقنا من عدم أيعجز أن يعيدنا بعد وجود سابق وهو على الله أهون، والكل عليه هين، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول: كن، فيكون.
جاء إلى النبي ﵊ العاص بن وائل وأبي بن خلف من زعماء الكفار في مكة، وقالوا له -وقد أخذ أبي عظم إنسان وذراه في الهواء- وهو يسأل النبي سؤال الساخر: يا محمد! (أسنعود مرة أخرى؟ قال: نعم، إنك ستبعث، وستدخل النار)، وكان كما قال النبي ﵊، فقد مات العاص بن وائل على الكفر، ومات أبي بن خلف على الكفر، وسيبعثان إلى النار، كما أخبر الله عن أبي لهب بأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فهذا من المعجزات.
قال تعالى: (قل نعم) أي: أجب هؤلاء وقل: نعم ستبعثون بعد أن تصيروا تراباً، وبعد أن تصيروا عظاماً نخرة، أنتم وآباؤكم الأولون ومن جاء بعدهم، وتعرضون على الله للحساب، فإما إلى جنة وإما إلى نار.
(وأنتم داخرون) وأنتم صاغرون ذليلون، راغمون غير راضين.
стр. 1725
تفسير قوله تعالى: (فإنما هي زجرة واحدة)
قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات:١٩].
الزجرة ليست إلا صيحة، وهي صيحة البعث، والزجرات ثلاث: زجرة للفزع، فينفخ إسرافيل في البوق فإذا بكل من على الأرض من حي يفزع ويقف ذاهلاً مبهوتاً، ويدرك أن هذا أوان الساعة، فتمضي أربعون سنة وهم في هذا الذهول.
ثم ينفخ إسرافيل النفخة الثانية -وهي نفخة الصعق- فيصعقون ويموتون، فمنهم من يموت وهو يحلب، ومنهم من يموت وهو يحاول وضع اللقمة في فمه، ومنهم من يخرج الثوب ليبيع ويشتري فلا يفعل، فيصعقون على حالهم.
وبعد أربعين سنة ينفخ إسرافيل -وهو المكلف بالبوق- النفخة الثالثة وهي نفخة البعث، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
وقوله: (فإنما هي زجرة واحدة) أي: لا تحتاج إلى ثانية، ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٩] أحياء ينظر بعضهم إلى بعض عراة حفاة غرلاً، بل إنهم يفنون في النفخة الثانية ويدفنون بلا قلنسوة وبلا حذاء، وعائشة لما سمعت النبي يقول هذا ﵊ قالت: (أنقف عراةً يرى بعضنا بعضاً؟! فقال لها النبي ﵊: الأمر أكبر وأشد من ذلك) أي: لا يفكر أحد في أحد؛ إذ الناس في ذهول، ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢].
وقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
فلن يفكر أحد في أحد، وكل يقول: نفسي نفسي! حتى الأنبياء تتجمع عليهم الخلائق والأمم ليشفعوا فيهم، وإذا بهم يقولون: نفسي نفسي! ولكن محمداً ﷺ -وهو صاحب الشفاعة العظمى- عندما يأتونه جميعهم من أمة نوح إلى أمته يقول: أنا لها! أنا لها! ويقف ﷺ ويخر تحت العرش، ويسجد ما شاء الله أن يسجد، ويدعو الله بدعوات، يقول النبي ﵊: (لا أعلمها الآن)، فيقول الله له ﷻ : (ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، اللهم اجعلنا من أهل شفاعته ومن أهل كرمه.
قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٩] عراة ينظرون بأبصارهم وقد عادت إليهم أجسامهم.
وإذا بهم يقولون في رعب آخر وفزع: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات:٢٠] قاموا وشعروا بأنهم عادوا بعد أن ماتوا، وأخذوا يصيحون وينادون بالويل والثبور وعظائم الأمور، يقولون: يا ويلكم! يتداعون بالويل، وهو نهر من القيح والصديد في قعر جهنم: (هذا يوم الدين) أي: يوم القيامة، يوم الدين الحق الذي ليس فيه إلا دين واحد وهو الاعتراف بالله، والإيمان بالله، وبما قاله الله، ولكن الإيمان ممن مات على الكفر لن ينفعه، ولات ساعة مندم، ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات:٢٠] أي: هذا يوم القيامة، هذا يوم الفصل في الدين، فمن كان موحداً فيا سعادته! ومن كان كافراً فيا خسارته! ثم تقول لهم الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات:٢١] أي: هذا يوم القضاء بين الخلائق.
стр. 1726
تفسير سورة الصافات [٢٢ - ٣٥]
يكذب المجرمون بيوم الدين، وبالبعث بعد الموت، ويوم القيامة يأمر الله الملائكة أن يحشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون إلى الجحيم، فإذا بهم يتساءلون مختصمين، فيتهم الأتباع متبوعيهم أنهم هم الذين أضلوهم، لكنهم يتبرءون منهم.
стр. 1727
تفسير قوله تعالى: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم)
تقول الملائكة عن أمر الله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٤].
يأمر ربنا ﷻ الملائكة ويقول: احشروهم كما تحشر الدواب، واجمعوهم هم وأشكالهم ومن كان على مثل حالهم.
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات:٢٢] ظلم الكفر والشرك، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ولذلك كان الشرك أعظم أنواع الظلم، فظلموا الحق في النفس، وظلموا ما كان يجب ألا يظلموا أنفسهم فيه، فأنكروا خالقهم وقدرته وإرادته، وأنكروا كونه ﷻ لا يحتاج إلى معين ولا وزير ولا مساعد ولا شريك له ولا ند، لا في ذات ولا في صفات ولا في أفعال.
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢]، من أزواجهم؟ قال عمر بن الخطاب ﵁: الأزواج: الأمثال والأشباه والنظائر، احشروا الزانية مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، والكافر مع الكافر، والفاسق مع الفاسق، وبهذا المعنى فسره جماهير المفسرين، أي: مأخوذ من المزاوجة والمشاكلة، تقول: وزاوج الرجل المرأة فأصبحت نداً وشريكاً له في حياته، وكذلك هؤلاء في ظلمهم وفي كفرهم وفي شركهم.
وانفرد الحسن البصري فقال: أزواجهم نساؤهم وزوجاتهم المشركات اللاتي متن على الشرك، ليزداد عذاب البعض بالبعض.
وعلى كل فلا حاجة لهذا التفسير، سواء كانت زوجة أو غير زوجة، فإن كانت مشركة فهي من أمثاله، وهي من أشكاله، اجتمعت به أو لم تجتمع، فهم سيحشرون في مكان واحد، ويفصلون عن المسلمين.
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٢٢] ما كانوا يعبدون: من إبليس، ومن شيطان، ومن حيوان، ومن جمادات، لتكون حجة الله البالغة عليهم، فهؤلاء الذين كنتم تعبدون سيتبرءون منكم ومن عبادتكم، فإن كانوا يعبدون الملائكة أو رسلاً أو صالحين، فإنهم أيضاً يقفون معهم، وكما قال الله لعيسى: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦].
فيحشر معهم للبراءة منهم، حتى الصالحون لا يحشرون معهم إلى النار، ولكن يقفون معهم، ليتبرءوا منهم وليدركوا إذ ذاك ولات حين إيمان أنهم عاشوا على ضلال، عاشوا على باطل، ولكن اعترافهم فاته الزمن، وفاته الوقت، وكما يقولون: الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك، لقد قطعوا بالوفاة وبالموت: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣]، بعد أن يحشروا ويكبلوا في السلاسل يقول الله لملائكته والأمر له: (فاهدوهم): أي: دلوهم، قال: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٣] إلى الطريق البين الواضح الذي يوصل إلى جهنم، وقد تكون جهنم بعيدة عليهم، فتأتي الملائكة تحشرهم وتسحبهم زحفاً على وجوههم إلى أن يدخلوا النار وبئس المصير.
قال: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٣ - ٢٤]، يمرون على الصراط ولا بد من المرور عليه لكل كبير أو صغير، من نبي مرسل، أو رجل صالح، وللكافر والمنافق سواء، وقفوهم: تكون متعدية ولازمة، قفوهم أو أوقفوهم، قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، سيسألون ويحاسبون، سيفتح حسابهم ويكون شديداً، يكون عسيراً، يكون يوماً عظيماً عليهم، فزيادة على الكفر سيسألون حتى عن الفروض، وسيسألون عن ظلم من ظلموا، وأكل من أكلوا، وفساد من أفسدوا، وما صنعوا في حياتهم، ثم يؤمر بهم فيقذفون في النار.
قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، تسألهم الملائكة، يسألهم الله ﷻ ، يفصل بينهم، يقضي قضاءه فيهم، يأمر بهم إلى النار، بعد الحساب الشديد العسير.
قال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٤ - ٢٥]، عندما يقذف بهم إلى النار، وعندما يشدد حسابهم تقول لهم الملائكة زيادة في العذاب النفسي وزيادة في الحسرة والألم: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٥] أي: ما كنتم تفعلون في دار الدنيا؟ ما لكم؟ لم لا تتناصرون؟ لم لا ينصر بعضكم بعضاً؟ و (تناصر) فيه مفاعلة، أي: كما كانوا يفعلون في الدنيا، عندما ينصر يهودي نصرانياً، ونصراني يهودياً، عندما يخدع منافق من أقرانه أو يهودي أو لكليهما يمكر بعضهم لبعض ويترك إخوانه المسلمين، ويبتعد عنهم، ولا يناصرون إلا أمثالهم من المنافقين، من اليهود والنصارى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٥].
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦]، ويقال لهؤلاء الذين بكتوهم، والذين حقروهم: ما لكم لا تناصرون، فيجيب آخرون: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦]، يائسون من النصرة، يائسون من أحد يدفع عنهم، هم بين يدي الله، قد استسلموا كما لم يستسلموا في الدنيا قط، استسلموا للذل وللهوان، وللعنة المتلاحقة، وللعذاب الدائم عذاب السعير: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦].
стр. 1728
تفسير قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)
قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]، أخذوا يتخاصمون فيما بينهم فيتساءلون في خصام، يقول الأتباع للمتبوعين وهم يسائلونهم وأولئك يجيبونهم، ويبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، وأقبل بعضهم على بعض، أي: لجئوا إلى بعضهم إقبالاً: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، يقول الأتباع للمتبوعين، يقول الشهم كما يعبر عنه اليوم باللغة الوثنية الجديدة، يكفرون بالله ويقولون الشهم، ينشرون الفسق ويقولون الشهم، يفعلون ما شاءوا ويقولون الشهم، وما هي إلا صيغة يهودية، ودعوة يهودية، الإسلام لا يقول هذا، الإسلام يقول الحق، من كان معه الدليل ومعه الحق فهو الجماعة وهو الكثرة، وهو الأمة، وهو الشعب.
أما الأكثرية الضالة فقال الله عنها: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، قال الأتباع للمتبوعين، قال الرعاع للأئمة والزعماء والرؤساء والموجهين من الكفار والمشركين: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، فسروا اليمين هنا بعدة تفاسير، قالوا: أي: كنتم تأتوننا عن القوة، تستغلون قوتكم علينا، سلطانكم المالي، سلطانكم الحكمي، سلطانكم الجماهيري، وتضغطون علينا وتقهرونا على الكفر، وفسروا اليمين بالقوة، وفسروه: بالدين الحق، وفسروه: بالحق، قالوا: أي: كنتم توهموننا أن ما تدعوننا إليه هو الحق، وهو الدين الصحيح، وهو الصواب، إلى أن دفعتمونا للشرك دفعاً، للكفر بالله، وبرسول الله، وبدين الله سبحانه.
وقال الحسن البصري: أي: كنتم تأتوننا عن الأيمان واليمين، أي: تأتوننا عن يميننا، وعن شمائلنا، ومن أمامنا، ومن خلفنا، وتحيطون بنا في سجل الأوقات والأزمنة مدة حياتنا وحياتكم، وأنتم تنشرون بيننا الكفر والشرك والضلال، تقولون في الصباح: اشتراكية، وفي الليل اشتراكية، وتقولون: إن الدين لا علاقة له بالدولة، فليذهب صاحبه في المسجد، نحن دولة متحضرة، نحن شعب متحضر، أرادوا أن يبرروا بذلك الاستسلام لليهود، والخضوع لليهود، والكفر بالله، وبرسول الله، وبالدين الحق الإسلام، وهيهات هيهات! فهؤلاء يرون كل وقت إذا لم يتعظوا بالماضي ففي الحاضر، يرون بجلاء من تأله على الله، ولقب نفسه: بملك الملوك، كيف كانت عاقبته، وكيف كانت نهايته، فرسول الله القائل ﷺ : (أخنع الأسماء وأذلها: ملك الملوك)، هذا الذي يتأله على الله، وملك الملوك هو الله، الذي يزعم لنفسه حقاً ليس له، يألم ويتغوط ويجوع ويعرى ويستر نفسه ثم يزعم أنه ملك الملوك، ذهبت الأملاك وذهب الإثم وذهب الوجود، وهكذا كل كافر بالله في الزمان الغابر، وفي العصر الحاضر، ولكن الناس عن الله غافلون، وعن الحق مبتعدون.
قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، تأتوننا عن يميننا وعن شمائلنا، ومن أمامنا ومن خلفنا، ومن فوقنا ومن تحتنا، من أعالي القصور، يا أيها الناس! نحن ندعوكم إلى الحضارة، دعكم من الدين، يقول هذا اللعين الكافر: يريد فلان أن يعيدنا إلى أربعة عشر قرناً، وهو يقصد بذلك: قرن النبي ﵊، يزعم أنه ينصر الناس من الحياة النبوية، ومن العصر النبوي، وهاهو ذا يرى مآله ونهايته، وهو مثال لكل من يريد أن يتبع أثره، ويسلك سلوكه، وما ذلك على الله بعزيز، فطالما أهلك الجبابرة والطغاة، وكل من تأله على الله، وقال: أنا ربكم الأعلى، ولكن الله يمهل ولا يهمل جل وعلا، كما أخبرنا بذلك رسول الله وخاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٢٩]، بل أنتم لم يكن فيكم استعداد للإيمان بالله، ولا برسل الله، ولا بكتب الله، فأنتم الذين كفرتم بنا، ولسنا نحن من كفرنا بكم: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٢٩]، أي: لم نجدكم مؤمنين فأرجعناكم عن الإيمان، فهم يتخاصمون بهذا وهم في النار: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الصافات:٣٠]، ليس لنا عليكم قهر ولا قوة أن نلزمكم قلباً وعقيدة وضميراً بأن تشركوا بالله غيره، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات:٣٠]، طغيتم على ذلتكم وحقارتكم، وكان لكم طغيان في الكفر، ورغبة في الكفر، وحرص على الكفر، وعمل بالكفر، لستم أقل منا فلم نجبركم، ولم يكن لنا دليل على الكفر، ولا على الفساد ولكنكم كنتم مهيئين لذلك، ولو لم تفعلوا هذا معنا لفعلتموه مع غيرنا، وقد كنتم قوماً طاغين، يقول الرؤساء: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات:٣١]، وجب علينا قول ربنا لمن عصاه وخرج عن أمره: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات:٣١] أي: ذائقوا العذاب والنار، ذائقوا لعنة الله وغضبه وعقوبته.
قال تعالى: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات:٣٢]، أضللناكم وكنا ضالين، ولكن هذا الضلال كنتم على استعداد له، فلم تكونوا مؤمنين من قبل حقاً، فالمؤمن الحق لو نشر بالمناشير ما ارتد عن دينه، لو أغري بتيجان الدنيا وعروشها لما غير دينه، ولكنكم في الأصل كنتم مهيئين للكفر، كنتم مهيئين لعدم الإيمان، طمعتم في قليل من الدنيا، مال أو منصب، فنحن وأنتم الآن سواء، أنتم غاوون، ونحن غاوون، أنتم ضالون ونحن ضالون، وإذا بالله يقول: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات:٣٣].
سواء قادة أو مقودين، أما أن يقول إنسان: المسئولية على إمامنا، على قادتنا، على حكوماتنا فليس كذلك، فقد خرجنا من بطون أمهاتنا كل واحد بنفسه، وسندخل قبورنا فرادى، وسيأتي الملكان يسألان كل إنسان مع نفسه، فلم يكن معه أب ولا ابن ولا زوجة، ولا جيش ولا دولة، ولذلك فكل إنسان على نفسه بصيرة، فكل إنسان يجب أن يفكر عندما سيسأل: ما دينك؟ من ربك؟ من نبيك؟ هل صليت؟ هل زكيت؟ ماذا صنعت؟ يكفر ما يجيب به على هذه الأسئلة.
стр. 1729
تفسير قوله تعالى: (فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون)
قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٣ - ٣٤].
أي: كما قصصنا عليكم ما فعلنا بالأمم السابقة، وبالكفار السابقين، وقصصنا عليكم أن أرواحهم الآن تعذب في قبورهم، ويوم القيامة تعذب الأشباح مع الأرواح، فكذلك نفعل بكل من يأتي بعد هؤلاء ممن عصوا النبي ﵊.
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٤]، أي: من فعل فعل المشركين المعاصرين لنبينا ﵊، سواء كانوا من مشركي العرب، أو مشركي العجم، أو مشركي اليهود أو مشركي النصارى، فكل دين ما خلا الإسلام باطل، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، فكان هؤلاء المشركون يحادون الله، ويكفرون بالإسلام كلمة وراء كلمة، فيقولون لك: لا تكن متعصباً، كن متسامحاً، كالحملة الموجودة في العالم على الإسلام والمسلمين، أن الإسلام غير متسامح، وما معنى التسامح؟ معناه: أن الدعاة إلى الإسلام لم يسمحوا بالخمر، ولم يسمحوا بالخليلة، ولم يسمحوا بالزنا، والمتسامح عندهم هو الذي يشارك الزاني في زناه، والكافر في كفره، والفاسد في فساده، والمشرك في شركه.
كذلك هؤلاء أخذوا يقولون: اتركوا التعصب والتزمت إلى أن وصلوا إلى قولهم: لم محمد نبي وحده؟ ما بال موسى وعيسى؟ وقد قال كافر ممن يتزعم شعباً: محمد ﷺ لم يرسل إلى النصارى واليهود، وإنما أرسل للوثنيين، ثم قال: أزيلوا من القرآن (قل) ثم وضع كتاباً سماه: الأخضر، سيحترق عليه ويحترق به إن شاء الله تعالى.
وهكذا ابتلي المسلمون اليوم بكفرة ضالين مضلين، يقول: الاستعمار الكبير، الاستعمار الكبير هم هؤلاء وأمثالهم، فلم نستقل بعد.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، يستكبرون على الله، هذا النطفة القذرة، هذا الماء المهين، هذا الذي خلقه الله ورزقه وأعطاه أخذ يتجرأ على الله ويتعالى عليه، يقول: أنا أقول: لا إله إلا الله، بل إنه يقول عن نفسه: أنا ربكم الأعلى.
стр. 1730
تفسير سورة الصافات [٣٥ - ٤٩]
يصف الله المجرمين وما أعد لهم من العذاب بسبب استكبارهم على الحق وإعراضهم عنه، كما يصف المؤمنين وما أعد لهم من النعيم والماء المعين والحور العين، ترغيباً للمسلم ليسارع في الصالحات.
стр. 1731
تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٧].
يذكر ربنا ﷻ كفر هؤلاء الكفار المشركين، الضالين المضلين، الذين جازاهم وكافأهم بالعذاب الدائم المقيم، وأن ذلك كان لاستكبارهم وتعاظمهم على الله، وأنهم كانوا إذا قيل لهم: قولوا لا إله إلا الله، يستكبرون على خالقهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ولا ثاني معه في ذات أو سلطات أو فعال، وفي تفسير ابن أبي حاتم المسند بالرواية: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني دمه وماله إلا بحق الإسلام وحسابه على الله).
وما جاء الأنبياء والمرسلون منذ آدم أبينا إلى خاتم الأنبياء ﷺ إلا بقول: لا إله إلا الله، ولقد قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي: لا إله إلا الله)، أي: لا إله حق، ولا إله موجود، ولا إله معبود إلا الله ﷻ ، فإن كل ما يدعي المدعون، ويشرك المشركون، ويجعلونهم لله أنداداً وشركاء لا وجود لهم، بل هي أسماء سموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان.
فهؤلاء الظالمون لأنفسهم المشركون بالله ﷻ كان إذا خالفهم أنبياؤهم وقالوا: لا إله إلا الله تكبروا وتعاظموا، وطلبوا من غيرهم أن يقول مثل قولهم من الشرك والكفر وعبادة الأوثان والأصنام، هذا في القديم، ولا يزال الأمر كذلك إذا أنت خاطبت ظالماً لنفسه كافراً بربه، وقلت له: قل: لا إله إلا الله، أخذ يسخر ويقول: نحن في حضارة وفي عصر منور مثقف، ومع ذلك لا نزال نعود لهذه الرجعيات القديمة، فهؤلاء ذهب الله ببصائرهم قبل أن يذهب بأبصارهم، وذهب الله بنورهم فتركهم في ظلمات يتخبطون فيها، إذا أخرج أحدهم يده لم يكد يراها.
ولم يكتفوا بذلك بل زادوا فقالوا: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦]، يعنون -عليهم لعنات الله- نبينا ﷺ خاتم الأنبياء وسيد البشر، كان إذا قال لهم: قولوا لا إله إلا الله أخذوا يسخرون ويقولون: أجعلت الآلهة إلهاً واحداً، أتريد أن نترك مجموع هذه الآلهة لنعبد إلهك وحدك، فلذلك قالوا عن وحيه، وعن الكتاب المنزل عليه: هو شعر، وقالوا عن دعوته ورسالته: هي جنون، ولذلك وصفوه بالشاعر المجنون، وما هو بشاعر: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]، فما هو إلا وحي يوحى، إن هو إلا ذكر يتلى، إن هو إلا رسول أرسله الله ليدعو الخلق إلى عبادة الله، إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، فالله ﷻ حكى عنهم هذا ثم سفه عقولهم، ثم أغفل كلامهم وقال: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧].
جاء نبينا ﵊ بالحق والصدق، جاء بالحق المبين، جاء بكتاب يدعو إلى الهدى والفلاح والصلاح، جاء بالصدق الذي لاشك فيه ولا ريب، جاء بالرسالة الحقة، جاء بكتاب الله الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
(وصدق المرسلين) صدق من جاء قبله من رسل الله؛ لأنهم أتوا بما أتى به، قالوا لأممهم، ولعشائرهم، ولشعوبهم: نحن مرسلون إليكم من الله، قولوا: لا إله إلا الله، وما كانت الرسالات في أصلها وفي دعوتها إلا رسالة واحدة، كل الأنبياء جاءوا بالتوحيد وعبادة الله الواحد، فإن رأينا النصارى تعبد مريم وعيسى، واليهود تعبد العجل، وغيرهم يعبد ويعبد، فلنعلم أنها أضاليل وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان، إن هو إلا إفك تواطئوا عليه، وائتمروا به، وما جاءوا بشيء يقبله عقل ولا منطق، ولا معه كتاب من الله وسلطان مبين، بل أضرب الله عن قولهم بأنه شاعر، بأنه مجنون، وحاشاه ﷺ من ذلك، بل جاء بالحق من الحق، فرسالته حق، والكتاب المنزل عليه حق، والدعوة التي يدعو إليها حق، وصدق الحق الثابت من الأنبياء السابقين: (بل جاء بالحق وصدق المرسلين).
стр. 1732
تفسير قوله تعالى: (إنكم لذائقو العذاب الأليم)
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٣٨ - ٣٩]، جزاءً وفاقاً في شركهم وكفرهم، وسفههم على رسول الله، وجحودهم الله ووحدانيته وقدرته ﷻ ، يقول الله لهم: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ﴾ [الصافات:٣٨]، يذوقونه، يعذبون العذاب الأليم في نار جهنم، تسعر عليهم تسعيراً، لا يموتون فيستريحون، ولا يعيشون فيطمئنون، فهم في عذاب دائم مقيم، كلما نجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، دائمون في العذاب، في اللعنة والغضب والسخط: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا﴾ [الصافات:٣٨] أي: ممسوسون، محترقون، داخلون إلى جهنم، إلى العذاب المهين، إلى العذاب الأليم.
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٣٩]، أي: وما كان العذاب الأليم وما كانت اللعنة الدائمة إلا جزاءً وفاقاً لأعمالهم السيئة، لشركهم، لكفرهم بالله، لتكذيبهم الأنبياء، كذلك جزاء كل كافر، كل من قل الأدب مع النبوات والرسالات، وكل من يقول ما لا يقال في الذات العلية ﷻ وعلا مقامه: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٣٨ - ٤٠]، جعلنا الله من هؤلاء الذين لا يعذبون، ولا يجزون على الشرك؛ لأنهم موحدون، هؤلاء العباد المخلصون، قرئ: المخلصون، والمخلصون، فقد أخلصهم الله لعبادته وطاعته، وأزال عنهم شوائب الشرك وشوائب الذنوب والمعاصي، فأخلصوا له، مخلصون: أي أخلصوا عبادتهم لله ولم يشركوا معه أحداً، ولم يراءوا ولم يسمعوا، بل كانت عبادتهم لله الواحد، خالصة له، لا يطلبون جزاء من إنسان أو دنيا، بل من الله في الدنيا والآخرة.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٤٠]، من هم هؤلاء المخلصون؟ أخذ الله ﷻ يصفهم لنا، لكي لا تضيع المعاني بين الناس، ولكي لا يقول كل إنسان ما بدا له محرفاً للكلم عن مواضعه، من هم هؤلاء المخلصون؟
стр. 1733
تفسير قوله تعالى: (أولئك لهم رزق معلوم)
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤١ - ٤٧].
يصف الله هؤلاء المخلصين بأنهم عباد الله المكرمون، فيقول عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:٤١]، أي: أولئك المخلصون في عبادتهم لله: ﴿لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:٤١]، صباحاً ومساءً، فلهم رزقهم متى اشتهوا ذلك، لهم من الأرزاق والخيرات في الجنان ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ﴾ [الصافات:٤١ - ٤٢]، هذا الرزق هو فواكه متنوعة مما يريدون ويلذ لهم، وفيها من كل فاكهة زوجان، كما قال ابن عباس: وليس في الآخرة مما في الدنيا في الجنة إلا الأسماء فقط.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات:٤١ - ٤٣]، يكرمهم الله ﷻ في الجنات وليست جنة واحدة، بل هي جنان، يحكى عن هارون الرشيد في سفرة من السفرات قالت له إحدى جواريه: إنك لن تدخل الجنة لظلمك وأذيتك، وهي تتدلل عليه، فقال: بلى سأدخل الجنة وليست جنة واحدة، فسأدخل جنتين بل جنات، وأقسم على ذلك بأغلظ الأيمان، وإذا به بعد اليمين يرتعب أن يكون قد أقسم يميناً باطلة غموساً، فأرسل في نفس الليلة إلى أبي يوسف القاضي، صاحب أبي حنيفة وخليفته من بعده، فقال: يا أبا يوسف! حصل معي كذا وكذا فما الحل؟ هل قلت حقاً أم قلت باطلاً؟ قال: إني سائلك يا أمير المؤمنين! أتخاف الله؟ قال: نعم، والله إني لأخافه، قال: فأبشر فقد قال الله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات:٤٢ - ٤٣]، فإن كنت تخاف الله فلمن خاف مقام ربه جنتان، وليست جنة واحدة، وإذا كان مؤمناً حقاً فسيكرم بجنات لا بجنة واحدة: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات:٤٣].
والجنات: البساتين، الجنات بما فيها من أرزاق، وبما فيها من خيرات، وبما فيها من فواكه، ومن النعيم الذي يتنعمون به: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤] وبهاء النعيم، جعلنا الله من أهلها وسكانها.
قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:٤٤]، في الجنة لا يرى أحد قفا أحد، بمعنى: لا خصومة ولا عداوة ولا أحقاد، لن يدبر أحد عن أحد ويوليه ظهره، بل يتقابلون الوجه بالوجه، شأن الإخوان في الله، شأن الأحباب والأشقاء، فقد جمعهم نعيم الله، وجنان الله، ورضا الله، فهم على ذلك إخواناً على سرر متقابلين، وهنا يقول ربنا: ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:٤٣ - ٤٤]، والسرر: جمع سرير، وهو الأريكة والفرش وأسرة النوم، فهم إذا جلسوا، إذا تناجوا، إذا تحاوروا لم يدبر أحد عن أحد، ولم يحقد أحد على أحد، ولم يبغض أحد أحداً، ولا يضمر له سوءاً، بل تجد في قلبه لكل إخوانه من أهل الجنة مودة وأخوة ومحبة، كما وصفهم الله بقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:٤٤]، يقابل هذا هذا، ولا يدبر هذا عن هذا، ولا يوليه قفاه.
стр. 1734
تفسير قوله تعالى: (يطاف عليهم بكأس من معين)
قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات:٤٥ - ٤٦].
تقول العرب: كأس وإناء، ولا تقول: كأس إلا إذا كانت عامرة بشراب أي شراب كان ماءً أو خمراً، فإذا كانت فارغة فهي إناء لا كأس، كما يقال لمائدة الطعام إن كانت فارغة: الخوان، فإن كانت عامرة فهي: المائدة.
فيطوف غلمان كأنهم لؤلؤ مكنون من الخدم والحشم والحاشية التي تقف على خدمتهم وهؤلاء يخلقهم الله في الجنة كما يخلق حور العين، وللمؤمن في الجنة من زوجات الدنيا زوجتان، ومن الحور العين سبعون حورية.
قال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات:٤٥]، معين: أي من الأنهار ذات الخمر الجارية جريان الماء المعين، من معين أي: ماء جار، أي: خمر جارية، وهو الحوض الذي بشر الله به نبيه ﵊ بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١ - ٢]، فالله ﷻ تفضل على نبيه وأعطاه الكوثر.
والكوثر: هو الحوض، وصفه نبي الله ﵊ أنه فيه من الأكواب عدد نجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، فالمؤمن يتناول من هذا الحوض خمراً كما وصفها الله في كتابه: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات:٤٦ - ٤٧]، أي: ليس فيها ما يضر ويؤذي، وخمر الجنة أبيض من الحليب صفاءًَ، وألذ من العسل المصفى طعماً، ليس فيها غول، والغول: هو ما يغتال النفوس خفية، كما نقول: فلان قتل غيلة أي: قتل خفية، أي: غدراً، فالغيلة معناها في الأصل: الخفاء.
فقوله: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات:٤٧]، أي: ليس فيها من الأضرار الخفية المعروفة في الخمر، أنها تذهب بالعقول، أنها تصدع الرءوس وتوجعها، أنها توجع الأمعاء، أنها تكثر البول بشكل غير اعتيادي، وما حرمها الله تعالى إلا لما فيها من الأضرار.
﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧]، أي: لا يسكرون، لا تغلب عقولهم، يقال: فلان نزف فهو نزيف أي: سكر فهو غائب عن عقله، وهو ضائع عن الحس والشعور، وكلمة (غول) هنا! هي الكلمة التي انتقلت في اللغات الأجنبية في الأرض، يقولون عن شراب: فيه (كول)، أو ليس فيه (كول)، وعن بعض العطور كذلك، فـ (كول) هي كلمة (غول) حرفت، ولذلك لا اشتقاق لها، وهي من الكلمات العربية التي تسربت في لغاتهم وما أكثرها، ولـ عباس العقاد وهو من الأدباء الكبار كتاب عن الكلمات التي شاعت في جميع لغات الأرض وهي من العربية في أصالتها، وهي كثيرة جداً، وهذه منها.
﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧]، لا يصيبهم بها الصرع والإغماء وضياع العقل، بل هي شراب لذيذ للشارب، أبيض كبياض الحليب، لا غول فيها ولا أذى ولا مرض، يشربها سكان الجنة، أكرمنا الله بنعيمها، وجعلنا الله منهم.
стр. 1735
تفسير قوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عين)
ثم قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٨ - ٤٩].
ومع هذا النعيم الدائم والأرزاق في الجنة المعلومة، والفواكه المتنوعة، وشراب الخمر الذي لا غول فيه ولا أذى، ولا ضرر ولا سكر، مع ذلك: ﴿عِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ قاصرات: جمع قاصرة.
والطرف: العين والنظر والبصر.
عين: جمع عيناء، يقال: فلان أعين إذا كان واسع العين، شديد بياضها، وشديد سوادها.
ويقال: امرأة عيناء إذا كانت واسعة العين، سوداء شعرها، فالحور العين عندهن من جمال الأعين ما لا تكاد تصل إليه عين، أو يصل إليه متمن أو راج في دار الدنيا، فجمالهن في الآخرة لا يكاد يوصف ولا يوصل إليه من جمال النساء في الدنيا شيء.
وعند هؤلاء المكرمين المنعمين في الجنة، نساء يقصرن طرفهن على أزواجهن، فلا تنظر أعينهن لغير الزوج، وإذا رأين رجلاً لم يرفعن إليه طرفاً؛ عفة وطهارة وإخلاصاً للزوج، فهن قاصرات على الزوج في نظرهن ومقامهن، وكما وصفن في آية أخرى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢] أي: لا يتركن خيامهن، ولا يخرجن من دورهن، فلا يبصرن غير أزواجهن عشقاً ومحبة وتعلقاً بالأزواج، وهذا مما يزيدهن جمالاً، ويزيدهن أثراً ومقاماً عند أزواجهن.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٨ - ٤٩].
كانت العرب إذا وصفت جمالاً تقول: فلان أبيض، والبياض هنا المشوب بصفرة أو بحمرة قليلاً، ولقد كان كذلك بياض رسول الله ﷺ ، الذي أعطي الحسن كله، ولم يعط يوسف إلا شطره، فكانوا في الجمال كبيض النعام، وإذا وصف لون المرأة في لغة العرب فيقال: كأنها بيضة نعام، وهذا من ذاك، وكتاب ربنا نزل على لغة العرب ولهجة قريش: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩]، أي: كأنهن بيض النعام، وأجمل ما وصفت به المرأة في شعر العرب: أنها بيضاء مشوبة بصفرة أو حمرة وكذلك الحور العين ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩]، في جمال أوصافهن، في جمال ألوانهن.
مكنون: مصون محفوظ، لا يرى ولا يرى، فهن مقصورات على أزواجهن في النظر، مقصورات على أزواجهن في المقام، وفي القصور وفي السكنى.
стр. 1736
تفسير سورة الصافات [٥٠ - ٧٠]
عندما يفوز أهل الجنة بنعيم الجنة يقبل بعضهم على بعض فيتساءلون عن قرنائهم في الدنيا والذين كانوا يشككونهم في البعث والجزاء، ثم يطلعون من غرف الجنة فيرونهم في جهنم، فينادي المؤمن قرينه الجهنمي: تالله إن كدت لتردين.
стр. 1737
تفسير قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠].
كما يتساءل أهل النار وهم في حسرة وآلام وأوجاع متتابعة على ما فات منهم، وكيف عاشوا دهراً طويلاً وهم لم يقولوا يوماً: لا إله إلا الله، أما أهل الجنة فيقبل بعضهم على بعض، ويواجه بعضهم بعضاً، ويذكرون ذكريات الدنيا، وهم في غاية ما يكونون من السرور والبهجة والرضا بما أعطاهم الله وأكرمهم به، ويتساءلون فيما بينهم، فيقول بعضهم: ما تركت الصلاة، ويقول الآخر: تبت إلى الله فتاب علي.
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥٠ - ٥١]، أجمل الله هنا ثم فصل فقال: ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣].
يقول ذلك وهو فرح مسرور أن قرين السوء لم يضحك عليه، ولم يذهب بعقله، قال قائل من هؤلاء: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] أي: في دار الدنيا.
قرين: صديق وشريك، إنسان يعاملني وأعامله، يعرفني وأعرفه، ولكنه لم يكن مؤمناً بالله موحداً كان يقول لي فيما يقول: ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥٢]، يقول هذا الذي في الجنة: أأنت تصدقه؟ ويقول: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] أي: هل تصدق هذا القول: أننا إذا متنا وأصبحنا تراباً وعظاماً نخرة لا تكاد تختلف عن التراب وعن بقية الحجارة في الأرض: ﴿أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣]، وفي القول العربي: دان فلان فلاناً إذا جازاه، وإذا آخذه، وإذا حمله المسئولية أي: أئنا محاسبون ومجزيون ومعاقبون على أقوالنا وأعمالنا.
كما يقولون الآن: أنت رجعي تؤمن أننا سنحيا بعد الموت، إن هي إلا حياتنا الدنيا، كما وصف الله آباءهم وأجدادهم بقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، وهؤلاء الذين يسمون: الدهريين، وهؤلاء الذين يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، ولا يهلكنا إلا الدهر، يقولون هذا وهم غافلون عن الله، وعن رسالات الله، وعن ما جاء به أنبياء الله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.
ثم يقول تعالى عن هذا المتسائل: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]، يقول هذا السائل: أتريدون أن تطلعوا على النار، لعلنا نلقى هذا الذي كان يحاول ضلالي في دار الدنيا، وكيف يطلعون؟ قال ابن عباس: إن في الجنة نوافذ يمكن أن يرى منها أهل النار وما هم عليه إن شاء ذلك أهل الجنة.
ولذلك قال: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] أي: قال هذا المتسائل ﴿فَاطَّلَعَ﴾ [الصافات:٥٥] أشرف على النافذة ونظر إلى أن رآه، ﴿َفِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥]، أي: وسط الجحيم، ولماذا يقال للوسط سواء؟؛ لأنه مستو مع جميع الأطراف.
يقص علينا ربنا ماذا يكون في الآخرة بين أهل النار وأهل النعيم، بين سكان الجنة وسكان جهنم، بين من مات على التوحيد ومن مات على الشرك والكفر بالله، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥].
стр. 1738
تفسير قوله تعالى: (قال تالله إن كدت لتردين)
وإذا به يقول له متسائلاً: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٧].
يقال عند القسم: تالله وبالله ووالله، وكلها بمعنى، يقول هذا الشاب لذاك القرين الدائم: والله يا فلان! لقد كدت تردين، وكاد: من أفعال المقاربة عند العرب، أي: قاربت أن تضلني، وقاربت أن أصدقك.
(لتردين): من الردى وهو: الهلاك أي: كدت تهلكني بالشرك والكفر وعدم الإيمان، ولو طاوعه وتابعه لكان معه في قعر جهنم وفي وسطها، ولكنه يقول له ذلك وهو مرتبط بحاله، يحمد الله على أنه دام على الإيمان حتى لقي الله فكان من أهل النعيم.
قوله: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] أي: لولا أن الله أنعم علي، وثبت قدمي على الإسلام، وثبتني على لا إله إلا الله، ﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] أي: لكنت من المحضرين معك في النار، ولا يقال: فلان أحضر إلا لسوء؛ لأن كلمة أحضر معناها جر عنوة، ويقال: حضر للخير.
قال تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، هذا يقوله أهل الجنة وهم على غاية ما يكونون من الفرح، والخواطر تخطر ببالهم أنهم سيموتون وينقطع هذه النعم، وهذه اللذائذ وهذا الرضا، فيتساءلون مع الملائكة: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩].
يا ملائكة الله! يا جند الله! هل نحن متنا موتة واحدة هي التي كانت، وليس وراء ذلك موت آخر، فنحن الآن في نعيم ولا ينتظر عذاب آخر، فيقول لهم الملائكة: نعم لا موت، الجنة حياة ولا موت، والنار حياة ولا موت.
وفي الأحاديث الصحيحة عند البخاري ومسلم: (يؤتى بالموت على صورة كبش فيذبح، ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ثم يقال لأهل النار: خلود فلا موت).
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٦٠].
أي: اهنئوا بهذا الفوز وهذا الرضا، اهنئوا بهذه الحياة المنعمة الدائمة.
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] أي: لمثل هذا الذي جزيتم عنه في الجنة، جزيتم عنه بالنعيم المقيم الدائم، فكان ينبغي أن يعمل لهذا النعيم العاملون، وهذا الكلام إما أن يقوله أهل الجنة أو تقوله الملائكة، أو يقولوه كلهم، فلا مانع من ذلك لأن الآية عامة في هذا وهذا.
стр. 1739
تفسير قوله تعالى: (أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم)
قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٢ - ٦٣].
على العادة في كتاب الله وسنة ربنا -ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً- يذكر في القرآن حال أهل النعيم ثم يتبع ذلك بذكر حال أهل العذاب المخلدين في النار، فيقدم هؤلاء مرة وهؤلاء مرة، ويعكس أحياناً، فيبقى العبد في دار الدنيا بين الرجاء والخوف، يرجو ربه ورحمته، ويخاف عذابه، فإذا خاف ربه تاب ورجع عن معصيته وعما يفعله العصاة والمشركون، فإذا عاد سعى في العمل الصالح بما يقربه إلى الله عبادة وطاعة، وذلك بامتثال أوامر الله تعالى، وأوامر نبيه ﷺ .
قال تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢].
ولاشك لكل عاقل ومدرك أن الفرق عظيم ظاهر بين أهل النعيم وأهل الجحيم، فقد رضي الله عن المؤمنين وسخط على الكافرين، يقول تعالى مقرراً هذا المعنى على طريقة الاستفهام الذي معناه التقرير ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢].
أي: أهذا الذي قص الله علينا من الجنة وصفاتها: من خمرها الذي هو أبيض لذيذ للشاربين، والحور المقصورات في الخيام، القاصرات الطرف على أزواجهن: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢].
وشجرة الزقوم شعار النار، أي: أهذا الخير الذي ذكره الله عن نعيم أهل الجنة من الأرزاق المعلومة والحور العين، خير أم النار؟! قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾ [الصافات:٦٢] أي: منزلة.
ثم أخذ الله يصف هذه الشجرة فقال عنها: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣].
وشجرة الزقوم هذه عندما سمع عنها أبو جهل، وسمعها صناديد الكفار من قريش أخذوا في السخرية من ذلك وقالوا: كيف تنبت شجرة في النار؟! وجاءهم بربري من أرض البربر وقال: شجرة الزقوم عندنا تعني: الزبد والعسل، فلما سمع بذلك أبو جهل دخل بيته وقال: يا جارية! تعالي زقمينا! فأتتهم بالتمر والزبد والعسل، وليس الأمر كذلك، وقد اختلف أهل العلم في شجرة الزقوم؛ هل توجد في الأرض أم هي شجرة مختصة بجهنم؟ والحقيقة: أنها من شجر الدنيا، وفي جزيرة العرب ما يسمى بشجرة الزقوم، وهي شجرة مر طعمها، مر طعم فاكهتها، لا تكاد تنبت لها فروع.
قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥].
فهي قبيحة المنظر، مرة المذاق، أما وضعها في النار فكما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]؛ وذلك لأنهم قالوا: اسمعوا ماذا يقول محمد: شجرة تنبت في النار، وهل الشجر الأخضر يثبت مع وجود النار؟! قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]، فقد اختبر بها الكافرين والمشركين، وإلا فالله الذي خلق الشجر أخضره ويابسه كما خلق الخلق أجمعين، فخلق قوماً لا يعيشون إلا في البراري، وقوماً لا يعيشون إلا في الماء، وقوماً لا يعيشون إلا في النار فإذا أخرجوا منها ماتوا، وهذا كله قبل الآخرة، ونحن وأمثالنا لا نعيش إلا خارج الماء ولو دخلنا الماء لاختنقنا، لا نعيش في نار الدنيا ولو دخلها أحد منا لاحترق، وأحياء البحر خلق من خلق الله بكل الأنواع والأجناس لو خرجت من البحر لاختنقت، فلا تعيش إلا بهذا الماء، وذكروا أن هناك طائراً يعيش في البراكين وهذا الطائر أبيض عندما يذهب للبحث عن رزقه يرجع مليئاً بالأوساخ، فإذا جاء ودخل البركان ذهبت كل تلك الأوساخ وعاد أبيض ناصعاً كما كان.
فالله الذي جعل هذا في دار الدنيا ما الذي يمنعه من أن يجعله في الآخرة؟! وقد أخبرنا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]، والفتنة: هي البلاء، أي: جعلها فتنة للمشركين ليصدقوا أو يكذبوا، على أن كل أمور الآخرة في الدنيا لا تكاد تصدق إلا بتصديق الله، وصدق رسول الله ﷺ وما جاءت به كتب الله، وهذا من ناحية العقل لا يعتقد سواه؛ لأننا عندما نفكر في أنفسنا وذواتنا ونسأل أنفسنا: كيف خلقنا؟ فإننا نعتقد أن من خلقنا قادر على أن يخلق كل شيء، هذا الذي خلقنا ما الذي يمنعه من أن يخلق في النار شجرة تنبت فيها، وهذا الكلام في أهل النار، أما نار الدنيا فلا يكون هذا، وقد وصف الله لنا: جلود أهل النار عندما تحترق يعيدها ويجددها ليبقوا في عذاب دائم، ونحن نتجدد في سلالاتنا وأولادنا، وما أولادنا إلا حياة تبعية لنا، وقد جعلهم الله امتداداً لنا إلى أن يوقفهم بالقضاء على الدنيا وبفنائها، ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام.
والمؤمن يؤمن بكل هذا دون الحاجة إلى التأويل، فما قاله الله أو رسوله ﷺ هو الحق الصراح؛ فهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
أما الذهاب إلى التأويل فهو شأن الملاحدة الذين يزعمون الإسلام، والملاحدة كفار في الأصل، أتوا إلى القرآن فحاولوا أن يؤولوا الأحكام التي فيه، حتى إنهم قالوا في الصلاة: إنها بمعنى: الرياضة، والصلاة معناها: الدعاء فلا حاجة إلى هذا التأويل الباطل.
قالوا: الصيام: ليس الإمساك عن الأكل والشرب، ولكنه الإمساك عن السيئات فقط، فكذبوا على الله ونافقوا وألحدوا في دين الله، وقد كان هؤلاء في الماضي ولا يزالون معنا، وسيبقون إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
стр. 1740
تفسير قوله تعالى: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم)
قال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٤ - ٦٥].
الطلع: هو الثمرة التي تطلع من الشجرة: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥].
وقد فسرت هذه الآية بعدة تفاسير منها: أن العرب تطلق لفظ الشيطان على ما تستبشعه، وتطلق لفظ الملك على الشيء المستحسن كما قالت النسوة لما رأين يوسف وقد أدخلته زليخة عليهن: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١].
ولا يعنين أنه ملك نزل من السماء، ولكن جماله وهيئته لا يوجدان إلا عند الملائكة، وهو أسلوب عربي موجود إلا الآن.
قال تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، ولك أن تتصور الشيطان في أبشع صورة في ذهنك، بشع الوجه والمنظر ذو شعور سائبة كشعور هؤلاء الذين ابتلينا بهم في عصرنا الحاضر.
يذكرون عن الجاحظ أنه كان مشوه الوجه، بشع الأطراف، على علمه وأدبه وكتابته وكثرة مؤلفاته، جاءت امرأة ذات مرة إلى الصائغ وقالت له: أريد أن أشتري خاتماً فيه صورة شيطان، فقال لها: كيف ذلك وأنت لا تعرفين صورة الشيطان؟! فقالت: سآتيك بصورته، فذهبت وهي تعرف الجاحظ فطافت في الشوارع فوجدته فقالت له: أرجو أن تذهب معي إلى الصائغ، فقال: لم؟ قالت: تذهب معي ولا أكلفك أكثر من هذا، وقد كان يقول: ضحكت علي النساء مرتين وذكر هذه منها، فجاءت بـ الجاحظ من مكان بعيد، وقالت للصائغ: كهذا الوجه، أي: أن صورة الشيطان تنطبق على صورة الجاحظ، وليس الجاحظ بشيطان وإن كان قد اتهم بالكفر، ولم أر هذا في كتبه التي قرأتها، ولا يستبعد ذلك فقد ذكروا عنه أشياء كثيرة.
وقالوا أيضاً: هي شجرة في جزيرة العرب يقال لها: الزقوم، ويقال لثمرتها: رءوس الشياطين.
وأغلب الظن أنه أسلوب عربي استخدمته العرب لتدلل على بشاعة المنظر والصورة.
стр. 1741
تفسير قوله تعالى: (فإنهم لآكلون منها)
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٦ - ٦٧].
أقسم الله تعالى بأنهم آكلون من هذه الشجرة؛ لأن اللام موطئة للقسم، فسيأكلون منها مجبرين على ذلك، ثم بين الله نوع الماء الذي يشربونه فقال: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٦ - ٦٧].
أي: يشربون على هذا الزقوم الماء الحار شديد الغليان، فلا يكادون يشربونه حتى تسقط أمعاؤهم، ويخرج ما في بطونهم، ثم يعاد ذلك وهكذا دواليك.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٧] أي: لخلطاً ومزجاً، يعني: أن هذا الزقوم يمتزج في بطونهم بالماء المغلي وهو الحميم، ويقال لعيون الماء الحارة: حُمة أو حَمة، ويقال للمرض: حمة لما فيه من شدة الحرارة.
стр. 1742
تفسير قوله تعالى: (ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨].
معنى ذلك: أن هذا الحميم الذي يشربونه هو في حواف النار، في حواف جهنم، فيخرجون للشرب كما تخرج الدواب إلى مراعيها فترد الماء لتشرب ثم تعود للرعي، فيخرج هؤلاء من النار بعد أن يكملوا أكلهم من هذه الشجرة التي في قعر جهنم وفي أصل الجحيم، والتي قد أجبروا على الأكل منها، فيأكلون منها كما يأكل الجائع، والجائع يأكل أي شيء أمامه.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨] أي: ثم يعودون بعد ذلك إلى جهنم، وثم تقتضي العطف مع الترتيب، أي: ثم مرجعهم بعد أن يشربوا الماء الحار الذي مزق أمعاءهم إلى النار والجحيم والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠].
يخبر ربنا عن هؤلاء أن كفرهم بالله لم يكن عن دليل أو حجة أو بمنطق عقل وإنما هو التقليد الأعمى كما تفعل القردة والببغاوات عندما تقلد أي حركة وهي لا تعي ما تفعل.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠].
أي: على طريقتهم يسرعون، فالله يصفهم بالإعراض عنه والإصرار على الشرك، ومن هنا كان التقليد مصيبة؛ لأن التقليد في الأصل سبب في دخول الإنسان النار، ولذلك لا يكفي المرء منا أن يكون مسلماً فحسب، بل عليه أن يفكر في نفسه، وأن يتفكر في كتاب الله وفي سنة رسول الله، وبما يقرره القرآن الكريم، فيسأل نفسه: من خلق السماوات والأرض؟ من خلقني؟ من جعل هذا النظام الدقيق في الكون؟ فتجده يقول مع نفسه: إنه الله، فيكون إيمانه عن فهم ووعي وإدراك لا مجرد تقليد وعادة فقط، وإذا لم يستطع فهم مسألة معينة سأل أهل العلم بها لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وهذا لا يعد تقليداً، بل هو من باب سؤال الجاهل للعالم، وليس كل الناس علماء، وليس كل العلماء مجتهدين، فعلى الجاهل أن يسأل أهل العلم المختصين حتى يكون طعامه وشرابه ولباسه حلالاً لا شبهة فيه ولا حيلة، والعالم قد لا يعلم بعض الجزئيات، وقد لا يحيط بجميع المسائل، ومن هنا جاءت المذاهب، وجاء سؤال أهل العلم، وفوق كل ذي علم عليم.
стр. 1743
تفسير سورة الصافات [٦٩ - ٨٢]
أكثر الكفار إنما يكفرون بالله تقليداً للآباء والأجداد، فيعرضون عن بينات الرسل ودعواتهم عناداً وتعصباً، ومن هؤلاء قوم سيدنا نوح ﵇ الذين لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، ثم دعا عليهم فأغرقهم الله تعالى بسبب كفرهم وجحودهم.
стр. 1744
تفسير قوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٤].
لا نزال في الكلام في سورة الصافات عن المؤمنين، وعن الكافرين بأصلهم، والكافرين بأنبيائهم، فقد ذكر الله لنا ما قاله عنهم، وما حل بهم من العذاب، وعن سوء مصيرهم؛ لأنهم حتى في كفرهم هم قردة ضالون، وببغاوات لا يعقلون، فكفرهم لم يكن عن دليل ولا نقاش، ولا فهم ولا إدراك، لكن كل ما صنعوه أنهم ألفوا -أي: وجدوا آباءهم قبلهم- قد ضلوا الطريق، وابتعدوا عن التوحيد، وأشركوا بالله، فكفروا برسله، وكفروا بكتبه، فاتبعوهم على ضلالهم دون دليل ولا برهان من الله، ولا من العقل والمنطق.
(فهم على آثرهم يهرعون): فهؤلاء الضالون التافهون إنما هرعوا وأسرعوا وهرولوا مجدين في الكفر تقليداً منهم لآبائهم، فعل الببغاوات والقردة، فلا دليل لديهم ولا برهان من عقل أو شرع، ولا من دليل ثابت عن نبي أو عالم.
﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٧٠] أي: يهرولون، فهم مسرعون في اتباع آثارهم وأجيالهم وكفرهم وضلالهم، وآثار: جمع أثر، وهو ما وجدوا من كفر عن الآباء والأجداد دون دليل من الله ولا برهان.
стр. 1745
تفسير قوله تعالى: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٧١ - ٧٤].
يقول ﷻ : بأن هؤلاء الذين كفروا وجحدوا من الأولين قد ضل أكثرهم، وجحد أكثرهم، وخرج عن الدين والحق أكثرهم، فكفروا بالله، وبرسل الله، وبكتب الله إلا قليلاً من هؤلاء، ويقول الله ﷻ : وهؤلاء ضلوا مع ما أرسلنا إليهم من رسل منذرين مهددين متوعدين: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾ [الصافات:٧٢] أي: إن هؤلاء هم أكثر الأمم السابقة والشعوب القديمة كانوا على الكفر والضلال والشرك، وهؤلاء اتبعوا الأكثرية التي هي على باطل، والتي حاول الناس اليوم دفاعاً عن اليهود والنصارى أن يقولوا: نحن نتبع الأكثرية، ونعتمد على الأكثرية، ونعقد برلمانات وندوات فيقال لهم: أتريدون أن تحكم الدولة بالشريعة الإسلامية؟ فيقولون: إذا قالت الأكثرية من هؤلاء الرعاع في البرلمانات: لا، فلا، فيتركون دينهم وشريعتهم وإيمانهم، ويتبعون الأكثرية الضالة المضلة، والتي قال الله عنها ﷻ : ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١].
وقال لنبيه ﵊: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، فليست على ذلك بينة من الحق، ولا برهان ولا دليل، وإنما هي نظم يهودية؛ لأنهم الأقلية في الأرض، فأرادوا بها أن يتسلطوا بإضلال الناس، وبتكفير الناس، فاتخذوا لهم مساند من الشيوعية، والماسونية والراديكالية، والوجودية، والبهائية وما إلى ذلك من أنواع الكفر والضلال، وأحزاب الشيطان، فهم يكذبون على الناس ويقولون: أنتم مع الأكثرية، مع أنهم ضالون عن الطريق كافرون بالله كما يقول الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١]، فكما ضل الأولون تبعهم هؤلاء تقليداً للآباء بلا دليل من الله، ولا سلطان، ولا منطق من عقل، ولا نص أبداً.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾ [الصافات:٧١ - ٧٢].
يقول ربنا ﷻ : قد ضل هؤلاء مع أنه أرسل إليهم أنبياء تأمرهم بطاعة الله وتوحيده، والإيمان بالبعث يوم القيامة، وبالحساب والعقاب، وبالجنة والنار، وبرسل الله وكتب الله وما جاء عن الله، وتوعدوهم وتهددوهم، ومع ذلك أبوا إلا الضلال والكفران، فعاشوا كافرين، وهلكوا كافرين، واتبعوا أكثر الناس ضلالاً.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:٧٢ - ٧٣].
فانظر يا محمد! وأتباعك ممن آمن بك! كيف كانت عاقبة هذه الأكثرية، فقد قص علينا ما صنع بقوم نوح من الغرق والذهاب والطوفان الذي طاف عليهم وأغرقهم، فلم ينج منهم إلا قليل، وكأن القليل هؤلاء هم الذين آمنوا بنوح ﵇، وما صنع بقوم لوط عندما رجمهم من السماء، وما صنع بقوم صالح عندما عصوه وخرجوا عن أمره، وقتلوا الناقة التي صلبوها وكانت معجزة نبيه، كيف صعقهم الله بصيحة تركتهم جمادات لا تنطق، وكيف أغرق فرعون وهامان ومن معهما من الذين كفروا بالنبيين الكريمين موسى وهارون، وما صنع بالماضي من الغرق ومن الحرق، ومن الصرع ومن الرجم ومن عذاب الله لهم، هذا في دنياهم ولعذاب الله يوم القيامة أشد وأنكى.
فالله يشهر بذلك، ويلفت أنظارنا له لنتخذ من ذلك عبرة كي لا نعمل بعملهم ولا نعاقب بعقوبتهم بعد ذلك.
﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:٧٣].
كانت وبالاً، كانت دماراً، كانت هلاكاً، كانت لعنة وغضباً من الله، يقول ربنا: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٤٠].
إلا العباد الذين أخلصهم الله لطاعته وعبادته، وصفاهم من الشرك والمخالفة والكفر والعصيان، وقرئ: (مخلصين) الذين أخلصوا دينهم لله، فعبدوا الله وحده، ووحدوه ولم يشركوا به، وآمنوا بالله، وكتاب الله، ورسول الله، واليوم الآخر، والعرض على الله إلى جنة أو إلى نار، هؤلاء استثناهم من غضبه، واستثناهم من لعنته، واستثناهم مما صنع بالآخرين، وهكذا عندما أرسل الطوفان على قوم نوح أنجى في السفينة الذين آمنوا مع نوح، وما آمن معه إلا قليل.
стр. 1746
تفسير قوله تعالى: (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون)
وهكذا صنع الله بالمخلصين في جميع الأمم السابقة، وهكذا فعل بهم في قصة نوح، وطالما ذكرت في الماضي لتكون عبرة للمعتبر، ودرساً يأخذ منه المؤمن ما يثبت إيمانه، والكافر ما ينذره من أن يكون مثلهم، فيجري عليه ما جرى عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥].
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٧٦ - ٧٩].
يقول ربنا ﷻ : إن نوحاً ناداه واتجه إليه، واستغاث به بما صنع به قومه، وقد دعاهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما زادتهم هذه القرون إلى كفراً وإصراراً على الكفر، وبقاءً على الشرك إلى أن نفذ صبره، ومل بينهم وملوه، عند ذلك جأر إلى الله، ورفع يديه داعياً الله ﷻ يقول: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧].
وهكذا استغاث به فأغاثه، فقال ربنا عنه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥].
استغاث نوح، ودعا ربه ونادى ربه: قد طغى علي هؤلاء فلم تفدهم دعوتي إليك صباحاً ومساءً سراً وعلناً وجهاراً، فما زادهم ذلك إلا كل كفر وجحود، فأنقذني منهم، وعليك بهم أهلكهم ولا تدع منهم كبيراً ولا صغيراً، فإنهم إن ولدوا يلدوا الكفار، وإن أحفدوا يحفدوا الكفار، فقال ربنا في ذلك ليكون مثلاً للمسلمين وللداعين إلى الله، ولمن يدعو ربه لرفع كربه، ورفع بلائه، وما نراه في عصرنا هذا كذلك من نشر الكفر، ونشر البلاء، ونشر المعصية بين المسلمين قبل غيرهم، ومن قادتهم ومن موجهيهم، ومن قبل عامة الناس، وهكذا ربنا ذكر لنا قصة نوح لتكون مثالاً لنا، ولتكون عبرة للكافرين بالله.
قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥]، يثني الله على جلاله، وعلى قدره وعلى مقامه، يعلمنا كيف نوحده، وكيف ننزهه، وكيف نسبحه ﷻ ، قد استجاب لدعوة نوح ولندائه، وأنعم عليه بما طلبه، ولذلك قال: فلنعم المجيبون، أي: لنوح ﵇.
ثم قال ربنا ﷻ : ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٦]، استجبنا لندائه، ولضراعته ودعائه، فأنجيناه وأهله، أي: من كانوا على دينه من أهل وغير أهل، وأما أهله الذين لم يؤمنوا كولده، فكان مع المغرقين، أما أهله الذين آمنوا به، ودانوا بدينه، وكانوا قليلاً لم يتجاوزوا في العد ثلاثة عشر مسلماً عند البعض، وسبعين رجلاً في الأكثر عند الآخرين، فيهم الرجال والنساء والأطفال، هؤلاء الذين آمنوا به فقط بعد هذا الدهر الطويل، وهذه القرون الكثيرة المتتابعة المتوالية، هؤلاء أنجاهم الله من هذا الكرب، أنجاهم من بلائهم ومن محنتهم.
قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٦]، الكرب الشديد الذي لا يكاد يصبر عليه، ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله سراً وجهاراً ليلاً ونهاراً، حضراً وسفراً وهم لا يزيدونه إلا كفراً، وهزءاً وسخرية.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧].
أي: وجعلنا سلالته وأولاده ومن كانوا ذراً في صلبه، ثم انتقلوا بعد ذلك من صلبه إلى رحم زوجه، هم الباقين وإلى عصرنا، والمعنى: أن كل من جاء بعد نوح فهم من ذريته وسلالته أي: نحن وآباؤنا منتسبون إلى نوح، ومن سيأتي بعدنا إلى يوم القيامة، وآدم هو الأب الأول، ثم انقرضت سلالته إلا نوحاً وسلالته، فكان من جاء بعد نوح من ذريته وسلالته، هكذا في الآية، ولكن مضى معنا أنه قبل: أن الله نادى ﷻ فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣].
كانت هناك ذرية من نوح، وممن حمل مع نوح، وأن الباقين بعد نوح هم سلالة نوح كما هم سلالة من كان معه من المؤمنين، وحملوا معه على السفينة، ولذلك اختلفوا وليس هذا تضارباً في الآية، بل هي آيتان في كتاب الله أن الناس الذين جاءوا بعد نوح من ذريته وذرية من معه، ولكن الأكثرية كانت من سلالة نوح، فهو قد تزوج بعد ذلك الكثرة من أولئك، فكانت أزواجه بالعشرات، فكانت ذريته أكثر وأشمل وأعم حتى إنهم قالوا: كل من في الأرض يرجعون إلى أولاد نوح الثلاثة: سام ويافث وحام.
فقالوا عن حام: هو أبو الزنوج والأحباش، وقالوا عن يافث هو أبو الروم ومن إليهم، وقالوا: عن سام: هو أبو العرب وأبو بني إسرائيل، وأبو طوائف من البشر، ولكن قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء:٣]، يدل على أن هناك ذرية لم تكن من سلالته، ولكن من سلالة من حمل معه في السفينة، فيكون معنى الآية: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧] أي: أكثر من في الأرض بعد نوح كانوا من ذرية نوح، ولا ينفي هذا أن تكون هناك أقلية هي من ذرية من حمل مع نوح على السفينة.
قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:٧٨]، أي: تركنا عليه ذكراً وثناءً، وإشادة وتعلقاً وإيماناً، والأمر كما قال ربنا فجميع الأديان السماوية وإلى عصرنا وحتى المجوس، وقد قيل: إنهم أهل كتاب، ولكن الكتاب ضيعوه فذهب مع الذاهبين، جميعاً يثنون على نوح، ويؤمنون بنوح، ويشيدون به، ويرفعون من ذكره.
قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٧٨ - ٧٩].
ربنا ﷻ كذلك أشاد به، وسلم عليه وذكر السلام له، فهو آمن عند موته وآمن في آخرته من أن يغضب الله عليه، آمن في جنته، بنعم الله، ورحمة الله، ورضا الله، آمن من أن يذكر بسوء بعد ذلك في الأعصار الآتية والشعوب الأخيرة: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٧٨ - ٧٩]، فجميع العوالم المحمدية والأمم الأخرى أمم أهل الكتاب والمجوس وغيرهم تجله، وتحترمه وتشيد به، وتذكره بالسلام والصلاة كبقية الأنبياء عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.
ونوح صلى الله عليه وعلى نبينا لم يسبقه من الأنبياء إلا أبوه آدم، ثم إدريس ثم نوح بعد ذلك، وهو الأب الثاني للبشر.
стр. 1747
تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين)
قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:٨٠].
أي: من أحسن وأطاع، ومن دعا إلى الله، ومن صبر صبر نوح في الدعوة إلى الله، فإن الله يحسن إليه ويجازيه بأن يرفع اسمه، ويعلي ذكره، وتبقى الناس تترحم عليه، وتذكره في الصالحين، وكذلك كما فعلنا بنوح ونصرناه أخيراً على أعدائه، وأعداء الله كذلك من دعا إلى الله ننصره على أعدائه، فنجعل النصر له والعاقبة الخيرة له، ونجعله في عليين، ونجعل أعداءه في الأسفلين كما فعل بنوح مع قومه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:٨٠].
والإحسان: هو الإيمان بالله قلباً وقالباً، لساناً وجناناً، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فيكون مؤمناً في نفسه داعياً للخلق إلى عبادة الله، ويحسن عبادته بأن تكون خالصة لله بلا شرك خفي، بأن تكون عبادته لا يراد بها إلا الله خالصة لوجه الله، يؤديها بفرائضها أركاناً وواجبات، وسنناً ومستحبات، وأن يحسن لعباد الله الصالحين المؤمنين.
قل تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٨١]، يشير الله بذكره ويقول: إنه من عباده المؤمنين الذين آمنوا بإخلاص، والذين آمنوا بطاعة، والذين آمنوا كما أمرهم ربهم، فهو كان مؤمناً من الصالحين، مؤمناً صادقاً بين المرسلين، فجازاه الله على إيمانه، وعلى إسلامه فنصره على قومه وأغرقهم فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الصافات:٨١ - ٨٢].
أغرق قومه الآخرين ممن كانوا معه في عصره، وخرجوا عن دينه، وخرجوا عن طاعته، وأبوا إلا الكفر والعصيان والجحود، فأغرقهم الله حتى لم يبق منهم أنيس ولا ذاكر، والقصة ذهبت ومضت في السور الماضية كسورة الأنبياء بتفاصيلها وبكلياتها وجزئياتها، ونقتدي بما ذكر هنا على ما مضى لكي لا يعاد الشيء أكثر مما مضى.
стр. 1748
تفسير سورة الصافات [٨٣ - ١٠٠]
كان سيدنا إبراهيم ﵇ من أولي العزم الخمسة، وقد عانى من قومه وكفرهم ما عانى، فلم تقنعهم حجة ولا دليل، ثم تآمروا عليه ليحرقوه فأنجاه الله ونصره عليهم.
стр. 1749
تفسير قوله تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٣ - ٨٧].
وإن من شيعته: أي ممن هو على دينه، وعلى منهاجه، وعلى طريقته، ومن أنصاره، وقرنائه وأمثاله، والقائلين بقوله، والذين هم على مبدئه وهدفه وغايته، وأنبياء الله كلهم كذلك، فكلهم أمروا بتوحيد الله، كلهم أمروا بأن يأمروا الخلق بطاعة الله، والإيمان بما أنزل الله، والإيمان بيوم البعث والنشور، يوم العرض على الله، وبالجنة والنار.
فجاء إبراهيم مجدداً، جاء نبياً رسولاً، ففعل ما فعله نوح من حيث التوحيد والدعوة إلى وحدانية الله وعبادته، فكذلك كان إبراهيم من شيعته، ممن هو على منهاجه، ممن هو على طريقته في الدعوة إلى الله والتحمل والصبر، وكما تحمل نوح من قومه البلاء العظيم والكرب الشديد، ثم نصره الله وأزال كربه، كذلك إبراهيم سيحارب وسيعارض، وسيقذف به في نار لو قذف فيها غابة لاحترقت وصارت رماداً، ولكن الله يأبى إلا أن ينصر رسله، وأن ينصر أنبياءه، وأن تكون العاقبة لهم على أعدائهم.
قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣].
بين إبراهيم ونوح ألفا سنة وستمائة وأربعون عاماً فيما زعم الكثيرون، ولا يقين في ذلك، إذ الأخبار لا تتم إلا بنص من الله أو حديث صحيح عن رسول الله ﷺ ولا يوجد، وكان ما بين نوح وإبراهيم من الأنبياء هود وصالح، وقد أرسل إبراهيم في أرضه في العراق، وكل أنبياء الله الذين جاءوا بعده ينحدرون من سلالته، فقد ولد ولدين كليهما نبي كريم: إسماعيل ثم إسحاق، فكانت سلالة أنبياء بني إسرائيل من إسحاق، وكان من سلالة إسماعيل سيد البشر على الإطلاق، وإمام الأنبياء، وسيد ولد آدم ﷺ محمد العربي الهاشمي المكي المدني نبينا صلى الله وعليه وعلى آله.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٣ - ٨٤].
أتى إلى الله داعياً بقلبه، أتى بإخلاصه، أتى بيقينه منذ نبئ وأرسل، كان أول المؤمنين من قومه، وأول الدعاة إلى الله من قومه، أخلص العبادة، وأخلص اليقين، وأخلص جميع حياته ليلها ونهارها في السفر والحضر لله، وجاء ربه بقلب سليم من الشرك، سليم من الضغينة ومن الرياء والسمعة، فهو طاهر القلب وسيد الموحدين في عصره، وهو أحد الخمسة من أولي العزم، ولا يعلوه في المقام إلا حفيده محمد صلى الله وعليه وعلى آله.
وقد سئل محمد بن سيرين عن قول الله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤] ما سليم؟ فقال: جاء ربه سليماً من الشرك، سليماً من المخالفة، سليماً من الضغينة، فهو سليم القلب من كل أنواع السوء شركاً وعصياناً ومخالفة، جاء ربه وهو داع إليه، خاضع لجلاله، قائم بين يديه، في كل ما أمره به، ﷻ وعلا مقامه.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٨٥].
قال لقومه: ماذا تعبدون؟! وكانوا يعبدون الأحجار، ويعبدون الأوثان، ويعبدون الأصنام، كأكثر الأولين إلا قلة بينهم، أما أبوه فقد سماه الله في القرآن: آزر، ومضى لنا ببيان وتفصيل: أن آزر عمه والعم أب، وقد قال ﵊: (العم صنو الأب) أي: جزء وشقيق له أي: قسم منه أي: فكما أن هذا أب فهذا أب، وفي لغة العرب كذلك تنادي العم: أباً، وهي لغة مشهورة، وللإمام السيوطي ﵀ كتاب مستقل أن آزر عم إبراهيم وليس أباه، وقد ذكر في القرآن بأنه أب.
من المعلوم أن إبراهيم عندما دعا عمه إلى الله استنكر ذلك منه: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ﴾ [مريم:٤٦]، ثم أخيراً قال له: اهجرني ملياً، قال إبراهيم: ﴿قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم:٤٧]، وبعد ذلك استغفر له، فقال عنه ﷻ : ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤].
أي: عندما تبين له أنه كافر ومات على الكفر والضلال تبرأ منه، والذي يتبرأ منه لا يدعى له، ولا يستغفر له، وإنما استغفر له بموعدة وعدها إياها، فقد وعده بأنه سيستغفر له، فلما تبين له أنه مات على الكفر، ومات على الضلال تبرأ منه وترك الاستغفار، لأنه لا فائدة في الاستغفار لمن مات مشركاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، سواء دعا له نبي مرسل، أو ملك مقرب، كل ذلك سواء من مات على الشرك فلا ينتظر له إلا العذاب، ولا استغفار له ولا توبة، وقد كان إبراهيم عندما دعا أباه لا يزال في شبابه في سن الأربعين عندما أرسل ونبئ، وعندما جاء إلى أرض الكعبة ومعه ابنه إسماعيل، وقد أتى به طفلاً رضيعاً مع أمه إلى هذه البقاع المقدسة، فعندما أتم البناء حمد الله وشكره وقال: رب اغفر لي ولوالدي.
وهذا في كتاب الله، فقوله: (رب اغفر لي ولوالدي) استغفار لوالديه وما والداه إلا أبوه وأمه، فلو كان الذي ذكره الله أباً حقيقياً لما استغفر له، ومن هنا علمنا بنص الآية أن ذاك ليس أباً؛ لأن الأب قال الله عنه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤]، ونبي الله أكرم من أن يتبين له أن أباه ضال مضل، وأنه مات على الضلال والكفر من أن يستغفر له، وقد تبرأ منه، والمتبرأ منه لا يدعى له، ولا يستغفر له، فإذا وجدناه في أخريات أيامه وعند قرب موته يقول: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح:٢٨]، فهذا يعني: أن آزر لم يكن أباً بل كان عماً، وقد ثبت أن هذا العم قال -لما أنجى الله إبراهيم من نار نمرود قال له هذا العم: لو لم أكن أنا لما أنجيت، وإذا بالشرار من النار يصيب هذا العم فيحترق؛ لأنه ترفع على الله وادعى مقاماً ليس له، وقال عن ابن أخيه إبراهيم: بأنه شارك في وثنية هذا، أو شارك في شركه أنقذ من النار، وإذا بالله الكريم يحرقه بشرارة فضلاً عن كل تلك النار، وبهذا يتأكد أن آزر ليس الأب وإنما هو العم.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٥ - ٨٦].
الإفك: أقبح أنواع الكذب، أي: أتريدون آلهة غير الله كذباً وزوراً ظاهراً، أي: أتريدون الإفك والكذب، أتريدون آلهة من الأوثان والأصنام والأحجار تتخذونها آلهة دون الله، أهذه إرادة عاقل؟ أهذه إرادة مفكر؟ أهذه إرادة إنسان يعلم أن الموت آتيه يوماً لا محالة.
قال تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٧]، أي: فماذا تظنون بعد أن تقبلوا على الله؟ وبعد أن تبعثوا يوم القيامة؟ كيف سيكون جزاؤكم مع الله وقد جئتم إليه وأنتم تعبدون غيره، وتشركون به سواه؟ وهذا استفهام للتقرير والتوبيخ، أي: أيمكن أن يخطر ببالكم أن يقابلكم الله بخير أو رحمة وأنتم قد استنكرتم قوته وعبدتم سواه ممن لم يخلقكم، ولم يرزقكم ولم يعاقبكم، ولم يعطكم؛ أهذا فعل العقلاء؟ قال تعالى: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٦ - ٨٧].
فما ظنكم بالرب الذي خلقني وخلق عالمي وعالمكم، عالم عصرنا والعالم الذي مضى، والعوالم الآتية، عندما تقبلون عليه، وتعيشون بعد الموت؟ فما الظن الذي يخطر ببالكم؟ والمعنى: أنهم سيلقون اللعن والغضب والجحيم.
стр. 1750
تفسير قوله تعالى: (فنظر نظرة في النجوم)
ثم قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩].
في هذه الحالة جاءه قومه وكان لهم عيد، وقالوا: يا إبراهيم! اخرج معنا لهذا العيد حتى ولو لم ترد عبادة آلهتنا، لكن شاركنا وتفرج علينا، فلما دعوه رفع بصره إلى السماء وقال: إني سقيم؛ ولذلك لا أستطيع الذهاب معكم.
قالوا: إنه قال: مريض بالطاعون؛ لأن عدواه تنتشر بسرعة.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات:٩٠] خافوا العدوى، فما عادوا يقربونه، ولا يلحون على خروجه، فأعطوه قفاهم مدبرين، فذهبوا فارين مهرولين مسرعين حتى لا تنالهم العدوى.
وقد فسر المفسرون ذلك بمعان كثيرة منها: قال بعضهم: كان علم النجوم علماً نبوياً، وكان يؤخذ من النجوم.
ولكن الحروف المكتوبة هي دلالة ورموز على تلك المعاني، فلا غيب هناك ولا تكهن، قالوا: وعلم النجوم في أصله كذلك، فعندما يرون إلى النجم الفلاني والنجم الفلاني ولقاء هذا بهذا، فكأنما يقرأ في كتاب، فهذا يدل على كذا وكذا، فهو نظر في النجوم على عادة الأنبياء فيما زعموه، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩].
ولم يكن سقيماً إذ ذاك، فظاهره القوة والعافية، ولكن معنى الكلام: سقيم: سأسقم، وسقيم اسم فاعل واسم الفاعل كالفعل المضارع يدل على الحال والاستقبال، يعني: إن لم أكن مريضاً الآن فأنا مريض مستقبلاً، ومن ثم نسخ هذا العلم وبطل، وكل من يشتغل به يشتغل بالكهانة والضلالة، فلم يعد له أصل مطلقاً.
وقال قوم: ليس المعنى أنه نظر نظرة في النجوم المعروفة، وإنما المراد بقوله: (نظر نظرة): فكر فكرة أي: أخذ يفكر بماذا يجيبهم، وماذا يقول لهم، فنظر نظرة في النجوم، يقال: نجم كذا، وينجم كذا: إذا ظهر وبرز.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات:٨٨]، أي: في الحوادث الآتية، ويفكر ماذا سيعمل، وما ينتظر من جواب الآخرين، وهو يتمنى هذه الخلوة منذ زمن؛ ليفعل فعله بأصنامهم، فما أراد الخروج وما أراد أن يضيع هذه الفرصة من عمره.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات:٨٨] أي: فكر تفكيراً في الأحداث الناجمة الآتية عن عدم ذهابه، فهل سيجبرونه ويفسدون عليه عمله، أم سيتركونه؟ وخوفهم وأنذرهم بأنه مريض بالطاعون، وهم يخافون من مرض الطاعون ومن عدواه ومن انتشاره، فكانت النتيجة أن مضى الأمر ونجح ما تحايل به عليهم، وأتى بالنتيجة المطلوبة.
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات:٩٠] أي: أعرضوا عنه حال كونهم مدبرين، وذهبوا مسرعين إلى عيدهم، وإلى تجمعاتهم، وإلى أباطيلهم وأضاليلهم، وذلك ما كان يريد.
стр. 1751
تفسير قوله تعالى: (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون)
﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩١ - ٩٣].
عندما أدبروا وتولوا ذهب وأسرع ومشى إلى آلهتهم، فوجد كل إله منهم بجانبه طعام، وكان في أعيادهم يطرحون طعاماً لكل صنم من هذه الأصنام، فعندما يعودون من نزهتهم ومن عيدهم تكون بركة الآلهة المزيفة فيه، وما يصنعونه في العيد مما لا يليق يغفر لهم ببركة الآلهة، ويأكلون طعاماً قد باركته الآلهة، فعندما دخل للمعبد وجد هذه الآلهة، ووجد عند كل إله طعاماً، ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١] أي: ناداهم ألا تأكلون؟! ما وضع هذا الطعام إلا للأكل، فلم يجيبوه بطبيعة الحال فهي أحجار وجمادات، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات:٩٢] لأنها آلهة عاجزة عن الوعي والكلام والفهم: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣]، والضرب باليمين أقوى من الضرب باليسار، وكان قد أخذ فأساً معه، فجاء إلى جميع الآلهة وكسرها، وجعلها جذاذاً إلا كبيراً لهم، حتى لا تكاد تعرف أنها من أصل الحجارة أو الصخور، ووضع الفأس في عنق الإله الكبير في زعمهم.
стр. 1752
تفسير قوله تعالى: (فأقبلوا إليه يزفون)
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات:٩٤].
وكانوا قد تساءلوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ وإذا بأحد يقول لهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] كما في سورة الأنبياء، أي: يذكرهم بسوء، فذهبوا إلى إبراهيم وأقبلوا إليه يزفون أي: يسرعون، ومنه الزفاف: الإسراع في زفاف البنت إلى الزوج، فأقبلوا إليه يسرعون، أقبلوا إليه مهرولين، وهم ذاهبون عقلاً؛ لأن آلهتهم أهينت وهم يعبدونها.
وقرئ: (يُزِفُّون) والمعنى واحد من الزفاف: وهي السرعة والهرولة: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦].
فلما أخذوا معه في الكلام، قال: كيف تعبدون شيئاً صنعتموه بأيديكم، نحتموه من الأخشاب، ومن الحديد، ومن الحجارة، فتأتون إلى أخشاب صنعتموها بيدكم، وإلى حديد ذريتموه بأيديكم، وإلى طين فتتخذوه إلهاً، فكيف تعبدون ما خلقته أيديكم؟! ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فالكل خلق الله، وتتركون الخالق وتعبدون المخلوق، أهذا فعل العقلاء؟! فقال لهم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات:٩٥] من النحت، والنحت: النقل والبري والصنعة، أتعبدون ما تنحتون، أي: هذه الآلهة، بل أنتم صنعتموها ونحتموها من الأخشاب، ومن الحجارة، ومن الحديد، وليس الخشب لكم، ولا الحديد من خلقكم، بل الكل خلق الله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
خلقكم، وخلق هذه الأخشاب، وهذا الحديد، وهذه الحجارة، فكيف تأتون إلى شيء خلقه الله، فهو مخلوق، وأنتم مخلوقون، فتتركون الخالق الذي خلقكم، وتذهبون إلى عبادة المخلوق، أهذا منطق العقل.
وكل هؤلاء العابدين ممن لا يزالون إلى الآن، تدخل كنائسهم تجد هناك صوراً وتماثيل يصرفون لها هذه العبادة، ثم يقولون عن فلان: فيلسوف، وعن فلان كذا، وما هم إلا أنعام ضالون، كيف يأتون إلى هذه الأحجار، وإلى هذه الأخشاب، وإلى هذه الحدائد يصنعونها بأيديهم، ينحتونها بأيديهم، ثم يسمونها آلهة، فيركعون لها ويسجدون لها، ويعبدونها دون الخالق؟! والخالق هو الذي خلقهم وخلق أعمالهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
стр. 1753
تفسير قوله تعالى: (قالوا ابنوا له بنياناً)
وإذا بهم كعادة الكفار حينما يعجزون عن الدليل والبرهان، وهذا فعل السفهاء قديماً، وفعل السفهاء حديثاً، وهؤلاء الآن يسمون أنفسهم: التقدميين والتجديديين، وهم في الحقيقة رجعيون متأخرون، يرجعون لما قاله آباؤهم وأسلافهم من المشركين، يقولون نفس قولهم، نفس دليلهم، نفس برهانهم، عندما يعجزون عن الجواب، وعن الدليل والبرهان، يذهبون إلى البطر وإلى الإخضاع وهيهات هيهات! فالحقائق هي الحقائق، وهؤلاء أصحاب أباطيل وأضاليل ما أنزل الله بها من سلطان.
فكان جوابهم عن هذه الأدلة: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧]، وقد سماه الله جحيماً لهوله قال ربنا: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٨]، ذهبوا يهيجون له ناراً لمدة أشهر، وبنوا بهذه النار بنياناً عارماً يصل إلى عشرات الأمتار، ثم أخذوا كل أخشاب غاباتهم، وزادوا عليها أحجارهم إلى أن أخذ يأكل بعضها بعضاً، ثم وضعوه في المنجنيق وألقوه فيها، ولقد كان الطير إذا حلق من فوقها يحترق من شدة لهيبها ونارها، فأخذوه من البعد؛ لأن القرب منها سيحرقهم، وألقوه كما تلقى الحجارة وقذفوه قذفاً.
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٧ - ٩٨]، جعلهم الأسفل والأخسر والأذل، جعلهم ينهزمون، بقيت النار مشتعلة عدة أسابيع إلى أن انطفأت، وإذا بإبراهيم يوجد جالساً وهو يقول لا إله إلا الله.
ويقال في الأثر: لما ألقي في النار جاءه جبريل فقال: يا نبي الله! هل لك من حاجة؟ هل لك من طلب؟ قال: علمه حالي يغنيني عن سؤالي، ماذا يطلب؟ الله يرى هذا، وإذا بالله يقول لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، ولو قال برداً فقط لكان برداً زمهريراً، ولقتله البرد من شدته، ولكنه قال برداً وسلاماً، بحيث لا تقتله.
فعندما حصل هذا وانتهى سلط الله على نمرود ناموسة دخلت في خياشيمه إلى أن وصلت إلى دماغه فأخذ يضرب رأسه لعل الناموسة تخرج، وإذا بالناموسة لا تخرج، فأخذ يضرب رأسه بالحجارة بالحيطان، وهكذا بقي يضرب رأسه إلى أن تفتت مخه وانفجر، وانتثر على الأرض والناس تراه، بعد أن ادعى الألوهية، وادعى الطغيان، وهذا كما صنع الله ﷻ مع نبينا وكان إرهاصاً له، عندما أرادت الحبشة أن تضرب الكعبة، فجاءت بفيلها، وجاءت بقوتها، وجاءت بجيوشها، فدخلوا مكة إلى أن احتلوها، وقبل أن يصلوا للكعبة جاء عبد المطلب جد النبي ﵊ إلى أبرهة ملك الحبشة يطلب إبله، وقد أخذها جنده وكانت مائة، فلما دخل وطلب الإبل عجب أبرهة منه؛ وذلك لحسن منطقه ودهائه ومع ذلك يطلب إبلاً ولا يدافع عن الكعبة، فقال لـ أبرهة: أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه، وكان إهلاك أبرهة وأصحابه إرهاصاً لبعثة رسول الله ﷺ ، والإرهاصة: هي المعجزة قبل الظهور.
وبهذا نزل في الكعبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١]، سلط الله عليهم طيراً تحمل حجارة من سجيل تقذفها على رءوس هؤلاء الطغاة فتدخل من رأسه وتخرج من دبره، فأصبحوا كالعصف المأكول، كالحشيش عندما يخرج بعراً بعد أن تأكله الدواب.
وهكذا عندما يعجز المسلمون، ويظن أعداؤهم أنهم قضوا عليهم، عندها قضت إرادة الله الغالبة أن للبيت رباً يحميه، ويحمي عباده المؤمنين المستضعفين بما لا يخطر على بال ظالم، أو على بال عدو، فهؤلاء الأمم والدول الكبرى التي طالما عصت أمر الله، وطغت واحتقرت المسلمين، وأراقت دماءهم، وجعلتهم أقل من كلب، فالكلب إذا قتل قامت الدنيا، وعشرات المسلمين بل آلاف المسلمين يذبحون ويحتلون في كل ركن في الأرض، ولا صوت يرتفع، فهذا تأديب من الله، ولكن النتيجة: إن للبيت رباً يحميه.
يقول تعالى عن هؤلاء وقد حمى نبيه وأكرمه: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٧ - ٩٨].
بعد ذلك وجبت الهجرة من الأرض التي يسكنها الكفار والمنافقون، ويمنع المؤمن من إظهار دينه، ومن قبول دعوته إلى الله، كما فعل بعد ذلك نبينا ﵊ عندما ضاقت به مكة فانتقل منها إلى المدينة، وفي الهجرة وهو في الجحفة ينزل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، فأنت ستذهب للمدينة ولكنك ستعود إلى مكة ظافراً منتصراً سيداً متحكماً في أعدائك، وهكذا كان.
стр. 1754
تفسير قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين)
فترك إبراهيم بعد ذلك البلدة وهاجر منها: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] أي: سأذهب مهاجراً إلى الله في أرض لا أقاتل فيها، ولا يحضر على الإنسان أن يدعو فيها إلى الله، وهكذا ترك العراق وذهب إلى أرض الشام إلى حران واتخذها مهجراً ومقاماً، فدعا إلى الله ما شاء، فآمن به من كتب لهم العز والنصر والعاقبة الطيبة، ومن كفر به ألحقه الله بالأولين من الضالين.
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، ذهب فوجد نفسه غريباً، لا قريب ولا تابع ولا بعيد، لا زوجة ولا ولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
فدعا الله أن يهب له ولداً، وأن يكون من الصالحين؛ ليأنس به، وليجدد به سلالته، قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
стр. 1755
تفسير سورة الصافات [٩٩ - ١١٦]
لما نجى الله سيدنا إبراهيم ﵇ من كيد النمرود وقومه الوثنيين هاجر ﵇ إلى أرض حران، ودعا ربه أن يهبه من الصالحين، فبشره بالذبيح إسماعيل ﵇ وحصل لهما من الابتلاء ما حصل، ثم بشره بإسحاق وبارك في ذريتهما.
следующие страницы →