Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
تفسير قوله تعالى: (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون)
﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩١ - ٩٣].
عندما أدبروا وتولوا ذهب وأسرع ومشى إلى آلهتهم، فوجد كل إله منهم بجانبه طعام، وكان في أعيادهم يطرحون طعاماً لكل صنم من هذه الأصنام، فعندما يعودون من نزهتهم ومن عيدهم تكون بركة الآلهة المزيفة فيه، وما يصنعونه في العيد مما لا يليق يغفر لهم ببركة الآلهة، ويأكلون طعاماً قد باركته الآلهة، فعندما دخل للمعبد وجد هذه الآلهة، ووجد عند كل إله طعاماً، ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١] أي: ناداهم ألا تأكلون؟! ما وضع هذا الطعام إلا للأكل، فلم يجيبوه بطبيعة الحال فهي أحجار وجمادات، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات:٩٢] لأنها آلهة عاجزة عن الوعي والكلام والفهم: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣]، والضرب باليمين أقوى من الضرب باليسار، وكان قد أخذ فأساً معه، فجاء إلى جميع الآلهة وكسرها، وجعلها جذاذاً إلا كبيراً لهم، حتى لا تكاد تعرف أنها من أصل الحجارة أو الصخور، ووضع الفأس في عنق الإله الكبير في زعمهم.
стр. 1752
تفسير قوله تعالى: (فأقبلوا إليه يزفون)
قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات:٩٤].
وكانوا قد تساءلوا: من فعل هذا بآلهتنا؟ وإذا بأحد يقول لهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] كما في سورة الأنبياء، أي: يذكرهم بسوء، فذهبوا إلى إبراهيم وأقبلوا إليه يزفون أي: يسرعون، ومنه الزفاف: الإسراع في زفاف البنت إلى الزوج، فأقبلوا إليه يسرعون، أقبلوا إليه مهرولين، وهم ذاهبون عقلاً؛ لأن آلهتهم أهينت وهم يعبدونها.
وقرئ: (يُزِفُّون) والمعنى واحد من الزفاف: وهي السرعة والهرولة: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦].
فلما أخذوا معه في الكلام، قال: كيف تعبدون شيئاً صنعتموه بأيديكم، نحتموه من الأخشاب، ومن الحديد، ومن الحجارة، فتأتون إلى أخشاب صنعتموها بيدكم، وإلى حديد ذريتموه بأيديكم، وإلى طين فتتخذوه إلهاً، فكيف تعبدون ما خلقته أيديكم؟! ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] فالكل خلق الله، وتتركون الخالق وتعبدون المخلوق، أهذا فعل العقلاء؟! فقال لهم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات:٩٥] من النحت، والنحت: النقل والبري والصنعة، أتعبدون ما تنحتون، أي: هذه الآلهة، بل أنتم صنعتموها ونحتموها من الأخشاب، ومن الحجارة، ومن الحديد، وليس الخشب لكم، ولا الحديد من خلقكم، بل الكل خلق الله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
خلقكم، وخلق هذه الأخشاب، وهذا الحديد، وهذه الحجارة، فكيف تأتون إلى شيء خلقه الله، فهو مخلوق، وأنتم مخلوقون، فتتركون الخالق الذي خلقكم، وتذهبون إلى عبادة المخلوق، أهذا منطق العقل.
وكل هؤلاء العابدين ممن لا يزالون إلى الآن، تدخل كنائسهم تجد هناك صوراً وتماثيل يصرفون لها هذه العبادة، ثم يقولون عن فلان: فيلسوف، وعن فلان كذا، وما هم إلا أنعام ضالون، كيف يأتون إلى هذه الأحجار، وإلى هذه الأخشاب، وإلى هذه الحدائد يصنعونها بأيديهم، ينحتونها بأيديهم، ثم يسمونها آلهة، فيركعون لها ويسجدون لها، ويعبدونها دون الخالق؟! والخالق هو الذي خلقهم وخلق أعمالهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦].
стр. 1753
تفسير قوله تعالى: (قالوا ابنوا له بنياناً)
وإذا بهم كعادة الكفار حينما يعجزون عن الدليل والبرهان، وهذا فعل السفهاء قديماً، وفعل السفهاء حديثاً، وهؤلاء الآن يسمون أنفسهم: التقدميين والتجديديين، وهم في الحقيقة رجعيون متأخرون، يرجعون لما قاله آباؤهم وأسلافهم من المشركين، يقولون نفس قولهم، نفس دليلهم، نفس برهانهم، عندما يعجزون عن الجواب، وعن الدليل والبرهان، يذهبون إلى البطر وإلى الإخضاع وهيهات هيهات! فالحقائق هي الحقائق، وهؤلاء أصحاب أباطيل وأضاليل ما أنزل الله بها من سلطان.
فكان جوابهم عن هذه الأدلة: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧]، وقد سماه الله جحيماً لهوله قال ربنا: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٨]، ذهبوا يهيجون له ناراً لمدة أشهر، وبنوا بهذه النار بنياناً عارماً يصل إلى عشرات الأمتار، ثم أخذوا كل أخشاب غاباتهم، وزادوا عليها أحجارهم إلى أن أخذ يأكل بعضها بعضاً، ثم وضعوه في المنجنيق وألقوه فيها، ولقد كان الطير إذا حلق من فوقها يحترق من شدة لهيبها ونارها، فأخذوه من البعد؛ لأن القرب منها سيحرقهم، وألقوه كما تلقى الحجارة وقذفوه قذفاً.
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٧ - ٩٨]، جعلهم الأسفل والأخسر والأذل، جعلهم ينهزمون، بقيت النار مشتعلة عدة أسابيع إلى أن انطفأت، وإذا بإبراهيم يوجد جالساً وهو يقول لا إله إلا الله.
ويقال في الأثر: لما ألقي في النار جاءه جبريل فقال: يا نبي الله! هل لك من حاجة؟ هل لك من طلب؟ قال: علمه حالي يغنيني عن سؤالي، ماذا يطلب؟ الله يرى هذا، وإذا بالله يقول لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، ولو قال برداً فقط لكان برداً زمهريراً، ولقتله البرد من شدته، ولكنه قال برداً وسلاماً، بحيث لا تقتله.
فعندما حصل هذا وانتهى سلط الله على نمرود ناموسة دخلت في خياشيمه إلى أن وصلت إلى دماغه فأخذ يضرب رأسه لعل الناموسة تخرج، وإذا بالناموسة لا تخرج، فأخذ يضرب رأسه بالحجارة بالحيطان، وهكذا بقي يضرب رأسه إلى أن تفتت مخه وانفجر، وانتثر على الأرض والناس تراه، بعد أن ادعى الألوهية، وادعى الطغيان، وهذا كما صنع الله ﷻ مع نبينا وكان إرهاصاً له، عندما أرادت الحبشة أن تضرب الكعبة، فجاءت بفيلها، وجاءت بقوتها، وجاءت بجيوشها، فدخلوا مكة إلى أن احتلوها، وقبل أن يصلوا للكعبة جاء عبد المطلب جد النبي ﵊ إلى أبرهة ملك الحبشة يطلب إبله، وقد أخذها جنده وكانت مائة، فلما دخل وطلب الإبل عجب أبرهة منه؛ وذلك لحسن منطقه ودهائه ومع ذلك يطلب إبلاً ولا يدافع عن الكعبة، فقال لـ أبرهة: أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه، وكان إهلاك أبرهة وأصحابه إرهاصاً لبعثة رسول الله ﷺ ، والإرهاصة: هي المعجزة قبل الظهور.
وبهذا نزل في الكعبة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:١]، سلط الله عليهم طيراً تحمل حجارة من سجيل تقذفها على رءوس هؤلاء الطغاة فتدخل من رأسه وتخرج من دبره، فأصبحوا كالعصف المأكول، كالحشيش عندما يخرج بعراً بعد أن تأكله الدواب.
وهكذا عندما يعجز المسلمون، ويظن أعداؤهم أنهم قضوا عليهم، عندها قضت إرادة الله الغالبة أن للبيت رباً يحميه، ويحمي عباده المؤمنين المستضعفين بما لا يخطر على بال ظالم، أو على بال عدو، فهؤلاء الأمم والدول الكبرى التي طالما عصت أمر الله، وطغت واحتقرت المسلمين، وأراقت دماءهم، وجعلتهم أقل من كلب، فالكلب إذا قتل قامت الدنيا، وعشرات المسلمين بل آلاف المسلمين يذبحون ويحتلون في كل ركن في الأرض، ولا صوت يرتفع، فهذا تأديب من الله، ولكن النتيجة: إن للبيت رباً يحميه.
يقول تعالى عن هؤلاء وقد حمى نبيه وأكرمه: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٧ - ٩٨].
بعد ذلك وجبت الهجرة من الأرض التي يسكنها الكفار والمنافقون، ويمنع المؤمن من إظهار دينه، ومن قبول دعوته إلى الله، كما فعل بعد ذلك نبينا ﵊ عندما ضاقت به مكة فانتقل منها إلى المدينة، وفي الهجرة وهو في الجحفة ينزل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥]، فأنت ستذهب للمدينة ولكنك ستعود إلى مكة ظافراً منتصراً سيداً متحكماً في أعدائك، وهكذا كان.
стр. 1754
تفسير قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين)
فترك إبراهيم بعد ذلك البلدة وهاجر منها: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] أي: سأذهب مهاجراً إلى الله في أرض لا أقاتل فيها، ولا يحضر على الإنسان أن يدعو فيها إلى الله، وهكذا ترك العراق وذهب إلى أرض الشام إلى حران واتخذها مهجراً ومقاماً، فدعا إلى الله ما شاء، فآمن به من كتب لهم العز والنصر والعاقبة الطيبة، ومن كفر به ألحقه الله بالأولين من الضالين.
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، ذهب فوجد نفسه غريباً، لا قريب ولا تابع ولا بعيد، لا زوجة ولا ولد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
فدعا الله أن يهب له ولداً، وأن يكون من الصالحين؛ ليأنس به، وليجدد به سلالته، قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠].
стр. 1755
تفسير سورة الصافات [٩٩ - ١١٦]
لما نجى الله سيدنا إبراهيم ﵇ من كيد النمرود وقومه الوثنيين هاجر ﵇ إلى أرض حران، ودعا ربه أن يهبه من الصالحين، فبشره بالذبيح إسماعيل ﵇ وحصل لهما من الابتلاء ما حصل، ثم بشره بإسحاق وبارك في ذريتهما.
стр. 1756
تفسير قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠١].
لا نزال مع إبراهيم خليل الله والجد الأعلى لنبينا ﵊ بعد أن نصره الله على أعدائه عندما قذفوه في النار، فجعلها الله برداً وسلاماً عليه، جعلهم الأسفلين، ورد مكرهم في نحرهم، عند ذلك رأى أن البلاد ليست صالحة للمؤمن، وليست صالحة لداعية إلى الله وقد أصروا على قتال وحرب وتهديد رسول الله ﷺ ، فترك البلاد وهاجر إلى الله، وكان أصل الهجرة ومشروعيتها ما فعله إبراهيم خليل الله، وقصه علينا ربنا ﷻ .
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات:٩٩] أي: إني مهاجر كما ذكر في آيات أخر، فهجر الكفر وبلاد الكافرين وهاجر إلى ربه حيث يجد متسعاً من الأرض بلا ضيق ولا مقاومة ولا صد عن دعوة الله، فذهب مهاجراً.
وقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، أي: سيهدني الطريق المستقيم، وسيهديني للذهاب إلى البلاد التي أدعو فيها إلى ربي دون أن أجد معارضاً ولا صادا، ً وقد قلنا: بأنه ذهب إلى أرض حران، فبعد أن وجد نفسه غريباً ترك موطنه، وترك عشيرته، ونادى ربه متضرعاً: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] أي: هب لي ولداً صالحاً يكون منهم، ويكون بينهم يصلح في دينه، ويصلح في دنياه، ويصلح لي باراً مطيعاً، ويصلح لعباد الله الصالحين، فأجابه الله واستجاب دعوته وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١].
ومعنى ذلك: أن زوجته حملت، وأنها بعد الحمل ولدت، فبشره الله به قبل أن يكون، فكان بعد ذلك، وولد بعد ذلك فبشره به غلاماً مولوداً صغيراً رضيعاً، وبشره بأنه سيصبح رجلاً حليماً، والحلم: هو التوؤدة والتأني وعدم التسرع، وهو العقل فيما يهديه ويصلحه في دينه ودنياه، وهو الذي لا يتأثر بكلمة عابرة، ولا يغضب لأي سبب، فهو إذا أوذي حلم، وهو إذا أوذي قابل السيئة بالحسنة لا يغضب، فجعله الله غلاماً حليماً، وسيبشره بعد ذلك بالنبوة والرسالة الخالدة الساندة في سلالته إلى يوم القيامة.
قال ربنا: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات:١٠٢]، ومعنى ذلك: أنه استجيب دعاؤه وولد له ولد، وتمت البشارة التي بشره بها ربه، والبشرى تكون بخير في أغلب الكلام وأغلب الأحيان، وقد تكون البشرى بشر، ولكنها تكون إلى الهزل والسخرية أقرب.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
ولد الولد الذي بشر به، وكبر حتى بلغ مبلغ الرجال الذين يسعون مع آبائهم في معاشهم، يسعون لخدمة دارهم وأهاليهم وأبيهم وأمهم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات:١٠٢]، والسعي في الخدمة وفي الاستزادة منه، والصلاح، قالوا: ولقد كان سنه ثلاثة عشر عاماً، وقال بعضهم: كانت سنه تسعة أعوام، وقال ابن عباس: بلغ أن يصلي ويصوم، أي: قد بلغ، فأصبح مكلفاً كما يكلف الرجال، ونحن في الصحاري في الأرض الحارة وهو هنا نشأ، وهناك نبئ، وهناك حدث ما حدث فيما يقصه الله علينا في هذه البلدة المقدسة الطاهرة عند زمزم والكعبة المشرفة، زادها الله تشريفاً وتكريماً، وبلوغ النساء في البلاد الحارة يكون بين التاسعة والعاشرة، وبلوغ الرجال يكون في العادة بين العاشرة والثانية عشرة، وقد حكى التاريخ عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان بين أبيه وبينه اثنا عشر عاماً، وتزوج ﷺ السيدة عائشة أم المؤمنين ودخل بها وهي ابنة تسع فكانت بالغة، تصلي وتصوم، وهذا يدفع الكلام من الكثير من أعداء الله وأعداء رسول الله والمسلمين بأنه تزوج طفلة ليست مطيقة بعد، وليس الأمر كذلك، وهؤلاء يقيسون ذلك على أنفسهم وهم يعيشون في أرض باردة لا يكاد الشاب يبلغ إلا بعد أن يصل ثماني عشرة سنة، ولا تكاد تبلغ البنت حتى تتجاوز السادسة عشرة.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات:١٠٢] لما بلغ سن الثالثة عشرة، وكان يصلي ويصوم، وقد بلغ مبلغ الرجال، رأى إبراهيم رؤيا في منامه، ورؤيا الأنبياء وحي، لأن الشيطان لا أثر له على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولذلك عندما رأى إبراهيم الرؤيا قصها على ولده، وقد بلغ معه السعي، ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢].
فكر معي ما هو رأيك؟ ماذا ترى؟ هل توافق على هذا؟ ومعنى ذلك: أن ولده هذا كان يعلم أن رؤيا الأنبياء حق، فهو يسأل ولده وهو يعلم معنى هذا الكلام، فأنا قد رأيت فماذا ترى؟ وإبراهيم خليل الله الرحمن لا يريد أن ينفذ الأمر بناءً على مشورة ولده، ولكنه يريد أن يطيب خاطره، ويسمع موافقته، وإلا فرؤياه التي هي أمر إلهي لن يتراجع عنها أبداً.
﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] والرؤية هنا ليست نظر البصر، ولكن نظر الفكر والرأي والبصيرة.
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]؛ لأن هذا الوليد اعتبر ذلك أمراً إلهياً مما يدل على فهمه، وعلى إدراكه، وعلى وعيه في مبتدأ العمر.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
قال له: افعل ما تؤمر، اذبح فهذا أمر وأنا أطيق ذلك، وأومن به، وعلق ذلك على المشيئة الإلهية لأنه بلاء عظيم، وهو مصيبة شديدة، ومع ذلك خاف أن يعجز عند التنفيذ وعند الذبح ألا يصبر، فقال: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢].
فبمشيئة الله، وبعون الله ستجدني صابراً على تنفيذ هذا الأمر الإلهي.
стр. 1757
الأدلة على أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق
فمن هذا الوليد؟ ما اسمه؟ فقد كان لإبراهيم ولدان كلاهما نبي كريم: إسماعيل وإسحاق، فمن هو هذا الذي لم يسمه الله في هذه الآية؟ قالت جمهرة من العلماء: إن الذبيح هو إسحاق بن سارة، وهو كلام تلقف من اليهود، وأخذ من كعب الأحبار ولا أصل له، والقرآن محتو على تفسير آياته لمن تمعن وتفكر، والذي يتفكر يجزم أن الذبيح هو إسماعيل، وممن قال هذا القول: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وروي عن ابن عباس خلاف في هذا القول، فروي عنه أنه إسحاق، وروي عنه أنه إسماعيل، وهو رأي جماعة من التابعين كذلك، والأدلة القاطعة على هذا: أولاً: إسماعيل هو الذي كان هنا في مكة، والذبح وقع في منى عند المنحر، وكان ذلك أيضاً وقت الحج عندما ذهب الشيطان في صورة إنسان إلى أمه هاجر، فقال لها: يا هاجر! أين ذهب إبراهيم بابنه إسماعيل؟ قالت: ذهب لحاجته، قال لها: لم يذهب لحاجته وإنما ذهب ليذبحه قالت: لم يذبحه؟ قال: يزعم بأن ربه أمره بذلك فقالت: إن كان ربه أمره فأمر الله لابد أن يطاع وصبر جميل.
فأيس منها فذهب إلى إبراهيم فقال: يا إبراهيم! أين تذهب بولدك؟ قال: لحاجة، قال: بل تريد أن تذبحه، قال: كيف عرفت ذلك؟ قال: أدركت بأنك زعمت أنك رأيت رؤيا بقتله، قال: إن كان ربي أمرني فسأنفذ أمر ربي.
فذهب إلى الوليد فقال: يا إسماعيل! -وكان خلف أبيه- أين أنت ذاهب مع أبيك؟ قال: لحاجتنا.
قال: لا، يريد أن يذبحك قال: لم يذبحني؟ قال: لأنه زعم أنه رأى رؤيا قال: إذا رأى رؤيا وربه أمره فأمر ربنا مطاع.
فذهب إلى أصل الرجم الذي لا نزال نرجمه بالخذف في ذلك الموضع إلى يومنا، فجاء الشيطان وظهر لإبراهيم عند جمرة العقبة، فعندما رآه إبراهيم وإسماعيل قذفاه بسبع حصيات، فذهب إلى الجمرة الوسطى فرمياه وقذفاه بسبع حصيات، فذهب إلى الجمرة الكبرى، فقذفاه ورمياه بسبع حصيات، وكان هذا أصل الرمي، وبقي رمزاً على أن الحاج عندما يأتي عابداً ربه هذه العبادة التي لا تكون واجبة إلا مرة في العمر، فإنه يفعل فيها ما سبق أن فعله إبراهيم الذي بنى الكعبة ومعه ابنه إسماعيل، وهو الذي شرع بأمر ربه الحج ومناسكه، ولكن خزاعة وقريشاً بعد ذلك غيروا وبدلوا، فبقي الحج مغيراً مبدلاً إلى أن أعاده النبي ﵊ إلى ما كان عليه أيام إبراهيم إلا فيما أمره ربه به من شرائع جديدة فيه.
فكان من ذلك أن الحاج عندما يصل إلى منى، وعندما يصل إلى الجمرات يرمي الجمرات، والرمي: أن يقذف الشيطان بحصوات الخذف، ويرميه كذلك من نفسه، وينبذ وساوسه، ومعنى ذلك: أنه يستعين بالله وهو يرمي بهذه الحجرات، وينوي بما يقذفه من الحصيات أنه لن يطيع الشيطان بعد اليوم في شيء، ولن يخضع لوساوسه، ولن يخضع لفتنته، ولن يخضع لبلواه قط.
وبقي ذلك شرعاً إلى يوم القيامة عندما جاء نبينا ﵊ فأكد ذلك، وجعله من المناسك.
وفي نفس هذه الآيات سيأتي قول الله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات:١١٢]، فكانت هناك بشرى بولادة الغلام الحليم الذي لم يسم، ثم كانت بشرى بولد آخر وهو إسحاق، وهذه البشرى كانت في الأصل لامرأة إبراهيم سارة، كما في سورة هود في قصة قوم لوط عندما جاءت الملائكة إبراهيم تخبره بما أمرها ربها به بأن تجعل أرض قوم لوط عاليها سافلها عند البحيرة المنتنة من أرض فلسطين، وكانت سارة ترى الملائكة في صورة شباب ذوي نور، فأتاهم بعجل حنيذ مشوي فلم يأكلوا، فنكرهم وبعد ذلك علم أنهم رسل ربه إليه ليخبروه بما أمره به الله من عذاب قوم لوط وجعل أرضهم عاليها سافلها، وامرأته واقفة فضحكت، قال ربنا: ﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧١ - ٧٣] فهذه البشرى كانت لـ سارة من طريق الملائكة.
وأما إسماعيل فكان بشرى لإبراهيم وليس هو ولد سارة، والبشرى بإسحاق كانت لـ سارة.
﴿فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١].
أي: أن إسحاق سيلد يعقوب ﵉، إذاً: مع ذلك يؤمر إبراهيم بذبحه فلو ذبح وهو غلام قد بلغ السعي -كما قال ربنا في الآية- فمعنى ذلك: أن ما وعد الله به من أنه سيكون له ولد اسمه يعقوب أن هذا الوعد لا يمكن أن ينفذ، ولا يكون.
قال ربنا ﷻ عن إسماعيل: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤]، وليس لإسحاق وعد، ولكن الوعد كان من إسماعيل عندما قال له أبوه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، فوعد أباه بأنه خاضع ومستسلم لقضاء الله وهو يرجو الله أن يصبره.
واستسلم لقضاء الله، وبهذا استحق في هذه الآية أن يشيد الله به، وأن يرفع ذكره وأن يقول لنبيه ﵊ مما أصبح وحياً يتلى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤]، ثم إن إسحاق لم يكن إلا نبياً وكان إسماعيل نبياً رسولاً معاً.
كذلك قال الله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥].
فوصفه الله في هذه الآية بأنه من الصابرين، وهو الذي صبر على الذبح وعلى الاستسلام لقضاء الله، وعلى رؤيا والده، ولم يذكر لإسحاق شيئاً يصبر عليه، ولم يذكر لإسحاق وعداً ينفذه، كل هذا يدل الدلالة القاطعة في نفس القرآن الكريم، وخاصة وقد ذكر الله في الآيات المتتابعة ذكَر الغلام الذي لم يسم وذكر بعده الغلام الثاني واسمه إسحاق وأنه بشِّر به.
وأيضاً: يقول الله هنا: بأن هذا الدعاء من إبراهيم كان عندما أنقذ الله إبراهيم من النمرود وعاد مكره عليه فكان الأحقر، وكان الأذل والأخزى، وأنجى الله إبراهيم فترك البلاد وهو لا يزال يذكر بأنه شاب فتىً عندما جاءوا بالابن ووجدوا أن الأصنام قد كسرت، وأن الفأس وضعت في عنق كبيرهم أخذوا يتساءلون من فعل هذا؟ فقال قائلون: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء:٦٠] وصفوه بأنه فتى، وبمجرد ما وقع بينه وبينهم محاورة وأخذ وعطاء كما مضى تفصيل ذلك ذهبوا إلى التعصب لآلهتهم بعد أن عجزوا عن الدليل والبرهان: فأرادوا به مكراً يقول ربنا: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٧٠].
فكانوا الذين خسروا، وكانوا الذين جعلوا في الأسفل والأذل والأحقر، وكان إبراهيم الأعلى، بعد هذا مباشرة سلط الله على نمرود ناموسة صغيرة دخلت في أنفه فأخذت تدخل إلى مخه إلى أن أخذ يضرب رأسه بالحجارة إلى أن انفجر رأسه، وتفتت مخه، وذهب إلى نار الجحيم، ثم لم تطل المدة إلى أن ترك البلاد إبراهيم ولا يزال فتى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩].
إذاً: فاليقين أن الذبيح هو إسماعيل كما قطع بهذا ابن كثير وكما قطع بهذا البغوي، وكما قطع به الكثير من المفسرين، وكما قطع به ابن السبكي في رسالته القاطعة يقول: لا يمكن أن يكون حسب سياق القرآن أن الذبيح إلا إسماعيل والأمر هكذا.
أسلم يهودي وحسن إسلامه أيام عمر بن عبد العزيز ﵀، فجلس مرة عند عمر فسأله عمر؟ من الذبيح عندكم: أإسماعيل أو إسحاق؟ قال: يا أمير المؤمنين! أما اليهود فتقول: إسحاق، ولكنها كاذبة حسدت العرب أن يكون جدها هو الذبيح المنوه به في كتاب الله، فغيروا وبدلوا ذلك سواء في التوراة أو الإنجيل وقالوا: إسحاق.
وهذا بسند صحيح إلى عمر بن عبد العزيز، وهذا الذي أشاع بين الصحابة وبين التابعين وبين الكفرة: أن الذبيح إسحاق هو كعب الأحبار ووهب بن منبه، ونوف البكالي وكلهم من أصول يهودية، وبعضهم مشتبه في صدق إسلامه، بل إن كثيراً يروون عن كتبهم أشياء لم تذكر ألبتة، وكعب شكك في صدقه جماعة من كبار الصحابة كـ العباس بن عبد المطلب عم النبي ﵊ وعمر بن الخطاب وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن مسعود ومعاوية بن أبي سفيان.
إذا علمنا هذا والأمر كذلك فالحديث لا يصح سنده وإن كان معناه صحيحاً، وهو أن أحدهم جاء إلى رسول الله ﵊ وقال: (يا ابن الذبيحين!) فاستجاب له النبي ﷺ وكلمه، ولم يستنكر ذلك، وورد عنه أنه قال: (أنا ابن الذبيحين) فهو ابن إسماعيل ابن إبراهيم، والذبيح الثاني: هو أبوه عبد الله بن عبد المطلب.
قالوا: إن عبد المطلب لم يلد له ولد في الأولى فجعل عهداً بينه وبين ربه: أنه إذا ولد له عشرة أولاد أن يذبح أحدهم قرباناً إلى الله، فولد له عشرة أولاد وكان من العشرة: عبد الله والد النبي ﵊، فأراد ذبح واحد منهم، فجعل بينهم قرعة، فخرجت القرعة على عبد الله وكان عبد الله أحب أولاده إليه، فأعاد القرعة ففي كل مرة تخرج القرعة على عبد الله، وإذا بـ عبد المطلب يقول له عقلاء من قريش: اد
стр. 1758
تفسير قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين)
قال الله ﷻ : ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٣ - ١٠٥].
أخذ الولد وقد اتفقا على أن يخضع الولد والوالد للذبح، فلما استسلما لقضاء الله، ناداه الله أن قد صدقت الرؤيا.
قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ [الصافات:١٠٣] أي: أسلما نفسيهما واستسلما لقضاء الله، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: طرحه على جبينه، وكبه على وجهه لكي لا يرى وجهه وعينه عند الذبح فيرحمه، فأراد ذبحه من قفاه، وقد قالوا: إن الولد أخذ يقول له: يا أبت! أخف عينيك وارمني على جبهتي لكي لا ترحمني، ولكي لا أفر، فقال الله ﷻ : ﴿وَنَادَيْنَاهُ) [الصافات:١٠٤]، قالوا: الواو هنا مقحمة صلة، أي: ناديناه في حال أخذه السكين ليذبحه: ((أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥]، قد امتثلت لأمر ربك، وذبحت ولدك، ولكننا لم نفعل، فلا يراد من هذا إلا ابتلاؤك واختبار ولدك.
قالوا: فعندما أخذ السكين ليذبحه إذا بالسكين تذبح عنقاً من نحاس أو حديد، وأخذت السكين تنطوي في يده لم تؤثر ولم تذبح.
ومن هنا يقول علماؤنا: إن السكين لا تذبح إلا بإرادة الله وليس بأثر منها، ولا بطبيعة فيها، وإنما عندها لا بها، وإلا فالحياة بيد الله والممات بيد الله، وإن شاء الله حياة الإنسان فمهما جرى عليه فلن يموت، ونعم الحارس الأجل، فهذه السكين بعد أن براها، وبعد أن جعلها كأنها سيف مهند، وضعها على رقبة ولده، فكأنه يضعها على نحاس أو حديد أو صخر، فلم تذبح ولم تؤثر، وإذا به يناديه ربه: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥] فأنت ذبحت ولكننا لا نريد ذبحه، ولا نريد موته؛ لأن إسماعيل سيكون من سلالته بعد ذلك محمد سيد البشر وخاتم الأنبياء، ولو ذبح إسماعيل لما كان محمد، ولذلك جعل الله ﷻ لإسماعيل من المعجزات والآيات الباهرات ما كانت معجزات له، وكانت إرهاصات لما يحمله في صلبه من سيد البشر محمد صلى الله عليه وعلى آله.
قوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٥] يقال: رؤيا، ورؤية، الرؤية: بالتاء المربوطة رؤية البصر، والرؤيا هكذا بالألف المقصورة تكون للرؤيا المنامية، وكانت الحادثة عند المنحر في منى، ولذلك شرع لنا أن تكون الهدايا والمنحورات هناك، وأن تكون المذبوحات عند منى.
قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥] أي: كما أنجينا إبراهيم من ذبحه لولده، وأنجينا إسماعيل، وفرجنا عنهما همهما وكربهما، حيث استسلما لله الواحد الأحد فرضيا بقضاء الله مستسلمين، فكذلك العبد الصالح إذا استسلم لقضاء الله وأمره أنقذه الله في آخر لحظة وفي آخر ساعة، ومن يتق ويصبر فالله ﷻ يفرج غمه، ويكشف كربه، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وينقذه من عدوه مهما كان، وهذا ما حدث كثيراً للماضين والحاضرين، فقد يأتي البلاء ويحيط بالإنسان فينادي يا رب! فيفرج الله عنه، وكما حصل لأحد الوزراء الطيبين من حكومتنا هنا عندما اختطفت الطائرة وكانوا في مؤتمر بسوريا، وأرادوا ذبحه وقتله، يقول: وقد أعلن ذلك على الملأ، ففكرت وأنا أتلو القرآن ما جرى للنبي الصابر عندما قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين قال: عندما تذكر ذلك وأنه عندما دعا الله وتضرع إليه فرج همه، يقول: ما وجدت أقرب إلى نفسي من هذا، وهو من أدعية تفريج الكروب وزوال الهموم، فما دعا به مكروب إلا وأذهب الله بلاءه واستجاب له ونصره، قال: فأخذت أردد في نفسي: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وعدوه الذي اختطف الطائرة أخذ يحدثه: كيف سأقتلك؟ وكيف سأذبحك؟ وماذا سأصنع بك؟ وإذا بالله ينقذه من حيث لا يحتسب، وهكذا يقول ربنا كذلك: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٤ - ١٠٥].
أي: كل من فعل فِعل إبراهيم، وفعل فِعل إسماعيل، فاستسلم لقضاء الله وأمر الله، فإن الله ﷻ يكشف كربه ويزيل همه، ويرزقه من حيث لا يحتسب، يرزقه النصر ويرزقه النجاة.
стр. 1759
تفسير قوله تعالى: (إن هذا لهو البلاء المبين)
يقول الله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٦ - ١٠٧].
أي: إن هذا لهو البلاء الظاهر، والاختبار البين، فبلاء عظيم أن يؤمر أب بذبح ابنه، ولكن إبراهيم وإسماعيل استسلما لهذا البلاء، فسلم إسماعيل عنقه، وسلم إبراهيم ولده، وذهبا لتنفيذ قضاء الله، ولا يسع المسلم سوى ذلك، فالله ﷻ يبتلي ويعافي، فقد ابتلى هذين النبيين واختبرهما وبعد أن اختبرهما وجدهما صادقين ومطيعين، فإذا بالسكين لم تؤثر ولم تذبح.
قال ربنا: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧].
ذبح أي: مذبوح، فداه الله بكبش عظيم، قالوا: هذا الكبش هو الذي كان قدمه أحد ابني آدم قرباناً فتقبل منه ولم يتقبل من أخيه في قصة قابيل وهابيل، وإذا بالله الكريم يحييه في الجنة فيرتع في خيراتها وثمارها وفواكهها، فأمر جبريل أن يأتي به من الجنة، ووضعه عند إبراهيم عند جبل كبير، فجرى إليه وأتى به وكان هذا الكبش أبيض أعين ذا قرنين، وهكذا جرت سنة الضحايا، فقد (ضحى رسول الله ﵊ بكبشين أقرنين أعينين، يأكلان في سواد، وينظران في سواد، ويمشيان في سواد).
(يأكل في سواد) أي: ثغره أسود الشعر، (وينظر في سواد) أي: كان الشعر المحيط بعينيه أسود، (ويمشي في سواد) أي: كانت أرجل هذين الكبشين سوداء الشعر، وأصبحت هذه الصفة في ضحايا العيد أفضلها وأكرمها.
فقد كان هذا الكبش عظيماً سميناً؛ لأنه عاش في الجنة دهراً، وتقبل قرباناً من أحد ابني آدم.
قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:٧٨] يقول ابن عباس: لقد جاء الإسلام وإني لأرى رأس هذا الكبش معلقاً عند ميزاب الكعبة قد يبس ووحش.
ويقول الشعبي: أدركت أنا هذا.
وبقي إلى أن احترقت الكعبة فاحترق الرأس معها.
وجاء الأصمعي إلى أبي عمرو بن العلاء فقال: يا أبا عمرو! أي الذبيحين في ابني إبراهيم: أإسماعيل أو إسحاق؟ قال: يا أصيمع! أين ذهب عقلك؟ أين كان إسحاق؟ إسحاق لم يأت الحجاز قط، إسحاق كان في أرض كنعان أرض الشام، كان مع أمه، والذي كان في الحجاز، والذي بنى مع أبيه الكعبة، والذي انفرد بذلك وكان أبا العرب بعد ذلك هو إسماعيل.
فإسماعيل هو الذي أريد ذبحه عند منى، ورؤياه كانت هناك، ولذلك بقي هذا الكبش معلقاً في الكعبة مدة هذه القرون إلى أن رآه ابن عباس في صدر الإسلام، وبقي إلى أيام الشعبي وكان في القرن الثالث ورآه، فأين إسحاق من كل هذا؟ إذاً: فالذبيح بالقطع واليقين كما يعبر كثير من الأعلام كـ ابن كثير والبغوي والسدي وآخرون، هو إسماعيل.
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:٧٨] أي: ترك الذكر الطيب لإبراهيم في الآخرين، وإبراهيم كذلك ممن تؤمن به جميع الأديان وتذكره جميع الأديان -اليهودية والنصرانية والإسلام- بالرضا والسلام، ويصونونه بالاحترام والتقدير، وأكد هذا القرآن فرفع ذكره وأعلى اسمه، حتى إن المجوس تجد أشرافهم وكبارهم بالنسبة لهم يسمونهم: البراهمة؛ نسبة إلى إبراهيم.
стр. 1760
تفسير قوله تعالى: (سلام على إبراهيم)
قال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيّاً مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٩ - ١١٢]، يسلم الله على إبراهيم، ونحن نسلم مع ربنا، نقول: السلام والصلاة على إبراهيم وولد إبراهيم محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليهم جميعاً وسلم.
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١١٠]، الجزاء الأول جزاء المحسنين بإنقاذهم من البلاء ومن الغم ومن الهم، فقد أنقذه الله من الذبح في آخر ساعة، كذلك الذي أحسن الطاعة لربه عبادة وإيماناً به وإيماناً بنبيه، يرفع الله ذكره في الصالحين، ويذكر بالخيرات، كصحابة رسول الله وأئمة شريعتنا، فنحن إذا ذكرنا الصحابة قلنا: ﵃، فهذا ذكرهم العالي، وإذا قلنا الإمام مالك أو الإمام الشافعي أو الإمام أبو حنيفة أو الإمام أحمد وأمثالهم قلنا: ﵏، وهم كذلك رفع الله ذكرهم، وكانوا كذلك ممن أحسنوا دينهم، ونشروا الدعوة لربهم، ونشروا شريعة نبيهم صلى الله عليه وعلى آله، فجوزوا جزاء الأولين بالرحمة والرضا، والذكر بالصالحات والطيبات.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١١١]، إن إبراهيم من عباد الله الصادقين الإيمان، الصادقين الإسلام، الذين آمنوا بربهم وآمنوا بأنبيائهم السابقين، وآمن بنفسه نبياً ورسولاً وخليلاً لربه، فالله أشاد به كما أشاد بالأنبياء.
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١١٢] كان هذا بعد أن بشر بالغلام الحليم الذي هو الذبيح إسماعيل، وكانت البشرى الأولى بطلب إبراهيم عندما دعا ربه، قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]، وكانت البشرى بإسحاق بلا طلب.
جاءت ملائكة الرحمن لتبلغ إبراهيم خليل الله بما سيفعلونه بقوم لوط، وكانت المرأة واقفة فضحكت، وفسروا الضحك هنا بالحيض، ولا حاجة لذلك، بل ضحكت وابتسمت وإذا بالملائكة يتبسمون إليها ويبشرونها، فهي لم تطلب ذلك ولم تدع له، ولم يطلبه إبراهيم قبلها، بدليل أنها تعجبت ولم تكن حينها فيمن يلد، ولم يكن زوجها فيمن ولدوا، فضحكت: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧١ - ٧٢]، فكانت البشرى منحة وكرامة، فقد بشرت سارة لصبرها مع إبراهيم، وما لقيت مع إبراهيم، وكانت قد أسنت وعجزت وكبر زوجها وشاخ، ومع ذلك تفضل الله عليها وأرسل الملائكة تبشرها بإسحاق.
قالوا: وإسحاق ولد بعد أن تجاوز إبراهيم المائة، والقرآن قال: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢]، والشيخوخة في ذلك العصر تكون أحياناً في المائتين، فقد كانوا يعمرون كثيراً، يعيشون الثلاثة والأربعة من القرون، ونجد هذا لا يزال في التوراة، ولا يزال في الإنجيل، ويؤكد ذلك ويصدقه القرآن، عندما يقص عن نوح: أنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فمعنى ذلك بلغ من السنين ما لا يكاد يصل إليه أحد من الأمة المحمدية؛ لأن الأمة المحمدية يقول عنها ﵊: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل من يتجاوز ذلك).
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١١٢] بشره الله بولادته ثم بكبره إلى أن يصبح نبياً، وإلى أن يكون من الصالحين، فإسماعيل أفضل منه، لأنه كان نبياً فقط، أما إسماعيل فكان نبياً رسولاً، والنبي هو عبد لله أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، كذلك كان إسحاق، والرسول هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.
قال: (مِنَ الصَّالِحِينَ) وكل نبي صالح وكل رسول صالح، ولكن إشادة الله به في كتابه، وإعلاء ذكره، والتنويه به يدل على أنه كان في رفقة من الصالحين.
стр. 1761
تفسير قوله تعالى: (وباركنا عليه وعلى إسحاق)
قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣].
أي: بارك على إبراهيم فجعل جميع الأنبياء بعده من سلالته، وبارك في إسحاق بأن جعل بني إسرائيل من بني إسحاق، ويعقوب هو إسرائيل، وقيل: بل هو إسحاق، كذلك قال ابن مسعود، وهذا مفروغ منه.
وكلهم ينتسبون إلى إبراهيم، ففي الأحاديث الصحيحة المتواترة: أن النبي ﷺ نسب نفسه على المنبر فقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إلى أن رفع نسبه إلى عدنان، ثم قال فيما بعد عدنان: (كذب النسابون)، وقد ذكر نسب عدنان إلى إبراهيم إلى نوح إلى آدم، ولكن النبي لم يصدقهم، ولكن عاد فقال: (وعدنان هو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، فأنا ابن إسماعيل بن إبراهيم) ولذلك لما أسري به في السماء ليلة المعراج، رأى جده إبراهيم فالنبي ناداه: يا أبت! وإبراهيم قال للنبي: يا بني! وهذا أيضاً من الأحاديث المتواترة الصحيحة، وهذا ليس موضع نزاع.
قوله: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ) على إبراهيم، والبركة: النماء والزيادة، فكان من النماء والزيادة أن إبراهيم كان نبياً رسولاً خليلاً، وكان أحد ولديه نبياً رسولاً، والثاني كان نبياً، ومن سلالتهما كان أنبياء الله جميعاً، أنبياء بني إسرائيل، وسيد الأنبياء رسولنا ونبينا ﵊.
(وَعَلَى إِسْحَاقَ) وكذلك إسحاق، فالنماء والبركة في سلالته ذلك.
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا) ذرية إسحاق منه إلى عيسى ﵇، وذرية إبراهيم إلى إسماعيل، وإلى إسحاق وذريتهما إلى نبينا ﵊.
قال ربنا: (مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) أي: سيكون في سلالة هؤلاء أولاد، لكن منهم محسن، أي: موحد ومؤمن، ومنهم ظالم لنفسه أي: مشرك ظاهر الكفر، فنعوذ بالله من الخذلان، أي: فكما يكون هذا في بني إسرائيل فهو أيضاً في العرب، ولقد أرسل نبينا ﵊ بجزيرة العرب ثم للعالم كله، وكانوا وثنيين، وكان العالم كذلك، وأهل الكتاب كانوا قد بدلوا وغيروا، وانحرفوا كذلك إلى الكفر والشرك.
стр. 1762
تفسير قوله تعالى: (ولقد مننا على موسى وهارون)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات:١١٤ - ١١٨].
امتن ﷻ وتكرم وتنعم على موسى وهارون، كانت هذه المنة بأن جعل موسى نبياً رسولاً، وبأن جعل هارون نبياً رسولاً، وكان هارون رسولاً نبياً بطلب من أخيه، قال تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٢]، ولذلك قالوا: لا يوجد أخ في الدنيا قدم لأخيه كما فعله موسى لهارون، طلب له النبوءة والرسالة فاستجاب الله له.
قال: (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) نجاهما الله كما نجى قومهما، وأنقذهم ونصرهم وأذل أعداءهم.
والكرب العظيم: ما عاشه بنو إسرائيل تحت فرعون وهامان من الذل ومن الاستعباد، ومن الاستخدام في أرذل الأعمال، مع الهوان والتحقير والإيذاء والبطش، ومع قتل شبابهم وسبي نسائهم، ولذلك سمى الله ذلك: الكرب العظيم، أي: البلاء والشدة والمصيبة العظيمة، وتنوع العذاب من الخدمة إلى الاستعباد إلى القتل إلى كل ما لا يرضى به إنسان، فهو قد امتن أولاً بالرسالة والنبوة.
ثم قال: (وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) نجاهم من فرعون، ونجاهم من هامان، ونجاهم من الأقباط حيث كانوا يظلمون بني إسرائيل، وأنجى قومهما من بني إسرائيل، فأخرج بني إسرائيل من مصر وأخرج معهم جميع أموالهم، ومع ذلك بعد أن أنجاهم الله وأنقذهم أبوا إلا الكفر، فذهبوا يعبدون عجلاً صنعوه من ذهب، وخرجوا على هارون وكادوا يقتلونه، فبقوا في التيه أربعين عاماً.
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات:١١٦].
نصر الله موسى وهارون، ونصر قومهما فكانوا هم الغالبين، والمعركة كانت شديدة وكانت حامية بين بني إسرائيل والأقباط، فأذلوا من أذلوا، وقتلوا من قتلوا، وتملكوا من تملكوا، وأخذوا مال من أخذوا، إلى أن أنقذهم الله بنبيين منهم: موسى وهارون، وأنقذ موسى وهارون كذلك من بلاء القبط وفرعون وهامان، إلى أن انتصروا عليهم، وخرجوا من بلادهم وأخذوا أموالهم، وغرق فرعون وجنده أذلاء مقهورين مغلوبين على أمرهم.
ولم يقدر ذلك بنو إسرائيل، بل بعد أشهر ارتد منهم من ارتد، وجاء السامري فجعل لهم عجلاً جسداً له خوار، وقال لبني إسرائيل: هذا إلهكم وإله موسى، وجعل فيه حيلة، فقد ثقب من دبره إلى فيه، ثم وضعه في مجرى الريح والهواء، فصار الهواء كلما دخل من فمه أحدث صوتاً، وحدث هذا لما ذهب موسى للقاء ربه في جبل الطور، وهكذا أصبحوا وثنيين مرة أخرى، فعوقبوا بأن تاهوا في الصحاري أربعين سنة.
стр. 1763
تفسير سورة الصافات [١١٤ - ١٣٢]
من أنواع العلوم التي اشتمل عليها القرآن قصص الأولين مع أنبيائهم، وما فيها من العظة والاعتبار، حيث يقيم الله تعالى الحجة على خلقه بإرسال الرسل، فيصبرون على أقوامهم وما يواجهونهم به من أذى ثم تكون العاقبة لأنبياء الله ومن تبعهم من المؤمنين.
стр. 1764
تفسير قوله تعالى: (ولقد مننا على موسى وهارون)
قال ربنا ﷻ : ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات:١١٤ - ١١٨].
بعد أن تكلمنا شارحين لقصص الأنبياء السابقين: نوح وإبراهيم ﵉، فالآن ننتقل لقصة موسى وهارون، وقد مضى ذلك في سورة الأنبياء مفصلاً، والله ﷻ أعاد ذكرها هنا مختصرة وملخصه؛ ذكرى للمؤمنين، وجزاء لمن صنع كما صنع هؤلاء الأقوام في المكر ومحاربة أوليائه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١١٤].
يذكر الله ﷻ إفضاله ومنته وتكرمه على موسى وهارون النبيين الكريمين من أنبياء بني إسرائيل حين بعثهما لفرعون وقومه ليدعواهم إلى عبادة الله الواحد، وترك عبادة الأصنام، وإلى ترك قوم موسى وهارون بأن يرسلهم معهما فيخرجوا من ذل وهوان فرعون وقومه، ويذكر الله هذا ممتناً به على هذين النبيين الكريمين، وعلى قومهما كذلك، فيقول: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:١١٤ - ١١٥].
فقد كان من الإفضال والتكريم أن نجى الله موسى وأنقذه، ونجى هارون وأنقذه، ونجى قومهما بني إسرائيل، ونجى الجميع من ذل فرعون وقومه: من استعبادهم، وقتل شبابهم وترك نسائهم، بما لا تكاد تطيقه الجبال من هوانهم عليهم وإذلالهم لهم، فأنجاهم الله وأنقذ النبيين الكريمين وأنقذ قومهما كذلك ونصرهما ونصر قومهما النصر العزيز المؤزر.
فقال ربنا ﷻ : ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات:١١٦] أي: نصر النبيين الكريمين ونصر قومهما من بني إسرائيل، فاستطاعوا بغلبة الله ونصره ومنه أن ينقذوا من ظلم فرعون وقومه، فأنقذوهم مما كانوا فيه من العبودية، ومن الذل والهوان.
وقد قطع بنو إسرائيل بقيادة موسى وهارون أرض مصر إلى سيناء، إلى ما كانوا يرغبون من الوصول إليه، وتبعهم فرعون وجنده فكانوا من المغرقين، والقصة بتمامها مضت ولكن العبرة فيما ذكر الله في هذه الآيات بأن هذا ليس خاصاً بهم، بل هو عام في من عبد الله ووحده ودعاه ﷻ بأن ينقذه من ذل وقهر القاهرين، وغلبة الغالبين.
وهكذا نصر الله بني إسرائيل بأن تركوا مصر، وأغرق عدوهم فرعون، وورث بنو إسرائيل جميع أمواله، ولكن مع ذلك فإن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل في تاريخهم القديم والحديث، فما كادوا ينقذون من فرعون حتى عادوا للوثنية فعبدوا العجل واتبعوا السامري، وكان موسى غائباً لميعاد ربه، وقد جعل لهم السامري عجلاً جسداً له خوار من الحلية والذهب، وجعل من دبره إلى فيه فارغاً ونصبه في مجرى الرياح، فكانت إذا جرت الرياح صوّت، فكان يقول لهم: هذا صوت إلهكم، وهذا إلهكم وإله موسى فنسي، فعوقبوا على ذلك بأن تاهوا في أرض سيناء أربعين عاماً، حتى إن موسى لم يصل إلى القدس، بل مات وهو لا يزال في ضواحيها، وقد رآه النبي ﵊ ليلة الإسراء أن روحه تصلي في قبره، عند الكثيب الأحمر يقول: (لو كنت حاضراً لأريتكم ذلك).
قال تعالى: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ) ثم بعد ذلك أنزل الله عليهما كتابه التوراة المستبين الظاهر النير الواضح في معانيه، البين فيما فيه من عقائد التوحيد ومن أحكام الحلال والحرام، ولكنهم مع ذلك أبوا إلا التبديل والتغيير والتحريف، فغيروا كتاب الله المنزل عليهم، غيره الأتباع المؤمنون الذين نافقوا وكذبوا، فجعلوا من أنفسهم من يعبد العجل، وجعلوا من أنفسهم أبناءً لله، كما قال ربنا ﷻ حاكياً عنهم بعد أن حرفوا وبدلوا وغيروا، قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]، فقد كذبوا وفجروا بذلك؛ ولذلك قال الله لنبينا: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة:١٨] أي: لو كنتم أحباب الله وأبناءه فلم عذبكم؟ ولم خلدكم في النار؟ وكما قال ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فالشرك لا يغفر والكفر لا يغفر، والردة والجحود والخروج عن توحيد الله وعن الإيمان بأنبياء الله ورسله لا يغفر، ولا يغفر لمشرك قط، ولما كانوا كذلك فهم في النار خالدون وحرم الله الجنة على الكافرين.
فقوله: (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ) أي: التوراة البين الواضح النير.
قوله: (وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي: هدى موسى وهارون للصراط المستقيم، للطريق الذي لا عوج فيه ولا أمت، هداهم بالأقوال كما هداهم بالأفعال، وهداهم ليدعوا غيرهما لذلك، فقد دعا موسى وهارون قومهما للإيمان بالله الواحد وترك عبادة الأوثان، وترك عبادة الأصنام وكانوا في ذلك من الهادين المهديين ومن الدعاة إلى الله قولاً وعملاً وذلك ما امتن الله به عليهما، ويحرض الله المؤمنين بأن يعملوا بعملهما وأن يدعوا دعوتهما؛ ليجازيهم الله بما جازى به هذين النبيين من نصرهما، ومن إنقاذهما من عدوهما، ومن هدايتها إلى الصراط المستقيم.
стр. 1765
تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليهما في الآخرين)
قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١١٩ - ١٢٢] أي: ترك على هذين النبيين ذكراً حسناً، وثناءً عطراً في كتاب الله، فموضع موسى وهارون عند النصارى وعند المسلمين موضع تكريم وثناء وإجلال، وبقي تكريمهما في الكتابين على ما فيهما من تغيير وتبديل، وثبت تكريمهما وإجلالهما في القرآن العظيم المهيمن على ما سبقه من كتب الله.
فقوله: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ) أي: ترك عليهما في الأجيال اللاحقة بعدهما ذكراً حسناً وثناءً عطراً، وأنهما النبيان الكريمان الصالحان المصلحان، الداعيان إلى الله الهاديان المهديان.
فقوله: (فِي الآخِرِينَ) أي: الذين يأتون بعدهم.
قال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١٢٠].
فالله ﷻ سلم على موسى وهارون، وسلام الله رحمته ورضاه ومغفرته تأمين من العذاب والغضب وتأمين من اللعنة والبعد عن الله، فكانا من الآمنين السابقين المرضيين، وكانا من الخالدين في الجنان إلى ما لا نهاية.
وذلك أيضاً أدب لنا، أننا إذا ذكرنا أنبياء الله أن نسلم عليهم وأن نصلي، قال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:٥٩]، فنسلم على نبينا بالدرجة الأولى، ونسلم على إخوانه من أنبياء الله السابقين، ونؤمن بهم أنهم عباد الله المكرمون، وأنهم عباد الله المعصومون، وأنهم أنبياء إلى أقوامهم، نصدقهم في ذلك؛ لأن القرآن أسرد ذلك وهيمن عليه وصدقه.
قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٢١].
هذا هو المغزى من العبرة والقصة، أن الله جل وعلا يخبر أنه كما أنقذ موسى وهارون وقومهما عندما عبدا وأطاعا ودعوا قومهما إلى الله ولأن يكونوا مطيعين عابدين مستقيمين صالحين مطيعين، كذلك من آمن إيمانهم واستسلم استسلامهم، وصبر صبرهم يجازيه الله بالنصر وبالتأييد على الأعداء، وبالعاقبة له دون أعدائه.
إنا كذلك كما نصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وقومه ونجيناهم من عذابهم ومن الكرب العظيم والبلاء والغم الذي كانوا فيه، كذلك من فعل فعلهم وآمن إيمانهم، واهتدى هدايتهم ننقذه وننجيه وننصره، وكذلك تكون العاقبة له.
قوله: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٢٢].
أي: إن موسى وهارون كانا من عباد الله المؤمنين بالله رباً، والمؤمنين بأنهما نبيان كريمان، والمؤمنين بالدار الآخرة وبيوم البعث والنشور، إما إلى جنة وإما إلى نار، ولذلك ذكر من القصة جزءاً منها لهذا المعنى.
فكذلك من صنع صنيعهما وآمن إيمانهما، واعتمد على الله اعتمادهما ننجيه وننقذه وننصره، ونخلد اسمه في الخالدين، فيترحم عليه إلى يوم البعث والنشور.
стр. 1766
تفسير قوله تعالى: (وإن إلياس لمن المرسلين)
ثم عاد ربنا ﷻ يقص علينا قصة إلياس مختصرة لما يوجد فيها من العبرة، وغالب هذه القصص مطولة وردت في سورة الأنبياء.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:١٢٣ - ١٢٦].
يقول الله لنا: كما أن نوحاً وإبراهيم وموسى وهارون أنبياء لله مكرمون، كانوا صادقين عندما جاءوا أقوامهم يدعونهم إلى الله ويقولون لهم: إنا أرسلنا من ربنا إليكم ندعوكم لعبادته وترك الشركاء معه، كذلك إلياس من المرسلين.
يقول الله تعالى: (وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي: إن إلياس كذلك من رسل الله الذين أرسلهم الله إلى أقوامهم، فقد أرسل الله إلياس إلى قومه طائفة من الناس، قالوا: أرسله إلى قرية بعلبك، ولا تزال آثار هذه القرية وأجزاء منها إلى اليوم، مع أنه قطعت أقطار المسلمين وجزئت أحزاباً وشيعاً وسميت لبنان، وليس كل ذلك إلا أرض الشام، فلبنان وسوريا وفلسطين والأردن والجزء الآخر الذي يحتله إخوة القردة والخنازير كل ذلك أرض الشام، فالاسم سوريا وضع من قبل الأقليات الكافرة بالاتفاق مع المستعمرين، وإلا فسوريا هو اسم روماني، سماها بهذه التسمية هرقل، وذلك حين طرده عمر والصحابة رضوان الله عليهم عندما دخلوا الشام فاتحين، فخرج هرقل ووقف على أبواب الشام وقال: سلام يا سوريا! سلام الأبد، سلام مودع، ومنذ ذلك اليوم أصبحت تسمى بأرض الشام، كما كانت تسمى عند العرب القدامى.
وما لبنان إلا اسم من جبل، وكذلك الأسماء التي وزعت على شيع وأحزاب، كل ذلك جزء من أرض الشام، وجزء من أرض الإسلام، والإسلام لا يعترف إلا بأمة واحدة ودين واحد ونبي واحد ورب واحد، وإنما هذه الأجزاء جاءت بسبب الظالمين السابقين وأعداء الله المستعمرين، وبعلبك وصفوها بأنها قرية في غرب الشام، قالوا: إن إلياس أرسل إليهم، وأكثر الأخبار عن الأنبياء هي أخبار عن بني إسرائيل، لكن لم تصدقه آية قرآنية، فيبقى ذلك كلاماً يقال ولا يعتمد عليه.
وقد كان قوم إلياس يعبدون صنماً اسمه بعل، وقيل: إنه اسم امرأة، وقيل: اسم رجل.
قال إلياس: يا قومنا ألا تخافون الله؟! ألا تتقونه؟! ألا تجعلون وقاية بينكم وبين غضبه وعقابه وعذابه، بأن توحدوا الله، وتؤمنوا به، وتتركوا أوثانكم وأصنامكم، فاتركوها وانبذوها فإنها لا تضر ولا تنفع؛ ولذلك قال لهم: (أَلا تَتَّقُونَ).
وقوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي: أتعبدون بعلاً، والدعاء هو العبادة؛ ولذلك ورد في الحديث النبوي: (الدعاء مخ العبادة).
فقوله: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا) أي: أتعبدون هذا الصنم المسمى (بعل)، والبعل في لغة العرب: الزوج.
قال تعالى: (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) أي: وتتركون عبادة أحسن الخالقين، وأحسن هنا بمعنى: حسن، وليست على باب التفضيل الذي يقتضي المشاركة والزيادة، فالبعل صنم لا يضر ولا ينفع ولا يوازن، لا في زيادة ولا في أفضلية، ولكن التعابير العربية كذلك، وبلغة العرب نزل القرآن الكريم وبلهجة قريش خاصة.
فقوله: (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) أي: أتدعون الخالق الحسن الحق، أتتركون الخالق لكم وللبعل، ولكل ما يوجد في الكون، فالكل خلق الله، والكل عبد الله، والكل آت لله عبداً.
قال تعالى: (اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ).
فبأحسن الخالقين هو الله ﷻ ، بل هو القابض المنفرد بالحسن والخلق، والقدرة، والوحدانية، وكل ما يذكر في الأصنام من ضر ونفع إنما هي كذب وزور وأسماء سماها هؤلاء وأخذوها واخترعوها، ما أنزل الله بها من سلطان، فهو يدعوهم إلى ربهم ورب آبائهم الأولين السابقين من آباء وأجداد وأمهات وآباء، فهو ربنا ورب آبائنا وهو رب الخلق كلهم، ورب من في السماوات ومن في الأرض وما بينهما.
стр. 1767
تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فإنهم لمحضرون)
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٢٧]: كذبوه ولم يؤمنوا به.
فقوله: (فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) أي: محضرون للعذاب، سيحيون مرة ثانية يوم البعث، ويحاسبون على ما قدمت أيديهم، ويطال حسابهم، ويعذبون في ذلك، ثم يساقون على وجوههم إلى النار وبئس المصير.
قيل: إن إلياس أرسل إلى عشيرته، فآمنوا زمناً وآمن ملكهم، ثم ارتد الملك وارتدت العشيرة، ففر منهم وغاب لمدة أربعين يوماً، ثم عادوا فآمنوا فعاد إليهم ثم ارتدوا، ثم دعا الله أن يخلصه منهم، وأن ينقذه منهم، فقيل له: اركب أي شيء تجده ولا تتهيب، فزعموا أنه رأى فرساً من نار فركبه، فطار به فتحول إنساناً بأجنحة كالملائكة وذهب به إلى السماء، فكان جندياً ملكياً أرضياً سماوياً، وعوض عن يديه بأجنحة من الملائكة، وأنه طال خلوده وتطول حياته إلى ما قبل البعث عندما يفنى الجميع، وزعموا أنه هو والخضر يعيشان في البراري والفيافي، وزعموا أنهما يجتمعان مرة في رمضان في المسجد الحرام، فيشربان من ماء زمزم شربة واحدة تكفيهما لسائر العام، ويلتقيان في موسم الحج عند عرفة.
وزعموا كما زعموا عن الخضر بأن إلياس اجتمع بنبينا ﵊، فسلم عليه وعانقه، وأكثر هذه الأخبار إسرائيليات لا تصدق، على أن بعض ذلك تسرب عند أبي عبد الله الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وفي سنن البيهقي الكبرى، ولكن الحفاظ قالوا: إن الأسانيد في ذلك غير صحيحة بل هي موضوعة، فلم يصححوا منها شيئاً أبداً.
مع أن الخضر هو نبي من الأنبياء كما هو الصحيح وطالت حياته، واختلفوا في الخضر: هل لا يزال حياً أو قد مات؟ فأكثر المحدثين أنه مات، وأكثر أصحاب الرقائق والآداب أنه حي ولا يزال، وهناك كثير ممن ذكر أنه رآه وأنه اجتمع به، والمحدثون يعتمدون على قول النبي ﵊ عندما قال لأصحابه وهو بينهم: (كل من على الأرض إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد) قالوا: فكان آخر ذلك هو أبو الطفيل عامر بن واثلة، كان وقت قول النبي ﵊ هذا الحديث ابن عام، ومات في بداية القرن الثاني عند خلافة عمر بن عبد العزيز ﵀.
ومن قال: إنه لا يزال حياً، قالوا: إن النبي يتكلم على من يراه الناس ويراهم، وإلا لأدخلنا الملائكة كذلك على أنهم لا يبقون بعد مائة عام، ولأدخلنا الجن وهم يعمرون كذلك، ونحن لا نجزم أننا اجتمعنا بـ الخضر ولا رأيناه، وإن كان بعض مجالسينا ذكروا أنه ذهب من هنا وجاء من هنا، ولكننا نحن لم نره، فعلم ذلك عند ربي في كتاب.
كذلك إلياس ورد أنه أصبح ملكياً إنسياً ذا أجنحة كالملائكة أرضياً سماوياً، وأكثر هذه الروايات عن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه، وعن نوف البكالي وهؤلاء من أصول يهودية، فعندما أسلموا -وبعضهم شك في إسلامهم- ملئوا الكتب شروحاً وتفاسير، بل بعضهم نسب للتوراة ما ليس فيه، واتخذ ذلك سلماً للاختراع والكذب، وقد حرص ابن كثير على أن يترك الإسرائيليات ولا يرويها، فإذا أشار إليها لشهرتها ليكذبها، ومع ذلك جاء من يذكر الإسرائيليات، وهي لا تضر القرآن بشيء؛ لأن تلك الدروس يزعمونها لأنفسهم ولا علاقة للقرآن الكريم بها، والتفاسير مهما كانت مدونة أو منصوصة هي في عهدة أصحابها، إن أصابوا فمن الله، وإن أخطئوا فمن أنفسهم، أقول هذا عن نفسي وأقوله عن أشياخي وعمن سبقهم.
فهي علوم يعلمها الله لمن شاء، فيصيب من يصيب ويخطئ من يخطئ، ولا يتأكد الصواب إلا بوحي أو بإجماع.
فإلياس كان نبياً من الأنبياء عد من الصالحين ورسولاً كريماً، أدى رسالته كما أمر، ثم مات كما مات البشر، أما كونه بقي فتلك روايات إسرائيلية تسللت إلى كتب الحديث، ولكن الحديث أيضاً له أسانيد يروى بها، فأقاويل رسول الله ﵊ حفظت -ولله الحمد- حفظاً قطعياً يقينياً، فنحن نروي ونقول: حدثنا فلان عن فلان، وقديماً قالوا: من ألف فقد استهدف، فمن أصبح راوياً تؤخذ ترجمته وتحلل عند الأقدمين في حياته: أصادق هو أو كاذب، أمجهول أو معروف، أعالم أو جاهل، أصائب أم يكثر خطؤه وأوهامه، فإن كان شيء من ذلك ينبذ هو وتنبذ جميع رواياته، حتى إن صح شيء منها؛ لاختلاطها بما لا يصح، ويصدر في كتاب كميزان الاعتدال للإمام الذهبي، ولسان الميزان للإمام الحافظ وغيرها ولكن هذين أشهرها، ولسان الميزان في ست مجلدات، وإن كان البعض أدخل لمجرد الكلام فيه، والمحدثون والحفاظ أكدوا وقطعوا بأن هذا الذي قيل في هذا الإمام زور وبهتان ولا حقيقة له ولا برهان عليه، فيكون إنما ذكر ليدافع عما قيل عنه.
والكتاب مفروغ منه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فالله قد تعهد بكتابه، ولم يتعهد بالتوراة الإنجيل، ولكن تعهد بحفظ القرآن، وهذه من المعجزات التي أدركناها وقد جئنا بعد الوحي بألف وأربعمائة عام، فكان ما نتلوه هو ما كان يتلوه النبي ﷺ والخلفاء الراشدون والصالحون من المؤمنين، بغير زيادة ولا نقص، لا في حركات ولا في مدود ولا في وقفات ولا في ترتيب سور ولا في حصر آيات، ولا نقول هذا لوحدنا، وإنما يقوله معنا الكفار كذلك يهوداً ونصارى مؤولين ومعطلين، ولو وجدوا شيئاً ينقص من قدره لقالوه، فكل ما قاله الكفار ورجعوا إليه أنه أعانه عليه قوم آخرون وذلك كذب وبهتان، وإلى الآن لم يقل أحد منهم: إنه زيد أو نقص أو بدل أو غير، أو إن القرآن الذي يتلوه الهنود غير الذي يتلوه المغاربة، وغير الذي يتلوه من في جزيرة العرب، لم يقل هذا لا مؤمن ولا كافر.
فقوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) أي: كذبه عشيرته وقومه، ولم يؤمنوا برسالته، فهددهم الله وأنذرهم بأنهم لمحضرون، أي: سيحضرون ويساقون سوقاً إلى عذاب الجحيم وبئس المصير، وستكون عاقبتهم عاقبة الكافرين قبلهم.
قال تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٢٨]، أي: إلا من آمن به على قلتهم، هؤلاء الذين أخلصهم الله لعبادته، وزالت شوائب الشرك والنفاق عنهم.
أو عباد الله (المخلصِين) الذين أخلصوا العبادة والتوحيد لله، بغير نفاق ولا مراءاة ولا تسميع.
وقوله: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) استثناء منقطع.
стр. 1768
تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين)
قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات:١٢٩ - ١٣٠] أي: ترك عليه الذكر الحسن، فقد مضت آلاف السنين ولا يزال إلياس يذكر الذكر الحسن وينوه به، ويصلى عليه ويسلم، كما يصلى على أنبياء الله المكرمين ورسله الصادقين.
قال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات:١٣٠].
(إِلْ يَاسِينَ) معناها: سلام على ياسين، والعرب تدخل أحياناً الألف واللام على الأعلام، مثل: عباس فتقول: العباس، وأحمد تقول: الأحمد، بشير تقول: البشير، وإلى اليوم يدخل المغاربة على الأعلام الألف واللام، ويقال عليها في النحو العربي: إنها للمح الأصل، فمن سمي ابنه علياً لا يزال يلمح أصلاً، رجاء أن يكون ولده على دين علي شجاعةً وإيماناً وصلاحاً وتقوىً وفصاحةً وبلاغةً، وهكذا يصنعون في الأعلام، وهي لهجة من لهجات العرب قديماً وحديثاً، ونطق بها القرآن، وبعضهم قال هكذا، والعرب كما تقول: (ياسين) تقول: (الياسين) و (إلياسين)، وكما تقول: (إسماعيل) تقول: (إسماعيلن) وتختم الكلمة بالنون، و (ميكائيل): (ميكائيلن) و (إدريس): (إدريسن) أما القراءة التي فيها (آل ياسين)، فالبعض قال: (آل ياسين) أي: من آمن به وأصبح من أهله وأتباعه وشيعته وأنصاره.
فقوله: ((سَلامٌ عَلَى آِلْ يَاسِينَ)) أي: سلام على ياسين وأتباعه وأنصاره من المؤمنين.
وقال القرطبي وابن كثير والبغوي والسيوطي: معنى (آل ياسين): آل النبي ﵊، وذهبوا إلى أن ياسين اسم من أسماء رسول الله ﵊، وسبق أن قلنا هذا في تفسير سورة ياسين، فقد قيل عنها الكثير في تفسيرها، وكان مما قيل: إن ياسين اسم من أسماء رسول الله ﷺ ، وإن ياسين معناها: يا سيد البشر! وليس هناك سيد للبشر إلا محمداً ﷺ ، فهو سيد الأولين والآخرين، وهو الذي قال عن نفسه كما في الصحيح: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) فإذا كان هو سيد ولد آدم يوم القيامة فهو سيد ولده في الدنيا من باب أولى وأحرى.
فقوله تعالى: (سَلامٌ عَلَى آِل يَاسِينَ) أي: سلام على آل بيت النبوءة ﵃، وصلى الله على جدهم وسلم.
وإن كان البغوي قد قال: لم يذكر النبي ﷺ في شيء من هذه الآيات، ولكن الآخرين قالوا: هذا الكلام خطاب للنبي ﷺ ، فهو مذكور من البداية والنهاية، فمعه الخطاب وإليه يوجه الكلام من الله ﷻ .
стр. 1769
تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين)
قال تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٣١ - ١٣٢].
أي: كما قال ربنا عن الأنبياء السابقين قال عن إلياس، ومن فعل فعله، وصبر صبره، ودعا دعوته، وأطاع طاعته جازاه الله بما جازى به إلياس؛ بخلود ذكره مع الخالدين والثناء عليه مع المؤمنين، وبقاء ذكره في الأجيال الآتية إلى يوم القيامة، والثناء الحسن والإشادة الطيبة.
وكذلك يفعل الله، وقد رأينا هذا، فهؤلاء الأئمة مالك والشافعي والشعبي وسفيان الثوري وغيرهم من المجتهدين ليسوا رسلاً ولا أنبياء، ولكنهم كانوا خلفاء رسول الله ﷺ ومحبيه، فدعوا الخلق والبشر إلى نشر العلم والتعلم والطاعة والتمسك بالإيمان، وكانوا من المسلمين المؤمنين، فجوزوا بما جازى الله به الأنبياء السابقين، فترك لهم ذكراً في الصالحين، فخلدوا مع الخالدين، فكلما ذكر واحد منهم يذكر بالثناء والإشادة والترحم، ومن هنا يقول ﵊: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
فهؤلاء الأئمة نشروا العلم وتنقل هذا العلم من تلاميذهم إلى تلاميذهم، ومن مؤلفاتهم إلى القارئين لها والدارسين فيها، وخلدوا بخلود ذلك، فكانوا من المحسنين الذين ترك الله لهم ذكراً في العالمين.
وكما ينص ربنا هنا عن كل نبي من هؤلاء الأنبياء فإنه قال: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) أي: كذلك إلياس كان من عباد الله المؤمنين بربهم، والمؤمنين برسله وكتبه، والأنبياء يرسلون إلى أنفسهم قبل أن يرسلوا إلى قومهم.
يخبر الله سبحانه نبينا ﵊، ويخبرنا معه أن نعطي كل ذي حق حقه، فإذا ذكرنا أنبياء الله احترمناهم وقدسناهم وصلينا عليهم، ولن نترك أحداً يذكرهم بسوء، بل نجعلهم القدوة والأسوة، قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وما ذكرهم الله ﷻ إلا ليكونوا منا مكان الأسوة والقدوة والإمامة، وقد ذكرهم سبحانه تنويهاً بهم، وإشادة لهم؛ وليصلى عليهم، وليدعى لهم في الآخرين، ولا يزال هذا منذ حياتهم إلى عصرنا وإلى ما بعد عصرنا إلى يوم القيامة.
وقد قيل: إن إلياس من بني إسرائيل، وليس ذلك مؤكداً، ولوط ليس من أنبياء بني إسرائيل؛ لأن إسرائيل هو يعقوب، ولوط ابن أخي إبراهيم، وكان في حياته وآمن به، ثم أرسل إلى قبائل سدوم -قبائل في فلسطين- فكان نبياً في حياة عمه إبراهيم ورسولاً.
قال تعالى: (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي: من المرسلين إلى أقوامهم، وكل الأنبياء السابقين إنما بعثوا إلى عشائر من أقوامهم فقط، فليس منهم نبي عالمي إلا نبينا خاتم الأنبياء ﵊.
ولذلك فديننا هو الوحيد الذي يوصف بأنه دين العالمين، وأما الأديان الأخرى فهي أديان قومية، وكل ما وصف به في هذا العصر بأن اليهودية ديانة عالمية، والنصرانية كذلك فهو كذب وبهتان، فنكذبه ويكذبه التوراة والإنجيل قبل القرآن ويكذبه النبي ﵊، قال ﵊: (كان الأنبياء قبلي يبعثون إلى أقوامهم خاصة، وبعثت إلى الناس كافة).
وفي الإنجيل يقول عيسى: أرسلت إلى خراف بني إسرائيل، الخراف الضالة، والقرآن يؤكد هذا: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٦]، فعيسى ليس رسولاً إلا إلى بني إسرائيل، ومن آمن به من غير اليهود فقد آمنوا بشيء لم يطلب منهم، ولم يؤمروا به.
وهؤلاء القوم أمر الله نبيه لوطاً بأن يعظهم ويخوفهم وينذرهم، فما زادوا إلا عتواً، حتى بلغ بهم الأمر أن جاء إليه ملائكة على صورة شباب مرد يخبرونه عن أمر الله بأن يترك البلدة، وأنه سيصيبهم جميعاً الخسف من الأرض، والرجم من السماء، وأن يتركهم من الآن فيخرج مع أهله، إلا امرأته فإنها كانت تبلغ قومه عندما يأتيه أحد من هؤلاء الشباب، وكانت كافرة ومجرمة كقومها، فعاقبها الله بعقابهم.
стр. 1770
تفسير سورة الصافات [١٣٣ - ١٤٤]
من رسل الله المكرمين سيدنا لوط ﵇، وقد دعا قومه إلى ترك الفاحشة فكذبوه وأرادوا إخراجه، فأنجاه الله ومن آمن معه ثم دمر الكافرين.
стр. 1771
تفسير قوله تعالى: (وإن لوطاً لمن المرسلين)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الصافات:١٣٣ - ١٣٤].
أي: أهله وأتباعه من المؤمنين الذين آمنوا به، وأما امرأته فهي التي استثنى الله في قوله: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات:١٣٥] أي: فيمن غبر ممن هلك من قومه، وممن لم يؤمن به من عشيرته ممن حق عليه كلمة العذاب.
وعندما أرسل الله جبريل حمل الأرض بما عليها فصعد بها إلى أن سمع أصوات نهيق الحمر ونباح الكلاب في السماء الأولى، ثم جعل عاليها سافلها فتدهدهت، ثم أرسل عليهم حجارة من سجين، فلم يبق فيها حي يتحرك، ولا نفس يتردد؛ ولذلك يمتن الله عليه وعلى عباده المؤمنين، لما أنقذهم من ذلك العذاب فقال تعالى: ((إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ)) أي: جميع من آمن به، وجميع أهله الذين أطاعوه وآمنوا به كذلك.
قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات:١٣٥] أي: إلا امرأة عجوزاً كانت تجسس على ضيوفه وتبلغ قومها بذلك، فهذه غبرت في الهالكين، ورجمت مع المرجومين، ولعنت مع الملعونين؛ لأنه ليس هناك تقوى، وليس هناك صلاح، وهذا ما قاله النبي ﵊ في بداية دعوته، حيث قال: يا آل فلان! يا آل فلان! يا فاطمة إني لا أغني عنك من الله شيئاً، ثم حذرهم أن يأتي الناس بالدين وبالصلاة وهم يأتون بالأحساب والأنساب! أما المؤمن الصالح من أهل البيت فالحسنة بحسنتين وأما الظالم الفاجر فالسيئة بسيئتين، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢] ثم جعل الله الحسنة بالحسنتين لمن انقاد له وأطاعه.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ﴾ [الصافات:١٣٦]، أي: هؤلاء الكافرون والمفسدون من أهل هذه الفاحشة دمرهم الله جميعاً، وأهلكهم بأشد أنواع الهلاك، والتدمير: هو الإهلاك المفني، والقضاء المبرم.
قوله: ((ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ)) أي: الآخرين من غير المؤمنين، والآخرين من أهله الذين لم يؤمنوا به، ومنهم هذه العجوز التي هلكت في الغابرين.
стр. 1772
تفسير قوله تعالى: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين)
ثم يقول ربنا ﷻ : ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات:١٣٧].
فأنتم ترونهم رأي العين، وأرضهم هي البحر الميت في الأردن وفلسطين، وهذه هي الأرض الميتة في ذلك الوقت إلى الآن، فلا يعيش فيها شيء، وليس فيها حياة لا أسماك ولا هوام، ورائحتها منتنة قذرة من ذلك الوقت، فقد أصابها من السماء من عذاب الله ما جعل ماءها عقيماً ميتاً لا يصلح للحياة، فالماء لا يصلح لشيء: لا يشرب منه الإنسان ولا الدواب، تلك البقعة هي التي سلط الله عليها ما سلط، ولا تزال تسمى: البحيرة الميتة والبحر الميت، والبحيرة المنتنة والبحر المنتن القذر ذو الروائح الكريهة، وكان ذلك في أرض سدوم وقبائلهم.
وقد زعم ملاحدة كفار ممن لا يؤمنون بالله أن الأولين عرفوا القنبلة الذرية، فجاءوا إلى هذه البقعة وأخذوا منها تراباً وأحجاراً وحللوها كيميائياً، فوجدوا فيها مادة الذرة، قالوا: وهذا دليل على أن الذرة قد عرفت عند الأولين، فالذي خلق الذرة في عصرنا هو الذي خلقها في الأول، فالله هو الذي عنده أنواع التدمير والإهلاك لمن كفر وأشرك به ﷻ ، وعنده أنواع النعيم لمن آمن به واتقى.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨] والخطاب للعرب، حيث كانوا يمرون للتجارة في تلك الأوقات من الليل والنهار.
وهذه الديار مقصودة في الحج، فيأتيها المسلم مرة في العمر، ويستحب أن يحج مرة في كل خمس سنوات، فالأغلب من هؤلاء الحجاج أنهم يمرون على أرض الأردن، وكل من يمر من هناك إلى اليوم يرى هذه البحيرة الميتة التي لا حياة فيها، ولا هوام فيها، ولا يستفاد منها بشيء، والعرب كانت لهم رحلتان، فكانوا يمرون عليها صباحاً ومساءً، فيرون آثار هذا التدمير السابق، ولعل اليوم في عصرنا الحديث إذا أرادوا أن يحفروا حفريات ويبحثوا عن الآثار يجدون من آثار حضارة هؤلاء بعض أوانيهم وألبستهم وعظامهم النخرة، وبعض الأشياء التي كانوا يعيشون عليها.
وهنا يخاطبهم الله بما ترى أعينهم، فقال: ((وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ)) أي: على مكان هؤلاء القوم، وصدق ربنا ﷻ ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨].
والخطاب للمشركين، فهل لهم من عقل يفكرون به؟ وهل لهم من عقل يتدبرون به أن الذي أصابهم هو من خلقهم، ورفع السماوات، وبسط الأرض، وأنبت ما أنبت، فمن أتى بهذا الماء؟ من خلقني؟ من أحياني؟ من جعل لي حياة وروحاً أتحرك بها، لابد أن يشغلوا عقولهم ليفكروا ساعة أفلا يعقلون؟ ولو كانوا يعقلون لما أشركوا، ولذلك فالمشركون كلهم سواء حتى من ادعى العلم أو الفلسفة أو المعرفة، فماداموا مشركين بالله فهم كما وصفهم القرآن كالأنعام بل هم أضل، فالدواب نستفيد من بطونها ولحومها، ونستفيد من ظهورها، ونستفيد من بعضها شرباً وحليباً، وتحملنا إلى أقاصي الدنيا، أما هؤلاء المشركون الذين هم أضل لا فائدة من حياتهم، لا نستفيد منهم إلا الضرر، والجناية ونشر الكفر، فوجودهم في باطن الأرض خير من وجودهم في ظاهرها، ولا ينشأ عنهم إلا الضرر.
стр. 1773
قصة يونس ﵇
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٢].
هذه قصة يونس بن متى، وقد مضى بعضها في سورة الأنبياء وسورة يونس، وقال ﵊ عن يونس: (لا تفضلوني على يونس بن متى) كما في الصحيح.
وبعضهم ذكر بأن متى أبوه والبعض ذكروا أن متى أمه، ولا قطع في ذلك.
ولم قال: لا تفضلوني على يونس بن متى؟ إن نبينا ﵊ لما عرج به إلى سدرة المنتهى، وتجاوز السماوات السبع، حيث وقف جبريل وتقدم محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وهناك ذكر الله ووحده، وما زاغ البصر وما طغى، وأتى بفريضة الصلاة، فمحمد ﵊ ذكر الله في أعلى عليين، ويونس ذكره في أسفل السافلين في عمق البحار.
ولكن ذكر الله هو ذكر الله سواء كان في الأعالي أو كان في الأسافل، قدرة الله ﷻ وإرادته وأمره ونهيه عم الكون كله، وكما قال ربنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف:٨٤]، وما أحلى كون يونس بن متى ذكر الله في قعر البحار وكون النبي ﷺ ذكره في سدرة المنتهى الذكر ذكر النبوة، والرسالة الرسالة، والنبي محمد هو أفضل الخلق أنبياء ومرسلين، ملائكة وجناً وآدميين، وقد قال تعالى في هذا المعنى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٥٣]، مثل موسى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وأجمعوا على أن الذي رفعه الدرجات هو محمد صلى الله عليه وعلى آله، وهو ما أكده النبي وأكده القرآن بذكر حديث الشفاعة في اليوم المشهود العظيم، يوم يطلب من الأنبياء كلهم من آدم إلى عيسى الشفاعة، ويقول كل واحد منهم: نفسي نفسي! اذهبوا إلى عيسى اذهبوا إلى محمد، فيأتون إلى محمد صلى الله عليه وعلى آله، فيقول: أنا لها أنا لها.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠].
يونس كذلك زعموا بأنه من أنبياء بني إسرائيل من سلالة هارون، ولا تأكيد على ذلك من آية ولا من حديث، هو نبي من أنبياء الله، أرسله الله لأهل نينوى في أرض العراق، أرسله كما سيقول: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ﴾ [الصافات:١٤٧] فيزيدون ببضع آلاف، فكان يونس نبيهم ورسولهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠].
أي: إذ فر وأبق عن ربه، ويقال: آبق للعبد عندما يفر عن سيده، وقد فر يونس عن سيده وربه ﷻ .
قوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: لاذ مسرعاً إلى الفلك أي: السفينة.
قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١].
ركب السفينة، وإذا بالسفينة تتلاعب بها الأمواج، وكادت أن تغرق، فقال ربان السفينة: السفينة تحمل أكثر من قدرها، وأكثر مما ينبغي أن تحمل، لابد أن نرمي بعضكم في البحر لينجو البقية، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، فأخذوا يقرعون بينهم، فتخرج القرعة على يونس بن متى.
يقول الله ﷻ في الآيات السابقة: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٩٨].
يونس أرسل إلى مائة ألف من سكان نينوى كفروا به، وجحدوا دينه، ورفضوا رسالته، فأنذرهم ثلاثة أيام إن لم يؤمنوا سيدمر الله عليهم الأرض، ويفعل بهم كما فعل بقوم لوط، فصبر اليوم الأول، واليوم الثاني، وبداية اليوم الثالث قبل تمامه تركهم وذهب، فإذا به يسمع أن قومه لم يهلكوا ولم يدمروا، فغضب وذهب فاراً إلى السفينة، ليترك البلاد، والسبب في رفع العذاب عنهم أنهم اجتمعوا جميعاً في اليوم الثالث وجمعوا حيواناتهم، وفصلوا الأولاد عن الأمهات، وصغار الدواب عن كبارها، فخرجوا إلى الصحراء، ورفعوا أيديهم يدعون الله، يا ألله! نحن نازلون بك، كافر بكل شريك سواك، لا نؤمن إلا بك، عدنا عن كفرنا، ورجعنا إليك تائبين مستغفرين، فاغفر لنا ذنوبنا، فالله عفا عنهم وتاب عليهم وعاشوا بعد ذلك.
وإذا بيونس لما سمع الخبر أنهم نجوا، ولم يسمع أنهم دعوا ولا أنهم تابوا، فقال: قد كذبني ربي، وأخجلني أمام قبيلتي، أمام قوم ضلوا وأضلوا وأشركوا، ففر هارباً من الله إلى أين؟ هل هناك فرار من الله؟ فوجد سفينة على البحر فركبها، فإذا بالعقوبة تأتيه في البحر، السفينة دخلت داخل البحر وتلاطمت الأمواج، وكادت أن تغرق، وإذا بربان السفينة يقول: السفينة مثقلة بأكثر مما يلزم، لابد من أن يرمى أحدكم في البحر أو جماعة، قالوا: إذاً نعمل قرعة، قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] أي: قارع.
والقرعة أن تأتي بسهام فتقول: هذه لفلان وهذه على فلان، فمن خرج سهمه فإما أن يكون من الهالكين أو يكون من الباقين في السفينة، فهم جعلوا قرعة، فمن وقعت عليه القرعة يرمى في البحر، فعندما ساهموا خرجت القرعة على يونس، فقام ربان السفينة وركابهم، وقالوا: لا يرمى يونس، فأعادوها ثانية، فخرجت القرعة عليه، قالوا: لا يرمى يونس، فخرجت الثالثة، فقذف يونس نفسه في البحر، وينتظر أن ينقذوه، وإذا بالله يأمر حوتاً كبيراً من حوت البحر، فيقف إلى جانب السفينة؛ فلما رمى نفسه إذا بالحوت يلتقمه.
وقال الله في الحوت: جعلتك مسكناً له، لا تهشم له عظماً، ولا تأكل له لحماً، فذهب به إلى قعر البحار.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠]، هرب من ربه إلى السفينة فساهم، ولبلاغة القرآن وفصاحته يحذف الكلام المقدر، فلم يقل: فتساهموا وتنازعوا وقال الربان، ولكن يفهم من الكلام ذلك، أن السفينة كانت موقرة ومشحونة بأكثر من اللازم (فساهم) أي: كانت بالسهام والقرعة، والقرعة لا تزال في شريعتنا المحمدية، فقد كان ﷺ إذا أراد سفراً جعل قرعة بين نسائه من التي تخرج معه، ومرة أوصى رجل بعتق عبيده الستة ولم يكن يملك سواهم، والوصية لا تجوز بأكثر من الثلث، فأقرع النبي ﷺ بين الستة، فاسترق أربعة، وأعتق اثنين، وقد استعمل القرعة مرات ﵊.
قال تعالى: ((فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ)) أي: من الذين قهروا وغلبوا، فقذف نفسه في البحر، فتلقاه هذا الحوت.
قال الله: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
أي فلولا أن يونس عندما شعر بالحياة بعد أن ظن أنه مات، وإذا به يحرك يده فوجدها تتحرك، ويحرك رجله وإذا بها تتحرك، فقال: إذاً أنا حي- صار يضرع إلى الله ويناجي ربه، وذلك ما قاله الله في آيات سابقة: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨] شعر بأنه حي في داخل الحوت، فنادى في الظلمات، وما هي الظلمات؟ ظلمات الليل، وظلمات بطن الحوت، وظلمات قعر البحر، فهي ظلمات ثلاث، عندما شعر بالحياة نادى وضرع إلى الله.
стр. 1774
تفسير سورة الصافات [١٣٩ - ١٤٨]
من الرسل الذين تؤخذ من قصصهم العبرة سيدنا يونس بن متى ﵇ فإن في قصته مع قومه وخروجه عنهم مغاضباً والتقام الحوت له عبراً تفيد الداعية إلى الله.
стр. 1775
تفسير قوله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين)
قال الله ﷻ : ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٤].
يقول ربنا في قصة يونس: وإن يونس كذلك من المرسلين، فيؤكد ذلك بلام الابتداء للتأكيد، وقد أرسل إلى قرية نينوى في أرض العراق، إلى مائة ألف أو يزيدون كما يقول ربنا، وقد آمنت به هذه العشائر بعد أن تركها مغضباً، ولم يشعر بذلك حتى ذهب إلى السفينة ليتركهم ويغيب عنهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠] أي: إذ فر من قومه إلى الفلك المشحون، والفلك: سفينة البحر، وهي لفظة تدل على المفرد وعلى المثنى وعلى الجمع، تقول عن السفن: فلك، وعن السفينة الواحدة: فلك، وعن السفينتين: فلك، فإذا أردت أن تميز مفرداً عن جماعة فتغير اللفظ وتقول: سفينة وسفينتان وسفن.
قال تعالى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: إذ فر من قومه، ولم فر من قومه؟ لقد بقي بينهم شهراً وهو يدعوهم إلى الإسلام وهم يأبون إلا الكفر، ويأبون إلا الشرك، فأنذرهم وتهددهم أنهم بعد ثلاثة أيام سيهلكون لا محالة، فانتظر اليوم الأول وانتظر اليوم الثاني وانتظر الثالث في بدايته، وقبل تمام اليوم الثالث ذهب غاضباً عليهم فاراً منهم، فذهب إلى شاطئ البحر الأخضر -كما قالوا- فوجد سفينة فركبها.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠] أي: المثقل الذي يحمل أكثر مما يجب، الذي أثقل بالراكبين وبسلعهم.
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] فركب السفينة فلما كانت في عرض البحار وبين الأمواج تتلاطم صاح ربانها بأنها توشك على الغرق، وأنها تحمل أكثر مما يلزم، ولابد أن يلقي ببعض الركاب وإلا ضاع الكل وغرقت السفينة بهم، فقال الربان: لابد من المساهمة ومن القرعة.
فأتوا بالسهام: وهي جمع سهم.
والقرعة: أن يؤتى بهذه السهام فتكتب عليها الأسماء، فيحمل كل واحد منهم سهماً، فمن خرج اسمه وجبت عليه القرعة، فقالوا: لابد من إغراق واحد.
فضربوا السهام، وإذا بالسهم يخرج ليونس، فرفض الربان وأهل السفينة أن يلقوه في البحر؛ فهم يعرفونه وكان مشهوراً بينهم، فأعادوا القرعة فخرجت عليه ثانية فامتنعوا، وفي الثالثة لم ينتظر حتى يمتنعوا وإنما حمل نفسه ورمى بها في البحر، وإذا بالله الكريم يأمر نوناً كبيراً أي: حوتاً فيلتقطه ويلتقمه فيبتلعه في بطنه، ويأمر الحوت بأنه ليس له طعام، ولكنه مقيم إلى حين، وأمره بألا يكسر له عظماً وبألا يمضغ له لحماً، والحوت عبد الله فاستجاب لأمر الله.
قال تعالى: ((فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ))، وكان ربان السفينة يقول قبل ذلك: إن في السفينة لآبقاً، إن فيها لفاراً من مولاه وسيده، وإذا بيونس يقول: أنا الفار من ربه، أنا الهارب منه، فيقولون له: لا يا نبي الله! أنت النبي الصالح الصديق، ومع ذلك خرجت القرعة عليه أولاً وثانياً وثالثاً، فقذف نفسه في البحر، فالتقمه الحوت وبقي في بطنه زمناً.
قال تعالى: ((فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ)) أخذه بلقمة واحدة، وكان الحوت كبيراً جداً، وذهب يطوف به في البحار، وإذا بيونس يشعر بأن يده تحركت، وأن رجله تحركت، فقال: أأنا حي؟ وإذا به يجد نفسه حياً، فاستغرب من ذلك.
قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، أي: ارتكب ما يلام عليه، وهو أنه غضب على قومه فما كان ينبغي له ذلك، بل كان ينبغي أن ينتظر تمام الثلاثة أيام، وبعد ذلك ينظر في أمره وأمرهم، ولكنه غضب وفر، فما تركه الله ﷻ إلا بعد أن أدبه، فأغرقه في البحر نتيجة قرعة ومساهمة، والقرعة كذلك مشروعة في ديننا الإسلامي، ولكن ليس على هذه الطريقة، فقد كان ﷺ إذا أراد غزاة وأراد أن تخرج معه بعض نسائه من أمهات المؤمنين يقارع بينهن، ومن خرج عليها السهم أخذها معه، وأوصى مرة رجل بجميع ماله بعد موته، وكان ماله بعد أن مات ستة أعبد فأخبر بذلك ﵊، فأقرع بينهم وأعتق اثنين.
ولا تكون القرعة في إلقاء الإنسان في البحر، وإنما كانت جائزة في دين يونس، فلعل هذا شيئاً كان خاصاً بيونس تأديباً من الله ﷻ وتربية له؛ لكي يصبر على دعوة قومه ولا يقنط ولا يكل ولا يمل.
قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٢ - ١٤٤].
فالله هو الذي يعاقب ويغفر، يعفو ويصفح، يعطي ويمنع، يقول: لولا أنه سبح الله ومجد الله ونزه الله وهو في بطن الحوت لبقي إلى يوم البعث، ولجعل له قبراً أبد الآبدين، ولبعث من بطنه، ولكن يونس ما إن شعر بأنه حي حتى أخذ يسبح الله، ويستغفر الله، ويتوب إلى الله: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي: قبل أن يقذف في البحر، وقبل أن يلتقمه الحوت، فهو كان في حياته عابداً لله مصلياً مسبحاً ممجداً معظماً، فهذا من باب قول النبي ﵊: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة).
فالمؤمن العابد ينبغي أن يكون مع الله في الرخاء كما يكون في الشدة، أما أن يكون عند الراحة تاركاً للعبادة وللصلاة وللصيام وللتسبيح والتمجيد حتى إذا ابتلي بالشدة ذكر ربه وأخذ يقول: يا رب! فهذا متلاعب مخادع.
وقالوا: إن الملائكة سمعت صوتاً بعيداً من أرض غريبة، فقالوا: يا ربنا! إننا نسمع صوتاً بعيداً من أرض غريبة، فمن هو يا ربنا! قال: ألا تعرفونه؟ قالوا: لا، قال: هو عبدي يونس، قد غرق والتقمه الحوت، قالوا: يا ربنا! إننا نشفع فيه، فطالما وصلك من عبادته ومن تسبيحه ومن ذكره ومن عبادته في ساعة الرخاء فاقبل دعاءه واقبل تسبيحه وهو في هذه الشدة فقبل الله شفاعة ملائكته فيه.
وهناك آية فسرت هذا التسبيح وبينته ووضحته، قال ربنا ﷻ : ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
والنون، اسم يطلق على الحيتان، فبعدما ازدرده الحوت أخذ ينادي في الظلمات ويتضرع إلى الله وينادي ربه، وكانت الظلمات ثلاثاً: ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت: ((فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)) لا إله سواك يا رب! ((سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)) يسبحه وينزهه ويمجده، أنت الموصوف بكل كمال، والمنزه عن كل نقص، أعترف بجرمي وظلمي، يقول الله: ((فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)) أي: أجبنا دعوته وأزلنا غمه، وأخرجناه من باطن الحوت، ونبذناه من اليم إلى البر.
قال ربنا: ((وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ))، وليس هذا خاصاً بيونس، وهذه هي ثمرة القصص القرآنية: لتتخذ أسوة وقدوة وليعمل الإنسان بعمله، حتى إذا فعلوا ما يلامون عليه فينبغي لهم أن يستغفروا الله كما استغفر يونس ﵇، ليكرمهم الله وينقذهم مما هم فيه من الكرب والمحن، ولذلك قال: ((وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ)).
وهذا الذي قاله يونس وهو في بطن الحوت ورد عن غير واحد من الصحابة في الصحيحين والسنن: أن من دعا الله تعالى بهذا الدعاء -دعاء يونس- في قعر البحر في باطن الحوت لا ترد له دعوة، وأن هذا هو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعي به أجاب.
ومن مثيلات هذه القصة: قصة أولئك الثلاثة أيضاً الذين قص رسول الله ﷺ قصتهم علينا فقال: (كان فيمن مضى قبلكم ثلاثة من الناس نزلت بهم أمطار فلجئوا إلى غار في جبل، فانحدرت عليهم صخرة فأطبقت الغار، فاجتمع الثلاثة وقالوا: ما بقي لنا الآن إلا الرجوع إلى الله، فدعا كل واحد منهم بأخلص عمل عمله تجاه ربه، وفي كل دعاء تنزاح الصخرة قليلاً حتى انفرجت وخرجوا يمشون).
стр. 1776
تفسير قوله تعالى: (فنبذناه بالعراء وهو سقيم)
يقول ربنا: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٥].
أي: عندما استجاب الله له وأنجاه من هذا الكرب طرحه على شاطئ البحر في العراء، أي: في الأرض الخالية العارية عن السكان، نبذه في الصحراء، أو في هذه الشواطئ الرملية أو الصخرية.
قال: ((وَهُوَ سَقِيمٌ)) أي: مريض، وقد قالوا: كان هش اللحم والعظام كالفرخ لا شعر فيه ولا ريش، وكان كالشيخ الهرم الذي تجاوز المائة من السنين، وكانت الثياب قد ذهبت، وقد حدد بعضهم مدة مقامه في بطن الحوت بثلاث ليال، وبعضهم قال: من الصباح إلى المساء، وقال البعض: سبعة أيام، وكل هذه أقاويل، وما أظن إلا أنه أقام زمناً طويلاً؛ لأن الله قال: ((فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ)) ولا يمرض ولا يسقم ولا يهش لحمه وعظمه إلا من مكث في بطن الحوت زمناً طويلاً بمنطق العقل، فهو مريض لا يستطيع أن يتحرك، ولا أن يخدم نفسه، ولا أن ينفعها بشيء، ولا أن يتكلم، ولربما لو فطنت له الهوام لأهلكته.
قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦].
هنا أخذ الله يرحمه ويرعاه، فأنبت عليه كما أنبت على نبينا في غار ثور، فقد أنبت على نبينا ﵊ خيط العنكبوت الذي ظلل عنه، وبنى عشاً للطير هناك، قالوا: وكذلك نبتت شجرة من اليقطين وهو الدباء بإجماع المفسرين، والدباء كان عزيزاً على رسول الله ﷺ ، يقول أنس كما في الصحيحين: (كان رسول الله ﵊ يتتبع الدباء في جنبات القصعة)، والدباء صالحة للمعدة صالحة للتغذية، فالذباب لا يقف عليها، والحشرات لا تقطنها، وتؤكل نيئة وتؤكل مطبوخة، وتؤكل صغيرة وتؤكل كبيرة، وتسمى في المغرب: القرع الشريفة؛ لأنها شرفت بحب رسول الله ﵊.
قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾، وشجر اليقطين أوراقه واسعة رطبة، فستر بها عورته واستظل تحتها، قالوا: وسخر الله له معزة برية، فكانت تأتيه صباحاً مساء تفتح رجليها وهي مملوءة حليباً فيرضع كفايته، ثم تعود إليه مساء فيرضع كفايته، وهكذا إلى أن قوي واشتد لحمه وقوي عظمه، وعندها يبست شجرة اليقطين فبكى، فقال الله: أتبكي على شجرة أمرها يسير، ولا تبكي على مائة ألف آمنوا بك وأردت أن تهلكهم في ساعة.
стр. 1777
تفسير قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون)
قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، أي: بعثه نبياً رسولاً إلى مائة ألف إنسان من الذكور والإناث: ((أَوْ يَزِيدُونَ))، و (أو) هنا بمعنى: بل، أي: بل يزيدون، قالوا: عشرة آلاف، وقيل: بل عشرون ألفاً.
وهنا اختلف المفسرون: هل أرسل في هؤلاء إلا بعد أن خرج من قعر البحر أم قبل ذلك؟ قال البعض: بعد ذلك، وقال البعض: قبل ذلك، وقال البعض: أرسل إلى عشيرتين وقبيلتين، بعض أولئك كان قبل أن يلقى في البحر، وبعضهم كان بعد خروجه، أما من يقول: لم يكن رسولاً إلا بعد خروجه من بطن الحوت فكلام الله يرده؛ لأن الله قال عنه: ((أَبَقَ)) أي: فر، وقال عنه: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)) فهو كان رسولاً قبل أن يلتقمه الحوت حسب السياق القرآني.
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٩٨].
أي: فلولا كانت قرية ممن أرسل إليهم الرسل آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس آمنوا جميعهم ولم يتأخر منهم أحد، وإن كانوا في آخر ساعة، بعد أن هددهم نبيهم أن العذاب محيط بهم وبوجودهم، فهددهم وأنذرهم ثلاثة أيام، فمضى اليوم الأول، وأخذت الناس غشية، وفي اليوم الثاني زاد، وفي بداية الثالث أخذت تصيب الناس آلام وأوجاع، وإذا بهم يجتمعون، ويخرجون إلى صحراء بلدتهم بنسائهم وأطفالهم ودوابهم، ففرقوا الأولاد عن الأمهات سواء من الإنس أو من الحيوان، فكانت تصيح، وأخذوا هم يصيحون فاستجاب الله لهم، وهذا الذي لم يعرفه يونس إلا بعد أن أنقذ من الغم ومن الكرب، وبعد أن خرج من البحر ذهب إلى قومه وإذا بهم جميعاً مسلمون، وقالوا: بينا هو في الطريق إليهم وهو يفكر: ماذا سأقول لهم؟ وقد شعرت عندهم أني كذاب مع دعواي النبوءة ودعواي الرسالة، وأنكم ستبتلون بعد ثلاثة أيام ولم يحصل شيء، وإذا بغلام وقف عند رأسه فنظر إليه وصوب النظر، قال: أنت يونس؟ فقال: أنا يونس، فقال: اذهب إلى ملك قومك وقل لهم: رأيت يونس فإن كذبوك، فقل لهم كذا وكذا وأعطاه أمارة، فوجدهم مؤمنين، قال تعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨] أي: آمنوا جميعاً بالله رباً، فمتعهم الله بالحياة وبالعافية إلى حين، أي: إلى حين آجالهم، إلى حين موتهم، كما يموت كل حي.
стр. 1778
تفسير سورة الصافات [١٤٩ - ١٧٣]
يتفنن الكفار في كفرهم حسب اختلاف عقولهم، فاليهود يقولون عزير ابن الله والنصارى قالوا عيسى ابن الله، وجاء المشركون فقالوا الملائكة بنات الله، وجعلوا بين ربهم وبين الجنة نسباً، ففند الله دعواهم ونزه نفسه عن ذلك.
стр. 1779
تفسير قوله تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون)
ثم قال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٤٩ - ١٥٠].
الله يقول: سل يا محمد! من يعبد الجن والملائكة ويقول: هم بنات الله، لماذا اختاروا الأولاد وتركوا البنات لربهم؟ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩].
كان الواحد منهم إذا بشر بالأنثى اختفى واستحيا من الناس، وهم في هذه الحالة يفضلون أن يخفوها عن الناس أو يدفنوها حية، وقد كانوا يفعلون ذلك، وليسوا وحدهم بل العالم كله إلى عصرنا، ففي كل يوم تنشر الجرائد عن أوروبا وعن أمريكا وعن اليابان وعن جميع بلاد الكفر: أن النساء يقتلن أطفالهن لتبقى البنت أو لتبقى الشابة في نظرها خفيفة نشيطة لا تترهل بطنها، حتى إن نظام تلك الدول يسمح بالإجهاض وهكذا دواليك، وهذا هو فعل أسلافهم من الكفار والمشركين.
قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٥٠] أي: أم أنهم كانوا حاضرين عندما خلقنا الملائكة؟! فهذا استفهام استنكاري، فهم حتى في شركهم كذابون غشاشون.
стр. 1780
تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون)
يقول الله عنهم: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٢].
الإفك: هو أشد الكذب، فيقولون لكذبهم وإفكهم: ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، فالله هو الخالق وليس بالوالد، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣]، وأكرم من ذلك، وأشرف من ذلك، فيرث عباده ولا يرثونه، وهو يخلق الوالد والولد، لكن هؤلاء يهرفون بما لا يعرفون، ويكذبون على أنفسهم وعلى الله.
стр. 1781
تفسير قوله تعالى: (أصطفى البنات على البنين)
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٥].
((أَصْطَفَى)) أي: أأصطفى، حذفت إحدى الهمزتين للتخفيف، أي: أأصطفى البنات على البنين، والاصطفاء بمعنى: الاختيار.
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٤] أليست لكم عقول؟! أليست لكم أذهان؟! أليس لكم إدراك ووعي؟ من أين لكم هذا؟ ومن الذي أخبركم به؟ كيف تحكمون بأن البنات لله سبحانه، وأن الأولاد لكم؟ سبحان الله عما يقولون! ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات:١٥٥] استفهام تقريري، أي: ينبغي لكم عندما يخطر هذا ببالكم أو تسمعونه من كافر لا يؤمن بالله أن تتفكروا في أنفسكم: من أين للقائل بهذا ما قاله؟ هل له سلطان من دليل أو حجة أو عقل أو نقل؟ بل هو الكذب والكفر والعياذ بالله.
وزعمهم أن الملائكة بنات الله وهم لم يروا ملكاً، ولكن هذا الكلام سمعوه عن أب أو عن جد فاجر فاستمسكوا به، وأشركوا مع الله ملائكته، وقالوا: هم بنات الله، فكذبوا على الله فقالوا: له بنات، وقالوا: له ولد، وكلهم قال: له صاحبة، وبعضهم قال: من الجن، وبعضهم قال: من الإنس، والكذب كثير والعقول السخيفة الضائعة الضالة أكثر.
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات:١٥٦ - ١٥٧] أي: فائتوا بهذا الكتاب الذي تزعمون أنه منزل على نبي لكم، وهذا أمر تعجيزي تقريعي توبيخي، أي: لا شيء من ذلك.
والنتيجة: أن كل هذا كذب وهراء، وكله لا أصل له ولا حقيقة، فمن يؤمن به إنما يؤمن بالأكاذيب والأضاليل، وإنما يضل عن الهدى أيصبح من المشركين عن جهل وغواية وتقليد لآباء جاهلين ضالين مضلين.
стр. 1782
تفسير قوله تعالى: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً)
يقول تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٥٨ - ١٦٠].
(وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) هذه طائفة أخرى من الكذبة، فقد سُئلوا عندما قالوا: إن الملائكة بنات الله، فقيل لهم: ومن أمهم؟ قالوا: أخذ من بنات كبار الجن، فالجن أصهاره، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨] والجنة: جمع الجن.
وزعم أقوام أن معنى قوله: (الجنة) أي: الملائكة؛ لأن الجن من الاجتنان، وهو التستر، فهم لا يظهرون على البشر، وهم لا يعرفون إلا بالسماع والرواية، فهم جن بالنسبة للبشر، أي: مستورون.
وقد سأل أبو بكر ﵁ بعض الضالين، وقال لهم: إن كان لله بنات وهم الملائكة، فمن أمهم؟ قالوا: أخذ من سيدات الجن، تعالى الله عما قالوا علوا كبيراً، ولولا أن الله ذكر هذا في كتابه لما أعدناه ولما نطقنا به، ولكن القرآن لقوة دليله وقوة برهانه، وفرضيته على الخلق بالمنطق والبرهان فإنه يقول ويذكر كل ما قاله الكافرون.
والنصارى جعلت عيسى ابن الله، ومريم صاحبة الله، واليهود: جعلوا العزير ابن الله، وعبدوا العجل شريكاً مع الله، وآخرون وآخرون من مشارق الأرض ومغاربها فالبراهمة والمجوس وغيرهم.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩]، فالشيء الذي خلقه الله للإنسان وشرفه على الخليقة وملكه به على الأرض هو ملكه لعقله ولقلبه ولوعيه ولبصره ولسمعه، فإن كان هذا البصر لا يبصر، وهذا القلب لا يفقه، وهذه الأذن لا تسمع فهم دواب، بل هم أقبح أنواع الدواب، بل قد تكون الدواب أشرف منهم.
ولذلك من سوى الإنسان المسلم حيوان أعجمي حتى وإن وصف بأعظم الصفات من ملك وعلم، ورئاسة وقوة وفلسفة وما إلى ذلك من الهراء والباطل؛ لأن الذي ينكر موجد نفسه وموجد هذا الخلق يكون إنساناً لا عقل له، ويكون دابة تمشي على رجلين، وعوضاً عن أن يحمل اسم دابة حمل اسم إنسان خطأً.
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]، يقول الله عن هؤلاء: إن كفرهم أصبح من كفر الجن ومن كفر إبليس؛ لأن إبليس وجنده من الجن يعلمون: أن الله قد أنذر إبليس اليوم الأول عندما تكبر على الله وامتنع من أن يسجد لآدم.
﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨] أي: محضرون إلى العذاب، وإلى جنهم، يسحبون إليها على وجوههم، وعلى جباههم.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٥٩]، يسبح الله نفسه، ويمجد نفسه، وقد سبح نفسه بعد ذكر انتقاص الكافرين له بأن قالوا: إن بينه وبين الجنة نسباً، أي: سبحان الله، ننزه الله عن هذا، ونمجده عن هذا، ونخذل ونلعن قائليه ونجعلهم من الكفرة الذين هم خالدون في النار أبد الآبدين، ودهر الداهرين.
قال ربنا: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٦٠]، هذا استثناء من المحضرين إلى النار.
فـ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [الصافات:١٥٩] جملة اعتراضية ذكرت للتعظيم وللتمجيد، وهي كلمة ذكرت فرادى.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٦٠] إلا عباد الله من الجن فإن فيهم مؤمناً وفيهم كافراً أيضاً، وسورة الجن في القرآن معلومة، ومسجد الجن في هذه البلدة المقدسة معلوم، وفيه كان الوحي، وفيه نزلت السورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن:١] فآمنوا وعاشوا مؤمنين، كالإنس.
قال ربنا ﷻ : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فخلق الجن للعبادة، وخلق الإنس للعبادة، فكلاهما عابدون وموحدون ومؤمنون، فالله قال عن الجن: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]، يعلمون أنهم محضرون إلى النار، وأنهم يساقون إليها قهراً وجبراً إلا المؤمن منهم، وكما قال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٦٠] أي: المخلصين لله، الذين أزال شوائب الكفر منهم.
وقرئ في الروايات السبع (مخلصين) أي أخلصوا عبادتهم ودينهم وطاعتهم لله.
стр. 1783
تفسير قوله تعالى: (فإنكم وما تعبدون)
قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦١ - ١٦٣].
يقول ربنا لهؤلاء وأمثالهم من المشركين ومن عبد حجراً، ومن عبد ملكاً ومن عبد جناً، ومن عبد إنساناً، يقول الله لهم: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦١ - ١٦٣].
أي: أنتم وما تعبدون سواء كان جناً، أو كان ملكاً أو كان إنساناً، ما أنتم على ضلالتكم وعلى كفركم بفاتنين أي: بضالين ومضلين، ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٣]، إلا من سبق في علم الله أن مصيره ومآله الجحيم وأن يحترق بها، وأن يصلاها، وأن يحترق في جميع أجزاء بدنه وخلاياه، أي: لن يضلوا إلا من كان مؤهلاً للضلالة، ومن كان قلبه فاسداً مريضاً، فهو يحتاج إلى من يذكره وإلى من يعيذه من كفره، فهو لا يكاد يسمع كلمة الكفر إلا ويتعلق ويتشبث بها، ويصبح من الدعاة لها.
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦١ - ١٦٣].
أي: أنتم وما تعبدون لن تضلوا ولن تفتنوا لا أنتم ولا معبودوكم أحداً إلا من كان على استعداد للضلال، وكانت قلوبهم فاسدة وكان مهيئاً ومعداً للكفر، وقد سبق في علم الله أنه صال الجحيم وأنه محترق فيها وداخل فيها.
стр. 1784
تفسير قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم)
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٤ - ١٦٦].
يقول هذا ملائكة الله متبرئين من عبدتهم المشركين الذين قالوا إنهم بنات لله، وحاشا الله من ذلك، وحاشا الملائكة كذلك من مثل هذا الكفر، فالملائكة متبرئون من كفر الكافرين.
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤] أي: لا يوجد أحد منا معاشر الملائكة إلا وله ومقام ورتبة من العبادة لله: بين قائم وساجد وذاكر وعابد، ومكلف بالموتى، ومكلف بزرع الحياة، ومكلف بأهل الجحيم، ومكلف بأهل النار، وهم جند لله: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
فجبريل كبير الملائكة ورسول الله إلى رسل الله من البشر، وإسرافيل المكلف بالنفخ في الصور، وعزرائيل المكلف بقبض الأرواح، وكما أن البشر لهم رتب في الحياة بين مالك وعابد ورسول ونبي فكذلك الملائكة، على أنهم جميعاً لا يأكلون ولا يشربون ومعصومون من الذنوب والخطايا، والعبادة عندهم كالنفس للبشر، فالإنسان إذا انقطع نفسه مات، والملك إذا انقطع عن الذكر مات، فهو لا يحيا إلا بالذكر.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٥ - ١٦٦].
أي: صافون للعبادة، فهم يصطفون في السماء الدنيا وفي السماوات وحيث كانوا من كون الله أرضاً أو سماءً يصطفون للصلاة والعبادة بين قائم وراكع، وبين ساجد وتالٍ، وبين ذاكر ومنفذ للأمر، يسبحون الله، ويذكرون الله، ويقولون: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وكل يسبح الله بذكر من أذكاره جلاله.
وعن نبي الله ﵊ كما في الصحيحين: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون: أطت السماء وحق لها تئط)، أي: صوتت بما تحمل من ثقل من الملائكة، وكما يصوت السقف المصنوع من خشب، تجد له صوتاً وحركة لثقل ما عليه: (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد).
وقال النبي ﵊: (صفوا كما تصف الملائكة -أي: في الصلاة- فقالوا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة؟ قال: يتقدمون إلى الصفوف المتقدمة -أو يتمون الصفوف المتقدمة- ويتراصون في الصف) بمعنى: أن الملائكة يصطفوا صفاً واحداً، ثم الثاني ثم الثالث، فمن كان في الثاني والثالث ورأى فرجة فعليه أن يملأها ويتقدم إليها إلى أن تتم، وإذا اصطفوا يقفون متراصين، الكتف إلى الكتف، والكعب إلى الكعب.
وأما المصلون بالمسجد الحرام فحكمهم آخر؛ لأن القبلة فيه مكعبة، فتجد المصلين يحيطون بالكعبة من جميع الاتجاهات ومع ذلك يمكن للناس أن يصفوا محيطين بالكعبة صفاً فصفاً.
стр. 1785
تفسير قوله تعالى: (وإن كانوا ليقولون)
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات:١٦٧ - ١٧٠].
كان العرب يقولون: لو أنزل علينا نبي لكنا عابدين مخلصين مطيعين، وقال الذين كفروا بالنبي ﷺ : لو أن عندنا ذكراً من الأولين، ولو نزل علينا ذكر، ولو نزل علينا رسول، أو كتاب يأتينا بأخبار الأولين، أو بما كان عليه الأولون أقوام نوح وعاد وصالح وأنبياء بني إسرائيل.
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٦٩]، أي: لعبدنا الله عبادة خالصة، ولأخلصنا العبادة له، ولوحدناه ولتركنا الشركاء والأعوان وما وجدنا عليه آباءنا.
فيقول الله مكذباً لهم: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات:١٧٠].
أي: فكفروا بالذكر لما جاءهم، والذكر هو: رسول الله ﷺ ، والقرآن الكريم، فقد جاءهم محمد ﷺ فكفروا به، وكذبوا ما كانوا يزعمونه قبل، وأنزل عليهم الكتاب وهو القرآن الكريم، ومع ذلك كذبوا به، وقالوا عنه: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل:١٠٣]، وقالوا عنه كذباً: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان:٤]، وهم يعلمون أن محمداً ﷺ عاش بينهم أربعين عاماً لم يقرأ في كتاب، ولم يخط بقلم، وكان صادقاً مصدقاً، وكان الأمين المؤتمن، فلم يعلموا عليه كذباً وتبعات، وبعد أن بلغ الأربعين ودخل في سن الرجولة، بل بداية الكهولة تقريباً وهو لم يكذب على الناس كذبة واحدة، أيكذب على الله؟! ولكنها عقول ذاهبة ضائعة، فزالت منهم عقولهم قبل أن تذهب أديانهم.
فعندما جاءهم ما كانوا يتمنون وما كانوا يرجعون إذا بهم بعد هذا يكذبونه ويكذبون بالذكر لما جاءهم.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات:١٧٠] فتهددهم الله وأنذرهم بأنهم سيعلمون نتيجة كذبهم، وسيعلمون عاقبة أمرهم، جزاء وفاقاً لتكذيبهم لكتاب الله، ولرسول الله، ولإصرارهم على الشرك والكفر.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣].
كلمة الله هي: أمره ونهيه، فإذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، وكان الكون من الله قوله.
وهو الذي كتبه وقدره وسبق في علمه وفي قضائه وفي اللوح المحفوظ: أن الأنبياء والرسل هم المنصورون، فينصرهم الله على أعدائهم، ويذل الله أعداءهم، تكون العاقبة لهم.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٧١]، فمهما عارضوهم أو غالطوهم ومهما اغتم الصالحون وكربوا من أجلهم، فإن العاقبة والنصر في النهاية لهم، وقد قال الحسن البصري سيد التابعين: ما قتل رسول قط.
وقد قتل أنبياء -قتلهم اليهود- لم يذكر الله أسماءهم، ولكن عيسى الرسول لم يقتلوه، وقد زعموا ذلك ولكن الله كذبهم بقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧].
فسبق في علم الله وفي اللوح المحفوظ: أن أنبياءه ورسله هم المنصورون مهما حوربوا ومهما قوتلوا، فإنهم في النهاية سيكون النصر لهم.
ونحن نرى هذا في السيرة النبوية العطرة، فطالما لقي منهم النبي ﷺ الشدائد، وقالوا عنه ما قالوا، وقاطعوه هجروا قوله وبيعته ومعاملته، وأذلوا قومه، وقتلوا من قتلوا، ولكن النهاية كانت له، فانتصر عليهم نصراً عزيزاً مؤزراً، فخرج من مكة عن غير رضا منه ثم عاد إليها وهو العزيز المظفر المنتصر، عاد إليها وهو يقول: (الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)، فهو يرجع كل شيء لربه، وهكذا كانت حال المصطفى ﷺ ، وهو داخل مكة بعد سنوات من الهجران والمقاطعة من الكفار، ومن المعرضين عنه.
стр. 1786
تفسير سورة الصافات [١٧١ - ١٨٢]
أرسل الله الرسل حجة على خلقه مبشرين ومنذرين، فمن آمن فلنفسه، ومن كفر فعليها، وقد لاقى رسل الله من المكذبين الجحود والاستكبار والاضطهاد والأذى، ولكن الله كتب أن رسله هم المنصورون وأن جنده هم الغالبون ولو بعد حين.
стр. 1787
تفسير قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين)
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ * وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٦].
يذكر ﷻ بعد أن قص علينا ما عاقب به أولئك الجاحدين الكافرين المكذبين بالرسل وبرسالاتهم، وبالكتب المنزلة عليهم، يذكر ربنا: أنه سبق في علمه، وسبق في قضائه، وسبق في اللوح المحفوظ: أن عباده المرسلين هم المنصورون، ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣].
وسبق في علم الله أن العاقبة للمتقين، والنصر للمرسلين، والهزيمة للكافرين.
(سبقت كلمتنا) كلمة الله: هي أمره وإرادته، وكان ذلك في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] (كتب الله) أي: فرض الله، كتب في اللوح المحفوظ بأن المرسلين الذين يرسلهم من عباده الصالحين مهما قاومهم أعداؤهم ومهما قاومهم الكفرة الجاحدون، فالنصر في الأخير لهم، والكلمة الحقة لهم.
وهكذا عندما قص الله علينا عن قوم هود، وقوم نوح، وقوم ثمود، وقوم صالح، وجميع أولئك، كان النصر بعد ذلك لنوح، وكان لهود، وكان لصالح، وكان لموسى وهارون، وكان لإبراهيم.
وهنا سؤال مهم: يقول: الحسن البصري: ما سبق أن قتل رسول من رسل الله، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٢].
السؤال
هل هناك تعارض بين هذا الكلام وبين مقتل يحيى وزكريا؟
الجواب
لا يوجد تعارض؛ فالله تعالى لم يقل: (الأنبياء) ولكن قال: (المرسلين) وهم الذين يحادهم أعداؤهم المرسلون إليهم، وهم الذين أمروا بأن يبلغوا رسالة الله بين قوم جاهلين، وبين قوم وثنيين، وهم الذين يكون بينهم وبينهم أخذ وعطاء، وحرب وقتال.
وأما الأنبياء فليسوا كذلك: فالنبي لم يؤمر برسالة يؤديها لغيره، وإنما هو عبد لله أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: عبد أوحي إليه برسالة ليبينها للناس.
فالرسول من قبل الله برسالته وبدينه وبكتابه هو الذي يحتاج إلى كفاح وإلى أخذ وعطاء، وإلى حرب تكون تارة له وتارة عليه، وتكون الحرب سجال: فيوم له ويوم عليه، ولكن الغاية والنتيجة تكون للرسول، والنصر له لا لأولئك الأعداء.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧٢]، والنبي لا يحارب ولا يقاوم؛ لأنه لم يكلف بالبلاغ، لم يكلف برسالة، لم يكلف بكتاب، وعلى ذلك فليس هو في حرب، فإن قتلوا فذلك من الظلم، وهذا شأن اليهود أعداء الله في عصورهم السابقة واللاحقة، فقد حاولوا قتل عيسى، وحاولوا صلبه، ولكن الله أنقذه منهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، لكن النصارى واليهود في الأرض قبلوا هذا الكذب، وهذا الإفك، كما كذب من زعم صلبه وقتله.
وحاولوا قتل نبينا ﵊ وسمموه، وبقي ثلاثة أعوام منذ غزوة خيبر وهو يقول: (لا تزال أكلة خيبر تعاودني حتى قطعت أبهري)، جاءته امرأة يهودية وقدمت له طعاماً وسممت الذراع لعلمها أنه يحبه ﵊، وكان معه صحابيان، فمات الصحابيان من حينهما، والنبي رفع يديه من اللقمة الأولى ﵊ وقال: (لقد أخبرتني هذه الذراع بأنها مسمومة)، ولكن السم سرى في جنبه وبقي يتأثر به ثلاث سنوات متصلة؛ ولذلك كانت تقول السيدة عائشة: جمع الله لرسوله ﵊ بين الشهادة والموت على فراشه.
ومرة وهو في حصن من حصونهم، حمل أحد اليهود صخرة وأراد أن يرميها على رأسه ﵊، ولكن مع ذلك نصره الله عليهم، كما نصر رسله السابقين، وهذا مصداق قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧٢]، أي: على أعدائهم، منصورون بالدليل، ومنصورون بالبرهان، ومنصورون بالحجة، ومنصورون بالحرب والقتال، والعاقبة لهم، والعقاب المبين لأعدائهم: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣].
والجند: المجاهدون في سبيله من المهتدين بكتاب الله، فهؤلاء هم الغالبون لأعدائهم، هم المفضلون في رسالاتهم، بالمعنى والحس، بدليل وبرهان وحجة، فالنهاية والعاقبة دائماً لهم مهما أوذوا وحوربوا.
وهكذا عندما نتتبع سيرة نبينا ﷺ ، في حربه معهم، سواء في مكة بلدته ومسقط رأسه الشريف، أو عندما انتقل إلى المدينة، وسواء عندما حاربهم وحاربوه، هاجمهم وهاجموه، بعض المعارك كانت على المسلمين، وبعضها كانت لهم، وكانت العاقبة في النهاية له، وكانت المعركة الفاصلة هي معركة بدر، حيث أذل أعداءه، وقتل زعماءهم، وأسر كفارهم، إلى أن دخل مكة منتصراً مظفراً، وهم يرتل نشيد الفتح: (الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
стр. 1788
تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم حتى حين)
يقول الله له: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ * وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٤ - ١٧٥].
أي: فأعرض عن هؤلاء الذين واجهوك وحاربوك، وقالوا عن رسالتك، وقالوا عن الكتاب الذي أنزل عليك ما قالوه من الكذب، ومن الإفك، ومن البهتان، أعرض عن هؤلاء، تولّ عنهم (حتى حين) أي: إلى زمن لاحق، إلى نصرك المؤزر عليهم كما حدث في غزوة بدر.
(إلى حين) أي: حين هلاكهم، وأسرهم، وموتهم، وإراحة الله لك منهم ومن وجودهم، وكان هذا قبل فرض القتال، ولا ننسى أن السورة مكية، والحرب والقتال لم يشرع بعد في مكة، فكان النبي ﵊ يقول لأصحابه: (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة)، فقد كانوا يربون على المقاومة، يلحون على الكفاح والمحاربة والنبي ﵊ يقول لهم: صبراً صبراً.
وهذا مما يؤكد أن الإسلام انتشر باللسان وانتشر بالدليل والبرهان، لا كما زعم الكفرة الجاحدون، ولا كما زعم الجهلة من أفراخهم وتلاميذهم، والدارسين عليهم، وكما قال زعيم من زعماء الكفر -والحق ما شهدت به الأعداء- وكان من المنصفين: من زعم بأن محمداً نشر إسلامه بالسيف فقد كذب.
فلم يخرج بين الأمم والشعوب والسيف بيده يقتل هذا ويؤدب هذا والناس مستسلمون له، ولم يكن هذا من طبيعة حياته، ولم يذكر هذا في سير الأنبياء، ولم يذكر هذا عن قادة الأفكار والآراء والرسالات، هذا كذب عقلاً وواقعاً، فقد عاش النبي ﵊ في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً، لم يحمل سيفاً ولا عصاً، بل كان يقاوم ولا يقاوم، ويقاوم أصحابه ولا يقاومونه، هجروه وقاطعوه ثلاث سنوات متتالية، حتى كان أصحابه يأكلون ورق الشجر.
شتموا وسبوا، لعنوا وضربوا بالحجارة، كذبوا وتآمروا، قتلوا وعذبوا، حتى قتلوا سمية تحت السياط في شدة حر مكة، ومع ذلك يمرون على عمار وعلى أبيه ياسر، وعلى أمه سمية وهم يعذبون ليرتدوا عن دينهم، وتأبى أم عمار، ويمر على بلال وهو يعذب، يقولون له: أشرك بالله واكفر بمحمد، فلا يقول إلا: أحد أحد! وظفر مسيلمة برسول رسول الله فكان يقول له: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فيقول له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم، فقال له: تجيب عندما تسمع محمداً وتصم أذنك عن سماعي فقتله.
فرسول الله ﷺ والرسل أجمعون نشروا دينهم بالحجة والبيان قبل السيف والسنان.
стр. 1789
تفسير قوله تعالى: (وأبصرهم فسوف يبصرون)
قال تعالى: ﴿وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٥].
أي: أبصر عذابهم وترقب، فسينتقم الله لك وينصرك عليهم كما نصر إخوانك الأنبياء السابقين، فترقب عذابهم، وترقب بلاءهم، وستبصر ذلك بعينيك وسيبصرون كذلك ما ينكرونه، وسيرون العذاب محيطاً بهم، وسيرون أنفسهم مشردين أسرى، بين قتيل وجريح وطريح، إلى أن تفتح مكة وتعلن فيها كلمة الله كما كان ذلك أيام إسماعيل رسول الله، وأبيه إبراهيم رسول الله وخليله.
فقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٥]، السين وسوف: للمستقبل وللتربص، (السين): للتقريب، و (سوف): للانتظار البعيد، وقد رأوا ذلك بعد سنوات من هجرة المصطفى ﵊ إلى المدينة المنورة، ثم لم يقل رسول الله: بل الرفيق الأعلى حتى كان الإسلام قد وطد أركانه وثبت أوتاده، وعلمه الجاهل قبل أن يعلمه العالم.
وما كاد ﵊ يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى خرج الأصحاب في خلافة أبي بكر بداية، ثم في خلافة عمر نهاية، من الجزيرة ناشرين دين الله في مشارق الأرض ومغاربها، وما كادت تتم خمسون سنة من نزول الوحي حتى كان الإسلام قد عم المشارق والمغارب، ودخل أوروبا وفرنسا، وهو شيء لم يشهد نظيره التاريخ، وبقي الناس في عجب وإلى يومنا هذا كيف انتصر الإسلام بهذه السرعة مع وجود دولتين عظيمتين عاصرتا رسول الله ﷺ ؟! وكذلك عاصرتا أبا بكر وعمر، حتى أصبحتا ولاية إسلامية يحكمها المسلمون، وقد قال ﵊: (لا فارس بعد فارس، ولا كسرى بعد كسرى)، وكان ذلك من معجزات المصطفى ﷺ وإخباره بالغيب.
بل طرد الروم من المشارق إلى أوروبا، إلى أن أخرجوا في القرن الثاني من القسطنطينية، وأصبحت تسمى: دار الإسلام أو (استانبول)، وبقيت على الإسلام إلى يومنا هذا، وقد حاول أن ينصرها من ينصرها من اليهود ومن الصليبيين، ولكن مع ذلك أبت إلا العودة إلى الإسلام.
стр. 1790
تفسير قوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون)
قال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات:١٧٦].
أي: أنظرهم الله وإذا بهم يستعجلون العذاب فلم يريدوا انتظاره إلى زمن معين ووقت محدد، بل قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢].
استعجلوا العذاب واستعجلوا البلايا، ولكن الله لا يعجل بعجلة أحد، فجاء الوقت المحدد المسمى عند ربنا فأهلكوا، ودمروا وطردوا، وكان القضاء عليهم، وأصبحت جزيرة العرب كلها دار إسلام، كما قال ﵊: (لقد يئس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب بعد هذا اليوم).
ثم بشر ﵊ بأنها ستفيض بحار الدعوة إلى الله في سبيل الله، وفي سبيل نشر الإسلام، فبشر بفتح المغرب وفارس، وبفتح الشام واليمن، وبفتح مصر والعراق، وما مضى خمسون عاماً من تاريخ الزمان حتى تحقق كل هذا، ودخل الناس في دين الله وعبادته، وفيمن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
يقول ربنا ﷻ : ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:١٧٧].
أي: إذا نزل عذابنا بساحتهم، بحضرتهم، بأقوامهم، يقال: ساح بفلان، ويراد قومه ونفسه وداره، وما يحيط به (فإذا نزل) أي: العذاب الذي استعجلوه: ﴿بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:١٧٧]، أي: ما أسوأ صباحهم! وما أشد لعنتهم! وما أحقر نفوسهم عندما يحل العذاب بساحتهم! يروي أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ كما في الصحيحين يقول: ذهب رسول الله ﷺ إلى خيبر ليؤدبهم حيث غدروا وخانوا في وقعة الأحزاب، فقد خانوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاولوا حرب النبي ﷺ ، وذهبوا إلى مكة يؤلبون عليه عربها، وإلى نجد يؤلبون عليه غطفان فكان بعد أن انتصر ﵊ في موقعة الأحزاب، ذهب إلى بني قريظة، ثم بعد ذلك إلى خيبر.
فعندما أصبح بخيبر قال أنس: نزل عليهم ليلاً وكان ﵊ إذا نزل ليلاً لا يحارب إلا صباحاً، كي لا يفجعهم وهم نيام، بات ﷺ ليله، قال أنس: فجاء الصباح وخرج الناس من خيبر، وخرج اليهود وبيدهم الفئوس للزراعة والحراثة، وإذا بهم يرون رسول الله ﷺ فيعودون مرعوبين مفزوعين ذاهلين!! وهم يصيحون: محمد والخميس! أي: الجيش، حيث جاء محارباً مقاتلاً، فعندما سمع ذلك ﵊ قال: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
فكان صباحهم صباح ذل، وصباح هوان، وصباح غلبة، وإذا بالنبي ﵊ يحاصرهم في حصونهم وقلاعهم إلى أن نزلوا على حكم رسول الله أذلاء خانعين عن كره أو عن رضا، فالكل سواء، فلم يسمح لهم إلا أن يخرجوا ما تحمله أيديهم ورواحلهم فقط.
وهكذا نصر الله خاتم رسله -كما نصر الأولين منهم- النصر العزيز المؤزر على الوثنيين من أهل الجزيرة، وعلى الكتابيين من أهل المدينة، وعلى الكتابيين الآخرين من أرض جيزان.
следующие страницы →