Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
تفسير سورة الصافات [١٧١ - ١٨٢]
أرسل الله الرسل حجة على خلقه مبشرين ومنذرين، فمن آمن فلنفسه، ومن كفر فعليها، وقد لاقى رسل الله من المكذبين الجحود والاستكبار والاضطهاد والأذى، ولكن الله كتب أن رسله هم المنصورون وأن جنده هم الغالبون ولو بعد حين.
стр. 1787
تفسير قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين)
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ * وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٦].
يذكر ﷻ بعد أن قص علينا ما عاقب به أولئك الجاحدين الكافرين المكذبين بالرسل وبرسالاتهم، وبالكتب المنزلة عليهم، يذكر ربنا: أنه سبق في علمه، وسبق في قضائه، وسبق في اللوح المحفوظ: أن عباده المرسلين هم المنصورون، ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣].
وسبق في علم الله أن العاقبة للمتقين، والنصر للمرسلين، والهزيمة للكافرين.
(سبقت كلمتنا) كلمة الله: هي أمره وإرادته، وكان ذلك في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] (كتب الله) أي: فرض الله، كتب في اللوح المحفوظ بأن المرسلين الذين يرسلهم من عباده الصالحين مهما قاومهم أعداؤهم ومهما قاومهم الكفرة الجاحدون، فالنصر في الأخير لهم، والكلمة الحقة لهم.
وهكذا عندما قص الله علينا عن قوم هود، وقوم نوح، وقوم ثمود، وقوم صالح، وجميع أولئك، كان النصر بعد ذلك لنوح، وكان لهود، وكان لصالح، وكان لموسى وهارون، وكان لإبراهيم.
وهنا سؤال مهم: يقول: الحسن البصري: ما سبق أن قتل رسول من رسل الله، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٢].
السؤال
هل هناك تعارض بين هذا الكلام وبين مقتل يحيى وزكريا؟
الجواب
لا يوجد تعارض؛ فالله تعالى لم يقل: (الأنبياء) ولكن قال: (المرسلين) وهم الذين يحادهم أعداؤهم المرسلون إليهم، وهم الذين أمروا بأن يبلغوا رسالة الله بين قوم جاهلين، وبين قوم وثنيين، وهم الذين يكون بينهم وبينهم أخذ وعطاء، وحرب وقتال.
وأما الأنبياء فليسوا كذلك: فالنبي لم يؤمر برسالة يؤديها لغيره، وإنما هو عبد لله أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: عبد أوحي إليه برسالة ليبينها للناس.
فالرسول من قبل الله برسالته وبدينه وبكتابه هو الذي يحتاج إلى كفاح وإلى أخذ وعطاء، وإلى حرب تكون تارة له وتارة عليه، وتكون الحرب سجال: فيوم له ويوم عليه، ولكن الغاية والنتيجة تكون للرسول، والنصر له لا لأولئك الأعداء.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧٢]، والنبي لا يحارب ولا يقاوم؛ لأنه لم يكلف بالبلاغ، لم يكلف برسالة، لم يكلف بكتاب، وعلى ذلك فليس هو في حرب، فإن قتلوا فذلك من الظلم، وهذا شأن اليهود أعداء الله في عصورهم السابقة واللاحقة، فقد حاولوا قتل عيسى، وحاولوا صلبه، ولكن الله أنقذه منهم: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، لكن النصارى واليهود في الأرض قبلوا هذا الكذب، وهذا الإفك، كما كذب من زعم صلبه وقتله.
وحاولوا قتل نبينا ﵊ وسمموه، وبقي ثلاثة أعوام منذ غزوة خيبر وهو يقول: (لا تزال أكلة خيبر تعاودني حتى قطعت أبهري)، جاءته امرأة يهودية وقدمت له طعاماً وسممت الذراع لعلمها أنه يحبه ﵊، وكان معه صحابيان، فمات الصحابيان من حينهما، والنبي رفع يديه من اللقمة الأولى ﵊ وقال: (لقد أخبرتني هذه الذراع بأنها مسمومة)، ولكن السم سرى في جنبه وبقي يتأثر به ثلاث سنوات متصلة؛ ولذلك كانت تقول السيدة عائشة: جمع الله لرسوله ﵊ بين الشهادة والموت على فراشه.
ومرة وهو في حصن من حصونهم، حمل أحد اليهود صخرة وأراد أن يرميها على رأسه ﵊، ولكن مع ذلك نصره الله عليهم، كما نصر رسله السابقين، وهذا مصداق قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧٢]، أي: على أعدائهم، منصورون بالدليل، ومنصورون بالبرهان، ومنصورون بالحجة، ومنصورون بالحرب والقتال، والعاقبة لهم، والعقاب المبين لأعدائهم: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣].
والجند: المجاهدون في سبيله من المهتدين بكتاب الله، فهؤلاء هم الغالبون لأعدائهم، هم المفضلون في رسالاتهم، بالمعنى والحس، بدليل وبرهان وحجة، فالنهاية والعاقبة دائماً لهم مهما أوذوا وحوربوا.
وهكذا عندما نتتبع سيرة نبينا ﷺ ، في حربه معهم، سواء في مكة بلدته ومسقط رأسه الشريف، أو عندما انتقل إلى المدينة، وسواء عندما حاربهم وحاربوه، هاجمهم وهاجموه، بعض المعارك كانت على المسلمين، وبعضها كانت لهم، وكانت العاقبة في النهاية له، وكانت المعركة الفاصلة هي معركة بدر، حيث أذل أعداءه، وقتل زعماءهم، وأسر كفارهم، إلى أن دخل مكة منتصراً مظفراً، وهم يرتل نشيد الفتح: (الحمد لله الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده).
стр. 1788
تفسير قوله تعالى: (فتول عنهم حتى حين)
يقول الله له: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ * وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٤ - ١٧٥].
أي: فأعرض عن هؤلاء الذين واجهوك وحاربوك، وقالوا عن رسالتك، وقالوا عن الكتاب الذي أنزل عليك ما قالوه من الكذب، ومن الإفك، ومن البهتان، أعرض عن هؤلاء، تولّ عنهم (حتى حين) أي: إلى زمن لاحق، إلى نصرك المؤزر عليهم كما حدث في غزوة بدر.
(إلى حين) أي: حين هلاكهم، وأسرهم، وموتهم، وإراحة الله لك منهم ومن وجودهم، وكان هذا قبل فرض القتال، ولا ننسى أن السورة مكية، والحرب والقتال لم يشرع بعد في مكة، فكان النبي ﵊ يقول لأصحابه: (صبراً آل ياسر! إن موعدكم الجنة)، فقد كانوا يربون على المقاومة، يلحون على الكفاح والمحاربة والنبي ﵊ يقول لهم: صبراً صبراً.
وهذا مما يؤكد أن الإسلام انتشر باللسان وانتشر بالدليل والبرهان، لا كما زعم الكفرة الجاحدون، ولا كما زعم الجهلة من أفراخهم وتلاميذهم، والدارسين عليهم، وكما قال زعيم من زعماء الكفر -والحق ما شهدت به الأعداء- وكان من المنصفين: من زعم بأن محمداً نشر إسلامه بالسيف فقد كذب.
فلم يخرج بين الأمم والشعوب والسيف بيده يقتل هذا ويؤدب هذا والناس مستسلمون له، ولم يكن هذا من طبيعة حياته، ولم يذكر هذا في سير الأنبياء، ولم يذكر هذا عن قادة الأفكار والآراء والرسالات، هذا كذب عقلاً وواقعاً، فقد عاش النبي ﵊ في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً، لم يحمل سيفاً ولا عصاً، بل كان يقاوم ولا يقاوم، ويقاوم أصحابه ولا يقاومونه، هجروه وقاطعوه ثلاث سنوات متتالية، حتى كان أصحابه يأكلون ورق الشجر.
شتموا وسبوا، لعنوا وضربوا بالحجارة، كذبوا وتآمروا، قتلوا وعذبوا، حتى قتلوا سمية تحت السياط في شدة حر مكة، ومع ذلك يمرون على عمار وعلى أبيه ياسر، وعلى أمه سمية وهم يعذبون ليرتدوا عن دينهم، وتأبى أم عمار، ويمر على بلال وهو يعذب، يقولون له: أشرك بالله واكفر بمحمد، فلا يقول إلا: أحد أحد! وظفر مسيلمة برسول رسول الله فكان يقول له: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فيقول له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم، فقال له: تجيب عندما تسمع محمداً وتصم أذنك عن سماعي فقتله.
فرسول الله ﷺ والرسل أجمعون نشروا دينهم بالحجة والبيان قبل السيف والسنان.
стр. 1789
تفسير قوله تعالى: (وأبصرهم فسوف يبصرون)
قال تعالى: ﴿وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٥].
أي: أبصر عذابهم وترقب، فسينتقم الله لك وينصرك عليهم كما نصر إخوانك الأنبياء السابقين، فترقب عذابهم، وترقب بلاءهم، وستبصر ذلك بعينيك وسيبصرون كذلك ما ينكرونه، وسيرون العذاب محيطاً بهم، وسيرون أنفسهم مشردين أسرى، بين قتيل وجريح وطريح، إلى أن تفتح مكة وتعلن فيها كلمة الله كما كان ذلك أيام إسماعيل رسول الله، وأبيه إبراهيم رسول الله وخليله.
فقوله: ﴿وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٥]، السين وسوف: للمستقبل وللتربص، (السين): للتقريب، و (سوف): للانتظار البعيد، وقد رأوا ذلك بعد سنوات من هجرة المصطفى ﵊ إلى المدينة المنورة، ثم لم يقل رسول الله: بل الرفيق الأعلى حتى كان الإسلام قد وطد أركانه وثبت أوتاده، وعلمه الجاهل قبل أن يعلمه العالم.
وما كاد ﵊ يذهب إلى الرفيق الأعلى حتى خرج الأصحاب في خلافة أبي بكر بداية، ثم في خلافة عمر نهاية، من الجزيرة ناشرين دين الله في مشارق الأرض ومغاربها، وما كادت تتم خمسون سنة من نزول الوحي حتى كان الإسلام قد عم المشارق والمغارب، ودخل أوروبا وفرنسا، وهو شيء لم يشهد نظيره التاريخ، وبقي الناس في عجب وإلى يومنا هذا كيف انتصر الإسلام بهذه السرعة مع وجود دولتين عظيمتين عاصرتا رسول الله ﷺ ؟! وكذلك عاصرتا أبا بكر وعمر، حتى أصبحتا ولاية إسلامية يحكمها المسلمون، وقد قال ﵊: (لا فارس بعد فارس، ولا كسرى بعد كسرى)، وكان ذلك من معجزات المصطفى ﷺ وإخباره بالغيب.
بل طرد الروم من المشارق إلى أوروبا، إلى أن أخرجوا في القرن الثاني من القسطنطينية، وأصبحت تسمى: دار الإسلام أو (استانبول)، وبقيت على الإسلام إلى يومنا هذا، وقد حاول أن ينصرها من ينصرها من اليهود ومن الصليبيين، ولكن مع ذلك أبت إلا العودة إلى الإسلام.
стр. 1790
تفسير قوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون)
قال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات:١٧٦].
أي: أنظرهم الله وإذا بهم يستعجلون العذاب فلم يريدوا انتظاره إلى زمن معين ووقت محدد، بل قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢].
استعجلوا العذاب واستعجلوا البلايا، ولكن الله لا يعجل بعجلة أحد، فجاء الوقت المحدد المسمى عند ربنا فأهلكوا، ودمروا وطردوا، وكان القضاء عليهم، وأصبحت جزيرة العرب كلها دار إسلام، كما قال ﵊: (لقد يئس الشيطان أن يعبد في جزيرة العرب بعد هذا اليوم).
ثم بشر ﵊ بأنها ستفيض بحار الدعوة إلى الله في سبيل الله، وفي سبيل نشر الإسلام، فبشر بفتح المغرب وفارس، وبفتح الشام واليمن، وبفتح مصر والعراق، وما مضى خمسون عاماً من تاريخ الزمان حتى تحقق كل هذا، ودخل الناس في دين الله وعبادته، وفيمن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
يقول ربنا ﷻ : ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:١٧٧].
أي: إذا نزل عذابنا بساحتهم، بحضرتهم، بأقوامهم، يقال: ساح بفلان، ويراد قومه ونفسه وداره، وما يحيط به (فإذا نزل) أي: العذاب الذي استعجلوه: ﴿بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:١٧٧]، أي: ما أسوأ صباحهم! وما أشد لعنتهم! وما أحقر نفوسهم عندما يحل العذاب بساحتهم! يروي أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ كما في الصحيحين يقول: ذهب رسول الله ﷺ إلى خيبر ليؤدبهم حيث غدروا وخانوا في وقعة الأحزاب، فقد خانوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وحاولوا حرب النبي ﷺ ، وذهبوا إلى مكة يؤلبون عليه عربها، وإلى نجد يؤلبون عليه غطفان فكان بعد أن انتصر ﵊ في موقعة الأحزاب، ذهب إلى بني قريظة، ثم بعد ذلك إلى خيبر.
فعندما أصبح بخيبر قال أنس: نزل عليهم ليلاً وكان ﵊ إذا نزل ليلاً لا يحارب إلا صباحاً، كي لا يفجعهم وهم نيام، بات ﷺ ليله، قال أنس: فجاء الصباح وخرج الناس من خيبر، وخرج اليهود وبيدهم الفئوس للزراعة والحراثة، وإذا بهم يرون رسول الله ﷺ فيعودون مرعوبين مفزوعين ذاهلين!! وهم يصيحون: محمد والخميس! أي: الجيش، حيث جاء محارباً مقاتلاً، فعندما سمع ذلك ﵊ قال: (إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين).
فكان صباحهم صباح ذل، وصباح هوان، وصباح غلبة، وإذا بالنبي ﵊ يحاصرهم في حصونهم وقلاعهم إلى أن نزلوا على حكم رسول الله أذلاء خانعين عن كره أو عن رضا، فالكل سواء، فلم يسمح لهم إلا أن يخرجوا ما تحمله أيديهم ورواحلهم فقط.
وهكذا نصر الله خاتم رسله -كما نصر الأولين منهم- النصر العزيز المؤزر على الوثنيين من أهل الجزيرة، وعلى الكتابيين من أهل المدينة، وعلى الكتابيين الآخرين من أرض جيزان.
стр. 1791
تفسير قوله تعالى: (وتول عنهم حتى حين)
ثم أكد الله قوله الأول فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٨ - ١٧٩].
قال له مرة أخرى مؤكداً هذا النصر المنتظر، وهذا النصر العجيب الآتي: (تولّ عنهم) اصبر عليهم (حتى حين) إلى حين يؤمر بالقتال، إلى حين يذلون أو يهلكون أو يشردون وكل ذلك كان، فقد شرع القتال، وقتلوا وقهروا، وقتل من قتل وأسر من أسر، وهدى الله من سبق في علمه أنه سيهتدي ويموت على الإسلام.
стр. 1792
تفسير قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون)
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
بعد أن قص الله ﷻ في هذه السورة الكريمة، سورة الصافات التي نزلت بمكة، قصص من عتا على أنبيائه كقوم نوح، وقوم عاد، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم إلياس، وقوم يونس، ثم جمعهم جميعاً، وقال: بأنهم مهزومون، مغلوبون، وبأن الرسل هم المنصورون الغالبون؛ لأن الله كتب ذلك في سابق علمه، وسبقت به كلمته، حيث قال ﷻ : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:٢١] قال: (سبحان ربك).
فأتم ذلك بالتسبيح والتعظيم والتمجيد، فنزه نفسه ومجدها، وهو سبحانه ﷻ لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، وهو يعلمنا كيف ننزهه ونعظمه ونمجده.
(سبحان ربك) أي: نزه خالقك عن كل نقص، ومجده بكل كمال، وقل: سبحان ربي خالقي ورزاقي ومدبري.
(سبحان ربك): ربك يا محمد! ورب كل الخلق.
(رب العزة): رب الغلبة والقهر، رب القوة والسلطان، رب العزة، فلا عزة لأحد، ولا غلبة لأحد إلا من عزه، وإلا من غلبه، فهؤلاء عندما يغلبون لا يكون ذلك منهم، ولكن من باب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم:٨٣]، أو قد يكون ذلك بالنسبة للمسلم اختباراً وابتلاءً عسى أن يعود للحق، أن يعود للإيمان، أن يعود للطاعة.
قال: ﴿عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] عما وصفه به هؤلاء مما قصه الله علينا، بما وصفوه وقالوا: إن لله ولداً وسموه عيسى، إن لله بناتاً: هم الملائكة، إن لله شركاء من الجن، إن لله صاحبة وسموها مريم، إن لله شريكاً أو شركاء، وذهبوا يسمونها من أنواع الجمادات، ومن أنواع الإنس، ومن أنواع الجن، ومن أنواع الدواب، ومن أنواع الملائكة.
فالله ﷻ يسبح وينزه نفسه عن كل ما وصفه هؤلاء في هذه السورة الماضية المنتهية بهذا الذكر، وهذا التسبيح، وهذا التمجيد، ثم هو ربنا ﷻ منزه عن جميع ما لا يليق بجلاله، ولا يليق بكماله، عن وصف الكافر، ووصف الجاهل، ووصف الوثني، ووصف الكتابي، وكل ما قالوه وافتروه فيه على الله.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠] أي: عما يصفه هؤلاء الوثنيون، هؤلاء المشركون، هؤلاء الكافرون بالله، ممن ذكروا خلال هذه السورة.
стр. 1793
تفسير قوله تعالى: (وسلام على المرسلين)
قال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١].
الأمان والأمن في الدنيا والآخرة للمرسلين من رسل الله، من آدم إلى إدريس إلى نوح، ومن إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق إلى الأنبياء من بني إسرائيل، إلى نبينا العربي المكي المدني خاتم الأنبياء وسيد الرسل، بل وسيد الخليقة كلها: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١].
قال تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٢]، فالحمد لله أولاً، والحمد لله أخيراً، والحمد لله على أن هدانا للإسلام وأن نصر رسله، والحمد لله على أن كشف هؤلاء الكفرة وغلبهم، وقهرهم وأذلهم، وجعل مصيرهم إلى النار.
الحمد لله على أن هدانا للإيمان بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن إماماً، فالحمد لله على هذه المعاني الصادقة كلها.
ورد في الحديث عن رسول الله ﷺ : (إذا صليتم عليّ فصلوا على المرسلين، فأنا رسول من المرسلين)، وهذا صنيع ربنا في هذه السورة الكريمة، فهو قال: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١]، وقال النبي ﵊: (من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليختم مجلسه بما ختم به الله هذه السورة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]).
روى ذلك الطبراني عن زيد بن أرقم عن رسول الله ﵊، وروى ذلك علي بن أبي طالب موقوفاً من كلامه، ومرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، وفي رواية زيد: (من قرأ دبر كل صلاة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢] ثلاث مرات فقد اكتال بالمكيال الأوفى يوم القيامة من الأجر).
وهذا يسمى: كفارة المجلس وخاتمته، وأنه يكون ذلك عقب كل مجلس، وعقب كل صلاة وفي دبرها.
وقد ورد حديث آخر في كفارة المجلس، حيث قال ﵊: (من ختم مجلسه بقوله: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، كان ذلك كفارة له مما قد يقع في ذلك المجلس من لغو أو نميمة أو كلام لا يليق.
فمن الكفارات، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].
وبهذا نكون -ولله الحمد- قد ختمنا سورة الصافات، وسنشرع الآن في سورة (ص).
стр. 1794
تفسير سورة الزمر [١ - ٥]
القرآن الكريم كتاب الله أنزله دستوراً للمسلمين، وبين لهم فيه أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، وأن هذا هو الواجب، وأن الذين اتخذوا من المخلوقات أصناماً يعبدونها لتقربهم إلى الله ما هم إلا مشركون، فإنها لا تخلق شيئاً ولا تضر ولا تنفع.
стр. 1795
تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١ - ٢] سورة الزمر تشتمل على خمس وسبعين آية، نزلت في مكة المكرمة، إلا آية كما قال البعض، أو آيات كما قال آخرون.
وسميت بالزمر، وهي الجماعات؛ جمع زمرة، وأخذ ذلك من السورة الكريمة؛ لأن الكافرين يساقون إلى جهنم زمراً والمتقين يساقون إلى الجنة زمراً.
وأكثر سور القرآن الكريم سميت بما ذكر فيها كسورة البقرة لورود ذكر البقرة، وكسورة آل عمران سميت بذلك لذكر قصة آل عمران فيها وهكذا.
قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] مبتدأ وخبر، أي: تنزيل هذا الكتاب -وهو القرآن الكريم- من الله العزيز الحكيم، ليس كما ادعى الكفرة والكهنة من أنه قول محمد ﵊، أو أعانه عليه قوم آخرون، بل هو كلام الله المنزل على نبيه محمد سيد العرب والعجم صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله: ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] أي: من الله العزيز الذي لا ينال جنابه، العزيز الذي لا يقاوم، العزيز الذي يعز على كل من سواه أن يناله أو يتأله عليه.
الحكيم في كل أقواله وأفعاله، الحكيم في قدره وأمره ونهيه، وهو اسم من أسماء الله جل وعلا كالعزيز.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٢].
الألف واللام للعهد، فالكتاب هو القرآن المتكلم عنه، وإذا أطلق لفظ الكتاب بين العلم والكتب فلا ينصرف إلا إلى القرآن الكريم.
وإذا أطلق الكتاب عند النحاة فلا ينصرف إلا إلى كتاب سيبويه في النحو.
قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٢] هذا الكتاب لم ينزل بباطل، بل نزل بإحقاق الحق، وببيان الحقائق السابقة واللاحقة، نزل وفيه حقائق العقائد والأحكام والحلال والحرام، وكل ما يعود على الخلق من مصلحتهم ومنفعتهم في الدنيا والآخرة.
قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] فأول حقيقة نطق بها القرآن وجاءت بها الأنبياء: أن اعبدوا الله مخلصين له الدين، فهو أمر لآدم ولنوح بعده ولسلالته من الأنبياء والمرسلين، إلى إبراهيم وولديه إسماعيل وإسحاق، وإلى سلالة إسحاق من أنبياء بني إسرائيل، وإلى إمام الأنبياء والمرسلين محمد عليه وعلى أبويه إسماعيل وإبراهيم الصلاة والسلام.
فالقرآن جاء بحقائق العبادة مخلصة لله، جاء بلا إله إلا الله.
فقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] أي: فاعبد الله يا محمد! وكذلك كل من سمع بهذا الكتاب وتبع هذا النبي الكريم.
قالوا: الإخلاص في الدين قول لا إله إلا الله، وكما قال نبينا ﵊: (أفضل ما قلته أنا والنبيون قبلي لا إله إلا الله).
فهي كلمة الإخلاص والتمجيد والتعظيم، ومعناها: لا إله بحق، ولا معبود بحق، ولا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت إلا الله الواحد القهار.
فيقول الله: يا محمد! لا تشرك في عبادتك مع الله أحداً، ولا تراء بها ولا تسمع بها، ولا تتخذ مع الله أنداداً وشركاء وآلهة، إنما هو إله واحد لا إله إلا هو.
فأخلص له العبادة، ولا تشرك معه شيئاً لا في عملك ولا في نيتك ولا في قولك، فكل ذلك اقصد به وجه الله واجعل دينك خالصاً له.
والله ﷻ أبعد الناس عن قبول ما يشرك به فيه، وصلى الله على نبينا القائل: (إن الله غني عن الشركاء لا يقبل إلا ما كان خالصاً).
وهكذا يدعو الله ﷻ عباده المؤمنين إلى إخلاص العبادة له وتخصيصها له، ولا يعبدون معه شركاء ولا يُسمِعون ولا يراءون، فلابد أن تكون عبادتهم لله خالصة، لا يرجون من ورائها جزاءً ولا شكوراً من أحد إلا من المعبود الواحد الأحد سبحانه.
стр. 1796
تفسير قوله تعالى: (ألا لله الدين الخالص)
﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣].
قوله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
يؤكد ربنا ﷻ بأن دين الإسلام هو الدين الذي يدين به العبد ربه ويخلص فيه عبادته له، وما كان فيه شائبٌ من الشوائب، أو فيه نية سوء فتلك عبادة مضروب وجه صاحبها بها.
(جاء رجل إلى رسول الله ﵊ فقال: يا رسول الله! إني أعمل العمل أريد به وجه الله وأريد أن يذكرني الناس بخير، فقال له النبي ﵊: إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
والدين ما كان خالصاً له سبحانه، فما شابته من شائبة أو نية سوء أو شرك أو غيره، فتلك عبادة مشركة مضروب بها وجه صاحبها، لا يقبلها الله منه، وعليه وزرها وإثمها.
فقوله: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣] أي: لا يقبل الله إلا الدين الخالص من الناس؛ لأن الدين الذي أمروا به هو ما كان لله وحده لا شريك له فيه، وما لم يكن كذلك فليس ديناً ولا عبادة، وبالتالي لا يقبله الله.
فالله ﷻ لا يقبل إلا ما كان خالص العبادة لوجهه الكريم.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر:٣] أي: الذين صنعوا من دون الله أولياء وآلهة، أشركوهم مع الله في العبادة.
قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] يقول هؤلاء الذين اتخذوا الشريك مع الله في عبادته: إنما نتقرب باتخاذ الأوثان والأصنام حجارةً كانت أو ملكاً أو إنساً أو جنياً، فهؤلاء الذين اتخذوا أولياء معبودين، يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
فهم يدعون أنهم يعبدون الله، وأن عبادتهم لهؤلاء ليست لذواتهم وإنما زلفى وقربى، والزلفى: القرب، أي: نعبدهم متقربين إلى الله بهم.
كان يقول المسلم للكافر: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول له: من خلق السماء والأرض؟ فيقول: الله، فيقول له: من المحيي المميت؟ فيقول: الله، فعندما يقال له: فلم إذاً تعبد الأوثان والشركاء؟ وما معنى عبادتك لها؟ يقول: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، أي: ليكونوا متقربين منهم يشفعون لهم، وهيهات هيهات أن يشفع أحد عنده إلا بإذن.
ولا يشفع الحجر ولا الكافر ولا المشرك؛ لأنهم لا يؤمنون بالبعث ولا باليوم الآخر، فهؤلاء عندما يزعمون هذا الزعم ويدعون هذه الدعوى يزدادون في الشرك إغراقاً وفي الوثنية ضياعاً، فالعبادة ما كانت خالصة لله وحده، فلا شريك ولا ند ولا نظير له.
قال تعالى في سورة النجم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم:٢٣].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٣].
هؤلاء الذين أصروا على مخالفة وعصيان الأنبياء والدعاة إلى الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر:٣] أي: يوم القيامة، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٣] إن الله تعالى يوم القيامة عندما يرى من كان يؤمن غيباً ويصبح وقد آمن شهوداً -يراه المؤمن وغير المؤمن- عند ذلك يحكم الله بين العباد فيحق الحق ويبطل الباطل.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد:١٧].
فالمزيفون المبطلون الوثنيون يؤخذون إلى النار ولا كرامة، والمؤمنون الصادقون المخلصون لله في عبادتهم له يدخلون الجنة زمراً أي: جماعات جماعات.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣] يهدي الله من طلب الهداية، وانشرح صدره.
أما المفتري الكاذب على الله اتخذ الآلهة التي هي أعجز من أن تنفع نفسها أو تضرها فضلاً عن أن تنفع غيرها أو تضرها، ما دام مصراً على الكذب والافتراء فإن الله لا يهديه.
قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠].
فهؤلاء لا خير في قلوبهم، وبالتالي لا هداية لهم، وأخيراً لا يصلحون لخير؛ لأن قلوبهم انطوت على الكذب والافتراء على الله، فما داموا كذلك فقد غطى الران قلوبهم، فأصبحوا عمي البصائر قبل أن تعمى منهم الأبصار.
стр. 1797
تفسير قوله تعالى: (لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه)
قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤].
لو: شرط، والشرط لا يلزم وقوعه، بل هو هنا مستحيل، فالولد مستحيل، والشريك مستحيل؛ لأن الله جل وعلا هو الخالق للولد وللصاحبة، وهو غني عنهما، ولا يليق ذلك بالخالق إنما يليق بالمخلوق.
فالله يقول لهؤلاء: لم تختارون لي عيسى وعزيراً، أو الملائكة أو الجن أو غيرهم؟ لو شئت لاخترت الولد مما أخلق حسب اختياري لا حسب رغبتكم واختياركم.
فالنصارى الذين يدعون أن عيسى ولد الله، واليهود الذين يدعون أن عزيراً ابن الله، وادعى اليهود والنصارى جميعاً أنهم أبناء الله، هم كذبة فجرة، فالله لا شريك لله له ولا ولد ولا صاحبة، قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] أي: لا كفء له ولا ند، ولا مثيل ولا نظير له.
وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١].
فما نسبوه إليه من ولد وصاحبة ما هي إلا أسماء وأكاذيب وأضاليل كذبوها وافتروها على الله الواحد زوراً وبهتاناً.
قوله تعالى: ﴿لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر:٤] أي: لاختار، وإذا اختار ذلك مما يخلق -على أن الشرط لا يلزم وقوعه- فيكون مخلوقاً، والمخلوق عبد، والعبد لن يكون ولداً ولن يكون شريكاً بحال من الأحوال، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] فكلنا عبيد له، وملائكة الله ورسله وجميع خلقه عبيد له.
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ [الزمر:٤] ينزه نفسه ﷻ ، وقد ذكر هذا الشرط قمعاً لهؤلاء وتضييعاً وتزييفاً لزيفهم وباطلهم، فسبح نفسه ونزهها وعظمها وعلمنا كيف نصنع مثل ذلك، فنقول: سبحانه سبحانه، لم يكن له شريك، ولم يكن له أب ولا ولد، بل هو الله خالق كل شيء.
قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤] ليس له أب ولا ابن ولا صاحبة، وحاشاه من ذلك، إنما هو الذي لا أول لبدايته ولا خاتمة لنهايته، كان الله ولا شيء معه، وهو على ما كان عليه، وسيذهب الخلق ويبقى الخالق وحده .
هو الواحد في ذاته، والواحد في صفاته، والواحد في أفعاله، لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد ولا أب.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤].
قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤] الذي قهر خلقه بالموت وبإرادته، يصنع ما شاء بمن شاء كيف شاء ﷻ ، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣].
فنحن مسئولون عن كل شيء يكون عنا، ولكن الله الواحد القهار يفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل.
стр. 1798
تفسير قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق)
﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥].
قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٥] أي: أنزل الكتاب بالحق، وأمر العباد بأن يعبدوه بحق، وخلق السماوات والأرض بالحق، لم يخلقها باطلاً ولم يخلقها عبثاً.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
خلق السماوات ومن فيها ليعبدوه ﷻ ، وخلق الأرض ومن عليها ليعبدوه ﷻ ، وكما قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: (أطت السماء وحق لها أن تئط - صوتت - ما من موضع قدم إلا وفيه ملك قائم أو ساجد وهو يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح).
وكذلك عباد الله المطيعون هم في عبادة دائمة، في صلاة وصيام وزكاة وحج وذكر وتلاوة.
والعبد المؤمن في عبادة مستمرة حتى في المباحات، يكون عابداً وهو نائم، ويكون عابداً وهو يأكل، وذلك إذا فعل المباحات بنية العبادة والعون عليها، وليتفرغ ويزداد نشاطاً للعبادة فيكون بذلك عابداً.
والنبي ﵊ جعل في جماع الرجل لزوجه أجراً وثواباً، فقد قيل له: (أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أفرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: كذلك إذا وضعها في حلال كان له فيه أجر).
فانتقاله من الحرام إلى الحلال هي عبادة في حد ذاتها؛ لأنه يتزوج ليحصن نفسه ويبتعد عن الإغراء وتزيين الشيطان، كذلك أكله وشرابه، وراحته ونومه وتنقله في أرض الله وبين خلق الله عبادة.
وعندما يفكر في خلق الله ويكثر من ذكر الله فهو في عبادة.
قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥].
يخبر ربنا معلماً أولئك الذين أشركوا به ومثبتاً لقلوب المؤمنين إلى يوم لقائه بأنه خلق السماوات والأرض بالحق.
قال تعالى: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥] أي يغشي الليل النهار ويغشي النهار الليل، ويزيد هذا وينقص هذا، يزيد النهار في الصيف وينقص في الشتاء، وأقل النقص تسع ساعات، وأكثر الزيادة خمس عشرة ساعة.
فقوله: ﴿يُكَوِّرُ﴾ [الزمر:٥] من التكوير، عندما يكور الإنسان العمامة على رأسه، ومعنى ذلك: أن الأرض كروية، بمعنى: أن كل ذلك على شبه كرة يلف عليها الليل، ولف الليل أي: غيبوبة الشمس والدخول في الظلام.
وتكوير النهار أي: ظهور الضياء والنور وغيبوبة الليل.
ومما يؤكد هذا قول نبينا ﵊: (العرش فوق الكون وفوق السماوات هكذا، وأشار بيده كالقبة).
وهذا ما أجمع عليه المسلمون في عصر التابعين أخذاً بالنصوص القرآنية والنبوية، ونص على هذا التواتر أئمة في الحديث وأئمة في التفسير وأئمة في الفقه، منهم ابن حزم وابن تيمية والغزالي وآخرون لا يحصي عددهم إلا الله، قالوا ذلك قبل أن يخطر هذا المعنى ببال أحد.
وقال بذلك أحد العارفين بالله من علماء القرن الثاني فقال: الأرض الكروية مستطيلة بيضاوية، وهذا ما أكده الفقه والواقع، فهي كروية ولكنها مستطيلة على شكل بيضة.
وهذا هو المؤكد، فالشهيد الإدريسي المغربي من علماء القرن الرابع وضع مثالاً لجغرافية الأرض من فضة لجميع قاراتها وجعلها كذلك كروية، وكان إماماً كبيراً في الدين والعلم وفي المعرفة بالله كذلك.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الزمر:٥] أي: ذللها لنفع عباده، فالحي لا يستغني عن ضياء الشمس ولا عن ضياء القمر.
فالنباتات إذا غاب عنها الشمس أو غاب عنها ضياء القمر ذبلت وضاعت، وبالتالي لا تخرج ثمراً، ولذلك يقول الأطباء: بيت لا تدخله الشمس مرضى أهله، وبيت تدخله الشمس أصحاء أهله.
وشتان بين أن تعيش حياتك صحيحاً، وبين أن تعيش مريضاً.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٥] الشمس والقمر والليل والنهار تجري جميعها وتدور مع الأرض لأجل مسمى عنده، فالأجل المسمى هو يوم يفنى كل شيء ويبقى الواحد القهار، يوم تتصدع السماوات والأرض، ويوم يصبح الكل هباء في هباء كما كانوا.
قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
قال تعالى: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥] تنزيه مرة أخرى لله الذي جعلوا له شريكاً ولم يخلصوا العبادة له، واتخذوا معه أنداداً وقالوا عنها: إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، وهيهات هيهات، بل تلك هي أباطيل وأسماء ما أنزلها الله، فليس في الكون إلا الله الواحد القهار العزيز الغفار، العزيز الذي لا ينال ولا يغالب، ومن يتأله على الله يكذبه، ومع عزته وقهره وجلاله وجبروته وسلطانه يغفر لمن استغفر، ويتوب على من تاب، والإسلام يجب ما قبله.
فيغفر الله الشرك والكفر، ويغفر جميع الآثام لمن قال يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ولمن آمن بالله رباً وبمحمد نبياً وخاتماً للرسل وللأنبياء ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥].
стр. 1799
تفسير سورة الزمر [٦ - ٩]
الله تعالى خلق بني آدم من نفس واحدة حتى صاروا إلى هذه الكثرة، فهو المتفضل عليهم بالخلق، كما أنه المتفضل عليهم بالرزق، فقد خلق لهم من الأنعام ثمانية أزواج، وأنعم عليهم بنعمه التي لا تحصى، ومع هذا فالكثيرون يكفرون نعمة الله، والله تعالى غني عنهم لا يضره كفرهم، ولكن من رحمته أنه لا يرضى لهم الكفر، بل يحب أن يؤمنوا به وبرسله ويشكروه.
стр. 1800
تفسير قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها)
стр. 1801
معنى قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها)
قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦].
يشير الله سبحانه إلى قدرته، ويعلمنا كيف نوحده ونصفه ونعرفه، وأن هذه الصفات لن تكون لأحد سواه ﷻ .
قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر:٦] خلقنا جميعاً من نفس واحدة هي: أبونا آدم، خلقه من تراب، خلقه بيده، وصوره بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم أسجد له ملائكته.
فكل هؤلاء الخلق كانوا من نفس واحدة، ولذلك لا حاجة للتعاظم والتفاخر في الأنساب، فسواء كنا بيضاً أو سوداً أو صفراً أو سمراً فأبونا واحد، وأبونا من تراب، وليست الأفضلية إلا بالتقوى لا بأبيه ولا بأمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦] ثم خلق وصير من النفس الواحدة زوجة، خلقها وفرعها من النفس الأولى وهي أمنا حواء، خلقها من ضلع من أضلاعه كما قال نبينا ﷺ كما في الصحيح: (خلقت من ضلع أعوج، إن أنت أقمتها كسرتها، وإن أنت استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج).
فمن كان أصل خلقته عوجاء لا تقبل الاستقامة وإلا كسرت.
إذاً: فاقبلها على علاتها ما لم يصل ذلك العوج إلى الدين وإلى الخلق وإلى الفضائل، فعند ذلك لا يصبر على هذا.
قال الإمام مالك: إن ترضية الزوجة منسأة في العمر، مصحة في الحياة، تزيد في الأجل، بمعنى: أنه يستريح الإنسان ويصح، وإذا صح تمتع بحياته، وإلا فإن العمر لا يزيد ولا ينقص، لكنه يكون كمن عاش زمناً طويلاً.
فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦] كما قال تعالى في أول سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١].
خلقنا من نفس واحد هو آدم، خلق منه أمنا حواء وهي الأم الأولى، ثم بث منهما نساء كثيراً ورجالاً كثيرين، حذفت الثانية لدلالة الأولى عليها وذاك من البلاغة والفصاحة.
стр. 1802
معنى قوله تعالى: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦].
خلقكم وخلق معكم أرزاقكم وأمتعتكم باللحوم، كما قال في سورة الأنعام: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ * وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣ - ١٤٤].
فهي ثمانية: الضأن الذكر والأنثى، الماعز الذكر والأنثى، البقر البقرة والثور، الإبل الناقة والجمل، وبلا أنثى لا يكون ذكر، وبلا ذكر لا تكون أنثى، خلقنا الله من زوجين اثنين، وكل الخلق كذلك إلا الملائكة.
قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ﴾ [الزمر:٦] قالوا: أنزل المطر فارتوت الأرض واهتزت وأنبتت، ما عليها من مراعيها، فأكلت الأنعام وشربت، ولو لم ينزل المطر لما كان شيء من ذلك، وبالتالي لا تكون هناك أنعام ثمانية.
فقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] هذه الثمانية من الضأن ومن المعز ومن البقر ومن الإبل.
стр. 1803
معنى قوله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق)
قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] قص علينا سبحانه قصة آدم وكيف خلقه من تراب، وكيف نفخ فيه من روحه وكيف أسجد له ملائكته، ثم هنا أكد لنا كيف خلق زوجته وأنها خلقت منه، ثم كيف خلقنا نحن.
فقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾ [الزمر:٦] أي: خلقنا من مني كما خلق جميع الخلق من البشر سوى آدم وحواء.
قوله: (خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ) أي: في أطوار، خلقنا نطفة ثم علقة ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم خلق العظام ثم كساها اللحم، ثم نفخ فيها الروح ثم خرج الإنسان في هذا الوجود وليداً ضعيفاً.
واستمر الإنسان منتقلاً من طور إلى طور: الرضاع ثم الطفولة والتمييز، ثم الفتوة واليفوعة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة، ثم الموت.
فهو إلى قوة ثم إلى ضعف، أتى بنا من العدم وسننتهي بالعدم، وهو عدم مؤقت، إذ لا نسميه عدماً إلى الأبد، وإنما هي نقلة من دار إلى دار، فنحن كنا عدماً لا وجود لنا، وإن كنا في صلب أبينا آدم ولكننا لا ندري.
ولذلك نبينا ﵊ عندما أسري به صعد السماء الأولى وقال له جبريل: هذا أبوك آدم، فسلم عليه النبي ﵊، فوجد أبانا آدم إذا التفت يميناً ضحك، وإذا التفت يساراً بكى، فسأل النبي ﷺ جبريل ﵇ قال: ما هذا؟ قال: إذا التفت يميناً رأى ذريته وأولاده المنعمين في الجنة فسره ذلك وأضحكه، فإذا التفت يساراً رأى المعذبين من أولاده وسلالته في النار فساءه ذلك وبكى.
فنحن كنا في أصلاب آبائنا الأولين وأمرنا بعبادته سبحانه ونحن في أصلابهم، فقال: ألست بربكم؟ فأجاب الجميع: بلى.
قالها من سيكون مؤمناً ومن سيكون كافراً، قالها المؤمن عن رضاً وقالها الكافر عن كراهية، ولكنه قهر على أن يقول: بلى.
فقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الزمر:٦] خلقنا في البطون، وآدم خلق من التراب، وحواء خلقت من ضلع آدم، وعيسى خلق من بطن أمه ولكن بلا أب.
قوله: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر:٦] أي: أطواراً من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى إلى، إلى أن يكون الفرد منا بشراً سوياً في هذا الوجود ذكراً أو أنثى، شقياً أو سعيداً.
ما الرزق؟ ما الحياة؟ ما الأجل؟ كل ذلك يكون مسجلاً قبل خروج الجنين من رحم أمه.
قال تعالى: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] أي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.
والمشيمة هي تلك الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الجنين وهو في رحم أمه، فتلك ظلمات، وخرجنا من الظلمات إلى النور.
وكنا نجهل كل شيء ولا نعلم شيئاً.
стр. 1804
معنى قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم له الملك)
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الزمر:٦].
(ذلكم): اسم الإشارة (ذا) و (كم) مضافة، وهي تكون بحسب المخاطب، فإذا خاطبت المفرد المذكر قلت: ذاك، وإذا خاطبت المفردة المؤنثة قلت: ذاك، وإذا خاطبت المثنى قلت: ذاكما، وإذا خاطبت جماعة الذكور قلت: ذاكم، وإذا خاطبت جماعة الإناث قلت: ذاكن.
والإشارة هنا إشارة بعيدة أي: ذلكم يا أيها السامعون! هذا الذي خلقنا من نفس واحدة وخلق أمنا من آدم ثم خلقنا جميعاً من أبينا وأمنا، وخلقنا أطواراً حتى خرجنا إلى هذا الوجود؛ ذلكم الذي فعل ذلك هو الله.
فقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الزمر:٦] أي: خالقنا ورازقنا ومنشئنا، القائم علينا ﷻ بأمره وبنهيه.
قوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [الزمر:٦] له ملك السماوات والأرض وما بينهما، له الكون كله، وهو الدائم الذي لا يفنى، وكل ملك سواه فان، وفي الحقيقة إنما هي أسماء زمنية تنتهي بزمنها، لا نملك مع الله شيئاً لا ولداً ولا عقاراً، ولا رزقاً ولا مالاً، ولكن الله المالك لكل شيء، وإنما ذلك عارية في أيدينا في الحياة الدنيا.
قال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] معنى ذلك: هل هذه الصفات، وأن الله هو الخالق الرازق تجعل الناس يصرفون العبادة إلى غيره؟ هل الأولياء الذين اتخذوا أوثاناً من دون الله يقدرون على ذلك؟
الجواب
الله وحده القادر على كل شيء، وهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص.
إذاً: الجواب دوماً: الله ربنا لا إله لنا غيره ولا إله للخلق كلهم غيره.
﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] أي: إلى أين تصرف وجوهكم؟ ألا ترون أنكم تصرفون وتدفعون عن الإيمان بالله، وعن تصديق أنبيائكم، وعن عبادة ربكم مدة حياتكم إلى لقائه.
فقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] أي: فكيف تصرفون عن عبادته ويلعب بكم أئمة الضلال والشرك والوثنية؟
стр. 1805
تفسير قوله تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم)
стр. 1806
معنى قوله تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم)
قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر:٧].
الله ﷻ يعلمنا ويهدينا ويرسل لنا رسله لنعرف كيف نؤمن به، وكيف نمجده ونعبده وندعوه، وكيف نقيم الدين في أنفسنا وندعو غيرنا إلى الإيمان به وعبادته.
ويقول مع ذلك: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر:٧] أي: إنما هذا لخيركم وصلاحكم في الدنيا والآخرة، وإلا فكفركم لا يضر ملكي شيئاً.
وهذا معنى الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
فيا هؤلاء الوثنيون، ويا هؤلاء المشركون الكافرون بالله، يقول الله لكم: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ [الزمر:٧] أي: إن تجحدوا دين الله فإن الله غني عنكم، ليس بحاجة إلى عبادتكم.
وقال تعالى في سورة الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] ما نقدمه صدقة وما نريق دماً في سبيل الله أيام منى وأيام المناسك، لم ينل الله من تلك الدماء ولا من تلك اللحوم شيء، ولكن ذلك ينفعنا نحن، ونكون به قد امتثلنا أمر ربنا، ويعود ذلك على فقرائنا ومساكيننا، وهذه هي العبادة، إن أحسن الإنسان أحسن لنفسه، وإن أساء فعليها.
فقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] أي: الله غني عن إيماننا لا يضره كفرنا، ومع ذلك لا يرضى لعباده الكفر ولا يأمر به، فهو يكره الكفر والكافرين.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧].
أي: إن تذكروا الله وتقولوا: الحمد لله -ولا يقولها إلا مؤمن- ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] أي: يرضى لنا الإيمان إن نحن آمنا بربنا وشكرنا نعمه وقلنا: الحمد لله، وكما كان الخلق في البداية بحمد الله رب العالمين، وفي النهاية كذلك: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس:١٠].
ولا يحمد ربه ويشكره إلا مؤمن، ولذلك من يشكر الله يرض الله منه ذلك ويجازه عليه.
стр. 1807
معنى قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)
قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر:٧] من عدل الله ﷻ وكرمه أنه لا يعاقب أحداً بذنب أحد، والوازرة: مرتكب الوزر، والوزر: الإثم نفسه.
فلا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل من أذنب فذنبه على نفسه، لا يذنب الولد بذنب أبيه ولا بذنب ابنه، ولا الصاحب بصاحبته، ولا الصاحبة بصاحبها، فكل مسئول عن نفسه، وهذه قاعدة عامة في دستور الإسلام.
فأولاد المشركين إيمانهم لهم، وكفرهم لهم، وكفر آبائهم وشرك آبائهم لا يضرهم.
وقد أمرنا الله بأن نربي أولادنا على الإيمان والتوحيد، قال رسول الله ﷺ : (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع).
فإذا مات الأبوان ولم يربيا وليدهما على الصلاة وهو ابن سبع، ولم يضرباه عليها وهو ابن عشر، ثم شبَّ على ترك الصلاة يكون الذنب عليه، إذ يعذب تارك الصلاة من الولد والبنت، ويعذب الأبوان، ولا يعذب الأبوان بذنب ولديهما ولكنهما أمرا أن يعلماه الصلاة ويضرباه عليها فلم يفعلا، وبذلك يكون قد جنيا على أنفسهما حيث تركا ما أمرهما الله بأن يفعلاه مع أولادهما.
وكذلك العلماء إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، سئلوا عن ذلك وحوسبوا، لا لأنهم يتحملون أوزار غيرهم ولكنهم أمروا بأن يفعلوا ذلك تهديداً للناس وتعليماً فلم يفعلوا.
وقد ذم الله اليهود من قبل فقال عنهم: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
جعل الله عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ذنباً في حد ذاته، فلعنهم بذلك وعاقبهم، فالله سبحانه يقص علينا قصص بني إسرائيل لنحذر أن نسير على منهجهم حتى لا نقع فيما وقعوا فيه.
فإذا وقعنا عوقبنا عقوبتهم، وهذا الذي حدث، إذ خرجنا عن أمر الله وخالفناه، وخرجنا عن طاعة الله وطاعة رسوله، فسلط الله علينا هؤلاء الأعداء عقوبة منه، لأننا تركنا الله وكتابه وتركنا نبيه وسنته، خاصة ونحن أخذنا ندعو بدعوة الفلاسفة واليهود والملاحدة أمثال ماركس ولينين، والبهائية والوجودية والاشتراكية، وجميع الفرق الضالة المضلة.
فنحن عندما نترك الاقتداء برسول الله وخلفائه الراشدين وأئمتنا الهادين المهديين، ونسعى لطاعة اليهود وللعمل على أديانهم ومذاهبهم نكون قد استحققنا العقوبة من الله، وتزداد العقوبة عندما يظهر بعضنا العبودية لهم والتعلق بهم والتفاخر باتباعهم والعمل على ألوهيتهم وعلى طاعتهم أكثر من طاعة الله ورسوله، وتلك لعنة لعن الله بها من فعلها وسعى لها ورضيها وعمل لها ودعا إليها.
فالراضي بالمنكر والساكت سواء، والساكت عن الحق شيطان.
стр. 1808
معنى قوله تعالى: (ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر:٧].
وبعد هذه الحياة وأوامر الله لنا ونواهيه، وأوامر رسول الله لنا ونواهيه؛ يكون الموت، وبعد الموت نعرض على الله فيحاسبنا وينبئنا بما عملت أيدينا، يوم تشهد على الإنسان يده وفخذه ولسانه، حتى إذا أنكر أو كذب شهدت عليه أعضاء الجسد بأنه فعل كذا وكذا.
فقوله: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ)، أي: نرجع إلى ربنا يوم القيامة، يوم العرض على الله.
قوله: (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: فيخبرنا بأعمالنا، وقد كلف الله بنا ملكين: ملكاً عن اليمين يكتب الحسنات، وملكاً عن اليسار يكتب السيئات، ويعطى الإنسان كتابه، فأما الصالح فبيمينه، وأما الضال فبيساره، وفي تلك الساعة يعلم هل هو من أهل الجحيم أو من أهل الجنة.
قال تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: عليم بما خفي من أعمالنا ونياتنا وأقوالنا وخواطر نفوسنا، فما تحدث به نفسك وما يخطر ببالك من خواطر ولم ينطق بها لسانك ولم يكتبها منك قلم، فالله عليم بها.
فما في صدورنا مما انطوت عليه وأخفته، من الخواطر والضمائر والأسرار يعلمها الله، يعلم من أضمر خيراً ومن أضمر شراً، ولكن الله ﷻ لا يعاقب الإنسان إلا بما صنع وقال، إلا أن يكون منافقاً يظهر الكفر ولا ينطق بالإيمان، فإن نفاق العقيدة هو الشرك، بل هو أقبح من الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].
стр. 1809
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨].
يقول الله ﷻ : ومنكم أيها الناس من يدعو الله قائماً إذا أصابه الضر أو البلاء من فقر ومرض وغيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس:١٢].
فمن الناس من إذا أصابه ضر في نفس أو روح أو ما يتعلق به أخذ في الدعاء والضراعة إلى الله، حتى إذا استجاب الله له إذا به يغير ويبدل.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر:٨].
أي: إذا جعل الله له ما يتخوله ويتملكه ويتصرف فيه بأن أكرمه وعافاه؛ بادر بالكفر والجحود والعصيان، ونسي ما كان يقوله من قبل من دعاء وضراعة.
وهذا المعنى يقول عنه ﵊ مفسراً: (اعرف الله تعالى في الرخاء يعرفك في الشدة).
من عرف الله في الرخاء أي: عبده ودعاه وخافه ورجاه وهو في رخاء وعافية، وهذا الذي تعرف إلى الله في الرخاء يعرفه الله في الشدة، أي: إذا أصابته شدة من ضر أو حادث أو مرض فإن الله يتعرف إليه عندما يقول: رب أزل ما بي، لا باب إلا بابك ولا رب إلا أنت، ولا كاشف للداء إلا أنت يا رب، هذا الذي تعرف إلى الله في الرخاء كان حقاً على الله أن يتعرف إليه في الشدة.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر:٨] أي: حتى إذا خوله وملكه وأنعم عليه بنعمة نسي دعاءه الأول ورجاءه الأول وضراعته الأولى، وهذا عمل المنافق الكاذب الذي يؤمن على حرف.
فإذا هو رزق قال: أنا مؤمن، وإذا هو امتحن نسي الله ودعاءه والعبادة له، وما أكثر الناس في هذا.
في هذه الآيات أسباب نزول ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد حدث هذا من أشخاص ونزلت الآيات بسببهم؛ ولكنها عامة في لفظها.
ولذلك من أراد أن يستجيب الله دعاءه ويكشف ما به من ضر، فليذكر الله وهو صحيح البدن، حتى إذا ابتلي وفتن بقي على دعائه وضراعته فيوشك أن يقبل الله دعاءه، ويوشك أن يستجيب الله لضراعته ورجائه.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر:٨] هذا قد اتخذ مع الله أنداداً، والأنداد: جمع ند، أي: شركاء، وهم عنده في رتبة الله ومنزلته، وهو تمام الشرك وقبيح الوثنية.
ويقول الله لهذا المشرك: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨].
فهؤلاء وهم في حال الضر والمرض يدعون ويرجون، حتى إذا كشف عنهم الغم والهم نسوا الضراعة والعبادة واتخذوا مع الله أنداداً وشركاء.
يقول الله: قل له يا محمد: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:٨] وماذا عساك أن تعيش؟ فقد عاش نوح مئات السنين وجاء بعده آلاف السنين، ومع ذلك كأنه لم يعش ساعة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:٨] فالحياة الدنيا كلها متاع قليل.
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨] ولو لم يمت بعد ولم يدخلها، ولكن المتوقع كالواقع، أليس الصبح بقريب؟ بلى، قريب.
وهكذا يقال لهذا الكافر: مهما كفرت وأصررت على الكفر، فأنت من أصحاب النار ولم تتمتع بالحياة إلا قليلاً، وهيهات هيهات أن ينفعك هذا القليل، فهو في مرض متصل وذل متسلسل وبعد ذلك النار، فهو يمشي على رجليه في دار الدنيا، ومع ذلك هو محسوب من أهل النار.
стр. 1810
جزاء القانتين لله في الآخرة
يضرب الله الأمثال فيقول: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
يقول تعالى: ﴿أَمَّنْ﴾ [الزمر:٩] وهي قراءة حفص وقراءة ورش: (أَمَنْ).
آناء الليل: جمع آن، أي: ساعات الليل من أوله ومن وسطه ومن آخره.
فقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩] أي: أمن هو مطيع لله خاشع له، متهجد في وقت النوم والراحة، والناس نيام وهو بين سجود وقيام، وبين ذكر وتلاوة وتكبير وتهليل، يفعل ذلك خوفاً من عذاب الله، يرجو رحمة ربه، أهذا خير وأفضل أم ذاك الذي يكون ساجداً ولا قائماً؟
стр. 1811
تفسير سورة الزمر [٩ - ١٢]
من يعبد الله وينيب إليه ويقضي ليله قانتاً ساجداً بين يدي ربه لا يستوى هو ومن لا يفعل ذلك، ولا يستوي العالم بالله العارف به مع من لا يعلم بالله ولا يقدره حق قدره، وإذا ضاقت بالمؤمن بلدة فلم يقدر على إظهار دينه فليهاجر منها، فإن أرض الله واسعة.
стр. 1812
تفسير قوله تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً)
قال الله ﷻ : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
الله ﷻ يعرض علينا حالتين: حالة إنسان بُلي في جسده، وغر في عمله، فدعا ربه مدة ضرره وبلائه، حتى إذا رفع عنه ضره وبلاءه ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر:٨] أي: نسي ما خوله ربه، وترك ما كان يدعو إليه من قبل، هل هذا الذي هذه على هذا الحال خير ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩].
هاتان حالتان: حالة الجاحد بنعم الله، إيمانه على حرف، إذا رزق شكر، ثم إذا ضر دعا حتى إذا شفاه الله وعافاه كفر بالنعمة، وترك الشكر والعبادة والتوحيد وعاد إلى اتخاذ الأنداد من دون الله فهذا قيل له: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨].
والحالة الثانية: حالة المطيع القانت، والقنوت: الطاعة في كل الأوقات حال المسرة وحال المضرة، وعلى كل الأحوال ليلاً ونهاراً.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] آناء: جمع آن، أي: في جميع ساعات الليل، أي: يصلي لله ويعبده، وعبادته تشتمل على السجود والقيام والقعود وعلى التلاوة والذكر.
والجواب مشتمل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] يعني: هل هم سواء؟ العلماء العارفون بالله، الذين إذا علموا شيئاً عملوا به، والذين عندما آمنوا وأسلموا عبدوا ربهم وقاموا بأركان الإسلام: مصلين، صائمين، حاجين، مزكين، تاركين الفواحش ما ظهر منها وما بطن، يسعون في عبادة الله وطاعته ورضاه.
فهل هذا الذي هو على هذه الحالة خير أم ذاك المشرك الكافر بالله الذي لا يعبد ولا يطيع، وهو مرتكب لجميع أنواع البلايا والمعاصي، فهذا يقال له: أنت من أهل النار.
ويقال له: مهما عشت ومهما دامت حياتك وطالت ولو كانت كعمر نوح فإن المآل إلى النار.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] أي: قل يا محمد! لهؤلاء الجهلة: هل الذين يعلمون الإسلام والتوحيد في مستوى واحد مع الذي لا يعلم؟ والعلم هنا المعرفة، ولا عبادة إلا بعلم ومعرفة، ومن عبد الله بغير علم يوشك أن يضل، ويوشك أن يعبده بما لا يعبد به ﷻ وعلا مقامه.
فإذا كانت الصلاة ركعتين فركعتان، وإن كانت أربعاً فأربع، فمن حاول أن يزيد الصبح ثلاثاً والظهر خمساً يكون قد ضل ولم يطع ولم يقنت.
فلا علم إلا بعمل، ولا عمل إلا بعلم، وهذه المرتبة لأهل العلم العاملين بعلمهم العارفين بربهم، ولذلك جعل الله علماء أمته خلفاء نبيه ﷺ .
وقال النبي ﵊: (العلماء ورثة الأنبياء).
فنبينا ﷺ لم يورث مالاً (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) فهو مال عام لعموم المسلمين، ولكن بقي منه ما ينفق على أمهات المؤمنين وعلى أحفاده وعلى من كان ينفق عليهم من أرامل بني هاشم ويتاماهم.
فالأنبياء لا يورثون ولكنهم يورثون العلم، إذ يرث العلماء علمهم، فيكونون بذلك خلفاء رسول الله في الدعوة إلى الله وإلى دينه، وإلى العلوم التي أتى بها المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
فالمعنى في الآية: قل يا محمد: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
و
الجواب
لا.
وكثيراً ما يستغنى بالسؤال عن الجواب، إذ لا يعقل أن يكون الجواب بلا سؤال، ولا يقول هذا من له عقل، فذاك الذي دعا ربه عندما مسه ضر وبلاء ثم فرج الله عنه وخوله وملكه نعمة، فإذا به يشرك بالله ويجعل له أنداداً، فهل هذا عالم وعارف؟ وهل يستوي هذا والذي يضل ليله قائماً وساجداً وراكعاً وتالياً، يضرع إلى الله أن يستجيب دعاءه؟ وهذه الآية تكذب من زعم بأن عبادة الله خوفاً من ناره ورجاء رحمته ليست عبادة، كما أن العبادة من غير رجاء جنته ولا خوف ناره هي رتبة عالية، ولكننا لم نطالب بها.
يقول الصحابة: (إنا إذا كنا عند النبي ﷺ رأينا من أنفسنا ما نحب، فإذا رجعنا إلى أهالينا فخالطناهم أنكرنا أنفسنا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: لو تدومون على ما تكونون عندي في الحال لصافحتكم الملائكة حتى تظلكم بأجنحتها).
ولكن الحال لن يدوم كذلك، إذ إن الإنسان بين خوف ورجاء، وبين ذنب وتوبة، ولذلك قال ﵊ عقب الحديث: (لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيغفر لهم).
لأن من أسماء: الله الغفار والغافر، ولا بد أن تأخذ الأسماء معانيها ومسمياتها، أما الغافر بلا مغفرة فلا يكون.
ولذلك يقول ﵊: (المؤمن واه راقع، وخيركم من مات على رقعه) أي: يعبد ثم يذنب إلى أن تتقطع تلك الحسنات في الذنوب، ثم يرقعها بالتوبة والمغفرة كما يكون الثوب جديداً، فيهي ثم يتقطع ويتمزق ثم يرقعه.
ولذلك يقول ﵊: (المؤمن واه راقع) من الوهي وهو البلى (وخيركم من مات على رقعه) مات وقد رقع ثوبه، وقد تاب من ذنبه.
وعبادة الله مبنية على الخوف والرجاء، كما أثنى الله على هؤلاء الذين يطيعون ربهم ويتهجدون ليلهم ساعة بعد ساعة، ينامون زمناً ويتهجدون زمناً، يبدءون بأشغالهم زمناً ويتفرغون لعبادة الله زمناً آخر، يفعلون ذلك وهم يحذرون الآخرة، يخشون ويخافون ما يكون فيها من عذاب.
ويرجون الآخرة: يرجون ما يكون فيها من رحمة الله ورضوانه ودخول الجنان، وقد قال الرازي هذا في تفسيره.
فقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]
الجواب
لا، وهذا مفهوم من سياق الكلام وتفهمه عقول السامعين من البشر.
وهي درجة ورتبة أشاد الله فيها بالعلماء ليزدادوا علماً وليزدادوا عملاً بالإرث النبوي من نشر دينه والدعوة إليه، ومجاهدة الكافرين والمنافقين، والحب في الله والبغض في الله.
يقول ربنا: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] أي: إنما يعي هذه الحقائق وهذه المعارف أصحاب العقول.
والألباب: جمع لب وهو العقل.
ولذلك فإن الكافر والمنافق لا عقل له، فلو كان له عقل لعمل لآخرته ولسعى لنجاته، فلو علم أن في أرض الصين ربحاً مادياً، لسعى إليها بحراً أو جواً وكيفما استطاع.
كما أنه يعلم أن بعد الحياة موت ولم ير بعينه، ولكنه يسأل نفسه: أين آباؤه؟ وأين أجداده؟ أين كبراؤه، والصغار يبدءون في النمو، والذي يكبر يذهب إلى الفناء، وهكذا دواليك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فمن يعلم هذا ويوقن به ولا يعمل له فهو مجنون ليس بعاقل، هو بعيد عن مصلحته لنفسه، ولذلك يخاطب الله ذوي الألباب ليعبدوه ويطيعوه؛ وليكون جزءاً من الذكر الإلزامي.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] أي: لا يتذكر هذا ولا يعيه ولا يعقله ولا يفكر فيه إلا ذوو العقول، فهم الوعاة المفكرون، وهم العقلاء بين الناس، أما سواهم من غير المؤمنين فلا.
стр. 1813
تفسير قوله تعالى: (قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم)
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
أي: قل يا محمد! لعبادي الذين آمنوا أن يزيدوا مع الإيمان تقوىً وصلاحاً، وعملاً وإيقاناً.
والإيمان: التصديق في القلب بما يدوم عليه الإنسان، ولكن الإيمان يحتاج إلى عمل وإلى تقوى.
والتقوى: أن تتقي الله في محارمه، وأن تتخذ وقاية تحول بينك وبين غضب ربك، بأن تطيع أوامره، وأن تجتنب نواهيه وتتركها.
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر:١٠].
الدنيا برزخ الآخرة والطريق إليها، وللذين أحسنوا حال حياتهم فيها حسنة، أحسنوا بالإيمان والتقوى، والطاعة وترك المعاصي، وأطلقت الحسنة في الآية، فأي حسنة في الدنيا هي حسنة في الآخرة، فهم في الدنيا يعيشون عيشاً كريماً من قبل الله جل وعلا يكرمهم ويعزهم ويعطيهم ويعافيهم، حتى إذا ابتلاهم كان ذلك رفعاً للدرجات، يوشك إن قالوا: يا رب ارفع مقتك وغضبك أن يستجيب دعاءهم، فيكون ذلك أجراً لهم وثواباً.
وكما قال نبينا ﵊: (ما من شوكة يشاكها المؤمن إلا كتب له بها أجر، وحط عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة).
وما عسى أن تكون هذه الشوكة، ما من شوكة تصيب مؤمناً إلا وكانت له رفعاً للدرجات وحطاً للسيئات.
وقد قال نبينا ﵊: (المؤمن على خير، إن أصيب صبر، وإن أنعم عليه شكر) فهو بين صبر وشكر في عبادة دائمة.
قال تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر:١٠] معناه: هؤلاء الذين يعتذرون ويقولون: لا يمكن الهجرة في أرض الله لعبادة الله كما أمر؛ لأنهم يمنعوننا من ذلك، ومن الدعوة إليها، لا عذر لهم لأن أرض الله واسعة.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] فموالاة اليهود يهودية، وموالاة النصارى نصرانية، وموالاة النفاق نفاق، وإذا لم يستطع أن يقول: هذا حرام، فليهجره وليتركه.
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧] أي: أين عبادتكم؟ أين اجتهادكم؟ أين طاعتكم؟ فعندما تسألهم الملائكة: أين كنتم؟ قالوا: كان حكامنا يستضعفوننا، ويمنعوننا من ذلك ومن إعلانه، فقالوا لهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧].
فليست جميع الأرض أرض كفر ونفاق ومعصية، فالنبي ﷺ يقول في حديثه المتواتر: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم على ذلك إلى يوم القيامة، لا يضرهم من خذلهم).
وهذا مؤكد من خبر رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى، فإذا كثرت المعاصي ومنع من الإيمان بربه وإعلان ذلك فليخرج للناس وليترك ذلك البلد.
قال: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر:١٠] وهذا جواب لمن بقي في مكة مستضعفاً، وقد هاجر المصطفى ﵊ إلى المدينة، وهاجر معه المهاجرون من مكة، وبقيت فئة.
هذا سبب النزول ولا عبرة بالسبب، فالعبرة بعموم اللفظ، واللفظ: أن يقال لمؤمن في كل عصر عندما يأمر بنصرة الدين وبالعمل له من غير أن يأتي كافراً ولا منافقاً، حتى إذا اعتذر بأنه مستضعف وبأنه يمنع يقال له: أرض الله واسعة، فمن الذي ألزمك بالمقام هنا؟ فأرض الله ما جعلها الله إلا لعباده، يقول الإمام مالك: حيثما وجدت قلبك فخيم.
أي: حيثما وجدت قلبك متفتحاً لدينك لعبادتك لطاعة ربك فأقم هناك، أما أن تساكن الكفار عن رغبة منك فذلك البلاء، وقد حرم ذلك المصطفى ﵊ وقال: (أنا بريء من كل مسلم يساكن الكفار، لا تتراءى ناراهما).
فلا يجوز له أن يسكن الأرض بحيث يرى نار الكافر ويرى ناره، فإن هذا حرام في شريعة الإسلام، فحينما ينتشر في بلاد المسلمين فيدخل فيها المفسدون ويصبح حكامها كفاراً أو منافقين، فيجب أن يتركها.
أما أن يسكن بنفسه عن طواعية منه ورضاً، ليس أسيراً ولا سجيناً في بلاد الكافرين يهوداً كانوا أو نصارى أو منافقين فذلك ما حرمه الله.
ومن هنا كانت الهجرة واجبة، ومن هنا أمر الله نبيه وهو في أرض مكة المكرمة أن يهجرها إلى حيث يجد حرية العبادة وحرية نشر الإسلام والدعوة إليه.
ولذلك أرسل قبل ذلك بزمن جماعة من أصحابه برئاسة جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة، ثم أمر أن يهاجر أصحابه إلى المدينة المنورة ثم لحقهم، ولم يفعل على أنه ترك أرضه للكافرين، بل خرج من بلده ليضع رجله في أرض تتحمله، فيعد للقتال وللتحرير، ولنشر الإسلام رغم أنوف أولئك الكافرين.
وهكذا صنع المصطفى ﵊، إذْ هاجر من مكة إلى المدينة وأعد عدته وجمع جموعه، ثم جاء زاحفاً ﷺ إلى مكة فنصره الله نصراً عزيزاً مؤزراً، وانضمت مكة إلى دار الإسلام حيث طرد الله الكافرين إلى الأبد.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] ومضى على هذا ألف وأربعمائة عام وزيادة؛ لأن جسم الكافر لا تطهره البحار، ولذلك لا يجوز أن يدخل مكة والمدينة فينجسها بكلامه وببدنه، وإذا مات ودفن في مكة والناس لا يعلمون وجب أن تنبش جيفته وتخرج خارج الحرم.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
يخبر الله سبحانه أن الصابرين على طاعة الله وعلى بلائه، وفي الجهاد في سبيله، الباذلين أموالهم وأولادهم وكل عزيز عليهم ليعز دين الله، ليعز المسلمون، هؤلاء يوفيهم الله أجرهم يوم القيامة بلا حساب، كما قال الحسن البصري وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري في تفسير هذه الآية: إذا كيل للعابدين بالكيل أجراً أو بالموازين ثواباً فهؤلاء الصابرون يحثى لهم حثواً بلا حساب، فلا تنظر سيئاتهم، ولا ينظر لحسناتهم، بل يعطون من أول مرة وكأن السيئة غير موجودة، لأنها تغفر من غير أن ترى.
وكأن الحسنات لا عداد لها أيضاً، فهو يعطى أجره بغير حساب، يعطى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لأنه صبر على طاعة ربه، وعلى بلائه، فلم يستنكف عن صلاة ولا عن صيام ما دام قادراً، يصلي صلواته الخمس ويؤدي زكاة ماله، يؤدب أولاده أدب الإسلام، أخلاقاً وعبادةً ومعاملةً.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] أي: العطاء الوافي بزيادة، فيوفيهم الله أجورهم بلا حساب وبلا وزن وبلا كيل، سواء من صبر على البلاء وهو يدعو إلى الله أو صبر على الطاعة، ومن باب أولى إذا صبر على كل ذلك.
стр. 1814
تفسير قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١١ - ١٢].
يقول النبي ﵊ عن نفسه: إنه أمر بأن يخلص دينه وعبادته لله.
فالنبي ﷺ أمر بأن يعبد الله، وقد أخلص ﷺ له دينه وطاعته، وأزال عنها الشوائب، وهو المعصوم ﷺ عن الشوائب.
فالأمر لرسول الله ﷺ وهو المعصوم عن الخطيئة والسيئة، فإذا كان المعصوم الذي لا يسيء ولا يذنب قد أمر بالطاعة وبالإخلاص فيها، فكيف بغيره؟! قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١٢] أي: أول المسلمين من أمته، فهو نبي من نفسه ورسول من نفسه، وما من أمرٍ أمر به أحداً إلا وأمر به نفسه أولاً، وما من نهي نهى عنه أحداً إلا ونهى نفسه عنه أولاً.
ولذلك يقول النبي ﵊: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١٢] أي: أول المطيعين المستجيبين، وأول الفاعلين لحلاله والتاركين لحرامه.
стр. 1815
تفسير سورة الزمر [١٣ - ٢٠]
المشركون لسخافة عقولهم وغلظ قلوبهم لا يزالون يتمنون لو استطاعوا أن يجروا رسول الله ﷺ إلى كفرهم، لكن هيهات فإنه يرد عليهم بأنه يخاف من الله إن أشرك به كشركهم لأن جزاء المشركين عذاب عظيم خالد.
ثم يبين الله لهم ما أعده لمن حقت عليهم كلمة العذاب من ظلل النار من تحتهم ومن فوقهم، وما يبشر به الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت.
стр. 1816
تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٣ - ١٤].
عندما دعاه قومه إلى دينهم ودين آبائهم من عبادة الأوثان والأصنام، قال الله له: قل لهم يا محمد: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ [الزمر:١٣] أي: إن خرجت عن أمره، وعن أن أكون أول المسلمين، وعن أن أخلص الطاعة لله لا شريك له، لا في ذاته ولا في صفته، فإن أنا عصيت ربي في أوامره أخاف عذاب يوم عظيم.
واليوم العظيم: يوم القيامة الذي يعامل الإنسان فيه حسب عمله في دنياه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
هو أمر لرسول الله، ولكن الرسول ﵊ معصوم، فهو أمر لجميع الخلق جناً وإنساً، لأن من لم يخش الله ولم يطعه، ومن عصى الله في أوامره فلم يفعلها وفي نواهيه فارتكبها، فعليه أن يخاف عذاب ربه وغضبه يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤].
أي: لا أعبد سوى الله، ولا أشرك مع الله أحداً، إنما أعبد الله.
وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر كما تقول القواعد في لغة العرب التي بها نزل كتاب الله الكريم.
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ [الزمر:١٤] الله: لفظ الجلالة منصوب على المفعولية والمفعول مقدم، والفعل والفاعل (أعبد) مع ضميره المستتر، وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر، أي: لا أعبد إلا الله، ولا أطيع إلا الله، ولا أخشى إلا الله.
فقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤] أي: أخلص لله العبادة ولا أشرك معه أحداً، فلا أرائي في عبادتي ولا أسمع بها، ولا أخلط بها شركاً خفياً بأن يسمع فلان، وأن يثني عليَّ فلان، وأن يهتم بي فلان، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فمن فعل ذلك ضرب بعبادته على وجهه، وكان إلى الشرك أقرب منه إلى الإيمان.
قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٥] هذا تهديد ووعيد، يقول: أما أنا فلا أعبد إلا الله، وأما أنتم أيها المشركون الوثنيون الضالون من اليهود والنصارى وسواهم! فاعبدوا ما شئتم، قد علمتم أن من يأتي يوم القيامة وقد أشرك مع الله غير ما سيلقى من عذاب ومن طرد عن رحمة الله ما الله به عليم.
стр. 1817
تفسير قوله تعالى: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥].
أي: اعبدوا ما شئتم من دونه، ولكن اعلموا أن الخاسر والضائع والطريد من رحمة الله حقيقة هو الذي يخسر نفسه وأهله يوم القيامة ويأتي يوم القيامة وقد دخل النار، خسر أهله وفارقهم وفارقوه، إن كانت زوجته في الجنة فقد فارقته، وإن كانت معه في النار فليسوا معاً في مكان واحد، وهيهات أن يضاحكها وأن تضاحكه.
فالخاسرون الذين خسروا أنفسهم فلم يدخلوا الجنة، خسروا أولادهم وزوجاتهم وأموالهم، وخسروا خدمهم وحشمهم وسلطانهم وجاههم في دار الدنيا، وجاءوا الآخرة على أن ينالوا منازلهم من الجنة ومراتبهم من عبادة الله، ولكنهم جاءوا مشركين غير موحدين فلم يلقوا إلا العذاب والطرد من رحمة الله ومن جنته.
قال تعالى: ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] فخسران النفس وخسران الأهل هو الخسران المبين، أي: الخسارة الواضحة والخسران البين الذي يدركه الصغير والكبير، الرجل والمرأة.
стр. 1818
تفسير قوله تعالى: (لهم من فوقهم ظلل)
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦].
ظلل: جمع ظلة، أي: فوقهم النار وتحتهم النار، والظلل: طبقة فوق طبقة.
وهي على رءوسهم كالظلة، نار من فوق ونار من تحت، وليست ناراً بل هي نيران، ولا ظلة بل ظلل، والظلة التي فوقه هي ظلمة؛ لأنها أظلته بنارها وغضبها.
والظلل التي تحته هي ظلل بالنسبة لمن تحتها؛ لأن النار طبق على طبق، والنار أيضاً دركات، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، كما أن الجنان درجات ما بين الدرجة والدرجة كما بين الأرض والسماء، والأنبياء والرسل مساكنهم الفردوس الأعلى، وهو أعلى درجات الجنان.
فالخاسرون بين أطباق من النار، نار فوقهم بل نيران، ونيران تحتهم.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر:١٦] أي: ينذرهم ويخوفهم في الدنيا رحمةً بهم، لعلهم يرعبون ويتوبون من الذنوب ومن الآثام والشرك.
فذلك الذي قاله الله عن الظلل من فوق من النار وعن الظلل من تحت من النار، قاله في الدنيا عسى أن يتوبوا ويعودوا للآخرة وقد آمنوا بربهم، وتابوا من ذنوبهم.
قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦].
ينادي الله عباده المؤمن منهم والكافر: اتقوا الله، وافعلوا ما أمركم به، كل على حسب قدرته وحسب طاقته، واتركوا جميع ما نهى الله عنه، وضابط ذلك ورابطه قول النبي ﵊: (ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه).
فلا تزن، ولا تسرق، ولا تراب، ولا تمن، ولا توالِ كافراً، فهذا كله من الإيمان ولا يحتاج إلا إلى إرادة وإلى إيمان قوي، أما ما كان عملاً فهو مبني على الاستطاعة، فالقدرة البشرية محدودة، ولذلك أمرنا الله في الصلاة بطهارة الماء وباستقبال القبلة وبالقيام والركوع والسجود حتى إذا عجزنا أو فقدنا الماء أو فقدنا القبلة أو جهلناها صلينا على أي جهة كانت، ولجأنا إلى التيمم بالصعيد الطاهر، وإلى الجلوس إن عجزنا عن القيام.
ولذلك يقول النبي ﵊: (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) كذلك الصيام والحج، بل الحج لا يجب إلا مع الصحة ومع الزاد والقدرة، والصيام كذلك لا يجب إلا مع الصحة والقدرة.
فإن كان شيخاً هرماً فأفطر أو مات قبل أن يتاح له ذلك فهو معفو عنه؛ لأنه لم يؤمر بما يتجاوز قدرته ويتجاوز طاقته، وهكذا في جميع الأوامر.
стр. 1819
تفسير قوله تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨].
الطاغوت معناه: الشيطان، ومعناه: الوثن، والطاغوت إذا أطلق يشمل جميع الطواغيت، أي: جميع الأصنام والتماثيل وكل ما عبد من غير الله.
والذين اجتنبوها أي: تركوها وابتعدوا عنها فلم يعبدوها ولم يؤمنوا بها.
وقوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر:١٧] أي: اجتنبوا عبادتها.
وهو بشرى كذلك بالتوبة في الحياة الدنيا، وبالتوفيق على العبادة، وبالعمل على الطاعة، وبالرزق الكثير، وبالبعد عن الفواحش قدر طاقته وقدر توفيقه.
ثم عاد فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨].
يقول ﷻ : أولئك الذين تركوا الطواغيت تركوا عبادتها، ورجعوا إلى الله منيبين، تائبين مستغفرين، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر:١٧] يبشرهم الله برحمته وبجنته، ويبشرهم بالهداية والصلاح في دنياهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٨] يقول الله ﷻ لنبيه: بشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أي: يسمعون القول، أو يسمعون الكلام، أو يسمعون شعراً، أو فلسفة، أو مذهباً، ويتبعون أحسنه، وما أحسن القول إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فهؤلاء الذين وفقوا إلى أن يميزوا بين الحق والباطل، وبين الحسن والأحسن، بين الأصل والفرع، بأن أدركوا وآمنوا أنه لا كلام يعلو كلام الله، ولا كلام بعد كلام الله يعلو كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله.
وفسروا القول بالقرآن، (يتبعون أحسنه) أي: أحسن ما في القرآن على أن القرآن كله حسن، ولكن فسروا بأن القرآن فيه جزاء، وفيه أن الظالم يقتص منه، كما قال تعالى في سورة الشورى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ [الشورى:٤٠] بمعنى: لك الحق أن تنتقم ممن ظلمك وممن آذاك، ولكنك إن عفوت فهو أحسن من الانتقام.
الله ﷻ ذكر في كتابه العزيمة والرخصة، ولكن العزيمة أحسن من الرخصة، هكذا قالوا، لكن المصطفى ﵊ قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه).
فقد أمرنا النبي ﵊ بالقصر في السفر فعلينا أن نقصر، بل إن الحنفية وغيرهم أوجبوا ذلك، أي: أوجبوا إتيان الرخصة وترك العزيمة في السفر.
والنبي ﷺ كان في غزوة الفتح، وكان النبي ﵊ صائماً، وكان ذلك في رمضان بعد صلاة العصر وهو على ناقته، فشرب لبناً وتبعه الكثير، فلم يفطر البعض، فقيل له: فلان وفلان، وفلان وفلان بقوا صائمين، فقال عنهم: (أولئك العصاة، أولئك العصاة).
وسماهم عصاة حيث تركوا الرخصة وبقوا على العزيمة، ولذلك كما قال ﵊: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه).
وقد أذن الله تعالى بأن يقتل القاتل، ولكن مع ذلك جعل في العفو المغفرة والثواب، ولا شك أن المغفرة والثواب أفضل، وقد تدخل الجامعة فتجد أقوالاً فهذا سموه فيلسوفاً، وذاك سموه زعيماً، وذاك قالوا عنه: علامة كبير، وإذا اتفقوا على مسألة ما تجد أن الله يقول في نفس المعنى ما يخالف ذلك، ويقول رسول الله ﵊ في نفس المعنى ما يخالف ذلك.
فإياك إياك، أن يخطر ببالك أن تقدم كلام أحد على الكتاب والسنة حتى ولو كان القائل صحابياً، ومن باب أولى إذا كان عالماً كبيراً أو فليسوفاً أو زعيماً أو غير ذلك، فكلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ورسوله المعصوم ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
ونحن نسمع الكثير ونقرأ الكثير، ولكن اجعل ميزانك بيدك دائماً، وهو أن ما قاله الله هو الحق، وما قاله رسول الله هو الحق، وما سوى ذلك باطل، فإن كان متخذاً من كتاب الله أو مستنبطاً من حديث رسول الله فذاك ويكون بذلك تبعاً لكتاب الله ولسنة رسوله.
وفي هذا العصر تجد خلافاً وتضارباً بين قول الله وقول أولئك الفلاسفة، فيقولون: لا تقطع يد ولا يرجم إنسان ولا تجلد بشرة، نحن تطورنا وتقدمنا، وهذه أشياء تجعل التخلف قائماً؛ لأنه قارن قول المخلوق بكلام الخالق بل وفضله، فتبع إبليس، وتبع الكفرة من اليهود والنصارى والمنافقين.
فهؤلاء الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه قال الله عنهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر:١٨].
فإذا وجدت قولاً لشخص ما سواءٌ كان صحابياً أو إماماً ووجدت آية صريحة تخالف ذلك القول، أو وجدت حديثاً صريحاً يخالف ذلك القول، فلا تقل: أنا لا أعلم الآية، ولكن الإمام قال: كذا! إياك ثم إياك أن تقول ذلك.
فأنت عندما تسأل في القبر لا يقال لك: من إمامك؟ ولكن يقال لك: من نبيك؟ من ربك؟ ما دينك؟ فإذا قلت عن نبيك كلاماً يقوله الناس، ولا يدرى أحق هو أم باطل، فهنا المصيبة، فالظالم يلقى في قبره العذاب الأليم، فمنكر ونكير يضربونه بمرازب حتى يدخل في قعر الأرض السابعة، ثم يجتذبونه ويقتلعونه قلعاً، وهكذا تعذب روحه إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨] أي: الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك المهديون الراشدون الصالحون المحقون.
وأولئك هم ذوو العقول والوعي والفهم والإدراك.
стр. 1820
تفسير قوله تعالى: (أفمن حق عليه كلمة العذاب)
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر:١٩].
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:١٩] قد رآه الله ورآه قومه وهو يحرص على إيمان قومه وعلى إيمان من دعاهم إلى الله، ولكن الأمر بيد الله لا بيد أحد سواه، لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، وقد كان ﵊ حريصاً على إيمان فلان وفلان من أقاربه، ولكن الله له الإرادة والأمر، فقال الله لنبيه عن هداية قومه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] أي: لعلك مهلكها ألماً وحسرة أن لم يؤمنوا بي، فلا تفعل.
فقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢] أي: ليست وظائف الرسل الهداية، ولكن وظيفتهم التبليغ، فعليك أن تبلغهم كلام الله، وأن تتلو عليهم كلام الله، وأن تبين ذلك بالسنة.
أما هدايتهم فلن تسأل عن ذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يقال لك يوماً: إن فلاناً لم يهتد، ولكن يقال لك: هل بلغت؟ ولذلك فإن النبي ﵊ في حجة الوداع قام خطيباً في قومه في عرفات عند جبل الرحمة، وكان يقول: (ألا هل بلغت، ألا هل بلغت؟) يسألهم، والله قد أمره بالبلاغ.
فكانوا يقولون له: اللهم نعم، قد بلغت وأحسنت، ويشير بيده ﵊ إلى السماء، إلى حيث العرش ثم ينكتها ويقول: (اللهم اشهد)، يشير إلى السماء ثم إليهم، أي: اشهد على هؤلاء.
وكانوا مائة وعشرين ألف حاج.
أي: اشهد عليهم في أني بلغت أمرك ورسالتك، ولم أتوان في ليل ولا نهار ولا في صحة ولا مرض، ولا في سفر ولا حضر؛ لأن وظيفة النبوءات والرسالة التبليغ لا الهداية.
فهنا يقول: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:١٩] أي: وجبت عليه كلمة العذاب، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، قال تعالى: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠].
فالله قضى على نفسه أن النار ستمتلئ، وأن الجنة سوف تمتلئ، فهؤلاء يا محمد! الذين هم من أهل النار أتظن أنك ستنقذهم من النار؟ هيهات هيهات، ليس ذلك لك ولا لأحد غيرك إنما هو لله الواحد القهار.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦].
فقوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ [الزمر:١٩] أي: أفمن وجب في حقه، في شركه وكفره؛ (كَلِمَةُ الْعَذَابِ) وهي الكلمة التي أنذر بها العبد إذا لم يؤمن ومات على الكفر والشرك أن النار داره ومقامه ومأواه إلى أبد الآباد.
قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر:١٩] أي: هل تستطيع يا محمد! أن تنقذ هؤلاء الذين سبقت عليهم كلمة العذاب: إن الله حرم الجنة على الكافرين.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فإبراهيم دعا أباه آزر ووعده بأن يستغفر له، فلما مات على الشرك والكفر أخبر الله عن إبراهيم أنه لم يستغفر له، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤].
فلم يعد يطلب له المغفرة، لأن المغفرة للكافر لن تكون، ولن يغفر لمن مات على الشرك.
стр. 1821
تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم)
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠].
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر:٢٠] لكن: ليست للاستدراك كما تكون في الغالب، ولكنها كلمة لصرف قصة عن قصة.
قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] أي: ماتوا على التوحيد، أولئك هم أتباع الأنبياء وأولئك هم أهل الجنان.
قوله: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] خافوه وأطاعوا أوامره واجتنبوا نواهيه، وآمنوا بكتابه وبرسله، عاشوا على ذلك وماتوا على ذلك.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر:٢٠] لهم غرف يعيشون فيها في الجنان، وهذه الغرف قصور شامخة يرى باطنها من ظاهرها.
روى أحمد في المسند والنسائي في السنن أن النبي ﷺ قال: (المؤمنون في الجنة في غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.
فكان بدوي حاضراً فقال: يا رسول الله، لمن هي؟ قال: هي لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) وصف المؤمن بأنه لين الكلام طيب القول، ليس بصخاب ولا فاحش ولا سباب ولا طعان ولا لعان، ووصفه بأنه يطعم الطعام ويتابع قيام الفرض وقيام النافلة، فكان يصلي ويتهجد لله والناس نيام.
وروى علي وأبو موسى الأشعري وأبو مالك الأشعري كما في صحيح البخاري ومسلم والسنن: أن النبي ﷺ قال: (غرف الجنان ما بين الغرفة والغرفة كما بين السماء والأرض، يتراءون فيها كما يرى الكوكب الدري من الأرض، فقال قائلون: تلك منازل الأنبياء يا رسول الله لا يدخلها سواهم؟ فقال النبي ﵊: بلى والذي نفس محمد بيده، هي لمن آمن بالله وصدق المرسلين).
стр. 1822
تفسير سورة الزمر [٢٠ - ٢٢]
الله تعالى يذكر في كتابه الأنواع المتضاده والأشكال المتشابهة، فيذكر تعالى أصحاب الجحيم الذين يكون لهم ظلل من النار من فوقهم ومن تحتهم، ثم يذكر المتقين وما أعد لهم من الغرف التي تجري من تحتها الأنهار، وذلك أن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كالذين قست قلوبهم من ذكر الله.
стр. 1823
تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف)
قال الله ﷻ : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠].
بعد أن ذكر الله حال الكافرين وأن من عذابهم، وعقوبتهم أن يكونوا في النار من فوقهم ظلل ومن تحتهم ظلل، ذكر المؤمنين وجزاؤهم من الله أن يكونوا في غرف من فوقها غرف.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] لكن هنا ليست استدراكاً كما تكون في الغالب، ولكنها كلمة لصرف قصة عن قصة وكلام عن كلام.
قص الله علينا حال الكفار والمشركين وهم يعذبون في النار، ثم انتقل من كلام إلى كلام، وهو أن أهل الجنة وأهل التقوى يسكنون غرفاً في الجنة من فوقها غرف مبنية.
وقد سئل النبي ﷺ عن هذه الغرف فقال: (هي غرف يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، فسأله بدوي كان حاضراً فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن ألان الكلام وتابع الصيام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام).
وقد ورد كذلك في الصحيحين أنها غرف تتراءى كما يتراءى الناس الكوكب الدري الغابر في أعلى السماء، وأن الجنة منازل، وأنها مقامات حيث الأنبياء والرسل فيها في الفردوس الأعلى.
فقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] أي: جعلوا وقاية من الطاعة والإيمان ومن عمل الصالحات بينهم وبين ناره، فجعلوا وقاية بينهم وبين غضبه، فكان جزاؤهم أن يسكنهم الجنان في هذه القصور المشيدة والبيوت الشامخة وهي طبقة على طبق، ومنزلة على منزلة، ومكان فوق مكان.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الزمر:٢٠] وهذه القصور والدور تتخللها المياه الدافقة والجداول، مما يزيد القصور جمالاً وبهاءً، ويزيد الشوق لها من المكرمين بدخولها.
قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠] أي: هذا ما وعد الله به، وهو لا يخلف الميعاد، وحاشا الله أن يخلف وعده للمتقين، فقد وعدهم بالجنة وبالغرف المبنية وبالرضا وبالرحمة يوم القيامة، يستحقون ذلك بتوحيدهم وبدينهم وبتقواهم، ذلك وعد وعده الله المؤمنين والله لا يخلف الميعاد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١].
стр. 1824
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١].
كثيراً ما يضرب ربنا الأمثال في الخلق والمعاد، بالممات والحياة، وبالأرض حيث نراها ونعيش على ظهرها، فقال ربنا ﷻ : ألم تر يا محمد ﷺ ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر:٢١] أي: أنزل من الغمام والسحب ماءً ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [البقرة:١٦٤] أي: أغاثها بعد جدب وأنبت خيراتها وخضرتها، وأنبت ما فيها من فواكه ومآكل ومشارب، لمن خلقهم الله من عباده من رجال ونساء ومخلوقات أخرى.
قال تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٢١] أي: جعله ينابيع؛ جمع ينبوع، وهي الجداول، جعل لها مسالك تحت الأرض، وتحتفظ به الأرض في باطنها، ثم بعد ذلك تتفجر عيوناً وآباراً وأنهراً جارية.
فيسقى به جذور النبات فيحيا النبات بما يحيا به الإنسان والحيوان.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر:٢١] ثم يخرج بهذا الماء الذي سلكه وأدخله في بطن الأرض آباراً وينابيع وجداول فأنبت به جميع أنواع الزروع منها ما يطول سنوات ودهراً، ومنها ما يعيش فصلاً دون آخر، واختلفت ألوان هذه الأشجار، والنباتات، فالماء واحد والزهر أنواع، فنجد هذا النبت بين أحمر وأخضر وأصفر كل ذلك بقدرة الله ﷻ .
فقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ [الزمر:٢١] أي: بالماء الذي أنزل من السماء.
﴿زَرْعًا﴾ [الزمر:٢١] أي: ما يزرع في الأرض من كل أنواع المزروعات.
﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر:٢١]، ألوان: جمع لون.
اختلفت الألوان بين حلو وحامض ومر، وبين أحمر وأصفر وأسود وما بين ذلك، أخرج هذه الألوان وهذه الطعوم المختلفة والألوان المختلفة بماء واحد أنزله من السماء فسلكه ينابيع في الأرض.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الزمر:٢١] هذا الزرع المختلف ألوانه، تراه بعد زمن قد يبس وأخذ يتحات، وأخذ يتغير لون خضرته ولون حمرته ولون زرقته إلى اصفرار، أي: إلى شيخوخة النبات ونهايته كما قال تعالى بعد ذلك: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر:٢١].
يجعله يتناثر فيصير حطاماً كأنه لم يكن هذا الذي حدث، فمن الذي خلقه؟ ومن الذي أحدثه؟ هو الله ﷻ .
وهكذا الإنسان نراه طفلاً، فنغيب عنه سنوات وإذا به أصبح شاباً، فنغيب عنه زمناً وإذا به أصبح كهلاً، ثم نغيب عنه سنوات وإذا به أصبح شيخاً، ثم نغيب سنوات وإذا به قد ذهب إلى ربه.
فجاء من الفناء وذهب إلى الفناء، وضرب الله المثل بهذا النبات، نمر على الأرض أيام الشتاء وإذا بها أراض بلقع، لا ترى فيها نبتاً يتحرك، فيأتي الربيع وإذا بالأرض تهتز بأنواع من النباتات: أزرق وأخضر وأحمر، وإذا بها تثمر وتصير بين حلو وحامض، وإذا بها بعد زمن تصفر، ثم نراها قد أخذت تيبس وتميل وتنتهي، وإذا بعد مدة تجدها تتساقط وتتناثر وتصبح حطاماً وكأنها لم تكن.
وهكذا يضرب الله هذا المثل للكافر، وقد ضربه في غير ما سورة وآية، والمعنى: فيا من تنكر المعاد والبعث والنشور ألا ترى هذا في الأرض الذي أنت على ظهرها، والذي منها خرجت، والذي إليها تعود؟! ألم ترها يوماً وليس عليها نبت، ثم جئت فوجدتها قد أنبتت ثم أثمرت ثم أخذت تصفر ثم تحطمت؟ وهكذا الإنسان، أين آباؤنا وأجدادنا وقد كانوا مثلنا أحياء يأكلون ويشربون، يضحكون ويبكون، يسرون ويألمون وإذا بهم لم يبقوا، وكذلك نحن.
وهذا البيت الحرام كم مضى عليه؟ كم داسته من أقدام؟ كم صلى إلى كعبته من الخلق؟ يتجاوزون مئات الملايين فأين هم؟ جاءوا من التراب وذهبوا إلى التراب، ولذلك قال الشاعر الحكيم: خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد يا من تتعاظم وتتكبر على الله، والذي كأني بك وأنت تمشي على الأرض رأسك في السماء ورجلك في الأرض السابعة، ألا تدري على من تتكبر؟ ألا تدري هذه القدم التي ترفعها وتضعها بعنف وتعال وكبرياء تضعها على رمم آبائك وعلى جثث أجدادك؟ فيجري عليك يوماً من الأيام ما جرى لهم، وكما تفعل يفعل بك.
فإذا أنت تواضعت لخلق الله، وتأدبت بآداب الإنسان فضلاً عن آداب الإسلام، لن يكون الأمر كذلك، ولا شك أن هذا الذي ضربه الله مثلاً للإنسان واقع تراه العين وتسمعه الأذن وتحسه البشرة، ولا ينكره إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر.
ها نحن كذلك من طفولة إلى شباب إلى كهولة إلى شيخوخة، ثم كما يقول ربنا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
وما ضرب الله الأرض والنبات والمياه مثلاً للإنسان إلا لأنه يرى الحياة ويرى القيامة ويرى الموت، في هذه الأرض التي يمشي على ظهرها من مشارق الأرض ومغاربها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١] إن في الذي قصه الله علينا من نزول الماء من السماء ومن إنبات الأرض، وجعل ذلك أشكالاً وألواناً وأنواعاً، ثم تصير بعد ذلك يابسة متغيرة ثم تتحطم وتتناثر، هذا الذي يحدث ونراه كل عام سواءً كنا في مشرق الأرض أو في مغربها، فيه ذكرى للإنسان؛ ليفكر في ذلك ساعة من زمن، ويوماً من الأيام، كيف حصل هذا؟ من الذي صنعه؟ وبيد من؟ قد يقول الكافر: الطبيعة، وما الطبيعة؟ إن كان الماء فالله خلقه، وإن كانت الشمس فالله خلقها، إن كان الليل والنهار فالله قد خلقهما، فما الطبيعة إذاً؟ فمن قال: الطبيعة كمن جعل لله شريكاً من خلقه، فلا جواب إلا أن تقول: الله الذي خلق هذا الذي نراه كما خلقنا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر:٢١] أي: لتذكيراً وعبرة لكل مفكر وعاقل من ذوي العقول السليمة، والألباب: جمع لب وهي العقول.
فمن كان عاقلاً ومفكراً واعياً يجب عليه أن يتفكر، وكل إنسان كذلك إلا من نزع الله عنه عقله، فإذ ذاك أخذ ما وهب فأسقط ما أوجب، ولكن هذا بالنسبة للخلق من أقل القليل وأندر النادر، فقد حفظ الله علينا عقولنا وديننا.
стр. 1825
تفسير قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام)
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢].
هذا السلسلة من الآي هي أسئلة تقريرية فيها لفت نظر أولي الألباب والعقول، ودعوا الجواب للسامع العاقل كما مضى من بداية السورة إلى هنا.
فقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] سؤال تقريري.
قال: (أَفَمَنْ شَرَحَ) أي: هل من شرح الله صدره وفتحه للإسلام وأنار به بصيرته وتفتحت له سريرته كمن أغلق قلبه عن الإسلام وكفر به ولم ينشرح له ولم يستنر قلبه له، بل كان في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها؟ معناه: هل الذي شرح الله صدره للإسلام ووسعه فصار مؤمناً عاقلاً واعياً خير، أم هذا الذي أخذته ظلمات فأغلق قلبه عن الإيمان وصعد الران على قلبه فكان مشركاً كافراً؟ ولن يتردد العاقل ولا المؤمن أن يقول: من شرح الله صدره للإيمان خير وأفضل وأكرم، وهو الإنسان الذي يجب أن يقتدى به.
عندما نزلت هذه الآية سأل العباس بن عبد المطلب رسول الله النبي ﷺ -وروايته عزيزة- فقال: (يا رسول الله! ما معنى شرح الله صدري للإسلام؟ قال: يفتحه، قال: وما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن الدنيا، والإعداد للموت قبل الموت) فعلامة انشراح صدر الإنسان وتوسيعه وتفتحه أن تراه مع نفسه يفكر: ما العاقبة يوم نقبل على الله؟ هل سنبقى مؤمنين إلى أن نلقاه؟ نرجو الله ذلك حتى يتقبلنا الله برحمته ورضاه.
ولذلك فهو يفكر باستمرار أنه ما عاش إلا ليموت، والعقلاء يعجبون من إنسان حكم الله بموته وهو مع ذلك يلهو ويلعب، وكلنا نعلم وكل حي على وجه الأرض يعلم أنه ميت لا محالة، وهو حكم صدر عن الله ﷻ .
ونحن إذا رأينا إنساناً حكم عليه بالموت فكيف ينبغي أن يكون؟ ينبغي أن تجده في ذكر واستغفار فلا يكاد يبتسم، كما قال النبي ﵊: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
ولكننا مع ذلك ونحن محكوم علينا بالموت تجدنا نتناسى ونتغافل ونلهو ونلعب، والقليل القليل منا من يقوم بواجباته، من يقوم بصلواته وصيامه.
القليل في الدنيا من يوحد الله ويقول: لا إله إلا الله، ومع ذلك نجد الناس يموتون يومياً صباحاً، ويموتون ظهراً، ويموتون ليلاً، ونحن نعلم أن يوماً من الأيام سيقال: كان فلان ﵀، إن فعل خيراً لله وإلا فقد يقولون: لا رده الله، لقد كان بلاءً على الناس.
وكما قال النبي ﵊: (من شهدتم له بخير فهو في الجنة) ولذلك قال للمؤمنين من أصحابه عندما أثنوا على جنازة مضت: (وجبت، ثم مضت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، فسئل المصطفى ﵊: ما وجبت الأولى وما وجبت الثانية؟ قال: عندما أثنيتم على الجنازة الأولى بالصلاح وبالخير قلت: وجبت، أي: وجبت له الجنة، وعندما أثنيتم شراً على الجنازة الثانية قلت: وجبت، أي: وجبت له النار، أنتم شهداء الله على خلقه).
فقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] أي: مستنير بدينه وبأدلته على يقين تام أنه على الحق وغيره على الباطل، فهو مؤمن عن دليل ويقين وانشراح قلب وخاطر.
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر:٢٢] فالذين لم تنشرح صدورهم للإيمان هم قساة القلوب، وقد قال مالك بن دينار: أشد بلاء يبتلى به الإنسان على وجه الأرض أن يعاقب بقسوة القلب.
وقاسي القلب لا يفتح صدره للإسلام ولا لموعظة من كتاب أو سنة أو عارف من العارفين، فتجده قد صعد الران على قلبه، فلا يتأثر بآية ولا بحديث ولا يتأثر بموت، فهو من القسوة كالحجارة، بل إن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، فهو أقسى من الحجارة، كما وصف الله اليهود لعنات الله عليهم تترى.
فقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] أي: يا ويل قساة القلوب الذين قلوبهم لم تنشرح للإسلام ولا لموعظة ولا لآية ولا لحديث ولا لحكمة يسمعونها.
والويل: وادٍ في جهنم.
يا ويلهم يوم يدخلون إليه يشربون من حميمه فتتساقط أمعاؤهم من شربة واحدة، ثم تعاد ليعاد عذابهم.
قال: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] أي: عن ذكر الله، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض.
هؤلاء القاسية قلوبهم إذا ذكر الله لا تنفتح قلوبهم ولا تنشرح، فلا يتأثرون، ولا يتعظون ولا يعون.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] أي: هؤلاء القساة قلوبهم التي صعد الران عليها، ولم تنشرح صدورهم لذكر لله، وللإسلام، هم في ضلال واضح بين يراه من يعلم ومن لا يعلم.
следующие страницы →