Полный текст (2 442 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم)
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠].
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الزمر:٢٠] لكن: ليست للاستدراك كما تكون في الغالب، ولكنها كلمة لصرف قصة عن قصة.
قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] أي: ماتوا على التوحيد، أولئك هم أتباع الأنبياء وأولئك هم أهل الجنان.
قوله: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] خافوه وأطاعوا أوامره واجتنبوا نواهيه، وآمنوا بكتابه وبرسله، عاشوا على ذلك وماتوا على ذلك.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر:٢٠] لهم غرف يعيشون فيها في الجنان، وهذه الغرف قصور شامخة يرى باطنها من ظاهرها.
روى أحمد في المسند والنسائي في السنن أن النبي ﷺ قال: (المؤمنون في الجنة في غرف يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.
فكان بدوي حاضراً فقال: يا رسول الله، لمن هي؟ قال: هي لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) وصف المؤمن بأنه لين الكلام طيب القول، ليس بصخاب ولا فاحش ولا سباب ولا طعان ولا لعان، ووصفه بأنه يطعم الطعام ويتابع قيام الفرض وقيام النافلة، فكان يصلي ويتهجد لله والناس نيام.
وروى علي وأبو موسى الأشعري وأبو مالك الأشعري كما في صحيح البخاري ومسلم والسنن: أن النبي ﷺ قال: (غرف الجنان ما بين الغرفة والغرفة كما بين السماء والأرض، يتراءون فيها كما يرى الكوكب الدري من الأرض، فقال قائلون: تلك منازل الأنبياء يا رسول الله لا يدخلها سواهم؟ فقال النبي ﵊: بلى والذي نفس محمد بيده، هي لمن آمن بالله وصدق المرسلين).
стр. 1822
تفسير سورة الزمر [٢٠ - ٢٢]
الله تعالى يذكر في كتابه الأنواع المتضاده والأشكال المتشابهة، فيذكر تعالى أصحاب الجحيم الذين يكون لهم ظلل من النار من فوقهم ومن تحتهم، ثم يذكر المتقين وما أعد لهم من الغرف التي تجري من تحتها الأنهار، وذلك أن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ليس كالذين قست قلوبهم من ذكر الله.
стр. 1823
تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف)
قال الله ﷻ : ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠].
بعد أن ذكر الله حال الكافرين وأن من عذابهم، وعقوبتهم أن يكونوا في النار من فوقهم ظلل ومن تحتهم ظلل، ذكر المؤمنين وجزاؤهم من الله أن يكونوا في غرف من فوقها غرف.
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] لكن هنا ليست استدراكاً كما تكون في الغالب، ولكنها كلمة لصرف قصة عن قصة وكلام عن كلام.
قص الله علينا حال الكفار والمشركين وهم يعذبون في النار، ثم انتقل من كلام إلى كلام، وهو أن أهل الجنة وأهل التقوى يسكنون غرفاً في الجنة من فوقها غرف مبنية.
وقد سئل النبي ﷺ عن هذه الغرف فقال: (هي غرف يرى باطنها من ظاهرها، وظاهرها من باطنها، فسأله بدوي كان حاضراً فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن ألان الكلام وتابع الصيام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام).
وقد ورد كذلك في الصحيحين أنها غرف تتراءى كما يتراءى الناس الكوكب الدري الغابر في أعلى السماء، وأن الجنة منازل، وأنها مقامات حيث الأنبياء والرسل فيها في الفردوس الأعلى.
فقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٠] أي: جعلوا وقاية من الطاعة والإيمان ومن عمل الصالحات بينهم وبين ناره، فجعلوا وقاية بينهم وبين غضبه، فكان جزاؤهم أن يسكنهم الجنان في هذه القصور المشيدة والبيوت الشامخة وهي طبقة على طبق، ومنزلة على منزلة، ومكان فوق مكان.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الزمر:٢٠] وهذه القصور والدور تتخللها المياه الدافقة والجداول، مما يزيد القصور جمالاً وبهاءً، ويزيد الشوق لها من المكرمين بدخولها.
قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠] أي: هذا ما وعد الله به، وهو لا يخلف الميعاد، وحاشا الله أن يخلف وعده للمتقين، فقد وعدهم بالجنة وبالغرف المبنية وبالرضا وبالرحمة يوم القيامة، يستحقون ذلك بتوحيدهم وبدينهم وبتقواهم، ذلك وعد وعده الله المؤمنين والله لا يخلف الميعاد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة:١١١].
стр. 1824
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء)
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١].
كثيراً ما يضرب ربنا الأمثال في الخلق والمعاد، بالممات والحياة، وبالأرض حيث نراها ونعيش على ظهرها، فقال ربنا ﷻ : ألم تر يا محمد ﷺ ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر:٢١] أي: أنزل من الغمام والسحب ماءً ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ﴾ [البقرة:١٦٤] أي: أغاثها بعد جدب وأنبت خيراتها وخضرتها، وأنبت ما فيها من فواكه ومآكل ومشارب، لمن خلقهم الله من عباده من رجال ونساء ومخلوقات أخرى.
قال تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٢١] أي: جعله ينابيع؛ جمع ينبوع، وهي الجداول، جعل لها مسالك تحت الأرض، وتحتفظ به الأرض في باطنها، ثم بعد ذلك تتفجر عيوناً وآباراً وأنهراً جارية.
فيسقى به جذور النبات فيحيا النبات بما يحيا به الإنسان والحيوان.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر:٢١] ثم يخرج بهذا الماء الذي سلكه وأدخله في بطن الأرض آباراً وينابيع وجداول فأنبت به جميع أنواع الزروع منها ما يطول سنوات ودهراً، ومنها ما يعيش فصلاً دون آخر، واختلفت ألوان هذه الأشجار، والنباتات، فالماء واحد والزهر أنواع، فنجد هذا النبت بين أحمر وأخضر وأصفر كل ذلك بقدرة الله ﷻ .
فقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ [الزمر:٢١] أي: بالماء الذي أنزل من السماء.
﴿زَرْعًا﴾ [الزمر:٢١] أي: ما يزرع في الأرض من كل أنواع المزروعات.
﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر:٢١]، ألوان: جمع لون.
اختلفت الألوان بين حلو وحامض ومر، وبين أحمر وأصفر وأسود وما بين ذلك، أخرج هذه الألوان وهذه الطعوم المختلفة والألوان المختلفة بماء واحد أنزله من السماء فسلكه ينابيع في الأرض.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ [الزمر:٢١] هذا الزرع المختلف ألوانه، تراه بعد زمن قد يبس وأخذ يتحات، وأخذ يتغير لون خضرته ولون حمرته ولون زرقته إلى اصفرار، أي: إلى شيخوخة النبات ونهايته كما قال تعالى بعد ذلك: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر:٢١].
يجعله يتناثر فيصير حطاماً كأنه لم يكن هذا الذي حدث، فمن الذي خلقه؟ ومن الذي أحدثه؟ هو الله ﷻ .
وهكذا الإنسان نراه طفلاً، فنغيب عنه سنوات وإذا به أصبح شاباً، فنغيب عنه زمناً وإذا به أصبح كهلاً، ثم نغيب عنه سنوات وإذا به أصبح شيخاً، ثم نغيب سنوات وإذا به قد ذهب إلى ربه.
فجاء من الفناء وذهب إلى الفناء، وضرب الله المثل بهذا النبات، نمر على الأرض أيام الشتاء وإذا بها أراض بلقع، لا ترى فيها نبتاً يتحرك، فيأتي الربيع وإذا بالأرض تهتز بأنواع من النباتات: أزرق وأخضر وأحمر، وإذا بها تثمر وتصير بين حلو وحامض، وإذا بها بعد زمن تصفر، ثم نراها قد أخذت تيبس وتميل وتنتهي، وإذا بعد مدة تجدها تتساقط وتتناثر وتصبح حطاماً وكأنها لم تكن.
وهكذا يضرب الله هذا المثل للكافر، وقد ضربه في غير ما سورة وآية، والمعنى: فيا من تنكر المعاد والبعث والنشور ألا ترى هذا في الأرض الذي أنت على ظهرها، والذي منها خرجت، والذي إليها تعود؟! ألم ترها يوماً وليس عليها نبت، ثم جئت فوجدتها قد أنبتت ثم أثمرت ثم أخذت تصفر ثم تحطمت؟ وهكذا الإنسان، أين آباؤنا وأجدادنا وقد كانوا مثلنا أحياء يأكلون ويشربون، يضحكون ويبكون، يسرون ويألمون وإذا بهم لم يبقوا، وكذلك نحن.
وهذا البيت الحرام كم مضى عليه؟ كم داسته من أقدام؟ كم صلى إلى كعبته من الخلق؟ يتجاوزون مئات الملايين فأين هم؟ جاءوا من التراب وذهبوا إلى التراب، ولذلك قال الشاعر الحكيم: خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد يا من تتعاظم وتتكبر على الله، والذي كأني بك وأنت تمشي على الأرض رأسك في السماء ورجلك في الأرض السابعة، ألا تدري على من تتكبر؟ ألا تدري هذه القدم التي ترفعها وتضعها بعنف وتعال وكبرياء تضعها على رمم آبائك وعلى جثث أجدادك؟ فيجري عليك يوماً من الأيام ما جرى لهم، وكما تفعل يفعل بك.
فإذا أنت تواضعت لخلق الله، وتأدبت بآداب الإنسان فضلاً عن آداب الإسلام، لن يكون الأمر كذلك، ولا شك أن هذا الذي ضربه الله مثلاً للإنسان واقع تراه العين وتسمعه الأذن وتحسه البشرة، ولا ينكره إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر.
ها نحن كذلك من طفولة إلى شباب إلى كهولة إلى شيخوخة، ثم كما يقول ربنا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
وما ضرب الله الأرض والنبات والمياه مثلاً للإنسان إلا لأنه يرى الحياة ويرى القيامة ويرى الموت، في هذه الأرض التي يمشي على ظهرها من مشارق الأرض ومغاربها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١] إن في الذي قصه الله علينا من نزول الماء من السماء ومن إنبات الأرض، وجعل ذلك أشكالاً وألواناً وأنواعاً، ثم تصير بعد ذلك يابسة متغيرة ثم تتحطم وتتناثر، هذا الذي يحدث ونراه كل عام سواءً كنا في مشرق الأرض أو في مغربها، فيه ذكرى للإنسان؛ ليفكر في ذلك ساعة من زمن، ويوماً من الأيام، كيف حصل هذا؟ من الذي صنعه؟ وبيد من؟ قد يقول الكافر: الطبيعة، وما الطبيعة؟ إن كان الماء فالله خلقه، وإن كانت الشمس فالله خلقها، إن كان الليل والنهار فالله قد خلقهما، فما الطبيعة إذاً؟ فمن قال: الطبيعة كمن جعل لله شريكاً من خلقه، فلا جواب إلا أن تقول: الله الذي خلق هذا الذي نراه كما خلقنا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ [الزمر:٢١] أي: لتذكيراً وعبرة لكل مفكر وعاقل من ذوي العقول السليمة، والألباب: جمع لب وهي العقول.
فمن كان عاقلاً ومفكراً واعياً يجب عليه أن يتفكر، وكل إنسان كذلك إلا من نزع الله عنه عقله، فإذ ذاك أخذ ما وهب فأسقط ما أوجب، ولكن هذا بالنسبة للخلق من أقل القليل وأندر النادر، فقد حفظ الله علينا عقولنا وديننا.
стр. 1825
تفسير قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام)
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢].
هذا السلسلة من الآي هي أسئلة تقريرية فيها لفت نظر أولي الألباب والعقول، ودعوا الجواب للسامع العاقل كما مضى من بداية السورة إلى هنا.
فقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] سؤال تقريري.
قال: (أَفَمَنْ شَرَحَ) أي: هل من شرح الله صدره وفتحه للإسلام وأنار به بصيرته وتفتحت له سريرته كمن أغلق قلبه عن الإسلام وكفر به ولم ينشرح له ولم يستنر قلبه له، بل كان في ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الرجل يده لم يكد يراها؟ معناه: هل الذي شرح الله صدره للإسلام ووسعه فصار مؤمناً عاقلاً واعياً خير، أم هذا الذي أخذته ظلمات فأغلق قلبه عن الإيمان وصعد الران على قلبه فكان مشركاً كافراً؟ ولن يتردد العاقل ولا المؤمن أن يقول: من شرح الله صدره للإيمان خير وأفضل وأكرم، وهو الإنسان الذي يجب أن يقتدى به.
عندما نزلت هذه الآية سأل العباس بن عبد المطلب رسول الله النبي ﷺ -وروايته عزيزة- فقال: (يا رسول الله! ما معنى شرح الله صدري للإسلام؟ قال: يفتحه، قال: وما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن الدنيا، والإعداد للموت قبل الموت) فعلامة انشراح صدر الإنسان وتوسيعه وتفتحه أن تراه مع نفسه يفكر: ما العاقبة يوم نقبل على الله؟ هل سنبقى مؤمنين إلى أن نلقاه؟ نرجو الله ذلك حتى يتقبلنا الله برحمته ورضاه.
ولذلك فهو يفكر باستمرار أنه ما عاش إلا ليموت، والعقلاء يعجبون من إنسان حكم الله بموته وهو مع ذلك يلهو ويلعب، وكلنا نعلم وكل حي على وجه الأرض يعلم أنه ميت لا محالة، وهو حكم صدر عن الله ﷻ .
ونحن إذا رأينا إنساناً حكم عليه بالموت فكيف ينبغي أن يكون؟ ينبغي أن تجده في ذكر واستغفار فلا يكاد يبتسم، كما قال النبي ﵊: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
ولكننا مع ذلك ونحن محكوم علينا بالموت تجدنا نتناسى ونتغافل ونلهو ونلعب، والقليل القليل منا من يقوم بواجباته، من يقوم بصلواته وصيامه.
القليل في الدنيا من يوحد الله ويقول: لا إله إلا الله، ومع ذلك نجد الناس يموتون يومياً صباحاً، ويموتون ظهراً، ويموتون ليلاً، ونحن نعلم أن يوماً من الأيام سيقال: كان فلان ﵀، إن فعل خيراً لله وإلا فقد يقولون: لا رده الله، لقد كان بلاءً على الناس.
وكما قال النبي ﵊: (من شهدتم له بخير فهو في الجنة) ولذلك قال للمؤمنين من أصحابه عندما أثنوا على جنازة مضت: (وجبت، ثم مضت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، فسئل المصطفى ﵊: ما وجبت الأولى وما وجبت الثانية؟ قال: عندما أثنيتم على الجنازة الأولى بالصلاح وبالخير قلت: وجبت، أي: وجبت له الجنة، وعندما أثنيتم شراً على الجنازة الثانية قلت: وجبت، أي: وجبت له النار، أنتم شهداء الله على خلقه).
فقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢] أي: مستنير بدينه وبأدلته على يقين تام أنه على الحق وغيره على الباطل، فهو مؤمن عن دليل ويقين وانشراح قلب وخاطر.
قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر:٢٢] فالذين لم تنشرح صدورهم للإيمان هم قساة القلوب، وقد قال مالك بن دينار: أشد بلاء يبتلى به الإنسان على وجه الأرض أن يعاقب بقسوة القلب.
وقاسي القلب لا يفتح صدره للإسلام ولا لموعظة من كتاب أو سنة أو عارف من العارفين، فتجده قد صعد الران على قلبه، فلا يتأثر بآية ولا بحديث ولا يتأثر بموت، فهو من القسوة كالحجارة، بل إن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، فهو أقسى من الحجارة، كما وصف الله اليهود لعنات الله عليهم تترى.
فقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] أي: يا ويل قساة القلوب الذين قلوبهم لم تنشرح للإسلام ولا لموعظة ولا لآية ولا لحديث ولا لحكمة يسمعونها.
والويل: وادٍ في جهنم.
يا ويلهم يوم يدخلون إليه يشربون من حميمه فتتساقط أمعاؤهم من شربة واحدة، ثم تعاد ليعاد عذابهم.
قال: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] أي: عن ذكر الله، وحروف الجر ينوب بعضها عن بعض.
هؤلاء القاسية قلوبهم إذا ذكر الله لا تنفتح قلوبهم ولا تنشرح، فلا يتأثرون، ولا يتعظون ولا يعون.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢] أي: هؤلاء القساة قلوبهم التي صعد الران عليها، ولم تنشرح صدورهم لذكر لله، وللإسلام، هم في ضلال واضح بين يراه من يعلم ومن لا يعلم.
стр. 1826
تفسير سورة الزمر [٢٣ - ٢٩]
كلام الله خير الكلام وأبلغه وأفصحه، فهو كتاب يشبه بعضه بعضاً في البلاغة والفصاحة، وقد ضرب الله فيه الأمثال الكثيرة للمؤمنين والكافرين، وبين فيه جزاء كل فريق.
стр. 1827
تفسير قوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث)
стр. 1828
معنى قوله تعالى: (كتاباً متشابهاً مثاني)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣].
في هذه الآية يبين الله لنا ما هو أحسن الحديث قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ [الزمر:٢٣] أي: أحسن الحديث على الإطلاق القرآن الكريم، الذي هو آخر الكتب الموحى بها إلى الأنبياء، هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الحكم بين الناس، وهو دستور المسلمين وقانوهم، والشرف الذي إذا دانوا له وعملوا به كانوا سادة الأمم.
وعندما كان هذا الكتاب إمامهم يرجعون إليه في الأحكام وفي الحلال والحرام، في الدولة والشارع والمعسكر، وفي الأحوال كلها الداخلية منها والخارجية، عزوا وسادوا وما استكانوا، وما وضع اليهود أقدامهم عليهم إلا بعد أن تركوا كتاب الله وراءهم ظهرياً.
قال تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] أي: يشبه بعضه بعضاً، فهو يتشابه في البلاغة والفصاحة والحقائق، ويشبه بعضه بعضاً في أن الجميع وحي من الله، وحق منه، إذ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وليس معنى المتشابه هنا كمعنى المتشابه في قوله تعالى: ((آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)) [آل عمران:٧].
والله لا يشبه أحداً من خلقه, ولا يشبهه أحد من خلقه، فمتشابه هنا معناها: تشابهت الآيات في كتاب الله في كونها جميعاً كلاماً حسناً وبديعاً حقاً ووحياً من الله، وجميعها دعت إلى الحق والنور والفلاح والصلاح، وإلى سيادة المسلم وجعله سيد الأرض وإمامها وأستاذها ومعلمها وداعيها إلى الله.
فقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣].
أي: ذاك الذي دعانا الله إليه ووصف المؤمنين الصالحين بأنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، هو كلام الله، ومنه كلام رسول الله ﵊، إذ هو شرح وبيان وتفسير له ولا يستغنى عنه.
فمن ترك السنة ترك كتاب الله، ومن ألغى الحديث ألغى كلام الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
فمن كلام الله طاعة رسولنا وامتثال أمره واجتناب نهيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء:٨٠].
قوله تعالى: (مَثَانِيَ): جمع مثنى، أي: هذه الآيات نزلت مثنى مثنى، يذكر النار وضدها الجنة، ويذكر الخير وضده الشر، ويذكر الإيمان وضده الكفر، يذكر الشيء وضده ليبين للناس الخير من الشر، ولكي تتميز الأشياء، فمن لم يعلم الشر لم يعلم الخير، ومن لم يعلم الكفر لم يعلم الإيمان.
ولذلك يجب على الإنسان أن يعرف الشر ليتجنبه ويبتعد عنه، يحمد الله على أن هداه ووفقه وألهمه للخير الذي هو الإسلام والقرآن، والاقتداء برسول الله ﷺ .
كذلك ذكرت قصص القرآن كقصة موسى مثلاً وكررت في أكثر من سورة، لتحفظ وتؤكد، وكما تقول أمثال العرب: الشيء إذا تكرر تقرر.
فإذا تكرر الشيء أصبح قراراً وإلزاماً، ومن هنا يفيد التكرار في زيادة البيان والوعي والعلم والفهم.
стр. 1829
معنى قوله تعالى: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم)
قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] أي: تضطرب وتتغير وتصفر فيضطرب المؤمن خشية من الله وحينما يسمع القرآن تجده مضطرباً خوفاً من النار ورجاء الجنة، طمعاً في رحمة الله وخوفاً من عقابه وغضبه، وإذا سمع القرآن يكون على غاية من الاطمئنان والحضور الذهني بجميع حواسه ليسمع ما يلقى إليه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] وذاك شأن المؤمن.
سمع عبد الله بن عمر عن إنسان من التابعين كان إذا سمع القرآن غشي عليه فقال: ليس هذا من الله ولكنه من الشيطان، لم يكن كذلك أصحاب محمد، كانوا يسمعون القرآن ويخشعون له وتدمع أعينهم ولكننا لا نغيب ولا يغمى علينا، بل نكون على غاية من الحضور ذهناً وإنصاتاً وسماعاً.
وقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سمعوا القرآن خشعوا ودمعت عيونهم، فقيل لها: إن هناك ناساً يغمى عليهم، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أي: لم يكن هذا في عهد الصحابة وهم أكثر تقوى ومعرفة بالله منكم.
قيل لـ عمر بن عبد العزيز: هناك إنسان إذا سمع القرآن أخذ يصيح؟ قال: بيننا وبين هذا أن نختبره، فنجعله على سور ونقرأ عليه القرآن، فإن اضطرب ووقع صدقناه، وإذا لم يضطرب ولم يقع كذبناه فهو شيء يصطنعه.
وكثير من الناس في بعض الأقطار العربية والإسلامية عندما يسمع القرآن يتلى تجده يضطرب ويتصايح ويغشى عليه، وليست الآيات تدعو إلى التقوى ولا إلى الطاعة والامتثال، فقد تجده يصيح من آيات كثيرة وهو لا يعي ولا يفهم معانيها.
وعندما تسأله: لماذا تبكي؟ يقول: أعجبتني هذه السورة، فهو لا يستمع لكتاب الله وما فيه من معان، وإنما للتغني به فقط، فهو لا يقرؤه مجوداً مرتلاً ولكن يقرؤه متغنياً به.
وقد قال علماؤنا في سابق الزمان عن القرآن: المغاربة حفظوه، وأهل الشام جودوه، والمصريون تغنوا به؛ ولذلك من الأدب مع القرآن أننا إذا سمعنا من يقرؤه ويتلوه أن نكون على غاية من الأدب والإنصات والسكون، والصياح والهيجان يخالف الإنصات ويلهي الحاضرين، ومثل هذا لم يفعله السلف الصالح.
جاء في الحديث عن العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﵊: (إذا خشع القارئ واطمأنت أعضاؤه وهو يتلو كتاب الله تلك ساعة دعوة مستجابة فليدع الله، فقمن إذا دعا الله أن يستجاب له).
قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ﴾ [الزمر:٢٣] هذه القشعريرة إذا حصلت عند تلاوة القرآن، وعند سماع ذكر الله، عند التفكر في خلق الله وفي قدرته ووحدانيته فهي حالة ربانية للمؤمن الصادق فقد قالوا: في تلك الساعة إذا دعا الله بأي اسم من أسماء الله الحسنى استجاب الله له.
فقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] الجلود: جمع جلد، أي: يقشعر جلد الإنسان حتى ترى صفرة وجهه، واهتزاز بدنه واضطراب حواسه.
стр. 1830
معنى قوله تعالى: (ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣].
ففي أول مرة تقشعر الجلود، وعندما يذكر الله بوحيه وبوحدانيته وقدرته تلين منهم الجلود وتتفتح، فتزول القشعريرة، وعندها تلين القلوب ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
فيجد اطمئناناً في قلبه وانشراحاً في صدره وليناً في بدنه وراحة، ولذلك يجب أن نختبر أنفسنا قبل أن نُخْتَبَر، فحينما نسمع القرآن يتلى: هل ننصت إليه؟ هل نفكر في معانيه؟ إذا تلوناه سواء كنا مصلين أو تالين فقط هل تخشع جلودنا له؟ هل تطمئن قلوبنا به؟ هل ينشرح صدورنا لتلاوته؟ إن كان ذلك كذلك فليحمد المسلم ربه على ذلك، لأن فيه صفة صالحة من صفات المسلمين الحقة.
وقد قال ﵊: (المؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته) فالمسلم إذا عمل عملاً صالحاً تجده يبتهج ويقول: أحمد الله على ما وفقني إليه.
وإذا ارتكب سيئة تجده يتألم على ارتكابه لها، ويندم على ما صدر عنه، إن كان كذلك فهو مسلم حق، يختبر نفسه ولا يختبره غيره.
فقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] أي: تطمئن إليه وتنشرح به.
قال تعالى: (ذَلِكَ) أي: سماع أحسن القصص وسماع أحسن الحديث، أي: سماع تلاوة القرآن فتقشعر منه جلود من المسلمين الذاكرين، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، أولئك الذين وفقهم الله لهذا.
فقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر:٢٣] ذلك الذي سبق من الآية هو هدى الله الذي يهدي به من يشاء، ورحمته وتوفيقه وإلهامه، فهذه الهداية يهدي الله لها من شاء من خلقه ومن شاء من عباده الصالحين الطيبين.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] ومن كان غير ذلك كان قاسي القلب، إذا سمع القرآن لا ينشرح له ولا يتفتح صدره ولا يخشع لذكره ولا يلين قلبه عند تلاوته، هذا ممن أضله الله، ومن أضله الله فلا هادي له.
فهذا قد غير ما بقلبه، إذ كان قلبه منطوياً على غير ذكر الله وعلى غير اليقين في الله وفي دينه، قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾ [الأنفال:٧٠] أي: لم يكن في قلب هذا خير فلم يهده الله إلى خير ولم يوفقه له، لما علم من فساد قلبه ومن كذبه على الله.
стр. 1831
تفسير قوله تعالى: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب)
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الزمر:٢٤].
أي: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٢٤] خير أم الذي أتى آمناً من عذاب الله، مطمئناً لأنه جاء مؤمناً، فلا يخاف عذابه، واثقاً بوعد الله وبرحمته؟ فقوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي﴾ [الزمر:٢٤] استفهام تقريري، (بوجهه سوء العذاب)، يسحب على وجهه في النار، وعادة أن العذاب يتقى، يتقيه من في النار بوجهه حين يسحب، ويذهب الوجه بما فيه من حواس بارزة، فيكون ذلك أشد عذاباً وإيلاماً ومهانة.
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٢٤] أي: يسحب على وجهه إلى النار، فهل هو خير، أم الذي يأتي آمناً من عذاب الله، مطمئناً على أنه قد جاء مؤمناً موحداً واثقاً بوعد الله في رحمته ودخول الجنان.
قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ﴾ [الزمر:٢٤] أي: تقول الملائكة للظالمين الكافرين، والكفر أشد أنواع الظلم، إذ يظلم نفسه في عدم الإيمان وعدم الإسلام، فيكون المتسبب لعذابها وهوانها، فيكون في ذلك هو الظالم لها.
قال تعالى: ((ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ)) يقال: فلان ذاق طعاماً، ذاق شراباً، ذاق عذاباً، أي: مسه عذاب كما مسه طعام أو شراب وتذوقه، ذاك تذوق لذته، وهذا تذوق ألمه وبلاءه.
стр. 1832
تفسير قوله تعالى: (كذب الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمْ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٥ - ٢٦].
فهؤلاء الذين كفروا، ألم يفكروا فيمن سبقهم من الكافرين الجاحدين؟! فقوله: ((كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) أي: كذب أقوام قبل هؤلاء الكفار الجدد الذين كفروا بالنبي ﷺ وبرسالته وبالكتاب المنزل عليه.
قال تعالى: ((فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)) أي: نتيجة كذبهم وتكذيبهم أتاهم العذاب وأتتهم اللعنة والغضب من حيث لا يشعرون، أي: من حيث هم مكذبون جاحدون، مشركون، لم يشعروا بالعذاب إلا وقد ماتوا، وجاء الملكان اللذان يسألان الكافر في القبر: من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ وإذا به لم يعلم جواباً، ولم يوفق للجواب؛ لأنه لم يكن في دنياه يعلم جواباً.
لأنه كان كافراً وكان غير مؤمن به ففوجئ به وذاق ذلك العذاب، وهو لم يشعر به وهو في حال الحياة، ولو شعر به لآمن واستغفر.
قال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٦].
أي: نتيجة كذبهم وكفرهم أذاقهم الله الخزي في الدنيا، بأن أُسروا وقتلوا وشردوا، طردوا من بلادهم، وتشتتوا في البلاد شذر مذر، مع الخزي واللعنة والحقارة من جميع المؤمنين.
قال تعالى: ((وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) أي: لعذاب الله يوم القيامة أكبر من خزيهم في الدنيا لو كانوا يعلمون ذلك، ولو علموه لما فعلوه إلى أن ماتوا عليه، ولو علموه لانتهزوا فرصة حياتهم ووجودهم فآمنوا وتابوا ورجعوا عن الكفر، ولكنهم لم يعلموا إلا بعد أن أصبحوا في العذاب الشديد، فكان عذاب الآخرة أكبر وأشمل وأشد إيلاماً وهواناً وخزياً.
стр. 1833
تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر:٢٧ - ٢٨].
يقول الله لنا ونحن لا نزال في الحياة لنستدرك ما فاتنا أو فات بعضنا ليزداد المؤمن إيماناً، وليعود المنافق والكافر عن كفره وعن نفاقه إلى الإيمان: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ)) كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨].
فقد ضرب الله في كتابه الكريم أمثالاً للناس، والأمثال: التشابيه، ضرب لهم ما رأته أعينهم وسمعته آذانهم، ليأخذوا الغائب ويقيسوه على الحاضر، فيفهم الحقيقة كل حسب إيمانه وحسب وعيه وفهمه.
فقوله: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ)) أي: أتينا بالأمثال نشبه بها، ونظهر بها المعاني التي دعوناهم إليها من توحيد وإيمان وتصديق رسل وعبادة وطاعة مدة حياتهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٢١] فذاك مثل للحياة ومثل للممات بما نراه ونعيشه مدة حياتنا.
وكذلك فعل النبي ﵊ في بيانه وتفسيره وحكمته ودعوته، حتى إن بعض العلماء من السلف جمع لرسول الله ﵊ ألف مثل في كتاب مستقل، وكما فسرت أمثال القرآن في كتاب مستقل من غير واحد من علماء التفسير.
قوله: ((لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) أي: يتذكرون قرآناً عربياً غير ذي عوج.
أي: ((لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)) هذا القرآن ولا يدعوه منسياً وراء ظهورهم، بل يتفكرون في أخباره وعقائده وإعجازه وبيانه وفصاحته، وفيما قص الله علينا من خبر الأمم السابقة مع الأنبياء السابقين، كذلك الكتب المنزلة عليهم لنأخذ عبرة وعقيدة، وليزداد إيماننا وتقوانا وعبادتنا.
قوله: ((قُرآنًا عَرَبِيًّا)) أي: نزل بلغة العرب وفسر بلغة العرب، جاء على قواعدهم وبلغتهم وبلاغتهم، وجاء ببديع المعاني التي عرفت بها لغة العرب.
وكان ذلك من اختيار الله للغة العربية من بين اللغات التي نطق بها خلقه، فكانت أشرف اللغات لاختيار الله لها لأشرف أمة اختارها الله تعالى أن تكون أمة الهادي وخاتم الأنبياء ﵊، ولذلك نزل القرآن على سيد العرب بلغته وبلغة قومه، فلم يجدوا مشقة في فهمه؛ لأنه نزل باللغة التي يتحدثون بها، فهموا دواخله وبواطنه وظواهره، وفهموا أمثاله واستعاراته، فآمن من آمن، إلى أن تجمعوا مهاجرين وأنصاراً، ففهموا عن الله كتابه وعن رسول الله بيانه، وذهب المصطفى إلى الرفيق الأعلى ﷺ ، وكانت الجزيرة قد تم إيمانها وإسلامها واستسلامها لكتاب الله ولدينه.
فأصبح العرب بعد ذلك رسل رسول الله إلى الناس كافة، فخرجوا عن هذه الجزيرة يحملون بيد كتاب الله وباليد الأخرى السيف، فالكتاب لمن سمع ووعى وأدرك وتلقى حقائقه، والسيف لمن عارض دعوة الله.
ووقف في وجه الدعاة إلى الله، ابتداء من أبي بكر الخليفة الأول رضوان الله عليه، إلى أن ألقى الإسلام بجرانه أيام عمر، فتوفي أبو بكر يوم توفي وجيوشه على أبواب أرض الشام، وإذا بـ عمر يأتي فيضم إلى للإسلام بلاد الشام والعراق ومصر وأرض فارس والمغرب الأدنى.
وهكذا تتالت الفتوحات، وكان الدافع لذلك هم هؤلاء الذين نزل القرآن بلغتهم.
أما الترجمة اليوم التي يدعيها الكثير من الناس ويبذلون فيها مالاً ويظنون أنهم فعلوا خيراً فهي بدعة لا خير فيها، إذ خرج الإسلام بلغة العرب وبدعاة من العرب إلى البلاد الفارسية والرومية والقبطية والبربرية، وما إلى ذلك من بقية أجناس الأرض، فلم يدخل أحد منهم ينشر الإسلام بلغته، ولذلك ما مضى الجيل الأول حتى جاء الجيل الثاني وهو يتكلم لغة العرب كنطق العرب أنفسهم.
فكان من غير العرب من أتقن لغة العرب ونشرها وعلمها، كالإمام سيبويه سيد النحاة على الإطلاق وهو فارسي، وأكثر علماء الفقه والحديث والتفسير، والكثير الكثير من علماء اللغة.
خرج الصدر الأول ونشروا القرآن بلغته؛ لأن الله وصفه في غير ما آية: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:٢]، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه:١١٣] فالترجمة قبل أن نقول حلال أو حرام، هي غير معقولة بل مستحيلة، وطالما جربنا وجرب غيرنا، مثلاً: القرآن الآن مترجم إلى لغات إسلامية غير عربية وإلى لغات كافرة، ترجم للغة الفرنسية عدة مرات، وللتركية عدة مرات، وللأوردية عدة مرات، ولو جمعت هذه التراجم فإنك لا تجد ترجمة تشبه الترجمة الأخرى.
فإذا أخذ الإنسان يقول: أنا أقرأ القرآن بالتركية، وأقرأ القرآن بالفرنسية، فإنك تجد هذه الترجمة ترجع لفهم المترجم وحسب دينه وسعة علمه، فلذلك كثيراً ما يخطئ عن قصد أو عن غير قصد، نأخذ على سبيل المثال: قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:٢٢] هذه في لغة العرب مفهومة، إذ تأتي الرياح فتهب على الأشجار فتصبح الأشجار ذات براعم، ثم تصبح البراعم أزهاراً، فتهز الرياح الأزهار، فيتنقل من شجرة لشجرة ومن برعم لبرعم، وتأتي النحلة فتقف على هذه الزهرة، ثم تنتقل إلى زهرة ثانية تحمل في أرجلها اللقاح، وهذا اللقاح يكون كاللقاح الذي يحدث من الذكر للأنثى، فكيف يترجم إلى لغة أخرى؟! فقوله: ((وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ))، أتكون هذه ترجمته؟ زوجنا الرياح بالشجر فتلقح، ولذلك فإن هذه التراجم عندما تقرؤها تجدها على غاية من الركاكة.
فأنت تجد كثيراً من الآيات قد فسرت بالعربية عن طريق أئمة كبار، ومع ذلك تجدهم يختلفون في الترجيح، لكن يبقى التفسير تفسيراً وكلام الله هو كلامه، فيقولون: إن أخطأنا فمن أنفسنا، وإن أصبنا فمن الله.
أما المترجم فيأتي بكلامه الذي ترجمه ويظن أن الله قد قال ذلك، وهذا كذب على الله وافتراء عليه، فتراه يحرف عن قصد أو عن غير قصد، ولذلك فإن الترجمة مستحيلة ولم يكن هذا عمل السلف، ولو صرف المال في تعليم اللغة العربية وبثها بين الناس لكان خيراً من الترجمة، وخاصة الشعوب الإسلامية التي لغة العرب في حقها واجبة؛ لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم.
وما لا يتأتى الواجب إلا به فهو واجب، وتعلم كتاب الله واجب، وتعلم سنة رسول الله واجب، وتعلم الفقه واجب، وتعلم لغة العرب التي لا يجيء فهم كتاب ولا سنة ولا فقه إلا بها واجب.
ومن هنا نجد الكثير من الزعماء الإسلاميين غير العرب ممن يجهلون العربية يخطئون أخطاء -فيما يزعمونه تفسيراً أو شرحاً للسنة- تخرجهم أحياناً عن الإسلام جهلاً وعدم فهم وهم لا يقصدون ذلك.
فنحن قد كرسنا اللغات الأخرى وضيقنا اللغة العربية ولم يكن هذا عمل السلف، فقد دخل الإسلام الشام ولم تكن عربية، كانت لغتهم رومية، ودخل الإسلام العراق وكانت لغتها فارسية واختفت اللغتان.
ودخل الإسلام مصر وكانت لغتها قبطية، ودخل الإسلام المغرب وكانت لغته بربرية، فهذه الأقطار منذ دخلها الإسلام ودخلها العرب الفاتحون الأول أصبحت أجزاء من أرض العرب والمسلمين.
وقال ابن بطوطة الرحالة المغربي: وكان لغة العرب في القرن الثامن لغة جميع سكان الأرض من المسلمين يتكلمون بها، وإن لم يتكلم بها البعض فهو لجهله.
فـ ابن بطوطة تجول في أرض المسلمين بالخصوص نحو ثلاثين عاماً، فسميت رحلته المشهورة برحلة ابن بطوطة، ولم يكن يعرف إلا العربية، وهو من صنجة من المغرب، فجال الأرض مشارقها ومغاربها ولم يكن محتاجاً إلى غير لغته التي يتكلم بها، فكانت مقروءة ومفهومة وبها يتفاهم مع غيره.
وتولى الإمارة والقضاء، وتولى أعلى المناصب في هذه الأقطار التي ذهب إليها، ولم يحتج إلى لغة أخرى غير لغته فقط.
فـ ابن بطوطة لا يتكلم إلا العربية ولم يحتج لسواها، تجول وولِّي وحكم وقضى في جميع الأقطار الإسلامية، ولكن عندما جاءت وثنية الوطنية ووثنية القومية أخذوا يعلمونهم أن الفارسي يجب وطنيةً أو قوميةً أن يتعلم لغة قومه، وهكذا قالوا لفلان ولفلان وللشعوب الأخرى، مع أن فارس نفسها منذ مائة عام كانت تتكلم العربية كلها، وكانت تكتب هذه اللهجات بأحرف العربية، بعد الاستقلال مسخوا، فكانوا أقبح من الاستعماريين القدامى؛ فقد ألغوا الحرف العربي ووضعوا مكانه الحرف اللاتيني.
وبهذا تحرفت القراءة وتغيرت، وعندما تقرؤها بالحروف اللاتينية تكون الحركات من ضمة وفتحة وكسرة والمدود متغيرة، وتقرأ العربية وأنت عربي بالحرف اللاتيني وكأنك فرنسي أعجمي، وكأنك ما عشت عربياً يوماً ولا قرأت العربية.
فقوله: ((قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)) أي: لا اعوجاج فيه، ولا اختلاف فيه ولا لحن ولا اضطراب، ولا كلام يلغي كلاماً آخر أو يخالفه أو ينازعه، وهذا من تمام الإعجاز، إذ كله متناسق في المعاني العلوية والسفلية، وكله جاء بحق وصدق في أخبار الأمم الماضية والأمم اللاحقة وعقائدهم.
فلا تجد فيه لحناً ولا تغييراً، ولا يقال فيه: هذا خالف لغة العرب؛ ولهذا فإن الكثير من اللغويين والنحاة فسروا القرآن الكريم بالعربية والنحو فقط، ولم يهتموا بسوى ذلك، وقد أفادوا جداً.
قال تعالى: ((لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)) فهؤلاء أنزل إليهم القرآن لعلهم يتقون الله، ويخافونه، ويتقونه في العمل بأمره، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتقونه في ترك المحارم، ويتقونه في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
стр. 1834
تفسير قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء)
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩].
ضرب الله مثلاً للكافر والمؤمن عبداً مملوكاً، واحداً تملكه جماعة: ((شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ))، أي: متنازعون ومختلفون، فيهم شكاسة وشراسة في أخلاقهم.
فهذا العبد يأتي إليه السادة المشتركون في ملكيته، فهذا يأمره بالشيء فيأتي الثاني فينهاه عن ذلك الشيء، وهذا يأمره بما يخفف عنه، وذاك يأمره بما يزيده عذاباً أو محنة وبما لا يطيق، فهو في عذاب أليم بين هؤلاء السادة المشتركين في ملكيته.
قوله: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا)) رجلاً: منصوب على أنه تفسير لمثل، وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي: ضرب الله مثلاً في رجل والمعنى واحد.
قال تعالى: ((وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)) أي: وآخر لا يملكه إلا رجل واحد، وهو مسالم له، لا يحمله فوق طاقته، ولا يأمره بما يخالف أمره، ولا يأمره بما يناقض فهو مستريح معه.
فالعبد الذي يملكه شركاء مشتركون هو المشرك الذي عبد أصناماً مختلفة من جن أو إنس أو جماد، فهو في محنة دائمة.
ومثل الرجل الذي لا يملكه إلا شخص واحد العبد الموحد الذي عَبَّد نفسه لله الواحد، فهو يعيش ويحيا في سلامة وأمان، إذ لم يحملنا ربنا ما لا نطيق، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨] ﷻ وعلا مقامه.
حتى هؤلاء الشركاء غير متفقين، بل فيهم شكاسة وشراسة وسوء خلق، إذْ يأمرونه ويعذبونه بما لا يتفقون عليه.
أما الآخر كما قال تعالى: ((وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)) أي: مسالماً وموافقاً ومهادناً لا يحمله ما لا يطيق.
قال تعالى: ((هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا)) هل يتساوى هذا وهذا في المثل؟ هل يشبه هذا هذا، فقوله: (مثلاً) أي: تشبيهاً.
هل يستويان؟ استفهام تقريري،
و
الجواب
هيهات أن يستويا، وهيهات أن يكونا في رتبة واحدة.
إذاً (الحمد لله)، أي: يحمد المؤمن الله، فقد علمنا الله أن نحمده على أن كان هو المالك لنا والمعبود لنا وحده، ونحن معه في دنيانا وأخرانا، ففي دنيانا لم يحملنا ما لا نطيق، لم يعسر علينا أعمالنا وعبادتنا، ويوم القيامة يجازينا بالكثير على القليل رحمةً منه ﷻ وتنفيذاً لوعده الكريم للمؤمنين المتقين.
قال تعالى: ((بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) أي: بل أكثر هؤلاء، والأكثر هنا أي: ممن مات على هذا.
стр. 1835
تفسير سورة الزمر [٣٠ - ٣٥]
يأمر الله تعالى عبده محمداً ﷺ أن يخبر الكفار أنه ميت غير مخلد وأنهم ميتون، ثم يكون اللقاء والاختصام يوم القيامة عند الله تعالى، فمن كذب على الله وكذب بكتبه ورسله فمثواه جهنم والذي جاء بالصدق وصدق به فجزاؤه عند ربه جزاء المحسنين.
стр. 1836
تفسير قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)
قال ربنا ﷻ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣٠ - ٣١].
يقول ربنا ﷻ لهذه الأمم والشعوب في الأرض: إنهم ميتون، وقد اختلفوا وتنازعوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، ومنهم من ضل ومنهم من اهتدى، ناس من أصحاب اليمين وآخرون من أصحاب الشمال.
فهؤلاء الذين أبوا إلا التكذيب والكفران والجحود، وأبوا إلا أن يصرفوا الصدق عندما يأتيهم سيموتون، وسيموت الدعاة والأنبياء وتموت الناس ويموت الخلق كلهم ملائكةً وجناً وإنساً، وعند ربهم يوم القيامة يختصمون ليُعرف من المحق من المبطل! ومن الصادق من الكاذب! وليعرف من الذي أتى بالحقائق ومن الذي أتى بالأباطيل.
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر:٣٠] الخطاب لسيد البشر ﷺ ، وهو لكل نفس على وجه الأرض.
﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] أي: وإن أولئك الذين عصوك وخالفوك وتمنوا لك الموت سيموتون، ولقد قالوا عنه: صابروه إنه عما قليل يموت وتستريحون منه ومن رسالته، فقال الله: قل لهؤلاء: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] أي: لن يفلت من الموت أحد.
قال الفراء والكسائي من أئمة اللغة: يقال ميِّت ومَيْت، يقال: ميِّت بالتشديد لمن لا يزال حياً وهو سيموت يوماً، ويقال: مَيْت بالفتح لمن هو ميت فعلاً، ولذلك كان الخطاب ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر:٣٠] فهو لا يزال حياً ويخاطب بهذا، ومعناه: إنك صائر إلى الموت لا محالة.
فقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] أي: إنك وأتباعك، إنك والكافرين بك، إنك والخلق كلهم صائرون إلى الموت يوماً، قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول لا بد يوماً أن نحمل كما حُمل من مات قبلنا، بينما نمشي على أرجلنا إذا بنا محمولون على هذه الأخشاب.
وبهذه الآية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] استدل أبو بكر الخليفة الأول ﵁ عندما مات النبي ﵊.
فعندما مات رسول الله ﷺ لم يصدق الصحابة، وذهبوا يقولون: ما مات رسول الله، بل لقد وصل الأمر إلى أن يقول عمر: من قال إن رسول الله مات ضربته بسيفي هذا.
وكان أبو بكر رضوان الله عليه أثبتهم وأعرفهم بذلك وأحسنهم توفيقاً، فهو أسبق الصحابة خلافةً ومقاماً، ثبت أنه دخل إلى غرفة ابنته حيث رسول الله ﷺ فقبله في جبينه وقال له: طبت حياً وميتاً يا رسول الله! فأخذ القوم ينتظرون ما هو فاعل فصعد المنبر فوجد في الدرجة الأولى عمر فأبعده جانباً، وقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤] ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
فانتبه القوم وكأن هاتين الآيتين لم يسمعوهما من قبل، بل لقد قال عمر: والله لكأني أسمع هذه الآية الآن، وعلموا أن الموت حق على الأنبياء وعلى غير الأنبياء، عند ذلك أعادهم أبو بكر بما جاء به رسول الله من عبادة الله وحده ووحدانيته، قال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وذكّرهم بالرسالة المحمدية، وأن محمداً ﷺ لم يرسل لعبادة نفسه أو لشيء يتعلق به، ولكنه جاء رسولاً من رب العالمين يبلّغ رسالات ربه؛ وليعبد الله بنفسه وليكون أول المسلمين؛ وليتبعه جميع من دعاهم من الجن والإنس، وإذا كان الأمر كذلك فالمعبود ﷻ لا يزال حياً ولن يموت: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] وهو الباقي، وهو الدائم، وهو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] أي: أيها الضالون المكذبون، ويا أيها المؤمنون الصادقون؛ ستموتون ثم تبعثون إلى ربكم يوم القيامة، وسيكون بينكم خصومة أمام الله وبين يديه، يشكو بعضكم بعضاً وينازع بعضكم بعضاً, فسيكون الحكم إذ ذاك لله ﷻ .
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ [الزمر:٣١] أي: بعد الموت: ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] الخصام: النزاع والخلاف في أمر.
قال ابن عمر: طال عليّ الدهر وأنا لا أعلم معنى هذه الآية، أنخاصم أهل الكتاب، أم نخاصم إخواننا المسلمين، وكيف نتخاصم؟ فنحن نعبد رباً واحداً ونؤمن برسالة واحدة، قال: حتى رأيتنا نتضارب بالسيف يقتل أحدنا الآخر، وهو يشير لما حدث للمسلمين من قتال وفتنة بعد موت عمر ﵁، وما حدث من تمرد على أمير المؤمنين علي ﵁، وهكذا أصبحت الخصومة في أنفسهم! قال النبي ﵊: (أول خصومة تكون بين جارين) كما في مسند أحمد عن عبد الله بن عباس: أول من يتقدم للخصومة وللنزاع وطلب الحكم جاران طغى أحدهما على الآخر في دار الدنيا ولم ينتصف للآخر، فيحكم الله ﷻ بالعدل بينهما.
وروى عقبة بن عامر في مسند البزار: أن النبي ﵊ قال: (لا تتركوا الخصومة والحقوق بينكم إلى ما بعد الموت، فإن هناك لا درهم ولا دينار) قد يرد الظالم الحق للمحقّ، حتى إذا جئتم يوم القيامة كنتم قد تباعدتم وتعاديتم.
وأخبر ﵊ أنه يأتي الرجل يوم القيامة ومعه صلاة وزكاة وعبادة ولكنه يأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وأكل مال هذا، فيأخذ الله من حسناته إلى من ظلمهم، حتى إذا انتهت أُخذ من سيئاتهم فطرحت عليه فيؤمر بحمله إلى النار.
وفي رواية: (سأل النبي ﵊ قال: من المفلس فيكم؟ قالوا: من لا درهم له ولا دينار، قال: ولكن المفلس يوم القيامة رجل جاء بعبادة وبصلاة وبحج، ولكنه جاء وقد شتم هذا وسب هذا وأكل مال هذا، فيؤخذ من حسناته وتضم إلى أولئك المظلومين، حتى إذا انتهت حسناته يؤخذ من سيئات أولئك المظلومين فيحملها هذا الظالم ويقذف به إلى النار).
ولذلك فإن الرجل الظالم الذي يريد أن يقبل على الله وهو بريء الذمة من حقوق الناس في دنياه يأخذ الحق من نفسه ويعيد الحقوق لأصحابها ولو مضى عليها زمن، لكن في القوانين الجائرة حتى في العالم الإسلامي: إذا مضى على الجريمة عشرون عاماً حتى وإن كانت الجريمة قتلاً تسقط المتابعة ولا يطالب بها، ولكن شريعة الإسلام ليست كذلك، بل الحق حق طال الزمان أو قصر، والباطل باطل طال الدهر أو قصر؛ وما ضاع حق وراءه طالب.
ولذلك فمن لم يؤد الحق في الحياة الدنيا ويرد الحقوق لأصحابها أو يطلب منهم السماح والمغفرة، سيؤتى به يوم القيامة حيث لا درهم ولا دينار، وسيكون مديناً لزيد أو لعمرو من الناس بدينار أو أكثر، وعندما لا يكون هناك دنانير ولا دراهم يعطى بذلك من حسناته، ثم إذا انتهت تزال سيئات ذلك المظلوم ويحملها هذا الظالم، فيخرج المظلوم وكأنه اشترى حسنات هذا بدراهم معدودة لا تكاد تغنيه ولا تسمن من جوع ولا ترويه من عطش.
стр. 1837
تفسير قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله)
قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٣٢].
يقول ربنا: ليس هناك أعظم افتراء وأكبر جرماً ممن جاء يوم القيامة وقد كذب على الله وكذّب بالصدق، ونسب لله شريكاً أو ولداً وصاحبة، وجاء وقد كذّب بالرسالة الحق التي أتى بها أنبياء الله ورسله وكذب بكتب الله المنزلة لتأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر.
فقوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ) استفهام تقريري، أي: لا أظلم منه ولا أكبر كفراً ولا جريمة ممن كذب على الله فيما ادعاه على الله من كفر وجحود، ثم جاء مكذباً لرسالات الله وكتبه.
قوله: (كذب على الله) أي: نسب له ما ليس بحق، قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر:٣٢] أي: كذب برسل الله وأنبيائه وكتبه والحقائق الثابتة من الدين.
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٣٢] يقول الله مستفهماً استفهاماً إنكارياً تقريرياً، إذ ينكر على هؤلاء ويوبخهم ماذا كانوا ينتظرون عندما جاءوا يوم القيامة وهم كذبة على الله وكذبوا بالصدق إذ جاءهم: هل كانوا ينتظرون جزاء وشكوراً وهم لا يؤمنون بالآخرة ولا يؤمنون بيوم البعث والنشور، فقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٣٢] أي: ألم يدر هؤلاء أن مثواهم جهنم؟! والمثوى: الإقامة الدائمة.
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٣٢]
و
الجواب
بلى، أخذ من سياق القول، وهذا من بلاغة القرآن وفصاحته ومعجزاته، فلا أظلم ممن جاء كاذباً على الله ومكذّباً بالحقائق، ولا مثوى لهؤلاء ولا مقام ولا دار إلا جهنم خالدين فيها أبد الآباد ودهر الداهرين.
стр. 1838
تفسير قوله تعالى: (والذين جاء بالصدق وصدق به)
стр. 1839
معنى قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر:٣٣ - ٣٥].
هذه مقابلة، إذ القرآن متشابه ومثاني، جاء القرآن بالآيات متشابهة في الحق والذكر والبيان وهي مثنى مثنى تذكر الشيء وضده، تذكر الكفر والإيمان، والجنة والنار، وأولئك كذّبوا الصدق وكذبوا على الله، وهؤلاء جاءوا بالصدق وصدّقوا المرسلين.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] جاء يوم القيامة ومعه الصدق، جاء، وقد صدّق ربه وكتابه ونبيه، وصدّق بالحقائق كلها.
قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣] أي: أولئك هم المؤمنون الصالحون، الذين اتقوا الباطل والشرك، وجعلوا بينهم وبينه حواجز من الطاعات ومن الإيمان بالله وبرسله.
وذكر أن الذي جاء بالصدق هو رسول الله ﷺ ، وهذا من المسلم به، جاء رسول الله وجاء الرسل أجمعون بالصدق، قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] صدّقوا أنفسهم وكانوا رسلاً لأنفسهم.
وقيل: إن الذي جاء بالصدق هو جبريل.
فقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣] أي: الملائكة متقون، والرسل والأنبياء متقون، فهم معصومون عن الزلل والخطأ ولكن سياق الآية لا يدل على ذلك؛ يدل على أن المقصود هم الجن والإنس غير المعصومين؛ لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر:٣٤ - ٣٥] فهؤلاء قوم مسيئون جاءوا بمعاصٍ وذنوب غفرها الله لهم، ثم جازاهم وأحسن إليهم بأحسن أعمالهم.
فنحن الذين نخطئ ونذنب ثم نعود بتوفيق الله لطلب المغفرة من ربنا فيغفر لنا، فهي صفات غير الملائكة والأنبياء وإن كانوا هم الذروة من الذين جاءوا بالصدق من الله وصدّقوا ما جاءوا به، ولكنهم لم يكونوا مسيئين يوماً ولا مذنبين.
فقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] أي: من الجن والإنس جاء يوم القيامة بالصدق، وهذه بخلاف الآية السابقة: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر:٣٢] فهؤلاء الكفرة جاءوا كاذبين على الله ناسبين له الشريك والولد، أما هؤلاء فعكسهم تماماً، جاءوا بالصدق يوم القيامة وبتوحيد الله والإيمان برسله، والعمل بشريعته حسب جهدهم وطاقتهم.
يخبر ربنا عن هؤلاء أنهم هم المتقون المؤمنون الذين اتقوا الذنوب والمعاصي فلم يفعلوها، وإذا فعلوها تابوا واستغفروا وأنابوا إلى الله ورجعوا، والله يغفر لمن يشاء.
والله أكرم هؤلاء الذين جاءوا بالصدق وصدقوا به ووصفهم بالتقوى، فقال: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٣٤] مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، جعلنا الله معهم.
стр. 1840
معنى قوله تعالى: (لهم ما يشاءون عند ربهم)
قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ [الزمر:٣٤] أطلق الله لهم المشيئة، أي: كل ما شاءوا ورغبوا فيه من أنواع الملذات والشهوات والراحة والسعادة، من قصور ومآكل ومشارب وحور عين، وما هو أعظم من ذلك، وهو رؤية الله العظيم المتعال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:٢٤] أي: ينعمون وأثر النضارة والجمال بادية على وجوههم وواضحة في حواسهم، وهم مع ذلك ينظرون إلى ربهم وهذا ألذ اللذائذ.
ولذلك ورد في الحديث القدسي أن الله ﷻ يقول لعباده وهم في الجنة: هل أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا! ماذا تزيدنا وقد أعطيتنا ما لم يخطر في بالنا من مشارب ومساكن ومآكل ومن حور عين، فيقول الله لهم: أريكم وجهي، فيتجلى لهم ﷻ بوجهه الكريم، وهذا يفهم من قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِم﴾ [الزمر:٣٤] فهم لهم في الآخرة ما يشاءون من رحمة ورضاً وجنان.
قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٣٤] أي: تلك مكافأتهم وعطاؤهم وأجرهم، والإحسان: أن تؤمن بالله وتزيد على ذلك مع اليقين والطاعة.
ثم زاد ربنا فقال في تمام هذا الجزاء: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر:٣٥].
يكفّر الله أي: يستر ويغفر، وأصل الكفر: الستر، يقال: فلان كفر، أي: غطى الحقائق وحجبها، والمغفرة كذلك: الستر، من الغفارة: وهو ما يغطى على الرأس في الحرب ليقيه ضرب السيوف والنبال والرماح.
فقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر:٣٥] أي: أقبح ما صنعوه في الدنيا، وأقبح ما يكون بعد الإيمان وهو بغير حق؛ ومعنى ذلك: أن الله يغفر أعظم السيئات لمن جاء تائباً موحداً ومصدقاً، قال الصدق وعمل به وصدّق به.
قوله: (أسوأ): أفعل تفضيل على يقتضي المشاركة والزيادة من السيئات، ولكن أسوأها وأقبحها يغفره الله، وإذا غفر الله الأكبر والأسوأ فمن باب أولى أن يغفر الذي دونه؛ وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] لم يذنبوا فقط بل زادوا في الذنب بإسراف، والإسراف: الزيادة في الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ودون الشرك جميع الذنوب وجميع الآثام.
قال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر:٣٥].
أي: وفي المقابل يجازيهم بأحسن أعمالهم ويكافئهم، وأعظم الأعمال لا إله إلا الله والصلاة وبقية الأركان، فالله يجازيهم عليها.
ولذلك فالتوحيد هو الفارق بين أهل الجنة وبين أهل النار، فمن جاء يوم القيامة وهو موحد فإن مآله دخول الجنة والرضا والرحمة، ومن جاء كافراً وإن أتى بأعمال صالحة تصير كلها سراباً هباء، وهو خالد مخلد في النار.
فقوله: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر:٣٥] أي: ويجزيهم ربهم من الأعمال أعلاها وأكرمها وأسماها، وأسوأ السيئات يغفرها، وهو يجازي على القليل بالكثير، فالحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما يشاء الله، فقد قال الله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٣٤] أي: بغير حساب ولا كيل ولا ميزان، يحثو لهم حثواً.
стр. 1841
تفسير سورة الزمر [٣٦ - ٤٢]
الله تعالى هو الخالق الرازق، وهو الذي يكفي عباده الصالحين شر الكافرين، وهو الذي أنزل الكتاب على عبده محمد ﷺ لهداية من طلب الهداية، وهو الذي يتوفى الأنفس بالنوم والموت، فهو المستحق للعبادة والتوحيد، ولا يعجزه الكافرون الظالمون.
стр. 1842
تفسير قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده)
قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر:٣٦ - ٣٧].
يقول تعالى لنبيه: بلّغ جميع عبادي العابدين: أليس الله بكاف عبده؟
الجواب
بلى، وهو استفهام تقريري جوابه فيه، فهذا الذي يخوف بعمل مخلوق وجبروته وظلمه، ويخوف بشؤم الأصنام والأوثان، فاكتف يا محمد! وهكذا يدافع الله تعالى عن الذين آمنوا ويكافئهم ويتولاهم.
قوله: (عَبْدَهُ): أي: عابده، فيدخل في الدرجة الأولى الأنبياء والملائكة ويدخل بعد ذلك المتقون الصالحون من عباد الله جناً وإنساً، والمعنى: أفلا يكفي إنسان أن يدافع الله عنه ويحميه ويتولى رعايته وكفايته ونصرته؛ وقد قال الله ذلك عندما قال الكفار لرسول الله: إنا نخاف عليك من آلهتنا وأنت تسبها وتزيفها، ألا تخاف أن تصيبك بخبال وجنون وتُمرضك؟ فهؤلاء يخوفون أولياء الله والعابدين بالأصنام والأوثان التي لا تنفع ولا تضر.
فقوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] أي: يخوّفون رسول الله بمن هو دون الله من أوثان وأصنام لا تضر ولا تنفع، ولا تعي ولا تعقل.
ثبت في الأثر أن رسول الله ﷺ أخبر خالد بن الوليد أن في الطائف صنماً يؤلهونه وأمره أن يكسره، فوافق خالد وهو الأمير ليضرب هو ومن معه هذا الصنم ويفتتوه، فأخذوا يصيحون ويحذرونهم: إياكم أن تمسوه فيصيبكم خبال وبلاء، فقال خالد: ليس للصنم إلا أنا، فأخذ فأساً وارتفع في وجهه وكسر أنفه وعينه ورأسه ثم رمى به.
فالمشركون خوّفوا رسول الله ﷺ كما خوفوا خالداً وقد دخل مكة ﵊ فاتحاً معززاً مظفراً، فأتى الكعبة وكان فيها ثلاثمائة وستون صنماً فأخذ يقول: (﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]) وفي يده عصاً يكسر بها هذه الأصنام فتسقط وتترامى، وأخذ من لا يزال على شركه يخوّفه مما يفعل ﷺ ، فيقول الله له وللقائمين بوحدانية الله، الكافرين بالشرك والأوثان: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦].
فهؤلاء قد ضلوا وكفروا وخرجوا عن الحق، وأغرقوا أنفسهم في الباطل، فهم ضلوا عن علم، وضلوا بعد مجيء الرسالة ومجيء كتاب الله، وبعد أن علّمهم وعرّفهم بالأدلة الأصولية التي لا ينكرها إلا أعمى البصيرة قبل أن يكون أعمى البصر، فبقوا على أصنامهم وعلى أوثانهم، ومن ضل فلا هادي له من دون الله، وليس له من يهديه إلا الله، والرسل يهدون وإنما كلّفوا بالبلاغ وبالدعوة ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢].
قال تعالى: وحتى لو أمرت إنساناً فائتمر ونهيته فانتهى فإن منك البلاغ، أما الهداية فهي حيث شرح صدره للإسلام ووسع قلبه لقبول الحكمة؛ وإلا فقد تكون أبلغ وأفصح من ذلك، وأكثر دلالة من ذلك، ولكن الذين تدعوهم مصروفون عن قول الحق وسماع الصدق، ويأبون إلا الكفور والفجور، وقد يجدون أفضل من كلامك فيغلقون آذانهم ويقولون: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦].
فقوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] أي: من دون الله وهم كل ما خلق الله مما اتخذوه وثناً وطاغوتاً شريكاً مع الله ونداً، قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦] أي: من أضله الله لا هادي له وسيبقى على ضلاله إلى أن يُخلّد في النار ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] أي: يشرح صدره لقبول الموعظة وسماع كلام الله وإدراك فهمه وفهم تفسير رسول الله ﵊، فمن هداه الله فلا يخاف ضلال أحد.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر:٣٧] بلى يا ربنا! إنك أنت العزيز الذي لا ينال جنابه، والعزيز الذي من اعتز بك عز ومن اعتز بغيرك ذل، فالله يُعز المؤمن وينتقم من الكافر المشرك، وإنما العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون؛ فالمؤمن يشعر بالعزة وبالعظمة نتيجة إيمانه وتعلقه بالله، فلا عزيز إلا الله ولا عزيز إلا من أعزه الله، ومن يذلل الله فلا مُعز له، كما أن الله ينتقم من أعدائه الكفرة يهوداً ونصارى ومنافقين، ويدخلهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً كلما نضجت جلودهم بدّلهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.
وقوله: (ذي انتقام) من الأسماء الخمسة التي تُرفع بالواو وتُنصب بالألف وتُجر بالياء، فتقول: جاء ذو مال، ورأيت ذا مال، ومررت بذي مال، وجاء ذو دين، ورأيت ذا دين، ومررت بذي دين.
стр. 1843
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
يقول تعالى: سل هؤلاء المجانين الحمقى: من خلق السماوات والأرض؟ فإنك لو سألتهم لقالوا: الله (لئن) بالقسم مؤكدة بنون التوكيد الثقيلة، فلو أنت سألتهم من الذي خلق هذه السماوات العلا وهذه الأرضين السفلى لقالوا: بإن الله هو الذي خلقها، فهم مع وثنيتهم وشركهم يعترفون بأن الله خالق السماوات والأرض، ولكن لا يؤمنون بالبعث والنشور، فتراهم يعبدون أصناماً وأوثاناً ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فمن جنونهم ووراثتهم الوثنية والصنمية يقولون: عبادتنا لهم هي عبادة شفاعة، لنتخذهم قربى وزلفى إلى الله، وهم بذلك يزيدون ضلالاً، وقد كانوا قبل الإسلام عندما يحجون ويلبون يقولون: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فهم يقولون له شركاء ولكن هذه الشركاء لا تملك شيئاً وهذا من تمام الضلال؛ ولذلك يقول الله لنبيه: قل لهؤلاء: من خلق السماوات والأرض، ودعهم يعترفون بأنهم حمقى لا عقول لهم، ولا منطق لهم من دليل ولا برهان عقلي ولا نقلي.
أي: فهل يستطيع هؤلاء الشركاء أن يكشفوا عني هذا الضر الذي أصابني الله به؟ ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨] أو لو أرادني الله برحمة فأكرمني بنعمة أو مال وجاه وعبادة وتقوى وسلطان وأمر بمعروف ونهي عن منكر، هل يستطيعون أن يمسكوا رحمة الله عني؟
الجواب
هم أعجز من ذلك، وهو مفهوم من السياق، ولذلك قال الله لنبيه: ﴿قُلْ حَسْبِيَ الله﴾ [الزمر:٣٨] إذا كان هؤلاء الذين يدعون من دون الله مهما كانوا من بشر أو جن أو ملك، ليس بإمكانهم أن يمسكوا الرحمة عن أحد، فإذاً لم الخوف منهم؟ ولم هيبتهم؟ ولم الاهتمام بهم؟! ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عباس وغيره قال: قال النبي ﵊: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، فإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).
يخبرنا نبينا ﷺ مبيناً لمثل هذه الآيات أن الخلائق كلها من آدم إلى آخر إنسان، ومن إبليس إلى آخر شيطان، ومن جبريل إلى آخر الملائكة، لو اجتمعوا وأرادوا ضُرّك بشيء لم يكتبه الله عليك لما استطاعوا، ولو اجتمعوا جميعاً على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك في صحيفتك لما استطاعوا جفّت الصحف بما هو كائن إلى يوم القيامة، لقد كتب الله في اللوح المحفوظ ما كان ويكون إلى قيام الساعة قبل خلق الخلق بألفي عام، واليوم فيها كألف سنة مما تعدون، أي ألف سنة تصبح ألف ألف مليون سنة.
يقول ربنا ﷻ وهو يسائل نبيه ﵊ ليظهر كذب المشركين وضلال الضالين أن من يدعى من دون الله لا يملك مع الله ضراً ولا نفعاً، فالجميع أعجز عن ذلك وأضعف من ذلك، فما كتبه الله لك من خير لن يستطيعوا إمساكه، وما قدر الله عليك من ضر لن يستطيعوا كشفه، ولذلك علّم الله نبينا أن يقول: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] أي: كفاني الله رازقاً وخالقاً، فحسبي الله ﷻ في قدرته ووحدانيته وإرادته الخير إن شاء أو الضر إن شاء، فلا نفع بالمشركين ولا بالوثنيين ولا بأصنامهم وأوثانهم ولا بما هو غير الله.
فقوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] أي: حسبي ربي رازقاً ومعيناً ومؤازراً ومحامياً ومدافعاً، وكل أولئك هباء في هباء.
قوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] أي: يجعلون الله وكيلهم القائم بأمورهم، وعندما يأتي المؤمن ويفعل ذلك عن رضاً وقناعة وفهم وإدراك ووعي، يكون ذلك من كمال الإيمان والإيقان ويجازى على ذلك، وأحسن ما يجازى به المؤمنون الأتقياء المتوكلون مضمون قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق:٣] أي: كافيه وحاميه ورازقه، ومن يعتز بالله اعتز، ومن حاول أن يعتز بغيره ذل.
стр. 1844
تفسير قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم)
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر:٣٩ - ٤٠].
يا محمد! قل لقومك ولمن أمرت بدعوتهم للإيمان: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ﴾ [الزمر:٣٩] وهذا تهديد ووعيد، قل: اعملوا على دينكم وعلى مذهبكم وطريقتكم، وأنا سأعمل على طريقتي وديني كما أمرني الله.
قوله: (اعملوا)، ليس هو أمر بالعمل ولكنه ترك وإهمال ونسيان، ثم هو وعيد وتهديد، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر:٣٩ - ٤٠] فسوف هي للتسويف البعيد بالنسبة لهم، يعني: يوم القيامة ستعلمون من يحل عليه عذاب يخزيه في الدنيا والآخرة، فسوق تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه في الدنيا من ذل وهوان وقهر وغلبة واستعباد وقتل وأسر وتشريد وتدمير، وقد حدث كل هذا وما زال يحدث.
قال: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر:٤٠] فيوم القيامة عذاب دائم، عذاب مقيم لا يزول أبداً؛ فهم في الدنيا في خزي وعذاب مهين، وفي الآخرة لهم عذاب مقيم دائم، كلما نضجت جلودهم بُدِّلوا غيرها ليزدادوا عذاباً.
стр. 1845
تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق)
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر:٤١].
يقول ربنا بأنه أنزل الكتاب على نبيه ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٤١] أي: أنزلنا عليك الكتاب لتكون به بشيراً ونذيراً لجميع الناس، عرباً وعجماً، مشرقاً ومغرباً، من عاصرك في حياتك ومن جاء بعدك وإلى يوم القيامة، فلا نبي ولا رسول ولا دين بعدك ولا كتاب؛ وهذه من الآيات التي تؤكد وتتفتح لعلوم الأمثال الخالدة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨].
فقد أنزل الله الكتاب على رسوله ﷺ ليكون للناس بشيراً ونذيراً معلماً ومبيناً، من اهتدى به فقد اهتدى، ومن أعرض عنه فقد ضل، أنزله الله بالحق، فكل ما فيه حقيقة بعقائده وأحكامه وآدابه وقصصه، وحقيقة بما قصّه علينا من أخبار الأولين، وبما يُخبرنا من أخبار الآتين إلى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر:٤١] بعد البيان والعلم، وبعد الرسالة وتمام البلاغ.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ [الزمر:٤١] من قبِل هداية القرآن ورسالته، فهداية محمد ﷺ فلنفسه، والهداية يعود نفعها عليه، فهو الذي سيمتع برحمة الله ورضوانه وبالخلود في الجنان.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الزمر:٤١] أي: ومن أبعد عن الطريق وضاع عنها، وسلك الطرق المعوجة وترك القرآن الكريم، وقبل ديانة النصارى وديانة اليهود وديانة عبدة الأوثان، وكل ذلك قد غُيّر وبُدّل وحُرّف، فمن ترك الحق فقد ضل ونفسه أضر وضلاله على نفسه عائد عليها بالضرر والهوان والخلود في النار، فهو أبعد ما يكون عن الهدى.
وقد بيّن الله الحق وأنزل الرسل وتبقى الحجة البالغة لله، فإذا سئل عند موته: من ربك؟ من نبيك؟ ولم يجب فلا يلومن إلا نفسه؛ لأنه سمع الكتاب المنزل عليه وقرأ السنة بياناً وشرحاً، سمعها من أبيه أو أخيه أو شيخه أو من مجتمعه أو من أي مكان.
سمع في الأرض أن إنساناً من جزيرة العرب اسمه محمد خرج من مكة ثم انتقل إلى المدينة، يقول: أنا رسول الله للناس جميعاً جئتكم بالهدى وبسعادة الدارين، جئت منذراً للكافرين بالنار ومبشِّراً المؤمنين بالجنة؛ فهو عندما يسمع ذلك ويبلغه يصبح ملزماً بالإيمان وبالإسلام، والجهل ليس عذراً، وعدم معرفة العربية ليس عذراً، فإن لم يعرفها فليتعلمها، فإن لم يتعلمها فليسأل أهل هذه اللغة ليفسروا له، أما أن يبقى على ضلال ويقول: ما علاقتنا! هذا نبي المسلمين! بل نبي العرب والكتاب منزل على العرب، فهذا يضحك الشيطان عليه حتى إذا جيء به يوم القيامة ووقف الملكان على رأسه وأخذا يسألانه من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ وأخذ يهذي ولا يجيب ويقول: سمعت ناساً يقولون وآخرين يقولون، لن ينفعه هذا من عذاب الله في شيء؛ ولذلك أنذر الله وبشر، وأمر نبيه الخاتم أن يبشّر وينذر بأمره وبنهجه؛ لذلك كثيراً ما كان يحذّرنا نبينا ﵊ وينصحنا ويقول: اجتهدوا حياتكم قبل مماتكم، وشبابكم قبل شيخوختكم، وصحتكم قبل مرضكم، وفراغكم قبل شُغلكم، وإلا فالوقت كالسيف إن لم تقطعه بالعمل فيه وبالعبادة فيه وبالتفكر فيه فاتك الزمان، وإذا بك يوماً من الأيام ميت، وبعد الموت لن ينفعك شيء، قال تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر:٤١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود:١٢].
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠].
فوظيفة الأنبياء البلاغ وليست الهداية، الهداية بيد الله سبحانه وهذا القرآن جاء بلاغاً من رسول الله عن ربه ﷻ ، فلا حجة لنا ولا لمن سبقنا ولمن يأتي بعدنا ولا لأحد في الأرض في مغاربها ومشارقها، فكل من بلغه أن هناك عبداً لله قال أنا نبي الله، ودعا إلى القرآن الكريم وبالرسالة الهادية ثم أعرض عن ذلك إلا أصبح من المشركين الكافرين عليه عذاب الله الخالد ولا عذر له ولله الحجة البالغة.
стр. 1846
تفسير قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها)
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢].
يقول ربنا في هذه الآية الكريمة بأن الموت موتان: موت لا يبقى فيه حس ولا شعور في الإنسان، وهو الموت الذي يأخذ الله فيه الروح البتة، وموت يكون عند النوم.
فقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ [الزمر:٤٢] أي: تنتهي آجالها وأوقاتها ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] والإنسان مشتمل على نفس وروح، فالنْفس هو هذا النَفَس ولا يزال الإنسان في حركة ما دام هذا النفس، وهناك الروح؛ وقد تقف الروح ويبقى النفس، وإذا وقفت الروح فلا نفس، يقول تعالى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢] أي: يأخذها ويستوفيها ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر:٤٢] يستوفيها كذلك في منامها.
ولذلك نحن عندما ننام لا نحس ولا ندري ولا نعي فإذا صحونا زال المنام، وعندما ننام نكون قد أخذ الله الروح، فالله ﷻ إذ ذاك من قضى عليها الموت من النفس أخذها إليه، ومن لم يقض عليها الموت أعادها إلى الجسد ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] أي: إلى الأجل المقدر لكل مخلوق، وقد قال نبينا ﵊ إن الإنسان ينام كما يموت، ويستيقظ كما يبعث، فشبّه النوم بالموت، فالإنسان عندما يموت فجأة يفقد الإحساس والحركة، والنائم كذلك، وعندما يُبعث الإنسان يوم القيامة يُحس بالحركة كما نصحو بعد النوم.
وقال النبي ﵊ كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁: (إذا أراد أحدكم أن يضطجع على فراشه فلينزع داخلة إزاره ثم لينفض بها فراشه فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم ليضطجع على شقه الأيمن ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
أي: إذا أخذت روحي وأنا نائم فارحمها، وإذا أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، أي: احفظها في دينها وصحتها من فتن العصر.
ومن المعلوم في السيرة النبوية أن النبي ﵊ كان ينام على يمينه ويضع باطن يده اليمنى تحت خده الأيمن، وينام المسلم على جهته اليمنى والقلب في الجهة اليسرى؛ لأنه يكون أقرب للصحو والاستيقاظ لصلاة الفجر، وإن نام على الجهة اليسرى يكون أكثر في الاستغراق في النوم والتخلف عن صلاة الفجر في وقتها.
ويقول علي ﵁: تجتمع الأرواح عند الله -أرواح الموتى وأرواح النائمين- ثم تعود أرواح النائمين عندما يُرسلها الله؛ وفي هذه الحالة إذا رأى الإنسان حلماً وروحه في السماء لم تنزل بعد فستكون رؤيا صدق وحق، وإذا رأى رؤيا وقد أخذت روحه تنزل وهي في طريقها إليه تكون تلك الرؤيا من الشيطان، والأرواح الميتة في دار الحق، والذي يذكر عنها هو حق سواء كان خيراً أو كان شراً، وأهل النعيم في نعيم حق، وأهل الشقاوة في شقاوة حق، النار حق والجنة حق، ونحن نرى في المنام أشياء عجيبة إذ نرى موتى وهذا يكون كثيراً.
يقول تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٤] سئل النبي ﵊: ما بشرى الدنيا يا رسول الله؟ قال: (الرؤيا الصالحة يراها المؤمن وترى له) ونفسّرها عنه بأن هذه الرؤيا الصالحة هي التي لا تزال في السماء مع الأرواح فما رآه الإنسان وهو في منامه وروحه لا تزال في السماء، فإن رؤياه حق إما بشارة بخير أو إنذار من سوء وهو كذلك حق.
والنبي ﵊ يقول: (الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا حديث نفس، ورؤيا من الشيطان) ويأتي ذلك عند تفاصلهما.
قال تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢] أي: التي أماتها والتي سبق في علمه أنها استوفت أيامها يقبضها الله إليه ويمسكها، بحيث لا تعود للبدن ﴿وَيُرْسِلُ الأُخْرَى﴾ [الزمر:٤٢] التي لم يقض الله عليها بوفاء أجلها وبموتها فيرسلها إلى الجسد، يرسل النفس الأخرى والروح الأخرى ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢] أي: إلى الأجل المكتوب.
ونحن لا نزال في أرحام أمهاتنا عندما يأتي الملك المكلف بزرع الأرواح يقول: ما أجله؟ فيكتب كم يعيش الإنسان حسب أمر الله وإرادته.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] أي: إن في هذا لعلامات وأدلة قاطعة تدعو إلى الحق اليقين وإلى الإيمان.
قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢] أي: لقوم سليمي العقول والإدراك ولا يصنع هذا إلا الله.
وقديماً تساءل الناس ما هي الروح؟ وحديثاً يتساءل الناس ما هي الروح؟ وسيبقون يخبطون خبط عشواء، فالروح مما استأثر الله بعلمها، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] وعلى دعوى الإنسان في العصور الماضية والعصور الحاضرة بالعلم والمعرفة أن الروح التي بين جنبينا تصاحبنا وتماشينا ومع ذلك لا نعلم ما هي؟ فإذا قال إنسان: نحن نقوم ونجلس ونأكل ونشرب ونحب، فهذه علامات وجود الروح.
стр. 1847
تفسير سورة الزمر [٤٢ - ٤٦]
استأثر الله تعالى بعلوم غيبية لا يطلع عليها الناس، ومن ذلك ماهية الروح، وإذا كان الإنسان عاجزاً عن بعض هذه العلوم، فلا يجوز له أن يتخذ آلهة من دون الله، فضلاً عما يكون عند المشركين من الاشمئزاز لذكر الله والاستبشار عند ذكر شركائهم الذين من دون الله.
стр. 1848
أقوال العلماء في معنى الروح
قال الله ﷻ : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢].
يخبرنا ﷻ بأن النوم وفاة، وأن الموت وفاة، يقول الله تعالى: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)) أي: الله يستوفي أجلها وحياتها، فالتي ماتت يمسكها ولا يعيدها، والتي سبق في علمه أنها ستبقى يرسل لها روحها إلى أجل مسمى عنده، وقد قال ﵊: (النوم كالموت والصحو كالبعث)، ونحن عندما ننام كأننا متنا، فهو شبيه بالموت من حيث فقد الشعور والإحساس والإدراك، واستيقاظنا من نومنا كالبعث عند القيام للحشر والعرض على الله.
واختلف علماؤنا: هل النفس هي الروح أو الروح مختلفة؟ ظاهر القرآن يدل على أن النفس هي الروح، وأن الروح هي النفس، قال تعالى: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا))، فقد ذكر كل ذلك موتاً سواءٌ كان عند الموت التام أو عند النوم.
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥].
وذهبوا يتكلمون عن الروح ما هي؟ فقالوا: هي جسم لطيف أشبه بذات الإنسان طولاً وعرضاً، وأشبه بصفات الإنسان المرئية.
ولكن هذا كلام قالوه والقرآن يخالفه، فقد سئل ﷺ عن الروح كما يقول ربنا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥].
فالله قد استأثر بعلمها.
فلذلك قال ربنا: ((وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)) أي: لم نؤت من العلم على سعة علوم البشر وكثرتها وتنوعها وتفننها إلا القليل.
وقصة موسى والخضر تؤكد ذلك وتزكيه، عندما سئل موسى: هل تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: لا، فقال الله له: بل عبدنا الخضر، فرجا ربه وضرع إليه ليجمعه به، وليتعلم من علمه، وإذا به قطع البراري والقفار، والشواطئ والصحاري، من صحراء فلسطين إلى طنجة؛ حتى بلغ مجمع البحرين: البحر المحيط والبحر الأبيض، كما قال أبو هريرة ﵁ وغيره، فوجد موسى الخضر ﵉ فسأله أن يعلمه من علومه، فقال: إنك لا تصبر على ذلك، قال: بلى، فاشترط عليه ألا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً، إلى أن جمع معه ثلاث قصص وثلاث قضايا فكان موسى في عقب كل قصه يستنكر ما رأى.
وفي الثانية: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف:٧٦].
وفي الثالثة كذلك انتقده وعابه، فقال له الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] أخذ يحدثه بحكم ذلك وتفسيره، وأخبره بالمغزى من القصة كلها، وقد وقف طائر على شاطئ البحر، وأخذ قطرة من الماء، فقال الخضر: يا موسى! أرأيت هذه القطرة يأخذها هذا الطائر، ما علمي وعلمك وعلم جميع الخلائق إلى علم الله إلا كهذه القطرة يأخذها هذا الطائر من البحر.
وذاك معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] أي: لو أن بحار الأرض جميعها وخلفها مثلها كانت مداداً، وكانت الشجر أقلاماً لجفت البحار والأقلام، ولا ينفد علم الله بحال.
فالذي أخذه المفسرون وعلماء الفلسفة وعلماء الكلام في تعريف الروح هو ضرب من الظن ورجم بالغيب، إذ ليس الأمر كذلك، فالله لم يطلع أحداً على معرفة الروح، وكل ما نستطيع قوله هو ما يتعلق بأثرها، فمن كان فيه روح يتحرك، ويتنفس، ويرضى ويغضب، ويأكل ويشرب فكل ذلك أثر من آثار الروح وليست الروح نفسها.
قال عمر ﵁ -وفي المجلس علي وجماعة من الصحابة: عجبت لأمر الرؤيا يرى الإنسان الرؤيا في منامه لم تكن تخطر له على بال في عالم الصحو واليقظة، فإذا به يصحو وكأنه يلمسها بيده، فقال له علي: أتعلم مغزى ذلك وحكمته؟ قال: لا، قال: قوله تعالى: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)) يحصد أروح النائمين كل ليلة؛ فتجتمع في الملأ الأعلى فتتذاكر وتتحاور، فما دامت في السماء يرى الرائي -وهو النائم ولم يقدر بعد أخذ روحه منه- فتلك الرؤيا صادقة ترى في السماء، تراها روحه، وتتحدث بها، فعندما تعود للجسم تتحدث وتكون رؤيا صدق، وما تحدثت به ورأته في منامها وقد نزلت وقد جاءت فتكون رؤيا كاذبة من الشيطان، فعجب عمر، وقد قال مثل ذلك ابن عباس وسعيد بن جبير وآخرون من السلف صحابةً وتابعين ﵃.
قال الله تعالى: ((فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ)) أي: يتوفى الأنفس، ويستوفي حياتها وأيامها، وتكون عنده في الملأ الأعلى، فالذي قضى في سابق علمه نهايتها يمسكها إليه، ويرسل الأخرى التي لم يقض بعد بموتها، فتعود للبدن إلى أجل مسمى عند ربنا، فيعيش سنة أو مائة أو أقل أو أكثر، ويعلم ذلك الله ﷻ .
ولذلك فإن النبي ﵊ كما في الصحيحين والسنن يقول: (إذا أراد أحدكم أن يدخل في فراشه فلينفض داخلة إزاره، فهو لا يدري ما خلفه بعده، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
ويعلمنا النبي ﷺ أن ننام جهة اليمين، وأن نضع الكف اليمنى تحت الخد الأيمن، كما كان يفعل ﷺ ، وأن ندعو بهذا الدعاء: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها وإذا أنت أرسلتها فاحفظها) أي: احفظها من الذنوب والآثام إلى أن تقضي بأخذها.
قال تعالى: ((وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ)) أي: إلى وقت مسمى وزمن معين عنده ﷻ .
قال تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) إن في أخذ أرواح النائمين وأرواح الموتى وكيف يصنع ربنا ذلك لعلامات دالة على قدرة الله، وعلى انفراده بالقدرة والوحدانية، وعلى أنه القادر على كل شيء وأن غيره لا يقدر على شيء، وأنه لا شريك له سبحانه.
فقوله: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)) أي: لعلامات لكل متفكر في قدرة الله، ولكل واع مؤمن، وفي الأثر: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله)؛ إذ ذات الله لا تسعها العقول ولا تصل إليها، وكل ما خطر على بالك فالله يكون مخالفاً لذلك.
стр. 1849
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء)
قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤].
يقول ربنا عن هؤلاء المشركين الكفرة: ((أَمِ اتَّخَذُوا)) أم: استفهام تقريعي توبيخي، أي: هل أهؤلاء الكفرة المشركون اتخذوا من دون الله شفعاء، أي: آلهة؛ ليشفعوا لهم من عذاب الله، هذه الآلهة التي زعموا أنهم ما عبدوها إلا لتقربهم إلى الله زلفى، هل ستشفع لهم يوم القيامة من الخزي والعذاب ومن غضب الله؛ هل يملكون شيئاً في الدنيا، هل يعقلون أو يميزون، هل ينفعون أو يضرون؟ فما بال هذه العصور الضائعة الزائفة تعبد الجمادات، وتعبد أجساماً لا تضر نفسها ولا تنفعها، فكيف بها تنفع غيرها أو تضرها؟! ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤].
أي: قل يا محمد! لهؤلاء: إن الشفاعة لله جميعاً، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فلا يقبل الله الشفاعة إلا ممن رضي له قولاً وأذن له أن يشفع، والله لا يأذن لوثن ولا لصنم، فإن الصنم جماد لا يعي ولا يعقل ولا يدرك ولا يملك من أمر نفسه شيئاً، حتى الشفاعة للملائكة وللرسل، بل والشفاعة العظمى لسيد الخلائق محمد ﷺ لن تكون إلا بإذن الله.
فعندما تأتيه الخلائق والأمم من أمة آدم ﵇ إلى أمة نبينا ﵊، يقوم عند ذلك ويقول: (أنا لها)، ولا يشفع حتى يخر ساجداً تحت العرش، ويدعو الله بمحامد -يقول نبينا ﷺ : ولا أعلمها الآن، يعلمني الله إذ ذاك إياها، فيشفع ويقول: يا رب، ويضرع إلى الله بأن يأذن له بالشفاعة، بعد زمن لا يعلم كم، يوم أو سنة أو أكثر أو أقل، فيقول الله : (يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع)، وهذا هو المقام المحمود الذي وعده الله لخاتم أنبيائه، وهو مع ذلك لا يكون إلا بإذنه وأمره، فكيف بهذه الأصنام وهذه المعبودات الباطلة، أن تشفع وأن يصدر عنها ضر أو نفع، وهي أعجز من ذلك، وأضل من ذلك وأضعف.
فقوله: ((قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)) أي: كل الشفاعات؛ شفاعات الملائكة، وشفاعات الأنبياء والرسل وشفاعات الصالحين من آباء وأبناء، وشفاعات العلماء من كبار وصغار، كل هذه الشفاعات بجميع أنواعها هي بيد الله ولا يأذن لأحد في إحداها إلا لمن رضي ولمن أذن له، قال تعالى: ((مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)).
قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤].
أي: الله الواحد، مالك السماوات والأرض وما بينهما، خالقها ومدبرها، رازقها والقائم عليها ﷻ .
قال تعالى: ((ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) أي: يوم القيامة، ثم تبعثون بعد الموت، فحساب فعقاب فجنة ونار، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
فليس لهؤلاء الأنداد ولا لهذه الأوثان مع الله أمر أو نهي، إنما هي أوهام وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 1850
تفسير قوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة)
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥].
وما أشبه اليوم بالأمس، فإن الله يخبر عن هؤلاء الكفرة الجاحدين المشركين بأن من عوائدهم وأخلاقهم أنه إذا ذكر الله وهم يسمعون اشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥].
فقوله: (اشمأزت قلوبهم) أي: نفرت وحاصت حيصة حمر الوحش، واستكبرت وتضايقت وعافت السامع وملته، فلا تريد أن تسمع لله ذكراً، وذاك من كفرها وإصرارها على الكفر؛ ومن عدائها جهلاً وضلالاً؛ لجهلها بالله ومقامه، إذا سمعوا اسم الله تعالى ضاقت نفوسهم ونفرت قلوبهم، واستكبروا على الله ولا يريدون أن يسمعوا لله ذكراً.
قال تعالى: ((وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)) أي: إذا ذكر الأوثان والشركاء، وإذا ذكر من زعم له العلم ممن يسمى فيلسوفاً ومفكراً وعاقلاً ومدبراً، ((إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)) أي: يفرحون، وهذا كما وصف الله به من مضى من الكفار السابقين، ومن عاصر محمداً ﷺ ، ولا تزال هذه الصفة الكاشفة لكل كافر إلى يومنا هذا.
فإنك إذا جئت مجتمعاً فيه كفرة مشركون، تجدهم لا يهابون سيفاً ولا يهابون حاكماً؛ لأن الحاكم من نوعهم، والنائب من جنسهم والزعيم من أشكالهم، فإذا قلت: باسم الله، حاصوا حيصة حمر الوحش وقالوا: لم باسم الله؟! وإذا قلت: الحمد الله، صاحوا في وجهك وقالوا: وما ذكر الله؟! وأعلم وأسمع في بلاد المسلمين أنه يقف الأستاذ الجامعي يحاضر تلاميذه، فيبتدئ درسه بباسم الله، وإذا بهم يقومون في وجهه كالوحوش الكاسرة: لم باسم الله؟! هذه بداية الرجعيين المتخلفين، وإذا ختم الدرس بالحمد الله، حاصوا وجنوا، فإذا قال هذا المتكلم: ماركس وقال: لينين وما إلى ذلك من هذه الأسماء القذرة تطارحوا عليه تطارح الفراش على النار، والأمر كما وصف الله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] أي: يفرحون ويعدون ذلك بشرى، وهذا في ديار الإسلام ممن تلاعبت بهم اليهودية والصليبية والإلحاد والنفاق بكل نعوته وصفاته، فأفسدوا العقول، وأضلوا العقائد، وأذلوا البشرية، وأصبحوا أحقر من الحيوانات، بل كما وصفهم الله: ﴿أولئك كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف:١٧٩].
فهذه هي الصفة التي وصفهم بها خالقهم، ولذلك فهم الرجعيون حقاً والمتخلفون حقاً، فآباؤهم وأجدادهم وأولياؤهم من الكفار السابقين، هم الذين اتصفوا بهذه الصفات، ينفرون إذا سمعوا ذكر الله، ويحصل لهم اشمئزاز في النفوس والقلوب، ويستكبرون في أنفسهم ويقولون: دعنا من ذكر اسم الله.
وأعلم شخصاً هلك قريباً، كان وزيراً كاتباً وابن رجل صالح، جاءني يوماً بمقال قال لي: ألا ترى؟ كتبت عدة أوراق ولم أذكر اسم الله قط، وأنت تكتب ولا يكاد يمر سطر إلا وفيه باسم الله، والحمد الله، وإن شاء الله، وإذا أراد الله، فقلت له: (تلك شكاة ظاهر عنك عارها!) وهلك قريباً، ولا أدري على أي حال هلك، وإن كان من بيت كريم ينتسب للشرف والعلم والصلاح، ولكن الشيطان -ونعوذ بالله من وساوس الشيطان- إذا عادى عالماً، وعادى صالحاً، وعجز عن الإضرار به وإفساده طمع في أن يصل إلى أولاده، فنعوذ بالله أن يقدره علينا أو على أولادنا أو على أسباطنا.
فقوله تعالى: ((وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)) أي: من دون الله، وهذه صفة هؤلاء الأوساخ ممن ينتسبون للبشر، هذه صفتهم القديمة والمحدثة، ومن عجيب الأمر أن يقولوا مثل هذا ويجاهروا به مع قلة أدبهم وقلة حيائهم مع الأساتذة وقت محاضراتهم، ولا يجد هؤلاء رادعاً من الدولة، لا من كبيرها ولا من وزراءها، ولا من حكامها، فكلهم يؤيدون الكفر ويشجعونه، وينافحون عنه، فلو قام هذا، ولطم هذا، وطرد هذا لقامت عليه الدنيا: أنت محدث أو جبار.
أما أن يسمع ذكر الله بسوء، ويسمع الإعلان بالكفر بالله والاشمئزاز من ذكره، فيقولون له: تلك حرية، تلك أشياء شخصية لا دخل لك فيها؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله! كل هذا في هذا الوقت السوء، في هذا العصر عصر الشيطان واليهود، وعصر الصليبية والنفاق بكل أشكاله، أعاذنا الله والمسلمين جميعاً منه، ومن وساوس إبليس.
стр. 1851
تفسير قوله تعالى: (قل اللهم فاطر السماوات والأرض)
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦].
أي: قل يا محمد! وادع ربك وناجه، وقل: ((اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)).
اللهم: أي يا الله، يا فاطر السماوات، يا خالقها ومبدعها على غير مثال سابق.
والفطر: الخلق على غير مثال سابق، فليس هناك شيء سابق إلا الله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن.
فالله هو الذي فطر السماوات بمن فيها وما فيها وما بينها، وهو فاطر الأرض وما عليها وما تحتها، وما فيها من إنس وجن وحيوان، وما فيها من بحار وصحاري وكل ما فيها، فالله هو الذي ابتدأها وفطرها وخلقها على غير مثال سابق، فنادِ يا محمد! ربك وادعه، لا كأولئك الذين لا يريدون أن يدعوا الله.
قوله تعالى: ((عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)) أي: يا عالم الغيب -وهو ما غاب عن الناس- يا عالماً بالأسرار! يا عالماً بما في الضمائر! يا عالماً بما في الخواطر.
وقوله: ((وَالشَّهَادَةِ)) أي: الحاضر والعلانية، أي: تعلم ما أعلن؛ فأنت تعلم ما أسر وما أضمر وما لم تتحدث به إلا النفوس والضمائر، ولا تخفى عليك خافية يا ربنا يا إلهنا.
قال تعالى: ((أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)): أنت الذي ستحكم يوم البعث والنشور، عند الحياة الثانية لهؤلاء الخلائق، أنت الذي ستعرضهم عليك وتحكم بينهم باختلافهم؛ فأنت تعلم المحق من المبطل، وتعلم من الذي أتى الهداية والذي عاش على الضلالة، ومن الذي قال الحق والذي عاش في الباطل، فستحكم بينهم يوم القيامة ((فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)).
تحكم بين النصارى ودعواهم: أن الله ثالث ثلاثة، وبين اليهود ودعواهم أن عزيراً إلههم، وتحكم بين اليهود والنصارى والمسلمين؛ وتحكم بين الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحبابه من النصارى واليهود، وتحكم للمسلمين الذين قالوا: إن الله واحد في ذاته، واحد في صفاته، وواحد في أفعاله، وأنه الخالق القادر الرازق المدبر للأمر، ليس له شريك لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
في الصحيح والسنن: سئلت السيدة عائشة ﵂: (يا أم المؤمنين! بماذا كان يبتدئ رسول الله ﷺ إذا قام للصلاة في الليل؟ قالت: كان يقول: الله أكبر، ثم يقول: اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي إلى صراط مستقيم).
وقال رسول الله ﷺ لـ أبي بكر وعبد الله بن عمرو ولغيرهما ﵃: (إذا أصبحت وإذا أمسيت فقل: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون من قال ذلك حين يصبح، ومن قال ذلك حين يمسي يحفظه الله من كذا وكذا)، أو كما قال ﷺ .
وهذه الآيات جاءت بياناً للتوحيد وللهداية إلى الحق، وللإيمان الصدق بعد كفر أولئك الذين جعلوا مع الله شركاء، والذين إذا ذكر الله يستكبرون، والذين إذا سمعوا اسم الله تجدهم قد اشمأزت نفوسهم ونفرت قلوبهم، وحاصوا حيصة حمر الوحش، أما المؤمنون حقاً فهم الذين إذا ذكر الله اطمأنت قلوبهم، إذا ذكر الله فزعت قلوبهم، إذا ذكر الله تجدهم إذا هم بجميع خلايا جسومهم، وبجميع أعضائهم حامدون شاكرون راجعون لله فرحين، عكس أولئك المنافقين.
قال تعالى: ((أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ)) أي: أنت يا الله الحكم الحق، وأنت الحكم الذي تهدي الناس إلى سواء الصراط المستقيم، فمن آمن في الدنيا فله السعادة، ومن أشرك إلى ما بعد الموت يعرف الحقيقة، ويكون قد فاته الزمن، وقد مات على الشرك، فلا ينفعه إذ ذاك إيمان ولا توحيد ولا عودة إلى الحق؛ لأن الإيمان الذي قلنا به في دار الدنيا هو إيمان بالغيب.
أما حين يصبح الإيمان إيمان حضور وشهود فإنه يكون الكافر والمؤمن إذ ذاك سواء، قال تعالى: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
стр. 1852
تفسير سورة الزمر [٤٧ - ٥٢]
يوم القيامة يتمنى الكفار لو كان لهم ملء الأرض ذهباً ليفتدوا به من العذاب الذي كانوا به يكذبون، ولكن هيهات! فإنه ليس هناك إلا حساب ولا عمل، وقد فاتهم الأوان حين لم يتعظوا في الدنيا بمن كان قبلهم من الظالمين فعاقبهم الله.
стр. 1853
تفسير قوله تعالى: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
يقول الله عن هؤلاء الكفرة المشركين: يوم القيامة عندما يصبحون أمام العذاب وجهاً لوجه، ويسحبون إلى النار فإنه في تلك الساعة يتمنون ويرجون، ولات حين مندم، إذ يندمون على ما فات منهم، ويتمنون لو كان لهم ملء الأرض؛ بشرها وجنها وأرضها وجبالها وبحارها وخيراتها وأرزاقها وجيوشها ودولها ومثل هذا معه ليفتدوا به من عذاب الله، وأن الله يقبل ذلك لافتدوا به ولكن هيهات! فأين الأرض يومئذ، وأين كنوزها وجيوشها، وأين دولها؟ قد أصبحت في أمس الدابر، قد فنيت فيما فني، وذهبت الدنيا بما فيها؛ من خيرها وشرها، وفقرها وغناها، ولم يبق إلا الله والدار الآخرة، من جنة أو نار.
فهم يخوضون في الأماني الباطلة والخواطر الزائفة، ويخوضون في أشياء لا تفيدهم، وإنما تزيدهم حسرةً وألماً وهواناً وعذاباً نفسياً، وعذاباً جسدياً، فهم إذ ذاك من سوء العذاب يتمنون ولات حين أماني، يندمون ولات حين مندم على ما صدر عنهم في دار الدنيا من شرك وكفر، فلو أنهم يقدمون كل ما في الأرض فداء لأجسامهم ولأرواحهم من عذاب الله الذي أصبحوا بمواجهته، ولكن هيهات هيهات! قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، أي: وظهر لهم من الله وعقابه وحسابه وعذابه، ما لم يكونوا يحتسبون، وما لم يكن يخطر لهم ببال، وما لم يقبلوه في دار الدنيا وما لم يصدقوه وهم أحياء، فقد كانوا يعملون ويظنون أنهم يحسنون صنعاً، كانت تضيع أيامهم وسنواتهم، وحياتهم في عمل الباطل وهم يظنون أن ذلك العمل هو الذي يفيدهم وأنه سيكون لهم أجره وثوابه يوم القيامة إن كان ثم قيامة، فهم لا يعتقدون بها، ولا يدينون بكينونتها.
ولذلك فإن ما كانوا ينفونه ويكفرون به يجدونه إذ ذاك مواجهة وأمام أعينهم وهم في ذل وهوان، فيسحبون على وجوههم إلى النار، ولا يفيد منهم قول ولا عمل، ولو ردوا إلى الحياة الدنيا لعادوا لما نهوا عنه، وإنما هي أباطيل منوا بها أنفسهم، وهيهات هيهات أن يكون لهم من هذه الأماني شيء! وقد بدا لهم وظهر ما لم يتوقعوه، مع أن ذلك قد أخبرتهم به أنبياؤهم، ونزلت به عليهم كتب ربهم، وبُين ذلك تفصيلاً للعمل في الدنيا والعمل للآخرة، كل ذلك بُين وفُصل، وهانحن لا نزال أحياء، ومثل هذا الذي سيقولونه نسمعه وندرسه ونفهمه عن ربنا ﷻ وعن نبينا ﷺ .
فلا يمكن أن تقول نفس عند البعث والنشور: لم يبلغني ذلك، ولم أسمع ذلك إلا الآن! فقوله: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)) أي: ظهر لهم ما لم يكونوا في دنياهم يحسبونه ويظنونه أو يخطر لهم ببال؛ وذلك من ضلالهم وجهلهم ومن جعل الرصاص في آذانهم، وإلا فالقرآن قال ذلك: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] القرآن قرر ذلك وقرع أسماع المؤمنين والكافرين صباحاً ومساء، وقد جاءت بهذا الأنبياء منذ آدم إلى خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فاعتذارهم وظنهم الواهي بأن ذلك لم يكن يخطر لهم ببال، ذاك من شركهم وجهلهم.
стр. 1854
تفسير قوله تعالى: (وبدا لهم سيئات ما كسبوا)
قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزمر:٤٨].
أي: ظهر لهم ما كانوا يظنونه من أعمال صالحة، أنها أصبحت سيئات وضلالات، وبدا لهم أنه شرك ووثنية، وأنه لا ينفعهم بل ضرهم.
قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ أي: كانوا يستهزئون ويتضاحكون من المؤمنين والصالحين، ومن أنبياء الله المرسلين، ومن كتب الله المنزلة عليهم، وكانوا يقابلون كل ذلك بالهزء والسخرية، وعلى أنه كلام ملفق ودعاوى من هؤلاء، ولم يكونوا مرسلين ولا أنبياء، والكلام كلامهم، والكتب قولهم، أعانهم عليها قوم آخرون، فبقوا على هذا الضلال وعلى هذا الكفران إلى أن ماتوا وهلكوا ودمروا وأصبحوا جيفاً منتنة، وعندما أعيدوا وبعثوا ورأوا ما لم يكن يخطر لهم ببال، وما لم يكن يحتسبونه، وما كانوا يحسبونه صالحاً؛ بدا لهم أنه سيئات وذنوب ومعاص ومخالفات لله ولرسله، ولورثتهم من العلماء والصالحين والدعاة إلى الله، فأحاطت بهم سيئاتهم إحاطة السوار بالمعصم.
فقوله: (ما كانوا) أي: الذي كانوا به يستهزئون ويسخرون، ويتضاحكون.
فقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزمر:٤٨] أي: أحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به، ويتضاحكون منه، وهكذا طال كفرهم خبثهم إلى أن وقعوا في هاوية خبثهم وكفرهم وضلالهم وبعدهم عن الله، ووجدوا ما كانوا يهزءون به أنه هو الحق الصراح وأنه هو الحق الذي لا حق سواه.
стр. 1855
تفسير قوله تعالى: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٤٩].
قال تعالى: وبعض هؤلاء ولعلهم أماثلهم وصالحو كفارهم، كان إذا أصابه الضر، أي: أصيب وبلي بضرر أو بكارثة في جسده أو روحه أو ماله أو في أولاده أو في أي شيء يضره ويؤذيه؛ ((دَعَانَا)) إذ ذاك فيذكر الله ويتضرع إليه ويدعوه كشف الضر عنه، فلا يعلم ذلك ولا يقوله، ولا يعلنه إلا إذا امتحن بالضر والبلاء.
وذاك خلاف ما قال الله في الحديث القدسي: (تعرف إلي في الرخاء أعرفك في الشدة)، يقول ربنا: تعرف إلي وأنت في هناءة من العيش وعافية وصحة وغنى أعرفك في الشدة والمصيبة.
فاعبد الله، واضرع إليه وادعه، قم الليل ساعات، وابك على خطيئتك، واستغفره من ذنوبك، وتصدق بما أعطاك الله، وأحسن إلى الفقير والمسكين واليتيم والأرملة والمريض العاجز، فإن فعلت ذلك وأنت في نعمة وعافية ورخاء فإنك إذا أصبت بالبلاء يعرفك الله ويكشف ضرك ويزيل ما آذاك وأضرك وأمرضك، ويزيل ما أسقطك في الفراش وطرحك.
قال تعالى: ((فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا)) الألف واللام تدل على الجنس، أي: جنس الإنسان في الأغلب، لا يذكر الله ولا يتذكر الدعاء والضراعة إليه، ولا يتذكر قدرته ووجوده إلا إذا أصابه ضر في جسد أو مالٍ أو أي شيء يؤذيه.
قال تعالى: ((ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً)) أي: إذا ملكه الله نعمة، كأن يكون جعل له نعمة العافية، نعمة رفع الضر، نعمة إجابة الدعاء.
قوله: (مِنَّا) أي: من الله ﷻ ، ((قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ))، أي يقول: هذا كان بعلم مني ومعرفة وذكاء وفهم وإدراك، لذلك استطعت كسب المال وشفاء جسدي، والتملك على الناس وبذل الجاه؛ لأن الله ﷻ علم صلاحي وأهليتي لذلك، فأعطاني في دار الدنيا مالاً وجاهاً، فالذي أعطاني ذلك في دار الدنيا سيعطيني في الآخرة أعظم من ذلك.
فهكذا يفتري على الله الكذب؛ كفراً للنعمة وعدم شكر لها، والأمر كما قال تعالى عن شكر النعمة: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، فالشكر على النعم يزيدها، والكفر بها يزيلها ويسلبها، فهذا يكفر النعمة فيسلبها وتزول عنه، ويعود لهوانه ولضره وبلائه، وهيهات هيهات أن تكون العافية لمن أتى يوم القيامة جاحداً مشركاً.
((ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ)).
يقول تعالى: ليس كما زعم هذا الجاهل -هذا إضراب عن قوله، بل هو فتنة أي: اختبار من الله، يختبر هذا العبد حتى يشكر الله على نعمه وعافيته ويصبر عليها، فإن لم يفعل كان قد امتحن فرسب، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان، فهذا المرء امتحن ورسب وأهين عند الامتحان، وكان يعيش بالدعوى فتبين أن دعواه كاذبة، وليست مستندة على أصل أو واقع.
قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] أي: يبتلي الله البشر بالخير فتنة وبالشر فتنة، والله يرزق من يرزق ويوسع عليه، إياك أن تغتر وتقول كما قال هؤلاء الكفار: أنا رجل أعلم التجارة والزراعة وأعرف كيف أتصرف، فإن هذا المال الذي ملكته وهذا الجاه وهذا الخول نتيجة معرفتي وعلمي، فمن يقول ذلك فقد كفر بالله، وجحد نعم الله، ويوشك من يفعل ذلك أن يسلب النعمة.
قال تعالى: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ)) أي: أكثر هؤلاء المبتلين لا يعلمون، فالكافر كافر، ولكن معناه أن بعض هؤلاء ربما يتوبون وينيبون ويوحدون الله، ويبقى الأكفر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
فهؤلاء لا يعلمون أن ذلك ابتلاء واختبار من الله، بل فليبادروا إلى شكر النعم وليبادروا إلى الصبر على البلاء، ويعبدوا الله في الرخاء وفي الشدة، وفي الرخاء أكثر، فإن فعلوا يوشك أن يذكرهم الله في الشدة، وأن يستجيب ضراعتهم ودعواتهم، وإذا هم لم يفعلوا كان ذلك في الدنيا وبالاً، وفي الآخرة عذاباً.
стр. 1856
تفسير قوله تعالى: (قد قالها الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر:٥٠].
أي: قالها قارون كما قص الله في كتابه عندما أعطاه من كنوز الدنيا ما تعجز العصبة أولو القوة على حمل مفاتيحها، فعندما قيل له: اشكر الله واحمد الله، وآمن بموسى -وهو من قومه من بني إسرائيل-: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، فكانت النتيجة أن خسف الله به الأرض هو وعرشه وماله وكنوزه ومفاتيحه ذهب في الأمس الدابر ودفن بجميع ما يملك؛ كنوزاً وقصرواً ودوراً وأولاداً وخشباً وحشماً وخدماً، فكأن ذلك لم يكن يوماً، ودعك ما يدبر لهم الله في الآخرة.
فقوله: ((قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) أي: قد قال ذلك أقوام من قبل، وإنما قارون مثال منهم، فهؤلاء أصيبوا في أبدانهم وأموالهم، فدعوا الله وضرعوا إليه، حتى إذا كشف عنهم الضر وعافاهم وشفاهم، وقيل لهم: اشكروا الله، قالوا: إنما أوتينا الذي أوتينا على علم منا ومعرفة ودهاء وبراعة وعلى علم منا أننا أهل لذلك، وأن سيؤهلنا للجنة يوم القيامة، هذا مع شركهم وكفرهم وجحدهم للأنبياء ورسالات الله وكتبه.
فقال الله لهؤلاء المشركين في عصر النبي ﵊ ومن يجيء بعدهم إلى يوم القيامة: ((فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) أي: لم يغنهم، ولم يفدهم، ولم يدفعهم عن بلاء ولا مصيبة، ولم تشكر لهم نعمة، إذ هم كفروا بالنعمة، فجميع ما كسبوا من ملك وحطام ومال وجاه وشباب وأولاد وأتباع كل ذلك كان وبالاً عليهم ونقمة، وكان زيادة في العذاب والابتلاء والفتنة، فهكذا يضرب الله الأمثال ويعلم الحاضرين ويعطيهم الدروس والعبر من السابقين، إن وجدت آذان سامعة أو قلب يسمع الحق وهو شهيد.
стр. 1857
تفسير قوله تعالى: (فأصابهم سيئات ما كسبوا)
قال تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١] أي: وأصابهم سيئات أكلهم للحرام، وفسادهم في الأرض، وشركهم بالله واتخاذهم الناس عبيداً وخوراً وجحودهم للأنبياء ولكتب الله، وبعدهم عن الحقائق، وعيشهم في الأباطيل والسفاسف.
((فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)) أي: أهينوا وأصيبوا بذنوبهم وبسيئات ما كسبوه وارتكبوه وعملوا به.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١].
يقول الله عن هؤلاء الذين عاصروا النبي ﵊ من كفار جزيرة العرب، ومن كفار الفرس والروم، وكفار الدنيا جميعها: هؤلاء الذين لم يؤمنوا، والذين أبوا إلا الكفر والجحود والعصيان، إذا عاثوا في الأرض فساداً وزادوا كفراناً وجحوداً؛ فـ (سيصيبهم سيئات ما كسبوا)، أي: يصابون بمصائب نتيجة ما اكتسبوا وارتكبوا من شرك وظلم وباطل وأكل أموال الناس بالباطل ومن فساد في الأرض.
قال تعالى: ((وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ)) أي: ليسوا بفائزين ولا يعجزوننا.
فالله القادر على كل شيء، وهم أقل من أن يعجزوا الله، فمن مضى قبلهم كانوا أعظم كفراناً وأكثر أقواماً وأموالاً وجنداً وحضارة ومع ذلك عاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة نتيجة شركهم، بين خسف وصعق وغرق وتشريد وبلاء، ولم يفلت منهم أحد.
فما قص الله علينا عن قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم فرعون، وقوم لوط وأقوام من بني إسرائيل، إلا ليكونوا عبرة لقوم محمد ﷺ وللمؤمنين من أمته، حتى إذا أشبهوا النصارى عوقبوا عقابهم، وإذا قلدوا اليهود عوقبوا عقوبتهم، وإذا قلدوا قوم لوط عوقبوا عقوبتهم.
فما ذكر الله ذلك إلا للعبرة والحكمة وأخذ الدرس منهم، لا لنعلم قصة، ولا لنطلع على حكاية، ولا لنمضي وقتاً في قصة لا نعلم ما بها ولا نسعى إلى معرفة حكمها وفوائدها.
فقوله: ((وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)) أي: ينذرهم الله ويتوعدهم أنه سيصيبهم كذلك سيئات اكتسابهم وارتكابهم كما حصل للأمم السابقة.
قوله: ((وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ)) أي: لن يعجزونا، فهم لا يعجزون الله، وهيهات هيهات! ما أعجزوا محمداً ﷺ وهو بشر مثلهم، فقد قتل منهم من قتل، وشرد من شرد، وأسر من أسر، وصادر من صادر، وطرد من طرد، وهكذا في حكومات الخلفاء الراشدين، في مشارق الأرض ومغاربها، ومن أتى بعدهم من الملوك الصالحين، ومن الفاتحين العادلين.
стр. 1858
تفسير قوله تعالى: (أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق)
فهؤلاء الذين قالوا إنما ملكنا وتقوينا وكان لنا من الكنوز ما كان هو بعلمنا، وبمقدرتنا وبما جعل الله فينا من أهلية هو أعلم بها، ولن يزيدنا يوم القيامة إلا أحسن من ذلك وأكرم، فهؤلاء لا يزالون على الشرك؛ لذلك قال الله: قل يا محمد لهم: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر:٥٢].
استفهام تقريعي توبيخي، أي: ألم يعلم هؤلاء أن الله يرزق من يرزق ويمنع الرزق عمن يشاء؟ فقوله: ((أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ)) أي: يوسعه يكثره.
قوله: ((وَيَقْدِرُ)) يقدره ويقلله، أي: هو الذي يفقر من شاء ويغنى من شاء له الحكمة البالغة، وكل يعامله بما هو خير له مآلاً وخير له حالاً.
أولم يعلموا أن الغنى والفقر ليس بمحبوبية ولا بكراهية، ولكنه ابتلاء من الله لخلقه منذ خلق آدم وحواء إلى يوم القيامة، وليس لسعة متكبر ولا لذلة ذليل، ولو كان كذلك لكان الأنبياء أغنى خلق الله على الإطلاق.
وقد عرض على نبينا ﵊ جبال مكة والمدينة ذهباً وفضة فأبى ذلك، وقال: (أعيش نبياً عبداً، أشبع يوماً فأشكر، وأجوع يوماً فأصبر)، وهو مع ذلك سيد الملوك الأباطرة، الشريف من الخلق والكبير من وضع رأسه عند نعله وبين قدميه.
ودعك ممن لا يعلم قدر النبي ﵊؛ فقد كان لا يهاب الملوك والأغنياء ﷺ ، بل هم الذين كانوا إذا رأوه هابوه وارتعدوا منه، كان يجيئه الرجل فيضطرب ويرتعد فيقول له: (هون عليك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة).
ولولا رحمة الله بأمته وأتباعه لما استطاعوا الجلوس بين يديه، أما رفع البصر بين يديه فما كانوا يستطيعونه، إذ كانوا يجالسونه وكأنما على رءوسهم الطير هيبةً وحباً واحتراماً، أما أن يهابوه كالملوك، فهذا كلام من لم يعرف من هو نبي الله، ولم يتأدب بعد بأدب رسول الله، ولم يعلم المقامات ليعطيها منازلها، وليعطيها حقوقها، وكثير من الناس، وممن يزعم العلم يظن أنه يعطي الحق عندما يقول مثل ذلك، وإذا به يضيع الحق ويقل من الأدب مع المصطفى ﵊.
فقوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ)).
أي: ألم يعلموا أن الغنى والفقر ليس بإكرام ولا إذلال، ولكن لله في ذلك الحكمة، والصالحون من الأنبياء فمن دونهم كانوا يستعيذون من الدنيا وغناها، ويبعدون عنها بعدهم عن المجذوم، فقد قال ﵊ -ولله في ذلك حكمة-: (إن لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر، ولو أغناهم لأفسدهم، وإن لله عباداً لا يصلحهم إلا الغنى، ولو أفقرهم لأفسدهم)! ومن هم هؤلاء؟ الله يعلم، ولكن نحن نعلم بتعليم الله لنا، فقد كان لنا زملاء على مقاعد الدرس، كانوا فقراء مدقعين وقلما يجدون قوت يومهم، وكانوا على غاية من الصلاح والدين والأخلاق، وإذا بنا نكبر ويكبرون، ويتولون المناصب فيتخولون الأموال والجاه والسلطان والخدم والحشم، وينسون الله ألبتة؛ فلا صلاة ولا صيام ولا ذكر لله، ولا خوف منه، ألم يكن من صالحهم أن يبقوا فقراء، أليس من الخير أن ينزع عنهم مالهم ليعودوا إلى الله؟ وما أرى إلا أن الران قد صعد على قلوبهم ونسوا الله فأنساهم أنفسهم وتركهم، والله لا ينسى، ولكن نسيان الله لهم هو تركهم وعدم المبالاة بهم.
وهذا شيء متعلق بإرادة الله وقدرته وحكمته لا بعلم عند هؤلاء، ولكن إذلال لأولئك، كم من فقير لا يجد قوت يومه هو عند الله أكرم وأشرف من جماهير ممن يملكون الملايين.
стр. 1859
تفسير سورة الزمر [٥٣ - ٥٩]
يدعو الله تعالى عباده الذين أسرفوا على أنفسهم إلى التوبة، وألا يقنطوا من رحمة الله، فإنه يغفر جميع الذنوب، فعليهم المبادرة إلى التوبة في الدنيا قبل التحسر والندم يوم القيامة.
стр. 1860
تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم)
قال الله ﷻ : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
هذه الآية الكريمة هي أرجى آية في كتاب الله، هي آية تدع الإنسان يرجو رحمة ربه ولا يقنط منها مهما صدر عنه من ذنب وجريمة.
فبعد أن قص الله علينا حال المؤمنين ثم حال الكافرين ذكر في هذه الآية الكريمة رحمته الشاملة، فذكر أنه يغفر الذنوب جميعاً ولو كانت ملء السموات والأرض لمن جاءه تائباً مستغفراً.
فقوله: ((قل))، أي: قل يا رسول الله! ونادِ عبادي، يا عباد الله! لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً.
والمعنى: يا محمد، ناد الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم، ناد الذين أسرفوا على أنفسهم وتجاوزوا الحد في الذنوب، وقتلوا النفس التي حرم الله، وكفروا بالله وجعلوا له شريكاً، وظلموا الناس، قل لهؤلاء الذين أسرفوا على أنفسهم: ((لا تقنطوا)) أي: لا تملوا ولا تيأسوا ((من رحمة الله))، ومن عفوه ومغفرته، ((إن الله يغفر الذنوب جميعاً))، سواء كانت من كافر أو كانت من مؤمن أو كانت من عاص، فجميع تلك الذنوب يغفرها الله؛ لأنه هو الغفور الرحيم.
والغفور: صيغة مبالغة، أي: كثير المغفرة والستر لذنوب عباده.
والرحيم: الذي يرحم عباده التائبين المستغفرين؛ ولذلك يقول بعد: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أي: توبوا إلى الله وارجعوا إليه تائبين مستغفرين نادمين على ما صدر منكم.
وهذه الآية قال عنها عبد الله بن مسعود: هي آية الفرج للناس كلهم كافرهم ومؤمنهم.
وقال علي كرم الله وجهه: هي أعظم آية وأرجى آية في كتاب الله أي: أكثر الآي رجاءً وطمعاً في رحمة الله للمذنبين العصاة المخالفين.
ذات مرة خطب ﵊ على المنبر، وذكر هذه الآية حتى اهتز فرحاً وارتج المنبر، حتى قال ابن مسعود: لقد ظننت أن المنبر سيخر برسول الله ﷺ وهو يتلو هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، ثم قال ﵊: (ما أود أن لي الدنيا بحذافيرها وألا تكون نزلت هذه الآية علي).
جاء عن أنس بن مالك وعن أبي أيوب الأنصاري وعن عبد الله بن عباس ﵃ فيما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن: أن النبي ﵊ قال: (لو أن أحدكم أتى بذنوب ومعاص ملء السماوات والأرض ثم تاب إلى الله وندم لغفر الله له).
ثم قال: (ولو لم تذنبوا ثم تتوبوا وتستغفروا لأتى الله بأقوام يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم، ثم تلا هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣]) الآية.
فالله ﷻ هو التواب الغفور الرحيم، أخبرنا بهذه الآية ونحن ما زلنا أحياء، فهو ينصحنا ويوجهنا ويدخلنا في رحمته، ويدلنا على الطريق التي نتبعها ليغفر لنا خطايانا.
جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! لقد غدرت غدرات، وفجرت فجرات في الجاهلية، فهل لي من مغفرة؟ قال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، وأشهد أنك رسول الله، قال: لقد غفر لك على ما كان منك).
وجاء أقوام وذكروا لرسول الله أنهم زنوا وقتلوا وكفروا وأشركوا؛ هل لهم من مغفرة إذا تابوا، فأنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣].
والقنوط: اليأس، و ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
وقف عبد الله بن مسعود ﵁ على واعظ يعظ ويعلم، فوجده يتكلم عن النار وسلاسلها وعذابها وما فيها من مقت وغضب، فقال: يا مذكر! لا تقنط الناس من رحمة الله، وقد قال ﵊: (الإسلام يجب ما قبله)، وقد وعد الله ﷻ المستغفرين التائبين أن يغفر لهم وأن يتوب عليهم، وذلك معنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فالله لن يغفر الشرك إلا لمن كان حياً ثم تاب من شركه وأناب وعاد للإيمان والتوحيد، أما من مات على الشرك وعلى الكفر فلا مغفرة له البتة، ولو أتى بملء الأرض ذهباً وبمثله معه فداءً فلن يغفر الله له.
فقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] أي: يا أيها الذين أذنبوا وعصوا وأفرطوا في المعصية، يا من ارتكبت من الكبائر أكبرها وأفظعها وأعظمها، لا تقنطوا ولا تيأسوا من رحمة الله؛ إن الله يغفر الذنوب جميعاً كبائرها وصغائرها، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] أي: يغفر الذنب ويرحم المذنب بالمغفرة.
следующие страницы →